← Баляга

Баляга · id 147062

حاشية الدسوقي على مختصر المعاني

محمد بن أحمد الدسوقي

Полный текст (2 334 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

بحيث لا يعرف كونه مأخوذا من الأول إلا بعد مزيد تأمل (كان أقرب إلى القبول) لكونه أبعد عن الاتباع وأدخل فى الابتداع (هذا) أى الذى ذكر فى الظاهر وغيره من ادعاء سبق أحدهما وأخذ الثانى منه وكونه مقبولا أو مردودا وتسمية كل بالأسامى المذكورة (كله) إنما يكون (إذا علم أن الثانى أخذ من الأول) بأن يعلم أنه كان يحفظ قول الأول حين نظم أو بأن يخبر هو عن نفسه أنه أخذه منه وإلا فلا يحكم بشىء من ذلك (لجواز أن يكون الاتفاق) فى اللفظ والمعنى جميعا أو فى المعنى وحده (من نوادر الخواطر أى مجيئه على سبيل الاتفاق من غير قصد إلى الأخذ) ... === الكلام المأخوذ من غيره أشد خفاء من مأخوذ آخر (قوله: بحيث لا يعرف إلخ) أى وذلك بأن يكسب من التصرف وإدخال اللطائف ما أوجب كونه لا يعرف مما أخذ منه وأن أصله ذلك المأخوذ منه إلا بعد مزيد تأمل وإمعان نظر (قوله: مزيد تأمل) أى: وأما أصل التأمل فلا بد منه فى غير الظاهر (قوله: كان أقرب إلى القبول) أى: مما ليس كذلك (قوله: لكونه أبعد) أى: لكونه صار بتلك الخصوصيات واللطائف المزيدة فيه أبعد (قوله: أى الذى ذكر) أى: فإفراد هذا بتأويل المشار إليه بما ذكر فلا منافاة بينه وبين التأكيد بقوله كله (قوله: من ادعاء سبق أحدهما) أى: للآخر (وقوله: وأخذ) أى: وادعاء أخذ الثانى من الأول (قوله: بأن يعلم) بيان لسبب علم أن الثانى أخذ من الأول (قوله: وإلا فلا يحكم) أى: وإن لم يعلم أخذ الثانى من الأول بأن علم العدم أو جهل الحال بشىء من ذلك أى: من سبق أحدهما واتباع الآخر ولا بما يترتب على ذلك من القبول أو الرد، وأشار الشارح بقوله وإلا فلا يحكم بشىء إلى أن قول المصنف لجواز إلخ: علة لمحذوف (قوله: لجواز أن يكون الاتفاق) أى: اتفاق القائل الأول والقائل الثانى (قوله: أو فى المعنى وحده) أى: كلّا أو بعضا (قوله: أى مجيئه) الضمير للخاطر المفهوم من الخواطر أى: مجىء الخاطر على سبيل الاتفاق (وقوله: من غير قصد إلى الأخذ) تفسير لما قبله، والمراد من غير قصد من القائل الثانى للأخذ من القائل الأول، يعنى أنه يجوز أن يكون اتفاق القائلين بسبب ورود خاطر هو ذلك اللفظ وذلك المعنى على قلب الثانى

стр. 2277

كما يحكى عن ابن ميّادة أنه أنشد لنفسه: مفيد ومتلاف إذا ما أتيته ... تهلّل واهتزّ اهتزاز المهنّد (١) فقيل له: أين يذهب بك هذا للحطيئة؟ فقال: الآن علمت أنى شاعر إذ وافقته على قوله ولم أسمعه (فإذا لم يعلم) أن الثانى أخذ من الأول (قيل: قال فلان كذا وقد سبقه إليه فقال كذا) ليغتنم بذلك فضيلة الصدق ويسلم من دعوى علم الغيب ... === ولسانه كما ورد على الأول من غير سبق الشعور بالأول حتى يقصد الأخذ منه (قوله: ميادة) بفتح الميم وتشديد الياء اسم امرأة أمة سوداء وهى أم الشاعر فهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث (قوله: أنه أنشد لنفسه) أى: أنه أنشد بيتا ونسبه لنفسه (قوله: مفيد ومتلاف) أى هذا الممدوح يفيد الأموال للناس أى: يعطيها لهم ويتلفها على نفسه (قوله: إذا ما أتيته تهلّل إلخ) التهلل: طلاقة الوجه، والاهتزاز: التحرك، والمهند: السيف المصنوع من حديد الهند أى: إذا أتيت هذا الممدوح تهلل أى: تنور وجهه فرحا بسؤالك إياه لما جبل عليه من الكرم واهتز بإرادة العطاء اهتزازا كاهتزاز السيف المهند فى البريق والإشراق (قوله: أين يذهب بك) كلام يقال للمخطئ الضال تنبيها له على الصواب أى: إنك قد ضلت فى ادعائك لنفسك ما هو لغيرك أين تذهب بنفسك أى: أنت ضالّ لا سبيل لك وإلى الخروج ما دمت على ما أنت عليه (قوله: هذا للحطيئة) الحطيئة: اسم لشاعر معلوم سمّى بذلك لقصره، وقيل: لدمامته (قوله: إذ وافقته على قوله) أى: والحال أنه سلم له أنه شاعر (قوله: قيل) أى: فى حكاية ما وقع من المتأخر بعد المتقدم (قوله: قال فلان كذا) أى: من بيت أو قصيدة (قوله: وقد سبقه إليه) أى: إلى ذلك القول فلان فقال كذا أى: سواء كان مخالفا للثانى باعتبار ما أو لا وإنما قلنا أو قصيدة لجواز توارد الخواطر فى معنى القصيدة مثلا، بل وفى لفظها؛ لأن الخالق على لسان الأول هو الخالق على لسان الثانى (قوله: ليغتنم إلخ) علّة لمحذوف أى: فإذا لم يعلم

стр. 2278

ونسبة النقص إلى الغير (ومما يتصل بهذا) أى بالقول فى السرقات (القول فى الاقتباس والتضمين والعقد والحل والتلميح) بتقديم اللام على الميم من لمحه إذا أبصره، وذلك لأن فى كل منها أخذ شىء من الآخر. [الاقتباس]: (أما الاقتباس فهو أن يضمن الكلام) نظما كان أو نثرا (شيئا من القرآن أو الحديث ... === أن الثانى أخذ من الأول قيل قال فلان كذا وقد سبقه إليه فلان فقال كذا، ولا يقال: إن الثانى أخذه من الأول ليغتنم إلخ؛ لأنه لو ادعى سرقة مثلا أو عدمها لم يأمن من أن يخالف الواقع (وقوله: من دعوى إلخ) أى: لو عين نوعا كالسرقة أو عدمها. اهـ سم. (قوله: ونسبة النقص إلى الغير) أى: الشاعر الثانى؛ لأن أخذ الثانى من الأول لا يخلو عن انتقاص الثانى باعتبار أن الأول هو المنشئ له (قوله: ومما يتصل إلخ) خبر مقدم والقول مبتدأ مؤخر ومن تبعيضية ففيه إشارة إلى أن المتصل لا ينحصر فيما ذكر وفى بعض النسخ ويتصل فالقول فاعل يتصل أى: القول فى السرقات يتصل به القول أى: الكلام فى الاقتباس (قوله: من لمحه إذا أبصره) أى: وليس مأخوذا من ملح إذا حسن حتى يكون بتقديم الميم (قوله: وذلك) أى: وبيان ذلك أى: وبيان اتصال القول فيها بالقول فى السرقات الشعرية المقتضى كونها فى نفسها لها اتصال بالسرقات أن فى كل إلخ، ومعنى اتصالها بالسرقات تعلقها بها تعلق المناسبة من جهة أن فى كل من هذه الألقاب أخذ شىء من شىء سابق مثل ما فى السرقات. [الاقتباس]: (قوله: أن يضمن الكلام شيئا من القرآن أو الحديث) أى: أن يؤتى بشىء من لفظ القرآن، أو من لفظ الحديث فى ضمن الكلام. قال العصام: ومما ينبغى أن يلحق بالاقتباس أن يضمن الكلام شيئا من كلام الذين يتبرك بهم وبكلامهم خصوصا الصحابة والتابعين.

стр. 2279

لا على أنه منه) أى لا على طريقة أن ذلك الشىء من القرآن أو الحديث يعنى على وجه لا يكون فيه إشعار بأنه منه كما يقال فى أثناء الكلام: قال الله تعالى كذا وقال النبى ﷺ كذا ونحو ذلك فإنه لا يكون اقتباسا ومثل للاقتباس بأربعة أمثلة؛ لأنه إما من القرآن أو الحديث وكل منهما إما فى النثر أو فى النظم فالأول (كقول الحريرى فلم يكن إلا كلمح البصر أو هو أقرب حتى أنشد فأغرب و) الثانى مثل (قول الآخر ... === (قوله: لا على أنه منه) أى: بشرط أن يكون المأتى به على أنه من كلام المضمن بكسر الميم، لا على أنه من القرآن أو الحديث (فقوله: شيئا من القرآن إلخ) أى: كلاما يشبه القرآن أو الحديث فليس المضمن نفس القرآن أو الحديث لما سيأتى أنه يجوز فى اللفظ المقتبس تغيير بعضه ويجوز نقله عن معناه الوارد فيه فلو كان المضمن هو القرآن حقيقة كان نقله عن معناه كفرا وكذلك تغييره. اهـ سيرامى. (قوله: يعنى إلخ) أتى بالعناية إشارة إلى أن النفى ليس منصبا على المقيد وهو الوجه والطريقة، بل على القيد وهو كونه من القرآن أو الحديث، ففسر الشارح المتن أولا على ظاهره، ثم أشار لبيان المراد منه (قوله: كما يقال إلخ) مثال للمنفى أى: الإتيان بشىء من القرآن أو الحديث على وجه فيه إشعار بأنه منه (قوله: ونحو ذلك) مثل وفى الحديث أو وفى التنزيل كذا (قوله: فإنه لا يكون اقتباسا) أى: لأن هذا ليس من التضمين فى شىء لسهولة التناول فلا يفتقر إلى نسج الكلام نسجا يظهر منه أنه شىء آخر فيعد مما يستحسن فيلحق بالبديع (قوله: فالأول) أى: وهو الاقتباس من القرآن فى النثر (قوله: فلم يكن إلا كلمح البصر إلخ) أى: لم يكن من الزمان إلا كلمح البصر أى: لم يكن من الزمان إلا مثل ما ذكر فى القلّة واليسارة، فأنشد فيه أبو زيد السروجى وأغرب أى: أتى بشىء غريب بديع، وهذا كناية عن سرعة الإسناد الغريب وحتى فى قوله: حتى أنشد بمعنى الفاء، فقد اقتبس الحريرى هذا من قوله تعالى: وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ (١) وظاهر أنه أتى به لا على أنه من القرآن (قوله: والثانى)

стр. 2280

إن كنت أزمعت) أى عزمت (على هجرنا، من غير ما جرم فصبر جميل وإن تبدّلت بنا غيرنا، فحسبنا الله ونعم الوكيل. و) الثالث مثل (قول الحريرى: قلنا: شاهت الوجوه) أى قبحت وهو لفظ الحديث على ما روى أنه لما اشتدت الحرب يوم حنين أخذ النبى ﷺ كفّا من الحصباء فرمى به وجوه المشركين وقال" شاهت الوجوه" (١) (قبح) على المبنى للمفعول أى لعن من قبحه الله بالفتح أى أبعده عن الخير (اللكع) أى اللئيم (ومن يرجوه و) الرابع مثل (قول ابن عباد: قال) أى الحبيب (لى إن رقيبى، ... === أى: وهو الاقتباس من القرآن فى النظم (قوله: إن كنت أزمعت) بكسر التاء خطابا لمؤنث كما هو الرواية (قوله: أى: عزمت) أشار إلى أن الإزماع هو العزم، يقال أزمع على الشىء: عزم عليه (قوله: من غير ما جرم) ما زائدة أى: من غير جرم أى: من غير ذنب صدر منا (قوله: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) أى: فأمرنا معك صبر جميل اقتبس هذا من قوله تعالى حكاية عن يعقوب: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ (٢) وهو الذى لا شكوى فيه (قوله: وإن تبدلت بنا غيرنا) أى: وإن اتخذت غيرنا بدلا منّا فى الصحبة (قوله: فحسبنا الله) أى: فيكفينا الله فى الإعانة على هذه الشدة التى هى قطعك حبل وصالنا (قوله: ونعم الوكيل) أى: المفوض إليه فى الشدائد اقتبس هذا من قوله تعالى: وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ (٣) (قوله: والثالث) أى: وهو الاقتباس من الحديث فى النثر (قوله: وهو) أى: شاهت الوجوه لفظ الحديث (قوله: وقال: شاهت الوجوه) أى: قبحت وتغيرت بانكسارها وانهزامها وعودها بالخيبة فلما فعل ذلك انهزم المشركون (قوله: وقبح) بضم القاف وكسر الباء مخففة على وزن ضرب (قوله: أى لعن) بمعنى أبعد عن الخير (قوله: من قبحه الله بالفتح) أى: بفتح القاف والباء مع تخفيفها وبابه نفع ينفع (قوله: والرابع) أى: وهو اقتباس الحديث فى النظم (قوله: (٤) إن رقيبى) الرقيب: الحافظ والحارس (قوله: فداره) أى: لئلا يمنعنى

стр. 2281

سيّئ الخلق فداره) من المداراة وهى الملاطفة والمخاتلة وضمير المفعول للرقيب (قلت: دعنى وجهك الجنة حفّت بالمكاره) اقتباسا من قوله ﵇ (حفّت الجنة بالمكاره وحفّت النار بالشهوات (١)) أى أحيطت يعنى لا بد لطالب جنة وجهك من تحمل مكاره الرقيب كما أنه لا بد لطالب الجنة من مشاق التكاليف. (وهو) أى الاقتباس (ضربان) أحدهما (ما لم ينقل فى المقتبس عن معناه الأصلى كما تقدم) من الأمثلة (و) الثانى (خلافه) أى ما نقل فيه المقتبس عن معناه الأصلى ... === عنك (وقوله: سيّئ الخلق) أى: قبيح الطبع غليظه (والمخاتلة) بالخاء المعجمة والتاء المثناة فوق أى: المخادعة وفى بعض النسخ والمحايلة بالحاء المهملة والياء التحتية وهى المخادعة أيضا والتحيل (قوله: وضمير المفعول) أى: وهو الهاء فى داره (قوله: دعنى) أى: اتركنى من الأمر بمداراة الرقيب وملاطفته (قوله: وجهك) مبتدأ خبره الجنة، وما بعدها حال منها بإضمار قد والمعنى على التشبيه (قوله: أى أحيطت) أى: كل منهما بما ذكر فلا يتوصل لكل منهما إلا بارتكاب ذلك، بمعنى أنه لا يوصل للجنة حتى يرتكب مشاق المجاهدة والتكاليف والنار تجلب إليها الشهوات فصارت لكونها توصل إليها بسبب حملها على المعصية كالشىء المحيط بغيره فلا يوصل إليه إلا منه (قوله: لطالب جنة وجهك) من إضافة المشبه به للمشبه (قوله: من تحمل مكاره الرقيب) ولا ينفع فيه مداراته ولا ملاطفته (قوله: وهو ضربان) أى: الاقتباس من حيث هو ضربان (قوله: ما لم ينقل فيه المقتبس عن معناه الأصلى) أى: بل أريد به فى كلام المقتبس بكسر الباء معناه الأصلى المفهوم منه بعينه (قوله: عن معناه الأصلى) المراد به المفهوم منه وإن كان الماصدق مختلفا فما صدقه فى القرآن والحديث غيره فى هذا الكلام الواقع من هذا الشاعر مثلا والمفهوم واحد، فحينئذ يكون الاستعمال حقيقة؛ لأنه مستعمل فى مفهومه وإن اختلف الماصدق بخلاف ما إذا نقل فإنه يكون مجازا (قوله: كما تقدم من الأمثلة) أى: فإن قوله: كلمح البصر أو هو أقرب أريد به ذلك المقدار من الزمان كما

стр. 2282

(كقول ابن الرومى: لئن أخطأت فى مدحك ... ما أخطأت فى منعى لقد أنزلت حاجاتى ... بواد غير ذى زرع هذا مقتبس من قوله تعالى رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ (١) لكن معناه فى القرآن واد لا ماء فيه ولا نبات وقد نقلها ابن الرومى إلى جناب لا خير فيه ولا نفع ... === أريد به فى الأصل، وقوله: فصبر جميل على معناه، وكذا حسبنا الله ونعم الوكيل، وشاهت الوجوه أريد به قبح الوجوه وتغيرها كما أريد به فى الأصل، وكذا حفّت الجنة بالمكاره، فإن المفهوم فى الأصل والفرع واحد وإن كان المراد بمصدوق الفرع خلاف الأصل؛ لأن الاختلاف فى المصدوق لا عبرة به. (قوله: كقول ابن الرومى) أى: من بحر الهزج وهو مفاعيلن مفاعيلن أربع مرات (قوله (٢) لئن أخطأت إلخ) أى: والله إن كنت أخطأت فى مدحك لكونك لا تستحق المدح ما أخطأت فى منعى لكونى أستحق المنع لأنى مدحت من لا يستحق المدح وقبل البيتين: ألا قل للّذى لم يه ... ده الله إلى نفع لسانى فيك محتاج ... إلى التخليع والقطع وأنيابى وأضراسى ... إلى التّكسير والقلع (قوله: واد لا ماء فيه ولا نبات) أى: وهو أرض مكة المشرفة (قوله: وقد نقله ابن الرومى) أى: على وجه المجاز المرسل أو الاستعارة. قال اليعقوبى: لا يقال وجهك الجنة حفّت بالمكاره نقل إلى جنة هى الوجه، وإلى حفوف بالمكاره التى هى مشاق الرقيب، والأصل الجنة الحقيقية والمكاره التى هى التكاليف، فكيف يعد مما لم ينقل؛ لأنا نقول لا تجوز هنا؛ لأن الوجه شبه بالجنة والمكاره أريد بها مصدوقها؛ لأنه أريد بها مشاق

стр. 2283

(ولا بأس بتغيير يسير) فى اللفظ المقتبس (للوزن أو غيره كقوله) أى كقول بعض المغاربة (١) (قد كان) أى وقع (ما خفت أن يكونا، إنّا إلى الله راجعونا) وفى القرآن إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. [التضمين]: (وأما التضمين فهو أن يضمن الشعر شيئا من شعر الغير) ... === الرقيب وهو أحد مصادقها، وقد تقدم أن الاتحاد فى المفهوم يكفى ولا عبرة باختلاف الماصدق بعد اتحاد المفهوم فلا تجوز. اهـ. ومن لطيف هذا الضرب الذى نقل فيه المقتبس عن معناه قول بعضهم فى جميل دخل الحمام فحلق رأسه: تجرّد للحمّام عن قشر لؤلؤ ... وألبس من ثوب الملاحة ملبوسا وقد جرّد الموسى لتزيين رأسه ... فقلت لقد أوتيت سؤلك يا موسى (٢) فقوله: لقد أوتيت سؤلك يا موسى اقتباس من الآية ولكن المنادى هنا الحديدة المعلومة بخلاف المنادى فى الآية فإن المراد به الرسول المعلوم- صلوات الله على نبينا وعليه وسلامه- وأراد الشاعر بقشر اللؤلؤ ثوبه وباللؤلؤ بدنه (قوله: ولا بأس بتغيير يسير إلخ) أى: ويسمى اللفظ معه مقتبسا، وأما إذا غير كثيرا حتى ظهر أنه شىء آخر لم يسمّ اقتباسا كما لو قيل فى شاهت الوجوه: قبحت الوجوه أو تغيرت الوجوه أو نحو ذلك (قوله: أو غيره) أى: غير الوزن كاستقامة القرائن فى النثر (قوله: أى كقول بعض المغاربة) أى: حين مات صاحب له (قوله: (٣) قد كان ما خفت إلخ) أى: قد وقع الموت الذى كنت أخاف أن يكون (قوله: وفى القرآن إلخ) أى: فقد اقتبس الشاعر ذلك من الآية وحذف منها ثلاثة أشياء: اللام من لله، وإنا والضمير من إنا إليه وزاد لفظ إلى لأجل استقامة الوزن. [التضمين]: (قوله: أن يضمن الشعر شيئا من شعر الغير) أى: أن يدخل فى الشعر شيئا من شعر

стр. 2284

بيتا كان أو ما فوقه أو مصراعا أو ما دونه (مع التنبيه عليه) أى على أنه من شعر الغير (إن لم يكن ذلك مشهورا عند البلغاء) وبهذا يتميز عن الأخذ والسرقة (كقوله) أى كقول الحريرى يحكى ما قاله الغلام الذى عرضه أبو زيد للبيع: على أنّى سأنشد عند بيعى ... أضاعونى وأىّ فتى أضاعوا (١) === الغير، وخرج النثر بقوله: أن يضمن الشعر فلا يجرى فيه التضمين، وإنما اختص التضمين بالشعر؛ لأن ضم كلام الغير فى الشعر على وجه يوافق المضموم إليه مما يستبدع، إذ ليس بسهل التناول ولذا عد فى المحسنات بخلاف ضم كلام الغير فى النثر، فإنه لا استبداع فيه، وخرج بقوله: شيئا من شعر الغير ما إذا ضمن الشعر شيئا من نثر الغير فلا يسمى تضمينا، بل عقدا كما يأتى، وكان الأولى إبدال قوله من شعر الغير بقوله من شعر آخر ليشمل ما إذا ضمن الشاعر شعره شيئا من شعر نفسه من قصيدة أخرى مثلا، ولكن لقلة التضمين على هذا الوجه لم يعتبره المصنف (قوله: بيتا كان إلخ) وهذه الأربعة إما مع التنبيه أو عدمه إن كان مشهورا، فالأقسام ثمانية مثل المصنف لقسم منها وهو تضمين المصراع مع التنبيه بقوله سأنشد إلخ، ومثل الشارح لقسم ثان منها وهو تضمين المصراع بدون تنبيه وترك أمثلة الباقى (قوله: إن لم يكن ذلك مشهورا عند البلغاء) أى: إن لم يكن ذلك الشعر المضمن مشهورا عند البلغاء نسبته لصاحبه وإلا فلا يحتاج للتنبيه عليه (قوله: وبهذا يتميز) أى: بهذا القيد أعنى اشتراط التنبيه عليه إذا كان غير مشهور يتميز التضمين عن الأخذ والسرقة؛ وذلك لأن السرقة وإن كان فيها تضمين شعر أيضا إلا أن السارق يبذل الجهد فى إظهار كونه له والمضمن يأتى به منسوجا مع شعره مظهرا أنه لغيره وإنما ضمه إليه ليظهر الحذق وكيفية الإدخال للمناسبة (قوله: كقوله إلخ) هذا مثال لتضمين المصراع مع التنبيه على أنه لغيره، فإن قوله: سأنشد نبه به على أن المصراع الثانى لغيره وهو قوله أضاعونى إلخ (قوله: الذى عرضه) فى المختار عرض الجارية للبيع بابه ضرب (قوله: عند بيعى) فى بعض النسخ يوم بيعى (قوله: أضاعونى إلخ)

стр. 2285

المصراع الثانى للعرجىّ وتمامه: ليوم كريهة وسداد ثغر (١)، اللام لام التوقيت، والكريهة من أسماء الحرب، وسداد الثغر- بكسر السين- سده بالخيل، والرجال والثغر موضع المخافة من فروج البلدان، أى: أضاعونى فى وقت الحرب وزمان سد الثغر ولم يراعوا حقى أحوج ما كانوا إلىّ وأى فتى كاملا من الفتيان أضاعوا، ... === مفعول أنشد (قوله: للعرجىّ) بسكون الراء وهو عبد الله ابن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان- رضى الله عنه- نسبة للعرج موضع بطريق مكة (قوله: وتمامه) أى: تمام المصراع الثانى، فالأصل هكذا: أضاعونى وأىّ فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر وبعده: كأنّى لم أكن فيهم وسيطا ... ولم تك نسبتى فى آل عمرو (٢) وهذه الأبيات من قصيدة قالها العرجىّ حين حبس فى شأن قتيل قتله، ثم إن الغلام الذى عرضه أبو زيد السروجى للبيع وهو ولده أخبر عند عرضه للبيع بأنه يوم البيع ينشد ما ذكر، وضمن شعره الذى أنشده عند بيعه المصراع الأول من البيت الأول من كلام العرجى، ونبه بقوله سأنشد على أن المصراع الثانى لغيره، والحريرى حكى ما قاله ذلك الغلام (قوله: والكريهة من أسماء الحرب) أى: لأنها تستكره عند اشتدادها (قوله: بكسر السين) أى: وإما بفتحها فهو الخلاص من الدّين بفتح الدال (قوله: أى أضاعونى فى وقت الحرب إلخ) أشار الشارح إلى أن اللام فى قوله ليوم كريهة بمعنى فى وأنها متعلقة بأضاعونى (قوله: ولم يراعوا حقى أحوج ما كانوا إلىّ) أى: ولم يراعوا حقى حال كونهم أشد احتياجا إلىّ مدة كونهم أى: وجودهم وأحوج حال من الواو فى يراعوا، وما: مصدرية ظرفية، وكان: تامة، وإلىّ: متعلق بأحوج (قوله: وأىّ فتى) مفعول لأضاعوا

стр. 2286

وفيه تنديم وتخطئة لهم وتضمين المصراع بدون التنبيه لشهرته كقول الشاعر: قد قلت لما أطلعت وجناته ... حول الشّقيق الغضّ روضة آس أعذاره السارى العجول ترفّقا ... ما فى وقوفك ساعة من باس === مقدم عليه، وأشار الشارح بقوله أى: كاملا إلى أن أى: فى البيت استفاهمية أريد به التعظيم والكمال كما تقول عندى غلام وأى: غلام أى: هو أكمل الغلمان وإن المراد بأى فتى نفسه لا على التعميم. هذا، ويصح تعلق قوله ليوم كريهة بما يفيده أى من الكمال أى: أضاعونى وأنا أكمل الفتيان فى وقت الكريهة وفى وقت الحاجة لسداد الثغر، إذ لا يوجد من الفتيان من هو مثلى فى تلك الشدائد، وعلى هذا يكون زمان الإضاعة غير زمان الكريهة وسداد الثغر بخلافه على الاحتمال الأول (قوله: وفيه تنديم وتخطئة) أى: وفى الكلام تنديم للمضيعين وتخطئة لهم من حيث إنهم أضاعوا وباعوا من لا غنى عنه لكونه كاملا فى الفتوة (قوله: وتضمين إلخ) هذا استئناف كلام وهو مبتدأ، (وقوله: كقول الشاعر) خبر (قوله: (١) لما أطلعت) أى: أبدت وأظهرت (وقوله: وجناته) فاعل أطلعت، والوجنات: جمع وجنة وهى: ما ارتفع من الخدين (قوله: حول الشقيق) أى: حول الخد المشبه للشقيق وهو فى الأصل ورد أحمر استعاره الشاعر للخد الأحمر (قوله: الغض) أى: الطرىّ اللين (قوله: روضة آس) مفعول أطلعت، والروضة منبت الأشجار والآس الريحان أى: لما أظهرت وجناته شيئا أخضر كالآس والمراد به شعر العذار؛ لأن الشعر فى حال نباته يميل للخضرة (قوله: أعذاره) الهمزة للنداء والعذار هو ما يوجد من الشعر على الخد، والسارى فى الأصل: الماشى بالليل وهو بالنصب صفة لعذار إلا أنه سكنه للضرورة، وإنما نادى عذار؛ لأنه هو المشغوف به فاستغنى بندائه عن نداء صاحبه؛ لأنه هو الآخذ بزمام قلب المنادى، ووصفه بأنه السارى؛ لأنه مشتمل على سواد كسواد الليل فكأنه سار بالليل وبالعجول؛ لأن فيه تظهر عجلة المسرع (قوله: ترفقا) أمر من ترفق وأصله ترفقن مؤكد بالنون الخفيفة قلبت ألفا لوقوعها فى

стр. 2287

المصراع الأخير لأبى تمام (وأحسنه) أى أحسن التضمين (ما زاد على الأصل) أى شعر الشاعر الأزل (بنكتة) لا توجد فيه (كالتورية) أى الإيهام (والتشبيه فى قوله: إذا الوهم أبدى) أى أظهر (لى لماها) أى سمرة شفتيها ... === الوقف بعد فتح فهو حينئذ بفتح الفاء وبالألف بعد القاف وذكر بعضهم أن ترفقا مصدر منصوب بفعل مقدر أى: ترفق بمعنى ارفق فعلى هذا يقرأ بضم الفاء منونا (قوله: المصراع الأخير لأبى تمام) أى: وهو صدر بيت له وتمام ذلك البيت: تقضى حقوق الأربع الأدراس (تنبيه) سكت المصنف والشارح عن مثال تضمين البيت مع التنبيه على أنه من شعر الغير ومع عدم التنبيه اتّكالا على الشهرة، ومثال الأول قول بعضهم: إذا ضاق صدرى وخفت العدا ... تمثلت بيتا بحالى يليق فبالله أبلغ ما أرتجى ... وبالله أدفع ما لا أطيق (١) فقوله تمثلت إلخ: إشارة إلى أن البيت الآتى من شعر غيره، ومثال الثانى قول بعضهم: كانت بلهنية الشبيبة سكرة ... فصحوت واستبدلت سيرة مجمل وقعدت أنتظر الفناء كراكب ... عرف المحلّ فبات دون المنزل (٢) البيت الثانى لمسلم بن الوليد الأنصارى (قوله: ما زاد على الأصل بنكتة) أى: بأن يشتمل البيت أو المصراع المتضمن فى شعر الشاعر الثانى على لطيفة لم توجد فى شعر الشاعر الأول (قوله: بنكتة لا توجد فيه) بهذا يعلم أن منشأ الحسن كون المزيد لنكتة، وإلا فالزيادة على المضمن لا بد منها فلم يتحرز بمطلق الزيادة عن شىء وإنما احترز بكونها لنكتة زائدة عما إذا كانت الزيادة لغير ذلك. اهـ يعقوبى. (قوله: كالتورية) قد تقدم أنها ذكر لفظ له معنيان قريب وبعيد، ويراد البعيد لقرينة (قوله: فى قوله) أى: الموجودين فى قوله: إذا الوهم إلخ، فإن البيت الأول فيه تضمين مشتمل على التورية، والثانى فيه تضمين مشتمل على التشبيه (قوله (٣) إذا الوهم إلخ)

стр. 2288

(وثغرها، تذكّرت ما بين العذيب وبارق. ويذكرنى) من الإذكار (من قدّها ومدامعى، مجرّ عوالينا ومجرى السوابق) انتصب مجر على أنه مفعول ثان ليذكرنى وفاعله ضمير يعود إلى الوهم وقوله تذكرت ما بين العذيب وبارق ... مجرّ عوالينا ومجرى السوابق (١) مطلع قصيدة لأبى الطيب والعذيب وبارق موضعان وما بين ظرف للتذكر أو للمجر والمجرى اتساعا فى تقديم الظرف ... === المراد إذا تخيلت لماها وثغرها (قوله: وثغرها) أراد به أسنانها (وقوله: تذكرت) جواب إذا (وقوله: ما بين العذيب وبارق) لفّ ونشر مرتب، إذ مراده بالعذيب شفتها وبالبارق أسنانها وبما بينهما ما يضىء من ريقها (قوله: من الإذكار) بقطع الهمزة وسكون الذال المعجمة الذى فعله رباعى وهو أذكر لا ثلاثى وهو ذكر وقوله من الإذكار أى: لا من الادّكار الذى هو الاتّعاظ (قوله: من قدّها) متعلق بيذكرنى ومن للابتداء أى: من تبختر قدها وتمايله (وقوله: ومدامعى) أى: ومن جريان مدامعى بدليل ما يأتى فى الشرح (وقوله: مجرّ عوالينا) أى: جر رماحنا العالية راجع لتبختر قدها أى: تمايله (وقوله: ومجرى السوابق) أى: وجرى الخيل السوابق راجع لجريان مدامعه، والمعنى أن الوهم يذكره من تبختر قدها جر الرماح وتمايلها للمشابهة بينهما ويذكره من جريان مدامعه جريان الخيل السوابق للمشابهة بينهما (قوله: على أنه مفعول ثان ليذكرنى) أى: ومفعوله الأول ياء المتكلم. (قوله: مطلع القصيدة) أى: أولها فالشاعر الثانى أخذ الشطر الأول وجعله شطرا ثانيا وأخذ الشطر الثانى وجعله شطرا ثانيا (قوله: والعذيب وبارق موضعان) هذا شروع فى بيان مراد أبى الطيب، ثم بين مراد المضمن بعد ذلك (وقوله: موضعان) هذا معناهما القريب المشهور، وسيأتى معناهما البعيد (قوله: ظرف للتذكر) أى: وعلى هذا فما زائدة ومجرور ما عطف عليه مفعول التذكر (وقوله: أو للمجر) أى: والمجر وما عطف عليه مفعول للتذكر، وما زائدة (وقوله: أو ما بين مفعول) أى: على أن ما موصولة وبين

стр. 2289

على عامله المصدر أو ما بين مفعول تذكرت ومجر بدل منه والمعنى أنهم كانوا نزولا بين هذين الموضعين وكانوا يجرون الرماح عند مطاردة الفرسان ويسابقون على الخيل فالشاعر الثانى أراد بالعذيب تصغير العذب يعنى شفة الحبيبة وببارق ثغرها الشبيه بالبرق وبما بينهما ريقها وهذا تورية، وشبه تبختر قدها بتمايل الرمح وتتابع دموعه بجريان الخيل السوابق. (ولا يضر) فى التضمين (التغيير اليسير) ... === صلتها، والحاصل أن ما فى قوله ما بين العذيب يصح أن تكون موصولة مفعولا لتذكرت وصلتها الظرف بعدها أى: تذكرت الذى استقر بين العذيب وبارق، وعلى هذا فمجر ومجرى بدلان من ما الواقعة مفعولا، وحينئذ يكون المراد بالمجر والمجرى المكان أو المصدر الذى هو جر الرماح وإجراء الخيل، ويصح أن يكون مفعول تذكرت مجرّ ومجرى وبين ظرف لتذكرت أو لمجر ومجرى قدم عليهما لكونه ظرفا، وما: زائدة على الوجهين (قوله: على عامله المصدر) أى: لأن مجرّ معناه الجر ومجرى معناه الإجراء (قوله: والمعنى) أن معنى البيت الأصلى الذى هو بيت أبى الطيب (وقوله: أنهم) أى: القائل وقومه (قوله: بين هذين الموضعين) أى: العذيب وبارق (قوله: وكانوا يجرون الرماح ويسابقون على الخيل) الأول إشارة لمعنى قوله: مجرّ عوالينا؛ لأن العوالى الرماح، والثانى إشارة لمعنى قوله: ومجرى السوابق (وقوله: عند مطاردة الفرسان) أى: طرد بعضهم بعضا (قوله: فالشاعر الثانى أراد إلخ) أى: فقد زاد على أبى الطيب بهذه التورية والتشبيه (قوله: ثغرها) أى: أسنانها (وقوله: الشبيه بالبرق) أى: فى لمعانه وليس القصد التشبيه، بل التورية فقط (قوله: وهذا تورية) أى: لأن المعنى القريب للعذيب وبارق الموضوعان، وكذلك المعنى القريب لما بينهما وهو جر الرماح والتسابق على الخيل بين هذين الموضعين، فذكر هذه الألفاظ الثلاثة، وأراد من كل منها المعنى البعيد هو ما ذكره الشارح بقوله: يعنى شفة الحبيبة (قوله: وشبه تبختر إلخ) أى: تشبيها ضمنيا لا صريحا، والحاصل أن الشاعر الثانى زاد على أبى الطيب بالتورية فى ثلاثة مواضع وبالتشبيه الضمنى (قوله: ولا يضر فى التضمين التغيير اليسير) وأما التغيير الكثير فإنه يخرج به

стр. 2290

لما قصد تضمينه ليدخل فى معنى الكلام كقول الشاعر فى يهودى به داء الثعلب: أقول لمعشر غلطوا وغضّوا ... عن الشيخ الرشيد وأنكروه هو ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى يضع العمامة تعرفوه البيت لسحيم بن وثيل وهو أنا ابن جلا على طريقة التكلم ... === المضمن عن التضمين ويدخل فى حد السرقة إن عرف أنه للغير، والفرق بين القليل والكثير موكول إلى عرف البلغاء (قوله: لما قصد تضمينه) متعلق بالتغيير أى: لا يضر التغيير فى الكلام الذى قصد الشاعر تضمينه وإدخاله فى كلامه (قوله: ليدخل إلخ) أى: لأجل أن ينضم لمعنى الكلام ويناسبه وهذا علّة للتغيير (قوله: فى يهودى) أى: ذمّا له بكونه أقرع (قوله: به داء الثعلب) هو مرض يسقط الشعر من الرأس وهو المسمى بالقراع. (قوله: (١) أقول لمعشر) أى: لجماعة من اليهود غلطوا فى حق ذلك اليهودى حيث ذكروه على وجه التلميح بما يناسب ما كان يفتخر به عليهم، وإلا فهم لم يغلطوا فى تبعيده واحتقاره. (قوله: وغضوا) أى: أبصارهم عند رؤيته احتقارا به (وقوله: عن الشيخ) يعنى ذلك اليهودى ومراده بالرشيد: الغوى الضالّ على وجه التهكم (قوله: هو ابن جلا) هذا مقول القول أى: هو ابن شعر جلا الرأس منه وانكشف، والمراد بكونه ابنا لذلك الشعر أنه ملازم له (قوله: وطلاع الثنايا) بالرفع عطفا على ابن أى: وهو طلاع الثنايا أى: ركاب لصعاب الأمور وهى مشاق داء الثعلب، ومشاق الذل والهوان (وقوله: متى يضع العمامة) أى: من على رأسه تعرفوه أى: تعرفوا داءه وعيبه ولا يغركم افتخاره (قوله: البيت) أى الثانى وهو قوله: أنا ابن جلا وطلاع الثّنايا ... متى أضع العمامة تعرفونى (٢) لسحيم ومراده الافتخار وأنه ابن رجل جلا أمره واتضح، وأنه متى يضع العمامة للحرب وتوجه له يعرف قدره فى الحرب ونكايته بناء على أن المراد بالعمامة ملبوس

стр. 2291

فغيّره إلى طريقة الغيبة ليدخل فى المقصود. (وربما سمّى تضمين البيت فما زاد) على البيت (استعانة وتضمين المصراع فما دونه إيداعا) كأنه أودع شعره شيئا قليلا من شعر الغير (ورفوا) كأنه رفا خرق شعره بشىء من شعر الغير. [العقد]: (وأما العقد فهو أن ينظم نثر) قرآنا كان أو حديثا أو مثلا أو غير ذلك (لا على طريق الاقتباس) يعنى إن كان النثر قرآنا أو حديثا فنظمه إنما يكون عقدا === الحرب، أو أنه متى يضع لثامه بالعمامة يعرفوه لشهرته بخلاف الأول فإن مراده التهكم بالمحدث عنه (قوله: فغيره) أى: الشاعر الأول إلى طريقة الغيبة (قوله: ليدخل فى المقصود) أى: لينتظم بمقصوده ويناسبه وهو كون من نسب إليه ما ذكر على وجه التهكم متحدثا عنه لا متحدثا عن نفسه كما فى الأصل (قوله: فما زاد على البيت) أى: كتضمين بيتين أو ثلاثة (قوله: استعانة) أى: لأنه لكثرته كأن الشاعر استعان به وتقوى على تمام المراد بخلاف ما هو دون البيت ورب فى كلام المصنف على أصلها وهو التقليل (قوله: فما دونه) أى: كنصفه (قوله: كأنه) أى: لأنه أى الشاعر (قوله: ورفوا) أى: إصلاحا؛ لأن رفو الثوب: إصلاح خرقه، فكأن الشاعر لقلة المصراع وما دونه أصلح به خرق شعره أى: خلله كما يرفأ الثوب بالخيط الذى هو من جنسه. [العقد]: (قوله: أو غير ذلك) أى: بأن كان مثلا أو حكمة من الحكم المشهورة (قوله: لا على طريق الاقتباس) قد تقدم أن النظم الذى يكون من القرآن والحديث على طريق الاقتباس هو أن ينظم أحدهما، لا على أنه من القرآن أو من الحديث بلا تغيير كثير، فإذا نظم أحدهما مع التغيير الكثير خرج عن الاقتباس ودخل فى العقد، وكذلك إذا نظم مع التنبيه على أنه من القرآن أو من الحديث، كأن يقال: قال الله كذا، وقال النبى كذا، فإنه يخرج بذلك أيضا عن الاقتباس ويدخل فى العقد، فتحصل أن نظم غير القرآن والحديث عقد بلا قيد، إذ لا دخل فيه للاقتباس؛ لأنه إنما يكون فى القرآن والحديث، ونظم القرآن

стр. 2292

إذا غير تغييرا كثيرا أو أشير إلى أنه من القرآن أو الحديث وإن كان غير القرآن والحديث فنظمه عقد كيفما كان إذ لا دخل فيه للاقتباس كقوله: ما بال من أوّله نطفة ... وجيفة آخره يفخر (١) الجملة أى ما باله مفتخرا (عقد قول على- رضى الله عنه- ما لابن آدم === والحديث إنما يكون عقدا إن نبه على أنه من القرآن أو الحديث أو غير تغييرا كثيرا، وإلا كان نظمها اقتباسا وإلى ذلك كله أشار الشارح بقوله يعنى إن كان النثر أى: الذى يراد نظمه قرآنا أو حديثا إلخ، فالنثر فى قول المصنف أن ينظم نثر شامل للقرآن والحديث وغيرهما (وقوله: لا على طريق الاقتباس) قيد فى القرآن والحديث فقط؛ لأن الاقتباس لا يكون إلا فيهما (قوله: إذا غير تغييرا كثيرا) لأنه لا يغتفر فى الاقتباس من التغيير إلا اليسير كما مر، فهذا القيد يفهم من قوله: لا على طريق الاقتباس (قوله: أو أشير) أى: سواء كان غير تغييرا يسيرا، أو لم يغير أصلا (قوله: كيفما كان) أى: سواء غير تغييرا يسيرا أو كثيرا، أو لم يغير قال: قال فلان كذا أو لا. (قوله: كقوله) أى: الشاعر وهو أبو العتاهية من قصيدة من السريع (قوله: يفخر) بفتح الخاء؛ لأنه من باب نفع وقبل البيت: عجبت للإنسان فى فخره ... وهو غدا فى قبره يقبر وبعد البيت: أصبح لا يملك تقديم ما ... يرجو ولا تأخير ما يحذر وأصبح الأمر إلى غيره ... فى كلّ ما يقضى وما يقدر (قوله: الجملة حال) أى: جملة يفخر حال من من، وصح مجىء الحال من المضاف إليه لصلاحية المضاف للسقوط، والعامل ما تضمنه ما، والتقدير أسأل عمن أول نطفة فى حال كونه مفتخرا (قوله: عقد قول على إلخ) أى: فهو عقد لما ليس بقرآن ولا حديث، بل عقد لحكمة ومثال عقد القرآن قول بعضهم:

стр. 2293

والفخر إنما أوله نطفة وآخره جيفة). [الحل]: (وأما الحل فهو أن ينثر نظم) وإنما يكون مقبولا إذا كان سبكه مختارا لا يتقاصر عن سبك النظم، وأن يكون حسن الموقع غير قلق ... === أنلنى بالذى استقرضت خطا ... وأشهد معشرا قد شاهدوه فإنّ الله خلّاق البرايا ... عنت لجلال هيبته الوجوه يقول إذا تداينتم بدين ... إلى أجل مسمّى فاكتبوه (١) فقد نبه على أنه من القرآن بقوله يقول، ومثال عقد الحديث مع التغيير الكثير والتنبيه، إذ لا منافاة بينهما فصح جمعهما فى مثال واحد قول الإمام الشافعى- رضى الله عنه-: عمدة الخير عندنا كلمات ... أربع قالهنّ خير البريّة اتّق الشّبهات وازهد ودع ما ... ليس يعنيك واعملنّ بنيّة (٢) فقد عقد قوله ﷺ : " الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهات فمن تركها سلم ومن أخذها كان كالراتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه (٣) "، وقوله ﷺ : " ازهد فى الدنيا يحبّك الله، وازهد فيما فى أيدى الناس يحبّك الناس (٤) "، وقوله ﷺ : " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه (٥) "، وقوله ﷺ : " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى (٦) "، ولا يخفى ما يقابل كل حديث من الكلمات الشعرية على هذا الترتيب كما لا يخفى ما فى العقد المذكور من التغيير الكثير (قوله: والفخر) مفعول معه أى: أى شىء ثبت لابن آدم مع الفخر؟ (وقوله: أوله) أى: أصله، (وقوله: وآخره جيفة) أى: حاله الأخيرة، حال جيفة فمن أين يأتيه الافتخار؟ [الحل]: (قوله: فهو أن ينثر نظم) أى: أن يجعل النظم نثرا (قوله: وإنما يكون مقبولا إلخ)

стр. 2294

(كقول بعض المغاربة: فإنه لما قبحت فعلاته وحنظلت نخلاته) أى صارت ثمار نخلاته كالحنظل فى المرارة (لم يزل سوء الظنّ يقتاده) أى يقوده إلى تخيلات فاسدة وتوهمات باطلة (ويصدق) هو (توهّمه الذى يعتاده) من الاعتياد ... === أشار الشارح إلى أن شرط كون الحل مقبولا أمران: - أحدهما راجع للفظ، والآخر للمعنى، الأول: أن يكون سبك ذلك النثر مختارا أى: أن يكون تركيبه حسنا بحيث لا يقصر فى الحسن عن سبك النظم وذلك بأن يشتمل على ما ينبغى مراعاته فى النثر بأن يكون كهيئة النظم لكونه مسجعا ذا قرائن مستحسنة فلو لم يكن النثر كذلك لم يقبل كما لو قيل فى حل البيت الآتى: إن الإنسان لا يظن بالناس الأمثل فعله ونحو ذلك، والآخر أن يكون ذلك النثر حسن الوقوع غير قلق، وذلك بأن يكون مطابقا لما تجب مراعاته فى البلاغة مستقرّا فى مكانه الذى يجب أن يستعمل فيه، فلو كان قلقا لعدم مطابقته أى: مضطربا لعدم موافقته لمحله لم يقبل وليس من شرطه أن يستعمل فى نفس معناه، بل لو نقله من هجو لمدح مثلا مع كونه مطابقا قبل (قوله: بعض المغاربة) جمع مغربىّ، فالتاء فى الجمع عوض عن ياء النسبة التى فى المفرد (وقوله: كقول بعض المغاربة) أى: فى وصف شخص يسىء الظن بالناس لقياسه غيره على نفسه (قوله: فعلاته) أى: أفعاله (قوله: وحنظلت نخلاته) أى: ثمار نخلاته فهو على حذف مضاف والمراد بأثمار نخلاته نتائج أفكاره، كما أن المراد بالنخلات الأفكار، والمراد بحنظلة النتائج: قبحها أو هذه الجملة أعنى قوله: وحنظلت نخلاته تمثيلية، فقد شبه حال من تبدلت أوصافه الحسنة بغاية ما يستقبح من الأوصاف بحال من له نخلات تثمر الحلو، ثم انقلبت تثمر مرّا فى كون كلّ منهما فيه تبدل ما يستلمح بما يستقبح، واستعمل الكلام الدال على الحالة الثانية فى الحالة الأولى على طريق الاستعارة التمثيلية (قوله: لم يزل سوء الظن يقتاده) أى: أنه لما كان قبيحا فى نفسه، وقاس الناس عليه ظانّا بهم كل قبيح صار سوء الظن يقوده إلى ما لا حاصل له فى الخارج من التخيلات الفاسدة والتوهمات الباطلة (قوله: ويصدق توهمه) حال من مفعول يقتاده أى: لم يزل سوء الظن يقوده فى حال كونه مصدقا لتوهمه الذى يعتاده أى: يعاوده ويراجعه، فيعمل على مقتضى توهمه

стр. 2295

(حل قول أبى الطيب: (١) إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدّق ما يعتاده من توهّم) يشكو سيف الدولة واستماعه لقول أعدائه. التلميح: (وأما التلميح) صح بتقديم اللام على الميم من لّمحه إذا أبصره ونظر إليه وكثيرا ما تسمعهم يقولون: لمح فلان هذا البيت فقال كذا وفى هذا البيت تلميح إلى قول فلان. === فلم يحصل بسبب ذلك إلا على الإثم والعداوة؛ لأن الظن السيئ بالناس إثم ومعاملة الناس باعتقاد السوء عداوة (قوله: حل) أى: فى هذا السجع قول أبى الطيب أى: وزاد عليه قوله وحنظلت نخلاته (قوله: قول أبى الطيب) أى: شكاية من سيف الدولة حيث استمع لقول الأعادى فيه، وأن سبب ذلك هو سوء فعله، فظن أن الناس كذلك. (قوله: إذا ساء فعل المرء إلخ) أى: إذا قبح فعل الإنسان قبحت ظنونه فيسىء ظنه بالناس ويصدق فى أوليائه وأتباعه ما يخطر بباله من الأمور التى توهمها منهم لاعتياد مثله من نفسه بعد البيت المذكور: وعادى محبّيه لقول عداته ... وأصبح فى ليل من الشّكّ مظلم التلميح (قوله: صح بتقديم اللام) أى: الذى صح وتحرر عند المحققين أنه هنا بتقديم اللام، وأما ما قاله بعضهم: أنه يجوز تقديم الميم وأنه لا فرق بين التلميح والتلميح فليس بشىء (قوله: من لمحه) أى بتشديد الميم (قوله: ونظر إليه) أى: نظر مراعاة أى راعاه ولاحظه (قوله: وكثيرا إلخ) هذا تأييد لكونه بتقديم اللام (قوله: لمح فلان هذا البيت) أى: نظر إليه وراعاه بمعنى لاحظه (قوله: وفى هذا البيت تلميح إلى قول فلان) أى: نظر

стр. 2296

وأما التمليح بتقديم الميم بمعنى الإتيان بالشىء المليح كما فى التشبيه والاستعارة فهو هاهنا غلط محض وإن أخذ مذهبا (فهو أن يشار) فى فحوى الكلام (إلى قصة أو شعر) أو مثل سائر (من غير ذكر) أى ذكر واحد من القصة أو الشعر وكذا المثل فالتلميح إما فى النظم أو فى النثر والمشار إليه فى كلّ منهما إما أن يكون قصة أو شعرا أو مثلا تصير ستة أقسام والمذكور فى الكتاب مثال التلميح فى النظم إلى القصة والشعر ... === ومراعاة له (قوله: فهو هاهنا غلط محض) أى: نشأ من توهم اتحاد الأعم بالأخص؛ لأن الإتيان بالشىء المليح أعم من التلميح الذى هو النظر إلى شعر أو قصة أو مثل (قوله: وإن أخذ مذهبا) أى: وإن جعل ذلك مذهبا للشارح العلّامة حيث سوّى بين التلميح والتمليح وفسّرهما بما قاله المصنف (قوله: أن يشار فى فحوى الكلام) أى: فى أثنائه كذا قرر بعض الأشياخ، وقرر بعضهم أن فى بمعنى الباء أى: أن يشار بفحوى الكلام أى بقوته وقرائنه المشتمل عليها (قوله: أو مثل سائر) أى شائع بين الناس وزاد الشارح المثل على المتن إشارة إلى أن فيه قصورا وأنه لا مفهوم للقصة والشعر، بل فى الأطول أن من التلميح الإشارة إلى حديث أو آية كما يقال فى وصف الأصحاب- رضى الله عنهم- والصلاة على الأصحاب الذين هم نجوم الاقتداء والاهتداء فإن فيه تلميحا لقوله ﷺ : (أصحابى كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم) (١) وكقول الشاعر: نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأى مختلف فإن فيه تلميحا لقوله تعالى: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٢) (قوله: أى ذكر واحد) أشار الشارح إلى أن الضمير لواحد؛ لأن العطف بأو، وحينئذ فلا يعترض على المصنف بعدم مطابقة الضمير لمرجعه (قوله: فالتلميح إما فى النظم أو النثر) أى: لأن

стр. 2297

(كقوله: فو الله ما أدرى أأحلام نائم ... ألّمت بنا أم كان فى الركب يوشع (١) وصف لحوقه بالأحبة المرتحلين وطلوع شمس وجه الحبيب من جانب الخدر فى ظلمة الليل ثم استعظم ذلك واستغرب ... === الكلام المشار فى فحواه للقصة وكذا ترك مثال التلميح فى النظم للمثل (قوله: كقوله) أى: قول الشاعر وهو أبو تمام، وقبل البيت المذكور: لحقنا بأخراهم وقد حوّم الهوى ... قلوبا عهدنا طيرها وهى وقّع فردّت علينا الشمس والليل راغم ... بشمس لهم من جانب الخدر تطلع نضا ضوءها صبغ الدّجنّة وانطوى ... لبهجتها ثوب السماء المجزّع فو الله ما أدرى إلخ والضمير فى أخراهم ولهم للأحبة المرتحلين، وإن لم يجر لهم ذكر فى اللفظ، وحوّم الهوى قلوبا أى: جعلها دائرة حول الحبيبة، يقال: حام الطير على الماء: دار حوله وحوّمه جعله يحوم وطير القلوب ما يختلج فيها من الخواطر ووقّع جمع واقع أى: والحال أن تلك الطيور ساكنة غير متحركة، والمراد بالشمس الأول الحقيقى ادعاء أى: المحبوبة المدعى أنها شمس حقيقة، والراغم: الذليل، وذلة الليل بمجىء الشمس أى: طلعت علينا شمس الحبيب قهرا عن ليل الهجر، والباء فى قوله: بشمس: للتجريد، فجرد من الشمس شمسا أخرى ظهرت لهم من جانب الخدر أى: الهودج ونضا بمعنى أذهب والصبغ اللون والدجنة الظلمة أى: أزال ضوءها لون الظلمة والمراد بثوب السماء المجزّع النجوم وانطواؤها خفاؤها بالضوء أى: وخفيت النجوم التى هى ثوب السماء المجزّع لبهجتها، والضمير فى ضوءها وبهجتها للشمس الطالعة من الخدر المجزع ذو اللونين؛ لأن لون السماء غير لون الكواكب، والأحلام- جمع حلم بالضم: ما يراه النائم فى النوم (قوله: وصف) أى: ذكر (وقوله: وطلوع شمس) إلخ أى: وجه الحبيب الشبيه بالشمس (قوله: ثم استعظم ذلك) أى: طلوع شمس وجه الحبيب من جانب الخدر فى الليل حتى كأنه لا يمكن

стр. 2298

وتجاهل تحيرا وتدلها وقال أهذا حلم أراه فى النوم أم كان فى الركب يوشع النبى- ﵇ فردّ الشمس؟ (إشارة إلى قصة يوشع ﵇ واستيقافه الشمس) على ما روى من أنه قاتل الجبارين يوم الجمعة فلما أدبرت الشمس خاف أن تغيب قبل أن يفرغ منهم فيدخل السبت فلا يحل له قتالهم فيه فدعا الله فرد له الشمس حتى فرغ من قتالهم (وكقوله: لعمرو) اللام للابتداء وهو مبتدأ (مع الرّمضاء) أى الأرض الحارة التى ترمض فيها القدم أى تحترق حال من الضمير فى أرق (والنار) مرفوع ... === عادة ذكر الشمس (قوله: وتجاهل إلخ) أى: فكأنه يقول خلط علىّ الأمر لما شاهدت، فلم أدر هل أنا نائم وما رأيته حلم أم شمس الخدر أى: وجه الحبيب ألّمت بنا أى: نزلت بالركب فعاد ليلهم نهارا أم حضر يوشع فرد الشمس؟ وعلم من هذا أن فى البيت مقدمة محذوفة وهى أم شمس الخدر (قوله: وتدلها) مرادف لما قبله (قوله: فردّ الشمس) أى: ردّها عن الغروب وأمسكها وليس المراد أنها غابت بالفعل، ثم ردها- كذا قيل. (قوله: يوشع) هو ابن نون فتى موسى أى: صاحبه (قوله: واستيقافه الشمس) أى: طلبه من الله تعالى وقوفها (قوله: أدبرت) أى: كادت أن تغرب (قوله: خاف أن تغيب قبل أن يفرغ منهم) أى: من قتالهم فهى لم تغرب بالفعل لكنها قاربت الغروب، فلما دعا الله حبست له حتى فرغ من قتالهم، فقد حصل نوع من الظلام وظهرت الشمس فى الظلام مثل ظهور الشمس فى الليل المظلم، هذا محصل كلام الشارح، وفى بعض العبارات ما يفيد أن الشمس غربت بالفعل وردت له بعد غروبها، ويدل لذلك قول ابن السبكى فى تائيته: وردّت إليك الشمس بعد مغيبها ... كما أنّها قدما ليوشع ردّت (قوله: فيدخل السبت) أى: فتدخل ليلته (قوله: فلا يحل له قتالهم) لأنه كان متعبدا بشريعة موسى، ومن شريعته حرمة العمل فى يوم السبت وليلته (قوله: فردّ له الشمس) أى: أمسكها عن الغروب (قوله: التى ترمض) يقال رمض يرمض كذهب يذهب، وفى المختار أنه من باب طرب (قوله: حال من الضمير فى أرق) أى: الواقع

стр. 2299

معطوف على عمرو أو مجرور معطوف على الرمضاء (تلتظى) حال منها وما قيل إنها صلة على حذف الموصول أى النار التى تلتظى تعسف لا حاجة إليه (أرقّ) خبر المبتدأ من رقّ له إذا رحمه (وأحفى) من حفى عليه تلطف وتشفق (منك فى ساعة الكرب. أشار إلى البيت المشهور) وهو قوله (المستجير) أى المستغيث (بعمرو عن كربته) الضمير للموصول أى الذى يستغيث عند كربته بعمرو (كالمستجير من الرمضاء بالنار) وعمرو هو جساس بن مرة وذلك لأنه لما رمى كليبا ووقف فوق رأسه قال له كليب: يا عمرو أغثنى بشربة ماء فأجهز عليه فقيل: المستجير بعمرو ... البيت. === خبرا عن عمرو، وفى هذا الإعراب نظر، إذ تقديم معمول اسم التفضيل عليه لا يجوز فى المشهور وإلا فى مثل هذا، بسرا أطيب منه رطبا، وزيد مفردا أنفع منه معانا، وليس هذا الموضع منه، فالأوجه أن يجعل قوله مع الرمضاء: صفة لعمرو، والنار بالجر عطف على الرمضاء أى: لعمرو المصاحب للرمضاء، وللنار فى الذكر أى: لعمرو الذى ذكر معه الرمضاء، والنار فى البيت الآخر وعمرو الذى ذكر معه الرمضاء والنار فى البيت الآخر هو عمرو قاتل كليب، فكأنه قيل لقاتل كليب: أرقّ منك يأيها المخاطب (قوله: معطوف على عمرو) أى: فيكون مبتدأ ثانيا وأرقّ خبرا عنهما (قوله: تلتظى) أى تتوقد (قوله: لا حاجة إليه) أى: لإمكان ارتكاب ما هو أقرب منه (قوله: الكرب) بوزن الضرب وهو الغمّ الذى يأخذ النفس (قوله: كالمستجير من الرمضاء بالنار) أى: كالفارّ من الأرض الرمضاء إلى النار. (قوله: وعمرو هو جسّاس بن مرة) هذا سهو من الشارح؛ لأن عمرا هو: عمرو بن الحارث، وجسّاس هو: جسّاس بن مرة، فليس أحدهما الآخر، ويتضح ذلك بذكر القصة التى ذكر فى شأنها البيت المذكور، وحاصلها أن امرأة تسمّى البسوس ذهبت لزيارة أختها الهيلة وهى: أم جساس بن مرة ومعها ناقة لجار لها، وكان كليب من كبار تغلب وجساس المذكور من بكر بن وائل وحمى كليب أرضا من العالية وهى أرض الحجاز لا يرعى فيها غير إبله إلا إبل جساس لمصاهرة بينهما، ثم خرجت ناقة

стр. 2300

[فصل] [فى حسن الابتداء والتخلص والانتهاء] من الخاتمة فى حسن الابتداء والتخلص والانتهاء (ينبغى للمتكلم) شاعرا كان أو كاتبا (أن يتأنق) أى يتتبع الآنق الأحسن يقال: تأنق ... === الجار التى مع خالته فى إبل جساس فأبصرها كليب وعرف أنها ليست من إبل جساس، فرماها بسهم فأبطل ضرعها، فرجعت حتى بركت بفناء جساس وضرعها يشخب دما ولبنا فصاحت البسوس: وا ذلاه وا غربتاه. فقال جساس: اسكتى يا حرة والله لأعقرن فحلا هو أعز على أهله منها، فلم يزل جساس يتوقع غرة كليب حتى خرج وبعد عن الحى فركب جساس فرسه وأخذ رمحه ولحقه فرماه فى ظهره فسقط كليب، فوقف جساس عنده فقال له كليب: يا جساس أغثنى بشربة ماء. فقال له جسّاس: تركت الماء وراءك، ثم ولى عنه فأتاه بعده عمرو بن الحارث حتى وصل إليه فقال: يا عمرو أغثنى بشربة ماء فنزل عمرو إليه من على فرسه وأجهز عليه أى: قتله. فقيل: المستجير بعمرو .. البيت وإليه يشير قول الشاعر: لعمرو مع الرمضاء إلخ، ونشبت الحرب بين بكر وتغلب أربعين سنة كلها لتغلب على بكر أى: أن قبيلة كليب التى هى تغلب كانت لها الغلبة على قبيلة جساس التى هى بكر فى تلك المدة، ولذا قيل فى المثل: " أشأم من البسوس"، وأصل المثل المشهور وهو سد كليب فى الناقة هذه القصة، ومن هذا يعلم أن عمرا غير جساس، وكليب: اسم شخص وهو ابن ربيعة وأخو الزير المهلهل الطاهر وخال امرئ القيس، وكان كليب أعز الناس فى العرب بلغ من عزه أنه لا يجير تغلبىّ ولا يكرم رجلا ولا يحمى حمى إلا بإذنه، وإذا جلس لا يمرّ أحد بين يديه إجلالا له. [فصل]: (قوله: من الخاتمة) إنما كان ذلك الفصل من الخاتمة من جهة أن كلّا اشتمل على محسن غير ذاتى (قوله: أو كاتبا) المراد به الناثر؛ لأنه المقابل للشاعر (قوله: أى تتبع الآنق) بكسر النون والمد كما ذكره بعضهم وبفتح النون والقصر كما صرح به بعضهم (قوله: الأحسن) تفسير لما قبله فهو على حذف أى: التفسيرية والمراد الأحسن من الكلام، والمراد بتتبعه لأحسن الكلام فى هذه المواضع الثلاثة اجتهاده فى طلب أحسن

стр. 2301

فى الروضة إذا وقع فيها متتبعا لما يونقه أى يعجبه (فى ثلاثة مواضع من كلامه حتى تكون) تلك المواضع الثلاثة (أعذب لفظا) بأن تكون فى غاية البعد عن التنافر والثقل (وأحسن سبكا) بأن تكون فى غاية البعد عن التعقيد والتقديم والتأخير الملبس، ... === الكلام ليأتى به فيها (قوله: فى الروضة) هى البستان (قوله: إذا وقع فيها) أى: إذا كان حالّا فيها متتبعا أى: طالبا وناظرا لما يونقه (قوله: حتى تكون) أى: لأجل أن تكون فحتى تعليلية (قوله: أعذب لفظا) أى: من غيرها وهذا متعلق بالمفردات كما يدل عليه قوله بأن تكون إلخ (وقوله: وأحسن سبكا) متعلق بالمركبات؛ لأن التعقيد لا يكون إلا فيها (قوله: بأن تكون فى غاية البعد) هذا تفسير مراد وكذا ما بعده وإلا فعذوبة اللفظ تتناول حسن السبك وصحة المعنى وحسن السبك يتناول عذوبة اللفظ وصحة المعنى، وكذا صحة المعنى تتناول عذوبة اللفظ وحسن السبك، فربما يتراءى التكرار فى كلام المصنف، فحمل الشارح كلّا من الثلاثة على محمل، وإنما خص أعذبية اللفظ بالكون فى غاية البعد عن التنافر واستثقال الطبع؛ لأن العذب الحسى يقابله حسّا ما ينافر الطبع ويثقل عليه، فناسب تخصيصه بهذا المعنى (قوله: والثقل) عطف تفسير أو عطف سبب على مسبب، وأورد على الشارح أن الاحتراز عن التنافر والثقل من الحسن الذاتى الحاصل بعلم المعانى، وحينئذ فتكون رعاية الحسن فى هذه المواضع الثلاثة من رعاية الحسن الذاتى، فلا يكون هذا الحسن من البديع، فلا يكون هذا الفصل من الخاتمة التى هى من البديع، وأجيب بأن البعد عن التنافر والثقل يبحث عنه فى علم المعانى، وغاية البعد عن ذلك يبحث عنه فى علم البديع، والشارح قال بأن تكون فى غاية البعد إلخ، والغاية أمر زائد محسن وأورد عليه أنه كان عليه أن يزيد الغاية فى البعد عن مخالفة القياس ففى كلامه قصور، وأجيب بأن الباء بمعنى الكاف كما وقع ذلك فى كلام كثير من الأفاضل كالنووى (قوله: بأن تكون فى غاية البعد عن التعقيد) أى: اللفظى. (قوله: والتقديم والتأخير الملبس) هذا كناية عن ضعف التأليف، وعطفه على ما قبله من عطف السبب على المسبب؛ لأن ضعف التأليف سبب فى التعقيد اللفظى

стр. 2302

وأن تكون الألفاظ متقاربة فى الجزالة والمتانة والرقّة والسلاسة وتكون المعانى مناسبة لألفاظها من غير أن يكتسى اللفظ الشريف المعنى السخيف أو على العكس بل يصاغان صياغة تناسب وتلاؤم (وأصح معنى) بأن يسلم من التناقض والامتناع والابتذال ... === (وقوله: الملبس) صفة للتقديم والتأخير؛ لأنهما شىء واحد (قوله: وأن تكون الألفاظ إلخ) إنما ظهر فى محل الإضمار وعبّر بالألفاظ دون المواضع؛ لأنه لو أضمر لعاد الضمير على المواضع الثلاثة فيفيد الكلام اشتراط تقاربها بعضها من بعض وليس مرادا، بل المراد تقارب ألفاظ كل منها، تأمل (قوله: متقاربة) أى: متشابهة (قوله: فى الجزالة) هى ضد الركاكة (قوله: والمتانة) أى القوة وهو تفسير لما قبله (قوله: والرقّة) هى ضد الغلظ (قوله: والسلاسة) أى: السهولة وهو تفسير أيضا لما قبله (قوله: من غير أن يكتسى إلخ) تفسير لما قبله ولو قال: بأن لا يكتسى إلخ لكان أوضح (قوله: اللفظ الشريف) أى لاشتماله على المحسّنات البديعية (قوله: المعنى السخيف) أى: الذى لا فائدة فيه للسامع لعدم مطابقته للحال (قوله: أو على العكس) الأولى حذف على أى: يكتسى اللفظ السخيف المعنى الشريف (قوله: بل يصاغان صياغة تناسب وتلاؤم) بأن يكون كل من اللفظ والمعنى شريفا، وشرف اللفظ باشتماله على المحسنات، وشرف المعنى بمطابقته للحال، وحاصل هذه الجملة المفسر بها حسن السبك أن يكون اللفظ لا شىء فيه يخل بالفصاحة ولا ابتذال فيه مطابقا لما يقتضيه الحال خاليا معناه عن التعقيد؛ وذلك لأن جزالة اللفظ ورقته وسلاسته ترجع لنفى ابتذاله وتنافره وكون المعنى شريفا واللفظ شريفا يرجعان للمطابقة مع السلامة مما يحل بالفصاحة (قوله: وأصح معنى) أى: أزيد فى صحة المعنى فبرعاية الزيادة المذكورة كان من هذا الباب وإلا فصحة المعنى لا بد منها فى كل شىء (قوله: بأن يسلم) أى: المعنى من التناقض وزيادة صحة المعنى تحصل بسلامة المعنى من التناقض أى: من إيهام التناقض وإلا فالسلامة من التناقض واجب لا مستحسن، وكذا يقال فيما بعد (قوله: والامتناع) أى: والسلامة من الامتناع أى: البطلان بأن يكون المعنى باطلا، وهذا لازم لما قبله (قوله: والابتذال) أى: وسلامة المعنى

стр. 2303

ومخالفة العرف ونحو ذلك. (أحدها الابتداء) لأنه أول ما يقرع السمع فإن كان عذبا حسن السبك صحيح المعنى أقبل السامع على الكلام فوعى جميعه وإلا أعرض عنه وإن كان الباقى فى غاية الحسن فالابتداء الحسن فى تذكار الأحبة والمنازل (كقوله: قفا نبك من ذكرى حيبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدّخول فحومل (١) السّقط منقطع الرمل حيث يدق واللوى رمل معوج ملتو والدّخول وحومل موضعان، ... === من الابتذال أى الظهور بأن يكون ذلك المعنى له غاية الظهور يعرفه كل أحد (قوله: ومخالفة العرف) أى: وسلامة المعنى من مخالفة العرف؛ لأن مخالفة العرف البليغى كالغرابة المخلة بالفصاحة، أو هى نفسها (قوله: ونحو ذلك) أى: كالسلامة من عدم المطابقة لمقتضى حال المخاطب (قوله: لأنه) أى: الابتداء بمعنى المبتدأ به (وقوله: يقرع) بمعنى يصيب وقرع من باب نفع كما فى المصباح (قوله: فإن كان عذبا) الأولى التعبير بأفعل التفضيل ليلائم ما مرّ أى: فإن كان أعذب من غيره (قوله: أقبل السامع على الكلام فوعى) أى: حفظ جميعه لانسياق النفس إليه ورغبتها فيه من حسنه الأول واستصحابها للذة المساق السابق (قوله: وإلا أعرض عنه) أى: وإلا يكن الابتداء عذبا حسن السبك صحيح المعنى أعرض عنه السامع لقبحه (قوله: فالابتداء الحسن) هذا مبتدأ خبره قوله كقوله (وقوله: فى تذكار الأحبة والمنازل) حال وليس خبرا؛ لأن الابتداء الحسن ليس خاصّا بما ذكر، بل يكون فى الغزل وفى وصف أيام البعاد بين الأحبة وفى استجلاب المودة وفى التورك على الدهر وعلى النفس وفى المدح وغير ذلك (قوله: قفا نبك إلخ) خطاب لواحد كما جرت به عادة العرب من خطاب الواحد بخطاب الاثنين أو أن الفعل مؤكد بالحقيقة قلبت النون ألفا إجراء للوصل مجرى الوقف، (وقوله: من ذكرى حبيب) أى: من أجل تذكر حبيب فاسم المصدر بمعنى المصدر، (وقوله: بسقط

стр. 2304

والمعنى بين أجزاء الدّخول (و) فى وصف الدار (كقوله: قصر عليه تحيّة وسلام ... خلعت عليه جمالها الأيام (١) === اللوى: ) مثلث السين والباء بمعنى عند والسقط كما قال الشارح منقطع الرمل حيث يدق أى: طرفه الدقيق، واللوى هو كما قال الشارح: رمل معوج ملتو أى: منعطف بعضه على بعض، هذا هو المراد، والمعنى قفا نبك عند طرف الرمل المعوج أى: الملتوى الكائن بين الدّخول فحومل، ولا شك أن انقطاع الرمل إنما هو عند اعوجاجه بالأرياح لا عند تراكمه. (قوله: والمعنى إلخ) أى: ليصبح العطف بالفاء وهذا جواب عما يقال إن بين لا تضاف إلا لمتعدد، كما يقال دخلت بين القوم ودار زيد بين دار عمر ودار بكر، وبين هنا إنما أضيفت لواحد، وحينئذ فلا يحسن العطف بالفاء فالواجب العطف بالواو؛ لأنها هى التى تعطف ما لا يستغنى عنه، والحاصل أن بين لا تضاف إلا لمتعدد، وإلا فلا تحسن الفاء، وإنما تحسن الواو، وحاصل الجواب أن فى الكلام حذف مضاف أى: بين أجزاء الدخول، والأجزاء متعددة فيصير الدخول مثل اسم الجمع كالقوم، فصح التعبير ببين والفاء، والشاهد فى الشطر الأول من البيت، فإن صاحبه وهو امرؤ القيس قد أحسن فيه؛ لأنه أفاد به أنه وقف واستوقف وبكى واستبكى وذكر الحبيب والمنزل بلفظ مسبوك لا تعقيد فيه ولا تنافر ولا ركاكة وأما الشطر الثانى فلم يتفق له فيه ما اتفق فى الأول؛ لأن ألفاظه لم تخل من كثرة مع قلّة المعنى ومن تمحل التقدير للصحة وغرابة بعض الألفاظ، وقد نبه المصنف بإيراده شطر البيت على أنه يكفى فى حسن الابتداء حسن المصراع (قوله: وفى وصف الدار) أى: وحسن الابتداء فى وصف الدار وأراد بها مطلق المنزل الصادق بالقصر وغيره بدليل المثال (قوله: كقوله) أى: الشاعر وهو أشجع السلمى (قوله: خلعت عليه جمالها الأيام) ضمن خلع معنى طرح فعداه للمفعول الثانى بعلى، والمعنى أن الأيام نزعت جمالها وطرحته على ذلك القصر ونظير البيت

стр. 2305

خلع عليه أى نزع ثوبه وطرحت عليه. (و) ينبغى (أن يتجنب فى المديح ما يتطير به) أى يتشاءم به (كقوله: موعد أحبابك بالفرقة غد) مطلع قصيدة لابن مقاتل الضرير أنشده للداعى فقال له الداعى: موعد أحبابك يا أعمى ولك المثل السوء (وأحسنه) أى أحسن الابتداء (ما ناسب المقصود) بأن يشتمل على إشارة ما سيق الكلام لأجله ... === المذكور فى حسن الابتداء فى وصف الديار قوله: إنا محيّوك فاسلم أيّها الطلل (قوله: وطرحه عليه) إشارة لما ذكرناه من التضمين (قوله: فى المديح) أى: فى ابتدائه (قوله: بالفرقة) بضم الفاء وسكون الراء اسم موضع، إلا أنه توهم معنى آخر فبسببه كان يتطير منه. (قوله: أنشدها للداعى العلوىّ) نسبة لعلىّ؛ لأنه من ذريته، روى أن ابن مقاتل الضرير المذكور دخل على الداعى العلوىّ فى يوم المهرجان فأنشده: لا تقل بشرى ولكن بشريان ... غرّة الدّاعى ويوم المهرجان (١) فتطير به الداعى وقال له: يا أعمى يبتدأ بهذا يوم المهرجان يوم الفرح والسرور وألقاه على وجهه وضربه خمسين عصا، وقال: إصلاح أدبه أبلغ من ثوابه أى: أحسن من الإعطاء له ويوم المهرجان أول يوم من فصل الخريف وهو يوم فرح وسرور ولعب وروى أنه لما بنى المعتصم بالله قصره بميدان بغداد وجلس فيه أنشده إسحق الموصلى: يا دار غيّرك البلى ومحاك ... يا ليت شعرى ما الّذى أبلاك فتطير المعتصم وأمر بهدمه (قوله: فقال له إلخ) أى: ردّا عليه (وقوله: موعد أحبابك يا أعمى) أى لا موعد أحبابى (قوله: ولك المثل السوء) أى: الحال القبيح (قوله: بأن يشتمل إلخ) أى ومناسبته للمقصود تحصل باشتماله على إشارة أى: على ذى إشارة أى: تحصل باشتمال على ما يشير للمقصود الذى سيق الكلام لأجله لأجل أن يكون المبدأ مشعرا بالمقصود والانتهاء الذى هو المقصود موافقا لما أشير له فى الابتداء ولا يشترط

стр. 2306

(ويسمى) كون الابتداء مناسبا للمقصود (براعة الاستهلال) من برع الرجل إذا فاق أصحابه فى العلم أو غيره (كقوله فى التهنئة: بشرى فقد أنجز الإقبال ما وعدا ... وكوكب المجد فى أفق العلا صعدا (١) === وضوح الإشارة بل ولو كانت خفية فإذا سيق الكلام مثلا لبيان علم من العلوم كالفقه فيشتمل ابتداؤه على ما يشعر به مثل أفعال المكلفين وأحكامها، وإذا سيق الكلام لمدح النبى ﷺ لاشتمل ابتداؤه على ذى سلم وكاظمه نحو ذلك من محلاته وأراضى بلده (قوله: ويسمى كون الابتداء) أى: كون الكلام المبتدأ به مناسبا للمقصود براعة الاستهلال وظاهره أن براعة الاستهلال اسم للكون المذكور والأولى أن يقول: ويسمى الابتداء المناسب للمقصود براعة الاستهلال كما فى الأطول وقرر شيخنا العدوى أن براعة الاستهلال تطلق على كل من الأمرين (قوله: من برع الرجل) بضم الراء وفتحها فهو من باب ظرف وخضع (قوله: إذا أفاق أصحابه) أى: فالبراعة معناها الفوقان، والاستهلال فى الأصل عبارة عن أول ظهور الهلال، ثم نقل لأول كل شىء، وفى الأطول: الاستهلال هو أول صوت الصبى حين الولادة وأول المطر، ثم استعمل لأول كل شىء، وحينئذ فمعنى قولهم للابتداء المناسب للمقصود براعة استهلال استهلال بارع أى: أول وابتداء فائق لغيره من الابتداءات أى: التى ليست مشعرة بالمقصود (قوله: فى التهنئة) بالهمزة وهى إيجاد كلام يزيد سرورا بشىء مفروح به. (قوله: يهنئ الصاحب) أى: ابن عباد أستاذ الشيخ عبد القاهر (قوله: بشرى فقد أنجز الإقبال إلخ) إنما كان هذا من البراعة؛ لأنه يشعر بأن ثم أمرا مسرورا به وأنه أمر حدث وهو رفيع فى نفسه يهنأ به ويبشر من سرّ به ففيه إيماء إلى التهنئة والبشرى التى هى المقصود من القصيدة (قوله: وكوكب المجد إلخ) يحتمل أن المراد بالكوكب المولود فإنه كوكب سماء المجد جعل المجد كالسماء فأثبت له كوكبا هو المولود، ويحتمل أنه أراد بكوكب المجد ما يعرف به طالع المجد أى: أن هذا المولود ظهر به وعلم به طالع

стр. 2307

مطلع قصيدة لأبى محمد الخازن يهنئ الصاحب بولد لابنته (وقوله فى المرثية: هى الدّنيا تقول بملء فيها، حذار حذار) أى احذر (من بطشى) أى أخذى الشديد (وفتكى) أى قتلى فجأة مطلع قصيدة لأبى الفرج الساوى يرثى فخر الدولة. (وثانيها) أى وثانى المواضع التى ينبغى للمتكلم أن يتأنق فيها (التخلص) أى الخروج (مما شبب الكلام به) أى ابتدئ وافتتح ... === المجد وكون كوكبه فى غاية الصعود (قوله: صعدا) بكسر العين كما فى المختار (قوله: وقوله فى المرثية) أى: قول الشاعر وهو أبو الفرج الساوى نسبة لساوة مدينة بين الرى وهمدان- فى مرثية فخر الدولة: ملك من ملوك العرب والمرثية بتخفيف الياء القصيدة التى يذكر فيها محاسن الميت، وبعد البيت المذكور: لا يغرركم منّى ابتسام ... فقولى مضحك والفعل مبكى بفخر الدولة اعتبروا فإنى ... أخذت الملك منه بسيف هلك وقد كان استطال على البرايا ... ونظّم جمعهم فى سلك ملك فلو شمس الضّحى جاءته يوما ... لقال لها عتوا أفّ منك ولو زهر النّجوم أتت رضاه ... تأبى أن يقول رضيت عنك فأمسى بعد ما فرغ البرايا ... أسير القبر فى ضيق وضنك يقدّر أنّه لو عاد يوما ... إلى الدّنيا تسربل ثوب نسك ا. هـ يقال: فرعت قومى علوتهم بالشرف أو الجمال، والضنك الضيق (قوله: هى الدنيا إلخ) الضمير للقصة والجملة الواقعة بعد الضمير تفسير له والملء بكسر الميم ما يملأ الشىء وبفتحها المصدر والمراد هنا الأول، والمراد أنها تقول ذلك جهرة بلا إخفاء؛ لأن ملء الكلام الفم يشعر بظهوره والجهر به بخلاف الكلام الخفى فإنه يكون بطرف الفم، ثم إن الدنيا لا قول لها فالمراد تبديل الأبدان وتقليب الأحوال، وقوله: حذار إلى أخر المصراع فى محل نصب مفعول تقول (قوله: أى الخروج) أى: وليس المراد به المعنى

стр. 2308

قال الإمام الواحدى: معنى التشبيب ذكر أيام الشباب واللهو والغزل وذلك يكون فى ابتداء قصائد الشعر فسمى ابتداء كل أمر تشبيبا وإن لم يكن فى ذكر الشباب (من تشبيب) أى وصف الجمال (أو غيره) كالأدب والافتخار والشكلية وغير ذلك (إلى المقصود مع رعاية الملاءمة بينهما) أى ما بين شبب من الكلام وبين المقصود واحترز بهذا عن الاقتضاب وأراد بقوله التخلص معناه اللغوى وإلا فالتخلص فى العرف: هو الانتقال مما افتتح به الكلام إلى المقصود مع رعاية المناسبة ... === الاصطلاحى لما سيأتى فى كلام الشارح (قوله: قال الإمام الواحدى إلخ) هذا استدلال على دعوى محذوفة تقديرها وأصل التشبيب ذكر أمور الشباب من أيامه واللهو والغزل (قوله: واللهو والغزل) أى: وذكر اللهو وذكر الغزل أى: النساء وأوصافهن (قوله: وذلك يكون إلخ) أى: ذكر أيام الشباب إلخ يكون فى ابتداء قصائد الشعر (وقوله: فسمى ابتداء كل أمر تشبيبا) أى على جهة المجاز المرسل، والحاصل أن التشبيب فى الأصل ابتداء القصيدة بذكر أمور الشباب، ثم نقل لابتداء القصيدة، بل والكلام فى الجملة سواء كان فيه ذكر اللهو والغزل وأيام الشباب أم لا فهو مجاز مرسل علاقته الإطلاق والتقييد؛ لأنه استعمل اسم المقيد فى المطلق ولهذا النقل عمم المصنف فيما شبب الكلام به حيث قال: سواء كان ما شبب به الكلام تشبيبا أى: ذكرا للجمال أو كان غيره (قوله: وإن لم يكن فى ذكر الشباب) أى ولا اللهو ولا الغزل (قوله: من تشبيب) بيان لما (وقوله: كالأدب) أى: الأوصاف الأدبية (وقوله: إلى المقصود) متعلق بالتخلص (وقوله: مع رعاية الملاءمة بينهما) هو محط الفائدة (قوله: وغير ذلك) أى: كالمدح والهجو والتوسل (قوله: أى بين ما شبب به الكلام) أى: ابتدئ به (قوله: واحترز بهذا) أى: بقوله: مع رعاية الملاءمة بينهما (قوله: عن الاقتضاب) أى: وهو الخروج والانتقال من شىء إلى شىء آخر من غير مراعاة ملاءمة بينهما فهو ارتجال المطلوب من غير توطئة إليه من المتكلم وتوقع من المخاطب، ففى الصحاح: الاقتضاب الاقتطاع، واقتضاب الكلام ارتجاله (قوله: معناه اللغوى) وهو مطلق الخروج والانتقال

стр. 2309

وإنما ينبغى أن يتأنق فى التخلص لأن السامع يكون مترقبا للانتقال من الافتتاح إلى المقصود كيف يكون؛ فإن كان حسنا متلائم الطرفين حرك من نشاطه وأعان على إصغاء ما بعده وإلا فبالعكس فالتخلص الحسن (كقوله: (١) يقول ... === أى: وليس المراد به معناه العرفى؛ لأن التخلص فى العرف هو الانتقال إلخ فلو كان مراد المصنف بالتخلص التخلص الاصطلاحى لزم التكرار فى كلامه؛ لأن قوله: مما شبب الكلام به إلى المقصود مع رعاية الملاءمة من جملة مدلوله. (قوله: وإنما ينبغى أن يتأنق فى التخلص) أى: فى الانتقال للمقصود (قوله: لأن السامع يكون مترقبا إلخ) أى: أن السامع إذا كان أهلا للاستماع لكونه من العارفين بمحاسن الكلام يكون مترقبا إلخ (قوله: كيف يكون) أى: على أى حالة يكون ذلك الانتقال (قوله: فإن كان حسنا) أى: فإن كان ذلك الانتقال حسنا (وقوله: متلائم الطرفين) أى: متناسب الطرفين أعنى المنتقل منه وهو ما افتتح به الكلام، والمنتقل إليه وهو المقصود، وهذا بيان لكونه حسنا (وقوله: حرك ذلك) أى الانتقال (وقوله: من نشاطه) من: زائدة (قوله: وأعان على إصغاء ما بعده) أى: وأعانه ذلك الحسن على إصغائه واستماعه لما بعده وهذا بيان لتحريك نشاطه (قوله: وإلا فبالعكس) أى: وإلا يكن الافتتاح حسنا لعدم وجود المناسبة عدوهم السامع الشاعر أنه ليس أهلا لأن يسمع فلا يصغى إليه ولو أتى بما هو حسن بعده، واعلم أن التخلص قليل فى كلام المتقدمين وأكثر انتقالاتهم من قبيل الاقتضاب، وأما المتأخرون فقد لهجوا به لما فيه من الحسن والدلالة على براعة المتكلم، والمراد بالمتقدمين شعراء الجاهلية والمخضرمين، والمراد بالمتأخرين الشعراء الإسلاميون الذين لم يدركوا الجاهلية قال فى الأطول: ثم إن التأنق فى التخلص ليس مبنيّا على عدم صحة الاقتضاب وليس دائرا على مذهب المتأخرين كما يكاد يتقرر فى الوهم القاصر، بل مع حسن الاقتضاب إذا عدل عنه إلى التخلص ينبغى أن يتأنق فيه (قوله: كقوله) أى: الشاعر وهو أبو تمام فى مدح عبد الله بن

стр. 2310

فى قومس) اسم موضع (قومى وقد أخذت، منا السّرّى) أى أثر فينا السير بالليل ونقص من قوانا (وخطا المهريّة) عطف على السرى لا على المجرور فى منا كما سبق إلى بعض الأوهام وهى جمع خطوة وأراد بالمهرية الإبل المنسوبة إلى مهرة بن حيدان ... === طاهر (قوله: فى قومس) بضم القاف وفتح الميم وهو متعلق بيقول (قوله: اسم موضع) أى: متسع بين خراسان وبلاد الجبل وإقليم بالأندلس أيضا- كذا فى الأطول، وفى الأنساب: قومس محل بين بسطام إلى سمنان (قوله: قومى) فاعل يقول (وقوله: وقد أخذت إلخ) جملة حالية من الفاعل (وقوله: منا) أى: من هذا الشخص وقومه أى: نقص منا القوى وأثر فينا السرى وحركات الإبل، وأنث الفعل وهو أخذت مع أن الفاعل وهو السرى مذكر على لغة بنى أسد فإنهم يؤنثون السرى والهدى توهمّا أنه جمع سرية وهدية وإنما توهموا ذلك؛ لأن هذا الوزن من أبنية الجمع بكثرة ويقل فى أبنية المصادر ونظرا للمضاف المحذوف أى: مزاولة السرى (قوله: أى أثر فينا السير إلخ) أشار بذلك إلى أن أخذ بمعنى أثر ومن بمعنى فى، والسرى بمعنى السير ليلا وأن المراد بتأثير السير ليلا فيهم نقص قوتهم (قوله: عطف على السرى) أى: فالمعنى وقد أثرت فينا السرى ونقصت من قوانا وأخذت منا أيضا خطا المهرية أى: مشيها وتحريكها إيانا ففاعل التأثير فيهم والنقص فى قواهم شيئان السرى وخطا المهرية (قوله: لا على المجرور فى منا) أى: لأن فيه مانعا من جهة اللفظ وهو العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجارّ ومن جهة المعنى أى: لأن التقدير حينئذ وقد نقصت منا السرى ونقصت السرى أيضا من خطا المهرية ولا معنى لنقص السرى من خطا المهرية من حيث إنها خطأ، وحمله على أن السرى طال فنقص قوى المهرية كما نقص قوانا، وكنى عن ضعفها ونقص قوتها بنقص خطاها تكلف لا حاجة إليه على أن هذا لا يناسب قوله: أمطلع الشمس إلخ؛ لأنه يفيد أنها قوية لا ضعيفة، فتأمل. (قوله: جمع خطوة) أى بالضم وهو اسم لما بين القدمين وأما الخطوة بالفتح فاسم لنقل القدم وتجمع على خطاء كركوة وركاء (قوله: إلى مهرة بن حيدان) مهرة

стр. 2311

أبى قبيلة (القود) أى الطويلة الظهر والأعناق، جمع أقود أى أثرت فينا مزاولة ومسايرة المطايا بالخطأ ومفعول يقول هو قوله (أمطلع الشّمس تبغى) أى تطلب (أن تؤمّ) (بنا، فقلت: كلّا) ردع للقوم وتنبيه (ولكن مطلع الجود. وقد ينتقل منه) أى مما شبب به الكلام (إلى ما لا يلائمه ويسمى) ذلك الانتقال (الاقتضاب) === بفتح الميم وسكون الهاء، وحيدان بفتح الحاء المهملة وسكون الياء المثناة (قوله: أبى قبيلة) أى: من اليمن إبلهم أنجب الإبل وهو راجع لمهرة. قال فى الأنساب: مهرة قبيلة من قضاعة سميت باسم أبيها مهرة بن حيدان (قوله: أمطلع الشمس إلخ) يصح نصبه على أنه مفعول لتؤم أى: أتبغى وتطلب أن تؤم أى: تقصد بنا مطلع الشمس ويصح رفعه على أنه مبتدأ خبره تبغى أى: تطلب أن تؤمه وتقصده بنا أى: معنا وعلى كل حال، فالجملة فى محل نصب مقول القول ومطلع الشمس أى: محل طلوعها أما السماء الرابعة أو المحل المشار له بقوله تعالى: : حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ وهذا هو المراد فإن قلت: ما معنى طلبه قصد مطلع الشمس، مع أنه إنما يطلب مطلع الشمس بعينه لا قصده؟ قلت: المراد بقصد مطلع الشمس التوجه والذهاب إليه، وكثيرا ما يطلق على التوجه والذهاب قصدا لتعلقه به فكأنهم قالوا: أتطلب بهذا المشى أن تتوجه بنا لمطلع الشمس (قوله: ردع للقوم) أى: ارتدعوا وانزجروا عما تقولون من طلب التوجه بكم لمطلع الشمس وتنبهوا على أنه لا وجه لقصده (قوله: ولكن مطلع الجود) أى: ولكن أطلب التوجه بكم لمطلع الجود وهو عبد الله بن طاهر الجواد الكريم، فقد انتقل من مطلع الشمس إلى الممدوح الذى سماه مطلع الجود مع رعاية المناسبة بينهما من جهة أن كلّا محل لطلوع أمر محمود به النفع فكان فيه حسن التخلص (قوله: أى مما شبب به الكلام) أى: ابتدئ به (قوله: إلى ما لا يلائمه) أى: إلى مقصود لا يلائمه بحيث يستأنف الحديث المتعلق بالمقصود من غير ارتباط له واتصال بما تقدمه (قوله: ويسمى الاقتضاب) والحق أنه واقع فى القرآن كما فى قوله تعالى: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى (١) فإنه قد انتقل من الكلام على النفقة والمتعة للأمر

стр. 2312

هو فى اللغة الاقتطاع والارتجال (وهو) أى الاقتضاب (مذهب العرب الجاهلية ومن يليهم من المخضرمين) - بالخاء والضاد المعجمتين- أى الذين أدركوا الجاهلية والإسلام مثل لبيد. قال فى الأساس: ناقة مخضرمة أى جدع نصف أذنها ومنه المخضرم الذى أدرك الجاهلية والإسلام كأنما قطع نصفه حيث كان فى الجاهلية (كقوله: لو رأى الله أنّ فى الشّيب خيرا ... جاورته الأبرار فى الخلد شيبا (١)) === بالمحافظة على الصلاة ولا ملاءمة بينهما، وكما فى قوله تعالى لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (٢) إذ لا مناسبة بينه وبين قوله قبل: أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ (٣) إلى آخر الآيات (قوله: لاقتطاع) أى: لأن فى هذا قطعا عن المناسبة (قوله: الارتجال) بالجيم أى: الانتقال من غير تهيؤ (قوله: وهو مذهب العرب الجاهلية) أى كامرئ القيس، وزهير بن أبى سلمى، وطرفة بن العبد، وعنترة (قوله: ومن يليهم من المخضرمين) أى: مثل لبيد، وحسان بن ثابت، وكعب بن زهير (قوله: أى الذين أدركوا الجاهلية والإسلام) أى: الذين مضى بعض عمرهم فى الجاهلية، وبعضهم مضى فى الإسلام (قوله: جدع) بالدال المهملة أى: قطع نصف أذنها (قوله: كأنما قطع نصفه) أى: سمى بذلك؛ لأنه لما فات جزء من عمره فى الجاهلية صار كأنه قطع نصفه أى: ما هو كالنصف من عمره؛ لأن ما صدف به الجاهلية وكان حاصلا منه فيها ملغى لا عبرة به كالمقطوع (قوله: كقوله) أى: قول الشاعر وهو أبو تمام وهو من الشعراء الإسلامية كان موجودا فى زمن الدولة العباسية وذمه للشيب جريا على عادة العرب فلا ينافى ما ورد من الأحاديث بمدح (قوله: لو رأى الله) أى: لو علم الله أن فى الشيب خيرا، (وقوله: جاورته) الضمير لله تعالى، والمراد بالخلد الجنة، والمراد بالأبرار خيار الناس أى: لأنزل الله الأبرار فى المنزل الذى خصهم به من الجنة فى حال كونهم شيبا؛ لأن الأليق

стр. 2313

جمع أشيب وهو حال من الأبرار ثم انتقل من هذا الكلام إلى ما يلائمه فقال (كل يوم تبدى) أى تظهر (صروف الليالى، خلقا من أبى سعيد غريبا) ثم كون الاقتضاب مذهب العرب والمخضرمين أى دأبهم وطريقتهم لا ينافى أن يسلكه الإسلاميون ويتبعوهم فى ذلك لأن البيتين المذكورين لأبى تمام وهو من الشعراء الإسلامية فى الدولة العباسية، وهذا المعنى مع وضوحه قد خفى على بعضهم حتى اعترض على المصنف بأن أبا تمام لم يدرك الجاهلية فكيف يكون من المخضرمين؟ ! . (ومنه) أى من الاقتضاب (ما يقرب من التخلص) فى أنه يشوبه شىء من المناسبة (كقولك ... === أن الأبرار يجاورنه على أحسن حال؛ ولأن الجنة دار الخير والكرامة (قوله: جمع أشيب) أى: بمعنى شائب (قوله: ثم انتقل من هذا الكلام) أى المفيد لذم الشبب (قوله: إلى ما لا يلائمه) أى: إلى مقصود لا يلائمه وهو مدح أبى سعيد بأنه تبدى أى: تظهر الليالى منه خلقا وطبائع غريبة لا يوجد لها نظير من أمثاله ومعلوم أنه لا مناسبة بين ذم الشيب ومدح أبى سعيد، وقد يقال: لا يتعين كون هذا من الاقتضاب؛ لأن أول كلامه يذم الشيب ويحتمل أن أبا سعيد كان شائبا فيكون مناسبا لأول الكلام فكأنه قال: ولا بأس بابتلاء أبى سعيد بالشيب الذى لا خير فيه لإبداء صروف الليالى خلقا غريبا منه، ورد بأن اللفظ لا يشعر بالمناسبة، إذ ليس فى البيت الثانى ذكر الشيب. نعم لو ذكر فيه الشيب بأن قيل مثلا: وأبو سعيد أشيب فلا يبقى فيه خير لأمكن أن يقال ما ذكر، تأمل (قوله: صروف الليالى) أى: حوادثها (وقوله: خلقا) أى: طبيعة حسنة (وقوله: غريبا) صفة لخلق (قوله: من الشعراء الإسلامية) المراد بهم من كان غير مخضرم وكان موجودا زمن الإسلام ولو كافرا كجرير والفرزدق وأبى تمام والسموأل (قوله: وهذا المعنى) أى: قوله ثم كون الاقتضاب إلخ (قوله: فكيف يكون من المخضرمين) فلا يصح أن يكون من المخضرمين وظاهر كلام المصنف أنه منهم (قوله: أى من الاقتضاب) أى: الذى هو الإتيان بالمقصود بلا ربط ومناسبة بينه وبين ما شيب به الكلام (وقوله: ما يقرب من

стр. 2314

بعد حمد الله أما بعد) فإنه كان وكذا وكذا فهو اقتضاب من جهة الانتقال من الحمد والثناء إلى كلام آخر من غير ملاءمة لكنه يشبه التخلص من حيث لم يؤت بالكلام الآخر فجأة من غير قصد إلى ارتباط وتعليق ما قبله ... === التخلص) أى: اقتضاب أو انتقال يشبه التخلص الاصطلاحى فى كونه يخالطه شىء من المناسبة، ولم يجعل هذا القسم تخلصا قريبا من الاقتضاب لعدم المناسبة الذاتية فيه بين الابتداء والمقصود والتخلص مبناه على ذلك (قوله: بعد حمد الله) أى: بعد أن حمدت الله وصلّيت على رسوله (قوله: أما بعد) هذا مقول القول، وقوله بعد حمد الله حال مقيدة أى: كقولك: أما بعد حالة كونها واقعة بعد أن حمدت الله. (قوله: فإنه كان كذا وكذا) أشار بذلك إلى أن المراد أما بعد مع جملتها التى هى فيها وبه يندفع ما يقال: إن السياق فى أقسام الكلام التى ينبغى للمتكلم أن يتأنق فيها، وأما بعد ليست كلاما (قوله: فهو اقتضاب) أى: فالانتقال المحتوى على أما بعد اقتضاب (قوله: من جهة الانتقال من الحمد والثناء) أى: على الله ورسوله (وقوله إلى كلام آخر) أى: كالسبب الحامل على تأليف الكتاب مثلا (قوله: فجأة) أى: بغتة، (وقوله: من غير قصد إلخ) بيان للفجأة (وقوله: وتعليق) تفسير لما قبله (قوله: من غير قصد إلخ) تفسير لقوله فجأة (قوله: بل قصد نوع من الربط) أى: من حيث الإتيان بأما بعد؛ لأنها بمعنى مهما يكن من شىء بعد الحمد والثناء، فالأمر كذا وكذا، وتحقيق ذلك أن حسن التخلص فيه القصد إلى إيجاد الربط بالمناسبة على وجه لا يقال فيه: إن هنا كلامين منفصلين مستقلين أتى بأحدهما وهو الثانى بغتة والاقتضاب فيه القصد إلى الإتيان بكلام بعد آخر على وجه يقال فيه: إن الأول منفصل عن الثانى ولا ربط بينهما، وأما بعد لما كان معناه مهما يكن من شىء بعد الحمد والثناء، فالأمر كذا وكذا أفاد أن كون الأمر كذا مربوط بوجود شىء بعد الحمد والثناء على وجه اللزوم، ولما أفادت ما ذكر ارتبط ما بعدها بما قبلها لإفادتها الوقوع بعده ولا بدّ فلم يؤت بما بعدها على وجه يقال فيه إنه لم يرتبط بما قبله، بل هو مرتبط به من حيث التعلق فأشبه بهذا الوجه حسن التخلص، ولما كان ما بعدها شىء آخر لا ربط فيه بالمناسبة كان فى الحقيقة

стр. 2315

بل قصد نوع من الربط معنى مهما يكن من شىء بعد الحمد والثناء فإن كان كذا وكذا (قيل: وهو) أى قولهم بعد حمد الله أما بعد هو (فصل الخطاب) قال ابن الأثير: والذى أجمع عليه المحققون من علماء البيان أن فصل الخطاب هو أما بعد لأن المتكلم يفتتح كلامه فى كل أمر ذى شأن بذكر الله وتحميده فإذا أراد أن يخرج منه إلى الغرض المسوق له فصل بينه وبين ذكر الله تعالى بقوله: أما بعد. وقيل: فصل الخطاب معناه الفاصل من الخطاب أى الذى يفصل بين الحق والباطل على أن المصدر بمعنى الفاعل. وقيل: المفصول من الخطاب وهو الذى يتبين من يخاطب به أى يعلمه بينا لا يلتبس عليه فهو بمعنى المفعول ... === اقتضابا (قوله: بل قصد نوع من الربط) أى: والربط يقتضى المناسبة بين المعلق والمعلق عليه، فالتعليق يتضمن نوع مناسبة (قوله: على معنى مهما إلخ) مرتبط بمحذوف أى: من حيث الإتيان بأما بعد؛ لأنها بمعنى مهما يكن إلخ (قوله: هو فصل الخطاب) أى: هو المسمى بهذا اللفظ، والمراد بالخطاب الكلام المخاطب به، وكذا يقال فيما يأتى (قوله: قال ابن الأثير إلخ) القصد من نيل كلامه تأييد ذلك القيل والتورك على المصنف حيث حكاه بقيل مع أن المحققين أجمعوا عليه (قوله: إلى الغرض المسوق له) أى: الذى سبق الذكر والتحميد لأجله (قوله: فصل بينه) أى: بين ذلك الغرض وبين ذكر الله بقوله أما بعد أى: فلفظ أما بعد حينئذ فاصل فى ذلك الخطاب أى: الكلام المخاطب به وهو المشتمل على الثناء، وعلى الغرض المقصود على وجه لا تنافر فيه ولا سماجة، بل على وجه مقبول كما مر، وعلم من هذا أن فصل فى قولهم فصل الخطاب مصدر بمعنى فاصل، وأن الخطاب بمعنى الكلام المخاطب به، وأن الإضافة على معنى فى. (قوله: الفاصل من الخطاب) أى: من الكلام (وقوله: أى الذى يفصل) أى يميز بين الحق والباطل، فكل كلام ميز بين الحق والباطل يقال له فصل الخطاب على هذا القول (قوله: على أن المصدر بمعنى الفاعل) أى: والإضافة على معنى من (قوله: وقيل المفصول) أى: المبين المعلوم من الخطاب أى: من الكلام فكل كلام يعلم المخاطب به علما بينا يقال فيه فصل الخطاب على هذا القول (قوله: فهو بمعنى المفعول) أى: والإضافة
следующие страницы →