وهذا فى النكرة المنفية مسلم، وأما فى المعرف باللام فلا، بل الجمع المعرف بلام الاستغراق يتناول كل واحد من الأفراد على ما ذكره أكثر أئمة الأصول، والنحو، ودل عليه الاستقراء، وأشار إليه أئمة التفسير؛ ...
===
(قوله: وهذا) أى: ما ذكره المصنف من أن استغراق المفرد أشمل مسلم فى النكرة المنفية كما فى المثال
(قوله: فلا) أى: فلا يسلم الشمول
(قوله: بل الجمع المعرف بلام الاستغراق) نحو إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ (١) الآية فإن المراد كل فرد؛ ونحو:
وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٢) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها (٣) ونحو: إنى أحب المسلمين إلا زيدا، فإن المراد كل فرد لا كل جمع، وإلا لقيل إلا الجمع الفلانى
(قوله: يتناول إلخ) أى: وحينئذ فهو مساو للمفرد فى الشمول، فلا تصح دعوى المصنف أشملية المفرد على الجميع فيما إذا كان الجمع معرفا بلام الاستغراق، هذا حاصل اعتراض الشارح على المصنف.
وقد يجاب بأن لام الجنس إذا دخلت على جمع أبطلت منه معنى الجمعية فصار مساويا للمفرد فى الشمول، فكلام المصنف تبعا لعلماء المعانى على تقدير ما إذا بقى الجمع على معناه الأصلى ولم يبطل منه معنى الجمعية التى أقلها ثلاثة أفراد بدخول أل الجنسية عليه، وكلام علماء الأصول والنحو والتفسير فيما إذا زال منه معنى الجمعية بدخول لام التعريف عليه، فظهر لك من هذا أن الخلاف الواقع فى أن الجمع آحاده أفراد أو جموع، والحق الثانى هذا فى الجمع المنكر، وأما الجمع المعرف بلام الاستغراق فآحاده أفراد قولا واحدا.
وأجاب بعضهم بجواب آخر حاصله: أن كلام المتن مخصوص بالنكرة المنفية بدليل: قوله بدليل صحة إلخ، فالاعتراض مدفوع من أصله، وعلى هذا فتعميم كلام الشارح كلام المتن بقوله سواء كان بحرف التعريف أو غيره فى حيز المنع.
стр. 562
وقد أشبعنا الكلام فى هذا المقام فى الشرح فليطالع ثمة، ...
===
(قوله: وقد أشبعنا الكلام فى هذا المقام) أى: بإيراد الأمثلة والشواهد الدالة على أن الجمع المعرف باللام مساو للمفرد فى الاستغراق، وإن كان بينهما فرق من حيث إن المفرد المستغرق لا يستثنى منه إلا الواحد، فلا يجوز أن تقول: الرجل يرفع هذا الحجر إلا الزيدين معا، أو إلا ثلاثتكم معا، وأما قوله تعالى إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا (١) فمعناه إلا كل واحد من الذين آمنوا بخلاف الجمع المعرف بلام الاستغراق فيصح استثناء الواحد والمثنى والجمع منه نحو: لقيت العلماء إلا زيدا، أو إلا الزيدين، أو إلا الزيدين؛ وذلك لأن الجمع المحلى باللام فى مثل هذا الموضع يستعمل بمعنى منكر مضاف إليه كل فرد وغيره، فمعنى: لقيت العلماء إلا زيدا أى: كل عالم وكل عالمين وكل علماء أفاده عبد الحكيم.
قال العلامة اليعقوبى: وإنما حمل الجمع المعرف بلام الاستغراق المفرد؛ لأنه إن حمل على استغراق آحاد الجموع الذى هو مقتضى أصل دلالته لزم فى مضمونه التكرار، وأن لا يكون له آحاد متميزة؛ لأن الثلاثة مثلا من آحاده، فإذا زيد عليها واحد كانت أربعة وكان المجموع من آحاده فيدخل الأحد الأول فى الثانى، وإذا زيد واحد وكان خمسة لزم فيه دخول الأربعة فيتكرر فيه كل فرد مع ما بعده إلى غير النهاية، بل مجموع الأفراد حينئذ موجب لتكرير جميع ما قبله؛ لأنه جماعة يدل عليها الجمع فحينئذ لا يتحقق للجمع آحاد فيها يجرى العموم كما يجرى فى المفرد؛ فلذلك جعلت آحاده آحاد المفرد التى لا يدخل بعضها فى بعض. انتهى كلامه. وإيضاحه أن الثلاثة مثلا جماعة فتندرج فى الجمع بنفسها لكونها من آحاده وجزء من الأربعة والخمسة وما فوقها التى هى من آحاد الجمع فتكون الثلاثة مندرجة فى الجمع فى ضمنها فآل الأمر إلى أن الثلاثة مندرجة تحت الجمع مرتين: مرة من حيث إنها من آحاده، ومرة من حيث إنها جزء من الأربعة والخمسة مثلا التى هى من آحاده، فحمل الجمع المعرف فى استغراقه على استغراق الجمع موجب للتكرار، وأيضا الكل من حيث هو كل جماعة
стр. 563
ولما كان هاهنا مظنة اعتراض؛ وهو أن إفراد الاسم يدل على وحدة معناه، والاستغراق على تعدده، وهما متنافيان- أجاب عنه بقوله (ولا تنافى بين الاستغراق وإفراد الاسم؛ ...
===
فلو اعتبر فى استغراق الجمع كل واحد واحد منها لكان تكرار محضا، ولذلك ترى الأئمة يفسرون الجمع المستغرق، إما بكل واحد واحد، وإما بالمجموع من حيث هو مجموع.
(قوله: ولما كان هاهنا) أى: هذا الموضع وهو قوله: واستغراق المفرد أشمل، وقوله مظنة اعتراض أى: موضع اعتراض مظنون، وحاصله أنه ينبغى أن لا يجوز إدخال أداة الاستغراق على اسم الجنس المفرد؛ لأن الاسم لكونه فى مقابلة التثنية والجمع يدل بإفراده على وحدة معناه بمعنى أنه لا يكون آخر معه مثله، وأداة الاستغراق الداخلة عليه تدل على تعدده، وأن معه آخر مثله، ويمتنع أن يكون الشىء الواحد واحدا متعددا فى حالة واحدة لتنافيهما، وحينئذ بطل كون المفرد مستغرقا، فقول الشارح وهو أن إفراد الاسم أى: الاسم المفرد، وقوله والاستغراق أى: وذو الاستغراق وهو الأداة يدل على تعدده، وقوله وهما أى: الوحدة والتعدد متنافيان، فالتنافى واقع بين المدلولين، فقول المصنف ولا تنافى بين الاستغراق إلخ: إن جعل باقيا على ظاهره كان غير مناسب؛ لأنه جعل التنافى بين الاستغراق الذى هو مدلول حرف الاستغراق، والإفراد الذى هو الدال على الوحدة، والأنسب أن يجعل التنافى إما بين الدالين وهما حرف الاستغراق الدال على التعدد، والإفراد الدال على الوحدة، وإما بين المدلولين وهما الاستغراق والوحدة، قيل هذا الاعتراض إنما يظهر على القول بأن اسم الجنس موضوع للفرد المنتشر، أما على القول بأنه موضوع للماهية فلا يظهر؛ لأنه لا تنافى بين الماهية والتعدد؛ لأنها كما تتحقق فى ضمن الفرد تتحقق فى ضمن الجماعة، وعبارة ابن يعقوب قوله- ولا تنافى إلخ: دفع لبحث يرد وهو أن إفراد الاسم يدل على وحدة معناه؛ لأن اسم الجنس النكرة، إن قلنا بوضعه للفرد الشائع فدلالته على الوحدة ظاهرة، وإن قلنا بوضعه للحقيقة فالغرض منها ما تتحقق به وأقله ما يتبادر من الاستعمال وهو فرد واحد فكان إفراد الاسم مقتضيا للوحدة على كلا المذهبين والاستغراق ينافى ذلك. اهـ.
стр. 564
لأن الحرف) الدال على الاستغراق كحرف النفى، ولام التعريف (إنما يدخل عليه) أى: على الاسم المفرد حال كونه (مجردا عن) الدلالة على (معنى الوحدة)،
===
وإنما كان الغرض منها ما تتحقق به؛ لأن أكثر الأحكام المستعملة فى اللغة والصرف جارية على الماهيات من حيث إنها فى ضمن فرد لا عليها من حيث هى
(قوله: لأن الحرف إلخ) حاصل ما ذكره جوابان: أولهما: بتسليم أن الوحدة تنافى التعدد وثانيهما: منع تنافيهما، وحاصل الثانى أنا لا نسلم أن الوحدة تنافى التعدد؛ لأن الوحدة عدم اعتبار اجتماع أمر آخر معه، والمفرد الداخلة عليه أداة الاستغراق معناه كل فرد فرد بدلا عن الآخر بحيث لا يخرج فرد من الأفراد التى يصدق عليها اللفظ حقيقة أو عرفا، وهذا لا ينافى الوحدة لاتصاف كل فرد بها، إذ كل فرد لم يعتبر فيه ضم شىء آخر معه وليس معنى المفرد الداخلة عليه أداة الاستغراق مجموع الأفراد حتى يحصل التنافى؛ لأن مجموع الأفراد كل فرد مع اجتماعه مع آخر وهذا ينافى الوحدة وهى عدم اجتماع أمر آخر معه، وحاصل الجواب الأول سلمنا التنافى بينهما لكن أداة الاستغراق المفيدة للتعدد إنما تدخل عليه بعد تجريده عن الوحدة كما أن علامة التثنية والجمع إنما تدخل عليه بعد تجريده عن الوحدة، وهذا الجواب مبنى على أن مدلول الاسم المفرد الوحدة بمعنى اعتبار عدم أمر آخر معه وهو الظاهر؛ لأنه فى مقابلة المثنى والمجموع فكما اعتبر فيهما أن يكون آخر معه كذلك يعتبر فى المفرد أن لا يكون آخر معه، وأما الجواب السابق فمبنى على أن الوحدة بمعنى عدم اعتبار أمر آخر معه، لا أنها اعتبار عدم أمر آخر مثله معه، وإذا علمت ما ذكرناه ظهر لك أن الأولى للمصنف تقديم الجواب الثانى على الأول؛ لأن الأول بالتسليم والثانى بالمنع، والشأن عند المناظرة تقديم المنع على التسليم- قرره شيخنا العدوى.
(قوله: مجردا عن الدلالة على معنى الوحدة) أى: فيصير محتملا للوحدة والتعدد؛ لأنه قصد به الجنس وبدخول حرف الاستغراق تعين للتعدد، ثم إن تجرده عن الدلالة على الوحدة بسبب عدم إرادة تلك الدلالة، وبهذا اندفع ما يقال: إن دلالة المفرد على وحدة معناه بحسب الوضع إذ قلنا بوضعه للمفرد المنتشر فانتقال الذهن عن
стр. 565
وامتناع وصفه بنعت الجمع للمحافظة على التشاكل اللفظى (ولأنه) أى: المفرد الداخل عليه حرف الاستغراق (بمعنى كل فرد لا مجموع الأفراد؛ ولهذا امتنع وصفه بنعت الجمع) عند الجمهور؛ ...
===
الفرد إلى الوحدة ضرورى بالنسبة للعالم بالوضع، فما معنى تجريد المفرد عن الدلالة على معنى الوحدة مع أنه يدل عليها بالوضع.
كذا أجاب شيخنا العدوى، وأجاب الفنرى: بأن فى كلام المصنف حذف مضاف أى: مجردا عن اعتبار الدلالة على الوحدة، ولا يلزم من عدم اعتبارها الخلو عنها؛ لأن اللفظ يدل عليها بالوضع
(قوله: وامتناع وصفه بنعت الجمع) أى: بحيث يقال: جاءنى الرجل العالمون، والرجل الطوال، وهذا جواب عما يقال حيث جرد عن معنى الوحدة وصحبه حرف الاستغراق دل على متعدد، وحيث دل على متعدد فمقتضاه أنه يجوز وصفه بوصف الجمع مع أنه ممنوع، وحاصل الجواب: أن النحاة إنما منعوا من ذلك الوصف للمحافظة على المشاكلة اللفظية، وفى هذا الجواب نظر؛ لأن ذلك الاسم مفرد فى اللفظ وجمع فى المعنى وما هو كذلك يجوز فيه مراعاة اللفظ ومراعاة المعنى، بل مراعاة المعنى أولى بمقتضى القياس، ومنه قوله تعالى: أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ (١) فالمحافظة على التشاكل اللفظى لا تفيد الامتناع المذكور، فالأولى للشارح أن يقول وعدم اطراد وصفه بنعت الجمع للمحافظة على التشاكل اللفظى، والمراد بعدم الاطراد عدم الكثرة وإن كان الوصف بالمذكور قياسا كما مر.
(قوله: ولأنه) الأولى أن يقول: أو لأنه بأو التى لأحد الشيئين؛ لأنه جواب ثان أى: إما أن يجاب بالأول المقتضى سلب الوحدة، أو بهذا الثانى المقتضى بقاءها
(قوله: بمعنى كل فرد) أى وكل فرد لا ينافى الوحدة التى هى عدم اعتبار ضم شىء لذلك الفرد بل هو متصف بها ولا يتأتى التنافى إلا لو كان معنى المفرد الداخلة عليه أداة الاستغراق مجموع الأفراد، لا باعتبار ضم شىء للفرد وهو فرد ثان وثالث، فالحاصل:
أنه لا ينافى الوحدة إلا مجموع الأفراد دون كل فرد لاتصافه بها
(قوله: ولهذا) أى: ولأجل
стр. 566
وإن حكاه الأخفش فى نحو: الدينار الصفر، والدرهم البيض.
[أغراض التعريف بالإضافة]:
(وبالإضافة) أى: تعريف المسند إليه بالإضافة إلى شىء من المعارف (لأنها) أى: الإضافة (أخصر طريق) إلى إحضاره فى ذهن السامع (نحو: هواى (١))؛ ...
===
كون المفرد الداخل عليه أداة الاستغراق معناه كل فرد امتنع وصفه بنعت الجمع بأن يجعل الجمع نعتا له.
(قوله: وإن حكاه الأخفش) عن بعضهم فى قوله: أهلك الناس الدينار الصفر والدرهم البيض، نظرا لكون أل للجنس ومدخولها يصدق بالجمع لتحققه.
[تعريف المسند إليه بالإضافة]:
(قوله: لأنها) أى: الإضافة بمعنى المعرف بها أخصر طريق ظاهره أنها أخصر طرق التعريف، وليس كذلك، إذ لا تظهر الأخصرية إلا بالنسبة للموصول، وأما العلم والضمير واسم الإشارة والمعرف باللام فالأمر بالعكس، وأجيب بأن المراد إنها أخصر الطرق فى إحضار المسند إليه فى ذهن السامع ملتبسا بالوصف الذى قصده المتكلم لا إحضاره فى ذهن السامع من حيث ذاته، ألا ترى أن قصد المتكلم فى البيت المذكور إحضاره بوصف كونه مهويا لأجل إفادة زيادة التحسر، ولو قال الذى أهواه، أو من أهواه، أو الذى يميل إليه قلبى مع الركب اليمانين إلخ لكان طريقا مفيدا لمقصود المتكلم، إلا أنه ليس أخصر من الإضافة، ولو أتى به اسم إشارة أو ضميرا بأن قيل هذا مثلا أو هى مع الركب اليمانين إلخ لا يفيد غرض المتكلم، إذ لا يعلم كونها محبوبة أم لا، ولو قيل هند مهويتى أو محبوبتى كان غير أخصر، وإن كان مفيدا لغرض المتكلم، ولو أتى به معرفا باللام لم يفد غرضه إلا بواسطة الجار والمجرور نحو: المحبوب لى، وفيه طول بالنسبة للمضاف
(قوله: نحو هواى)
стр. 567
أى: مهويّى- وهذا أخصر من الذى أهواه؛ ونحو ذلك والاختصار مطلوب لضيق المقام، وفرط السآمة؛ لكونه فى السجن، والحبيب على الرحيل- (مع الرّكب اليمانين مصعد) أى: مبعد ...
===
أى: نحو قول جعفر بن علية الحارثى وهو مسجون حين قتل واحدا من بنى عقيل بمكة فسجن بها، ثم إنه كان يومئذ فى مكة ركب من اليمن وفيه محبوبته، ثم إن الركب عزم على الرحيل فأنشد هذا وبعده:
عجبت لمسراها وأنّى تخلّصت ... إلّى وباب السّجن دونى مغلق
ألمّت فحيّت ثم قامت فودّعت ... فلمّا تولت كادت النفس تزهق
فلا تحسبى أنّى تخشّعت بعدكم ... لشىء ولا أنّى من الموت أفرق
ولا أنّ قلبى يزدهيه وعيدهم ... ولا أننى بالمشى فى القيد أخرق
ولكن عرتنى من هواك ضمانة ... كما كنت ألقى منك إذ أنا مطلق
(قوله: أى مهويى) بثلاث ياءات الأوليان من نفس الكلمة الأولى منهما بدل من واو مفعول، إذ أصله مهوويى اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء وأدغمت الياء فى الياء. والثانية لام الكلمة والياء الأخيرة ياء المتكلم أضيف إليها الاسم بعد الإعلال السابق
(قوله: ونحو ذلك) أى: كمن أهواه أو الذى يميل إليه قلبى
(قوله: والاختصار مطلوب) أشار بهذا إلى أن إحضاره فى ذهن السامع بأخصر طريق إنما يقتضى تعريفه بالإضافة إذا كان الاختصار مطلوبا، وإلا فلا يقتضيه
(قوله: وفرط السآمة) أى: شدتها وهو عطف علة على معلول
(قوله: على الرحيل) أى:
عازم على الرحيل
(قوله: مع الركب) اسم جمع لراكب
(قوله: اليمانين) جمع: يمان بمعنى يمنى، وأصل يمان: يمانى، أعل إعلال قاض، ويمانى مخفف يمنى بياء مشددة نسبة لليمن، فحذفت إحدى الياءين تخفيفا وعوض عنها الألف المتوسطة، ثم حذفت الياء الثانية، لإعلاله إعلال قاض كما مر
(قوله: مصعد) بكسر العين خبر هواى، وهو مأخوذ من أصعد فى الأرض مضى فيها، فالصلة محذوفة بقرينة المقام، (وقوله أى: مبعد) بكسر العين مأخوذ من أبعد اللازم بمعنى بعد أى: إنه بعيد الأسفار فهو بيان للمعنى
стр. 568
ذاهب فى الأرض؛ وتمامه: جنيب وجثمانى بمكة موثق، الجنيب: المجنوب المستتبع، والجثمان: الشخص، والموثق: المقيد، ولفظ البيت خبر، ومعناه تأسف وتحسر (أو لتضمنها) أى: الإضافة (تعظيما لشأن المضاف إليه، أو المضاف، أو غيرهما؛ كقولك) فى تعظيم المضاف إليه (عبدى حضر) تعظيما لك بأن لك عبدا (و) فى تعظيم المضاف (عبد الخليفة ركب) تعظيما للعبد بأنه عبد الخليفة (و) فى تعظيم غير المضاف والمضاف إليه (عبد السلطان عندى) تعظيما للمتكلم بأن عبد السلطان عنده، وهو غير المسند إليه المضاف، وغير ما أضيف إليه المسند إليه؛ ...
===
المراد، وقراءته بفتح العين اسم مفعول من أبعد المتعدى أى: أبعده الغير يبعدها مقام المدح خصوصا، وقد وصفه بأنه مجنون ومستتبع تأمل
(قوله: ذاهب فى الأرض) بيان لأصل المعنى (قوله المستتبع) أى: الذى يتبعه قومه ويقدمونه أمامهم وهو كناية عن كون تلك المحبوبة لا يمكن انفلاتها عن الركب، وتأتى إليه، (وقوله ومعناه تأسف وتحسر) أى: على بعد الحبيبة.
(قوله: لشأن المضاف إليه) أى: تعظيما لشأن المضاف إليه الذى أضيف له المسند إليه، وإنما قدمه على المضاف مع أنه مؤخر فى اللفظ نظرا لتقدمه فى الاعتبار؛ لأنه منسوب إليه فهو أشرف بخلاف المضاف، فإنه وإن كان مقدما فى اللفظ، لكنه مؤخر فى الاعتبار؛ لأنه منسوب، واعترض على المصنف بأن هذا التضمن قد يوجد فى غير صورة الإضافة، كما فى قولك: الذى هو عبد السلطان عندى، أو: الذى هو عبدى، أو: عبد الخليفة حضر فالوجه أن الإضافة لا تترجح على غيرها بإفادة التضمن المذكور إلا بانضمام الاختصار إليها. كذا قيل، وفيه أنه تقدم أنه لا يشترط فى النكتة أن تكون مختصة بالطريق المؤدية لها، ولا أن تكون بها أول، بل يكفى مجرد المناسبة بينهما وإن كانت تلك النكتة يمكن تأديتها بطريق آخر- فتأمل.
(قوله: وفى تعظيم المضاف) أى: الذى هو مسند إليه
(قوله: تعظيما للمتكلم بأن عبد السلطان عنده) أى: وفيه تعظيم للمضاف أيضا، لكنه غير مقصود ولا ملاحظ
стр. 569
وهذا معنى قوله: أو غيرهما (أو) لتضمنها (تحقيرا) للمضاف (نحو: ولد الحجام حاضر) أو المضاف إليه، نحو: ضارب زيد حاضر، أو غيرهما، نحو ولد الحجام جليس زيد، أو لإغنائها عن تفصيل متعذر، نحو: اتفق أهل الحق على كذا، أو متعسر، نحو: أهل البلد فعلوا كذا، أو لأنه يمنع عن التفصيل مانع مثل تقديم البعض على بعض، نحو: علماء البلد حاضرون، إلى غير ذلك من الاعتبارات.
===
(قوله: وهذا معنى إلخ) جواب عما يقال: إن هذا لا يخرج عن تعظيم المضاف إليه؛ لأن المتكلم مدلول الياء المضاف إليها عند فهو مضاف إليه، وحاصل الجواب أن المراد بالغير فى كلام المصنف غير المسند إليه المضاف وغير ما أضيف إليه المسند إليه، وهذا لا ينافى كونه مضافا إليه، لكن غير ذلك وليس المراد بقوله أو غيرهما غير المضاف إليه مطلقا وغير المضاف مطلقا حتى يرد أن ما ذكره من المثال الثانى ليس غيرهما، بل منهما.
(قوله: أو تحقيرا للمضاف) أى: الذى هو مسند إليه، وقوله أو المضاف إليه أى:
الذى أضيف إليه المسند إليه؛ لأن الكلام فيه.
(قوله: نحو اتفق أهل الحق) أى: فإنه يتعذر تعداد كل من كان على الحق كما أنه يتعسر تعداد أهل البلد فى المثال بعده
(قوله: أو لأنه) أى: الحال والشأن
(قوله: مثل تقديم البعض) أى: المؤدى ذلك إلى منافسة وحقد، أو نحوهما
(قوله: إلى غير ذلك من الاعتبارات) كما لو كان المقصود التصريح بالذم والإهانة للمسند إليه نحو: علماء البلد فعلوا كذا من الأمور القبيحة، فإن فى هذا تصريحا بذمهم، بخلاف لو قيل فلان وفلان فعلوا كذا من الأمور القبيحة، فإنه عند التصريح باسمهم العلم لم يكن هناك تصريح بذمهم واللوم عليهم؛ لأن الموجب للوم والذم وصفهم بالعلم وهو لا يتأتى إلا بالإضافة وكإغناء الإضافة عن تفصيل تركه أولى لجهة ككون التفصيل يقتضى ذما أو إهانة أو خوفا وإن أمكن استيفاء التفصيل كقوله:
قومى هم قتلوا أميم أخى ... فإذا رميت يصيبنى سهمى
يقول: يا أميمة قومى هم الذين فجعونى بقتل أخى فإذا رمت الانتصار منهم عاد ذلك علىّ بالنكاية فى نفسى؛ لأن عز الرجل بعشيرته ولو فصل قاتلى أخيه لحقدوه ونفروا عنه؛ ولأن فى التفصيل تصريحا بذم قومه وعد معايبهم بخلاف تركه.
стр. 570
[أغراض التنكير]:
(وأما تنكيره) أى: تنكير المسند إليه (فللإفراد) أى: للقصد إلى فرد مما يقع عليه اسم الجنس (نحو: وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى (١) أو النوعية) أى: للقصد إلى نوع منه ...
[تنكير المسند إليه]:
===
(قوله: وأما تنكيره أى تنكير المسند إليه) أى: إيراده نكرة سواء كان مفردا أو مثنى أو مجموعا
(قوله: فللإفراد) أى: فلكون المقصود بالحكم فردا غير معين من الأفراد التى يصدق عليها مفهومه، ففى الجمع المقصود بالحكم فرد من معناه وهو جماعة مما يصدق عليه مفهومه، وفى المثنى المقصود بالحكم فرد من معناه وهو اثنان مما يصدق عليه مفهومه فقولك جاءنى رجلان أى: فرد من ما صدقات المثنى، وقولك: جاءنى رجال أى فرد من ما صدقات الجمع، والفرد فى الأول اثنان، وفى الثانى جماعة. وقوله فللإفراد أى: والحال أن المقام لا يناسبه إلا الفرد لكون الحكم المراد فى المقام ليس لغيره، فالعدول لغيره خروج عما يناسبه المقام والزيادة عليه زيادة على قدر الحاجة وهى من اللغو، واعلم أن دلالة المنكر على الفرد ظاهرة، إن قلنا: إن النكرة موضوعة للفرد المنتشر، وأما إن قلنا إنها موضوعة للحقيقة من حيث هى فدلالتها على الفرد باعتبار الاستعمال الغالب؛ لأن الغالب استعمالها فى الفرد فتذكر النكرة لتحمل على الغالب الذى هو الفرد بقرينة المقام. اهـ. سم.
(قوله: وجاء رجل) أى: رجل واحد لا رجلان ولا رجال، والمراد بذلك الرجل مؤمن آل فرعون، وقوله من أقصى المدينة أى: من آخرها والمراد بالمدينة مدينة فرعون، وهى منف كما فى الجلالين، وليس المراد بمنف البلدة المشهورة الآن، بل بلدة كانت بناحية الجيزة فخربت بدعوة موسى ﵇، وهى بالقرب من البلدة المعروفة بمنية رهينة بإقليم الجيزة
(قوله: أى للقصد إلى نوع منه) أى: لكون المقصود بالحكم نوعا من أنواع اسم الجنس المنكر؛ وذلك لأن التنكير كما يدل على الوحدة
стр. 571
(نحو: وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ (١)) أى: نوع من الأغطية؛ وهو غطاء للتعامى عن آيات الله، وفى المفتاح أنه للتعظيم؛ أى: غشاوة عظيمة (أو التعظيم، أو التحقير،
===
شخصا يدل عليها نوعا، ولعل الشارح أخذ القصد من ياء المصدر بجعله مصدر المتعدى أى: الجعل نوعا، والجعل بالقصد، وقد تقدم نظير ذلك فى قوله وبالعلمية
(قوله: غشاوة) أى: فليس المراد فردا من أفراد الغشاوة؛ لأن الفرد الواحد لا يكون بالأبصار المتعددة، بل المراد نوع من جنس الغشاء، وذلك النوع هو غطاء التعامى كما قال الشارح، وإنما لم يعبر الشارح بالعمى إشارة إلى تكلفهم العمى عن الآيات؛ لأنه ليس بهم عمى حقيقة، بل يعرفون الآيات ويفهمونها، ولكن يظهرون أنهم لا يعرفونها، فالحاصل أن التعامى تكلف العمى، والمراد هنا الإعراض عن آيات الله، فإضافة الغطاء للتعامى من إضافة السبب للمسبب؛ لأن الغطاء القائم بالقلوب الذى يصرف الأبصار عن النظر فى آيات الله سبب فى تعاميهم، وإعراضهم عن آيات الله
(قوله: أى نوع من الأغطية) الأولى نوع من الغشاء؛ لأن الغشاء جنس تحته نوعان متعارف وهو القائم بالأعين المسمى بالعمى، والثانى غير متعارف وهو الغطاء الذى يصرف الأبصار عن النظر فى آيات الله لأجل الاعتبار، وأما الأغطية فهو جمع تحته أفراد وكلامنا فى الأنواع
(قوله: وفى المفتاح إلخ) أى: والأول ذكره الزمخشرى فى الكشاف.
(قوله: أى غشاوة عظيمة) أى: لكونها تحجب أبصارهم بالكلية وتحول بينها وبين إدراك الأدلة الموصولة لمعرفة المولى أى: وما قاله فى المفتاح أولى؛ لأن المقصود بيان بعد حالهم عن الإدراك والتعظيم أدل عليه وأوفى بتأديته، وقد يقال لا تنافى بين كلام المصنف والمفتاح؛ لأن الغشاوة العظيمة نوع من مطلق الغشاوة، فمراد المصنف بقوله نحو: وعلى أبصارهم غشاوة أى: نوع من الغشاء، وهو الغشاوة العظيمة، وذلك النوع هو غطاء التعامى- فتأمل.
(قوله: أو التعظيم أو التحقير) أى: يذكر المسند إليه نكرة لإفادة تعظيم معناه أو تحقيره، وأنه بلغ فى ارتفاع الشأن أو فى الانحطاط مبلغا لا يمكن أن يعرف لعدم الوقوف على عظمه فى الأول، ولعدم الاعتداد به والالتفات إليه فى الثانى.
стр. 572
كقوله: له حاجب (١)) أى: مانع عظيم (فى كل أمر يشينه) أى: يعيبه (وليس له عن طالب العرف حاجب) ...
===
(قوله: كقوله) أى: قول ابن أبى السمط بكسر السين وسكون الميم وهو من قصيدة من الطويل وقبل البيت:
فتى لا يبالى المدلجون بناره ... إلى بابه ألا تضىء الكواكب
يصمّ عن الفحشاء حتى كأنّه ... إذا ذكرت فى مجلس القوم غائب
له حاجب ... إلخ ... ...
والمراد بالحاجب هنا نفسه الإنسانية التى هى لطيفة ربانية لها تعلق بالقلب اللحمانى الصنوبرى الشكل تعلق العرض بالجوهر، وتسمى أيضا قلبا وروحا، وهى المخاطبة والمثابة والمعاقبة، فإن قلت: إن النفس بهذا المعنى تميل إلى القبائح الدينية والدنيوية فكيف تكون مانعة عن تلك الأمور؟ أجيب بأن ميلها لذلك بالنظر لذاتها، وأما إذا حفتها العناية الإلهية صارت مائلة إلى التطهير فتمنع بسبب ذلك من كل ما يشين
(قوله: أى مانع عظيم) أخذ هذا من كون المقام مقام مدح أى: إنه إذا أراد أن يرتكب أمرا قبيحا منعه مانع حصين عظيم بالغ فى العظمة إلى حيث لا يمكن تعيينه، وإذا طلب منه إنسان معروفا وإحسانا لم يكن له مانع حقير فضلا عن العظيم يمنعه من الإحسان إليه فهو فى غاية الكمال ولم يقم به نقص
(قوله: يشينه) من الشين وهو القبح
(قوله: وليس له عن طالب العرف) أى المعروف والإحسان، ثم إن الحجب يستعمل بعن بالنظر للمفعول الثانى، وأما الأول فيصل إليه بنفسه قال تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (٢) وحجبت زيدا عن الأمر، إذا علمت هذا فحاجب الأول قد جاء على الأصل؛ لأن صلته محذوفة وفى كل أمر ظرف مستقر صفة لحاجب أى له حاجب عن ارتكاب ما لا يليق فى كل أمر يشينه، أو أن فى بمعنى عن، وأما حاجب الثانى فقد جاء
стр. 573
أى: مانع حقير، فكيف بالعظيم (أو التكثير، كقولهم: إن له لإبلا، وإن له لغنما، أو التقليل، ...
===
على خلاف الأصل؛ لأن العرف مفعوله الثانى والطالب له مفعوله الأول؛ وذلك لأن الحجب للطالب عن العرف لا للمدوح عن الطالب فكان القياس أن يقول وليس له حاجب عن المعروف طالبه، وأجيب بأن فى الكلام حذف مضاف أى: ليس له حاجب عن إحسان طالب العرف أى: عن الإحسان إليه والمفعول الأول محذوف أى: طالبه.
وقال عبد الحكيم: إن عدم الحاجب عن طلاب المعروف كناية عن ورودهم واجتماعهم عليه وهو كناية عن حصول مقاصدهم وهو إحسانه إليهم، وحينئذ فلا حاجة إلى تقدير عن إحسانه كما قيل، وقوله وليس له عن طالب العرف: كان الأولى أن يأتى بالفاء لدلالة الأول عليه لأنه لو كان له مانع من طالب العرف كان من جملة ما يشينه ويعيبه.
(قوله: أى مانع حقير) يحتمل أن يكون للفردية شخصا، لا نوعا فيكون من القسم الأول على حد قوله تعالى: وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى (١) فتكون النكرة عامة لوقوعها فى حيز النفى، بل هذا الاحتمال أولى لدلالة التركيب على نفى جميع الأفراد مطابقة- كذا قال الحفيد. ورد ذلك العلامة الفنرى قائلا: إن حمل التنكير فى الثانى على التحقير أولى لما فيه من سلوك طريق البرهان وهى إثبات الشىء بدليل؛ لاستفادة انتفاء الحاجب العظيم من انتفاء الحقير بالأولى مع حسن مقابلة تنوين التعظيم بتنوين التحقير وفيه صنعة الطباق.
(قوله: أو التكثير) أى: يورد المسند إليه نكرة لإفادة تكثيره
(قوله: إن له لإبلا إلخ) أى: فإن مقامات هذا الكلام تقتضى أن المراد إبلا كثيرة وغنما كذلك، وإنما أفاد التنكير التكثير مع أن الأصل فى النكرة الإفراد؛ لأن التنكير يشعر بأن هذا أمر منكر لعدم الإحاطة به
(قوله: ورضوان إلخ) أى: وشىء ما أى قليل من الرضوان أكبر من ذلك كله أى مما ذكر قبله من الجنة ونعيمها، وعلى هذا فقوله: ورضوان مبتدأ، وأكبر خبر، والجملة حالية أى: وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ (٢).
стр. 574
نحو: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ (١)) والفرق بين التعظيم والتكثير- أن التعظيم ...
===
والحال أن شيئا ما من الرضوان أكبر من ذلك كله، ووصف الرضوان بالقلة مجازا باعتبار تنزيل الرضا منزلة المعدودات نظرا لتعدد متعلقاته كعدم الفضيحة فى الموقف، وإلا من العذاب والخلود فى دار السّلام، وإلا فالرضا نفسه لا يقبل القلة والكثرة حقيقة؛ لأنه صفة واحدة، وإنما كان الرضوان ولو قل متعلقه أكبر وأعظم من مجرد دخول الجنة ومن كل ما فيها من النعيم؛ لأن المراد بالرضوان إعلامهم به، ولا شك أن إعلامهم به ولو مع أدنى متعلقاته أكبر من مجرد نعيم الجنة دون الإعلام به وسماعه؛ لأن لذة النفس بشرف كونها مرضية عند الملك العظيم أكبر من كل لذة ولو كان ذلك قليل المتعلق- أفاده اليعقوبى أولا، وكل ما سواه من ثمراته قيل: إن التنكير فى" ورضوان" للتعظيم، وعلى هذا فرضوان مبتدأ حذف خبره، وأكبر صفته، والجملة عطف على جملة: وعد المؤمنين أى: ولهم رضوان عظيم من الله تعالى أكبر من ذلك كله زيادة على تلك النعم، قال الفنارى: وهذا أولى؛ لأن فيه دلالة على حصول الرضوان لهم صريحا بخلاف ما ذهبوا إليه؛ ولأن المقام مقام امتنان بنعم الوعد وبيان عظم نعم الجنة فترجيح شىء من الأشياء عليها بطريق لقصد لا يناسب المقام، وإن كان رضوان قليل من الله تعالى أكبر من ذلك كله فى نفس الأمر. وفى عبد الحكيم: أن جعل التنوين فى قوله تعالى: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ للتقليل- كما قال المصنف- أولى من جعله للتعظيم، وأن المعنى ولهم رضوان عظيم من الله أكبر من ذلك كله لعدم حصول الرضوان العظيم لجميع المؤمنين والمؤمنات؛ ولأن جعله للتقليل يشير إلى كمال كبريائه والوعد لا بطريق الجزم كما هو شأن الملوك، إشارة إلى أنه غنى عن العالمين
(قوله: والفرق إلخ) إنما فرق ردا على من لا يفهم الفرق، فاعترض على المصنف بأنه لا حاجة لذكر التنكير والتقليل بعد ذكر التعظيم والتحقير؛ لأن التكثير هو التعظيم والتقليل هو
стр. 575
بحسب ارتفاع الشأن، وعلو الطبقة، والتكثير باعتبار الكميات والمقادير؛ تحقيقا:
كما فى الإبل، أو تقديرا: كما فى الرضوان، وكذا التحقير، والتقليل، وللإشارة إلى أن بينهما فرقا قال: (وقد جاء) التنكير للتعظيم، والتكثير، نحو: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ (١)) مِنْ قَبْلِكَ ...
===
التحقير، وحينئذ ففى كلام المصنف تكرار
(قوله: بحسب ارتفاع الشأن) أى: فهو راجع للكيفيات، وقوله وعلو الطبقة أى: المرتبة مرادف لما قبله.
(قوله: باعتبار الكميات) أى: المنفصلة كما فى المعدودات، فالمائة بيضة يقال إنها أكثر من الخمسين باعتبار الكم الذى هو العدد العارض، لذلك المعدود
(قوله: والمقادير) أراد بها الكميات المتصلة كالطول والعرض والعمق، وذلك فيما عدا المعدودات كالمكيالات والموزونات، فالعشرة أرطال من السمن مثلا يقال إنها أكثر من ثمانية منه باعتبار ما قام بها من الكم المتصل، وكذا يقال فى العشرة أرادب من القمح والثمانية منه- كذا قرره شيخنا العدوى.
(قوله: كما فى الرضوان) أى: كالرضا فهو معنى من المعانى فيقدر أن له أفرادا باعتبار متعلقة، فالكميات والمقادير فيه إنما هى باعتبار متعلقاته لا باعتبار نفسه، وحينئذ فالكميات والكيفيات فيه تقديرية، لكن فى كلام الشارح شىء وهو أن كلام الشارح فى التنكير والرضوان ذكره المصنف مثالا للتقليل، وحينئذ فلا يناسب قوله كما فى الرضوان إلا أن يقال إن التمثيل به من حيث إن الكميات والمقادير فيه تقديرية فلا ينافى أن التنوين فيه للتقليل كما فعل المصنف أو يقال: إن جعله مثالا للتكثير باعتبار الكميات، تقدير إلا ينافى كونه فى الآية للتقليل فليس المراد بقول الشارح: كالرضوان الرضوان الواقع فى الآية.
(قوله: وكذا التحقير والتقليل) أى: فالأول يرجع للكيفيات لأنه عبارة عن انحطاط الشأن ودنو المرتبة وهو يرجع للامتهان ودناءة القدر، والثانى يرجع للكميات؛ لأنه عبارة عن قلة الأفراد والأجزاء إما حقيقة كقولك: فلان رب غيمة، وإما تقديرا كما فى قولك: قد يكون لفلان رضوان عن أهل عدواته
(قوله: وللإشارة إلخ) أى: لأن
стр. 576
(أى: ذوو عدد كثير) هذا ناظر إلى التنكير (و) ذوو (آيات عظام) هذا ناظر إلى التعظيم، وقد يكون للتحقير، والتقليل معا؛ نحو: حصل لى منه شىء؛ أى: حقير قليل (ومن تنكير غيره) أى: غير المسند إليه (للإفراد أو النوعية، نحو: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ) أى: كل فرد من أفراد الدواب من نطفة معينة ...
===
العطف يقتضى المغايرة، وقوله إلى أن بينهما أى بين التعظيم والتكثير
(قوله: أى ذوو عدد كثير) فيه أن الكثرة مستفادة من جمع الكثرة وهو رسل، فكيف يمثل بهذه الآية لإفادة التنكير للتكثير؟ وقد يجاب بأن المراد بالتكثير المبالغة فى الكثرة، لا أصلها؛ لاستفادته من صيغة الجمع، فالكثرة مقولة بالتشكك، فالمأخوذ من التنكير خلاف المأخوذ من صيغة الجمع.
(قوله: وآيات عظام) لم يقل رسل عظام مع أن مقتضى كون التنوين للتعظيم أن يكون العظم وصفا لهم لا للآيات؛ لأن كون آياتهم عظيمة يستلزم أن يكونوا عظاما فهو من الكناية أطلق الملزوم وأراد اللازم وهى أبلغ من الحقيقة؛ لأن محصلها إثبات الشىء بالدليل
(قوله: وقد يكون للتحقير والتقليل) أى: فكما أن التعظيم والتكثير قد يجتمعان وقد يفترقان، فكذلك التحقير والتقليل
(قوله: ومن تنكير غيره إلخ) لما مثل صاحب المفتاح فى هذا المقام بأمثلة لتنكير غير المسند إليه، وتوهم بعضهم أنها أمثلة للمسند إليه، فاحتاج إلى تكلف التأويل، أفاد المصنف أن مراد السكاكى التمثيل لتنكير غيره لئلا يتوهم اختصاص تلك الأمور بتنكير المسند إليه، فقال ومن تنكير غيره إلخ
(قوله: أى غير المسند إليه) أى: لأن دابة مجرور بالإضافة وماء مجرور بمن.
(قوله: أى كل فرد إلخ) حاصل التفسير الأول خلق الشخص من الشخص، فالتنكير فى دابة وماء للوحدة الشخصية، وحاصل التفسير الثانى أن خلق النوع من النوع، فالتنكير فى دابة وماء للوحدة النوعية، وأورد على التفسير الأول آدم وحواء وعيسى، وكذلك الغراب والبرغوث والعقرب والفأر والدود على ما صرحوا به من أنها قد تخلق من التراب، وأجيب بأن هذا فى حكم المستثنى، وسكت عن استثنائها لشهرة أمرها، وقيل: إن الكلام محمول على الغالب فهو من قبيل تنزيل الأكثر منزلة الكل،
стр. 577
[و] هى نطفة أبيه المختصة به، أو كل نوع من أنواع الدواب من نوع من أنواع المياه؛ ...
===
أو أن قوله مِنْ ماءٍ متعلق بمحذوف صفة لدابة لا صلة لخلق، وحينئذ فلا يرد شىء من ذلك، وإنما عدل الشارح عما قاله البيضاوى من أن المعنى خلق كل فرد من أفراد الدواب من ماء هو جزء مادته، مع أنه لم يرد عليه هذا الإشكال المتقدم؛ لأن ما قاله مبنى على مذهب الحكماء من تركيب كل حيوان من العناصر الأربعة وهى الماء والنار والهواء والتراب
(قوله: وهى نطفة أبيه) أراد بالأب مطلق الأصل الشامل لكل من أبيه وأمه على طريق المجاز المرسل من إطلاق اسم الخاص وإرادة العام، فاندفع ما يقال إن خلقه من نطفة أبيه يتوقف على مخالطة نطفة أمه لنطفة أبيه، فكان الأولى أن يقول والنطفة الممتزجة من ماء أبويه، أو يقال: تخصيص الأب بالذكر- وإن كان مخلوقا من نطفتى الأب والأم- لكونه منسوبا إليه:
(قوله: أو كل نوع إلخ) هذا الاحتمال هو المناسب للتفصيل بعد ذلك وهو قوله: فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي (١) إلخ، إذ هو تفصيل للأنواع وحمله على الأفراد تكلف. قاله ابن قاسم.
إن قلت: إن النوع أمر كلى لا وجود له فى الخارج فلا يتعلق به ولا منه.
أجيب بأن الحكم بخلقه، والخلق منه باعتبار تحققه فى الأفراد، والحاصل أن المراعى على الاحتمال الأول: الأفراد، وعلى الاحتمال الثانى: النوع، لكن من حيث تحققه فى الأفراد فهما مختلفان من جهة الملحوظ أولا وبالذات
(قوله: من نوع من أنواع المياه) اعترض بأن هذا يقتضى أن كل نوع من أنواع المياه لا يخلق منه إلا نوع واحد من أنواع الحيوان، مع أنه قد يخلق من النوع الواحد من المياه نوعان من الدواب كالحمار والبغل، فإنهما يخلقان من ماء الحمار، وأجيب بأن المراد بنوع الماء الممتزج من ماء الذكر وماء الأنثى، وماء الحمار مع ماء الفرس غيره مع ماء الحمارة، هذا وترك الشارح حمل التنكير فى الأول على النوعية، والثانى على الفردية، والعكس لعدم صحة ذلك؛ لأنه لم يخلق نوع من الفرد ولا فرد من النوع، وإن كان ذلك ممكنا عقلا، لكن
стр. 578
وهو نوع النطفة التى تختص بذلك النوع من الدواب (و) من تنكير غيره (للتعظيم نحو: فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ (١)) أى: حرب عظيم (وللتحقير؛ نحو:
إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا (٢)) أى: ظنا حقيرا ضعيفا، إذ الظن مما يقبل الشدة والضعف، فالمفعول المطلق هاهنا للنوعية لا للتوكيد، وبهذا الاعتبار صح وقوعه بعد الاستثناء ...
===
لم يقع ولا استحالة فى شىء منهما خلافا لما ذكره بعضهم من استحالة خلق نوع من شخص من الماء، ولا وجه له، إذ لا يبعد أن يخلق نوع من شخص الماء
(قوله: وهو نوع النطفة) أى: فالمعنى خلق كل نوع من الدواب من نوع من النطفة.
(قوله: أى حرب عظيم) إنما جعل التنكير هنا للتنظيم؛ لأن الحرب القليل يؤذن بالتساهل فى النهى عن موجب الحرب الذى هو الربا وهو غير مناسب للمقام؛ لأن المقام مقام تنفير عنه فالمناسب له حمل الحرب على العظيم للدلالة على أن النهى عن موجب الحرب أكيد جدا، ويحتمل أن تنكير حرب للنوعية أى نوع من الحرب غير متعارف وهو حرب جند الغيب
(قوله: إن نظن) أى: بالساعة
(قوله: للنوعية) أى: مع التوكيد، وقوله لا للتوكيد أى: للتوكيد المجرد عن إفادة النوعية، وإلا فالمفعول المطلق لا ينفك عن التوكيد، وإنما لم يكن للتوكيد المجرد عن إفادة النوعية لئلا يلزم استثناء الشىء من نفسه والتناقض؛ لأن الظن الذى نفى أولا هو الذى أثبت ثانيا
(قوله: وبهذا الاعتبار) أى:
جعل المفعول المطلق هنا مبينا للنوعية لا لمجرد التوكيد، وهذا جواب عن إشكال يورد على مثل هذا التركيب وهو أن المستثنى المفرغ يجب أن يستثنى من متعدد مستغرق حتى
стр. 579
مفرغا مع امتناع نحو: ضربته إلا ضربا، على أن يكون المصدر للتأكيد؛ لأن مصدر ضربته لا يحتمل غير الضرب، والمستثنى منه يجب أن يكون متعددا يحتمل المستثنى وغيره، واعلم أنه كما أن التنكير الذى فى معنى البعضية يفيد التعظيم فكذلك صريح لفظة البعض كما فى قوله تعالى: وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ أراد محمدا ﷺ ففى هذا الإبهام ...
===
يدخل فيه المستثنى فيخرج بالاستثناء، وليس مصدر نظن محتملا غير الظن مع الظن حتى يخرج الظن من بيته، وحينئذ فيلزم استثناء الشىء من نفسه مع التناقض وبما ذكره الشارح ينحل الإشكال ولا حاجة لما ذكره بعض النحاة من حمل الكلام على التقديم والتأخير أى: إن نحن إلا نظن ظنا، وكذا يقال فى نظائره
(قوله: مفرغا) أى استثناء مفرغا، فمفرغا نعت لمصدر محذوف وهو مصدر نوعى، ولا يصح جعله حالا من الاستثناء لفقدان شرط مجىء الحال من المضاف إليه المعتبر عند النحاة
(قوله: على أن يكون المصدر للتأكيد) أى:
وأما على جعله مبينا للنوعية أى: ضربا كثيرا أو قليلا، فيصح فلا فرق بين قولك ما ضربت إلا ضربا، وبين قوله تعالى إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا (١) فى أنه إن أريد بالمصدر فيهما بيان النوعية صح الاستثناء وإن أريد به مجرد التأكيد امتنع للزوم استثناء الشىء من نفسه والتناقض
(قوله: والمستثنى منه يجب إلخ) أى: لئلا يلزم استثناء الشىء من نفسه ويلزم التناقض؛ لأن ما ضربته مثلا يقتضى نفى الضرب وإلا ضربا يقتضى إثباته
(قوله: الذى فى معنى البعضية) وهو المراد به نوع من الجنس، وقوله يفيد التعظيم أى: أو التحقير أو التكثير أو التقليل، وذلك لأن التنكير للتنويع وكل من التعظيم والتحقير والتكثير والتقليل نوع
(قوله: فكذلك صريح لفظة البعض) أى: تفيد التعظيم من باب أولى، وكذلك قد يقصدها بها التحقير والتقليل، فمثال التعظيم ما ذكره الشارح، ومثال قصد التحقير بها قولك: هذا كلام ذكره بعض الناس، ومثال قصد التقليل قولهم كفى هذا الأمر بعض اهتمامه، وهذا مثل يقال لمن رأى شخصا فى همّة عظيمة لأجل أمر قليل، فبعض مفيدة لقلة الأمر أى: أن هذا الأمر لقلته يكفيه بعض ذلك الاهتمام.
стр. 580
من تفخيم فضله وإعلاء قدره ما لا يخفى.
أغراض الوصف
(وأما وصفه) أى: وصف المسند إليه، والوصف قد يطلق على نفس التابع المخصوص، وقد يطلق بمعنى المصدر؛ وهو أنسب هاهنا، وأوفق بقوله: وأما بيانه، وأما الإبدال منه؛ أى: أما ذكر النعت له (فلكونه) أى الوصف بمعنى المصدر، والأحسن أن يكون بمعنى النعت على أن يراد باللفظ أحد معنييه، وبضميره معناه الآخر على ما سيجىء فى البديع (مبينا له) أى: للمسند إليه ...
===
(قوله: من تفخيم فضله إلخ) أى: لأن إبهامه يدل على أن المعبر عنه أعظم فى رفعته وأجل من أن يعرف حتى يصرح به، والذوق السليم شاهد صدق مع القرائن الدالة على المراد .. اهـ. يعقوبى.
[وصف المسند إليه]:
(قوله: وأما وصفه) قدم من التوابع الوصف؛ لأنه إذا اجتمعت التوابع يبدأ منها بالنعت
(قوله: أى: وصف المسند إليه) أى: سواء كان معرفا أو منكرا، فالوصف من جملة أحوال المسند إليه مطلقا
(قوله: قد يطلق إلخ) قد للتحقيق هنا وفيما بعد
(قوله: وهو أنسب هاهنا) أى: بالتعليل؛ لأن الذى يعلل إنما هو الأحداث لا الألفاظ
(قوله: وأوفق بقوله: وأما بيانه، وأما الإبدال منه) أى: فإن الغالب استعمال هذه العبارة فى المعنى المصدرى أعنى: تعقيبه بالتابع المخصوص، وأما التابع المخصوص، فالشائع فيه عطف بيان وبدل
(قوله: أى أما ذكر النعت له) هذا تفسير للوصف بالمعنى المصدرى
(قوله: بمعنى المصدر) أى: ذكر الصفة
(قوله: الأحسن أن يكون) أى: الوصف الذى عاد عليه الضمير بمعنى النعت؛ لأن المبين والكاشف للمسند إليه إنما هو الوصف بمعنى التابع لا ذكره، وإنما لم يقل والصواب؛ لأنه يمكن صحة المعنى المصدرى أى: فلكون الذكر للوصف مبينا بواسطة النعت، لكن لما كان النعت مبينا وكاشفا أولا وبالذات والمعنى المصدرى، إنما يتصف بهما ثانيا وبالعرض كان الأول أحسن
(قوله: على أن يراد) أى: وهذا الوجه مبنى على أن يراد باللفظ كالوصف أحد معنييه كالمعنى المصدرى
стр. 581
(كاشفا عن معناه كقولك: الجسم الطويل العريض العميق ...
===
وقوله معناه الآخر أى: كالوصف بمعنى التابع ففى الكلام استخدام، فإن قلت قد يستغنى عن ذلك بجعل الضمير راجعا للصفة المفهومة من الوصف؛ لأنه بمعنى ذكر الصفة فهو متضمن للصفة على نحو: اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى (١) قلت: رجح الشارح احتمال الاستخدام؛ لأنه من الصنائع البديعية المحسنة للكلام
(قوله: كاشفا عن معناه) أى: عما يعنى منه ويقصد، كان ذلك المعنى حقيقيا أو مجازيا. وهذا تفسيرا للمراد من قوله مبينا؛ لأن تبيينه قد يكون ببيان لازم له أو صفة، مع أن المراد كشف معناه فأتى به إشارة إلى أن بيانه من حيث كشف معناه لا من حيث نفسه، ويحتمل أن المراد مبينا له فى حد ذاته كان هناك سامع أو لا وكاشفا عن معناه بالنظر للسامع فهما متغيران، والوصف إذا كان مبينا لماهية الموصوف وكاشفا عنها كان متضمنا لتعريفها؛ لأن بيانه لها وكشفه عنها، إما بذاتياتها كما فى المثال، أو بعرضيات لازمة لها كما فى البيت بعده كما يأتى بيانه، ثم إنه لا يجب فى الكشف أن يبلغ الغاية حتى يكون مظهرا للكنه، أو مميزا له عن جميع ما عداه، بل يكفى الكشف ولو بوجه أعم- كذا- كتب شيخنا الحفنى.
(قوله: الجسم الطويل إلخ) اعلم أن كل واحد من الثلاثة أعنى الطول والعرض والعمق وصف كاف فى الكشف، والبيان للجسم لما علمت أنه يكفى الكشف ولو بوجه أعم، وربما كان قول الشارح: فإن هذه الأوصاف إلخ يشير لذلك وإن احتمل أن المراد فإن مجموعها، ولا ينافيه قول المصنف: وأما وصفه فلكونه إلخ؛ لأن الإضافة للجنس الصادق بالواحد والمتعدد، وقيل وهو الظاهر: إن الوصف الكاشف هو المجموع ويصدق عليه أنه صفة واحدة بحسب المعنى، وإن كان متعددا بحسب اللفظ والإعراب كما أن حلو حامض خبر واحد فى الحقيقة؛ لأنهما بمعنى مز وكذلك الأمور الثلاثة هنا فى تأويل الممتد فى الجهات الثلاث- كذا قال بعضهم.
стр. 582
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقيل: الوصف الكاشف فى المثال هو الطويل المقيد بصفته أعنى العريض والعميق، فإن العريض صفة مخصصة للطويل، وكذا العميق صفة مخصصة له أو للعريض، وقيل الكاشف هو العميق وحده لاستلزامه الطويل والعريض بلا عكس، ولا يخفى بعد القولين الأخيرين، والثانى منهما أبعد من الأول؛ لأنه يلزم أن لا يكون للطويل والعريض مدخل فى الكشف، وأن يكون ذكرهما استطراديا.
قال الشارح فى شرح المفتاح: المراد بالطول أزيد الامتدادين أو الامتداد المفروض أولا، وبالعرض أنقص الامتدادين، أو الامتداد المفروض ثانيا، وبالعمق ما يقاطعهما.
قال الفنارى: وفيه نظر؛ لأن الأول من تعريفى الطول والعرض يستدعى أن لا يكون الجسم الذى تساوت امتداداته الثلاثة جسما تأمل. وفى ابن يعقوب: أن تفسير الجسم بما ذكر إنما هو على المذهب الاعتزالى، وأما عند الحكماء فالجسم هو ما تركب من الهيولى أى: المادة والصورة، وعند أهل السنة: ما تركب من جوهرين فأكثر، أو المتحيز القابل للقسمة، وإن لم يكن فيه عرض وعمق، وأما غير القابل للقسمة فجوهر فرد وجزء لا يتجزأ، والفرق بين المذهب السنى ومذهب الحكماء: أن الصورة عند الحكماء لها دخل فى التركيب وهى جزء الجسم، وعند أهل السنة أن تركيب الجسم إنما هو من الجواهر الفردة، والصورة عرض اعتبارى أو حقيقى، ولا مدخل لها فى جزئية الجسم. اه كلامه. وعبارة السيرامى.
(قوله: لكونه مبينا إلخ) التبيين بالنظر إلى نفسه سواء كان ثمة سامع أو لا، والكشف بالنظر إلى السامع والوصف إذا كان مبينا للماهية كاشفا عنها كان معرفا لها بمعنى أنه متضمن لتعريفها وإشارة إليه، لا أنه عينه فيكون نفس الموصوف أو جاريا مجراه كالمعرف؛ لأنه يكون بالذاتيات أو بالعرضيات أو بهما، ولا فرق بين أن يكون الوصف بنعت واحد أو أكثر، والأحسن أن يكون بمشترك ومميز كما فى التعريفات، فالوصف فى هذه الفنون أعم من أن يكون تمام حقيقة الموصوف أو جزأها أو خارجا
стр. 583
يحتاج إلى فراغ يشغله) فإن هذه الأوصاف مما يوضح الجسم ويقع تعريفا له (ونحوه فى الكشف) أى: مثل هذا القول فى كون الوصف للكشف والإيضاح، وإن لم يكن وصفا للمسند إليه ...
===
عنها حقيقيا أو اعتباريا أو سلبيا، والمثال المذكور من القسم الأول عند المعتزلة والحكماء؛ لأنه حد الجسم الطبيعى عندهم، وإن قالت المعتزلة: إنه مركب من أجزاء كأهل السنة وقالت الحكماء: من الهيولى والصورة فاندفع بمعنى كون الوصف معرفا اعتراض من قال: إن المعرف مع المعرف مركب تام والموصوف مع صفته مركب ناقص؛ لأنه تقييدى وبما تقدم من عدم الفرق بين الوصف الواحد، والأكثر يندفع اعتراض من قال: إن النعت لا يكون إلا مفردا والمذكور متعدد، وبما تقدم من أن الأحسن اشتمال الوصف على المميز، والمشترك يندفع اعتراض من قال: إن ذكر العميق كاف فى الكشف فلا حاجة إلى ذكر الطويل العريض، ثم إن الجسم عند الأشاعرة:
المتحيز القابل للقسمة، وإن لم يكن فيه عرض وعمق فيشمل المركب من جزأين، وعند المعتزلة ما تركب من ثمانية أجزاء: جزءان للطول وجزءان بجنبهما للعرض وأربعة فوقهما للثخن، وقيل ما تركب من ستة بأن يوضع ثلاثة على ثلاثة، وقال النظام:
مركب من أجزاء غير متناهية. اه.
(قوله: يحتاج إلى فراغ) خبر عن قوله الجسم، وفيه أن الاحتياج إلى فراغ ليس خاصا بالجسم الطويل العريض العميق، بل الجوهر الفرد كذلك مما يحتاج إلى الفراغ خصوصا، والمعتزلة أصحاب هذا التعريف يعترفون بالجوهر الفرد ويخالفون الحكماء فى إنكاره فلا وجه للتخصيص، والجواب أنه أراد الاحتياج إلى فراغ ممتد، ولا يخفى أنه من خصائص الجسم الطبيعى الطويل العريض العميق
(قوله: ويقع تعريفا له) أشار بذلك إلى أن المراد بكون الوصف يبين المسند إليه أن يقع تعريفا له
(قوله: ونحوه) مبتدأ خبره قوله الآتى
(قوله: وإن لم يكن وصفا للمسند إليه) فيه إشارة إلى حكمة فصله عما قبله، وأيضا فى الفصل تنبيه على التفاوت بينهما فى الكشف فإن الوصف الأول مبين للموصوف بذاتياته، وأما الوصف هنا فإنه مبين لموصوف بلازمه كما يأتى بيانه
стр. 584
(قوله (١):
الألمعىّ الذى يظنّ بك الظن ... كأن قد رأى وقد سمعا)
فالألمعى معناه الذكى ...
===
(قوله: قوله) أى: قول أوس بن حجر، بفتح الحاء وضمها وسكون الجيم، فى مرثية فضالة ابن كلدة بفتح فاء فضالة وكسر كاف كلدة وسكون لامه، أو بفتح الكاف واللام، وأول هذه المرثية:
أيتها النفس أجملى جزعا ... إنّ الذى تحذرين قد وقعا
إلى أن قال: إن الذى جمع إلخ
(قوله: الألمعى إلخ) من المنسرح، وأجزاؤه مستعلن مفعولات مفتعلن مرتين
(قوله: الذى يظن إلخ) هذا تفسير للألمعى باللازم؛ لأن الألمعى معناه الذكى المتوقد الفطنة، ومن لوازمه أنه إذا ظن بك ظنا كان ظنه موافقا للواقع؛ لأن متوقد الفطنة إذا وجه عقله نحو شىء ليختبره أدرك من حاله ما هو عليه، وكان ظنه لذلك صوابا موافقا للواقع، كأنه رأى موجبه إن كان من المشاهدات وسمعه إن كان من المسموعات، فالوصف هنا مبين للموصوف بلازمه
(قوله: الذى يظن) يحتمل أن مفعولى يظن محذوفان أى: الذى يظنك متصفا بصفة ويحتمل أنه نزله منزلة اللازم، وقوله بك: بيان لموضع الظن
(قوله: كأن قد رأى إلخ) كأن مخففة من الثقيلة اسمها الشأن، والجملة حال من فاعل يظن أى: يظن فى حال كونه مشبها للرؤية، والسمع أى: لذى الرؤية والسمع، أو للرائى والسامع، ويصح أن تكون حالا من الظن أى حالة كون ظنه مشابها لرؤية شخص راء وسماع شخص سامع أو صفة للظن أى: ظنا كائنا مثل الرؤية والسمع، ولا يقال الجار والمجرور بعد المعرفة حال لا صفة:
стр. 585
المتوقد، والوصف بعده مما يكشف معناه ويوضحه، لكنه ليس بمسند إليه؛ لأنه مرفوع على أنه خبر إن فى البيت السابق؛ أعنى قوله:
إنّ الذى جمع السّماحة والنج ... دة والبرّ والتّقى جمعا.
أو منصوب صفة لاسم إن، أو بتقدير: أعنى (أو) لكون الوصف (مخصصا) للمسند إليه مقللا اشتراكه، ...
===
كالجملة؛ لأن أل فى الظن للعهد الذهنى، والمعرف بها كالمعرف بلام الجنس فى جواز الحالية والصفة فى الجار والمجرور إذا وقع بعدهما
(قوله: المتوقد إلخ) كناية عن شدة فهمه فشبهه بالنار المشتعلة
(قوله: مما يكشف معناه) أى: باللزوم.
(قوله: لكنه ليس بمسند إليه) أعاده توطئة لما بعده وإلا فقد تقدم ذلك
(قوله: لأنه مرفوع إلخ) لو قال: لأنه خبر إن لكان أخصر لكنه أتى به لمقابلة قوله بعد أو منصوب صفة لاسم إن أو بتقدير: أعنى. تأمل.
(قوله: على أنه خبر إن) الذى يساعده السوق أن الخبر قوله: بعد عدة أبيات:
أودى فلا تنفع الإشاحة من ... أمر لمرء يحاول البدعا
فالأولى جعله منصوبا صفة لاسم إن، أو بتقدير: أعنى، كما قال الشارح بعد ذلك إلا أن يجعل قوله أودى على الإعراب الأول مستأنفا وأودى بمعنى هلك والاشاحة الحذر والبدع جمع بدعة بمعنى الأمر الغريب، يعنى لا ينفع طالب الأمور الغريبة كدوام وجود شخص أو غيره الحذر من أمر كائن لا محالة فيه، وهو الموت
(قوله: والنجدة) أى: القوة والشجاعة
(قوله: جمعا) توكيد للأربعة قبله، فهو بمعنى جميعا
(قوله: أو مخصصا) الفرق بينه وبين الوصف المبين أن الغرض من المخصص تخصيص اللفظ بالمراد، ومن المبين كشف المعنى
(قوله: أى مقللا اشتراكه) أى: مقللا للاشتراك الواقع فيه إذا كان نكرة، وأراد بالاشتراك هنا الاشتراك المعنوى، والمشترك المعنوى: ما وضع لمعنى واحد مشترك بين أفراد فتقول: رجل تاجر عندنا، فتاجر قلل الاشتراك فى رجل؛ لأنه يشمل التاجر وغيره؛ لأنه موضوع للذكر البالغ العاقل من بنى آدم وقد اشترك فى ذلك المعنى التاجر وغيره، والمراد بتقليل الاشتراك تقليل مقتضى
стр. 586
أو رافعا احتماله. وفى عرف النحاة: التخصيص عبارة عن تقليل الاشتراك فى النكرات، والتوضيح عبارة عن رفع الاحتمال الحاصل فى المعارف (نحو: زيد التاجر عندنا) فإن وصفه بالتاجر يرفع احتماله التاجر وغيره ...
===
الاشتراك وهو الاحتمال، وإلا فاشتراك اللفظ بين أفراد مفهومه أو بين مفهوماته لا يندفع بشىء.
(قوله: أو رافعا احتماله) أى: رافعا للاحتمال الواقع فيه إذا كان معرفة، والمراد بالاحتمال الاحتمال الذى يقتضيه الاشتراك اللفظى، والمشترك اللفظى: ما وضع لمعنيين فأكثر بأوضاع متعددة: كزيد، فإنه وضع للشخص التاجر والفقيه مثلا فنعته بقولك التاجر رافع لاحتمال الفقيه، فتحصل من ذلك أن التخصيص يدخل المعارف والنكرات، وأن للتخصيص فردين تقليل الاشتراك ورفع الاحتمال وهذا اصطلاح البيانيين بخلاف النحويين، فإن التخصيص عندهم تقليل الاشتراك فى النكرات فقط، وأما رفع الاحتمال الكائن فى المعارف فيقال له توضيح لا تخصيص، ويرد عليهم الوصف فى قولنا: عين جارية فلا يصح أن يكون مخصصا؛ لأن الاشتراك فيه لفظى ولا موضحا؛ لأنه نكرة وأجيب بأن المراد بالاشتراك عند النحاة ما يعم المعنوى واللفظى، فيكون النعت فى هذا المثال من قبيل المخصص لا الموضح؛ وذلك لأنه قلل الاشتراك فى عين برفع مقتضى الاشتراك اللفظى وعين معنى واحدا، فلم يبق فى عين جارية إلا الاشتراك المعنوى بين أفراد ذلك المعنى- أفاده القرمى.
(قوله: التخصيص عبارة عن تقليل الاشتراك فى النكرات) هذا ظاهر إن كانت النكرة موضوعة للمفهوم الكلى؛ لأن المفهوم الكلى فيه اشتراك حقيقة، وإن كانت موضوعة للفرد المنتشر، فالاشتراك من حيث صدق النكرة على كل فرد فرد على سبيل البدل، إذ لا يتعين فى مفهوم النكرة بحيث يمنع من الاشتراك؛ لأن التعيين الذى فيه بمعنى أنه فرد الرجل لا فرد الأنثى لا بمعنى أنه معين شخصا للمخاطب- قاله يس.
(قوله: الحاصل فى المعارف) سواء كانت أعلاما أو غيرها، ثم إن الاحتمال فى المعارف إن كانت مشتركا اشتراكا لفظيا، فبالقياس إلى معانيه بحسب الأوضاع المتعددة،
стр. 587
(أو) لكون الوصف (مدحا أو ذما، نحو: جاءنى زيد العالم، أو الجاهل، حيث يتعين الموصوف) أعنى: زيدا (قبل ذكره) أى: ذكر الوصف، وإلا لكان الوصف مخصصا ...
===
فحينئذ يكون الاحتمال ناشئا من اللفظ علما أو غيره، فإن زيد إذا كان مشتركا بين أشخاص كان محتملا؛ لأن يطلق على كل واحد من تلك الأشخاص لكونه موضوعا بإزاء خصوصية كل منها، وليس هنا معنى كلى يحتمل أن يتحقق فى ضمن كل منها إلا أن يؤول زيد بمسمى بزيد، فيكون حينئذ فى حكم النكرات، وكذا احتمال سائر المعارف من أسماء الإشارة والموصولات وغيرها ناشئ من اللفظ، فإن المعرف بلام العهد الخارجى: كالرجل، وكذا اسم الإشارة والموصول يصلح؛ لأن يطلق على كل فرد من المعهودات الخارجية والمشار إليها وما حكم عليه بالصلة إما لأنه موضوع بإزاء تلك الأفراد وضعا عاما، وإما لأنه موضوع لمعنى كلى يستعمل فى جزئياته، وأيّا ما كان فالاحتمال ناشىء من اللفظ وإن لم يكن بأوضاع، ثم إن ما ذكره الشارح لا يتأتى فى المعرف بلام الجنس؛ لأن مدلوله الجنس، وفيه الاشتراك لصدقه على كثيرين فوصفه لا يوضحه، بل يخصصه كالنكرات ولا فى المعرف بلام العهد الذهنى لصدقه على كثيرين على سبيل البدل فوصفه لا يوضحه أيضا، بل يخصصه فلعل مرادهم بالمعارف ما عدا هذين قاله سم. وعبارة اليعقوبى: رفع الاحتمال فى المعارف التى لا اشتراك فى استعمالها ليخرج المعرف بلام الجنس والمشار بها إلى فرد ما باعتبار عهدية جنسه، فإن فيهما تقليل الاشتراك كالنكرة
(قوله: أو لكون الوصف مدحا أو ذما) أى:
مادحا أو ذاما أو ذا مدح أو ذم، وأنه جعل الوصف مدحا أو ذما مبالغة
(قوله: حيث يتعين الموصوف قبل ذكره) أى إذا كان يتعين إلخ، فالحيثية للتقييد والتعين إما لكونه لا شريك له فى ذلك الاسم، أو لكون المخاطب يعرفه بعينه قبل ذكر الوصف.
(قوله: لكان الوصف مخصصا) فيه نظر؛ لأنه يقتضى أن الموصوف إذا لم يتعين قبل ذكر الوصف وجب فى الوصف أن يكون مخصصا مع أنه ليس كذلك، بل يصح أن يكون للمدح أو الذم أيضا بحسب قصد المتكلم، وأجيب بأن المراد أن الظاهر منه
стр. 588
(أو) لكونه (تأكيدا، نحو: أمس الدابر كان يوما عظيما) فإن لفظ الأمس مما يدل على الدبور، وقد يكون الوصف لبيان المقصود وتفسيره ...
===
ذلك عند عدم التعين، وإن صح أن يراد منه المدح أو الذم
(قوله: أو لكونه تأكيدا) ليس المراد التوكيد الاصطلاحى لا اللفظى ولا المعنوى، بل أراد به المقرر وذلك فيما إذا كان المسند إليه متضمنا لمعنى ذلك الوصف، فيكون ذلك الوصف مؤكدا ومقررا لذلك المسند إليه.
(قوله: أمس الدابر إلخ) أمس مبتدأ مبنى على الكسر، والدابر نعت مؤكد له مرفوع نظرا للمحل، وجملة كان خبره
(قوله: مما يدل على الدبور) أى: المضى فوصفه بالدابر تأكيد، ثم إن كان الأمر الواقع فى الأمس مما يسر، فالغرض من ذلك التأكيد التأسف على ذلك الوصف أعنى الدبور، والمضى وتمنى بقائه، وإنه ليته ما دبر، وإن كان الواقع فيه مما يكدر كان الغرض من ذكره الإشارة إلى الفرح بدبوره ومضيه، والحاصل أن الوصف بالدبور ونحوه مما هو مؤكد إنما يكون من البلاغة إذا كان لأمر اقتضاه المقام: كالأغراض المذكورة، وإلا لم يكن من البلاغة فى شىء- كذا ذكره شيخنا الحفنى.
(قوله: لبيان المقصود) أى: من المسند إليه، وقوله: وتفسيره عطف تفسير- أفاد به أن المراد ببيان المقصود إفرازه وتمييزه عن غيره، ثم إن كلام الشارح يقتضى أن الوصف المبين للمقصود مغاير للوصف المؤكد وللوصف الكاشف وللوصف المخصص، مع أن كلا منها أتى به لبيان المقصود وتفسيره، فيحتاج إلى الفرق بين الأمور الأربعة، فالفرق بينه وبين الوصف المؤكد أن المؤكد لا يلاحظ فيه بيان المقصود الأصلى، بل الملاحظ فيه مجرد التوكيد والتقوية، فبيان المقصود به حاصل غير مقصود بخلاف هذا الوصف، فإن الملحوظ فيه بيان المقصود والفرق بينه وبين الكاشف أن الغرض هنا بيان أحد المحتملين للفظ أو المحتملات له بأن يحتمل اللفظ معنيين فأكثر، فيؤتى بالوصف لبيان المراد من تلك المحتملات كما فى الدابة فى المثال لاحتمالها الفرد والجنس بخلاف الوصف الكاشف، فإن المقصود به إيضاح المعنى، لا بيان أحد المحتملات والفرق بينه
стр. 589
كقوله تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ (١) حيث وصف دابة وطائرا بما هو من خواص الجنس لبيان أن القصد منهما إلى الجنس دون الفرد، ...
===
وبين المخصص أن الغرض من المبين للمقصود بيان أحد محتملات اللفظ ورفع غيره من محتملاته، والغرض من المخصص بيان أحد أفراد المعنى ورفع غيره من الأفراد، فإذا قلت:
رجل تاجر عندنا ارتفع بالوصف الفقيه مثلا وهو أحد أفراد معنى الرجل، فإنه موضوع للذكر البالغ وهو أمر كلى تحته أفراد الفقيه أحدها.
إن قلت النعت المخصص كما يرفع به أحد أفراد المعنى الواحد يبين به أحد محتملات اللفظ ويرفع به غيره من محتملاته كما فى: زيد التاجر عندنا فيلزم أن يكون الوصف المبين للمقصود أحد قسمى المخصص، قلت: رفع المخصص للاحتمال مخصوص بالمعارف والوصف المبين لمقصود إنما يكون لنكرات، وحينئذ فاللازم المذكور ممنوع
(قوله: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ) أى: سواكم بقرينة قوله: أمثالكم؛ لأن المماثل غير المماثل أفاده فى الأطول
(قوله: حيث وصف) أى: لأنه وصف إلخ، فهذا علة لكون النعت هنا مبينا للمقصود من المسند إليه، وبيان ما ذكره الشارح أن النكرة فى سياق النفى تفيد العموم والاستغراق، لا سيما إذا اقترنت بمن الزائدة، لكن يجوز أن يراد هنا الاستغراق العرفى بأن يراد دواب أرض واحدة وطيور جو واحد، فذكر الوصف المختص بالجنس دون المختص بطائفة لينبه على أن المراد دواب أى أرض كانت من الأرضين السبع، وطيور أى جو كان، فقد أفاد الوصف بهذا الاعتبار زيادة التعميم، وأن المراد الاستغراق الحقيقى فيتناول كل دابة من دواب الأرضين السبع، وكل طائر من طيور الآفاق والأقطار المختلفة
(قوله: بما هو من خواص الجنس) أى: وهو الكون فى الأرض بالنظر لدابة والطيران بالجناحين بالنظر لطائر، فإن هذا نسبته إلى جميع أفراد الجنس على السواء ولا يختص به فرد
(قوله: إلى الجنس) أى: متوجه إلى الجنس فهو متعلق بمحذوف، والمراد متوجه إلى الجنس المتحقق فى كل فرد
(قوله: دون الفرد) فيه أن
стр. 590
وبهذا الاعتبار أفاد هذا الوصف زيادة التعميم والإحاطة.
===
الفرد هنا ليس بمحتمل أصلا حتى يحتاج لنفيه، بل المحتمل طائفة من الدواب وطائفة من الطير، فكان الأولى أن يقول دون طائفة من الأفراد مخصوصة، وأجيب بأن مراده بالفرد مطلق العدد الذى يقارنه الاستغراق العرفى
(قوله: وبهذا الاعتبار) أى: اعتبار أن الوصف لبيان أن القصد إلى الجنس.
(قوله: أفاد هذا الوصف زيادة إلخ) أى: بحسب تحقق الجنس فى جميع الأفراد فلا تنافى بين قصد الجنس، وإفادة زيادة التعميم الذى فى الأفراد.
(قوله: زيادة التعميم) أى: وأما أصل التعميم والإحاطة، فحاصل من وقوع النكرة فى سياق النفى مقرونة بمن وقصد الشارح بهذا الكلام أعنى قوله وبهذا الاعتبار إلخ: بيان أن مآل توجيه صاحب الكشاف للإتيان بالوصف فى الآية وتوجيه السكاكى واحد، وإن اختلفا ذاتا، وتوضيح ذلك أنه اختلف كلام الكشاف والمفتاح فى تقرير الآية الكريمة، وبيان معنى زيادة قوله «فى الأرض يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ فقال فى الكشاف: معنى ذلك زيادة التعميم والإحاطة كأنه قيل: وما من دابة قط فى جميع الأرضين السبع، وما من طائر قط فى جو السماء من جميع ما يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم محفوظة أحوالها غير مهمل أمرها، وبيان ذلك أن النكرة فى سياق النفى تفيد العموم، لكن يجوز أن يراد به هنا دواب أرض واحدة وطيور جو واحد، فيكون الاستغراق عرفيا يتناول من الأفراد ما هو المتعارف، فذكر وصف يستوى نسبته إلى جميع دواب أى أرض كانت وطيور أى جو كان، فيكون الاستغراق حقيقيا يتناول كل دابة من دواب الأرضين السبع وكل طائر من طيور جميع الآفاق، فقد أفاد ذكرهما زيادة التعميم والإحاطة بسبب تعين كون الاستغراق حقيقيا، وقال فى المفتاح: ذكر فى الأرض مع دابة ويطير بجناحيه مع طائر لبيان أن القصد من لفظ دابة ولفظ طائر إنما هو إلى الجنسين وتقريرهما، وتوجيه ذلك أن اسم الجنس حامل لمعنى الجنسية والفردية، فإذا أضيف إليه ما هو من خواص الجنس علم أن القصد به إلى الجنس، وذلك كالدابة والطائر فى الآية المذكورة، فإنه لما أضيف إليه ما هو من خواص الجنس تعين أن القصد إنما هو إلى الجنس وتقريره فيفيد عموم كل فرد يصدق عليه
стр. 591
[أغراض التوكيد]:
(وأما توكيده) أى: توكيد المسند إليه (فللتقرير) أى: تقرير المسند إليه؛ أى: تحقيق مفهومه ومدلوله؛ ...
===
الجنس دون الفرد وليس القصد إلى الجنس مع الوحدة، ولا خفاء أن مؤدى كلامهما مختلف؛ لأن صاحب الكشاف جعل الوصف من أول الأمر للتعميم، والسكاكى جعله لبيان الجنس وتقريره، إلا أن المآل واحد وهو إفادة زيادة التعميم والإحاطة؛ وذلك لأنه على تقدير حمله على بيان الجنس وتقريره- كما قال السكاكى- يكون الاستغراق بسبب وقوع النكرة فى سياق النفى وشهادة من الاستغراقية عليه ويكون معنى الآية حينئذ: وما من جنس دابة من أجناس الدواب، ولا جنس طائر من أجناس الطيور إلا أمم أمثالكم، لكن يجوز أن يراد بها ما هو المتفاهم فى العرف من دابة وهى ذوات القوائم الأربع، ومن طائر الطيور التى يعتبرها الناس، ويعتدون بها: كالطائر الذى يصيد مثلا، ولفظة (من) الاستغراقية، وإن دلت على استغراق الجنسين، لكن لا ترفع الوهم بالكلية لجواز أن يراد الاستغراق العرفى فذكر فى الأرض ويطير بجناحيه، وإن كان لبيان أن القصد إنما هو إلى بيان الجنسين وتقريرهما، لكنه لا ينافى زيادة التعميم والإحاطة على التعميم المفاد من من الاستغراقية، فقد ظهر لك أن مآل الكلامين واحد، وإلى هذا أشار الشارح بقوله: وبهذا الاعتبار أفاد الوصف زيادة التعميم والإحاطة، وليس مراده بيان أن كلا منهما متحد- أفاده القرمى.
بقى شىء آخر وهو أن تلك النكرة الواقعة فى سياق النفى إن قلنا إن المراد منها كل فرد فرد كما قال صاحب الكشاف أو كل نوع نوع على ما قاله صاحب المفتاح فلا يصح الإخبار عنها بقوله أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ لأن كل فرد لا يكون أمما وكذا كل نوع لا يكون أمما؛ لأن كل نوع أمة واحدة لا أمم، وأجيب بأن النكرة هنا محمولة على المجموع أى مجموع الأفراد والأنواع من حيث هو مجموع، وإن كان خلاف الظاهر بقرينة الخبر
(قوله: أى تحقيق مفهومه) أى: وليس المراد بتقرره ذكره أولا، ثم ذكر ما يقرره ويثبته، فإن هذا شامل لنحو: أنا سعيت فى حاجتك وهو غير مراد هنا،
стр. 592
أعنى: جعله مستقرا محققا ثابتا؛ بحيث لا يظن به غيره، نحو: جاءنى زيد؛ إذا ظن المتكلم غفلة السامع عن سماع لفظ المسند إليه، أو عن حمله على معناه، ...
===
ثم إن المفهوم عبارة عن المعنى الحقيقى، وأما المدلول فهو ما دل عليه اللفظ سواء كان حقيقيا أو مجازيا نحو: رمى الأسد نفسه، وحينئذ فعطف المدلول من عطف العام، وأتى به بعد الخاص إشارة إلى أنه المراد
(قوله: أعنى إلخ) لما كان يتوهم من قوله تحقيق مفهومه جعل المفهوم محققا وثابتا فى نفسه بإزالة الخفاء عنه، وهذا غير مراد بين الشارح المراد بقوله أعنى إلخ، ومحط العناية قوله بحيث إلخ، وحاصله أن المراد بتحقيق مفهومه إزالة احتمال الغير بأن يجعل ذلك المفهوم محققا وثابتا فى ذهن السامع بحيث لا يظن السامع أن المراد من ذلك اللفظ غيره- كذا قرر شيخنا العدوى.
(قوله: أعنى جعله) أى: جعل ذلك المفهوم وقوله مستقرا أى: قارا فى ذهن السامع، وقوله محققا ثابتا بيان لما قبله
(قوله: لا يظن) أى: السامع وقوله به أى: منه أو بدله، والمراد بالظن ما يشمل التوهم
(قوله: إذا ظن) أى: يقال ذلك إذا ظن إلخ: فهو ظرف لمحذوف
(قوله: عن سماع لفظ المسند إليه) أى: لشاغل شغل سمعه
(قوله: أو عن حمله على معناه) أى: أو ظن المتكلم غفلة السامع عن حمل المتكلم له على معناه، أو عن حمل السامع له على معناه الحقيقى لوجود مانع من فهم المعنى، ففاعل الحمل إما المتكلم أو السامع، مثلا إذا قلت: جاء أسد، وظننت أن السامع غفل عن كونك حملته على معناه الحقيقى، بأن ظن أو اعتقد أنك حملته على خلافه قلت ثانيا: أسد فتفيده أن مرادك به الحيوان المفترس لا الرجل الشجاع، وكذا إذا ظننت أن السامع غفل عن حمله على معناه الحقيقى، فتقول له ثانيا: أسد فتفيده أن المراد الحيوان المفترس، وتقرره عنده، وقوله أو عن حمله على معناه لا يخفى أن هذا الغرض كما يؤدى بالتأكيد اللفظى يؤدى بالمعنوى كما يفيده كلام الشارح فى المطول فإن قلت: إذا كان المراد بالتقرير ما ذكر كان عين قول المصنف الآتى أو دفع توهم التجوز إذ المتكلم إنما يأتى بالتوكيد لدفع توهم التجوز إذا ظن غفلة السامع مع حمله على معناه الحقيقى، فقد يجاب بأن المراد هنا غفلة السامع عن التوجه إلى ما يراد به حقيقة أو مجازا بأن ظن المتكلم أن السامع لم يحمله
стр. 593
وقيل: المراد تقرير الحكم، نحو: أنا عرفت، أو المحكوم عليه، نحو: أنا سعيت فى حاجتك وحدى، أو لا غيرى؛ وفيه نظر؛ ...
===
على معنى أصلا أو يحمله على معنى غلطا، والمراد بما يأتى غفلة السامع عن حمله على معناه الحقيقى بأن يحمله على معناه المجازى- فتأمل.
أو يقال فرق بين قصد التقرير المجرد عن ملاحظة دفع التوهم وبين قصد دفع التوهم، فالأول المقصود منه أولا، وبالذات التقرير، ودفع التوهم، وإن كان حاصلا، لكن من غير قصد، والثانى بالعكس أى المقصود منه أولا وبالذات دفع التوهم، والتقرير حاصل من غير قصد، وفرق بين الحاصل المقصود والحاصل من غير قصد
(قوله: وقيل المراد إلخ) هذا مقابل لقوله أى: تقرير المسند إليه وحاصله أن الشارح يقول: إن مراد المصنف بقوله فللتقرير أى: تقرير المسند إليه فقط، وهذا القول يقول ليس مراد المصنف تقرير المسند إليه فقط، بل تقرير الحكم أو المحكوم عليه الذى هو المسند إليه، ومثل لتقرير الحكم بأنا عرفت ومثل لتقرير المحكوم عليه بقوله: أنا سعيت فى حاجتك وحدى أو لا غيرى فرد عليه الشارح بالنظر للشق الأول بأن تأكيد المسند إليه لا يفيد تقرير الحكم وتقرير الحكم فى: أنا عرفت إنما حصل من تقديم المسند إليه المقتضى لتكرر الإسناد لا من تأكيد المسند إليه بدليل أنه لو أكد المسند إليه مع كونه مؤخرا كما فى:
سعيت أنا فى حاجتك لم يحصل لذلك الحكم تقرير وتقوية، ورد عليه بالنظر للشق الثانى بأن تمثيله غير صحيح؛ لأن قولك: أنا سعيت فى حاجتك وحدى أو لا غيرى ليس هذا من تأكيد المحكوم عليه؛ لأن وحدى ولا غيرى تأكيد للتخصيص الحاصل من التقديم، فالاعتراض على هذا القائل بالنظر للشق الثانى إنما هو من حيث المثال.
(قوله: نحو أنا عرفت) تقرير الحكم فى هذا المثال من حيث تكرر الإسناد؛ وذلك لأنه أسند المعرفة التى هى الحكم مرتين للضميرين اللذين هما للمتكلم، فلما أسندت مرتين فكأنها ذكرت مرتين فى اللفظ، فحصل لها بذلك تقرير وتقوية وما جاء تقرير الحكم إلا بواسطة تأكيد المسند إليه؛ لأن الضمير الثانى مؤكد للأول
(قوله: وحدى أو لا غيرى) أى: فقد أكد المحكوم عليه وهو أنا بوحدى وبلا غيرى لإفادة
стр. 594
لأنه ليس من تأكيد المسند إليه فى شىء، وتأكيد المسند إليه لا يكون لتقرير الحكم قط، وسيصرح المصنف بهذا.
===
تقريره
(قوله: لأنه) أى: ما ذكر من المثال الأخير ليس إلخ، وهذا رد لقوله أو المحكوم عليه نحو: أنا سعيت إلخ، وحاصله: أنا لا نسلم أن أنا سعيت فى حاجتك وحدى أو لا غيرى من تأكيد المسند إليه؛ لأن وحدى حال ولا غيرى عطف على المسند إليه وليسا من التأكيد الاصطلاحى كما هو المراد، على أنه لو سلم أن المراد بالتأكيد هنا ما هو أعم من الاصطلاحى، فلا نسلم وجود تأكيد المسند إليه فى المثالين، بل الموجود فيهما تأكيد التخصيص مستفاد من التقديم للمسند إليه للرد على المخالف فى زعمه أن معك مشاركا فى السعى، أو أن الساعى غيرك، ويسمى الأول قصر إفراد، والثانى قصر قلب.
فالحاصل أن حمل هذا البعض التقرير على تقرير المحكوم عليه صحيح، لكن تمثيله لتأكيد المسند إليه المفيد لتقريره بأنا سعيت فى حاجتك وحدى غير صحيح.
(قوله: وتأكيد المسند إليه لا يكون إلخ) هذا رد لقوله المراد بالتقرير تقرير الحكم، وحاصله أنا لا نسلم أن تأكيد المسند إليه يفيد تقرير الحكم؛ لأن تقرير الحكم فى نحو: أنا عرفت إنما هو من تقديم المسند إليه المستدعى لتكرير الإسناد لا من تأكيد المسند إليه، وإلا لما اختلف الحال بتقديم المسند إليه وتأخيره، مع أنه لو أخر فقيل عرفت أنا وعرفت أنت لم يفد تقرير الحكم، بل تقرير المحكوم عليه بالإجماع، فظهر من هذا أن تأكيد المسند إليه لا يكون لتقريره نفسه، وأنه لا يصح أن يمثل لتأكيد المسند إليه بقولك: أنا سعيت فى حاجتك وحدى ولا غيرى، بل يمثل له بما قاله الشارح.
واعلم أن هذا الرد مبنى على أن التأكيد هنا بالمعنى الأعم من الاصطلاحى بأن أريد به مطلق تأكيد المسند إليه الداخل فيه نحو: أنا عرفت، لكن يلزم منه أن يكون فى قوله وسيصرح المصنف بهذا مسامحة؛ لأن المصنف إنما صرح به فى التأكيد الاصطلاحى إلا أن يقال: إنه يعلم من غيره فالمراد أنه سيصرح بما يعلم منه هذا
(قوله: لا يكون لتقرير الحكم قط) اعترض بأن قط ظرف لما مضى لا لما يستقبل بخلاف عوض فإنها
стр. 595
(أو لدفع توهم التجوز) أى: التكلم بالمجاز، نحو: قطع اللص الأمير الأمير، أو نفسه، أو عينه؛ لئلا يتوهم أن إسناد القطع إلى الأمير مجاز، وإنما القاطع بعض غلمانه.
===
ظرف للمستقبل، وحينئذ فلا يعمل فى عوض إلا فعل مستقبل وفى قط إلا ماض وقولهم: لا أكلمه قط عدوه من الخطأ لما فيه من التناقض؛ لأن قط ظرف للماضى من الزمان فلا يصح عمل المستقبل فيه، وحينئذ فقول الشارح لا يكون لتقرير الحكم قط لحن ورده ابن جماعة بأن غاية ما فيه استعمال اللفظ فى غير ما وضع له فيكون مجازا، قال الشيخ يس: وفيه نظر- ولعل وجه النظر أن محل كون استعمال اللفظ فى غير ما وضع له جائزا إذا لم يخالف استعمال العرب، وإلا فلا يجوز، فإن كان هذا مراده فيقال له: الحق أن المجاز لا يشترط سماع شخصه، بل سماع النوع كاف- فتأمل- قرره شيخنا العدوى- عليه سحائب الرحمة والرضوان.
(قوله: أو لدفع توهم التجوز) أى: أو لدفع توهم السامع أن المتكلم تجوز فى الكلام وإنما عدل عن الظن إلى التوهم؛ لأن ذكر المسند إليه لا يوجب ظن التجوز أو غيره غايته التوهم، فإن قلت: جعل دفع توهم التجوز ونظيره مقابلا للتقرير يدل على أنه لا تقرير فى هذه الصورة مع أن التأكيد تابع يقرر أمر المتبوع فى النسبة أو الشمول قلت: التقرير وإن كان لازما للتوكيد إلا أن القصد إلى مجرد التقرير مفارق للقصد إلى الأمور المذكورة، والمراد بقوله فيما سبق فللتقرير أى: فللقصد إلى مجرد التقرير كما سبق
(قوله: أى: التكلم بالمجاز) أى: التكلم بالمسند إليه على جهة المجاز؛ لأن توكيد المسند إليه إنما يدفع توهم التجوز فيه ولا يدفع توهم التجوز فى المسند، وإنما يدفع التجوز فيه توكيده.
واعلم أن المجاز مشترك بين العقلى واللغوى والتأكيد يدفع توهم إرادة كل منهما كما أفاده بعض المحققين، بل يدفع توهم إرادة مجاز النقصان أيضا فقول الشارح أى: التكلم بالمجاز مراده ما هو أعم
(قوله: أو نفسه أو عينه) أشار إلى أن كلا من التأكيد اللفظى والمعنوى يدفع توهم المجاز
(قوله: لئلا يتوهم إلخ) أى: يقال ذلك لدفع
стр. 596
(أو) لدفع توهم (السهو) نحو: جاءنى زيد زيد لئلا يتوهم الجائى غير زيد، وإنما ذكر زيد على سبيل السهو.
===
توهم إلخ أى ويلزم من التأكيد لدفع التوهم المذكور تقرير المسند إليه أنه حاصل غير مقصود، وقوله لئلا يتوهم إلخ أى: فيكون التأكيد دافعا لتوهم المجاز العقلى أى: أو لئلا يتوهم أن المراد بالأمير بعض غلمانه مجازا لغويا، والعلاقة المشابهة فى تعلق القطع بكل من، حيث إن أحدهما آمر والآخر مباشر، أو لئلا يتوهم أن فى الكلام مجازا بالحذف؛ لأن التأكيد يدفع توهمه أيضا، ثم إن المراد بدفع التأكيد لتوهم المجاز إضعافه لذلك التوهم، والاحتمال لا دفعه بالمرة وإلا لما صح فى البلاغة تعدد التأكيد- فتأمل.
(قوله: أو لدفع توهم السهو) أى: لدفع توهم السامع أن المتكلم سها فى ذكر زيد مثلا (قوله لئلا يتوهم) أى: يقال ذلك لدفع توهم السامع
(قوله: وإنما ذكر زيد) أى: وإنما ذكر المتكلم زيدا سهوا فقول الشارح على سبيل السهو إضافته بيانية، ثم إنه يؤخذ من هذا المثال والذى قبله أن التوكيد اللفظى يكون لدفع توهم التجوز ولدفع توهم السهو بخلاف المعنوى، فإنه يكون لدفع توهم التجوز دون السهو وهو كذلك؛ لأنه إذا قال: جاءنى زيد نفسه احتمل أنه أراد أن يقول: جاءنى عمرو نفسه فسها فلفظ بزيد مكان عمرو، وبنى التوكيد على سهوه بخلاف توهم التجوز، فإنه يندفع بزيد.
كذا قال الشارح فى المطول.
وبحث فيه بعض الأفاضل بأن التوكيد المعنوى لما حفظ الكلام عن توهم التجوز كان مبنيا على مزيد الاحتياط ومبعدا للمتكلم عن مظنة السهوية، وحينئذ فلا يتأتى بناء التوكيد على سهوه؛ ولأنه ينافى ما حقق من أن التأكيد فى قولك: جاءنى الرجلان كلاهما ليس لدفع توهم عدم الشمول؛ لأن المثنى نص فيه، بل لدفع توهم أن الجائى واحد منهما والإسناد إليهما وقع سهوا. هذا وإنما ترك المصنف دفع توهم النسيان لعدم الفرق بين السهو والنسيان لغة، وجمع فى المفتاح بينهما جريا على اصطلاح الحكماء من التفرقة بينهما، وجعل السهو اسما لزوال صورة الشىء عن المدركة دون الحافظة حتى لا يحتاج فى حصولها إلى تحصيل ابتداء، بل يكفى الاستحضار والنسيان اسما
стр. 597
(أو) لدفع توهم (عدم الشمول) نحو: جاءنى القوم كلهم أو أجمعون؛ لئلا يتوهم أن بعضهم لم يجئ إلا أنك لم تعتد بهم، أو أنك جعلت الفعل الواقع من البعض كالواقع من الكل بناء على أنهم فى حكم شخص واحد كقولك: بنو فلان قتلوا زيدا، وإنما قتله واحد.
===
لزوال صورة الشىء عن الحافظة والمدركة معا، حتى يحتاج فى حصولها إلى تحصيل ومعاناة
(قوله: أو لدفع توهم عدم الشمول إلخ) (١) أى: لدفع توهم السامع عدم الشمول، وليس المراد بكون التوكيد مفيدا للشمول أنه يوجبه من أصله، وأنه لولاه لما فهم الشمول من اللفظ، وإلا لم يسمّ تأكيدا، بل المراد أنه يمنع أن يكون اللفظ المقتضى للشمول مستعملا على خلاف ظاهره ومتجوزا فيه، وقوله: عدم الشمول أى: فى المسند إليه أو فى النسبة أى الإسناد، وقد أشار الشارح إلى الأول بقوله إلا أنك لم تعتد بهم، وإلى الثانى بقولك: أو أنك جعلت إلخ، فيندرج التجوز العقلى واللغوى فى كلامه
(قوله: لم تعتد بهم) أى: وأنك أطلقت القوم على المعتبرين منهم من إطلاق اسم الكل على البعض، فالمجاز المدفوع على هذا لغوى
(قوله: أو أنك جعلت الفعل للواقع من البعض: كالواقع من الكل بناء على أنهم فى حكم شخص واحد، ) وذلك لتعاونهم وتوقف فعل بعضهم على رضا كلهم، وحيث كانوا فى حكم الشخص الواحد فلا تفاوت فى أن ينسب الفعل إلى بعضهم أو إلى كلهم، وحينئذ فيكون إسناد الفعل الواقع من البعض للكل مجازا عقليا، فعلى الاحتمال الأول يكون التأكيد دافعا لتوهم المجاز اللغوى، وعلى الثانى دافعا لتوهم المجاز العقلى، وما يقال إن الأظهر أن يقال بناء على أن البعض بمنزلة المجموع بدل قوله بناء على أنهم فى حكم شخص واحد، فإنما يناسب المجاز اللغوى، وقد ذكره أولا، واعترض على الشارح بأن الأولى حذف قوله أو أنك جعلت الفعل الواقع من البعض: كالواقع من الكل لأمرين:
الأمر الأول: أنه يقتضى أن توهم عدم الشمول فى المسند دون المسند إليه، وكلام المصنف إنما هو فى توهم عدم الشمول فى المسند إليه فلا معنى لذكره.
стр. 598
[أغراض عطف البيان]
(وأما بيانه) أى: تعقيب المسند إليه بعطف البيان ...
===
الأمر الثانى: أنه يقتضى أن التوكيد بكل وأخواته يدفع توهم المجاز العقلى مع أنه إنما يدفع توهم المجاز اللغوى، وذلك أنه إذا أريد باسم الكل البعض كان فى الكلام مجاز لغوى من باب إطلاق اسم الكل وإرادة البعض، وإذا أريد بالفعل المسند إلى الكل الفعل المسند إلى البعض كان فى الكلام مجاز عقلى، والتوكيد بكل وأخواته إنما يدفع المجاز اللغوى دون العقلى؛ لأنك إذا قلت: جاءنى القوم كلهم فهم منه الشمول فى آحاد القوم قطعا، واندفع المجاز اللغوى ولا يلزم من ذلك شمول النسبة لتلك الآحاد لاحتمال أن يكون الفعل المنسوب إلى الجميع صادرا عن بعضهم فى الواقع وينسب لكل فرد على سبيل المجاز العقلى.
وقد أجيب عن الأمر الأول بأن كلام الماتن ليس خاصا بتوهم عدم الشمول فى المسند إليه، بل يصح أن يجعل متناولا لتوهم عدم الشمول فى النسبة أيضا، وقد أشار إليهما الشارح، فأشار إلى الأول بقوله: إلا أنك لم تعتد بهم، وأشار إلى الثانى بقوله: أو أنك جعلت إلخ، فيندرج التجوز اللغوى والعقلى فى كلامه، ويندفع كل من التجوزين بذلك التأكيد، وعلى هذا فقول المصنف أولا أو لدفع توهم التجوز أى: اللغوى أو العقلى مقيد بغير المجاز العقلى واللغوى فى الشمول.
وأجيب عن الأمر الثانى: بأنا لا نسلم أن كل وأخواته لا يؤكد بها لدفع توهم المجاز العقلى، بل يؤكد بها لذلك ولا نسلم أن الشمول فى آحاد القوم لا يستلزم شمول النسبة لتلك الآحاد ألفاظ الشمول المؤكد بها تقتضى أن يكون ما نسب إليه عاما لأجزائه شاملا لها، بخلاف قولك جاء كل القوم فإنه إنما يفيد الإحاطة والشمول فى آحاد القوم، لا فى النسبة. أفاده العلامة عبد الحكيم.
[بيان المسند إليه]:
(قوله: وأما بيانه) المراد بالبيان هنا المصدرى أى: كشفه وإيضاحه، والمراد كشفه بعطف البيان بقرينة المقام، فقول الشارح أى: تعقيب المسند إليه بعطف البيان
стр. 599
(فلإيضاحه باسم مختص به، نحو: قدم صديقك خالد) ولا يلزم أن يكون الثانى أوضح لجواز أن يحصل الإيضاح من اجتماعهما، ...
===
بيان لحاصل المعنى، وليس المراد بالبيان فى كلامه المعنى الاسمى أعنى التابع المخصوص؛ لأنه لا يعلل إلا الأفعال
(قوله: فلإيضاحه إلخ) المراد بإيضاحه رفع الاحتمال فيه سواء كان معرفة أو نكرة فلا يلزم كون المتبوع فيه معرفة؛ لأنه على الصحيح يكون فى النكرات نحو من ماء صديد، ولعل الإيضاح ليس كالتوضيح مخصوصا برفع الاحتمال فى المعرفة، ولذا عرف النحاة عطف البيان بأنه تابع غير صفة يوضح متبوعه مع تخصيصهم التوضيح بالمعارف. اه. يس.
(قوله: مختص به) أى: بمدلوله
(قوله: نحو قدم صديقك خالد) اعلم أن كل موصوف أجرى على صفة يحتمل أن يكون عطف بيان، وأن يكون بدلا، وإنما النزاع فى الأحسن منهما، فاختار الشارح عطف البيان؛ لأن الإيضاح له مزيد اختصاص به، واختار صاحب الكشاف كونه بدلا؛ لأن فيه تكرير العامل حكم ويتفرع عليه تأكيد النسبة، وكأن المصنف رجح احتمال كونه عطف بيان فمثل به.
(قوله: ولا يلزم إلخ) هذا شروع فى اعتراضات ثلاثة على المصنف فى قوله فلإيضاحه إلخ، والجواب عن كل من الثلاثة أن كلام المصنف مبنى على الغالب
(قوله: ولا يلزم أن يكون الثانى أوضح) أى: كما يدل له قول سيبويه: فى يا هذا ذا الجمة، إن ذا الجمة: عطف بيان مع أن الإشارة أوضح من المضاف لذى الأداة خلافا لظاهر المصنف المقتضى اشتراط كونه أوضح، وهذا الاعتراض إنما يتوجه على المصنف إذا جعلت الباء فى قوله باسم للتعدية، وأما إذا جعلت للسببية فلا يتوجه هذا الاعتراض
(قوله: لجواز أن يحصل الإيضاح من اجتماعهما) نحو: جاء زيد أبو عبد الله إذا كان كل واحد من الاسم والكنية مشتركا، كما لو كان زيد مشتركا بين أشخاص لم يكنّ بأبى عبد الله منهم إلا واحد، كذلك الكنية مشتركة بين أشخاص ليس فيهم أحد اسمه زيد إلا واحد، فمتى ذكر واحد من الاسم والكنية منفردا عن الآخر كان فيه خفاء، ويرتفع ذلك الخفاء بذكر الثانى مع الأول. إن قلت: إن الثانى حينئذ غير مختص بالأول
стр. 600
وقد يكون عطف البيان بغير اسم مختص به، كقوله (١):
والمؤمن العائذات الطير يمسحها ... ركبان مكة بين الغيل والسّند
فإن الطير عطف بيان للعائذات ...
===
قلت الاختصاص نسبى أى: بالنسبة لمن لم يكن به والحال أن اسمه زيد
(قوله: وقد يكون عطف البيان بغير اسم مختص به) النفى منصب على الاختصاص به أى قد يكون عطف البيان باسم غير مختص به، أى وحينئذ فما قاله المصنف ليس على ما ينبغى، فهذا اعتراض ثان على المصنف.
(قوله: كقوله: والمؤمن إلخ) ليس هذا المثال من بيان المسند إليه فهو مثال لما يحصل به البيان، والحال أنه غير مختص بالأول، وإن كان ذلك الأول غير مسند إليه، والواو فى والمؤمن: واو القسم، والمراد بالمؤمن المولى ، مأخوذ من الأمان أى: والله الذى آمن من العائذات جمع: عائذة من العوذ وهو الالتجاء، والطير عطف بيان على العائذات أى: والله الذى آمن الطير الملتجئة إلى الحرم، والساكن به للأمن من الاصطياد والأخذ، وقد حصل؛ إذ لا يجوز لأحد أخذها، بل الركبان تمسحها ولا تتعرض لها، والغيل بفتح الغين وسكون الياء والسند بفتح السين والنون موضعان فى جانب الحرم فيهما الماء، والعائذات يحتمل أنه مفعول للمؤمن، فيكون منصوبا بالكسرة ويكون الطير تابعا له باعتبار اللفظ وهذا هو الظاهر، ويحتمل أن المؤمن مضاف، والعائذات مضاف إليه فيكون مجرورا بالكسرة ويكون الطير تابعا له باعتبار المحل؛ لأن الإضافة من قبيل إضافة الوصف إلى مفعوله وجواب القسم:
ما إن أتيت إلخ فى البيت بعده وهو:
ما إن أتيت بشىء أنت تكرهه ... إذا فلا رفعت سوطا إلىّ يدى
وقوله: فلا رفعت إلخ دعاء على نفسه.
(قوله: يمسحها ركبان مكة) أى: الركبان القاصدون مكة المارون بين الغيل والسند، وقوله: يمسحها أى يمسح عليها أى: يمسحونها من غير إيذاء لها ولو بالتنفير؛ وإلا