← Баляга

Баляга · id 147062

حاشية الدسوقي على مختصر المعاني

محمد بن أحمد الدسوقي

Полный текст (2 334 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

من ظاهر العبارة أن المزاوجة هى أن يجمع بين معنيين فى الشرط ومعنيين فى الجزاء كما جمع فى الشرط بين نهى الناهى ولجاج الهوى، وفى الجزاء بين إصاختها إلى الواشى ولجاج الهجر؛ وهو فاسد إذ لا قائل بالمزواجة فى مثل قولنا: إذ جاءنى زيد فسلم على أجلسته، وأنعمت عليه؛ وما ذكرنا هو المأخوذ من كلام السلف. === ما فى ترتب لجاج الهوى على النهى من المبالغة فى الحب لاقتضائه إن ذكرها ولو على وجه العيب يزيد حبها ويثيره كما قال: (١) أجد الملامة فى هواك لذيذة ... حبّا لذكرك فليلمنى الّلوّم وما فى ترتب لزوم الهجران على وشى الواشى من المبالغة فى ضعف حبها، وأنه على شفا إذ يزيله مطلق الوشى فكيف يكون الأمر لو سمعت أو رأت عيبا كما قال: ولا خير فى ودّ ضعيف تزيله ... هواتف وهم كلّما عرضت جفا والمبالغتان مما يستحسن فى كل من المحب والمحبوب، فمن شأن العاشق أن يوصف بمثل ما ذكر ومن شأن المعشوق أن يوصف بالعكس تحقيقا لمعنى العشق، وإلا كان مكافأة ومجازاة فى الود فلا يكون من العشق فى شىء. (قوله: من ظاهر العبارة) أى: لأن ظاهرها أن قوله فى الشرط والجزاء ظرف ليزاوج (قوله: إذ لا قائل إلخ) أى: لأنه لا بد فيها أن يكون المرتب على المعنيين الواقعين فى الشرط والجزاء واحدا وهنا المرتب على المجىء غير المرتب على الإجلاس (قوله: إذا جاءنى إلخ) أى: فقد جمع هنا بين معنيين فى الشرط وهما مجىء زيد وسلامه عليه ومعنيين فى الجزاء وهما إجلاسه وإنعامه عليه ومن جملة أمثلتها قول الشاعر: إذا احتربت يوما ففاضت دماؤها ... تذكّرت القربى ففاضت دموعها (٢) احتربت بمعنى تحاربت والضمير فى تحاربت وفى دماؤها وفى دموعها للفرسان فى البيت السابق، والمعنى: إذا تحاربت هذه الفرسان وتقاتلوا فاضت دماؤها التى سكبوها فى القتال، ثم إذا تذكرت ما بينهم من القرابة الجامعة لهم فاضت دموعها على

стр. 2067

العكس: (ومنه) أى: ومن المعنوى (العكس) والتبديل (وهو أن يقدم جزء من الكلام على جزء) آخر (ثم يؤخر) ذلك المقدم على الجزء المؤخر أولا، والعبارة الصريحة ما ذكره بعضهم؛ وهو أن تقدم فى الكلام جزءا ثم تعكس فتقدم ما أخرت، وتؤخر ما قدمت، وظاهر عبارة المصنف ... === من قتل إشفاقا على قطيعة الرحم أى: إنهم مع كونهم أقارب تحاربوا وتقاتلوا، فزاوج بين الاحتراب وتذكر القربى الواقعين فى الشرط والجزاء فى ترتب فيضان شىء عليهما، وأن المترتب على الشرط فيضان الدماء والمترتب على الجزاء فيضان الدموع. [العكس]: (قوله: والتبديل) عطف تفسير وإنما كان العكس من المحسنات المعنوية؛ لأن فيه عكس المعنى وتبديله أولا، ثم يتبعه وقوع التبديل فى اللفظ بخلاف رد العجز على الصدر فإنه إيراد اللفظين أحدهما فى أول الكلام والثانى فى آخره كما فى قوله تعالى: وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ (١) فلذا كان من المحسنات اللفظية- كذا ذكر عبد الحكيم. وحاصله أن الحسن فى العكس باعتبار أنه يجعل المعنى الواحد تارة مستحقا لتقديم لفظه، وتارة مستحقا لتأخيره، بخلاف رد العجز على الصدر فإن الحسن فيه باعتبار جعل اللفظ صدرا وعجزا من غير تصرف فى معناه بالتقديم والتأخير (قوله: أن يقدم جزء من الكلام) أراد بالجزء الكلمة دون الحروف فيخرج القلب الآتى نحو: مودّته تدوم لكلّ هول ... وهل كلّ مودّته تدوم (٢) لأن فيه تقديم حروف ثم عكسها- ا. هـ أطول. (قوله: والعبارة الصريحة ما ذكره بعضهم) أى: بخلاف عبارة المصنف، فإنها محتملة لغير المراد؛ لأن قوله: ثم يؤخر ذلك المقدم محتمل؛ لأن يكون المراد، ثم يؤخر ذلك المقدم على ذلك الجزء المؤخر، ويحتمل ثم يؤخر ذلك المقدم على غير الجزء المؤخر،

стр. 2068

صادق على نحو: عادات السادات أشرف العادات وليس من العكس. (ويقع) العكس (على وجوه، منها: ... === ويحتمل أن المراد ثم يؤخر ذلك المقدم على الجزء الذى كان مؤخرا أو على غيره، فلذا قال الشارح: وظاهر عبارة المصنف صادق إلخ أى: ظاهرها بدون التأويل الذى قاله الشارح: وإلا فبالتأويل الذى قاله الشارح يخرج ذلك (قوله: صادق على نحو إلخ) أى: لأنه قد قدم جزء من الكلام وهو عادات على جزء آخر وهو السادات، ثم أخر ذلك المقدم؛ لأن ظاهره يؤخر ذلك المقدم سواء أخر على الجزء الذى كان مؤخرا أولا أو على غيره وصادق أيضا على قوله تعالى: وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه لأنه قدم جزء من الكلام وهو تخشى على جزء آخر وهو الناس، ثم أخر الأول وهو تخشى وصادق على قول الشاعر: سريع إلى ابن العمّ يلطم وجهه ... وليس إلى داعى النّدى بسريع (١) (قوله: وليس من العكس) بل هو من رد العجز إلى الصدر، والحاصل أنك إذا قدمت جزءا من الكلام على جزء آخر ثم عكست فقدمت ما أخرت وأخرت ما قدمت كان هذا عكسا وتبديلا، وهو يستلزم تكرار الجزأين الواقع فيهما العكس بالتقديم والتأخير، وإن قدمت جزءا من الكلام على جزء آخر ثم أخرت المقدم على غير المؤخر كان هذا من رد العجز إلى الصدر، وهو لا يقتضى تكرار الجزأين معا. (قوله: ويقع العكس على وجوه) أى: يجىء من مجىء العام فى الخاص، أى: يتحقق فى تلك الوجوه. (قوله: أن يقع بين أحد طرفى جملة وما أضيف إليه ذلك الطرف) وذلك بأن تعمد إلى المبتدأ مثلا وهو أحد طرفى الجملة الخبرية، إذا كان ذلك المبتدأ مضافا لشىء، فتجعله مضافا إليه وتجعل المضاف إليه أولا هو المضاف، على أن ذلك المضاف هو الطرف الآخر الذى هو الخبر، فيصدق أنه وقه العكس فى أحد طرفى الجملة باعتبار

стр. 2069

أن يقع بين أحد طرفى جملة، وما أضيف إليه ذلك الطرف؛ نحو: عادات السادات سادات العادات) فالعادات أحد طرفى الكلام، والسادات مضاف إليه ذلك الطرف، وقد وقع العكس بينهما بأن قدم أولا العادات على السادات، ثم السادات على العادات. (ومنها) أى: من الوجوه (أن يقع بين متعلقى فعلين فى جملتين؛ نحو: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ (١)) فالحى والميت متعلقان ب يُخْرِجُ، وقد قدم أولا الْحَيَّ على الْمَيِّتِ، وثانيا: الْمَيِّتِ على الْحَيَّ (ومنها) أى: من الوجوه (أن يقع بين لفظين فى طرفى جملتين؛ نحو لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ (٢)) قدم أولا هُنَّ على هُمْ، وثانيا هُمْ على هُنَّ؛ وهما لفظان ... === الآخر (فقوله: أن يقع بين إلخ) أى: أن يقع العكس متعلقا بهما، أى: بالطرف وما أضيف إليه لا أنه يقع بينهما، وقوله: أحد طرفى الجملة أى ويكون العكس هو الخبر فى تلك الجملة، كما فى المثال؛ ليكون إطلاق الجملة عليها باعتبار الأول؛ لأن العكس إنما وقع فى عادات السادات وهو مفرد، لكن لما عكس وحملنا عليه عكسه صار المجموع جملة. (قوله: عادات السادات سادات العادات) يعنى أن الأمور المعتادة للسادات أى للأكابر والأعيان من الناس أفضل وأشرف من الأمور المعتادة لغيرهم من الناس. (قوله: بين متعلقى فعلين) أى: أو ما فى معناهما نحو: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ (٣) وخروج الحى من الميت كخروج الدجاجة من البيضة، وخروج الميت من الحى كخروج البيضة من الدجاجة. (قوله: فى طرفى جملتين) أى: موجودين فى طرفى كل من جملتين (قوله: لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ) هاتان جملتان فى كل منهما ضميران أحدهما ضمير الذكور والآخر ضمير الإناث، ففى الجملة الأولى وجد ما للإناث منهما فى الطرف الأول الذى هو المسند إليه، ووجد ما للذكور

стр. 2070

وقع أحدهما فى جانب المسند إليه، والآخر فى جانب المسند. [الرجوع]: (ومنه) أى: ومن المعنوى (الرجوع، وهو العود إلى الكلام السابق بالنقض) أى: بنقضه وإبطاله (لنكتة؛ ... === فى الطرف الثانى الذى هو المسند من تلك الجملة، وعكس ذلك فى الجملة الثانية، فوجد ما للذكر فى الطرف الأول منها وما للإناث فى الطرف الثانى منها، فصدق أن العكس وقع بين لفظين كائنين فى طرفى جملتين. (قوله: وقع أحدهما فى جانب المسند إليه) فيه أن هن فى لا هن حل لهم وهم فى ولا هم يحلون لهن نفس المسند إليه، إلا أنه واقع فى جانبه، فذلك التعبير يوهم وقوع الشىء فى نفسه، وهو فاسد، وأجاب بعضهم بأن التعبير بذلك فى جانب المسند إليه مشاكلة، والأحسن أن يقال: إن المراد بالوقوع بالنسبة للمسند إليه التحقق من تحقق العام فى الخاص، أى وهما لفظان تحقق أحدهما فى كونه مسندا إليه ووقع الآخر أى: وذكر الآخر فى جانب المسند فتأمل. [الرجوع]: (قوله: وهو العود) أى: الرجوع (قوله: بالنقض) الباء للمصاحبة أى: أن يرجع المتكلم إلى الكلام السابق مستصحبا فى رجوعه إليه نقصه وإبطاله، ويحتمل أن تكون للتعليل، أى أن يرجع إليه لأجل نقضه وإبطاله بكلام آخر. (قوله: لنكتة) متعلق بالعود أى: أن الرجوع لنقض الكلام السابق إنما يكون من البديع إذا كان ذلك النقض لنكتة، وأما إذا عاد المتكلم لإبطال الكلام الأول لمجرد كونه غلطا فلا يكون من البديع، والعود بالنقض لنكتة، لأمور: لأجل التحير والتوله: أى: الدهش أو لأجل إظهار التحسر والتحزن على ما فات، فإذا كان الإنسان متولها بحب شىء صار كالمغلوب على عقله، فربما ظن أن الشىء واقع وليس بواقع، فإذا أخبر بشىء على خلاف الواقع لكونه مرغوبا له ثم عاد لإبطاله بالإخبار بالحقيقة، يظهر من ذلك أنه عائد إلى الصدق كرها وفى ضمن ذلك التأسف على فوات ما رغب فيه، ثم إن العود لإبطال الكلام السابق تارة يكون بلفظ بلى وتارة يكون بلفظ لا وتارة يكون بلفظ استغفر الله.

стр. 2071

كقوله (١): قف بالديار الّتى لم يعفها القدم) أى: لم يبلها تطاول الزمان وتقادم العهد، ثم عاد إلى ذلك الكلام ونقضه بقوله: (بلى وغيرها الأرواح والديم) أى: الرياح والأمطار. والنكتة: إظهار التحير والتوله؛ كأنه أخبر أولا بما لا تحقق له، ثم أفاق بعض الإفاقة فنقض الكلام السابق قائلا: بلى عفاها القدم وغيرها الأرواح والديم. === (قوله: كقوله) أى: الشاعر وهو زهير بن أبى سلمى بضم السين وسكون اللام وفتح الميم. (قوله: أى لم يبلها تطاول الزمان) من الإبلاء وهو التغيير، وأشار بقوله تطاول الزمان إلى أن المراد بالقدم فى البيت القدم الزمانى. (قوله: وتقادم العهد) أى: عهد أربابها، وهذا تفسير لما قبله والمعنى قف بالديار التى لم يغير آثارها قدم عهد أربابها لقرب وقت انتقالهم منها، وهذا مرغوب للشاعر لأن قرب الأثر بما يستنشق منه رائحة المحبوب ويقرب له وقت الوصال. (قوله: بلى) أى: عفاها القدم لأن نفى النفى إثبات، فقوله: وغيرها الأرواح عطف على المحذوف الذى دل عليه بلى. (قوله: وغيرها الأرواح) أى: وغير آثارها الرياح فالأرواح جمع ريح؛ لأن أصلها الواو وإنما جاءت الياء لانكسار ما قبلها، فإذا رجعوا إلى الفتح عادت الواو كقولك أروح الماء وتروحت بالمروحة. (قوله: والديم) أى: وغير آثارها الديم جمع ديمة، وهى السحابة ذات المطر الكثير سميت بذلك لدوامها غالبا. (قوله: فنقض الكلام السابق) أى: لأجل إظهار تحسره وتحزنه على فوات ما كان راغبا فيه أو لأجل إظهار التحسر والتوله كما قال الشارح. (قوله: بلى عفاها القدم إلخ) أشار بهذا لما قلنا من أن قوله وغيرها فى البيت عطف على محذوف، أى بلى عفاها القدم وغيرها .. إلخ، فلا حاجة للقول بأن الواو فى قوله وغيرها زائدة، وعطف تغيير الأرواح والديم على عفو القدم من عطف المفصل على المجمل؛ لأن عفو القدم إنما يكون غالبا بتغير الأرواح والديم، ومثال العود لنقض الكلام السابق بلا، قوله: فأفّ لهذا الدّهر لا بل لأهله (٢)

стр. 2072

خفية (وهى ضربان) الأولى: (مجردة؛ وهى) التورية (التى لا تجامع شيئا مما يلائم) المعنى (القريب؛ نحو: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (١) فإنه أراد ب استوى معناه البعيد وهو استولى ولم يقرن به شىء مما يلائم المعنى القريب الذى هو الاستقرار (و) الثانية (مرشحة) وهى التى تجامع شيئا مما يلائم المعنى القريب (نحو: وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ (٢) أراد بالأيدى معناها البعيد وهو القدرة وقد قرن بها ما يلائم المعنى القريب الذى هو الجارحة المخصوصة وهو قوله بنيناها إذ البناء يلائم اليد === أى: وإن لم يكن هناك قرينة أصلا لم يفهم إلا القريب فيخرج اللفظ عن التورية. (قوله: خفية) أى لأجل أن يذهب الوهم قبل التأمل إلى إرادة المعنى القريب، فلو كانت القرينة واضحة لم يكن اللفظ تورية لعدم ستر المعنى القريب للبعيد، واعلم أن خفاء القرينة لا يشترط أن يكون بالنسبة للمخاطب، بل يكفى ولو باعتبار السامعين كما فى الأطول. (قوله: وهو استولى) أى فالاستواء كما يطلق على الاستقرار فوق الجسم يطلق على الاستيلاء على الشىء أى ملكه بالقهر والغلبة كما فى قول الشاعر: قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق والمعنى الأول قريب والثانى بعيد، والمراد منه فى الآية المعنى البعيد أى الرحمن استولى (*) على العرش الذى هو أعظم المخلوقات، فأولى غيره، والقرينة على ذلك خفية وهى استحالة المعنى القريب وهو الاستقرار حسّا على الله تعالى فوق الجرم، وإنما كانت تلك القرينة خفية لتوقفها على أدلة نفى الجرمية وليست مما يفهمها كل أحد. (قوله: ولم يقرن به شىء مما يلائم المعنى القريب) أى: فتكون مجردة لتجردها عما يرشح خفاءها وهو ذكر ما يلائم القريب، وقد يقال: العرش الذى هو السرير يلائم المعنى القريب الذى هو الاستقرار الحسى فلعل الآية من قبيل التورية المرشحة. (قوله: مرشحة) ترك المصنف تعريفها لفهمه من تعريف المجردة بطريق المقابلة (قوله: مما يلائم المعنى القريب) أى: المورى به عن المعنى البعيد المراد، واعلم أن ترشيح

стр. 2073

=== التورية بذكر ما يلائم المعنى القريب تارة يكون قبلها وتارة يكون بعدها، فمثل المصنف بقوله: نحو وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ (١) للترشيح الواقع قبلها وذلك لأن الأيدى جمع يد واليد تطلق على الجارحة المخصوصة وهو المعنى القريب لها، وتطلق على القوة والقدرة وهو معنى بعيد، أريد فى الآية معناها البعيد وهو القدرة اعتمادا على قرينة خفية وهى استحالة الجارحة على الله تعالى (٢)، وقد قرن بها ما يلائم المعنى القريب الذى هو الجارحة المخصوصة وهو قوله بنيناها، إذ البناء الذى هو وضع لبنة على أخرى يلائم اليد بمعنى الجارحة، وأما ملائم القدرة فهو الإيجاد والخلق لا يقال البناء يقتضى القدرة أيضا فكما أنه يلائم المعنى القريب يلائم البعيد أيضا، لأنا نقول طلب البناء واقتضاؤه لليد أتم، وحينئذ فقوله بنيانها ترشيح للتورية الكائنة فى قوله: بأيد وهو متقدم عليها. ومثال ما إذا كان ترشيح التورية واقعا بعدها قول القاضى عياض فى وصف فصل ربيع وقعت فيه برودة مع أن شأن فصل الربيع الذى أوله الحمل الدفء وعدم البرودة: كأنّ" كانون" أهدى من ملابسه ... لشهر" تمّوز" أنواعا من الحلل (٣) أو الغزالة من طول المدى خرفت ... فما تفرّق بين الجدى والحمل يعنى: كأن الشمس من كبرها وطول مدتها صارت خرفة قليلة العقل فنزلت فى برج الجدى فى أوان الحلول فى برج الحمل، فأراد بالغزالة معناها البعيد وهو الشمس، وقد قرن بها ما يلائم المعنى القريب الذى ليس بمراد أعنى: الرشأ الذى هو ولد الظبية حيث ذكر الخرافة وهو بعد التورية، وكذا ذكر الجدى والحمل مرادا بهما معناهما البعيد وهما البرجان والقريب للجدى ولد العنز والقريب للحمل ولد البقرة، وهذه التورية مجردة لأنها لم تقترن بشىء مما يلائم المعنى القريب، والحاصل أن التورية فى الغزالة

стр. 2074

وهذا مبنى على ما اشتهر بين أهل الظاهر من المفسرين وإلا فالتحقيق أن هذا تمثيل === مرشحة بترشيح بعدها وفى الجدى والحمل مجردة كذا قيل، والحق أن كلا من التوريتين مرشحة للأخرى والأولى ترشيحها واقع بعدها والثانية ترشيحها واقع قبلها كما فى الأطول. بقى شىء آخر وهو أن التورية قد تقترن بما يلائم المعنى البعيد عكس الآية المتقدمة فهذه لا تسمى مرشحة تحقيقا، وهل تسمى مجردة وهو الظاهر أخذا من تعريفها المتقدم وهو: التى لا تجامع شيئا مما يلائم المعنى القريب، فإن ظاهره جامعت شيئا من ملائمات البعيد أولا، وذلك كقول عماد الدين أرى العقد فى ثغره محكما ... يرينا الصحاح من الجوهر وتكملة الحسن إيضاحها ... رويناه عن وجهك الأزهر ومنثور دمعى غدا أحمرا ... على آس عارضك الأخضر وبعت رشادى بغىّ الهوى ... لأجلك يا طلعة المشترى فإن قوله: فى ثغره قرينة على أنه ليس المراد بالصحاح كتاب الجوهرى الذى فى اللغة، بل مراده أسنان محبوبه الشبيهة بالجواهر الصحاح فهو من ملائمات المعنى البعيد. (قوله: وهذا) أى: كون المراد من الاستواء الاستيلاء ومن الأيدى القدرة على طريق التورية (قوله: على ما اشتهر) أى: وهو مذهب الخلف المؤولين. (قوله: بين أهل الظاهر من المفسرين) أى: الذين يقتصرون على ما يبدو ويظهر لهم من المعانى، ولم يظهر لهم هنا للأيدى وللاستواء إلا المعنى البعيد. (قوله: فالتحقيق) أى: أخذا من مقتضى تراكيب البيان. (قوله: أن هذا) أى: قوله بَنَيْناها بِأَيْدٍ وقوله عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (١) تمثيل أى: استعارة تمثيلية بأن شبهت هيئة إيجاد الله السماء بالقوة والقدرة الأزلية بهيئة البناء الذى هو وضع لبنة وما يشبهها على أخرى بالأيدى الحسية ثم استعير مجموع بنيناها بأيد الموضوع للهيئة المشبه بها للهيئة المشبهة على طريق الاستعارة التمثيلية، وشبهت الهيئة الحاصلة من تصرف المولى فى الممكنات بالإيجاد والإعدام والقهر والأمر والنهى بالهيئة الحاصلة من استقرار الملك على

стр. 2075

وتصوير لعظمته وتوقيف على كنه جلاله من غير أن يتمحل للمفردات حقيقة أو مجاز. [الاستخدام]: (ومنه) أى: ومن المعنوى (الاستخدام، وهو أن يراد بلفظ له معنيان- أحدهما، ... === عرشه أى: سرير ملكه، بجامع أن كلا ينبئ عن الملك التام، واستعير على العرش استوى الموضوع للهيئة المشبه بها للهيئة المشبهة على طريق الاستعارة التمثيلية، أو يقال: إن الاستقرار على العرش وهو سرير الملك مما يرادف الملك بضم الميم أى: يلازمه، فأطلق اسم الملزوم وهو الاستقرار على العرش وأريد اللازم وهو الملك على جهة الكناية (قوله: وتصوير لعظمته) أى: حيث شبه المعقول بالمحسوس الذى هو أقوى عند السامع؛ لأن البناء بالأيدى جعل كأنه مرادف لقدرته على تركيب الأشياء. (قوله: وتوقيف على كنه جلاله) أى: الكنه الذى يمكن أن يدرك وهو الكنه بالإجمال. (قوله: من غير أن يتمحل) أى: من غير أن يتكلف للمفردات معنى حقيقى أو مجازى، بل تبقى المفردات على ما كانت عليه، لما تقدم أن لفظ التمثيل ينقل إلى المعنى مع بقائه على حاله فى المعنى المنقول عنه، فإن كان فى الأصل حقيقة بقى كذلك وإن كان مجازا بقى كذلك. [الاستخدام]: (قوله: الاستخدام) بمعجمتين وبمهملة ومعجمة وبمعجمة ومهملة وكلها بمعنى القطع يقال: خذمه قطعه ومنه المخذم: السيف القاطع وإنما سمى هذا النوع بذلك الاسم لأن الضمير منقطع عما يستحق أن يعود له من المعنى وجعل لغيره على ما سيأتى تفسيره. (قوله: له معنيان) أى: حقيقيان أو مجازيان أو أحدهما حقيقى والآخر مجازى، ولا مفهوم للمعنيين بل الأكثر كذلك وقد جمع ابن الوردى بين الاستخدامين أى: الاستخدام فى اللفظ ذى المعنيين وذى المعانى فى قوله: وربّ غزالة طلعت ... بقلبى وهو مرعاها

стр. 2076

ثم يراد بضميره) أى: بالضمير العائد إلى ذلك اللفظ معناه (الآخر، ... === نصبت لها شباكا من ... لجين ثمّ صدناها (١) فقالت لى وقد صرنا ... إلى عين قصدناها بذلت العين فاكحلها ... بطلعتها ومجراها (قوله: ثم يراد بضميره معناه الآخر) أى: فالضمير مستعمل فى معنى آخر لكونه عبارة عن المظهر، والضمير الغائب إنما يقتضى تقدم ذكر المرجع لا استعماله فى معنى يراد بالمرجع، فلا يلزم فى الاستخدام استعمال اللفظ فى المعنيين، ولا الجمع بين الحقيقة والمجاز إذا أريد بالضمير المعنى المجازى على ما وهم- قاله عبد الحكيم. ثم إن ظاهر قول المصنف: ثم يراد بضمير معناه الآخر أن الاستخدام قاصر على الضمير، وذكر الشهاب الخفاجى أنه يكون أيضا بالاستثناء كما فى قول البهاء زهير: أبدا حديثى ليس بال ... منسوخ إلا فى الدفاتر فإنه أراد بالنسخ الأول الإزالة وأراد به فى الاستثناء النقل، أى: إلا فى الدفاتر فإنه ينسخ وينقل، ولكن المعروف أن هذا من شبه الاستخدام ويكون أيضا باسم الإشارة كما فى قوله: رأى العقيق فأجرى ذاك ناظره ... متيم لجّ فى الأشواق خاطره فإنه أراد بالعقيق أولا المكان ثم أعاد اسم الإشارة عليه بمعنى الدم وبالتمييز كما فى قوله: حكى الغزال طلعة ولفتة ... من ذا رآه مقبلا ولا افتتن أعذب خلق الله ريقا وفما ... إن لم يكن أحقّ بالحسن فمن فإن ذكر الطلعة مما يفيد أن المراد بالغزال الشمس وذكر لفتة يفيد أن المراد به المحبوب.

стр. 2077

ثم يراد بضميره) أى: بالضمير العائد إلى ذلك اللفظ معناه (الآخر، ... === نصبت لها شباكا من ... لجين ثمّ صدناها (١) فقالت لى وقد صرنا ... إلى عين قصدناها بذلت العين فاكحلها ... بطلعتها ومجراها (قوله: ثم يراد بضميره معناه الآخر) أى: فالضمير مستعمل فى معنى آخر لكونه عبارة عن المظهر، والضمير الغائب إنما يقتضى تقدم ذكر المرجع لا استعماله فى معنى يراد بالمرجع، فلا يلزم فى الاستخدام استعمال اللفظ فى المعنيين، ولا الجمع بين الحقيقة والمجاز إذا أريد بالضمير المعنى المجازى على ما وهم- قاله عبد الحكيم. ثم إن ظاهر قول المصنف: ثم يراد بضمير معناه الآخر أن الاستخدام قاصر على الضمير، وذكر الشهاب الخفاجى أنه يكون أيضا بالاستثناء كما فى قول البهاء زهير: أبدا حديثى ليس بال ... منسوخ إلا فى الدفاتر فإنه أراد بالنسخ الأول الإزالة وأراد به فى الاستثناء النقل، أى: إلا فى الدفاتر فإنه ينسخ وينقل، ولكن المعروف أن هذا من شبه الاستخدام ويكون أيضا باسم الإشارة كما فى قوله: رأى العقيق فأجرى ذاك ناظره ... متيم لجّ فى الأشواق خاطره فإنه أراد بالعقيق أولا المكان ثم أعاد اسم الإشارة عليه بمعنى الدم وبالتمييز كما فى قوله: حكى الغزال طلعة ولفتة ... من ذا رآه مقبلا ولا افتتن أعذب خلق الله ريقا وفما ... إن لم يكن أحقّ بالحسن فمن فإن ذكر الطلعة مما يفيد أن المراد بالغزال الشمس وذكر لفتة يفيد أن المراد به المحبوب.

стр. 2078

أو يراد بأحد ضميريه أحدهما) أى: أحد المعنيين (ثم يراد بالآخر) - أى: بضميره الآخر معناه- (الآخر) وفى كليهما يجوز أن يكون المعنيان حقيقيين، وأن يكونا مجازيين، وأن يكونا مختلفين (فالأول) وهو أن يراد باللفظ أحد المعنيين، وبضميره معناه الآخر (كقوله (١): إذا نزل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا) جمع: غضبان. أراد بالسماء: الغيث، وبضميره فى [رعيناه]: النبت؛ وكلا المعنيين مجازى. (والثانى: ) وهو أن يراد بأحد ضميريه أحد المعنيين وبالضمير الآخر معناه الآخر (كقوله: فسقى الغضا والسّاكنيه وإن هم ... شبّوه بين جوانحى وضلوعى) (٢) === (قوله: أو يراد بأحد ضميريه) أى: أو ضمائره كما فى الأطوال ولا بد أن يراد بالاسم الظاهر غير مفاد الضميرين وإلا كان أحدهما ليس استخداما، وكلامنا فى الضمير العائد على وجه الاستخدام، وهذا القسم مستلزم للقسم الأول، لأنه لا يتحقق استخدام باعتبار الضمير إلا ويتحقق استخدام باعتبار ضمير الاسم الظاهر (قوله: وإن كانوا غضابا) أى: وإن كان يحصل لهم غضب من رعينا للنبات الحاصل فى أراضيهم، فقد وصف الشاعر قومه بالغلبة لمن عداهم من الأقوام بأنهم يرعون كلأهم من غير رضاهم. (قوله: فسقى الغضا) هو بالغين والضاد المعجمتين نوع من شجر البادية، دعا الشاعر أن يسقى الله الشجر المسمى بالغضا بحيث ينزل الحيا فى خلاله (قوله: والساكنيه) أى وسقى الساكنين فى الغضا والمراد به المكان النابت فيه إذ قد يطلق الغضا على المكان النابت فيه، ثم بين أنه يطلب الغيث للساكنين فيه وإن عذبوه فقال: وإن هم شبوه إلخ أى: فطلب لهم الغيث قضاء لحق الصحبة، وإن شبوه أى: أوقدوه والضمير للغضا بمعنى النار التى تتوقد فيه إذ يقال لها غضا أيضا لتعلقها به، والحاصل أنه ذكر الغضا أولا بمعنى الشجر وأعاد عليه الضمير أولا بمعنى المكان النابت فيه، وأعاد عليه

стр. 2079

(من غير تعيين ثقة) أى: الذكر بدون التعيين لأجل الوثوق (بأن السامع يرده إليه) أى: يرد ما لكل من آحاد هذا المتعدد إلى ما هو له لعلمه بذلك بالقرائن اللفظية، أو المعنوية. (فالأول: ) وهو أن يكون ذكر المتعدد على التفصيل (ضربان؛ لأن النشر إما على ترتيب اللف) بأن يكون الأول من المتعدد فى النشر للأول من المتعدد فى اللف، والثانى للثانى، وهكذا إلى الآخر (نحو: وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ (١)) ذكر الليل والنهار على التفصيل، ثم ذكر ما لليل؛ وهو السكون فيه، وما للنهار؛ وهو الابتغاء من فضل الله فيه، على الترتيب ... === واعلم أن ذلك المعنى المتعدد أولا على وجه الإجمال أو التفصيل هو اللف، وذكر ما لكل واحد من آحاد ذلك المتعدد ثانيا هو النشر، وكأن وجه تسمية الأول لفّا أنه انطوى فيه حكمه؛ لأنه اشتمل عليه من غير تصريح به، ثم لما صرح به فى الثانى فكأنه نشر ما كان مطويا فلذا سمى نشرا (قوله: من غير تعيين) أى: من غير أن يعين المتكلم لشىء مما ذكر أولا ما هو له مما ذكر ثانيا، وإنما قيد بذلك لأنه لو عين لم يكن من باب اللف والنشر، بل من باب التقسيم. (قوله: ثقة) أى: ويكون ترك التعيين لأجل الثقة أى الوثوق (قوله: لعلمه بذلك بالقرائن اللفظية) كأن يقال: رأيت الشخصين ضاحكا وعابسة، فتأنيث عابسة يدل على أن الشخص العابس المرأة والضاحك هو الرجل (قوله: أو المعنوية) كأن يقال: لقيت الصاحب والعدو فأكرمت وأهنت، فمعلوم أن القرينة هنا معنوية وهى أن المستحق للإكرام الصاحب وللإهانة العدو. (قوله: لأن النشر) أى: وهو ذكر ما لكل واحد مما فى اللف (قوله: وهو السكون فيه) أى: الهدوء بالنوم وعدم التصرف (قوله: وهو الابتغاء من فضل الله) أى: طلب الرزق بالحركة والتصرف فى الأمور، ومناسبة السكون لليل وابتغاء الفضل للنهار ظاهرة، فقد صدق على هذه الآية أنه ذكر فيها متعدد على وجه التفضيل ثم ذكر

стр. 2080

فإن قيل عدم التعيين فى الآية ممنوع؛ فإن المجرور من فِيهِ عائد إلى الليل لا محالة- قلنا: نعم، ولكن باعتبار احتمال أن يعود إلى كل من الليل والنهار يتحقق عدم التعيين. (وإما على غير ترتيبه) أى: ترتيب اللف سواء كان معكوس الترتيب ... === ما لكل واحد من المتعدد على سبيل الترتيب، الأول للأول والثانى للثانى من غير تعيين ما لكل للاتكال على رد السامع ما ذكر فى النشر لما ذكر فى اللف بالمناسبة المعنوية (قوله: فإن قيل إلخ) حاصله أنا لا نسلم أن هذه الآية من قبيل اللف والنشر لاشتراطهم فيه عدم تعيين شىء مما ذكر، ثانيا: لما ذكر أولا وقد وجد التعيين فى هذه الآية لأن الضمير المجرور فى قوله لِتَسْكُنُوا فِيهِ (١) عائد على الليل فى نفس الأمر قطعا فقد تعين ما يعود إليه السكون بالضمير، فكأنه قيل لتسكنوا فى الليل لأن الضمير عبارة عن مرجعه، ولو قيل كذلك لم يكن الكلام من باب اللف والنشر قطعا، وحاصل الجواب أن المراد بعدم التعيين كون اللفظ بحسب ظاهره محتملا، والضمير يحتمل الليل والنهار بحسب ظاهره، وإن كان مصدوقه فى نفس الأمر هو الليل وليس المراد به الاحتمال فى نفس الأمر إذ لا معنى له لأنه لو أريد ذلك لم يتحقق لف ونشر أبدا لتعيين المراد فى نفس الأمر فى كل فرد من أفراد النشر (قوله: ممنوع) أى: فلا يصح التمثيل بالآية للف والنشر؛ لأنه يشترط فيه عدم التعيين، (وقوله: عائد) أى: فى الواقع (وقوله: لا محالة) أى: قطعا (وقوله: قلنا نعم) أى: مسلم أنه راجع لليل نظرا للواقع وأما بالنظر للفظ فيحتمل رجوعا للنهار وحينئذ فلا تعيين فيه بحسب اللفظ وعدم التعيين المشترط إنما هو بحسب اللفظ وذلك موجود فى الآية لا بحسب المعنى. (قوله: وإما على غير ترتيبه) أى: وإما أن يكون النشر على غير ترتيب اللف (قوله: سواء كان معكوس الترتيب) أى: سواء كان نشره على العكس ترتيب اللف بأن يكون الأول من النشر للآخر من اللف والثانى من النشر للذى يليه الآخر من اللف والثالث من النشر للذى يليه ما قبل الآخر من اللف وهكذا، وهذا هو المشهور عند

стр. 2081

(كقوله (١): كيف أسلو وأنت حقف) وهو النقا من الرمل (وغصن ... وغزال لحظا وقدّا وردفا) فاللحظ للغزال، والقد للغصن، والردف للحقف. أو مختلطا؛ كقوله: هو شمس، وأسد، وبحر ... === الناس باللف والنشر المشوش، لكن الذى سماه بالمشوش فى شرح المفتاح هو القسم الثانى وهو المختلط الترتيب، وفى الصحاح التشويش التخليط، وأنكر صاحب القاموس ثبوته فى اللغة وقال: وهم الجوهرى وصوابه التهويش. (قوله: كقوله) أى: الشاعر وهو ابن حيوش بالحاء المهملة والمثناة والتحتية المشددة والشين المعجمة على وزن تنور، - كذا فى عبد الحكيم، والذى فى شرح الشواهد أنه بالسين المهملة والبيت المذكور من بحر الخفيف (قوله: كيف أسلو) (٢) أى: كيف أصبر عنك وأتخلص من حبك والاستفهام للإنكار والنفى أى: لا أسلو عنك (قوله: وأنت حقف) بكسر التاء، لأنه خطاب لامرأة كما فى اليعقوبى، أى: والحال أنك أنت مثل الحقف (قوله: وهو النقا) أى: المتراكم المجتمع من الرمل فالحقف والنقا بالقصر بمعنى واحد وهو الرمل العظيم المجتمع المستدير، - كما فى الأطول، يشبه به ردف المحبوب أى: عجيزته فى العظم والاستدارة، وأما بالمد فهو النظافة (قوله: وغصن وغزال) أى: وأنت مثل الغصن ومثل الغزال، ولما كان هنا تقدير مضاف إذ الأصل كيف أسلو وردفك مثل الحقف وقدك مثل الغصن ولحظك مثل الغزال؟ أى: مثل لحظ الغزال، ووقع الابهام بحذف ذلك المضاف احتيج إلى تمييزه فأتى بالتمييزات على حسب هذه التقادير فقيل لحظا وقدا وردفا أى: من جهة اللحظ ومن جهة القد ومن جهة الردف، والمعنى كيف أترك حبك وداعى الهوى من حسن العينين واعتدال القامة وعظم الردف موجود فيك، واللحظ فى الأصل مؤخر العين والمراد به هنا العين بتمامها مجازا. (قوله: أو مختلطا) عطف على قوله: معكوس الترتيب أى: أو كان نشره مختلط الترتيب بأن يكون الأول من النشر للآخر من اللف، والثانى من النشر للأول من اللف

стр. 2082

جودا، وبهاء، وشجاعة. (والثانى) وهو أن يكون ذكر المتعدد على الإجمال (نحو قوله تعالى: وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى (١)) فإن الضمير فى: وَقالُوا لليهود والنصارى. فذكر الفريقان على وجه الإجمال بالضمير العائد إليهما، ثم ذكر ما لكل منهما (أى: قالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى؛ فلف) بين الفريقين، أو القولين إجمالا (لعدم الالتباس) والثقة بأن السامع يرد إلى كل فريق، أو كل قول مقوله (للعلم بتضليل كل فريق صاحبه) واعتقاده أن داخل الجنة هو، لا صاحبه، ... === والآخر من النشر للوسط من اللف (قوله: جودا وبهاء وشجاعة) لا يخفى اختلاط ذلك النشر؛ لأن الجود وهو الأول من النشر عائد للبحر وهو الآخر من اللف، والبهاء وهو الثانى من النشر عائد للأول من اللف وهو الشمس، والشجاعة وهو الآخر من النشر عائد للوسط من اللف وهو الأسد. (قوله: والثانى) هذا مقابل لقوله فالأول ضربان أى: والقسم الثانى مما اشتمل عليه تعريف اللف والنشر (قوله: فذكر الفريقان على وجه الإجمال بالضمير) أى: من حيث التعبير عنهما بالضمير وهو الواو فى قالوا لأنه عائد على الفريقين (قوله: ثم ذكر ما لكل) أى: ثم ذكر ما يخص كلا منهما فى قوله إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى (قوله: بين الفريقين أو القولين إجمالا) أى: أن المذكور أولا إجمالا على طريق اللف يحتمل أن يكون هو الفريقين المستفاد من قالوا ويكون إجمال القول باعتبار التعبير بالفعل المسند إلى ضميرهم، فالأصل وقالت اليهود وقالت النصارى فلف بين القولين وقيل وقالوا (قوله: لعدم الالتباس) أى: لأنه لا يلتبس على أحد أن الفريقين اجتمعا وقالا ذلك القول لعلمنا بأن كل فريق يضلل صاحبه، (فقوله: للعلم) علة لعدم اللبس

стр. 2083

ولا يتصور فى هذا الضرب الترتيب وعدمه. ومن غريب اللف والنشر أن يذكر متعددان أو أكثر، ثم يذكر فى نشر واحد ما يكون لكل من آحاد كل من المتعددين؛ كما تقول: الراحة والتعب، والعدل والظلم قد سد من أبوابها ما كان مفتوحا، وفتح من طرقها ما كان مسدودا. [الجمع]: (ومنه) أى: من المعنوى (: الجمع، وهو أن يجمع بين متعدد) اثنين، أو أكثر (فى حكم واحد؛ ... === (قوله: ولا يتصور فى هذا الضرب إلخ) أى: أن هذا الضرب لا يتأتى أن يكون مرتبا ولا مشوشا بخلاف الضرب الأول (قوله: أن يذكر متعددان أو أكثر) أى: بأن يذكر لفان أو أكثر على وجه التفصيل ثم يؤتى بعد ذلك بنشر واحد يذكر فيه ما لكل واحد مما ذكر فى اللفين أو أكثر، فقوله الراحة والتعب لف أول والعدل والظلم لف ثان، وقوله قد سد إلخ نشر ذكر فيه ما لكل واحد من اللفين لأن قوله قد سد من أبوبها ما كان مفتوحا راجع للراحة من اللف الأول وللعدل من اللف الثانى، وقوله: وفتح من طرقها ما كان مسدودا، راجع للتعب المذكور فى اللف الأول وللظلم المذكور فى اللف الثانى، والحاصل أن الشق الأول من النشر راجع للأول من كل من اللفين والشق الثانى منه راجع للثانى من كل من اللفين، فمعنى الكلام أنه سد من أبواب الراحة والعدل ما كان مفتوحا، وفتح من أبواب التعب والظلم ما كان مسدودا. [الجمع]: (قوله: أن يجمع بين متعدد فى حكم) أى: شىء محكوم به كالزينة وإنما أدخل لفظ بين ولم يقل: أن يجمع متعدد إشارة إلى أن المتعدد يجب أن يكون مصرحا به فى الذكر، وليس قولنا للبنون زينة الحياة الدنيا من قبيل الجمع، وسواء كان الجمع بين المتعدد بعطف أو بغيره وسواء كان من نوعين متقاربين أو من أنواع متباعدة وسواء كان ذلك الحكم الذى جمع بين المتعدد فيه وقع خبرا عن المتعدد كما فى الآية والبيت أولا كما فى قوله:

стр. 2084

كقوله تعالى: الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا (١) ونحو قوله: ) - أى: قول أبى العتاهية-: علمت يا مجاشع بن مسعده (أن الشباب والفراغ والجده) (٢) أى: الاستغناء (مفسدة) أى: داعية إلى الفساد (للمرء أى مفسدة). [التفريق]: (ومنه) أى: ومن المعنوى (التفريق؛ وهو إيقاع تباين بين أمرين من نوع === ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها ... شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر (٣) والمراد بالحكم المحكوم به ولو فى المعنى (قوله: المال والبنون زينة الحياة الدنيا) أى: يتزين بها الإنسان فى الدنيا وتذهب عن قريب، فقد جمع المال والبنون فى حكم وهو زينة الدنيا (قوله: أبى العتاهية) بوزن كراهية لقب لأبى إسحق إسماعيل بن القاسم بن سويد، وقولهم: اللقب لا يصدر بأب أو أم محله ما لم يشعر بمدح أو ذم كما فى أبو الشيخ وأبو لهب (قوله: علمت يا مجاشع بن مسعده) هذا الشعر من مشطور الرجز (قوله: إن الشباب) بكسر الهمزة على الحكاية فالبيت من الأشعار المشهورة التى ضمنها أبو العتاهية، يعنى قد علمت هذا البيت المشهور ويجوز فتحها (قوله: والفراغ) أى: الخلو من الشواغل المانعة من اتباع الهوى، والشباب حداثة السن مصدر شب الغلام يشب شبابا (قوله: أى الاستغناء) تفسير للجدة يقال وجد فى المال وجدا بكسر الواو ووجدا بفتحها ووجدا بضمها وجدة أى: استغنى، فللفعل المذكور أربعة مصادر ثبوت الواو مثلثة والرابع حذفها وتعويض الهاء عنها كعدة (قوله: مفسدة للمرء أى مفسدة) أى: مفسدة له مفسدة عظيمة، والمفسدة: الأمر الذى يدعو صاحبه للفساد، عبر عنه بالمفسدة مبالغة، والشاهد أنه قد جمع بين الشباب والفراغ والجدة فى حكم وهو كونها مفسدة للمرء. [التفريق]: (قوله: إيقاع تباين إلخ) ليس المراد التباين المصطلح عليه بل المراد المعنى اللغوى،

стр. 2085

فى المدح، أو غيره) كقوله (١): ما نوال الغمام وقت ربيع ... كنوال الأمير يوم سخاء فنوال الأمير بدرة عين) هى: عشرة آلاف درهم (ونوال الغمام قطرة ماء) أوقع التباين بين النوال. [التقسيم]: (ومنه) أى: ومن المعنوى (التقسيم، وهو ذكر متعدد، ثم إضافة ما لكل إليه على التعيين) ... === أى: إيقاع الافتراق بين أمرين مشتركين فى نوع، مثل نوال الأمير ونوال الغمام فإن النوع الذى يجمعهما مطلق نوال (قوله: فى المدح أو غيره) أى: كالغزل والرثاء والهجو، والظرف متعلق بقوله إيقاع أى إيقاع التباين فى المدح أو غيره (قوله: كقوله) أى: قول الشاعر وهو الوطواط بفتح الواو الأولى وضمها، والبيت المذكور مثال لإيقاع التباين فى المدح بين الأمرين المشتركين فى نوع، ومثاله فى الغزل. حسبت جماله بدرا منيرا ... وأين البدر من ذاك الجمال فقد أوقع التباين بين جمال ذلك المحبوب وجمال البدر مع أنهما من نوع واحد وهو مطلق جمال (قوله: ما نوال الغمام وقت ربيع) أى الذى هو وقت ثروة الغمام (قوله: يوم سخاء) أى: الذى هو وقت فقر الأمير لكثرة السائلين وكمال بذله (قوله: فنوال الأمير إلخ) أى: فقد أوقع التباين بين النوالين مع أنهما من نوع واحد وهو مطلق نوال، (وقوله: فنوال الأمير) أى: كل نوال فيه وكذا يقال فى قوله: ونوال الغمام. (قوله: هى عشرة آلاف درهم) أى: وقيل إن بدرة العين جلد ولد الضأن مملوءا من الدراهم كما فى القاموس، وأنكر أن يكون ندرة العين اسما لعشرة آلاف أو سبعة أو خمسة- انتهى أطول. ومن كلامه يعلم أن قول الشارح هى عشرة آلاف درهم تفسير لمجموع المضاف والمضاف إليه، فما فى يس عن سم فيه نظر. [التقسيم]: (قوله: ذكر متعدد ثم إضافة إلخ) الأخصر أن يقول ذكر متعدد ثم تعيين ما لكل

стр. 2086

وبهذا القيد يخرج اللف والنشر؛ وقد أهمله السكاكى فتوهم بعضهم أن التقسيم عنده أعم من اللف والنشر. وأقول: إن ذكر الإضافة مغن عن هذا القيد؛ إذ ليس فى اللف والنشر إضافة ما لكل إليه، بل يذكر فيه ما لكل حتى يضيفه السامع إليه ويرده (كقوله) أى: قول المتلمس (١) (ولا يقيم على ضيم) أى: ظلم (يراد به) الضمير عائد على المستثنى منه المقدر العام (إلا الأذلّان) ... === (قوله: وبهذا القيد) أى: قوله: على التعيين (قوله: يخرج اللف والنشر) أى: لما تقدم أنه ذكر متعدد ثم ذكر ما لكل واحد من غير تعيين ثقة بأن السامع يرده إليه (قوله: وقد أهمله السكاكى) أى: ترك ذكر هذا القيد وهو قوله: على التعيين (قوله: أعم) أى: لأنه شرط فى اللف عدم تعيين ما لكل واحد، وقال هنا ذكر متعدد وإضافة ما لكل إليه وهذا صادق بأن يكون هناك تعيين أو لا (قوله: وأقول) أى: فى الجواب عن السكاكى حيث ترك قيد التعيين وصار كلامه محتملا للقول بتباين التقسيم للّفّ والنشر وللقول بأن التقسيم أعم عموما مطلقا (قوله: إن ذكر الإضافة مغن عن هذا القيد) أى: قيد التعيين لأن الإضافة نسبة كل واحد إلى صاحبه فهى مقتضية للتعيين من المتكلم، وهذا مفقود فى اللف والنشر إذ ليس ... إلخ وعلى هذا أى: كون الإضافة مغنية عن التعيين لاقتضائها إياه فيكون ذكر المصنف لها تأكيدا، والحاصل أنا لا نسلم أن السكاكى أهمل ذلك القيد حتى يكون التقسيم عنده أعم؛ لأنه ذكر الإضافة المستلزمة للتعيين فيكون التقسيم عنده مباينا للف والنشر (قوله: بل يذكر فيه ما لكل) أى: من غير إضافة والحاصل أنه فى التقسيم يضيف المتكلم ما لكل واحد إليه، وإضافة ما لكل إليه تستلزم تعيينه، ففى التقسيم إضافة وتعيين من المتكلم بخلاف اللف والنشر فإن المتكلم إنما يذكر ما لكل واحد من غير إضافة، والذى يضيف ما لكل واحد إليه إنما هو السامع بذهنه فالإضافة من السامع وكذلك التعيين ولا إضافة فيه ولا تعيين من المتكلم (قوله: المتلمس) هو جرير بن عبد المسيح كما فى الأطول. (قوله: على ضيم) على بمعنى مع أى مع ضيم أى مع ظلم، أى: لا يتوطن فى مواطن الظلم أحد إلا الأذلان (قوله: الضمير) أى: فى به عائد على المستثنى منه المقدر

стр. 2087

فى الظاهر: فاعل" لا يقيم"، وفى التحقيق: بدل؛ أى: لا يقيم أحد على ظلم يقصد به إلا هذان (عير الحى) وهو الحمار (والوتد هذا) أى: عير الحى (على الخسف) أى: الذل (مربوط برمته) هى قطعة حبل بالية (وذا) أى: الوتد (يشج) أى: يدق، ويشق رأسه (فلا يرثى) أى: فلا يرق، ولا يرحم (له أحد) ذكر العير، والوتد، ثم أضاف إلى الأول: الربط على الخسف، وإلى الثانى: الشج على التعيين؛ وقيل: لا تعيين؛ لأن هذا وذا متساويان فى الإشارة إلى القريب، فكل منهما يحتمل أن يكون إشارة إلى العير، وإلى الوتد. فالبيت من اللف والنشر دون التقسيم؛ وفيه نظر؛ لأنا لا نسلم التساوى، بل فى حرف التنبيه إيماء إلى أن القرب فيه أقل بحيث يحتاج إلى تنبيه ما، بخلاف المجرد عنها، فهذا للقريب- أعنى: العير- وذا للأقرب- أعنى: الوتد- وأمثال هذه الاعتبارات لا ينبغى أن تهمل فى عبارات البلغاء، بل ليست البلاغة إلا رعاية أمثال ذلك. === العام، أى: لا يقيم أحد على ظلم يراد ذلك الظلم بذلك الأحد (قوله: فى الظاهر) أى: فهو استثناء مفرغ حيث أسند الفعل له فى الظاهر وفى الحقيقة أسند إلى العام المحذوف (قوله: عير الحى) العير هو: الحمار الوحشى والأهلى وهو المناسب هنا، لأنه الذى يربط ويحمل الذل ويعين ذلك إضافته للحى، فقول الشارح: وهو الحمار أراد به الأهلى (قوله: والوتد) بكسر التاء وفتحها (قوله: على الخسف) أى: مع الخسف وهو حال من مربوط (قوله: قطعة حبل بالية) أى: فالمعنى هذا على الذل مربوط بقطعة حبل بالية يسهل الخلاص معها عن الربط، ويحتمل أن المراد هذا مربوط على الذل بتمامه من فرقه إلى قدمه كما يقال ذهب فلان برمته- قاله فى الأطول، (قوله: أى يدق) تفسير مراد وقوله: ويشق رأسه تفسير بحسب الأصل (قوله: فلا يرثى له أحد) لا يخفى أن عدم الرحمة مشترك بين عير الحى والوتد، وحينئذ فالأولى جعل ضمير له راجعا لكل منهما ويجعل قوله فلا يرثى متفرعا على الشج والربط (قوله: لربط على الخسف) أى: مع الخسف (قوله: على التعيين) متعلق بأضاف ووجه التعيين أن ذا بدون ها إشارة للقريب، وأما مع ها التنبيه فهو إشارة للبعيد (قوله: فكل منهما يحتمل أن يكون إشارة إلى العير وإلى الوتد) وحينئذ فلا يتحقق التعيين لا يقال إنه يتعين كون الأول للأول

стр. 2088

[الجمع مع التفريق]: (ومنه) أى: ومن المعنوى (الجمع مع التفريق؛ وهو أن يدخل شيئان فى معنى ويفرق بين جهتى الإدخال، كقوله: فوجهك كالنار فى ضوئها ... وقلبى كالنار فى حرّها) (١) أدخل قلبه ووجه الحبيب فى كونهما كالنار، ثم فرق بينهما بأن وجه الشبه فى الوجه الضوء واللمعان، وفى القلب الحرارة والاحتراق. === والثانى للثانى بقرينة خبر كل منهما؛ لأن المراد التعيين فى اللفظ وأما بالقرينة فهذا متحقق حتى فى اللف والنشر، وحيث كان التعيين لفظا فى البيت غير متحقق فهو من اللف والنشر دون التقسيم. [الجمع مع التفريق]: (قوله: الجمع مع التفريق) أورد كلمة مع إشارة إلى أن المحسن اجتماعهما، وكذا يقال فيما يأتى وإنما لم يذكر اجتماع المحسنات الأخر بعضها مع بعض كالطباق مع المقابلة لما بين الجمع والتفريق من المقابلة، واجتماعهما موجب لحسن زائد على كل واحد منهما- قاله عبد الحكيم. (قوله: وهو أن يدخل شيئان) ببناء الفعل للمفعول وشيئان نائب الفاعل أى: وهو أن تجمع بين شيئين فأكثر فى معنى أى فى حكم أى فى شىء محكوم به كالمشابهة بالنار، والمراد بجمعهما فى الحكم أن يحكم عليهما بشىء واحد، كما يرشد له قول الشارح: أدخل قلبه ووجه الحبيب فى كونهما كالنار، وهذا هو الجمع (قوله: كقوله) أى: الوطواط (قوله: أدخل قلبه ووجه الحبيب فى كونهما كالنار) أى: فى المماثلة للنار، أى: وهذا هو الجمع لأنه كما مر الجمع بين متعدد فى حكم والشاعر هنا قد جمع بين وجه الحبيب وقلبه فى المماثلة للنار (قوله: ثم فرق بينهما) أى: بين التشبيهين (قوله: الحرارة والاحتراق) أى: حرارة القلب واحتراقه وفيه إشارة إلى أن المراد بحر النار حرارتها فى نفسها لا لغيرها؛ لأنه المناسب لتشبيه القلب بها.

стр. 2089

[الجمع مع التقسيم]: (ومنه) أى: ومن المعنوى. (الجمع مع التقسيم، وهو جمع متعدد تحت حكم، ثم تقسيمه، أو العكس) أى: تقسيم متعدد، ثم جمعه تحت حكم (فالأول) أى: الجمع ثم التقسيم (كقوله: حتّى أقام) (١) أى: الممدوح، ... === [الجمع مع التقسيم]: (قوله: وهو جمع متعدد) أى: كالروم فى البيت الآتى فإنه يتناول النساء والرجال والأولاد والمال والزرع (وقوله: تحت حكم) أى كالشقاء (قوله: ثم تقسيمه) أى: الحكم أى: إضافة ما لكل متعدد إليه من ذلك الحكم (قوله: أى تقسيم متعدد) أى: إضافة ما لكل متعدد إليه ثم جمعه تحت حكم (قوله: كقوله) أى: قول الشاعر وهو أبو الطيب المتنبى فى مدح سيف الدولة بن حمدان الهمدانى حين غزا خرشنة بفتح الخاء وسكون الراء وفتح الشين المعجمة والنون التى بعدها بلدة من بلاد الروم ولما غزا تلك البلدة اتفق له أنه سبى وقتل منهم ولم يفتحها فقال المتنبى القصيدة تسلية له وقبل البيت الأول: قاد المقانب أقصى شربها نهل ... مع الشكيم وأدنى سيرها سرع (٢) حتّى أقام على أرباض خرشنة ... البيتين وبعدهما: الدهر معتذر والسيف منتظر ... وأرضهم لك مصطاف ومرتبع والضمير فى قاد وكذا فى أقاد للممدوح وهو سيف الدولة والمقانب جمع مقنب ما بين الثلاثين إلى الأربعين من الخيل، والمراد هنا العساكر والنهل الشرب الأول أى: غاية شربها النهل مع الشكيم وهو الحديدة التى تكون داخل فم الفرس، وأدنى سيرها السرعة وقوله الدهر معتذر إلخ أى: أن الدهر يعتذر إليك حيث لم يتيسر لك فتح بلدهم،

стр. 2090

ولتضمين الإقامة معنى التسليط عداها ب على فقال: (على أرباض) جمع: ربض؛ وهو ما حول المدينة (خرشنة) وهى بلدة من بلاد الروم (تشقى به الروم والصلبان) جمع صليب النصارى (والبيع) جمع: بيعة، وهى متعبدهم، وحتى متعلق بالفعل فى البيت السابق- أعنى: قاد المقانب- أى: العساكر. جمع فى هذا البيت شقاء الروم بالممدوح، ثم قسم فقال: (للسّبى ما نكحوا، والقتل ما ولدوا) === والسيف منتظر كرتك عليهم فيشفيك منهم وأرضهم لك موضع إقامة بالصيف والربيع (قوله: ولتضمين الإقامة معنى التسليط) فيه إشارة إلى تصميم عزم ذلك الممدوح على فتح القلاع والحصون حتى إنه يتوطن حولها ولا يفارقها حتى تفتح (قوله: عداها ب على) أى: وإلا فالإقامة تتعدى بفى أو بالباء (قوله: وما حول المدينة) أى: من السور كما يدل عليه قول الأطول جمع ربض بمعنى السور، ولكن المقرر أن الربض هو ما حول المدينة من البيوت كالحسينية والفوالة بمصر (قوله: تشقى به) أى: بالممدوح أى بإقامته هناك (قوله: جمع صليب النصارى) أى: جمع صليب وهو معبود النصارى (قوله: جمع بيعة) بكسر الباء الموحدة وسكون الياء المثناة تحت (قوله: وهى متعبدهم) أى: النصارى وأما متعبد اليهود فيقال له: كنيسة وقيل بالعكس. (قوله: وحتى متعلق بالفعل) أى: مرتبط به من حيث إنها عطفت الفعل الذى بعدها عليه وليست جارة كما يوهمه كلامه؛ لأن الجار لا يجوز دخوله على الفعل الغير المؤول، والمعنى أنه قاد العساكر حتى أقام حول هذه المدينة وقد شقيت به الروم والصلبان والبيع والمراد بشقائها به هلاكها. (قوله: جمع فى هذا البيت شقاء الروم بالممدوح) الأولى أن يقول: جمع فى هذا البيت الروم الشامل للنساء والأولاد والمال والزرع فى حكم وهو الشقاء، ثم قسم ذلك الحكم إلى سبى وقتل ونهب وإحراق ورجع لكل واحد من هذه الأقسام ما يناسبه، فرجع للسبى ما نكحوا من النساء، وللقتل ما ولدوا، وللنهب ما جمعوا، أى: من الأموال، وللنار ما زرعوا فأشجارهم للإحراق تحت القدور ومزروعاتهم للطبخ والخبز بالنار وأما ما عطف على الروم من الصلبان والبيع فلم يتعرض له فى التقسيم، حتى يقال إنه من المتعدد المجموع فى الحكم، والحاصل أن الشقاء

стр. 2091

قسم فى الأول صفة الممدوحين إلى ضر الأعداء، ونفع الأولياء، ثم جمعها فى الثانى تحت كونها سجية. [الجمع مع التفريق والتقسيم]: (ومنه) أى: ومن المعنوى (الجمع مع التفريق والتقسيم) وتفسيره ظاهر مما سبق فلم يتعرض له (كقوله تعالى: يَوْمَ يَأْتِي* (١)) يعنى: يأتى الله- أى: أمره، أو يأتى اليوم- أى: هوله. والظرف منصوب بإضمار: اذكر، أو بقوله: (لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ) أى: بما ينفع من جواب، أو شفاعة ... === وبدعة ابتداء (قوله: قسم فى الأول) أى: فى البيت الأول (قوله: الأولياء) أى: الأتباع والأنصار (قوله: ثم جمعها فى الثانى) أى: ثم جمع تلك الصفة فى البيت الثانى، وقوله: تحت كونها سجية الأوضح فى كونها سجية غير محدثة، حيث قال: سجية تلك منهم كما فى المطول. [الجمع بين التفريق والتقسيم]: (قوله: وتفسيره ظاهر مما سبق) أى: من تفسيرات هذه الأمور الثلاثة وحاصله أن يجمع بين متعدد فى حكم ثم يفرق أى: يوقع التباين بينها ثم يضاف لكل واحد ما يناسبه. (قوله: أى أمره) هذا التأويل واجب لصحة المعنى لاستحالة الظاهر وهو إتيان المولى ، والمراد يوم يأتى حامل أمره وهو الملك، أو المراد بأمره ما أمر به والمراد بإتيانه حصوله. (قوله: أى هوله) هذا التأويل واجب لا لأجل صحة المعنى لاستقامة الظاهر فى نفسه بل للمحافظة على المقصود؛ لأن المقصود تفظيع اليوم والمناسب له مجىء الهول لا مجرد الزمان (قوله: لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ) أى: لا تتكلم فيه نفس فحذف إحدى التاءين اختصارا. (قوله: من جواب أو شفاعة) الاقتصار عليهما إما لعدم المنع من غيرهما على الإطلاق أو لأنه الأنسب بالسياق من قوله قبل هذه الآية فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ (٢) الآية؛ ولأن عدم التكلم بما ينفع هو الموجب لزيادة شدة

стр. 2092

(إِلَّا بِإِذْنِهِ) أى: من أهل الموقف (شَقِيٌّ) مقضى له بالنار (وَسَعِيدٌ) مقضى له بالجنة (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ (١)) إخراج النفس بشدة (وَشَهِيقٌ) رده بشدة (خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ (٢)) أى: سموات الآخرة وأرضها، ... === الهول، فإن المنع من الكلام بغير ذلك كمطالبة الخصم بالحق لا يوجب الشدة ا. هـ سم. (قوله: إِلَّا بِإِذْنِهِ) أى: إلا بإذن الله تعالى؛ لقوله تعالى فى آيه أخرى لا يَتَكَلَّمُونَ (٣) أى: بما ينفع من جواب أو شفاعة إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ (٤) إن قلت: هذه الآية تفيد أنهم يتكلمون بإذنه تعالى، وهذا مناف لقوله تعالى فى آية أخرى يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ. وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٥) قلت هذا فى موقف وذاك فى موقف آخر وإذا اختلف الزمانان فلا معارضة، أو أن المأذون فيه الجواب الحق المقبول، والممنوع عنه العذر الباطل الغير المقبول (قوله: فَمِنْهُمْ) أى: الأنفس الكائنة يوم القيامة وهى أهل الموقف. ولذا قال الشارح أى من أهل الموقف (قوله: شَقِيٌّ) أى محكوم له بالشقاوة أى: دخول النار وهذا شامل لشقى الإيمان وهو الكافر وشقى الأعمال وهو العاصى، (وقوله: وَسَعِيدٌ) شامل لسعيد الإيمان فقط وللسعيد على الإطلاق، بدليل ما قرره فى قوله إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ (٦) (قوله: إخراج النفس بشدة إلخ) هذا تفسير للزفير والشهيق بحسب الأصل، ثم يحتمل أن يكون هذا المعنى مرادا من الآية ويحتمل أن المراد لهم فيها غم وتعب، بسبب تذكرهم ما فاتهم الموجب لما هم فيه، فشبه حالهم الذى هم فيه من التعب والغم بحالة من استولت الحرارة على قلبه فصار يخرج النفس بشدة ويرده بشدة واستعار اللفظ الدال على المشبه به للمشبه. (قوله: أى سموات الآخرة وأرضها) وهذه دائمة باقية لا انقضاء لها، ويدل على أن المراد سموات الآخرة وأرضها قوله تعالى يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ (٧)

стр. 2093

أو هذه العبارة كناية عن التأبيد، ونفى الانقطاع (إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ (١)) أى: إلا وقت مشيئة الله تعالى (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (٢)) من تخليد البعض كالكفار، وإخراج البعض كالفساق (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (٣)) أى: غير مقطوع، بل ممتد لا إلى نهاية. === (قوله: أو هذه العبارة كناية إلخ) أى: أن المراد سموات الدنيا وأرضها ولا ينافى التأبيد بها فناؤها قبل الدخول فضلا عن الخلود؛ لأن الكلام من باب الكناية وذلك لأن مدة دوام سموات الدنيا وأرضها من لوازمها الطول، والمراد طول لا نهاية له على ما جرى به استعمال اللغة فى مثل ذلك، فكأنه قيل خالدين فيها خلودا طويلا لا نهاية له، فهو مثل قول العرب لا أفعل كذا ما أقام ثبير وما لاح كوكب (قوله: ونفى الانقطاع) عطف تفسير (قوله: أى إلا وقت مشيئة الله تعالى) أى عدم الخلود، ثم يحتمل أن الشارح حمل ما على أنها مصدرية ظرفية فيكون الوقت داخلا فى معناها لأنها نائبة عنه، ويحتمل أنه حملها على مجرد المصدرية فيكون الكلام على حذف المضاف فالوقت مقدر فى الكلام (قوله: من تخليد البعض) بيان لما (قوله: كالكفار) الكاف فيه استقصائية وكذا يقال فى قوله كالفساق. (قوله: وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا) أى بالإيمان وإن شقوا بسبب المعاصى، لا يقال فعلى هذا كيف يكون قوله فمنهم شقى وسعيد تقسيما صحيحا؟ مع أن من شرطه أن تكون صفة كل قسم منفية عن تقسيمه؛ لأن ذلك الشرط من حيث التقسيم للانفصال الحقيقى أو مانع الجمع، وهنا المراد أن أهل الموقف لا يخرجون عن القسمين وأن حالهم لا يخلو عن السعادة والشقاوة، وذلك لا يمنع اجتماع الأمرين فى شخص باعتبارين فتكون ما فى قوله وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا لمنع الخلود فتجوز الجمع (قوله: عطاء) مصدر مؤكد أى: أعطوا عطاء والجملة حالية.

стр. 2094

ومعنى الاستثناء فى الأول: أن بعض الأشقياء لا يخلدون فى النار؛ كالعصاة من المؤمنين الذين شقوا بالعصيان، وفى الثانى: أن بعض السعداء لا يخلدون فى الجنة، بل يفارقونها ابتداء؛ يعنى: أيام عذابهم؛ كالفساق من المؤمنين الذين سعدوا بالإيمان. والتأبيد من مبدأ معين كما ينتقض باعتبار الانتهاء؛ فكذلك ينتقض باعتبار الابتداء، ... === (قوله: ومعنى الاستثناء إلخ) جواب عما يقال ما معنى الاستثناء فى قوله إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ مع أن أهل الجنة لا يخرجون منها أصلا وكذا أهل النار لا يخرجون منها والاستثناء يفيد خروجهم؛ لأن معنى الآية أن كل أهل النار خالدون فيها فى كل وقت إلا الوقت الذى شاء الله عدم الخلود فيه، وكذا يقال فى أهل الجنة، ولا شك أن هذا يفيد أن هناك وقتا لا يخلد أحد فيه فيكون أهل كل دار خارجين منها فى ذلك الوقت. وحاصل الجواب أنه استثنى الفساق من المخلدين فى النار باعتبار الانتهاء، ومن المخلدين فى الجنة باعتبار الابتداء؛ لأنهم لم يدخلوها مع السابقين فالخلود فى حقهم ناقص باعتبار المبدأ، فظهر أن ماصدق الاستثناء فى الاستثناءين واحد. (قوله: أن بعض الأشقياء لا يخلدون) كالعصاة من المؤمنين الذين شقوا بالعصيان، أى: وهذا كاف فى صحة الاستثناء لأن صرف الحكم عن الكل فى وقت ما يكفى فيه صرفه عن البعض، فصرف الخلود فى النار عن كل واحد من أهلها يكفى فيه صرفه عن البعض وهم فساق المؤمنين الذين لا يخلدون فيها (قوله: والتأبيد إلخ) أى: والإقامة فى المكان أبدا. (وقوله: من مبدأ معين) أى: كالإذن لأهله فى الدخول فيه. وقوله: (كما ينتقض باعتبار الانتهاء) أى: كما فى الاستثناء الأول وقوله (فكذلك باعتبار) أى: فكذلك ينتقض باعتبار الابتداء أى كما فى الاستثناء الثانى وذلك لعدم حصول التأبيد من ذلك الوقت المعين، ثم إن كلام الشارح هذا يقتضى أن الاستثناء الثانى من الخلود كالأول وأن المعنى: فأما الذين سعدوا ففى الجنة خالدين فيها فى جميع الأوقات إلا الوقت الذى شاء ربك عدم خلودهم فيه، لمنعه بعض الناس من دخولها حين الإذن لأهلها بالدخول، والحاصل أن الاستثناء فى الموضعين من الخلود باعتبار ما تضمنه من الأوقات؛ لأنه يتضمن أوقاتا لا

стр. 2095

(وقد يطلق التقسيم على أمرين أحدهما أن يذكر أحوال الشىء مضافا إلى كل من تلك الأحوال ما يليق به؛ كقوله: سأطلب حقى بالقنا ومشايخ ... كأنهم من طول ما التثموا مرد) (١) === تنتهى لا من الموصول وهو الذين لأن الاستثناء منه يلزم عليه إيقاع ما على العاقل- تأمل. (قوله: فقد جمع الأنفس بقوله إلخ) أى: فقد جمع الأنفس فى التكلم بقوله لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ لأن النكرة فى سياق النفى تعم. (قوله: ثم فرق بينهم) أى: بأن أوقع التباين بينها بجعل بعضهما شقيا وبعضها سعيدا، بقوله فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ وقد يقال إن هذا ليس من باب الجمع والتفريق لأن المجموع فى الحكم الذى هو التكلم الأنفس، والتفريق متعلق بأهل الموقف؛ لأن ضمير فمنهم شقى وسعيد رجعه الشارح لأهل الموقف، وما كان يتم كون الآية من الجمع والتفريق إلا لو كان ضمير منهم راجعا للأنفس وأجاب الشارح فى المطول بأن الأنفس وأهل الموقف شىء واحد، لأن النفس فى لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ نكرة فى سياق النفى فتعم كل نفس فى ذلك اليوم، والنفوس فى ذلك اليوم هى نفوس أهل الموقف فاتحد المراد بالنفس بالمراد بأهل الموقف، وحينئذ فعود الضمير على أهل الموقف كعوده على الأنفس. (قوله: أحدهما أن يذكر أحوال الشىء مضافا إلى كل ما يليق به) المراد بالإضافة مطلق النسبة ولو بالإسناد لا خصوص الإضافة النحوية، وهذا المعنى مغاير للتقسيم بالمعنى المتقدم؛ لأن ما تقدم أن يذكر متعدد أولا ثم يضاف لكل ما يناسبه على التعيين، بخلاف ما هنا فإنه يذكر المتعدد ويذكر مع كل واحد ما يناسبه (قوله: كقوله) أى: قول أبى الطيب المتنبى (قوله: سأطلب حقى بالقنا ومشايخ) القنا بالقاف والنون جمع قناة وهى الرمح، وفى بعض النسخ بالفتى بالفاء والتاء وهو المناسب لمشايخ، قال الواحدى: أراد بالفتى نفسه وبالمشايخ قومه وجماعته من الرجال الذين لهم لحى، والالتثام وضع اللثام على الفم والأنف فى الحرب وكان ذلك من عادة العرب، فقوله

стр. 2096

فقد جمع الأنفس بقوله: لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ ثم فرق بينهم بأن بعضهم سعيد، ثم قسم بأن أضاف إلى الأشقياء ما لهم من عذاب النار، وإلى السعداء ما لهم من نعيم الجنة بقوله: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا إلى آخره. (ثقال) لشدة وطأتهم على الأعداء (إذا لاقوا) أى: حاربوا (خفاف) أى: مسرعين إلى الإجابة (إذا دعوا) إلى كفاية مهم، ودفاع ملم (كثير إذا شدوا) لقيام واحد مقام الجماعة (قليل إذا عدوا) ذكر أحوال المشايخ، وأضاف إلى كل حال ما يناسبها بأن أضاف إلى الثقل حال الملاقاة، وإلى الخفة حال الدعاء، ... وهكذا إلى الآخر. والثانى: استيفاء أقسام الشىء؛ ... === (من طول ما التثموا) أى شدوا اللثام حالة الحرب وفى هذا إشارة إلى كثرة حربهم وفى ابن يعقوب أن طول اللثام عبارة عن لزومهم زى الكبراء أهل المروءة فى عرفهم. (قوله: لشدة وطأتهم) أى: ثباتهم على اللقاء (قوله: ودفاع ملم) أى: مدافعة الأمر العظيم النازل (قوله: إذا شدوا) بفتح الشين أى: حملوا على العدو والثقل هنا عبارة عن شدة نكاية الملاقى لهم وعجزه عن تحمل أذاهم (قوله: لقيام واحد مقام الجماعة) أى: فى النكاية (قوله: قليل إذا عدوا) أى: لأن أهل النجدة مثلهم فى غاية القلة (قوله: ذكر أحوال المشايخ) أى: من الثقل والخفة والكثرة والقلة (قوله: وهكذا إلى الآخر) أى: فأضاف إلى الكثرة حالة الشدة وأضاف إلى القلة حالة العد، ولا يخفى ما اشتمل عليه هذا التقسيم من الطباق بذكر القلة والكثرة والخفة والثقل، إذ بين كل اثنين منها تضاد. (قوله استيفاء أقسام الشىء) أى: بحيث لا يبقى للمقسم قسم آخر غير ما ذكر، ومنه قول النجاة: الكلمة اسم وفعل وحرف (قوله: يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً) (١) قدم الإناث لأن سياق الآية على أنه تعالى يفعل ما يشاء لا ما يشاؤه الإنسان، فكان ذكر الإناث اللاتى هن من جملة ما لا يشاؤه الإنسان أهم ثم إنه لما حصل للذكر كسر جبره بالتعريف؛ لأن فى التعريف تنويها أى: تعظيما بالذكر، فكأنه قال: ويهب لمن يشاء

стр. 2097

كقوله تعالى: يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ. أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً (١) فإن الانسان إما أن لا يكون له ولد، أو يكون له ولد؛ ذكر، أو أنثى، أو ذكر وأنثى. وقد استوفى فى الآية جميع الأقسام. === الفرسان الذين لا يخفون عليكم، ثم بعد ذلك أعطى كلا من الجنسين حقه من التقديم والتأخير فقدم الذكور وأخر الإناث إشارة إلى أن تقديم الإناث لم يكن لاستحقاقهن التقديم بل لمقتضى آخر وهو الإشارة إلى أن الله يفعل ما يشاء لا ما يشاؤه العبد. (قوله: أَوْ يُزَوِّجُهُمْ) من المزاوجة وهى الجمع أى: أو يجمع لهم من الذكران والإناث (قوله: وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً) أى: لا يولد له أصلا إنه عليم بالحكمة فى ذلك قدير على ما يريد لا يتعاصى عليه شىء مما أراده (قوله: فإن الإنسان إلخ) حاصله أن الآية قد تضمنت أن الإنسان الذى شأنه الولادة ينقسم إلى الذى لا يولد له أصلا، وإلى الذى يولد له جنس الذكور فقط، وإلى الذى يولد له جنس الإناث فقط، وإلى الذى يولد له جنس الذكور والإناث معا، فكأنه قيل الإنسان إما أن يكون له ولد أصلا وإما أن يكون له جنس الذكور فقط، وإما أن يكون له جنس الإناث فقط، وإما أن يكون له الجنسان معا. فهذا تقسيم مستوف لأقسام الإنسان باعتبار الولادة وعدمها واعلم أن السر فى الإتيان بأو المقتضية للمباينة فى قوله تعالى أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً دون الواو المقتضية للجمع- كما ذكر فيما قبل هذا القسم وبعده- هو أنه لما عبر بالضمير فى يزوجهم الراجع للطائفتين المذكورتين أو إحداهما ولم يقل ويهب لمن يشاء أتى بأو للإشارة للمباينة وأن هذا غير ما ذكر أولا، إذ المذكور أولا هو الذكور فقط والإناث فقط، بخلاف ما لو عبر بالواو فإنه يفيد أن الذى اختص بالذكور أو اختص بالإناث يجمع له بين الذكور والإناث، وليس بصحيح؛ لأن المراد كما مر ذكر كل قسم على حدته، وأما الأقسام الأخرى فلما قال فيها يهب لمن يشاء ويجعل من يشاء فعبر بالظاهر عن الموهوب له والمجعول له، فهم أنها أقسام مستقلة مختلفة فى نفس الأمر؛ لأن اللفظ الظاهر إذا كرر أفاد المغايرة بخلاف الضمير، ولما كانت مختلفة عطفت بالواو تنبيها على

стр. 2098

[التجريد]: (ومنه) أى ومن المعنوى (التجريد وهو أن ينتزع من أمر ذى صفة) أمر (آخر مثله فيها) أى مماثل لذلك الأمر ذى الصفة فى تلك الصفة (مبالغة) أى لأجل المبالغة وذلك (لكمالها) أى تلك الصفة (فيه) أى فى ذلك الأمر حتى كأنه بلغ من الاتصاف بتلك الصفة ... === توافقها فى الوقوع واشتراكها فى الثبوت، - كذا قيل، لكن يرد أن يقال لم لم يقل أو يزوج من يشاء ذكرانا وإناثا؟ أى: يجعل لمن يشاء الذكور والإناث معا فيفيد المباينة ويجرى الكلام على نسق واحد، وقد يقال: فائدة العدول عن التصريح بمن يشاء فى الجملة الثالثة إلى الضمير وتغيير أسلوب الكلام، الإشارة إلى عدم لزوم المشيئة ورعاية الأصلح، - أفاده يس نقلا عن السيد وتأمله. [التجريد]: (قوله: وهو أن ينتزع إلخ) قال فى الأطول: هذا لا يشمل بظاهره نحو لقيت من زيد وعمرو أسدا، ولا نحو لقيت من زيد أسدين أو أسودا، فالأولى أن يقال: وهو أن ينتزع من أمر ذى صفة أو أكثر أمر آخر أو أكثر مثله فيها انتهى. قال الفنرى: وهذا الانتزاع دائر فى العرف يقال فى العسكر ألف رجل وهم فى أنفسهم ألف، ويقال فى الكتاب عشرة أبواب وهو فى نفسه عشرة أبواب، والمبالغة التى ذكرت مأخوذة من استعمال البلغاء؛ لأنهم لا يفعلون ذلك إلا للمبالغة (قوله: آخر) هو بالرفع نائب فاعل ينتزع وأشار الشارح بتقدير أمر إلى أنه صفة لمحذوف (قوله: أى لأجل المبالغة) أى: أن الانتزاع المذكور يرتكب لأجل إفادة المبالغة، أى: لأجل إفادة أنك بالغت فى وصف المنتزع منه بتلك الصفة (قوله: وذلك) أى: ما ذكر من المبالغة (لكمالها إلخ) فهو علة للعلة ويحتمل أن المراد وذلك أى ما ذكر من الانتزاع لأجل المبالغة لكمالها إلخ، فهو علّة للمعلل مع علته، وإنما قدر الشارح ذلك إشارة لدفع ما قد يتوهم من أن فيه متعلق بمبالغة وإنما هو متعلق بكمالها، ويصح أن يجعل لام لكمالها بمعنى فى صلة للمبالغة أى: لأجل المبالغة فى كمال تلك الصفة فيه (قوله: لكمالها فيه) أى: لادعاء كمال تلك

стр. 2099

إلى حيث يصح أن ينتزع منه موصوف آخر بتلك الصفة (وهو) أى التجريد (أقسام منها) ما يكون بمن التجريدية (نحو قولهم: لى من فلان صديق حميم) === الصفة فى ذلك المنتزع منه، وإنما قلنا لادعاء الكمال أن للإشارة إلى إظهار المبالغة بالانتزاع لا يشترط فيه كون الصفة كاملة فى ذلك الأمر بحسب نفس الأمر، بل ادعاء كمالها فيه كاف سواء طابق الواقع أم لا، ووجه دلالة الانتزاع على المبالغة المبنية على ادعاء الكمال ما تقرر فى العقول من أن الأصل والمنشأ لما هو مثله يكون فى غاية القوة حتى صار يفيض بمثالاته، فإذا أخذ موصوف بصفة من موصوف آخر بما فهم أنك بالغت فى وصفه حتى صيرته فى منزلة، هى أن من كانت فيه تلك الصفة صار متصفا بتفريع أمثاله عنه، فهى فيه كأنها تفيض بمثالاتها لقوتها كما تفيض الأشعة عن شعاع الشمس وكما يفيض الماء عن ماء البحر، وإلى هذا يشير قول الشارح حتى كأنه أى: الأمر المنتزع منه بلغ إلخ (قوله: إلى حيث) أى: إلى مرتبة يصح إلخ (قوله: وهو أقسام) أى: سبعة لأن الانتزاع إما أن يكون بحرف أو بدونه والحرف إما من أو الباء أو فى والباء إما داخلة على المنتزع منه أو على المنتزع وما يكون بدون حرف إما أن يكون لا على وجه الكناية أو يكون على وجهها ثم هو إما انتزاع من غير المتكلم أو انتزاع من المتكلم نفسه، فهذه أقسام سبعة أشار المصنف إليها ولأمثلتها فيما يأتى. (قوله: بمن التجريدية) جعل بعضهم التجريد معنى برأسه لكلمة من والأصح أنها ابتدائية كما أن باء التجريد باء المصاحبة- قاله عبد الحكيم، وتدخل من على المنتزع منه ولم يوجد دخولها على المنتزع بخلاف الباء- كذا فى الأطول. قال العلامة اليعقوبى: والمناسب لمن حيث دخلت على المنتزع منه أن تكون للابتداء لأن المنتزع مبتدأ وناشئ من المنتزع منه الذى هو مدخول من، وأما جعلها للبيان فلا يفيد المبالغة لأن بيان شىء بشىء لا يدل على كمال المبين فى الوصف، بخلاف جعل شىء مبدأ ومنشأ لذى وصف فإنه يدل على كمال ذلك الشىء باعتبار ذلك الوصف، فإذا قيل: لى من فلان صديق حميم فكأنه قيل: خرج لى من فلان وأتانى منه صديق آخر، ولا شك أن هذا يفيد المبالغة فى وصف فلان بالصداقة (قوله: لى من فلان صديق حميم) أى لى صديق

стр. 2100

أى قريب يهتم لأمره (أى بلغ فلان من الصداقة حدّا صح معه) أى مع ذلك الحد (أن يستخلص منه) أى من فلان صديق (آخر مثله فيها) أى فى الصداقة (منها) ما يكون بالباء التجريدية الداخلة على المنتزع منه (نحو قولهم: لئن سألت فلانا لتسألن به البحر) بالغ فى اتصافه بالسماحة حتى انتزع منه بحرا فى السماحة (ومنها) ما يكون بدخول باء المعية فى المنتزع (نحو قوله (١) وشوهاء) أى فرس قبيح المنظر لسعة أشداقها أو لما أصابها من شدائد الحرب (تعدو) أى تسرع (بى === حميم ناشئ من فلان أى: مبتدأ ومنتزع منه (قوله: أى قريب) تفسير للحميم؛ لقول الصحاح: حميمك: قريبك الذى تهتم لأمره (قوله: من الصداقة) أى: من مراتبها، (وقوله: حدّا) أى: مكانا ومرتبة (وقوله: صح معه) أى: صح بمصاحبته للاتصاف بذلك الحد من الصداقة (قوله: أن يستخلص منه) أى: ينتزع منه ويستخرج منه. (قوله: نحو قولهم) أى: فى مقام المبالغة فى وصف فلان بالكرم (قوله: لئن سألت فلانا لتسألن به البحر) يصح أن تكون الباء للمصاحبة أى: لتسألن البحر معه أى شخصا كريما كالبحر مصاحبا له، ويصح جعلها للسببية أى لتسألن بسببه البحر أى: شخصا آخر كالبحر بمعنى أنه سبب لوجود بحر آخر مجردا منه مماثلا له فى كونه يسأل (قوله: بالغ إلخ) أى: بناء على أن المراد بالسؤال فى قوله: لتسألن به البحر سؤال دفع الحاجة، فيكون التشبيه بالبحر فى السماحة، ويحتمل أن يكون السؤال لدفع الجهل فيكون التشبيه بالبحر فى كثرة العلم (قوله: فى المنتزع) أى: على المنتزع لا على المنتزع منه كما فى القسم الذى قبله (قوله: وشوهاء) (٢) أى: ورب فرس شوهاء (قوله: أو لما أصابها من شدائد الحرب) أى: من الضربات والطعنات وأو لتنويع الخلاف وذلك لأن الشوه قيل: إنه قبح الوجه لسعة الأشداق جمع شدق وهو جانب الفم، وقيل: قبح الوجه لما أصابه من شدائد الحرب، والوصف بالشوهائية لما ذكر وإن كان قبيحا فى الأصل

стр. 2101

إلى صارخ الوغى) أى مستغيث فى الحرب (بمستلئم) أى لابس لأمة وهى الدرع والباء للملابسة والمصاحبة (مثل الفنيق) هو الفحل المكرم (المرحّل) من رحل البعير أشخصه عن مكانه وأرسله أى تعدو بى ومعى من نفسى مستعد للحرب ... === لكنه يستحسن فى الخيل؛ لأنه يدل على أنها مما يعد للشدائد لقوتها وأهليتها وأنها مما جرب للملاقاة فى الحروب وللتصادم وذلك كمال فيها (قوله: إلى الصارخ الوغى) أى: إلى الصارخ الذى يصرخ فى مكان الوغى، والوغى الحرب والصارخ الذى يصرخ فى مكان الحرب هو: الذى يصيح وينادى الفرسان لحضور الحرب والاجتماع إليه لإغاثته (قوله: لأمة) بالهمزة الساكنة وقد تسهل (قوله: والباء للملابسة والمصاحبة) أى: متعلقة بمحذوف على أنها ومجرورها فى محل الحال من المجرور فى بى أى: تعدو بى حالة كونى مصاحبا لمستلئم آخر، وليست الباء للتعدية وليس قوله بمستلئم بدلا من الباء فى قوله بى؛ لأن ذلك يفوت التجريد ولأنه لا يبدل الاسم الظاهر من ضمير الحاضر إلا إذا كان مفيدا للإحاطة، ولا للسببية متعلقة ب تعدو لأن المعنى حينئذ تعدو بى بسبب مستلئم، وحينئذ فيكون المستلئم الذى هو المنتزع سببا للمجرد منه، والمقرر هو أن المجرد منه سبب ومنشأ لا العكس، نعم يمكن اعتبار السببية بتكلف وذلك بأن تدعى المبالغة حتى صار الأصل والسبب فرعا مسببا، وإنما لم يحمل على ذلك لأن المبالغة المفيدة للتجريد تكفى فى الحسن، ومتى ما زيد عليها ما أوجب العكس صار الكلام كالرمز وصار فى غاية البرودة كما يشهد بذلك الذوق السليم (قوله: والمصاحبة) تفسير مراد للملابسة والأولى حذف الملابسة. (قوله: مثل الفنيق) قال سم: الظاهر أنه صفة لمستلئم لقربه منه وقال اليعقوبى: بالجر صفة لشوهاء والفنيق بالفاء والنون ثم ياء تحتية وقاف (وقوله: وهو الفحل المكرم) أى: الفحل من الإبل الذى ترك أهله ركوبه تكرمة له (وقوله: المرحّل) أى المرسل عن مكانه أى: أنه مطلق وغير مربوط فى محل، فقد شبه الفرس بالفحل المذكور فى القوة وعدم القدرة على المصادمة (قوله: من رحل البعير) بتشديد الحاء (وقوله: أشخصه) أى:

стр. 2102

بالغ فى استعداده للحرب حتى انتزع منه آخر (ومنها) ما يكون بدخول فى المنتزع منه (نحو قوله تعالى لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ (١) أى فى جهنم وهى دار الخلد) لكنه انتزع منها دارا أخرى وجعلها معدة فى جهنم لأجل الكفار تهويلا لأمرها مبالغة فى اتصافها بالشدة (ومنها ما يكون بدون توسط حرف (نحو قوله (٢) ... === أطلقه (وقوله: وأرسله) تفسير (قوله: بالغ فى استعداده للحرب) أى: بملازمته لبس اللأمة وغيرها من آلات الحرب (قوله: حتى انتزع منه آخر) أى: حتى صار بحيث يخرج منه مستعد آخر يصاحبه. (قوله: فى المنتزع منه) أى: على المنتزع منه ففى بمعنى على (قوله: أى فى جهنم) تفسير للضمير المجرور بفى (وقوله: وهى) أى: جهنم نفسها (قوله: لكنه انتزع منها دار أخرى إلخ) حاصله أنه بولغ فى اتصافها بكونها دارا ذات عذاب مخلد حتى صارت بحيث تفيض ويصدر عنها دار أخرى مثلها فى الاتصاف بكونها دارا ذات عذاب مخلد، فكأنه قيل: ما أعظم تلك الدار فى لزومها لهم وعدم انفكاك عذابها عنهم وكونها لا تضعف مع طول الخلود ولا تفنى بتصرم الأعوام، حتى إنها تفيض دارا أخرى مثلها فى اللزوم وقوة العذاب بلا ضعف مع التخليد (قوله: تهويلا إلخ) علة لانتزاع الدار الأخرى منها (قوله: ومبالغة فى اتصافها بالشدة) بحث فيه بعضهم بأن انتزاع دار الخلد يفيد المبالغة فى الخلود لا فى شدة العذاب، إلا أن يقال: اتصافها بالخلود يستلزم شدة العذاب فانتزع منها دار أخرى مثلها فى شدة العذاب وفى كونها مخلدا فيها، انتهى. قال العصام: يمكن ألا تكون فى هنا للانتزاع بل لإفادة أن دار الكفار منزلتهم بعض جهنم لأن كثيرا منها مشغول بالفساق من المسلمين، بل هى أوسع من أن يشغلها جميع من دخلها قال تعالى يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣) (قوله: بدون توسط حرف) أى: بل يؤتى بالمنتزع على وجه يفهم منه الانتزاع بقرائن الأحوال من غير حرف مستعان به على إفادة التجريد (قوله: نحو قوله) أى: قول الشاعر وهو: قتادة

стр. 2103

فلئن بقيت لأرحلنّ بغزوة، تحوى) أى تجمع (الغنائم أو يموت) منصوب بإضمار أن أى إلا أن يموت (كريم) يعنى نفسه انتزع من نفسه كريما مبالغة فى كرمه فإن قيل هذا من قبيل الالتفات من التكلم إلى الغيبة قلنا لا ينافى التجريد على ما ذكرنا (وقيل: تقديره أو يموت منى كريم ... === ابن مسلمة الحنفى نسبة لبنى حنيفة قبيلة (قوله: فلئن بقيت) أى: حيّا، وقوله: لأرحلن أى: لأسافرن، وقوله بغزوة الباء للسببية أو بمعنى اللام كما هو فى بعض النسخ (قوله: تحوى الغنائم) قال فى المطول: الجملة صفة لغزوة أى: تجمع تلك الغزوة الغنائم أى: يجمع أهل تلك الغزوة الغنائم وأنا منهم: قال العصام: ويحتمل أن ضمير تحوى للخطاب، أى تحوى أنت ويكون فيه التفات من التكلم فى قوله: لئن بقيت لأرحلن إلى الخطاب فى قوله: تحوى الغنائم أى: أحوى بها الغنائم، وأما على كلام الشارح من أن ضمير تحوى للغزوة فلا التفات فيه، والالتفات إنما هو فى أو يموت كريم (قوله: منصوب بإضمار أن) أى: لوقوعه بعد أو التى بمعنى إلا أى: لكن إن مات كريم فلا تحوى الغنائم، وما ذكره من النصب هو الرواية فى البيت وإلا فيجوز رفعه بالعطف على تحوى بحذف العائد أى: لأرحلن لغزوة تحوى الغنائم أو يموت فيها كريم، أى أو يستشهد فيها بالقتل (قوله: يعنى نفسه) أى: أن الشاعر يعنى بالكريم نفسه؛ أى لأن معنى الكلام كما أفاده السياق أنى أسافر لغزوة إما أن أجمع فيها الغنائم أو أموت (قوله: من قبيل الالتفات إلخ) أى: وحينئذ فلا يكون من قبيل التجريد لأن الالتفات مبنى على الاتحاد والتجريد مبنى على التعدد وهما متنافيان؛ وذلك لأن المعنى المعبر عنه فى الالتفات بالطريق الأول والثانى واحد، والمعبر عنه باللفظ الدالّ على المنتزع منه باللفظ الدالّ على المنتزع متعدد بحسب الاعتبار، إذ يقصد أن المجرد شىء آخر غير المجرد منه (قوله: قلنا: لا ينافى إلخ) أى: قلنا: الالتفات لا ينافى التجريد. (قوله: على ما ذكرنا) أى: على مقتضى ما ذكرنا من تعريف التجريد، فإنه يقتضى أنه قد يجامعه الالتفات إذ المراد بالاتحاد فى الالتفات الاتحاد فى نفس الأمر لا الاتحاد فيه وفى الاعتبار، والمراد بالتعدد فى التجريد التعدد بحسب الاعتبار لا فى نفس

стр. 2104

=== الأمر أيضا حتى ينافى الالتفات، والحاصل أن ما فى البيت تجريد نظرا للتغاير الادعائى، والتفات نظرا للاتحاد الواقعى، وفى بعض الحواشى ليس مراد الشارح بعدم منافاة الالتفات للتجريد أنه يجوز اجتماعهما فى لفظ واحد قصدا بل مراده أن الالتفات لا ينافى احتمال التجريد، فكما صح فى البيت الالتفات يصح فيه التجريد على البدلية لا على الاجتماع، وذلك لأن من المواد ما يصلح لقصد التجريد فقط ومنها ما يصلح للالتفات فقط ومنها ما يصلح لهما معا، فالأول: كما تقدم فى قولهم لى من فلان صديق حميم، إذ لا معنى للالتفات فيه لاتحاد الطرفيين فيه إذ هما معا غيبة، والثانى: كقوله تعالى إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ. فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (١) إذ لا معنى للانتزاع والتجريد فيه بأن يقال انتزع تعالى من ذاته ربا مبالغة فى ربوبيته للنبى- ﷺ لأنه يلزم الأمر بالصلاة المرب المنتزع، والثالث: كالمثال الذى نحن بصدد البحث فيه وهو لئن بقيت لأرحلن بغزوة إلخ، فإن المتكلم بهذا الكلام يحتمل أنه قصد المبالغة فى وصف نفسه بالكرم حتى انتزع من نفسه كريما آخر فيكون تجريدا، ويحتمل أنه أراد التنطع فى التعبير وتحويل الكلام من أسلوب إلى أسلوب آخر جديد فيكون التفاتا، وأما كون الالتفات والتجريد يجتمعان فى مادة قصدا فلا يصح.- انتهى كلامه، قال العلامة عبد الحكيم: والصواب أن اجتماعهما واقع فى صورة يكون الأسلوب المنتقل إليه دالا على صفة كما فيما نحن فيه، فهو يعنى قوله كريم التفات من حيث إنه انتقل من التكلم للغيبة، وتجريد من حيث التعبير بصيغة الصفة لأجل المبالغة فى الكرم، ولا يرد ما قيل إن الالتفات يقتضى الاتحاد والتجريد يقتضى التغاير ولو ادعاء، وبينهما تناف لأنه إنما يلزم ذلك لو كان اعتبار المتنافيين من جهة واحدة بحسب اقتضاء المقام، وهنا ليس كذلك لما علمت أن الالتفات من حيث إنه انتقل من التكلم للغيبة لأجل تجديد الأسلوب، والتجريد من حيث التعبير بصيغة الصفة لأجل المبالغة فى الكرم مثلا اه. وبهذا تعلم أن قول الشارح: قلنا لا ينافى التجريد، معناه قلنا إن الالتفات لا ينافى التجريد وأنه يجوز اجتماعهما

стр. 2105

فيكون من قبيل: لى من فلان صديق حميم فلا يكون قسما آخر (وفيه نظر) لحصول التجريد وتمام المعنى بدون هذا التقدير (ومنها) ما يكون بطريق الكناية (نحو قوله: يا خير من يركب المطىّ ولا ... يشرب كأسا بكفّ من بخلا (١) === معا فى مادة قصدا، والحاصل أن التنافى إنما يأتى لو كان المقام مقتضيا لهما بجهة واحدة وأما اجتماعهما فى مادة كل واحد باعتبار فلا ضرر فيه (قوله: على ما ذكرنا) فيه أنه لم يتعرض لعدم المنافاة سابقا فالأولى لا ينافى التجريد بالمعنى المذكور، وقد يجاب بأن المراد على مقتضى ما ذكرنا من تعريف التجريد كما مر (قوله: فيكون من قبيل لى من فلان صديق حميم) أى: فيكون مثله من جهة أن من داخلة على المنتزع منه فى كل، وذلك لأن المقدر كالمذكور (قوله: وفيه نظر) أى: وفى هذا القيل نظر (قوله: لحصول التجريد وتمام المعنى بدون هذا التقدير) أى: ومن المعلوم أن تقدير شىء زائد فى الكلام إنما يحتاج إليه عند عدم تمام المعنى بدونه وإنما كان هذا الكلام يفهم منه أن المتكلم جرد من نفسه كريما آخر بلا تقدير المجرور بمن لأنه عادل بين كونه يحوى الغنائم أو يموت الكريم، والجارى على الألسن أن يقال: لا بد لى من الغنيمة أو الموت فيفهم منه أن المراد بالكريم نفسه، والمدح المستفاد من التعبير بلفظ الكريم يقتضى المبالغة المصححة للتجريد. (قوله: ومنها ما يكون بطريق الكناية) أى: مصحوبا بطريق الكناية أى: تجريد معه كناية بأن ينتزع المعنى ثم يعبر عنه بكناية كما أنه يعبر عنه بصريح (قوله: نحو قوله) أى: قول الشاعر وهو الأعشى (قوله: المطى) جمع مطية وهى المركوب من الإبل (قوله: ولا يشرب كأسا بكف من بخلا) أى: بكف من هو موصوف بالبخل، وحاصله أن ذلك الممدوح وهو المخاطب من أهل الشرب والشأن أن الإنسان يشرب بكف نفسه، فانتزع الشاعر من ذلك الممدوح شخصا كريما يشرب من كفه الممدوح مبالغة فى كرمه، فصار الأصل ويشرب بكف كريم ثم عبر عن ذلك المعنى بالكناية بأن أطلق اسم
следующие страницы →