فإن فى ضرب البيت بكوفة الجند، والمهاجرة إليه إيماء إلى أن طريق بناء الخبر مما ينبئ عن زوال المحبة، وانقطاع المودة ثم إنه يحقق زوال المودة، ويقرره حتى كأنه برهان عليه، ...
===
وضرب البيت فى الأصل شد أطنابه، ويلزمه الإقامة فيه المرادة، فتكون كناية عن الإقامة فيه من باب الانتقال من الملزوم للازم، وقوله مهاجرة: حال من فاعل ضربت أفادت أن الكوفة التى أقامت بها ليست محلها الأصلى وقوله بكوفة متعلق بضربت والباء بمعنى فى، وإضافتها للجند لإقامة جند كسرى بها، وقوله غالت أى: أكلت وودها أى محبتها لى:
مفعول مقدم، وغول فاعل مؤخر أى: إنها إنما أقامت بالكوفة بعد الهجرة إليها لكون الغول أكل ودها لى، وأن محبتها زالت ووجه إدخال التاء فى الفعل الغول مؤنث سماعا وإن كان بمعنى المهلك، ثم إن لفظ البيت خبر والمعنى على التأسف كما فى الحفيد على المطول.
(قوله: والمهاجرة إليها) عطف على ضرب
(قوله: إلى أن طريق بناء الخبر) أى إلى جنس الخبر المبنى عليه، وكان الأولى أن يقول إلى أن طريق بناء الخبر أمر من جنس زوال المحبة وانقطاع المودة ليوافق ما مر، والمراد أنه فرد من أفراد ذلك الجنس، وإنما كان الموصول يومىء للنوع المذكور؛ لأن الشأن أن الإنسان لا يقيم فى محل خلاف محله إلا إذا كان كارها لأهل محله
(قوله: ثم إنه) أى الإيماء المذكور بواسطة الصلة، وقرر شيخنا العدوى أن قوله: ثم إنه أى ما ذكر من الضرب والمهاجرة يحقق إلخ أى:
من تحقيق المسبب للسبب، وذلك لأن أكل الغول ودها سبب فى الواقع للضرب والمهاجرة ووجود المسبب دليل على وجود سببه، وظهر لك مما قلنا إن قوله ثم إنه يحقق يحتمل رجوع ضميره للإيماء جريا على ما مر من التسامح، ولما ذكر من الضرب والمهاجرة نظرا للحقيقة من أن المومى إنما هو الصلة.
(قوله: زوال المودة) أى: منها، وقوله ويقرره أى: فى ذهن السامع
(قوله: حتى كأنه) أى: الإيماء بواسطة الضرب، أو ضرب البيت بكوفة الجند والمهاجرة إليها وقوله برهان عليه أى: على زوال المحبة؛ لأنه دليل عليه.
стр. 527
وهذا معنى تحقيق الخبر، وهو مفقود فى مثل: إن الذى سمك السماء؛ إذ ليس فى رفع الله السماء تحقيق وتثبيت لبنائه لهم بيتا؛ فظهر الفرق بين الإيماء، وتحقيق الخبر ...
===
واعلم أن الاستدلال بالسبب على المسبب يسمى برهانا آنيا، والاستدلال بالمسبب على السبب يسمى برهانا لميا؛ لأن وجود المسبب خارجا علة فى وجود السبب بمعنى إنك إذا رأيت المسبب متحققا فى الخارج استدللت به على وجود السبب، فالمسبب حينئذ يقع فى جواب السؤال بلم عن وجود السبب، وما هنا من قبيل الاستدلال بالمسبب على السبب فهو من قبيل البرهان اللمى إذا علمت هذا تعلم أن قول الشارح كأنه برهان عليه لا وجه للكأنية، إذ هو برهان عليه حقيقة، فالأولى أن يقول؛ لأنه برهان عليه إلا أن يقال إن المعنى حتى كأنه برهان إنى فشبه اللمى بالأنى أو أن كان للتحقيق قرر ذلك شيخنا العدوى، أو يقال أتى بكأن؛ لأنه لم يسق مساق البراهين المعتادة
(قوله: وهذا معنى تحقيق الخبر) يعنى أن المراد بتحقيق الخبر تثبيته وتقريره حتى كأن الصلة دليل عليه، وليس المراد بتحقيق الخبر تحصيله وإيجاده بأن تكون الصلة للخبر فى الواقع والإلزام أن ضرب البيت بالكوفة والمهاجرة إليها علة لانقطاع المودة والمحبة فى نفس الأمر، وهو غير صحيح، إذ الأمر بالعكس وهو أن العلة فى ضرب البيت هو زوال المحبة.
والحاصل أن الضرب والمهاجرة علة لمية لزوال المحبة، وزوال المحبة علة آنية لهما
(قوله: إذ ليس فى رفع الله السماء إلخ) أى: لأن رفع الله السماء ليس علة لبناء البيت لا آنية ولا لمية
(قوله: فظهر الفرق إلخ) أى: لأن حاصل الإيماء إلى وجه الخبر أن يستشعر السامع بجنس الخبر، ولا يلزم من ذلك أن يتيقنه بحيث يزول عنه الشك والإنكار له، وأما تحقيق الخبر فهو أن يستشعر السامع بجنس الخبر ويتيقنه، ويتقرر عنده بحيث يزول ما عنده من الشك فيه، والإنكار له ألا ترى إلى قوله: إن التى ضربت إلخ، فإنه يحصل منه فى ذهن السامع جنس انقطاع المودة والمحبة، ويثبت عنده بحيث يزول عنه الشك والإنكار؛ لأنه يلزم عادة من المهاجرة بالكوفة وضرب البيت بها والانقطاع فيها زوال المحبة والمودة بخلاف إن الذى سمك السماء إلخ، إذ لا يلزم عادة ولا عقلا من سمك
стр. 528
[أغراض التعريف بالإشارة]:
(وبالإشارة) أى: تعريف المسند إليه بإيراده اسم إشارة (لتمييزه) أى:
المسند إليه (أكمل تمييز) ...
===
السماء بناء البيت المذكور فقد وجد الإيماء فيه بدون التحقيق، وظهر لك من هذا أن الإيماء إلى وجه بناء الخبر أعم من الإيماء إلى تحقيق الخبر بالنظر للمحل، فكلما وجد تحقيق الخبر وجد الإيماء، ولا عكس لحصول الإيماء لوجه الخبر من غير إيماء إلى تحقيقه فى نحو: إن الذى سمك السماء بنى لنا بيتا إلخ، فإن فيه الإيماء لوجه الخبر وليس فيه إيماء إلى تحقيق الخبر، إذ لا دلالة لسمك السماء على بناء بيتهم ولحصول الإيماء إلى التحقيق مع الإيماء لوجه الخبر فى نحو: إن التى ضربت بيتا إلخ، لكون الوجه الذى أشير إليه كالدليل على ذلك الخبر، وإذا قد علمت الفرق بينهما وأن بينهما العموم والخصوص المطلق باعتبار المحل تعلم أن الإيماء لوجه بناء الخبر غير الإيماء إلى تحقيق الخبر، وحينئذ فلا يستغنى بذكر الإيماء لوجه عن الإيماء إلى التحقيق، فسقط اعتراض المصنف فى الإيضاح على القوم بأنه لم يظهر فرق بينهما فكيف يجعل الإيماء لوجه بناء الخبر ذريعة إلى التحقيق مع أنه عينه.
[تعريفه بالإشارة]:
(قوله: أى تعريف المسند إليه) يعنى: لفظه لأنه الذى يعرف (وقوله: لتمييزه) أى: المسند إليه، أى فى معنى المسند، ففى الكلام استخدام حيث ذكر المسند إليه أولا مرادا به اللفظ، وأعيد عليه الضمير مرادا به المعنى، أو حذف مضاف أى: لتمييز معناه
(قوله: لتمييزه أكمل تمييز) أى: لكون المقصود تمييزه تمييزا أكمل فهو من إضافة الصفة للموصوف والتمييز الأكمل هو ما كان بالعين والقلب، فإنه لا تمييز أكمل منه، ولا يحصل ذلك التمييز إلا باسم الإشارة، فإن قلت: إن كلام المصنف يقتضى أن اسم الإشارة أعرف المعارف، وليس كذلك. أجيب بأن المراد أنه أكمل تمييزا بالنسبة لما تحته من المعارف لا بالنسبة لما فوقه أيضا، ويكون الكلام فى مقام لا يمكن فيه التعبير بما فوقه من المعارف، أو يقال إن دلالة اسم الإشارة على أكملية التمييز إنما هو من حيث إن
стр. 529
لغرض من الأغراض (نحو: هذا أبو الصقر فردا) نصب على المدح، أو على الحال ...
===
معه إشارة حسية، ولا يتأتى معها اشتباه أصلا بخلاف العلم فإن مدلوله وإن كان جزئيا مانعا من الشركة، لكن ربما يكون مشتركا اشتراكا لفظيا أو يكون مسماه غير معلوم للسامع، فلا يحصل التمييز فضلا عن كماله وهذا لا ينافى أن غير اسم الإشارة أعرف منه من جهة أخرى؛ وذلك لأن من المضمرات ضمير المتكلم الذى لا يتصور فيه اشتباه أصلا من حيث ذاته ومدلول العلم متعين مشخص بحسب الوضع والاستعمال معا بخلاف اسم الإشارة، فإن مدلوله متعين بحسب الاستعمال لا غير وبالجملة فدلالة اسم الإشارة على أكملية التمييز لا تقتضى أعرفيته فلا يكون كلام المصنف مخالفا للقول الصحيح وهو قول سيبويه من أن أعرف المعارف المضمرات، ثم الأعلام، ثم المبهمات- كذا قرر شيخنا العدوى.
وعبارة اليعقوبى: كون المعارف فيها ما هو أعرف من اسم الإشارة لا ينافى أن يكون فيه خصوصية يفوق بها ما سواه؛ لأن المراد بكون المعرفة أعرف من غيرها أنها أكثر بعدا من عروض الالتباس وهذا لا ينافى أن يكون ما هو دونه أقوى منه فى هذا المعنى فى بعض الصور، فإن اسم الإشارة إذا كان المشار إليه حاضرا محسوسا للسامع بحاسة البصر، أو نزل تلك المنزلة أقوى من العلم المشترك فى الحالة الراهنة.
(قوله: لغرض من الأغراض) علة للعلة أى، وإنما قصد تمييزه تمييزا أكمل لغرض؛ كأن يكون المقام مقام مدح أو مقام إجراء أوصاف الرفعة عليه، فإن تمييزه حينئذ تمييزا كاملا أعون على كمال المدح؛ لأن ذكر الممدوح إذا صاحبه خفاء كان قصورا فى الاعتناء بأمره
(قوله: أبو الصقر) خبر عن اسم الإشارة أو بدل منه، أو بيان له وخبر المبتدأ قوله: من نسل شيبان (قوله نصب على المدح) أى: نصب بفعل محذوف لأجل إفادة المدح فعلى للتعليل، تقدير ذلك الفعل أمدح أو أعنى، إذ لا يشترط فى منصوب المدح ما يدل على المدح، فالمحترز عنه تقدير ما يدل على الذم فقط
(قوله: أو على الحال) أى: من الخبر، إن قلت: الحال لا تأتى من الخبر كما
стр. 530
(فى محاسنه) (١) من نسل شيبان بين الضال والسلم؛ وهما شجرتان بالبادية؛ ...
===
لا تأتى من المبتدأ عند الجمهور، قلت: سوغ ذلك هنا كون ذلك الخبر مفعولا فى المعنى لمعنى اسم الإشارة أو ها التنبيه لتضمن كل منهما معنى الفعل وهو أشير أو أنبه أى:
أشير إليه فى حال كونه منفردا بالمحاسن أو أنبه عليه فى تلك الحالة، وهذا على حد قوله تعالى هذا بَعْلِي شَيْخاً (٢).
(قوله: فى محاسنه) جمع محسن بمعنى حسن أى منفردا بحسن ذاته ومكارم صفاته
(قوله: من نسل شيبان) حال ثانية من صاحب الأولى، فيكون من قبيل المترادفة أى: متولدا من نسل شيبان أو خبر ثان ذكر بيانا لنسبه بعد ذكر حسبه، ولا يصح أن يكون حالا من الضمير المستتر فى فردا لما فيه من القصور؛ لأن الحال قيد فى العامل فيصير تمييزه بالانفراد فى المحاسن مقيدا بكونه من نسل شيبان، والمناسب لمقام المدح الإطلاق وعلى تقدير جواز ذلك يكون من قبيل الحال المتداخلة فيكون العامل فيه فردا، وتكون متعلقة بمحذوف، وأما جعله ظرفا لغوا متعلقا بفردا- أى ممتازا منهم فليس بحسن؛ لأن مقام المدح يقتضى أن يثبت للممدوح الفردية فى المحاسن بالنسبة إلى كافة الناس لا بالقياس إلى نسل شيبان فقط، إلا أن يدعى أن نسل شيبان ممتازون بالمحاسن عمن سواهم، والنسل الولد وشيبان بفتح الشين: اسم لأب ى القبيلة المسماة باسمه
(قوله: بين الضال) حال من نسل شيبان، وهو الأوجه أى: حال كونهم مقيمين بين الضال والسلم، أو من شيبان، أو من أبو الصقر والضال بتخفيف اللام جمع ضالة بلا همز وهو شجر السدر البرى، والسلم جمع: سلمة وهو شجر ذو شوك من شجر البادية يقال له شجر العضاه.
(قوله: وهما شجرتان) الأولى شجران بدون تاء؛ لأنهما نوعان من الشجر لا فردان، إلا أن يقال أن التاء للوحدة النوعية لا الشخصية، ويحتمل أن المراد منهما فى
стр. 531
يعنى: يقيمون بالبادية؛ لأن فقد العز فى الحضر (أو التعريض بغباوة السامع) حتى كأنه لا يدرك غير المحسوس (كقوله (١):
أولئك آبائى فجئنى بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع
===
هذا البيت الفردان لا النوعان بناء على أن إقامتهم كانت بين فردين من النوعين، فأشار الشارح إلى بيان المعنى المراد لا المعنى الأصلى
(قوله: يعنى يقيمون إلخ) أى: فقوله بين الضال والسلم كناية عن إقامتهم بالبادية
(قوله: لأن فقد العز فى الحضر) وذلك لأن من كان فى الحضر تناله الأحكام بخلاف من كان فى البادية فهو آمن مما ينغصه، وأشار الشارح بذلك إلى أن مراد الشاعر بوصفهم بسكنى البادية بين الضال والسلم: وصفهم بالعز، والشاهد فى إيراد المسند إليه اسم إشارة لقصد تمييزه تمييزا كاملا لغرض مدحه بالانفراد فى المحاسن وبالعز، ويحتمل أن يكون المراد بالوصف بسكنى البادية وصفهم بكمال البلاغة ونهاية الفصاحة لكونهم لا يخالطون فى الحضر طوائف العجم فتكون لغاتهم سالمة مما يخل بالفصاحة، وكأن الشارح اختار الأول تأسيا بكلام أبى العلاء المعرى حيث قال:
الموقدون بنجد نار بادية ... لا يحضرون وفقد العزّ فى الحضر.
(قوله: حتى كأنه لا يدرك غير المحسوس) أى: غير المدرك بحاسة البصر أى الذى وضع له اسم الإشارة
(قوله: أولئك آبائى (٢) إلخ) هذا من كلام الفرزدق يهجو جريرا، والشاهد فى إيراد المسند إليه اسم إشارة للتنبيه على غباوة جرير، حتى إنه لا يدرك غير المحسوس، ولو قال فلان وفلان وفلان آبائى لم يحصل التعريض بذلك، وقوله: فجئنى بمثلهم: أمر تعجيز على حد قوله تعالى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ (٣) أى لا تقدر على الإتيان بمثلهم فى مناقبهم إذا جمعتنا مجامع الافتخار يوما ما
(قوله: فجئنى بمثلهم)
стр. 532
أو بيان حاله) أى: المسند إليه (فى القرب أو البعد أو التوسط كقولك:
هذا أو ذلك أو ذاك زيد) وأخر ذكر التوسط؛ لأنه إنما يتحقق بعد تحقق الطرفين، وأمثال هذه المباحث تنظر فيها اللغة من حيث إنها تبين أن هذا مثلا للقريب، وذاك للمتوسط، وذلك للبعيد، وعلم المعانى من حيث إنه إذا أريد بيان قرب المسند إليه يؤتى بهذا وهو زائد على أصل المراد ...
===
أى اذكر لى مثلهم من آبائك
(قوله: أو بيان حاله) أى أنه يؤتى بالمسند إليه اسم إشارة لبيان حال معناه من القرب والبعد والتوسط، قوله فى القرب فى بمعنى من البيانية
(قوله: كقولك هذا زيد) مثال لما إذا أريد بيان حاله من القرب، وقوله ذلك زيد مثال لما إذا أريد بيان حاله من البعد وقوله ذاك زيد مثال لما إذا أريد بيان حاله من التوسط
(قوله: وأخر ذكر التوسط) أى: فى قوله فى القرب إلخ أى مع أن الترتيب الطبيعى يقتضى توسطه (قوله لأنه إنما يتحقق بعد تحقق الطرفين) أى: لأنه نسبة بين شيئين يتوقف تعقله على تعقلهما.
(قوله: وأمثال هذه المباحث) أى: وهذه المباحث وأمثالها كالتكلم والخطاب والغيبة بالنسبة للضمير وإحضاره بعينه بالنسبة للعلم، وهذا جواب عما يقال: إن كون ذا للقريب وذلك للبعيد وذاك للمتوسط مما يبينه أهل اللغة؛ لأنه بالوضع، ولا ينبغى أن يتعلق به علم المعانى؛ لأنه إنما يبحث عن الزائد على أصل المراد وما هنا غير زائد عليه، وحاصل الجواب أن اللغويين إنما يبينون معانى هذه الألفاظ فيبينون أن لفظ ذا موضوع للقريب وذاك للمتوسط وذلك للبعيد، والذى بينه أهل المعانى هو أنه إذا كان المشار إليه قريبا واقتضى المقام بيان حاله، فإنه يؤتى بهذا، وهكذا، فإذا أريد الإخبار عن ذات بالعلم فيتحقق ذلك الإخبار بالتعبير عن الذات بالعلم بأن تقول زيد عالم وبالموصول بأن تقول الذى قام أبوه عالم، وبالإشارة بأن تقول هذا عالم لكن الإتيان بالإشارة يفيد المراد وهو ثبوت العلم لتلك الذات وزيادة، وهو بيان حالها من كونها قريبة فقول الشارح وهو زائد أى قرب المسند إليه الذى أتى بهذا لبيانه وقوله زائد على أصل المراد أى على المعنى الذى أراده المتكلم وهو ثبوت المسند للمسند إليه فهو كالتأكيد المدلول
стр. 533
الذى هو الحكم على المسند إليه المذكور المعبر عنه بشىء يوجب تصوره على أى وجه كان.
(أو تحقيره) أى: تحقير المسند إليه (بالقرب، نحو: أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ،
===
عليه بأن فى قولك: إن زيدا قائم، فإنه زائد على المعنى الوضعى للتركيب أعنى ثبوت القيام لزيد، (وقوله الذى هو الحكم) صفة للمراد، (وقوله المعبر عنه) أى: عن المسند إليه أى:
الذى يمكن أن يعبر عنه، (وقوله بشىء) أى: بطريق من الطرق التى توجب تصوره على أى وجه كان، وهى الموصول والعلم والإشارة، وقوله على أى وجه كان أى سواء أفادت حاله من قرب أو بعد أو لا، والحاصل أن المسند إليه يمكن أن يعبر عنه بالموصول والعلم، لكن البليغ يعدل عنهما لاسم الإشارة لبيان حاله وهذا الحال زائد على أصل المراد واعترض بأن بيان الحال من ثمرة اللغة؛ لأنه إذا علم أن هذا موضوع للقريب علم أنه إذا قصد قرب المشار إليه يؤتى به وهكذا، وأجيب بأن معرفة أنه إذا قصد إلخ من علم المعانى مما يقصد فيه بالذات، وأما معرفة ذلك من اللغة فبالتبع، فالأمور اللغوية قد يتعلق بها غرض البليغ إذا لم يكن المقام مقتضيا لأزيد منها فيبحث عنها أهل اللغة من حيث الوضع، وأهل المعانى يبحثون عنها من حيث إنها مطابقة لمقتضى الحال فهما مختلفان بهذا الاعتبار.
(قوله: أو تحقيره بالقرب) أى أنه يؤتى بالمسند إليه اسم إشارة قصدا لتحقير معناه، بسبب دلالته على القرب، ووجه ذلك أن القرب من لوازمه الحقارة يقال: هذا أمر قريب أى: هين سهل التناول، وما كان كذلك يلزمه أن يكون حقيرا لا يعتنى به لكونه مبتذلا، فإذا عبر باسم الإشارة الدال على القرب أفاد الاحتقار اللازم للقرب.
وفى سم: القرب هنا عبارة عن دنو المرتبة وسفالة الدرجة ووجهه أن الشخص كلما كان أعلى قدرا وأشرف درجة احتاج الوصول إليه إلى الوسائط أكثر وأشد عرفا وعادة، فارتفاع الوسائط والاستغناء عنها دليل ظاهر على دنو قدره كما لا يخفى
(قوله: أهذا الذي) قاله أبو جهل مشيرا للنبى- ﷺ ، وأول الآية وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَهذَا الَّذِي (١) إلخ أى: قائلين أهذا
стр. 534
أو تعظيمه بالبعد، نحو: الم. ذلِكَ الْكِتابُ (١)) تنزيلا لبعد درجته ورفعة محله منزلة بعد المسافة (أو تحقيره بالبعد كما يقال: ذلك اللعين فعل كذا) تنزيلا لبعده عن ساحة عز الحضور والخطاب منزلة بعد المسافة ...
===
الذى
(قوله: أهذا الذى إلخ) أى: فقد أورد المسند إليه اسم إشارة موضوعا للقرب قصدا لإهانته.
فكأن- الكفرة قبحهم الله- يقولون أهذا الحقير يذكر آلهتكم المستعظمة بنفى الألوهية عنها، واعلم إن إشارة القريب كما تستعمل لقصد الإهانة كما قلنا تستعمل لقصد إفادة التعظيم نظرا لاعتبار مخالطة القريب للنفس، وأنه حاضر عندها لا يغيب عنها، إذا علمت هذا، فقول المصنف أو تعظيمه بالبعد فيه اكتفاء أى: أو بالقرب
(قوله: أو تعظيمه بالبعد) أى: يؤتى بالمسند إليه اسم إشارة لقصد تعظيم معناه بسبب دلالته على البعد نظرا إلى أن البعيد شأنه العظمة، إذ لا ينال بالأيدى
(قوله: تنزيلا لبعد درجته إلخ) جواب عما يقال إن الكتاب المشار إليه حاضر، فما وجه استعمال إشارة البعيد فيه فقوله تنزيلا معمول لمحذوف أى: استعمل إشارة البعيد هنا تنزيلا إلخ، وقوله لبعد درجته أى: عظم درجته.
(قوله: أو تحقيره بالبعد) أى: يؤتى بالمسند إليه اسم إشارة قصدا لتحقير معناه بسبب الدلالة على البعد نظرا إلى أن البعيد شأنه عدم الالتفات إليه لعدم مخالطته للنفس
(قوله: كما يقال) أى: للحاضر فى المجلس ذلك اللعين فعل كذا فقد عبر عن المسند إليه باسم الإشارة الموضوع للبعيد قصدا لحقارته؛ لأن شأن البعيد عدم الالتفات إليه
(قوله: تنزيلا لبعده إلخ) جواب عما يقال كيف يصح استعمال إشارة البعيد فى الحاضر فى المجلس فهو معمول لمحذوف أى: واستعمل إشارة البعيد فى الحاضر تنزيلا، وقوله لبعده أى: لحقارته
(قوله: عن ساحة عز الحضور) إضافة عز لما بعده من إضافة الصفة للموصوف أى: عن ساحة الحضور، والخطاب العزيزين وفى الكلام استعارة بالكناية حيث شبه الحضور بدار عزيزة تشبيها مضمرا فى النفس وطوى ذكر المشبه به، وإثبات الساحة تخييل والعز ترشيح، أو بالعكس.
стр. 535
ولفظ: ذلك- صالح للإشارة إلى كل غائب؛ عينا كان أو معنى، وكثيرا ما يذكر المعنى الحاضر المتقدم بلفظ ذلك؛ ...
===
(قوله: ولفظ ذلك إلخ) قصد الشارح بهذا مجرد إفادة فائدة، وحاصلها أن لفظ ذلك قد يشار به للغائب عن حاسة البصر مطلقا، سواء كان ذاتا أو معنى وللحاضر الغير المحسوس، وهذا الاستعمال مجاز؛ لأنها موضوعة للبعيد المحسوس بحاسة البصر لا للغائب عن الحس المذكور ولا للحاضر غير المحسوس.
(قوله: إلى كل غائب) أى: عن حس البصر وهذا الصلوح مجاز كما عرفت؛ لأن أسماء الإشارة مطلقا وضعت لأن يشار بها إلى المحسوس المشاهد فخرج بالمحسوس المعقولات وبالمشاهد- وهو ما أدرك بالبصر- ما أدرك بغير البصر من باقى الحواس، فإذا قلت: سمعت هذا الصوت أو شممت هذا الريح أو ذقت هذا الطعم كان مجازا- كما يفيده كلام عبد الحكيم.
(قوله: عينا) المراد به الذات سواء كانت تلك الذات الغائبة عن الحس مما يستحيل إحساسها نحو: ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ* (١) أو كانت محسوسة، لكن غير مشاهدة نحو تِلْكَ الْجَنَّةُ (٢) وكما فى قولك: جاءنى رجل، فقال لى ذلك الرجل كذا- تحكى أمره بعد غيبته-
(قوله: أو معنى) المراد به ما ليس بذات أى: ما قام بغيره فيصدق باللفظ كقولك: قال لى إنسان كذا فسرنى ذلك القول، وضرب زيد عمرا فسرنى ذلك الضرب، فإن القول والضرب معنى غائب، وقد استعمل فيه ذلك مجازا
(قوله: وكثيرا إلخ) قصده بهذا بيان ما فى الآية السابقة
(قوله: وكثيرا إلخ) كقوله تعالى، كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ (٣)، فإن ذلك إشارة إلى ضرب المثل الحاضر المتقدم ذكره قريبا فى قوله: ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ (٤) إلخ، وكما فى قولك بالله الطالب الغالب، وذلك قسم عظيم لأفعلن، ومنه ذلِكَ الْكِتابُ (٥) لما تقدم أن المراد بالمعنى ما يشمل اللفظ، والمراد بالحاضر ما يعده العرف حاضرا كالقسم المذكور، فإن
стр. 536
لأن المعنى غير مدرك بالحس فكأنه بعيد.
(أو للتنبيه) أى: تعريف المسند إليه بالإشارة للتنبيه (عند تعقيب المشار إليه بأوصاف) أى: عند إيراد الأوصاف على عقب المشار إليه؛ يقال: عقبه فلان إذا جاء على عقبه، ثم تعديه بالباء إلى المفعول الثانى، وتقول: عقبته بالشىء إذا جعلت الشىء على عقبه؛ وبهذا ظهر فساد ما قيل: ...
===
حضوره ليس إلا لتلفظه وعدم انفصاله عما بعده، وقوله المتقدم أى: على اسم الإشارة
(قوله: غير مدرك بالحس) أراد به حس البصر دون السمع لما مر، ولأن المراد بالمعنى هنا ما يشمل اللفظ، فإنه المراد بالمعنى بالنسبة لقوله: الم. ذلِكَ الْكِتابُ (١) واللفظ مدرك بحس السمع، فلا يصح نفى الإدراك به عنه
(قوله: فكأنه بعيد) أى: فقد شبه غير المدرك بالبعيد لعدم إدراك كل بحاسة البصر، واستعمل اسم المشبه به فى المشبه.
(قوله: للتنبيه) أى: يكون للتنبيه أى: تنبيه المتكلم السامع، وأعاد المصنف الجار للبعد (قوله المشار إليه) هو الموصوف، فكأنه قال عند تعقيب الموصوف بأوصاف، وليس المراد بالأوصاف خصوص النحوية
(قوله: أى عند إيراد الأوصاف إلخ) بمعنى أن الأوصاف ذكرت إثر ذكر المشار إليه
(قوله: يقال عقبه) أى: بتشديد القاف
(قوله: وتقول عقبته إلخ) المناسب فتقول بالفاء كما فى نسخة
(قوله: إذا جعلت الشىء على عقبه) أى: فالباء فى حيز التعقيب تدخل على المتأخر
(قوله: وبهذا ظهر فساد إلخ) أى: بما ذكرناه من بيان مدلول التعقيب لغة من أن الباء فى حيزه إنما تدخل على المتأخر، ولا وجه لتكلف تأويل المشار إليه باسم الإشارة ظهر فساد ما قيل أى: ظهر فساده بحسب اللغة، وإن كان المعنى حاصلا؛ لأن اسم الإشارة وقع عقب الأوصاف التى تعقب المشار إليه، لكن ذلك ليس مقصودا، والحاصل أن مقتضى اللغة أن الباء بعد التعقيب تدخل على المتأخر، وعلى كلام ذلك القائل داخلة على المتقدم فهو أى: ما قاله ذلك القائل فاسد بحسب ما تقتضيه اللغة، وإن كان صحيحا بالنظر للمعنى كما بينا ولفساده وجه آخر من جهة حمله المشار إليه على اسم الإشارة مع أن المشار إليه الذات، واسم الإشارة اللفظ.
стр. 537
إن معناه عند جعل اسم الإشارة بعقب أوصاف (على أنه) متعلق بالتنبيه على المشار إليه (جدير بما يرد بعده) أى: بعد اسم الإشارة (من أجلها) متعلق بجدير؛ أى: حقيق بذلك لأجل الأوصاف التى ذكرت بعد المشار إليه (نحو: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ إلى قوله: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١)) عقب المشار إليه؛ وهو الذين يؤمنون بأوصاف متعددة من الإيمان بالغيب، وإقام الصلاة، ...
===
(قوله: إن معناه عند جعل إلخ) أى: فحمل المشار إليه على اسم الإشارة، وجعل الباء داخلة على المتقدم وفى ذلك تعسف ومخالفة للغة
(قوله: جدير بما) أى:
بمسند يرد إلخ
(قوله: لأجل الأوصاف) لا يخفى أن التنبيه لا يتوقف على تعدد الأوصاف ولا على كونها عقب المشار إليه، فإنه يصح أن تكون الأوصاف قبل المشار إليه كأن تقول: جاءنى الكامل الفاضل زيد، وهذا يستحق الإكرام، ولا على أن يكون ما هو جدير به واردا بعده كأن تقول: ويستحق الإكرام هذا، وحينئذ فالأولى للمصنف أن يقول: أو التنبيه عند الإشارة إلى موصوف على أن المشار إليه جدير بما أسند لاسم الإشارة من أجل كونه موصوفا
(قوله: أُولئِكَ عَلى هُدىً إلخ) أى: فقد أورد المسند إليه اسم إشارة، مع أن المحل للضمير لأجل تنبيه السامع على أن المشار إليه حقيق بالحكم المذكور بعد اسم الإشارة من أجل ما اتصف به من الصفات قبلها.
إن قلت: إن الضمير يدل على استحقاق الموصوفين بالحكم بعده. قلت: نعم هو- وإن دل على أنهم حقيقون به- إلا أنه لا يدل على أن الأوصاف السابقة هى العلة فى الاستحقاق بخلاف اسم الإشارة، فإنه يدل على ذلك؛ وذلك لأن اسم الإشارة موضوع للدلالة على المشار إليه والمشار إليه الذوات الموصوفة بالأوصاف السابقة وتعليق الحكم على موصوف يؤذن بعلية الوصف، بخلاف ما لو أتى بالضمير فإنه لا يفيد ملاحظة الأوصاف فى العلية وإن كانت موجودة؛ لأن الضمير موضوع للذات فقط- كذا قرر شيخنا العدوى.
(قوله: وهو الذين يؤمنون إلخ) فيه نظر من وجهين.
стр. 538
وغير ذلك. ثم عرف المسند إليه بالإشارة تنبيها على أن المشار إليهم أحقاء بما يرد بعد أُولئِكَ؛ وهو كونهم على الهدى، والفوز بالفلاح آجلا ...
===
الأول أن هذا البيان يقتضى أن الإيمان من المشار إليه لا من الأوصاف والبيان الآتى بعد ذلك يقتضى أنه من الأوصاف، فأول الكلام ينافى آخره.
الثانى: أن المشار إليه هو المتقين؛ لأنه الموصوف بالذين يؤمنون، فالأولى أن يقول:
وهو المتقين الذين يؤمنون وأجيب عن الأول بأن المراد بالذين يؤمنون: الذوات المجردة عن الإيمان، فتكون صفة الإيمان خارجة من المشار إليه بقرينة عدها من الأوصاف فيما يأتى، وإنما لم يعبر عن تلك الذوات بنفس الموصول لقبح ذكره بدون الصلة، وأجيب عن الثانى بأن أهل التفسير على أن الذين يؤمنون منقطع عما قبله على أنه خبر مبتدأ محذوف أو مفعول فعل محذوف، وحينئذ لا يكون هو المشار إليه. اهـ. غنيمى.
وفى الفنرى: إن الذين يؤمنون يمكن أن يجعل منقطعا عن المتقين على سبيل الاستئناف مرفوعا بالابتداء مخبرا عنه بأولئك على هدى وأن يجعل جاريا عليه كما ذكر فى الكشاف، فعلى التقدير الثانى يحسن أن تجعل الإشارة إلى أحدهما إشارة للآخر من غير تكلف؛ لأن الصفة والموصوف فى حكم شىء واحد، وأما على التقدير الأول فليس بذلك الحسن؛ لأن المراد بالمشار إليه المعنى الذى أشير باسم الإشارة إلى لفظه كما ينبىء عنه قوله: عقب المشار إليه بأوصاف، وذلك المعنى هو معنى الذين يؤمنون لا معنى المتقين وإن اتحدا فى الواقع ذاتا
(قوله: وغير ذلك) أى: كالإنفاق مما رزقوا
(قوله: تنبيها على أن إلخ) أى تنبيها بالإشارة فى أولئك الأول، والثانى وهذا يقتضى أن المشار إليه فى كليهما الموصولان بقطع النظر عن الكون على هدى، واختار العصام أن أولئك الأول إشارة لما ذكر من الموصولين، وفيه تنبيه على أنهم جديرون بأن يكونوا على هدى لأجل الأوصاف المتقدمة، وأن أولئك الثانى إشارة لما ذكر أيضا لكن مع زيادة كونهم على هدى، وفيه تنبيه على أنهم جديرون باستحقاق الفلاح؛ لأجل الأوصاف المتقدمة مع ما زيد بعد أولئك الأول من كونهم على هدى
(قوله: عاجلا) أى: فى الدنيا
(قوله: بالفلاح آجلا) أى: فى الآخرة والمراد به البقاء الا بدى فى النعيم.
стр. 539
من أجل اتصافهم بالأوصاف المذكورة (وباللام) أى: تعريف المسند إليه باللام (للإشارة إلى معهود)؛ ...
===
(قوله: من أجل اتصافهم بالأوصاف المذكورة) أى: بخلاف ما لو أتى بالضمير فإنه لا يفيد ملاحظة هذه الأوصاف، وإن كانت موجودة؛ لأن اسم الإشارة لكمال التمييز فيلاحظ معه الوصف بخلاف الضمير، فإنه موضوع للذات فقط.
[تعريف المسند إليه باللام]:
(قوله: وباللام) أى: على أحد الأقوال من أنها المعرفة، ومقابله أن المعرف ال (قوله للإشارة إلى معهود) أى: للدلالة على معين فى الخارج، فلا يقال: إنه أطلق المعهود مع أن نفس الحقيقة فى المعرف بلام الجنس معهودة أيضا كما يشير إليه قوله، وقد تأتى لواحد باعتبار عهديته، وحينئذ فلا تصح المقابلة، وحاصل الجواب أن المراد بالمعهود هنا المعين فى الخارج وأما الحقيقة فهى وإن كانت معهودة ومعينة، لكن فى الذهن، وحاصل ما ذكره المصنف أن لام التعريف على قسمين.
الأول: لام العهد الخارجى وتحته أقسام ثلاثة: صريحى وكنائى وعلمى؛ وذلك لأن مدخولها إن تقدم له ذكر صراحة كانت للعهد الصريحى، وإن تقدم له ذكر كناية كانت للعهد الكنائى، وإن لم يتقدم له ذكر أصلا، لكنه معلوم عند المخاطب سواء كان حاضرا أو لا فهى للعهد العلمى، والنحويون يسمون ما إذا كان مدخولها معلوما حاضرا بلام العهد الحضورى، وإن كان غير حاضر بلام العهد الذهنى.
القسم الثانى: لام الحقيقة وتحته أقسام أربعة: لام الحقيقة من حيث هى وتسمى بلام الجنس، ولام العهد الذهنى، ولام الاستغراق الحقيقى، ولام الاستغراق العرفى؛ وذلك لأن اللام إما أن يشار بها للحقيقة من حيث هى، وتسمى بلام الحقيقة ولام الجنس أو يشار بها للحقيقة فى ضمن فرد مبهم وتسمى بلام العهد الذهنى أو يشار بها للحقيقة فى ضمن جميع الأفراد، وتسمى بلام الاستغراق، وهو قسمان: إما حقيقى أو عرفى؛ لأنه إن أشير بها للحقيقة فى ضمن جميع الأفراد التى يتناولها اللفظ بحسب اللغة فهى للاستغراق الحقيقى، وإن أشير بها للحقيقة فى ضمن جميع الأفراد التى يتناولها اللفظ
стр. 540
أى إلى حصة من الحقيقة معهودة بين المتكلم والمخاطب واحدا كان أو اثنين أو جماعة؛ يقال: عهدت فلانا إذا أدركته ...
===
بحسب العرف فهى للاستغراق العرفى فظهر لك أن الأقسام سبعة، وأن لام العهد الذهنى عند البيانيين غيرها عند النحويين وستأتى هذه الأقسام كلها.
واختلف فى الأصل والحقيقة فقيل لام الحقيقة أصل ولام العهد الخارجى أصل آخر؛ وهو الذى أشار له المصنف والشارح وقيل الأصل لام العهد الخارجى. قال الحفيد: وهو المفهوم من الكشاف وسائر كتب القوم، وقيل لام الاستغراق وقيل الجميع أصول وقدم المصنف لام العهد الخارجى على لام الحقيقة؛ لأن المعرف بها أعرف من المعرف بلام الحقيقة ولكثرة أبحاث لام الحقيقة فلام العهد الخارجى كالبسيط بالنسبة للأخرى ولو أخر المعرف بلام العهد الخارجى لكثر الفصل بين القسمين.
(قوله: أى إلى حصة) أشار بهذا إلى أن المراد بالمعهود الحصة المعهودة؛ لأنها الكاملة فى المعهودية لوقوعه فى مقابلة نفس الحقيقة، والحصة والفرد عندهم بمعنى واحد أعنى: الطبيعة الكلية مع ما انضم إليها من التشخص، والتفرقة بينهما بأن الفرد عبارة عن المركب من الطبيعة والتشخص والحصة المعروضة للتشخص إنما هو اصطلاح المناطقة، وإنما اختار لفظ الحصة دون الفرد؛ لأن المتبادر من الفرد الشخص الواحد، والمعهود الخارجى قد يكون أكثر من واحد. فإن قلت: كون المراد بالحصة الفرد ينافيه ما بعده من التعميم أعنى: قوله واحدا كان أو أكثر. قلت: ليس المراد بالفرد الواحد الشخص بل المراد به ما قابل الحقيقة أعنى القدر، والجملة من الأفراد سواء كان واحدا أو أكثر، فقوله إلى حصة أى: إلى قدر. وجملة وقوله من الحقيقة أى: من أفراد الحقيقة، وإلا فالحقيقة لا تتبعض وقوله معهودة أى: تلك الحصة أى معينة
(قوله: واحدا كان) أى: تلك الحصة، فهذا تفصيل لها وذكر باعتبار أنها قدر، ويحتمل أن المراد واحدا كان ذلك المعهود وهو الحصة، وحينئذ فهو تعميم فى المعهود فى كلام المصنف، وذلك كما إذا قلت: جاءنى رجل أو رجلان أو رجال، فيقال لك أكرم الرجال أو الرجلين أو الرجل
(قوله: يقال عهدت إلخ) أى: يقال لغة وهذا استدلال على أن المراد بالمعهود
стр. 541
ولقيته وذلك لتقدم ذكره صريحا أو كناية (نحو: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى (١) أى:
ليس) الذكر (الذى طلبت) امرأة عمران (كالتى) أى: كالأنثى التى (وهبت) تلك الأنثى (لها) أى: لامرأة عمران، ...
===
المعين كما يفيده تفسيره بالحصة، فإن قلت ما ذكر من الدليل ليس فيه ذكر التعيين قلت: هو استدلال باعتبار اللازم؛ لأنه يلزم من إدراكه وملاقاته كونه معينا- قرره شيخنا العدوى.
(قوله: ولقيته) عطف سبب على مسبب
(قوله: وذلك) أى: العهد والتعين فى الحصة، ويحتمل أن المراد، وذلك أى: كون اللام للإشارة إلى معهود
(قوله: لتقدم إلخ) اعلم أن هذا التقدم شرط لصحة استعمال العرف فى الحصة كما فى المضمر الغائب، لا أنه قرينة لإرادة الحصة على ما وهم؛ لأنه يلزم أن يكون استعمال المعرف فيه مجازا مع كمال التعريف فيه
(قوله: أى ليس الذكر إلخ) إنما تعرض المصنف لتفسير الآية بخلاف الواقع بين المفسرين فيها، فقيل: إنه من كلام امرأة عمران وفى الكلام قلب أى: ليس الإنثى كالذكر فى التحرير وهو من تتمة تحسرها، فالمعنى: أتحسر على وضعها أنثى وعدم مساواتها للذكر فى التحرير فياليتها كانت ذكرا أو كانت مساوية له فى التحرير، وعلى هذا فاللام فيهما للجنس، ولا يصلحان مثالين للام العهد، وقيل: إنه من كلام الله تعالى تسلية لها والمعنى ليس الذكر الذى طلبته كالأنثى التى وهبت لها، بل الأنثى التى وهبت لها أعظم رتبة من الذكر الذى طلبته، وعلى هذا فاللام فيهما للعهد، فلما جرى الخلاف بين المفسرين فى الآية احتاج المصنف إلى تفسيرها بالقول الثانى حتى يتضح كونهما مثالين- قاله شيخنا العدوى.
(قوله: الذى طلبت) أى: بقولها إنى نذرت لك ما فى بطنى محررا؛ لأن هذا الكلام يتضمن طلبها أن يكون ما فى بطنها ذكرا وتجعله من خدم بيت المقدس؛ لأن خدمة بيت المقدس، إذ ذاك لا تصلح إلا للذكور دون الإناث. اهـ. نوبى.
стр. 542
فالأنثى إشارة إلى ما سبق ذكره صريحا فى قوله تعالى: قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى (١) لكنه ليس بمسند إليه، والذكر إشارة إلى ما سبق ذكره كناية فى قوله تعالى: رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فإن لفظ: ما، ...
===
(قوله: فالأنثى) أى فأل الداخلة على الأنثى إشارة أى مشار بها، وكذا يقال فى قوله بعد والذكر إشارة إلخ، وإنما قلنا ذلك؛ لأن المشير إنما هو اللام لا الذكر ولا الأنثى
(قوله: إلى ما سبق ذكره) أى: والمذكور معهود معين
(قوله: فى قوله تعالى قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى) أنث الضمير مع كونه راجعا ل (ما)؛ لأنه دار الأمر بين مراعاة المرجع، والحال التى هى بمنزلة الخبر أعنى أنثى، ورعاية الخبر أولى؛ لأنه محط الفائدة، وأما التأنيث فى قوله: فلما وضعتها فمراعاة للمعنى؛ لأن ما فى بطنها فى الواقع أنثى، وغاية ما قالوا: الأولى مراعاة لفظ ما وهذا لا ينافى أن مراعاة المعنى جائزة- قرر ذلك شيخنا العدوى.
(قوله: لكنه ليس بمسند إليه) أى: لأنه مجرور بالكاف خبر ليس فهو مسند، لكنه تنظير مناسب من حيث العهد الصريح
(قوله: كناية) يحتمل كما قاله عبد الحكيم:
أن المراد الكناية بالمعنى اللغوى وهو الخفاء؛ لأن فهم الذكر من لفظ ما الصادق بالذكر والأنثى فيه خفاء لعدم التصريح، وإن كان ذكر الوصف بعد ذلك أعنى محررا مبينا للمراد، وحينئذ فقول الشارح: إلى ما سبق ذكره كناية أى إلى ما سبق ذكره على وجه الكناية أى: على طريق فيه خفاء.
ويحتمل كما قال الفنرى: إن المراد بالكناية المصطلح عليها عند علماء البيان فتكون من أفراد الكناية المطلوب بها غير صفة، ولا نسبة وهو أن يتعين فى صفة من الصفات اختصاص بموصوف معين فتذكر تلك الصفة ليتوصل بها إلى الموصوف، فالتحرير من الصفات المختصة بالذكور. فلفظ ما فى بطنى باعتبار تقييده محررا ملزوم للذكر والذكر لازم له فقد أطلق اسم الملزوم، وأريد اللازم فالذكر لم يذكر صراحة بل كناية والمذكور صراحة ملزومه وهو ما فى البطن الموصوف بالتحرير، وجعل ذلك كناية
стр. 543
وإن- كان يعم الذك ور والإناث، لكن التحرير؛ وهو أن يعتق الولد لخدمة بيت المقدس إنما كان للذكور دون الإناث؛ وهو مسند إليه.
وقد يستغنى عن ذكره لتقدم علم المخاطب به نحو: خرج الأمير؛ إذا لم يكن فى البلد إلا أمير واحد (أو) للإشارة (إلى نفس الحقيقة) ومفهوم المسمى
===
ظاهر على مذهب المصنف القائل: إن الكناية أن يذكر اسم الملزوم ويراد اللازم، أما على طريقة السكاكى من أنها اللفظ المراد به ملزوم ما وضع له فلا يتأتى هنا لأن التحرير ليس لازما للذكر، إذ كثير من الذكور غير محرر.
(قوله: وإن كان يعم الذكور والإناث) أى: بحسب وضعها
(قوله: لكن التحرير إلخ) فيه نظر؛ لأن اختصاص التحرير بالذكر فى نفس الأمر لا ينافى عموم ما للذكر والأنثى بحسب الوضع، وحينئذ فلا يكون الذكر بخصوصه مذكورا، وأجيب بأن العموم فى ما إنما هو بحسب أصل الوضع، واختصاصه بالذكر فى الآية بواسطة القرينة وهو الوصف بالتحرير فصح أن يكون الذكر مذكورا كناية نظرا لتلك القرينة أهـ قرمى.
ثم إن الأنسب بقوله محررا أن يكون التحرير فى كلام الشارح مصدر حرر المبنى للمفعول فقوله عتق مبنى للمفعول
(قوله: وهو) أى: الذكر مسند إليه؛ لأنه اسم ليس
(قوله: وقد يستغنى إلخ) هذا مقابل لقوله وذلك لتقدم ذكره صريحا أو كناية
(قوله: لتقدم علم المخاطب به) أى: بالقرائن سواء كان ذلك المعلوم للمخاطب غير حاضر بالمجلس كما مثل الشارح أو حاضرا فيه كقولك لداخل البيت: أغلق الباب، ونحو قولك لمن فوق: سهمه القرطاس، فالعهد العلمى والحضورى من أقسام العهد الخارجى لتحقق المشار إليه باللام خارجا.
(قوله: إذا لم يكن إلخ) أى: فالقرينة حالية وهى انفراده فى البلد
(قوله: ومفهوم المسمى) هذا تفسير للحقيقة إشارة إلى أنه ليس المراد منها معناها المشهور وهو الماهية المتحققة أى: الموجودة فى الخارج وتوضيح ذلك أن الأمر باعتبار تحققه ووجوده فى الخارج يقال له حقيقة، وباعتبار تعقله فى الذهن سواء كان له وجود فى الخارج أم
стр. 544
من غير اعتبار لما صدق عليه من الأفراد (كقولك: الرجل خير من المرأة، ...
===
لا يقال له مفهوم، فهو شامل للماهيات الغير الموجودة، فأشار الشارح بالتفسير إلى أن المراد بالحقيقة ليشمل قولك العنقاء والغول، فإن (أل) فيهما جنسية، وإضافة مفهوم للمسمى بيانية أى: ومفهوم هو مسمى الاسم؛ لأن المفهوم قد يكون مسمى بأن يكون وضع له اسم، والمسمى قد لا يكون مفهوما كما إذا كان الموضوع له الاسم (ما) صدقا، وقد يكون المفهوم غير مسمى بأن كانت تلك الحقيقة المتعلقة ذهنا لم يوضع لها لفظ؛ فبين المفهوم والمسمى عموم وخصوص وجهى كخاتم فضة
(قوله: من غير اعتبار إلخ) بيان لنفس الحقيقة أى: من غير ملاحظة لما صدق عليه ذلك المفهوم من الأفراد ومن ذلك اللام الداخلة على المعرفات نحو: إنسان حيوان ناطق، والكلمة لفظ وضع لمعنى مفرد؛ لأن التعريف للماهية واللام الداخلة على موضوع القضية الطبيعية نحو:
الحيوان جنس، والإنسان نوع، وفى كلام الشارح نظر؛ لأن لام العهد الذهنى، ولام الاستغراق بقسميه اعتبر فيهما الأفراد مع أنهما من أقسام لام الحقيقة واعتبار الأفراد ينافى عدم اعتبارها، فلا يصح جعلهما من فروع لام الحقيقة، وأجيب بأن المراد من غير اعتبار للأفراد بالنظر لذات الكلام وقطع النظر عن القرائن، وذلك صادق بأن لا تعتبر الأفراد أصلا كما فى لام الحقيقة، أو تعتبر بواسطة القرائن كما فى لام العهد ولام الاستغراق، ويدل على هذا الجواب قول الشارح: فيما يأتى، فاللام التى لتعريف العهد الذهنى أو للاستغراق هى لام الحقيقة. حمل على ما ذكرنا بحسب المقام والقرينة، ويمكن الجواب أيضا بأن قول الشارح من غير اعتبار إلخ دخول على المثال إشارة إلى أن المثال المذكور من القسم الذى لا تعتبر فيه الأفراد، وأن المقسم هو اللام التى يشار بها إلى الحقيقة لا بهذا القيد، وأما بهذا القيد فهو القسم الأول، وقد أشار المصنف إلى القسم الثانى بقوله: وقد يأتى الواحد، وإلى الثالث بقوله: وقد يفيد الاستغراق، ومبنى الإشكال على أن قوله من غير اعتبار: تقييد للمقسم
(قوله: كقولك إلخ) أى: ومنه الكل أعظم من الجزء، والدينار خير من الدرهم
(قوله: الرجل خير من المرأة) أى: حقيقة الرجل الملحوظة ذهنا خير من حقيقة المرأة الملاحظة ذهنا، ولا ينافى هذا كون بعض أفراد
стр. 545
وقد يأتى) المعرف بلام الحقيقة (لواحد) من الأفراد (اعتبار عهديته فى الذهن) لمطابقة ذلك الواحد الحقيقى؛ ...
===
جنس المرأة خيرا من بعض أفراد جنس الرجل؛ لأن العوائق قد تمنع عما يستحقه الجنس.
قال ابن يعقوب: الأولى للمصنف أن يمثل بقولنا فى التعريف: الكلمة لفظ مفرد مستعمل، والإنسان الحيوان الناطق؛ لأن الحكم فى التعريف حقيقى مفهومى لا فردى بخلاف الحكم بالخيرية، فإن الفضل بين الذكوريه والأنوثية إنما تحقق من خصال الأفراد لا من تصور كل منها، لكن لما كان مآل التصور إلى الأفضلية فى الخارج ثبتت الأفضلية للحقيقة لذاتها لا من جهة التصور، فإن الشىء الذى هو فى قوة الحصول يثبت له حكم الحصول، ويصح أن يراعى فى الخيرية خيرية مجرد الذكورية على نفس الأنوثية من غير رعاية خصالها فيكون الحكم حقيقيا لا فرديا، فلا يحتاج إلى التأويل فتأمله.
ومن تعريف الجنس من غير هذا الباب قوله تعالى وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ (١) أى: جعلنا مبدأ كل شىء حى هذا الجنس الذى هو الماء، روى أنه تعالى خلق الملائكة من ريح خلقها من الماء، والجن من نار خلقها منه، وآدم من تراب خلقه منه.
(قوله: وقد يأتى المعرف بلام الحقيقة لواحد) قد للتحقيق لا للتقليل، وهذا إشارة إلى القسم الثانى من الأقسام الأربعة للام الحقيقية، ولم يقل وقد يقصد من المعرف بلام الحقيقة واحد؛ لأن الوحدة المهمة مستفادة من القرينة الخارجية، ولم تقصد من المعرف باللام وعبر هنا بقوله، وقد يأتى وفيما سيأتى بقوله: وقد يفيد إما للتفنن وإما لأن دلالة اللام فى الأول قوية؛ لأنها مصحوبة بالقرينة الدالة على البعضية، وفى الثانى ضعيفة؛ لأنها يكفى فيها القرينة الصارفة عن إرادة الحقيقة من حيث هى، ولا يحتاج إلى القرينة الدالة على الاستغراق (قوله لواحد) أى: مبهم
(قوله: من الأفراد) أى:
من أفراد الحقيقة
(قوله: باعتبار عهديته) أى: تعينه واستحضاره فى الذهن تبعا لتعين الحقيقة واستحضارها فيه، فالمعهود ابتداء هو الحقيقة، ولما كان استحضار الماهية يتضمن
стр. 546
يعنى: يطلق المعرف بلام الحقيقة الذى هو موضوع للحقيقة المتحدة فى الذهن على فرد ما موجود من الحقيقة ...
===
استحضار أفرادها كان كل واحد من الأفراد معهودا ذهنا، وبهذا اندفع ما يقال: إن الواحد من الأفراد هنا غير معين، وحينئذ فلا عهد فيه لا ذهنا ولا خارجا بل هو مبهم، فكيف يقول المصنف باعتبار عهديته فى الذهن؟ وحاصل الجواب أنه مبهم فى ذاته وعهديته إنما هى تبع لعهدية الماهية التى اشتمل عليها، فصح نسبة العهدية إليه بهذا الاعتبار، وقوله لمطابقة ذلك الواحد الحقيقة أى: المعهودة علة لعهديته، ومعنى مطابقة الواحد للحقيقة اشتماله عليها عند ابن الحاجب، أو صدق الحقيقة اشتماله عليه عند الشارح، وعلى الوجهين فالفرد المبهم باعتبار مطابقته للحقيقة المعلومة صار كأنه معهود أى: معلوم فله عهدية بهذا الاعتبار، فسمى معهودا ذهنيا- كذا فى سم عن الناصر اللقانى، ومثله فى عبد الحكيم.
وقيل فى قوله عهديته: حذف مضاف أى: باعتبار عهدية حقيقته، فالموصوف بالعهد إنما هو الحقيقة، وإليه مال العصام والصفوى، وإذا عهدت حقيقته عهد هو لمطابقة ذلك الواحد لها
(قوله: يعنى يطلق إلخ) أشار به إلى أن قول المصنف يأتى بمعنى يطلق، وأن اللام فى قوله لواحد بمعنى على
(قوله: المعرف بلام الحقيقة) صفة لمحذوف تقديره يعنى أن اسم الجنس المعرف بلام الحقيقة، وقوله الذى هو موضوع للحقيقة صفة للمعرف أى: الذى هو موضوع للحقيقة من غير نظر إلى فرد؛ لأن النظر إلى فرد ما أو لجميع الأفراد بالقرينة، لا بالوضع.
(قوله: المتحدة فى الذهن) أى: المعينة فى الذهن أو الموصوفة بالوحدة فى الذهن، ويلزمها التعيين، فالوحدة على كل حال خارجة عن الموضوع له، وفائدة هذا القيد الإشارة إلى صدق تعريف المعرفة على بلام الحقيقة أعنى: ما وضع ليستعمل فى شىء بعينه، فإن الماهية الحاصلة فى الذهن أمر واحد لا تعدد فيه فى الذهن إنما يلحقه التعدد بحسب الوجود
(قوله: على فرد ما موجود) متعلق بيطلق
(قوله: من الحقيقة) صفة لفرد أى على فرد من أفراد الحقيقة، وإلا فالحقيقة لا تتجزأ.
стр. 547
باعتبار كونه معهودا فى الذهن وجزئيا من جزئيات تلك الحقيقة مطابق إياها كما يطلق الكلى الطبيعى على كل جزئى من جزئياته ...
===
(قوله: باعتبار) متعلق بيطلق وقوله معهودا أى: معلوما ومعينا فى الذهن أى:
لا باعتباره بخصوصه، وإلا لكان مجازا من إطلاق المطلق على المقيد من حيث إنه مقيد قاله عبد الحكيم، وقوله وجزئيا عطف على معهودا من عطف العلة على المعلول أى:
إن عهديته باعتبار أنه جزئى من جزئيات الحقيقة التى هى مستحضرة فى الذهن ومعهودة فيه، وقوله مطابقا إياها أى: وباعتبار كونه مطابقا إياها أى: مشتملا عليها، ثم إن ظاهر قول الشارح- يعنى يطلق المعرف بلام الحقيقة على فرد باعتبار كونه معهودا فى الذهن- إنه يستعمل فى الفرد نفسه، لكن حقق فى المطول ما حاصله أنه يستعمل فى الفرد باعتبار وجود الحقيقة فيه فهو فى الحقيقة إنما أطلق على الحقيقة فى ضمن الفرد للقرينة، وإليه يشير قوله الآتى وهذا معناه نفس الحقيقة إلخ، وعبارته فى المطول: وتحقيقه أنه موضوع للحقيقة المتحدة فى الذهن، وإنما أطلق على الفرد الموجود منها باعتبار أن الحقيقة موجودة فيه، فجاء التعدد باعتبار الوجود لا باعتبار الوضع. اهـ.
وقد يقال: إن قوله هنا باعتبار كونه معهودا فى الذهن وجزئيا من جزئيات تلك الحقيقة مطابقا إياها بمنزلة قوله فى المطول باعتبار وجود الحقيقة فيه، إذ معنى اعتبار كونه جزئيا من جزئياتها اعتبار وجودها فيه فتفيد عبارته هنا أيضا أن الاستعمال فى الحقيقة، إنما هو فى الحقيقة فى ضمن الفرد- فتأمل.
(قوله: كما يطلق) راجع لقوله يطلق أى: يطلق إطلاقا كإطلاق الكلى الطبيعى أى: الذى يراد منه الحقيقة والطبيعة، والمراد بالإطلاق هنا الحمل، وذلك كالحيوان فى نحو قولك: هذا الفرس حيوان، والإنسان فى قولك: زيد إنسان، وإنما كان المراد بالإطلاق هنا الحمل؛ لأن الكلى لإيراد منه المفهوم والطبيعة إلا إذا كان محمولا، وأما لو كان موضوعا كان المراد منه الأفراد، وحينئذ فلا يكون طبيعيا- ذكره شيخنا الحفنى.
(قوله: كما يطلق الكلى الطبيعى) أى: المجرد من اللام، فالجامع إطلاق الكلى على فرد فى كل لكن المراد بالإطلاق فيما نحن فيه الذكر، وفى المشبه به المراد بالإطلاق الحمل- قرره شيخنا العدوى.
стр. 548
وذلك عند قيام قرينة دالة على أن ليس القصد إلى نفس الحقيقة من حيث هى هى بل من حيث الوجود، لا من حيث وجودها فى ضمن جميع الأفراد بل بعضها (كقولك: ادخل السوق؛ حيث لا عهد) فى الخارج، ومثله قوله تعالى: وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ (١) ...
===
(قوله: وذلك) أى إطلاق اسم الجنس المعرف على فرد معين فى الذهن
(قوله: على أنه ليس القصد إلى نفس الحقيقة من حيث هى هى) أى: كما فى لام الحقيقة، وقوله: بل من حيث الوجود أى: وجود الحقيقة
(قوله: من حيث هى هى) أى: من حيث هى نفسها مقصودة لا الأفراد فهى الثانية توكيد، والخبر محذوف
(قوله: من حيث وجودها فى ضمن جميع الأفراد) أى: كما فى لام الاستغراق الآتية
(قوله: بل بعضها) أى: بل من حيث وجودها فى بعضها
(قوله: ادخل السوق) أى: فقولك ادخل قرينة على أنه ليس المراد حقيقة السوق من حيث هى لاستحالة الدخول فى الحقيقة ولا الحقيقة فى ضمن جميع الأفراد لاستحالة دخول الشخص الواحد جميع أفراد السوق، فعلم من هذا أن المراد الحقيقة فى ضمن بعض الأفراد
(قوله: حيث لا عهد) بأن تتعدد أسواق البلد ولا تعين لواحد منها بين المتكلم والمخاطب
(قوله: فى الخارج) أى: لا مطلقا كما يوهمه إطلاق النفى لوجود العهد الذهنى، والحاصل أنه ليس المراد نفى العهد مطلقا، بل خصوص العهد الخارجى لوجود العهد الذهنى كما قدمه فى قوله: باعتبار عهديته فى الذهن، فلا تنافى قوله: حيث لا عهد، وقوله قبل ذلك: باعتبار عهديته فى الذهن، فلو فرض أن هناك عهدا خارجيا بان كان هناك سوق واحد كانت أل للعهد الخارجى.
(قوله وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ) أى: فرد من أفراد الحقيقة المعينة فى الذهن، وليس المراد حقيقة الذئب من حيث هى؛ لأنها لا تأكل ولا الحقيقة فى ضمن جميع الأفراد، وحاصل ما فى المقام أن المعرف بلام العهد الذهنى موضوع للحقيقة المتحدة فى الذهن، وإنما أطلق على الفرد الموجود منها باعتبار أن الحقيقة موجودة فيه لا باعتبار أنه
стр. 549
(وهذا فى المعنى كالنكرة) وإن كان فى اللفظ يجرى عليه أحكام المعارف من وقوعه مبتدأ وذا حال ووصفا للمعرفة وموصفا بها، ونحو ذلك. وإنما قال:
كالنكرة لما بينهما من تفاوت ما؛ وهو أن النكرة معناها بعض غير معين من جملة الحقيقة؛ وهذا معناه نفس الحقيقة، وإنما تستفاد البعضية من القرينة؛ كالدخول، والأكل فيما مر، فالمجرد، وذو اللام بالنظر إلى القرينة سواء، وبالنظر إلى أنفسهما
===
فرد وإلا لكان مجازا، فجاء التعدد باعتبار الوجود لا باعتبار الوضع
(قوله: وهذا) أى:
المعرف بلام العهد الذهنى
(قوله: فى المعنى كالنكرة) أى: بعد اعتبار القرينة؛ لأن المراد به بعد اعتبارها فرد مبهم، أما قبل اعتبارها فليس كالنكرة، إذ هو موضوع للحقيقة المعينة فى الذهن
(قوله: إن كان فى اللفظ) أى: والحال إنه تجرى عليه أحكام المعارف بالنظر للفظ يعنى غالبا لما سيأتى، وبقولنا بعد اعتبار القرينة اندفع ما يقال هذا الكلام يقتضى أن إجراء حكم المعرفة عليه ليس بحسب المعنى، نظرا إلى أنه فى المعنى نكرة، وليس كذلك، بل المعرف بلام العهد الذهنى معرفة بحسب اللفظ والمعنى؛ لأنه موضوع للحقيقة المعينة ومستعمل فيها، وحينئذ فإجراء أحكام المعارف عليه بحسب الأمرين جميعا
(قوله: من وقوعه مبتدأ) نحو: الذئب فى دارك، وقوله وذا حال نحو: رأيت الذئب خارجا من بيتك، وقوله وصفا للمعرفة نحو: زيد الكريم عندك، وقوله وموصوفا بها نحو: الكريم الذى فعل كذا فى دار صديقك
(قوله: ونحو ذلك) أى: كعطفه بيانا من المعرفة، والعكس نحو: زيد الكريم عندك، والكريم زيد عندك، وككونه اسم كان ومعمولا، أو لا لظن نحو: كان السارق الذى سرق متاعك فى محل كذا، وظننت السارق هالكا
(قوله: وهو أن النكرة) أى: نحو ادخل سوقا معناها أى: الوضعى وقوله من جملة الحقيقة أى: من جملة أفرادها، وإلا فالحقيقة لا تتجزأ
(قوله: وهذا) أى:
المعرف بلام العهد الذهنى نحو: ادخل السوق، وقوله معناه أى: الوضعى
(قوله: كالدخول) أى: فإنه إنما يتصور فى الأفراد الخارجية ولا يتصور فى الحقيقة
(قوله: فالمجرد) أى: من اللام نحو: سوقا، وقوله وذو اللام نحو: السوق، وقوله: بالنظر إلى القرينة قيد فى ذى اللام فقط، إذ المجرد استعماله فى الفرد لا يتوقف على القرينة
(قوله: سواء)
стр. 550
مختلفان، ولكونه فى المعنى كالنكرة قد يعامل معاملة النكرة ويوصف بالجملة؛ كقوله (١): ولقد أمر على اللئيم يسبنى.
===
فى أن المراد من كل بعض غير معين
(قوله: مختلفان) أى: لأن المنكر معناه بعض غير معين من أفراد الحقيقة، والمعرف معناه الحقيقة المعينة فى الذهن، وإنما أطلق على الفرد للقرينة باعتبار وجود الحقيقة فيه، فإفادة البعضية فى المجرد بالوضع وفى ذى اللام بالقرينة، وهذا الفرق الذى ذكره الشارح بناء على أن النكرة موضوعة للفرد المنتشر، فإن قلنا: إنها موضوعة للماهية فالفرق أن تعين الماهية وعهديتها معتبر فى مدلول المعرف بلام العهد الذهنى غير معتبر فى مدلول النكرة، وإن كان حاصلا فالفرق بين المعرف بلام العهد الذهبى والنكرة: كالفرق بين اسم الجنس المنكر: كأسد وعلم الجنس كأسامة؛ وذلك لأنه على القول بأن اسم الجنس المنكر موضوع للفرد المنتشر فالفرق بينهما ما قاله الشارح، وإن قلنا موضوع للماهية فالفرق ما قلناه، واعلم أن النكرة سواء قلنا: إنها للمفهوم أو للفرد المنتشر إنما تستعمل فى الفرد المنتشر، وإنما الخلاف فيما وضعت له.
(قوله: ويوصف بالجملة) الأولى التفريع بالفاء
(قوله: ولقد أمرّ على اللّئيم إلخ) تمامه: فمضيت ثمّت قلت لا يعنينى، عدل إلى المضارع فى" أمر" قصدا إلى الاستمرار، وقوله: فمضيت ثمت قلت أى: فأمضى ثم أقول، لكن عدل إلى الماضى دلالة على التحقيق، فكأنه قال: أمر دائما على لئيم عادته سبّى ومواظب على سبّى بأنواع الشتائم
стр. 551
(وقد يفيد) المعرف باللام المشار بها إلى الحقيقة (الاستغراق؛ نحو: إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (١)) أشير باللام إلى الحقيقة، لكن لم يقصد بها الماهية من حيث هى هى، ولا من حيث تحققها فى ضمن بعض الأفراد، بل فى ضمن الجميع،
===
فأمضى ولا التفت إليه ولا أشتغل بملامه، وأعرض عنه صونا لماء الوجه، ثم أقول لجماعة الخلان إنه لا يعنينى، وثم حرف عطف إذا لحقتها علامة التأنيث اختصت بعطف الجمل، وقوله: لا يعنينى أى: لا يريدنى، بل يريد غيرى من عناه إذا قصده، ويحتمل أن المراد لا يهمنى الاشتغال به والانتقام منه، من عنانى الأمر إذا أهمنى، والشاهد فى قوله: يسبنى، فإن الجملة صفة للئيم؛ لأن الشاعر لم يرد لئيما معينا، إذ ليس فيه إظهار ملكة الحلم المقصودة بالتمدح بها، ولا الماهية من حيث هى بقرينة المرور، ولا الاستغراق لعدم تأتى المرور على كل لئيم من اللئام، بل الجنس فى ضمن فرد مبهم فهو كالنكرة، فلذا جعلت الجملة صفة لا حالا، قال ابن يعقوب: ولم تجعل تلك الجملة حالا؛ لأن الغرض أن اللئيم دأبه السب ومع ذلك تحمله القائل وأعرض عنه، وليس الغرض تقييد السب بوقت المرور فقط كما هو مقتضى الحالية لإشعارها بالتحول فى أصلها- كذا قيل.
لكن المناسب لقوله: ثمت قلت لا يعنينى كونها حالية؛ لأن المتبادر من قوله:
قلت لا يعنينى أنه قال ذلك فى حال سماع حال المرور، لا أنه قاله فيمن دأبه السبّ ولو فى غير حال المرور. انتهى.
(قوله: وقد يفيد الاستغراق) أى: لجميع الأفراد وهذا هو القسم الثالث من أقسام لام الحقيقة، ثم إن ظاهر المصنف أن المعرف بلام الحقيقة موضوع لأمرين: الحقيقة وجميع الأفراد، وأنه يفيدهما لاطلاقه عليهما، وليس كذلك، بل هو موضوع للحقيقة المتحدة فى الذهن فقط، وإفادتها للاستغراق إنما هى من حيث تحقق الحقيقة فى جميع الأفراد، وأجاب الشارح عن نظير هذا فيما سبق، وحاصل الجواب عن ذلك أن يقال:
إن المراد أن المعرف باللام الموضوع للحقيقة المتحدة فى الذهن قد يطلق على جميع الأفراد
стр. 552
بدليل صحة الاستثناء الذى شرطه دخول المستثنى فى المستثنى منه لو سكت عن ذكره، فاللام التى لتعريف العهد الذهنى أو الاستغراق ...
===
من حيث تحقق الحقيقة فيها، وذلك عند قيام القرينة الدالة على أنه ليس القصد الحقيقة من حيث هى ولا من حيث وجودها فى فرد فيكفى فى الحمل على الاستغراق وجود القرينة الصارفة عن إرادة الحقيقة من حيث هى ومن حيث وجودها فى بعض الأفراد ولا تتوقف على وجود القرينة المعينة للاستغراق بخلاف الحمل على وجود الحقيقة فى فرد فإنه يتوقف على القرينة الدالة على البعضية فالقرينة فيه أقوى
(قوله: بدليل إلخ) هذا يقتضى أنه لا بد من قرينة معينة فى هذا النوع أيضا كالذى قبله، والحق خلافه؛ لأنه إذا لم تقم قرينة على إرادة الحقيقة ولا على الفرد الغير المعين حمل على الاستغراق، كما هو المأخوذ من كلام الكشاف، وقد يجاب بأن الشارح قصد التنصيص على المراد بوجود الدليل- قرره شيخنا العدوى.
(قوله: الذى شرطه دخول إلخ) أى: ودخوله فيه فرع عن العموم والعموم يدل على الاستغراق، ثم إن ما ذكر شرط بالنسبة للاستثناء المتصل لا مطلقا، وحاصل ذلك الدليل أن المستثنى منه كالإنسان يجب أن يكون المراد به كل فرد، إذ لو أريد به الحقيقة لما صح الاستثناء للأفراد لعدم تناول اللفظ لها، ولو أريد به بعض من الأفراد مبهم لما صح الاستثناء لعدم تحقق دخول المستثنى فى المستثنى منه، ولو أريد به بعض معين ليس من الذين آمنوا لما صح أيضا لعدم الدخول، ولو أريد بعض معين منه الذين آمنوا لورد أن إرادة البعض دون البعض ترجيح بلا مرجح، فتعين إرادة جميع الأفراد، ثم إن دلالة الاستثناء على الاستغراق بناء على القول إنه يجب فى الاستثناء دخول المستثنى فى لفظ المستثنى منه، أما على القول بأنه يكفى فى صحة الاستثناء جواز الدخول فلا دلالة للاستثناء حينئذ على الاستغراق- قاله سم.
(قوله: فاللام التى لتعريف العهد) أى: لتعريف المعهود فهو مصدر بمعنى اسم المفعول، وهذا تفريع على إرجاع الضمير فى قد يأتى، وقد يفيد للمعرف بلام الحقيقة أى:
فعلم أن اللام إلخ، إذ المتفرع على الإرجاع علم ذلك لا نفسه
(قوله: أو الاستغراق)
стр. 553
هى لام الحقيقة حمل على ما ذكرنا بحسب المقام، والقرينة؛ ولهذا قلنا: إن الضمير فى قوله: وقد يأتى، وقد يفيد- عائد إلى المعرف باللام المشار بها إلى الحقيقة، ...
===
عطف على العهد والاستغراق بمعنى المستغرق فهو مصدر بمعنى اسم الفاعل، أو أن الاستغراق باق على مصدريته وهو عطف على تعريف
(قوله: هى لام الحقيقة) أى:
هى من أفراد لام الحقيقة
(قوله: حمل) أى: مدخولهما، وقوله على ما ذكرنا أى من الحقيقة فى ضمن فرد غير معين فى الأول أو فى ضمن جميع الأفراد فى الثانى، فالحاصل أن لام الحقيقة هى الأصل، لكن تارة يقصد من مدخولها الحقيقة من حيث هى، وتارة يقصد منه الحقيقة من حيث تحققها فى بعض الأفراد، وتارة يقصد منه الحقيقة من حيث تحققها فى جميع الأفراد، فالمنظور له الحقيقة فى الكل دون بعض الأفراد أو كلها، وأما لام العهد الخارجى فهى قسم برأسها أصل لكل خارج كما تقدم للمنصف، واعترض بأن هذا تحكم، ولم لم تجعل التى للعهد الخارجى من أفراد لام الحقيقة بحيث يقال فيها:
إن الإشارة بتلك اللام للحقيقة من حيث تحققها فى فرد معين فى الخارج لتقدمه ذكرا صراحة أو كناية أو لعلم المخاطب به؟ ويمكن الجواب بأنه إنما جعلت قسما لكون التعيين فيها أشد من التعيين فى لام الحقيقة، وجعل بعضهم كل واحد أصلا مستقلا على حدة، وبعضهم جعل الكل فرع التى للحقيقة، وبعضهم جعل لام العهد الخارجى أصلا للكل فما عداها من فروع، وهذا الخلاف لا طائل تحته، وذكر الحفيد أنه إن قلنا:
إن النكرة موضوعة للفرد المنتشر كانت أل التى للعهد الذهنى هى الأصل؛ لأنها أبقت مدخولها على حاله، وإن كانت موضوعة للماهية لا بقيد الاستحضار كانت لام الحقيقة هى الأصل وما عداها من فروعها وذلك أن معنى اللام الإشارة إلى معنى ما دخلت عليه فظهر لك أن جملة الأقوال خمسة.
(قوله: والقرينة) عطف تفسر على ما قبله
(قوله: ولهذا) أى: ولأجل كون لام العهد الذهنى ولام الاستغراق من فروع لام الحقيقة
(قوله: عائد إلى المعرف باللام إلخ) أى: وليس عائدا على المعرف باللام مطلقا لعدم إفادته أن هذين القسمين من أفراد لام الحقيقة، ومما يدل على أن الضمير عائد على المعرف بلام الحقيقة كما قال الشارح لا
стр. 554
ولا بد فى لام الحقيقة من أن يقصد بها الإشارة إلى الماهية باعتبار حضورها فى الذهن؛ ليتميز عن أسماء الأجناس النكرات ...
===
إلى المعرف بمطلق اللام تغيير المصنف الأسلوب، حيث قال: وقد يأتى، وقد يفيد، ولم يقل أو للإشارة إلى واحد معهود فى الذهن أو للإشارة إلى الاستغراق- تأمل.
(قوله: ولا بد إلخ) اعلم أن اسم الجنس المنكر إذا كان مصدرا، فإنه يدل على الحقيقة قطعا لوضعه لها: كذكرى وبشرى ورجعى، كما أن اسم الجنس المعرف يدل عليها قطعا من غير نزاع فيهما، وإن كان اسم الجنس المنكر غير مصدر: كأسد ورجل ففيه نزاع. قيل إنه موضوع للفرد المنتشر، وقيل موضوع للماهية، إذا علمت ذلك فيرد سؤال حاصله أن لام الحقيقة الداخلة على اسم الجنس، إما أن يقصد بها الإشارة إلى الماهية من حيث هى أى: من غير اعتبار تعينها وحضورها فى الذهن، وإما أن يقصد بها الإشارة إلى الماهية باعتبار تعينها وحضورها فى الذهن، فإن قلتم بالأول:
لزم عدم الفرق بين اسم الجنس المعرف والمنكر المصدر نحو: ذكرى والذكرى ورجعى والرجعى، فإن كلا منهما موضوع للماهية، والقول بعدم الفرق بطل لضرورة الفرق بين المعرف والمنكر، وإن قلتم بالثانى: لزم عدم الفرق بين المعرف بلام الحقيقة ولام العهد الخارجى العلمى؛ لأن كلا منهما إشارة إلى حاضر معين فى الذهن، وهذا البحث أورده صاحب المفتاح على هذا المقام، وأشار الشارح لجوابه بقوله: ولا بد إلخ، وحاصله أنا نختار الثانى: وهو أن لام الحقيقة الداخلة على اسم الجنس يقصد بها الإشارة إلى الماهية باعتبار حضورها فى الذهن، ولا نسلم لزوم عدم الفرق بين المعرف بلام الحقيقة والمعرف بلام العهد الخارجى العلمى؛ وذلك لأن المشار إليه بلام الحقيقة هو الحقيقة الحاضرة فى الذهن، والمشار إليه بلام العهد المذكور حصة من أفراد الحقيقة معينة فى الذهن، وفرق بين الحقيقة والحصة منها
(قوله: ليتميز) أى: اسم الجنس المعرف المفهوم من المقام فهو بالياء التحتية (قوله عن أسماء الأجناس النكرات) أى: فإن الإشارة بها إلى الماهية لا باعتبار كونها حاضرة فى الذهن، وإن كانت حاضرة فيه ضرورة أنها موضوع لها، ولا يضع الواضع لفظا لمعنى إلا إذا كان حاضرا فى ذهنه، فالحضور جزء
стр. 555
مثل: الرجعى، ورجعى، ...
===
المسمى بالنسبة للام الحقيقة دون أسماء الأجناس النكرات فهو ملاحظ فى الأول على سبيل الجزئية ومصاحب فى الثانى، وهذا مبنى على المشهور من أن المراد بالذهن ذهن الواضع.
وأما على ما نقله شيخنا العلامة السيد البليدى فى حواشى الأشمونى: من أن المراد بالذهن ذهن المخاطب، فيكون الحضور فى ذهنه معتبرا فى الأول على سبيل الجزئية، وأما فى الثانى: فهو غير معتبر ولا مصاحب، ثم إن المراد بقول الشارح ليتميز عن أسماء الأجناس النكرات أعنى: المصادر لا النكرات غيرها فلا يقال ما هنا مخالف لما مر من أن النكرة موضوعة لبعض غير معين من أفراد الحقيقة؛ لأن هذا بالنسبة للنكرة التى هى غير مصدر، والدليل على أن المصادر موضوعة للماهية المطلقة مجرة عن الوحدة أن قولك: ضربت ضربا لا إشعار له بالوحدة، فإن أردت الوحدة أتيت بالتاء فقلت: ضربة، أو بالوصف فقلت: ضربا واحدا، ويدل لذلك أيضا أن المصادر لا تثنى ولا تجمع، فإن قلت: إذا كان اسم الجنس المعرف يشار به للحقيقة باعتبار الحضور صار بمنزلة علم الجنس، فإنه أيضا موضوع للماهية بقيد الحضور فكل منهما معتبر فيه الحضور الذهنى جزءا من الموضوع له فما الفرق بينهما؟ قلت الفرق أن الواضع اعتبر فى دلالة اسم الجنس على الحضور والتعين قرينة خارجية زائدة على اللفظ الدال على الجنس وهى أل فكأن الواضع قال: وضعت الرجعى للدلالة على الماهية الحاضرة فى الذهن بشرط اقترانه بأل بخلاف علم الجنس كأسامة، فإنه لم يعتبر فيه ذلك بل جعله موضوعا للماهية الحاضرة فى الذهن، ولم يعتبر فى دلالته على التعين والحضور قرينة خارجية، بل جعله مفيدا لذلك بجوهر اللفظ، وحاصله أن علم الجنس يدل على التعين والحضور الذى هو جزء المسمى بجوهر اللفظ، واسم الجنس المعرف يدل على ذلك بالآلة
(قوله: النكرات) اعترضه الغنيمى بأنه كيف يوصف الجنس بالنكرة عند من يفرق بينهما، وأجاب بأن المراد من قوله النكرات التى ليس فيها أل
(قوله: مثل الرجعى) مثال للمعرف بلام الحقيقة، وقوله: ورجعى مثال لأسماء الأجناس النكرات
стр. 556
وإذا اعتبر الحضور فى الذهن فوجه امتيازه عن تعريف العهد أن لام العهد إشارة إلى حصة معينة من الحقيقة واحدا كان أو اثنين، أو جماعة، ولام الحقيقة إشارة إلى نفس الحقيقة من غير نظر إلى الأفراد؛ فليتأمل.
(وهو) أى: الاستغراق (ضربان: حقيقى) وهو أن يراد كل فرد مما يتناوله اللفظ بحسب اللغة (نحو: عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ (١) ...
===
(قوله: وإذا اعتبر الحضور فى الذهن) أى: فى المعرف بلام الحقيقة
(قوله: فوجه امتيازه) أى: تعريف لام الحقيقة
(قوله: عن تعريف العهد) أى: الخارجى العلمى
(قوله: إلى حصة معينة من الحقيقة) أى: فى الذهن، والخارج معلومة للمخاطب
(قوله: ولام الحقيقة) أى: من حيث هى، فالقصد الفرق بين لام العهد الخارجى العلمى، والقسم الأول من أقسام لام الحقيقة كما هو مفاد كلام الشارح فى المطول، لا الفرق بين لام العهد الخارجى بأقسامه، ولام الحقيقة، بأقسامها كما قيل.
(قوله: وهو أى الاستغراق) أى: من حيث هو لا فى خصوص المسند إليه، فلا يرد عليه أن الغيب فى المثال الأول مجرور، والصاغة مفعول به فى المثال الثانى
(قوله: وهو أن يراد إلخ) فيه أن الإرادة فعل المتكلم، والاستغراق وصف للفظ، وأجيب بأن الإرادة سبب للاستغراق الذى هو تناول اللفظ لكل فرد، فهو من إطلاق السبب وإرادة المسبب
(قوله: بحسب اللغة) فيه نظر؛ لأنه يقتضى أنه إذا أريد كل فرد مما يتناوله اللفظ بحسب وضع الشرع، أو بحسب العرف الخاص لا يكون الاستغراق حقيقيا، وليس كذلك، بل إذا أريد بالصلاة جميع أفرادها نظرا إلى وضع الشرع، أو بالفاعل جميع أفراده نظرا إلى وضع النحاة يكون الاستغراق حقيقيا، فالأولى أن يقول بحسب الوضع بدل قوله بحسب اللغة، وقد يجاب بأنه إنما اقتصر على اللغة؛ لأنها الأصل فلا ينافى ما قلناه وليس القصد الاحتراز عما ذكرناه. والحاصل أن ذكر اللغة إنما هو على طريق التمثيل والمراد بحسب اللغة أو الشرع أو الاصطلاح أعم من أن يكون بحسب المعنى الحقيقى أو المجازى. اهـ. عبد الحكيم.
стр. 557
أى: كل غيب وشهادة، وعرفى) وهو أن يراد كل فرد مما يتناوله اللفظ بحسب متفاهم العرف (نحو: جمع الأمير الصاغة؛ أى: صاغة بلده أو) أطراف (مملكته)؛ لأنه المفهوم عرفا، لا صاغة الدنيا، قيل: المثال مبنى على مذهب المازنى، وإلا فاللام فى اسم الفاعل عند غيره موصولة؛ وفيه نظر؛ ...
===
(قوله: أى كل غيب) أى: كل غائب عنا وكل شهادة أى: كل مشاهد لنا
(قوله: بحسب متفاهم العرف) أى: بحسب فهم أهل العرف العام، وأما ما كان بحسب العرف الخاص فهو داخل فى الحقيقى- كما تقدم.
(قوله: الصاغة) أصله صوغة من الصوغ تحركت الواو وانفتح ما قبلها قلبت ألفا، والمراد ببلده بلده التى هو فيها
(قوله: أو أطراف مملكته) عبر عن المملكة بتمامها بالأطراف على طريق الكناية، أو يقال إذا جمع ما فى الأطراف فأولى من كان فى الوسط ومن عنده
(قوله: لأنه المفهوم عرفا لا صاغة الدنيا) وذلك لأن العرف لا يحمل الحقيقة على الحقيقة المطلقة، بل على الحقيقة المقيدة بقيد تقتضيه القرائن الحالية فيكون الحكم فيه على كل فرد من أفراد الحقيقة المقيدة، لا على كل فرد من أفراد الحقيقة المطلقة كما فى هذا المثال المذكور فإن الصاغة بحسب حقيقتها شاملة لجميع صاغة الدنيا، لكن القرائن خصتها بصاغة بلد الأمير أو صاغة مملكته، إذ يعلم العقل أن الأمير لا يقدر على جمع صاغة الدنيا فتعين أن المراد بها الصاغة الموجودة فى بلده أو فى مملكته، فحيث جمع الأمير صاغة بلده أو مملكته، وقلنا جمع الأمير الصاغة يكون الاستغراق بحسب جمع الصاغة المخصوصة، لا الصاغة المطلقة. اهـ. قرمى.
(قوله: على مذهب المازنى) (١) القائل إن أل الداخلة على اسم الفاعل، واسم المفعول معرفة لا موصولة
(قوله: وإلا فاللام إلخ) أى: وإلا نقل: إن المثال مبنى على مذهبه، بل على مذهب الجمهور فلا يصح؛ لأن أل الداخلة على اسم الفاعل، وكذا اسم المفعول عندهم موصولة لا معرفة
(قوله: وفيه) أى: فى هذا القيل- المفيد أن الخلاف
стр. 558
لأن الخلاف إنما هو فى اسم الفاعل بمعنى الحدوث دون غيره؛ نحو: المؤمن، والكافر، والعالم، والجاهل؛ لأنهم قالوا: هذه الصفة فعل فى صورة الاسم، فلابد فيه من معنى الحدوث، ولو سلم فالمراد تقسيم مطلق الاستغراق سواء كان بحرف التعريف، أو غيره، ...
===
فى اسم الفاعل، واسم المفعول مطلقا- نظر
(قوله: لأن الخلاف) أى: بين المازنى وغيره، وقوله فى اسم الفاعل أى: وكذا فى اسم المفعول
(قوله: بمعنى الحدوث) أى: ملتبسا بمعنى الحدوث وإضافة معنى للحدوث بيانية وهو من ملابسة الدال للمدلول أى: إذا كان متلبسا بالدلالة على الحدوث والمراد بالحدوث تجدد الحدث باعتبار زمنه
(قوله: دون غيره) وهو ما إذا أريد بهما الدوام والثبات، وإلا كانت معرفة اتفاقا؛ لأنهما حينئذ من جملة الصفة المشبهة- كذا فى المطول، قال عبد الحكيم: ولعل قوله اتفاقا إشارة إلى عدم الاعتداء بقول من قال: إن اللام فيه أيضا موصولة كما فى المغنى.
(قوله: نحو إلخ) هذا مثال للغير ومثل العالم والجاهل الصائغ، وحينئذ فأل الداخلة عليه معرفة اتفاقا
(قوله: لأنهم) أى: الجمهور، وهذا علة لكون أل فى اسم الفاعل بمعنى الحدوث موصولة
(قوله: هذه الصفة) أى: اسم الفاعل واسم المفعول وفى بعض النسخ هذه الصلة أى: صلة أل وقوله فعل إلخ، أى: وأل المعرفة لا تدخل على الفعل
(قوله: فلا بد فيه من معنى الحدوث) أى: لأنه معتبر فى الفعل فعلم من هذا أنهما لا يكونان فعلين فى صورة الاسم إلا إذا قصد بهما الحدوث، أما إذا قصد بهما الدوام كانا اسمين حقيقة ولم يكن أحدهما فعلا فى صورة الاسم
(قوله: ولو سلم إلخ) أى: لو سلم جريان الخلاف فى اسم الفاعل سواء كان بمعنى الحدوث أو الثبوت، وأن أل فى الصائغ ليست معرفة على مذهب الجمهور، بل موصوله
(قوله: فالمراد) أى: فالكلام صحيح؛ لأن المراد أى: لأن مراد المصنف تقسيم مطلق الاستغراق، وعليه فقوله وهو قسمان فيه استخدام أى: والاستغراق مطلقا لا بقيد كونه بأل قسمان، وحينئذ فالمثال صحيح ولا يحتاج لتخريجه على القول الضعيف، وهو قول المازنى
(قوله: أو غيره) أى:
كالإضافة والموصول.
стр. 559
والموصول أيضا مما يأتى للاستغراق؛ نحو: أكرم الذين يأتونك إلا زيدا، واضرب القائمين إلا عمرا ...
===
(قوله: والموصول أيضا إلخ) من تتمة قوله: ولو سلم إلخ
(قوله: مما يأتى للاستغراق) أى: لأن الموصول كالمعرف باللام يأتى لمعان أربعة، فالأصل فيه العهد والجنس- قاله عبد الحكيم.
(قوله: نحو أكرم الذين يأتونك إلخ) أى: فالمراد كل فرد من الآنين لك بدليل الاستثناء.
(قوله: واستغراق المفرد أشمل إلخ) هذه مسألة مستقلة وفائدة جديدة لها تعلق بما قبلها، وحاصلها أن اسم الجنس المفرد إذا دخلت عليه أداة الاستغراق كان شموله للأفراد وتناوله لها أكثر من شمول المثنى والجمع الداخل عليهما أداة الاستغراق، ومراده بالمفرد ما هو مفرد فى المعنى سواء كان مفردا فى اللفظ أيضا أولا: كالجمع المحلى باللام الذى بطل فيه معنى الجمعية نحو: لا أتزوج النساء، فإن المراد واحدة من النساء، والمراد بالجمع ما كان جمعا فى المعنى سواء كان جمعا فى اللفظ أيضا أولا نحو: قوم ورهط، واعترض بأن هذا منقوض بقولك: لا يرفع هذا الحجر العظيم كل رجال فإنه أشمل من قولك لا يرفعه كل رجل؛ لأنه يلزم من كونه لا يرفعه الجمع أنه لا يرفعه الواحد بخلاف العكس، وبقولنا هذا الخبز يشبع كل رجال فإنه أشمل من قولنا: هذا الخبز يشبع كل رجل؛ لأنه يلزم من كونه يشبع الجمع أن يشبع الواحد بخلاف العكس، فلا ينبغى أن يطلق القول بأن استغراق المفرد أشمل، بل تارة يكون استغراقه أشمل وتارة يكون استغراق غيره أشمل كما فى المثالين السابقين، وأجيب بأن المراد الأشملية بحسب الوضع، والنظر إلى المدلول المطابقى، والأشملية فى المثالين المذكورين بالالتزام لأن الحكم على الكل يستلزم الحكم على كل واحد على أن الكلام فى الاستغراق المفاد بالمفرد أو بالجمع، والمفيد للاستغراق فى المثالين لفظ كل الواقع قبل المفرد وقبل الجمع، واعلم أن هذا إنما يرد على المصنف بناء على جعل قوله: واستغراق المفرد أشمل، قضية كلية كما هو المتبادر من كون موضوعها مصدرا مضافا، أما على جعلها جزئية أى: قد يكون أشمل فلا يتوجه عليه شىء من ذلك.
стр. 560
(واستغراق المفرد) سواء كان بحرف التعريف، أو غيره (أشمل) من استغراق المثنى، والمجموع؛ بمعنى أنه يتناول كل واحد من الأفراد، والمثنى إنما يتناول كل اثنين اثنين، والجمع إنما يتناول كل جماعة جماعة (بدليل صحة: لا رجال فى الدار إذا كان فيها رجل أو رجلان دون: لا رجل) فإنه لا يصح إذا كان فيها رجل أو رجلان؛ ...
===
(قوله: سواء كان بحرف التعريف) أى: سواء كان المفرد ملتبسا بحرف التعريف وهو ما نحن بصدده، وقوله: أو غيره كحرف النفى فى النكرة، ولأجل هذا التعميم لم يقل المصنف واستغراق المفرد المحلى باللام
(قوله: يتناول كل واحد) أى:
سواء كان منفردا أو من أجزاء التثنية أو الجمع، فالحكم على الواحد يستغرق آحاد التثنية وآحاد الجمع، وذلك لتركب كل واحد منهما من آحاده وهى جزءان أو أجزاء هى آحاد المفرد التى استقل كل واحد منها بالحكم بخلاف التثنية والجمع، فالتثنية تتناول كل اثنين اثنين فلا يتسلط الحكم عليه على جزئهما وهو مدلول المفرد والجمع يتناول كل جماعة جماعة فلا يتسلط الحكم عليه على جزئهما الذى هو المفرد، وإيضاح ذلك أنك إذا قلت: لا رجل فى الدار فقد نفيت الحقيقة باعتبار تحققها فى فرد سواء كان الفرد منفردا أو من أجزاء المثنى أو من أجزاء الجمع، فلا يصح لك أن تقول حينئذ بعد: بل رجلان أو رجال، وأما قولك: لا رجلين أو رجال فى الدار فقد نفيت الحقيقة باعتبار تحققها فى اثنين اثنين أو ثلاثة ثلاثة، وهذا لا ينافى وجودها فى فرد باعتبار المثنى أو فرد أو فردين بالنظر للجمع؛ فتحصل من ذلك أن استغراق المفرد يشمل كل واحد واحد، واستغراق المثنى يشمل كل اثنين اثنين ولا ينافيه خروج الواحد، واستغراق الجمع إنما يتناول كل جماعة جماعة ولا ينافيه خروج الواحد ولا الاثنين
(قوله: والمثنى إنما يتناول كل اثنين اثنين) أى: وهذا لا ينافى خروج الواحد
(قوله: والجمع إنما يتناول كل جماعة جماعة) أى: وهذا لا ينافى خروج الواحد والاثنين، وإنما كان استغراق الجمع يتناول كل جماعة جماعة؛ لأن الاستغراق عبارة عن شمول أفراد مدلول اللفظ ومدلول صيغة الجمع جماعة، وكذا يقال فى المثنى (قوله بدليل صحة إلخ) المراد بالصحة الصدق أى:
وبدليل صحة كل رجال جاءونى مع تخلف رجل أو رجلين دون كل رجل جاءنى.
стр. 561
وهذا فى النكرة المنفية مسلم، وأما فى المعرف باللام فلا، بل الجمع المعرف بلام الاستغراق يتناول كل واحد من الأفراد على ما ذكره أكثر أئمة الأصول، والنحو، ودل عليه الاستقراء، وأشار إليه أئمة التفسير؛ ...
===
(قوله: وهذا) أى: ما ذكره المصنف من أن استغراق المفرد أشمل مسلم فى النكرة المنفية كما فى المثال
(قوله: فلا) أى: فلا يسلم الشمول
(قوله: بل الجمع المعرف بلام الاستغراق) نحو إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ (١) الآية فإن المراد كل فرد؛ ونحو:
وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٢) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها (٣) ونحو: إنى أحب المسلمين إلا زيدا، فإن المراد كل فرد لا كل جمع، وإلا لقيل إلا الجمع الفلانى
(قوله: يتناول إلخ) أى: وحينئذ فهو مساو للمفرد فى الشمول، فلا تصح دعوى المصنف أشملية المفرد على الجميع فيما إذا كان الجمع معرفا بلام الاستغراق، هذا حاصل اعتراض الشارح على المصنف.
وقد يجاب بأن لام الجنس إذا دخلت على جمع أبطلت منه معنى الجمعية فصار مساويا للمفرد فى الشمول، فكلام المصنف تبعا لعلماء المعانى على تقدير ما إذا بقى الجمع على معناه الأصلى ولم يبطل منه معنى الجمعية التى أقلها ثلاثة أفراد بدخول أل الجنسية عليه، وكلام علماء الأصول والنحو والتفسير فيما إذا زال منه معنى الجمعية بدخول لام التعريف عليه، فظهر لك من هذا أن الخلاف الواقع فى أن الجمع آحاده أفراد أو جموع، والحق الثانى هذا فى الجمع المنكر، وأما الجمع المعرف بلام الاستغراق فآحاده أفراد قولا واحدا.
وأجاب بعضهم بجواب آخر حاصله: أن كلام المتن مخصوص بالنكرة المنفية بدليل: قوله بدليل صحة إلخ، فالاعتراض مدفوع من أصله، وعلى هذا فتعميم كلام الشارح كلام المتن بقوله سواء كان بحرف التعريف أو غيره فى حيز المنع.
стр. 562
وقد أشبعنا الكلام فى هذا المقام فى الشرح فليطالع ثمة، ...
===
(قوله: وقد أشبعنا الكلام فى هذا المقام) أى: بإيراد الأمثلة والشواهد الدالة على أن الجمع المعرف باللام مساو للمفرد فى الاستغراق، وإن كان بينهما فرق من حيث إن المفرد المستغرق لا يستثنى منه إلا الواحد، فلا يجوز أن تقول: الرجل يرفع هذا الحجر إلا الزيدين معا، أو إلا ثلاثتكم معا، وأما قوله تعالى إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا (١) فمعناه إلا كل واحد من الذين آمنوا بخلاف الجمع المعرف بلام الاستغراق فيصح استثناء الواحد والمثنى والجمع منه نحو: لقيت العلماء إلا زيدا، أو إلا الزيدين، أو إلا الزيدين؛ وذلك لأن الجمع المحلى باللام فى مثل هذا الموضع يستعمل بمعنى منكر مضاف إليه كل فرد وغيره، فمعنى: لقيت العلماء إلا زيدا أى: كل عالم وكل عالمين وكل علماء أفاده عبد الحكيم.
قال العلامة اليعقوبى: وإنما حمل الجمع المعرف بلام الاستغراق المفرد؛ لأنه إن حمل على استغراق آحاد الجموع الذى هو مقتضى أصل دلالته لزم فى مضمونه التكرار، وأن لا يكون له آحاد متميزة؛ لأن الثلاثة مثلا من آحاده، فإذا زيد عليها واحد كانت أربعة وكان المجموع من آحاده فيدخل الأحد الأول فى الثانى، وإذا زيد واحد وكان خمسة لزم فيه دخول الأربعة فيتكرر فيه كل فرد مع ما بعده إلى غير النهاية، بل مجموع الأفراد حينئذ موجب لتكرير جميع ما قبله؛ لأنه جماعة يدل عليها الجمع فحينئذ لا يتحقق للجمع آحاد فيها يجرى العموم كما يجرى فى المفرد؛ فلذلك جعلت آحاده آحاد المفرد التى لا يدخل بعضها فى بعض. انتهى كلامه. وإيضاحه أن الثلاثة مثلا جماعة فتندرج فى الجمع بنفسها لكونها من آحاده وجزء من الأربعة والخمسة وما فوقها التى هى من آحاد الجمع فتكون الثلاثة مندرجة فى الجمع فى ضمنها فآل الأمر إلى أن الثلاثة مندرجة تحت الجمع مرتين: مرة من حيث إنها من آحاده، ومرة من حيث إنها جزء من الأربعة والخمسة مثلا التى هى من آحاده، فحمل الجمع المعرف فى استغراقه على استغراق الجمع موجب للتكرار، وأيضا الكل من حيث هو كل جماعة
стр. 563
ولما كان هاهنا مظنة اعتراض؛ وهو أن إفراد الاسم يدل على وحدة معناه، والاستغراق على تعدده، وهما متنافيان- أجاب عنه بقوله (ولا تنافى بين الاستغراق وإفراد الاسم؛ ...
===
فلو اعتبر فى استغراق الجمع كل واحد واحد منها لكان تكرار محضا، ولذلك ترى الأئمة يفسرون الجمع المستغرق، إما بكل واحد واحد، وإما بالمجموع من حيث هو مجموع.
(قوله: ولما كان هاهنا) أى: هذا الموضع وهو قوله: واستغراق المفرد أشمل، وقوله مظنة اعتراض أى: موضع اعتراض مظنون، وحاصله أنه ينبغى أن لا يجوز إدخال أداة الاستغراق على اسم الجنس المفرد؛ لأن الاسم لكونه فى مقابلة التثنية والجمع يدل بإفراده على وحدة معناه بمعنى أنه لا يكون آخر معه مثله، وأداة الاستغراق الداخلة عليه تدل على تعدده، وأن معه آخر مثله، ويمتنع أن يكون الشىء الواحد واحدا متعددا فى حالة واحدة لتنافيهما، وحينئذ بطل كون المفرد مستغرقا، فقول الشارح وهو أن إفراد الاسم أى: الاسم المفرد، وقوله والاستغراق أى: وذو الاستغراق وهو الأداة يدل على تعدده، وقوله وهما أى: الوحدة والتعدد متنافيان، فالتنافى واقع بين المدلولين، فقول المصنف ولا تنافى بين الاستغراق إلخ: إن جعل باقيا على ظاهره كان غير مناسب؛ لأنه جعل التنافى بين الاستغراق الذى هو مدلول حرف الاستغراق، والإفراد الذى هو الدال على الوحدة، والأنسب أن يجعل التنافى إما بين الدالين وهما حرف الاستغراق الدال على التعدد، والإفراد الدال على الوحدة، وإما بين المدلولين وهما الاستغراق والوحدة، قيل هذا الاعتراض إنما يظهر على القول بأن اسم الجنس موضوع للفرد المنتشر، أما على القول بأنه موضوع للماهية فلا يظهر؛ لأنه لا تنافى بين الماهية والتعدد؛ لأنها كما تتحقق فى ضمن الفرد تتحقق فى ضمن الجماعة، وعبارة ابن يعقوب قوله- ولا تنافى إلخ: دفع لبحث يرد وهو أن إفراد الاسم يدل على وحدة معناه؛ لأن اسم الجنس النكرة، إن قلنا بوضعه للفرد الشائع فدلالته على الوحدة ظاهرة، وإن قلنا بوضعه للحقيقة فالغرض منها ما تتحقق به وأقله ما يتبادر من الاستعمال وهو فرد واحد فكان إفراد الاسم مقتضيا للوحدة على كلا المذهبين والاستغراق ينافى ذلك. اهـ.
стр. 564
لأن الحرف) الدال على الاستغراق كحرف النفى، ولام التعريف (إنما يدخل عليه) أى: على الاسم المفرد حال كونه (مجردا عن) الدلالة على (معنى الوحدة)،
===
وإنما كان الغرض منها ما تتحقق به؛ لأن أكثر الأحكام المستعملة فى اللغة والصرف جارية على الماهيات من حيث إنها فى ضمن فرد لا عليها من حيث هى
(قوله: لأن الحرف إلخ) حاصل ما ذكره جوابان: أولهما: بتسليم أن الوحدة تنافى التعدد وثانيهما: منع تنافيهما، وحاصل الثانى أنا لا نسلم أن الوحدة تنافى التعدد؛ لأن الوحدة عدم اعتبار اجتماع أمر آخر معه، والمفرد الداخلة عليه أداة الاستغراق معناه كل فرد فرد بدلا عن الآخر بحيث لا يخرج فرد من الأفراد التى يصدق عليها اللفظ حقيقة أو عرفا، وهذا لا ينافى الوحدة لاتصاف كل فرد بها، إذ كل فرد لم يعتبر فيه ضم شىء آخر معه وليس معنى المفرد الداخلة عليه أداة الاستغراق مجموع الأفراد حتى يحصل التنافى؛ لأن مجموع الأفراد كل فرد مع اجتماعه مع آخر وهذا ينافى الوحدة وهى عدم اجتماع أمر آخر معه، وحاصل الجواب الأول سلمنا التنافى بينهما لكن أداة الاستغراق المفيدة للتعدد إنما تدخل عليه بعد تجريده عن الوحدة كما أن علامة التثنية والجمع إنما تدخل عليه بعد تجريده عن الوحدة، وهذا الجواب مبنى على أن مدلول الاسم المفرد الوحدة بمعنى اعتبار عدم أمر آخر معه وهو الظاهر؛ لأنه فى مقابلة المثنى والمجموع فكما اعتبر فيهما أن يكون آخر معه كذلك يعتبر فى المفرد أن لا يكون آخر معه، وأما الجواب السابق فمبنى على أن الوحدة بمعنى عدم اعتبار أمر آخر معه، لا أنها اعتبار عدم أمر آخر مثله معه، وإذا علمت ما ذكرناه ظهر لك أن الأولى للمصنف تقديم الجواب الثانى على الأول؛ لأن الأول بالتسليم والثانى بالمنع، والشأن عند المناظرة تقديم المنع على التسليم- قرره شيخنا العدوى.
(قوله: مجردا عن الدلالة على معنى الوحدة) أى: فيصير محتملا للوحدة والتعدد؛ لأنه قصد به الجنس وبدخول حرف الاستغراق تعين للتعدد، ثم إن تجرده عن الدلالة على الوحدة بسبب عدم إرادة تلك الدلالة، وبهذا اندفع ما يقال: إن دلالة المفرد على وحدة معناه بحسب الوضع إذ قلنا بوضعه للمفرد المنتشر فانتقال الذهن عن
стр. 565
وامتناع وصفه بنعت الجمع للمحافظة على التشاكل اللفظى (ولأنه) أى: المفرد الداخل عليه حرف الاستغراق (بمعنى كل فرد لا مجموع الأفراد؛ ولهذا امتنع وصفه بنعت الجمع) عند الجمهور؛ ...
===
الفرد إلى الوحدة ضرورى بالنسبة للعالم بالوضع، فما معنى تجريد المفرد عن الدلالة على معنى الوحدة مع أنه يدل عليها بالوضع.
كذا أجاب شيخنا العدوى، وأجاب الفنرى: بأن فى كلام المصنف حذف مضاف أى: مجردا عن اعتبار الدلالة على الوحدة، ولا يلزم من عدم اعتبارها الخلو عنها؛ لأن اللفظ يدل عليها بالوضع
(قوله: وامتناع وصفه بنعت الجمع) أى: بحيث يقال: جاءنى الرجل العالمون، والرجل الطوال، وهذا جواب عما يقال حيث جرد عن معنى الوحدة وصحبه حرف الاستغراق دل على متعدد، وحيث دل على متعدد فمقتضاه أنه يجوز وصفه بوصف الجمع مع أنه ممنوع، وحاصل الجواب: أن النحاة إنما منعوا من ذلك الوصف للمحافظة على المشاكلة اللفظية، وفى هذا الجواب نظر؛ لأن ذلك الاسم مفرد فى اللفظ وجمع فى المعنى وما هو كذلك يجوز فيه مراعاة اللفظ ومراعاة المعنى، بل مراعاة المعنى أولى بمقتضى القياس، ومنه قوله تعالى: أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ (١) فالمحافظة على التشاكل اللفظى لا تفيد الامتناع المذكور، فالأولى للشارح أن يقول وعدم اطراد وصفه بنعت الجمع للمحافظة على التشاكل اللفظى، والمراد بعدم الاطراد عدم الكثرة وإن كان الوصف بالمذكور قياسا كما مر.
(قوله: ولأنه) الأولى أن يقول: أو لأنه بأو التى لأحد الشيئين؛ لأنه جواب ثان أى: إما أن يجاب بالأول المقتضى سلب الوحدة، أو بهذا الثانى المقتضى بقاءها
(قوله: بمعنى كل فرد) أى وكل فرد لا ينافى الوحدة التى هى عدم اعتبار ضم شىء لذلك الفرد بل هو متصف بها ولا يتأتى التنافى إلا لو كان معنى المفرد الداخلة عليه أداة الاستغراق مجموع الأفراد، لا باعتبار ضم شىء للفرد وهو فرد ثان وثالث، فالحاصل:
أنه لا ينافى الوحدة إلا مجموع الأفراد دون كل فرد لاتصافه بها
(قوله: ولهذا) أى: ولأجل