(أو) لدفع توهم (السهو) نحو: جاءنى زيد زيد لئلا يتوهم الجائى غير زيد، وإنما ذكر زيد على سبيل السهو.
===
توهم إلخ أى ويلزم من التأكيد لدفع التوهم المذكور تقرير المسند إليه أنه حاصل غير مقصود، وقوله لئلا يتوهم إلخ أى: فيكون التأكيد دافعا لتوهم المجاز العقلى أى: أو لئلا يتوهم أن المراد بالأمير بعض غلمانه مجازا لغويا، والعلاقة المشابهة فى تعلق القطع بكل من، حيث إن أحدهما آمر والآخر مباشر، أو لئلا يتوهم أن فى الكلام مجازا بالحذف؛ لأن التأكيد يدفع توهمه أيضا، ثم إن المراد بدفع التأكيد لتوهم المجاز إضعافه لذلك التوهم، والاحتمال لا دفعه بالمرة وإلا لما صح فى البلاغة تعدد التأكيد- فتأمل.
(قوله: أو لدفع توهم السهو) أى: لدفع توهم السامع أن المتكلم سها فى ذكر زيد مثلا (قوله لئلا يتوهم) أى: يقال ذلك لدفع توهم السامع
(قوله: وإنما ذكر زيد) أى: وإنما ذكر المتكلم زيدا سهوا فقول الشارح على سبيل السهو إضافته بيانية، ثم إنه يؤخذ من هذا المثال والذى قبله أن التوكيد اللفظى يكون لدفع توهم التجوز ولدفع توهم السهو بخلاف المعنوى، فإنه يكون لدفع توهم التجوز دون السهو وهو كذلك؛ لأنه إذا قال: جاءنى زيد نفسه احتمل أنه أراد أن يقول: جاءنى عمرو نفسه فسها فلفظ بزيد مكان عمرو، وبنى التوكيد على سهوه بخلاف توهم التجوز، فإنه يندفع بزيد.
كذا قال الشارح فى المطول.
وبحث فيه بعض الأفاضل بأن التوكيد المعنوى لما حفظ الكلام عن توهم التجوز كان مبنيا على مزيد الاحتياط ومبعدا للمتكلم عن مظنة السهوية، وحينئذ فلا يتأتى بناء التوكيد على سهوه؛ ولأنه ينافى ما حقق من أن التأكيد فى قولك: جاءنى الرجلان كلاهما ليس لدفع توهم عدم الشمول؛ لأن المثنى نص فيه، بل لدفع توهم أن الجائى واحد منهما والإسناد إليهما وقع سهوا. هذا وإنما ترك المصنف دفع توهم النسيان لعدم الفرق بين السهو والنسيان لغة، وجمع فى المفتاح بينهما جريا على اصطلاح الحكماء من التفرقة بينهما، وجعل السهو اسما لزوال صورة الشىء عن المدركة دون الحافظة حتى لا يحتاج فى حصولها إلى تحصيل ابتداء، بل يكفى الاستحضار والنسيان اسما
стр. 597
(أو) لدفع توهم (عدم الشمول) نحو: جاءنى القوم كلهم أو أجمعون؛ لئلا يتوهم أن بعضهم لم يجئ إلا أنك لم تعتد بهم، أو أنك جعلت الفعل الواقع من البعض كالواقع من الكل بناء على أنهم فى حكم شخص واحد كقولك: بنو فلان قتلوا زيدا، وإنما قتله واحد.
===
لزوال صورة الشىء عن الحافظة والمدركة معا، حتى يحتاج فى حصولها إلى تحصيل ومعاناة
(قوله: أو لدفع توهم عدم الشمول إلخ) (١) أى: لدفع توهم السامع عدم الشمول، وليس المراد بكون التوكيد مفيدا للشمول أنه يوجبه من أصله، وأنه لولاه لما فهم الشمول من اللفظ، وإلا لم يسمّ تأكيدا، بل المراد أنه يمنع أن يكون اللفظ المقتضى للشمول مستعملا على خلاف ظاهره ومتجوزا فيه، وقوله: عدم الشمول أى: فى المسند إليه أو فى النسبة أى الإسناد، وقد أشار الشارح إلى الأول بقوله إلا أنك لم تعتد بهم، وإلى الثانى بقولك: أو أنك جعلت إلخ، فيندرج التجوز العقلى واللغوى فى كلامه
(قوله: لم تعتد بهم) أى: وأنك أطلقت القوم على المعتبرين منهم من إطلاق اسم الكل على البعض، فالمجاز المدفوع على هذا لغوى
(قوله: أو أنك جعلت الفعل للواقع من البعض: كالواقع من الكل بناء على أنهم فى حكم شخص واحد، ) وذلك لتعاونهم وتوقف فعل بعضهم على رضا كلهم، وحيث كانوا فى حكم الشخص الواحد فلا تفاوت فى أن ينسب الفعل إلى بعضهم أو إلى كلهم، وحينئذ فيكون إسناد الفعل الواقع من البعض للكل مجازا عقليا، فعلى الاحتمال الأول يكون التأكيد دافعا لتوهم المجاز اللغوى، وعلى الثانى دافعا لتوهم المجاز العقلى، وما يقال إن الأظهر أن يقال بناء على أن البعض بمنزلة المجموع بدل قوله بناء على أنهم فى حكم شخص واحد، فإنما يناسب المجاز اللغوى، وقد ذكره أولا، واعترض على الشارح بأن الأولى حذف قوله أو أنك جعلت الفعل الواقع من البعض: كالواقع من الكل لأمرين:
الأمر الأول: أنه يقتضى أن توهم عدم الشمول فى المسند دون المسند إليه، وكلام المصنف إنما هو فى توهم عدم الشمول فى المسند إليه فلا معنى لذكره.
стр. 598
[أغراض عطف البيان]
(وأما بيانه) أى: تعقيب المسند إليه بعطف البيان ...
===
الأمر الثانى: أنه يقتضى أن التوكيد بكل وأخواته يدفع توهم المجاز العقلى مع أنه إنما يدفع توهم المجاز اللغوى، وذلك أنه إذا أريد باسم الكل البعض كان فى الكلام مجاز لغوى من باب إطلاق اسم الكل وإرادة البعض، وإذا أريد بالفعل المسند إلى الكل الفعل المسند إلى البعض كان فى الكلام مجاز عقلى، والتوكيد بكل وأخواته إنما يدفع المجاز اللغوى دون العقلى؛ لأنك إذا قلت: جاءنى القوم كلهم فهم منه الشمول فى آحاد القوم قطعا، واندفع المجاز اللغوى ولا يلزم من ذلك شمول النسبة لتلك الآحاد لاحتمال أن يكون الفعل المنسوب إلى الجميع صادرا عن بعضهم فى الواقع وينسب لكل فرد على سبيل المجاز العقلى.
وقد أجيب عن الأمر الأول بأن كلام الماتن ليس خاصا بتوهم عدم الشمول فى المسند إليه، بل يصح أن يجعل متناولا لتوهم عدم الشمول فى النسبة أيضا، وقد أشار إليهما الشارح، فأشار إلى الأول بقوله: إلا أنك لم تعتد بهم، وأشار إلى الثانى بقوله: أو أنك جعلت إلخ، فيندرج التجوز اللغوى والعقلى فى كلامه، ويندفع كل من التجوزين بذلك التأكيد، وعلى هذا فقول المصنف أولا أو لدفع توهم التجوز أى: اللغوى أو العقلى مقيد بغير المجاز العقلى واللغوى فى الشمول.
وأجيب عن الأمر الثانى: بأنا لا نسلم أن كل وأخواته لا يؤكد بها لدفع توهم المجاز العقلى، بل يؤكد بها لذلك ولا نسلم أن الشمول فى آحاد القوم لا يستلزم شمول النسبة لتلك الآحاد ألفاظ الشمول المؤكد بها تقتضى أن يكون ما نسب إليه عاما لأجزائه شاملا لها، بخلاف قولك جاء كل القوم فإنه إنما يفيد الإحاطة والشمول فى آحاد القوم، لا فى النسبة. أفاده العلامة عبد الحكيم.
[بيان المسند إليه]:
(قوله: وأما بيانه) المراد بالبيان هنا المصدرى أى: كشفه وإيضاحه، والمراد كشفه بعطف البيان بقرينة المقام، فقول الشارح أى: تعقيب المسند إليه بعطف البيان
стр. 599
(فلإيضاحه باسم مختص به، نحو: قدم صديقك خالد) ولا يلزم أن يكون الثانى أوضح لجواز أن يحصل الإيضاح من اجتماعهما، ...
===
بيان لحاصل المعنى، وليس المراد بالبيان فى كلامه المعنى الاسمى أعنى التابع المخصوص؛ لأنه لا يعلل إلا الأفعال
(قوله: فلإيضاحه إلخ) المراد بإيضاحه رفع الاحتمال فيه سواء كان معرفة أو نكرة فلا يلزم كون المتبوع فيه معرفة؛ لأنه على الصحيح يكون فى النكرات نحو من ماء صديد، ولعل الإيضاح ليس كالتوضيح مخصوصا برفع الاحتمال فى المعرفة، ولذا عرف النحاة عطف البيان بأنه تابع غير صفة يوضح متبوعه مع تخصيصهم التوضيح بالمعارف. اه. يس.
(قوله: مختص به) أى: بمدلوله
(قوله: نحو قدم صديقك خالد) اعلم أن كل موصوف أجرى على صفة يحتمل أن يكون عطف بيان، وأن يكون بدلا، وإنما النزاع فى الأحسن منهما، فاختار الشارح عطف البيان؛ لأن الإيضاح له مزيد اختصاص به، واختار صاحب الكشاف كونه بدلا؛ لأن فيه تكرير العامل حكم ويتفرع عليه تأكيد النسبة، وكأن المصنف رجح احتمال كونه عطف بيان فمثل به.
(قوله: ولا يلزم إلخ) هذا شروع فى اعتراضات ثلاثة على المصنف فى قوله فلإيضاحه إلخ، والجواب عن كل من الثلاثة أن كلام المصنف مبنى على الغالب
(قوله: ولا يلزم أن يكون الثانى أوضح) أى: كما يدل له قول سيبويه: فى يا هذا ذا الجمة، إن ذا الجمة: عطف بيان مع أن الإشارة أوضح من المضاف لذى الأداة خلافا لظاهر المصنف المقتضى اشتراط كونه أوضح، وهذا الاعتراض إنما يتوجه على المصنف إذا جعلت الباء فى قوله باسم للتعدية، وأما إذا جعلت للسببية فلا يتوجه هذا الاعتراض
(قوله: لجواز أن يحصل الإيضاح من اجتماعهما) نحو: جاء زيد أبو عبد الله إذا كان كل واحد من الاسم والكنية مشتركا، كما لو كان زيد مشتركا بين أشخاص لم يكنّ بأبى عبد الله منهم إلا واحد، كذلك الكنية مشتركة بين أشخاص ليس فيهم أحد اسمه زيد إلا واحد، فمتى ذكر واحد من الاسم والكنية منفردا عن الآخر كان فيه خفاء، ويرتفع ذلك الخفاء بذكر الثانى مع الأول. إن قلت: إن الثانى حينئذ غير مختص بالأول
стр. 600
وقد يكون عطف البيان بغير اسم مختص به، كقوله (١):
والمؤمن العائذات الطير يمسحها ... ركبان مكة بين الغيل والسّند
فإن الطير عطف بيان للعائذات ...
===
قلت الاختصاص نسبى أى: بالنسبة لمن لم يكن به والحال أن اسمه زيد
(قوله: وقد يكون عطف البيان بغير اسم مختص به) النفى منصب على الاختصاص به أى قد يكون عطف البيان باسم غير مختص به، أى وحينئذ فما قاله المصنف ليس على ما ينبغى، فهذا اعتراض ثان على المصنف.
(قوله: كقوله: والمؤمن إلخ) ليس هذا المثال من بيان المسند إليه فهو مثال لما يحصل به البيان، والحال أنه غير مختص بالأول، وإن كان ذلك الأول غير مسند إليه، والواو فى والمؤمن: واو القسم، والمراد بالمؤمن المولى ، مأخوذ من الأمان أى: والله الذى آمن من العائذات جمع: عائذة من العوذ وهو الالتجاء، والطير عطف بيان على العائذات أى: والله الذى آمن الطير الملتجئة إلى الحرم، والساكن به للأمن من الاصطياد والأخذ، وقد حصل؛ إذ لا يجوز لأحد أخذها، بل الركبان تمسحها ولا تتعرض لها، والغيل بفتح الغين وسكون الياء والسند بفتح السين والنون موضعان فى جانب الحرم فيهما الماء، والعائذات يحتمل أنه مفعول للمؤمن، فيكون منصوبا بالكسرة ويكون الطير تابعا له باعتبار اللفظ وهذا هو الظاهر، ويحتمل أن المؤمن مضاف، والعائذات مضاف إليه فيكون مجرورا بالكسرة ويكون الطير تابعا له باعتبار المحل؛ لأن الإضافة من قبيل إضافة الوصف إلى مفعوله وجواب القسم:
ما إن أتيت إلخ فى البيت بعده وهو:
ما إن أتيت بشىء أنت تكرهه ... إذا فلا رفعت سوطا إلىّ يدى
وقوله: فلا رفعت إلخ دعاء على نفسه.
(قوله: يمسحها ركبان مكة) أى: الركبان القاصدون مكة المارون بين الغيل والسند، وقوله: يمسحها أى يمسح عليها أى: يمسحونها من غير إيذاء لها ولو بالتنفير؛ وإلا
стр. 601
مع أنه ليس اسما مختصا بها، وقد يجىء عطف البيان لغير الإيضاح، كما فى قوله تعالى:
جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ (١) ذكر صاحب الكشاف أن البيت الحرام عطف بيان للكعبة؛ جىء به للمدح لا للإيضاح كما تجىء الصفة لذلك.
===
كان المسح حراما
(قوله: مع أنه ليس اسما مختصا بها) لأن العائذات صادق على الطير وغيره مما يعوذ بالحرم ويلتجئ إليه من سائر الوحوش، والطير صادق بالعائذ بالحرم وبغيره، ولكن قد حصل بمجموعهما البيان
(قوله: وقد يجىء عطف البيان لغير الإيضاح) أى: خلافا لظاهر المصنف وهذا اعتراض ثالث عليه
(قوله: للمدح) أى: لأن فيه إشعارا باعتبار الوضع التركيبى إلى كونه محرما فيه القتال والتعرض لمن التجأ إليه، وإن كان هنا مستعملا فى معناه العلمى، ولذا جعل المجموع عطف بيان فما قيل إنه يجوز أن يكون البيت نعتا موطئا للحرام كما جعل قرآنا حالا موطئة لعربيا من ضمير أنزلناه ليس بشىء كما أن جعله بدلا كذلك؛ لأنه على نية تكرير العامل، وليس المقصود تكرير نسبة الجعل إليه وليست النسبة إلى الثانى مقصودا أصليا- أفاده عبد الحكيم.
(قوله: لا للإيضاح) أى: لأن الكعبة اسم مختص ببيت الله لا يشاركه فيه شىء، فإن قلت: إن النحاة جعلوا عطف البيان بعد المعرفة للإيضاح قلت هذا بالنظر للغالب، أو يقال المراد بقوله لا للإيضاح يعنى التحقيقى، فلا ينافى أنه للإيضاح التقديرى، وحينئذ فلا ينافى جعل النحاة عطف البيان بعد المعرفة للإيضاح، ومما يدل لذلك ما ذكره العصام فى الأطول: من أن الإيضاح لازم لعطف البيان إلا أنه إما تحقيقى أو تقديرى، وذلك إذا كان المتبوع لا إبهام فيه نحو: أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ (٢)، فقوم هود بيان لعاد مع كونه علما مختصا بهم لا إيهام فيه أتى به لدفع الإبهام التقديرى إما من تقدير اشتراك الاسم بينهم وبين غيرهم، وإما من جواز إطلاق اسمهم على غيرهم لمشاركتهم إياه فيما اشتهروا به من العتو والفساد، فإن قلت جعل عاد علما على قوم هود مختصا بهم ينافيه قوله تعالى وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى (٣) فإنه يفيد
стр. 602
[أغراض البدل]:
(وأما الإبدال منه) أى: من المسند إليه (فلزيادة التقرير) من إضافة المصدر إلى المعمول، أو من إضافة البيان؛ أى: الزيادة التى هى التقرير، ...
===
أنهما عاد إن قلت معنى الأولى أى: القدماء أى: المتقدمون فى الهلاك بعد هلاك قوم نوح فلا دلالة للآية على التعدد.
[الإبدال من المسند إليه]:
(قوله: وأما الإبدال منه) جعله المبدل منه هو المسند إليه بحسب الصورة، وإن لم يكن الإسناد إليه مقصودا بالذات، بل المقصود بالذات الإسناد للبدل.
(قوله: فلزيادة التقرير) أى: تقرر المسند إليه.
(قوله: من إضافة المصدر إلى المعمول) اعلم أن الزيادة تجىء مصدرا وبمعنى الحاصل بالمصدر، وعلى الأول فالإضافة لامية إلى الفاعل أو إلى المفعول؛ لأن الزيادة لازمة ومتعدية، وعلى الثانى فالإضافة بيانية. فقول الشارح من إضافة المصدر إلى المعمول أى: إن جعلت الزيادة مصدر زاد وكلام الشارح صادق بأن تكون من إضافة المصدر إلى فاعله أو إلى مفعوله أى: ليزيد تقرير المسند إليه، أو ليزيد المتكلم تقرير المسند إليه ولصدق المعمول بهما عبر به دون المفعول، فإن قلت جعل الإضافة من إضافة المصدر لمعموله مشكل؛ وذلك لأن التقرير يحصل بذكر الشىء مرتين والزيادة تحصل بشىء آخر بعد ذلك، مع أن المسند إليه لم يذكر مرتين حتى يتقرر ويكون البدل بعد ذلك لزيادة التقرير، قلت: مراد المصنف أن البدل يؤتى به لأجل أن يكون تقرير المسند إليه أمرا زائدا على شىء وهو النسبة للبدل المقصود، وليس المراد أن الإبدال يزيد فى التقرير بأن يكون التقرير حصل بغيره، وزيادته حصلت بالبدل، والحاصل أن الإبدال يحصل به أمر زائد على إفادة النسبة المقصودة وذلك الأمر الزائد هو تقرير المسند إليه
(قوله: أو من إضافة البيان) أى: إن جعلت الزيادة بمعنى الحاصل بالمصدر
(قوله: أى الزيادة التى هى التقرير) فيه أن قولهم المبدل منه فى نية الطرح والرمى، والمنظور له البدل يقتضى أن المبدل منه لم يقرر، ولم يحصل بالبدل تقريره قلت التقرير حصل من حيث
стр. 603
وهذا من عادة افتنان صاحب المفتاح؛ حيث قال فى التأكيد للتقرير: وهاهنا لزيادة التقرير، ومع هذا فلا يخلو عن نكتة وهى الإيماء إلى أن الغرض من البدل هو أن يكون مقصودا بالنسبة، والتقرير زيادة ...
===
أن المراد منهما واحد، وهذا لا ينافى أن البدل منظور له من حيث المزية التى فيه فكونه للتقرير لا ينافى كونه مقصودا بالنسبة- فتأمل، قرره شيخنا العدوى.
واعلم أن قولهم المبدل منه فى حكم السقوط ليس بكلى كما قال الرضى، بدليل عود الضمير إليه فى بدل البعض، والاشتمال وأيضا فى بدل الكل قد يعتبر الأول فى اللفظ دون الثانى. اه. فنارى.
(قوله: وهذا) أى: التعبير هنا بهذه العبارة
(قوله: من عادة افتنان) أى: تفنن والإضافة بيانية (وقوله: ومع هذا) أى: التفنن أى: ارتكابه فنين وطريقتين فى التعبير.
(قوله: وهى الإيماء) أى: الإشارة إلى أن البدل هو المقصود بالنسبة أى:
والمبدل منه وصلة له، وهذا الإيماء إنما حصل بذكر الزيادة، فإنه يشعر بأن التقرير ليس مقصودا من البدل، بل أمر زائد على المقصود منه، فإن قلت: كون المبدل منه وصلة للبدل أن يكون المقرر هو الثانى، لا الأول الذى هو المسند إليه؛ لأن ما أتى به لأجل غيره فهو التابع المقرر لغيره، والواقع بالعكس، فإن البدل هو المقرر للمبدل منه، أجيب بأن الثانى هو الذى تمت به فائدة الكلام، وحصل به تمام الغرض فصار كأنه المقصود حقيقة حيث لم يتم المراد إلا به، لا أنه هو المقصود بالذات حتى يكون الأول مقررا له، بل هو المقرر للأول ويدل لذلك أن الكلام قد يكون بحيث لا يصح رفض الأول، ولا يتم المعنى إلا به ومن هذا تعلم أن قولهم المبدل منه فى نية الطرح والرمى معناه أنه فى نية الطرح عن القصد الذى يتم به الغرض، لا أنه مرفوض بالكلية- أفاده العلامة اليعقوبى.
فإن قلت: حيث كانت مخالفة السكاكى فى التعبير لنكتة لم يكن ذلك تفننا؛ لأنه لم يتحد المراد من العبارتين، إذ لا يكون تفننا إلا لو اتحد المراد منهما، فالجواب أن جعل تلك المخالفة لأجل التفنن بالنظر لبادئ الرأى قبل ظهور تلك النكتة وإن كان فى الحقيقة ليس هناك تفنن أو يقال: إن جعل ذلك تفننا بالنظر لما قصده السكاكى، وهذه النكتة غير مقصودة له- أفاده شيخنا العلامة العدوى.
стр. 604
تحصل تبعا وضمنا بخلاف التأكيد فإن الغرض منه نفس التقرير والتحقيق (نحو:
جاءنى أخوك زيد) فى بدل الكل، ويحصل التقرير بالتكرير (وجاءنى القوم أكثرهم) فى بدل البعض (وسلب زيد ثوبه) فى بدل الاشتمال، وبيان التقرير فيهما أن المتبوع يشتمل على التابع إجمالا حتى كأنه مذكور؛ أما فى البعض فظاهر، وأما فى الاشتمال فلأن معناه أن يشتمل المبدل منه على البدل لا كاشتمال الظرف على المظروف، ...
===
(قوله: تحصل تبعا) أى: بحسب أصل الكلام فلا ينافى أن البليغ يقصد ذلك.
(قوله: نحو جاءنى أخوك زيد فى بدل الكل) الأحسن أن يسمى هذا النوع من البدل ببدل المطابق كما سماه بذلك ابن مالك فى ألفيته، لإبدال الكل لوقوعه فى اسم الله تعالى نحو إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ. اللَّهِ (١) فيمن قرأ بالجر، فإن المتبادر من الكل التبعيض والتجرؤ، وذلك ممنوع هنا فلا يليق هذا الإطلاق بحسن الأدب، وإن حمل الكل على معنى آخر
(قوله: ويحصل التقرير) أى: فى هذا النوع وهو بدل الكل بالتكرير، أو لأن المراد من الأول ومن الثانى واحد، غاية الأمر أنه اختلف التعبير عنه فأولا عبر عنه بزيد وعبر عنه ثانيا بأخوك فقد تقرر زيد من حيث معناه فحصل التقرير
(قوله: وبيان التقرير إلخ) مقابل لقوله ويحصل التقرير بالتكرير، وقوله فيهما أى: فى بدل البعض والاشتمال
(قوله: أن المتبوع يشتمل إلخ) يؤخذ منه أن فى بدل البعض اشتمالا، وإنما لم يسم أيضا بدل اشتمال فرقا بين القسمين، وإنما جعلت التسمية بذلك لبدل الاشتمال لاحتياج الاشتمال فيه للتنبيه عليه لخفائه، بخلاف الاشتمال فى بدل البعض فإنه ظاهر جلى
(قوله: أما فى البعض) أى: أما اشتمال المتبوع على التابع إجمالا فى بدل البعض فظاهر
(قوله: فظاهر) أى: لأن الكل اشتمل على البعض وذلك كما فى المثال فإن القوم مشتملون على أكثرهم، فقد حصل للأكثر تكرار فى الذكر، فحصلت التقوية والتقرير
(قوله: وأما فى الاشتمال) أى: وأما اشتمال المتبوع على التابع إجمالا فى بدل الاشتمال فمعناه أى: ذلك الاشتمال الإجمالى
(قوله: لا كاشتمال الظرف على المظروف) أى:
стр. 605
بل من حيث كونه مشعرا به إجمالا ومتقاضيا له بوجه ما بحيث تبقى النفس عند ذكر المبدل منه متشوقة إلى ذكره منتظرة له، وبالجملة يجب أن يكون المتبوع فيه بحيث يطلق ويراد به التابع، نحو: أعجبنى زيد إذا أعجبك علمه ...
===
فقط، بل تارة يكون اشتماله عليه كاشتمال الظرف على المظروف كما فى شرب الإناء ماؤه ويَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ (١) فإن الشهر الحرام ظرف للقتال، والإناء ظرف للماء، وتارة لا يكون اشتماله عليه كاشتمال الظرف كما فى: سرق زيد ثوبه، والحاصل أن الاشتمال الظرفى غير مشترط فقول الشارح لا كاشتمال الظرف إلخ أى: لا يشترط خصوص ذلك، بل ما هو أعم، وليس المراد أن ذلك لا يكفى
(قوله: بل من حيث) أى: بل أن يشتمل المبدل منه على البدل من جهة هى أن يكون المبدل منه مشعرا بالبدل إجمالا أى: لا من حيث خصوصه كما فى سلب زيد، فإنه إذا قيل ذلك أشعر بأن المسلوب شىء له تعلق بزيد، إما ثوب أو عمامة أو مال، إذ الذات لا تسلب، فإن قيل ثوبه علم ذلك الأمر الذى حصل الإشعار به فصار الثوب متكررا من حيث إنه ذكر أولا ضمنا وثانيا صريحا، وكذا يقال فى يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ، وفى: أشرب الإناء ماؤه، ثم إن إشعار المبدل منه بالبدل إجمالا من حيث تعلق العامل به لا من حيث ذاته كما عرفت مما قلناه
(قوله: ومتقاضيا) أى: مفيدا له بوجه ما أى: وهو العموم
(قوله: منتظرة له) تفسير لما قبله
(قوله: وبالجملة) أى: وأقول قولا ملتبسا بالجملة أى: الإجمال أى: وأقول قولا مجملا
(قوله: المتبوع فيه) أى: فى بدل الاشتمال
(قوله: بحيث) أى: ملتبسا بحالة وهى صحة أن يطلق ذلك المتبوع ويراد به التابع، ولا يكون المتبوع ملتبسا بهذه الحالة إلا إذا كان الأول مقتضيا للثانى ومشعرا به؛ لأن ما يقتضى الشىء قد يستغنى به عنه
(قوله: ويراد به التابع) ليس المراد أنه مستعمل فى التابع حتى يكون مجازا، بل المراد أنه مشعر بالتابع أى بنوعه وأنه يفهم منه بواسطة نسبة الفعل إليه أن المراد نسبة الفعل إلى التابع غير أن المتكلم لم يصرح بذلك
(قوله: نحو أعجبنى زيد إلخ) أى: لأن الذات لا تعجب من
стр. 606
بخلاف ضربت زيدا إذا ضربت حماره؛ ولهذا صرحوا بأن نحو: جاءنى زيد أخوه بدل غلط، لا بدل اشتمال كما زعم بعض النحاة، ثم بدل البعض والاشتمال، ...
===
حيث هى ذات، وإنما إعجابها من الأوصاف، فالمتبوع مشعر بالتابع على سبيل الإجمال
(قوله: بخلاف ضربت زيدا إلخ) أى: لأن ذات زيد تضرب فقولك: ضربت زيدا لا يشعر بضرب حماره، وحينئذ فضربت زيدا حماره من بدل الغلط لعدم شرط بدل الاشتمال، ومثله: رأيت زيدا عمامته أو ثوبه، وهذا بخلاف ركبت زيدا حماره فيما يظهر؛ لأن إسناد الركوب إلى زيد يقتضى غيره مما يناسب أن يسند إليه الركوب:
كالحمار، فهو يطلبه إجمالا
(قوله: ولهذا) أى: ولأجل قولنا يجب إلخ.
(قوله: بدل غلط) أى بدل سببه الغلط بأن كان قاصدا التلفظ بالأخ فالتفت لسانه لذكر زيد غلطا، فأتى بمقصوده بعد ذلك
(قوله: لا بدل اشتمال) أى: لأن المتبوع ليس مشعرا بالتابع، إذ لا يصح أن يطلق زيد ويراد أخوه أى: ولا يصح أن يكون بدل كل لاشتماله على ضمير المبدل منه، ومثل: جاءنى زيد أخوه فى كونه بدل غلط لا بدل اشتمال ضربت زيدا غلامه؛ لأن ضرب زيد، لا إشعار له بضرب غلامه وكذا قتل الأمير سيافه، وبنى الأمير وكلاؤه؛ وذلك لأن بدل الاشتمال شرطه أن لا يستفاد البدل من المبدل منه تعيينا، بل لا بد وأن تبقى النفس مع ذكر الأول متوقفة على البيان للإجمال الذى فيه، ولا إجمال فى الأول هنا، إذ يفهم عرفا من قولك: قتل الأمير أن القاتل سيافه، وكذا يقال فى الباقى.
(قوله: كما زعم بعض النحاة) راجع للمنفى، والمراد بالبعض: ابن الحاجب وجوز العصام فى أطوله أن يكون الشرط المتقدم شرطا لاعتبار بدل الاشتمال عند البليغ لا لتحققه
(قوله: ثم بدل إلخ) مراده الاعتراض على المتن بأنه كان من حقه أن يقول كما قال غيره لزيادة التقرير والإيضاح، فيجاب بأن التقرير يستلزم الإيضاح فهو ليس بمقصود، بل حصل تبعا للمقصود بالذات وهو زيادة التقرير بخلاف عطف البيان، فإن المقصود بالذات الإيضاح أو ما جرى مجراه
(قوله: لا يخلو عن إيضاح) أى: لما فيه من التفصيل بعد الإجمال، وقوله وتفسير لما فيه من التفسير بعد الإبهام- كذا فى المطول.
стр. 607
بل بدل الكل أيضا لا يخلو عن إيضاح وتفسير ولم يتعرض لبدل الغلط؛ لأنه لا يقع فى فصيح الكلام.
===
قال العلامة السيد: يحتمل أنهما بمعنى واحد ويحتمل أن يكون الأول أى التفصيل بعد الإجمال إشارة إلى بدل البعض، فإن الكل جملة الأجزاء والتفصيل ناسبها، والثانى أى:
التفسير بعد الإبهام إشارة إلى بدل الاشتمال، فإن الأول فيه مبهم يحتاج إلى تفسير كما عرفت، ويحتمل أن يكون الأول نظرا للمقصود فى نفسه، فإنه كان مجملا ثم فصل، والثانى نظرا إلى المخاطب، فإنه أبهم عليه المقصود أولا، ثم أزيل إبهامه
(قوله: بل بدل الكل إلخ) أى: كما قيل فى قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ. صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ (١) فإن الصراط الثانى بدل، وفيه بيان أن الصراط المستقيم هو صراط الذين أنعمت عليهم بالإيمان والرضوان والهدى من كل ضلال
(قوله: ولم يتعرض لبدل الغلط إلخ) أى: للبدل لأجل الغلط أو لتدارك الغلط أو لبدل المغلوط وهو المبدل منه- قاله عبد الحكيم.
أى: ولم يتعرض لبدل البداء أيضا وهو أن تذكر المبدل منه عن قصد، ثم يبدو لك ذكر البدل، فتوهم أنك غالط وهذا يعتبره الشعراء كثيرا مبالغة وتفننا، وشرطه أن يرتقى من الأدنى إلى الأعلى كقولك: هند نجم بدر، أو بدر شمس، فكأنك وإن كنت متعمدا فى الأول ذكر النجم تغلط نفسك، وتريد أنك لم تقصد إلا تشبيهها بالبدر؛ لأن حكمه حكم المعطوف ببل فأدخل اعتباره فيه. قاله ابن يعقوب.
(قوله: لأنه لا يقع فى فصيح الكلام) أى: إنه لا يقع فيه إذا كان عن غلط حقيقى، وأما إذا كان عن تغالط بأن ترتكب عمدا صورة الغلط فلا مانع من وقوعه فى الفصيح، وهو بدل البداء المتقدم.
وفى الفنارى: قد يناقش فى عدم وقوع بدل الغلط فى فصيح الكلام بأنه تدارك الغلط، وأنه لا ينافى الفصاحة بالمعنى السابق فهو كقولك: جاءنى زيد، بل عمرو، نعم لا يقع فى كلام الله لا لأنه يستلزم عدم الفصاحة، بل لعدم جواز وقوع الغلط عليه سبحانه
стр. 608
[أغراض العطف]:
(وأما العطف) أى: جعل الشىء معطوفا على المسند إليه (فلتفصيل المسند إليه مع اختصار، نحو: جاءنى زيد وعمرو) فإن فيه تفصيلا للفاعل بأنه زيد وعمرو من غير دلالة على تفصيل الفعل بأن المجيئين كانا معا، أو مرتبين مع مهلة، أو بلا مهلة، واحترز بقوله: مع اختصار عن نحو: جاءنى زيد وجاءنى عمرو فإن فيه تفصيلا للمسند إليه مع أنه ليس من عطف المسند إليه، بل من عطف الجمل، ...
===
وتعالى، وقد يفرق بقوة المعطوف بل بسبب تعلق القصد أولا بالمعطوف عليه وضعف بدل الغلط بسبب عدم تعلق القصد به- تأمل.
[العطف على المسند إليه]:
(قوله: أى جعل الشىء) أى: المعهود الذى يصح عطفه، ولذا لم يقل جعل شىء، وأشار بقوله جعل إلى أن المراد بالعطف المعنى المصدرى لا التابع المخصوص؛ لأنه لا يعلل إلا الأحداث، فإن قلت: الجعل المذكور من أوصاف الجاعل لا من أحوال المسند إليه. قلت: المراد من الجعل المذكور لازمه، إذ يلزم من جعل الشىء معطوفا على المسند إليه كون المسند إليه معطوفا عليه.
(قوله: فلتفصيل المسند إليه) أى: فلكون المقصود تفصيل المسند إليه أى: جعله مفصلا بأن يذكر كل فرد من المسند إليه بلفظ مختص مع الاختصار، والمحال أن المقام مقتض لذلك، إذ لو لم يعطف لجىء بلفظ يشملهما كما فى: جاءنى رجلان أو اثنان من بنى فلان فيفوت التفصيل المصاحب للاختصار
(قوله: مع اختصار) إنما نكّره ولم يقل مع اختصاره؛ لأن الاختصار ليس راجعا للمسند إليه، بل راجع للكلام
(قوله: من غير دلالة على تفصيل الفعل) أى: لأن الواو بما هى لمطلق الجمع
(قوله: بأن المجيئين إلخ) تصوير لتفصيل الفعل
(قوله: مع مهلة) متعلق بمرتبتين، والمهلة بضم الميم وفتحها معناها التراخى
(قوله: مع أنه ليس من عطف المسند إليه) الأوضح أن يقول: ليس من الأوضح على المسند إليه أى: الذى كلامنا فيه كما قال سابقا أى: جعل الشىء معطوفا على المسند إليه، بل هو من العطف على الجملة والحاصل أن العلة فى العطف على المسند إليه
стр. 609
وما يقال من أنه احتراز عن نحو: جاءنى زيد جاءنى عمرو من غير عطف- فليس بشىء؛ إذ ليس فيه دلالة على تفصيل المسند إليه، بل يحتمل أن يكون إضرابا عن الكلام الأول؛ نص عليه الشيخ فى دلائل الإعجاز (أو) لتفصيل (المسند) بأنه قد حصل من أحد المذكورين أولا، ومن الآخر بعده مع مهلة أو بلا مهلة (كذلك) أى: مع اختصار، واحترز بقوله: كذلك عن نحو: جاءنى زيد وعمرو بعده بيوم أو سنة (نحو: جاءنى زيد فعمرو، أو ثم عمرو، أو جاءنى القوم حتى خالد) ...
===
مجموع أمرين التفصيل للمسند إليه، والاختصار فى قولك: جاءنى زيد، وجاءنى عمرو، لم يوجد الاختصار لتكرار العامل، وإن وجد التفصيل، فلذا لم يجعل ذلك من العطف على المسند إليه هذا، وكان المناسب للشارح فى التعبير أن يقول: فإنه وإن كان فيه تفصيل للمسند إليه، لكن لا اختصار فيه، ولذا لم يكن من العطف على المسند إليه حتى يتم الاحتراز
(قوله: من أنه) أى: قوله مع اختصار.
(قوله: بل يحتمل أن يكون إضرابا عن الكلام الأول) أى: فكأنه لم يذكر فيكون الحكم فيه مرجوعا عنه فلم يبق المسند إليه مسندا إليه، وحينئذ فهو خارج من قوله فلتفصيل المسند إليه، وإذا كان خارجا منه، فكيف يحترز عنه بما بعده؟ أى:
ويحتمل أن يكون العاطف ملاحظا فيه فيكون تفصيلا للمسند إليه، لكن ليس فيه اختصار، فيصح الاحتراز، والحاصل أن جعل هذا المثال متعينا للاحتراز لا يصح لما فيه من الاحتمالات هذا مراد الشارح، وفيه أنه حينما جعله ذلك القائل احترازا كان بانيا كلامه على ملاحظة العاطف، ولا شك أنه متى لوحظ العاطف كان الكلام مفيدا التفصيل المسند إليه، لكن لا مع اختصار، وحينئذ فيكون كلامهم صحيحا لا غبار عليه- قرره شيخنا العلامة العدوى، عليه سحائب الرحمة.
(قوله: بأنه قد حصل) تصوير لتفصيل المسند أى: المصور بحصوله من أحد إلخ
(قوله: واحترز بقوله كذلك عن نحو جاءنى إلخ) أى: فإنه وإن أفاد تفصيل المسند من حيث تعلق الفعل بأحد المذكورين أولا، وبالآخر بعده بيوم أو سنة إلا أنه لا اختصار فيه، وأما المسند إليه فقد أفاد المثال تفصيله مع الاختصار لعدم تعدد العامل فهو فائد العطف فى المثال، وقوله: بيوم أو سنة لم يرد بهما تعيين المدة، بل المهلة فكأنه قال بعده
стр. 610
فالثلاثة تشترك فى تفصيل المسند إلا أن الفاء تدل على التعقيب من غير تراخ، وثم على التراخى، وحتى على أن أجزاء ما قبلها مترتبة فى الذهن من الأضعف إلى الأقوى، أو بالعكس فمعنى تفصيل المسند فيها أن يعتبر تعلقه بالمتبوع أولا، وبالتابع ثانيا من حيث إنه أقوى أجزاء المتبوع أو أضعفها، ...
===
بمهملة
(قوله: فالثلاثة) أى: فالحروف الثلاثة، (وقوله: تشترك فى تفصيل المسند) أى:
فى حصوله من أحد المذكورين أولا ومن الثانى بعده.
(قوله: على أن أجزاء ما قبلها) أى: ما قبل حتى وهو المتبوع، مترتبة فى الذهن من الأضعف إلى الأقوى أى: الأشرف نحو:
(قهرناكم حتّى الكماة فأنتم) (١)
فيتعقل أى: يلاحظ فى الذهن أن القهر تعلق بالمخاطبين واحدا بعد واحد مبتدأ من الضعاف إلى أن تعلق بالشجعان فحتى للترتيب الذهنى، بخلاف الفاء وثم فإنهما للترتيب الخارجى، وقوله: أو بالعكس نحو: قدم الحجاج حتى المشاة، فيلاحظ فى الذهن تعلق القدوم بالحجاج واحدا بعد واحد مبتدأ من الركبان إلى المشاة، ثم إن التعرض للأجزاء فرض مثال لا للحصر إذ المعتبر فى حتى كما فى المغنى وغيره أن يكون معطوفها بعضا من جمع قبلها كقدم الحجاج حتى المشاة أو جزءا من كل نحو: أكلت السمكة حتى رأسها، أو كالجزء نحو: أعجبتنى الجارية حتى حديثها، وبالجملة فالشرط فيها أن يكون متبوعها ذا تعدد فى الجملة حتى يتحقق فيه نقض، ولو اشتركت الجزئية بخصوصها لاحتيج إلى تأويل قولنا: مات كل أب لى حتى آدم، بأن المراد مات آبائى حتى آدم. اه. فنرى.
ويمكن إدراج الأبعاض وما كالأجزاء فى عبارة الشارح بأن يراد بالأجزاء ما يشمل الأجزاء الحقيقية والتنزيلية والأبعاض
(قوله: فيها) أى: فى حتى
(قوله: أن يعتبر) أى: يلاحظ فى الذهن (وقوله: تعلقه) أى: المسند
(قوله: من حيث إنه) أى:
التابع أقوى أجزاء المتبوع أى: أشرفها كما فى المثال الأول، وقوله: أو أضعفها كما فى
стр. 611
ولا يشترط فيها الترتيب الخارجى، فإن قلت: فى هذه الثلاثة أيضا تفصيل للمسند إليه فلم لم يقل: أو لتفصيلهما معا- قلت فرق بين أن يكون الشىء حاصلا من شىء وبين أن يكون مقصودا منه. وتفصيل المسند إليه فى هذه الثلاثة وإن كان حاصلا لكن ليس العطف بهذه الثلاثة لأجله؛ لأن الكلام إذا اشتمل على قيد زائد على مجرد الإثبات أو النفى ...
===
المثال الثانى
(قوله: ولا يشترط فيها الترتيب الخارجى) أى: وإنما المشترط فيها الترتيب الذهنى سواء طابقه الترتيب فى الخارج أو لا وذلك بأن كانت ملابسة الفعل لما بعدها قبل ملابسته لأجزاء ما قبلها نحو: مات كل أب لى حتى آدم فيتعلق أن الموت تعلق بكل أب من آبائه أولا ثم بآدم ثانيا، ولا شك أن هذا مخالف للترتيب الواقع فى الخارج أو كانت ملابسة الفعل لما بعدها فى أثناء ملابسته لأجزاء ما قبلها نحو: مات الناس حتى الأنبياء، فيتعقل أن الموت تعلق بكل واحد من الناس، ثم بالأنبياء، ولا شك أن هذا خلاف الواقع، إذ الواقع تعلق الموت بهم فى أثناء تعلقه بالناس، أو كانت ملابسة الفعل لما قبلها وما بعدها فى زمان واحد نحو: جاءنى القوم حتى خالد إذا جاءوك جميعا ويكون خالد أقواهم أو أضعفهم
(قوله: قلت فرق إلخ) بقى أنهما قد يقصدان معا إلا أن يجاب بأنه ترك ذلك لعلمه مما ذكره؛ لأنه إذا بين ما يكون لتفصيل المسند إليه وما يكون لتفصيل المسند علم ما يكون لتفصيلهما معا وهو مجموع ما لتفصيل المسند إليه وما لتفصيل المسند. قاله سم.
(قوله: بين أن يكون الشىء) هو هنا تفصيل المسند إليه وقوله من شىء وهو هنا العطف، وقوله حاصلا من شىء يعنى: من غير قصد
(قوله: فى هذه الثلاثة) أى:
الأمثلة الثلاثة
(قوله: وإن كان حاصلا) يعنى: من العطف
(قوله: بهذه الثلاثة) أى: بهذه الحروف الثلاثة، وقوله لأجله أى: لأجل تفصيل المسند إليه
(قوله: على قيد زائد) القيد هنا هو الترتيب بين المجيئين مثلا بمهلة أو غيرها، فقولك: جاء زيد فعمرو القيد الزائد على إثبات المجىء لزيد وعمرو الترتيب بين المجيئين من غير مهلة، وذلك هو القيد الزائد على النفى فى قولك: ما جاء زيد فعمرو.
стр. 612
فهو الغرض الخاص والمقصود من الكلام ففى هذه الأمثلة تفصيل المسند إليه كأنه أمر كان معلوما، وإنما سيق الكلام لبيان أن مجىء أحدهما كان بعد الآخر؛ فليتأمل. وهذا البحث مما أورده الشيخ فى دلائل الإعجاز، ووصى بالمحافظة عليه.
(أورد السامع) عن الخطأ فى الحكم (إلى الصواب، نحو: جاءنى زيد لا عمرو) لمن اعتقد أن عمرا جاءك دون زيد، ...
===
(قوله: فهو الغرض الخاص) أى: فينصب النفى والإثبات على ذلك القيد، ويكون هو المقصود من الكلام
(قوله: فليتأمل) أمر بالتأمل، إشارة إلى أن هذه القاعدة أغلبية لا كلية كما هو ظاهر كلام الشيخ، إذ قد يكون النفى داخلا على مقيد بقيد ويكون منصبا على المقيد وحده أو على القيد والمقيد معا بواسطة القرينة
(قوله: وهذا البحث) ليس المراد به الاعتراض، بل المراد به المسألة المبحوث عنها والمفتش عليها وهى أنه فرق بين الحاصل المقصود، والحاصل من غير قصد، ويحتمل أن المراد بها كون الكلام إذا اشتمل على قيد زائد على مجرد الإثبات والنفى فهو الغرض الخاص والمقصود من الكلام
(قوله: أورد السامع إلى الصواب) لا بد من تقيد الرد المذكور بقولنا مع اختصار ليخرج عنه ما جاء زيد، ولكن جاء عمرو؛ فإنه وإن كان فيه رد السامع للصواب، لكن لا اختصار فيه، فلذا لم يكن من العطف على المسند إليه، بل من عطف الجملة على الجملة.
(قوله: عن الخطأ فى الحكم) المراد بالحكم المحكوم به كما يدل عليه قول الشارح فى المطول بعد ذكر المثال، فقد نفى الحكم عن التابع بعد إيجابه للمتبوع، والخطأ فى المحكوم به من حيث نسبته إلى المحكوم عليه، فالحكم بمعنى المحكوم به موصوف بالخطأ، والصواب فى النسبة، وأما الحكم بمعنى الإيقاع فنفسه خطأ أو صواب- إذا علمت هذا فقول من قال: الصواب أن يفسر الخطأ، والصواب فى المصنف بالاعتقاد الغير المطابق، والاعتقاد المطابق؛ لأنهما قسمان للحكم وأن يحذف الشارح قوله فى الحكم؛ لأنه يشعر بأن الخطأ والصواب صفتان للحكم لا قسمان له لم يتدبر حق التدبر- أفاده عبد الحكيم.
стр. 613
أو أنهما جاءاك جميعا، ولكن أيضا للرد إلى الصواب، إلا أنه لا يقال لنفى الشركة حتى إن نحو: ما جاءنى زيد لكن عمرو إنما يقال لمن اعتقد أن زيدا جاءك دون عمرو، لا لمن اعتقد أنهما جاءاك جميعا، وفى كلام النحاة ما يشعر بأنه ...
===
(قوله: لمن اعتقد) أى: يقال لك لمن اعتقد أى أو ظن أو توهم أن عمرا جاءك دون زيد أى: فيكون حينئذ لقصر القلب، فالمراد بالاعتقاد ما يتناول الظن الضعيف الذى هو الوهم الفاسد- كما قاله السيد، والفنرى، وعبد الحكيم.
(قوله: أو أنهما جاءاك جميعا) أى: فيكون لقصر الأفراد والحاصل أن العطف بلا يستعمل فى قصر الأفراد والقلب، وخالف فى الأول الشيخ عبد القاهر فى دلائل الإعجاز، فذكر أن العطف بلا إنما يستعمل فى قصر القلب فقط ولم يذكر الشارح قصر التعيين؛ لأنه لم يجىء له شىء من حرف العطف؛ وذلك لأن المخاطب فيه شاك لا حكم عنده لا على جهة الاعتقاد ولا الظن حتى يرد عن الخطأ إلى الصواب؛ لأن الخطأ والصواب إنما يقالان فى الأحكام وإذا كان المخاطب فى قصر التعيين لا يتأتى رده عن الخطأ إلى الصواب، فلا يجرى العطف فيه. بقى شىء آخر: وهو أنه يفهم من كلام الشارح فى بحث القصر أن العطف بلا يخاطب به من اعتقد مجىء أحدهما من غير تعيين، لكنه حينئذ ليس لرد السامع عن الخطأ إلى الصواب، بل لحفظه عن الخطأ فلتكن هذه نكتة أخرى للعطف، والحاصل أن العطف بلا إن لوحظ كونه لرد الخطأ جاز استعماله فى قصر القلب والأفراد، وإن لوحظ كونه لحفظ السامع عن الخطأ جاز استعماله لقصر التعيين- فتأمل.
(قوله: إلا أنه) أى: لكن وذكر باعتبار كونه حرفا، وأتى بهذا الاستدراك دفعا لما يتوهم أن لكن مثل لا من كل وجه
(قوله: لا يقال لنفى الشركة) أى: بحيث يكون لقصر الأفراد
(قوله: إنما يقال لمن اعتقد أن زيدا جاءك دون عمرو) أى: فهو لقصر القلب
(قوله: لا لمن اعتقد أنهما جاءاك جميعا) أى: بحيث يكون لقصر الأفراد
(قوله: وفى كلام النحاة إلخ) إنما جعلوها لقصر الأفراد؛ لأنهم جعلوها للاستدراك وعرفوه بأنه رفع ما يتوهم من الكلام السابق كما فى نحو: ما جاءنى زيد فيتوهم نفى مجىء عمرو
стр. 614
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أيضا لما بينهما من المشاركة والاصطحاب فيقال لكن عمرو، فهذا يدل على أن المتوهم الاشتراك فى النفى، والغرض من نقل كلام النحاة المعارضة بينه، وبين ما قرره قبله؛ لأن حاصل ما قرر أولا أن لكن لقصر القلب فقط، وحاصل ما نقله عن النحاة أن لكن لقصر الأفراد أى: نفى الشركة فى الانتفاء، والذى قرره أولا كلام المفتاح والإيضاح، وقد يقال فى الجواب إن الأول اصطلاح لأهل هذا الفن، وحينئذ فلا يعترض باصطلاح على غيره.
واعلم أنه حيثما جعلت، " لكن" عند أئمة هذا الفن لقصر القلب علم أنه لا استدراك فيها عندهم؛ لأن المخاطب فى قصر القلب يعتقد العكس أو يتردد فيه فليس بين المعطوف والمعطوف عليه اتصال فى اعتقاده وهو منشأ التوهم الذى يستدرك عليه بلكن ولا استدراك حيث انتفى منشأ التوهم، وبهذا يندفع الإشكال الوارد على قوله تعالى ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ (١) وحاصل الإشكال أن لكن للاستدراك ونفى الأبوة ليس بموهم لنفى الرسالة لعدم الاتصال والعلاقة بينهما فى زعم المخاطب، فكيف يتحقق الاستدراك وحاصل الجواب أن لكن لمجرد قصر القلب من غير استدراك، فالمشركون- لعنة الله عليهم- كانوا يعتقدون فيه الأبوة لزيد ونفى الرسالة، فقلب المولى عليهم اعتقادهم
(قوله: إنما يقال لمن اعتقد انتفاء المجىء عنهما جميعا) أى: وحينئذ فهى عندهم لقصر الأفراد ليس إلا، ولا تستعمل لقصر القلب، ثم إن الخلاف بين النحويين والبيانيين فى كون (لكن) لقصر الأفراد أو القلب إنما هو فى النفى، وأما كونها لقصر الأفراد أو القلب فى الإثبات فلا قائل به كما قاله فى المطول؛ لأن المفهوم من كلام النحاة اختصاص، (لكن) العاطفة بالنفى كما أن (لا) مختصة بالإثبات قال فى الخلاصة:
وأول لكن نفيا او نهيا
والنهى فى معنى النفى فتحصل من كلام الشارح أن لا تستعمل للنفى بعد الإثبات لقصر الأفراد والقلب، وأما لكن: فتستعمل للإثبات بعد النفى لقصر القلب
стр. 615
إنما يقال لمن اعتقد انتفاء المجىء عنهما جميعا.
(أو صرف الحكم) عن محكوم عليه (إلى) محكوم عليه (آخر، نحو: جاءنى زيد بل عمرو، أو ما جاءنى زيد بل عمرو) فإن بل للإضراب عن المتبوع وصرف الحكم إلى التابع، ومعنى الإضراب عن المتبوع: أن يجعل فى حكم المسكوت عنه لا أن ينفى عنه الحكم قطعا؛ خلافا لبعضهم، ومعنى صرف الحكم فى المثبت ظاهر ...
===
فقط عند البيانيين أو لقصر الأفراد فقط عند النحاة، ولكن تخالف لا فى الاستعمال من حيث إن لا إنما تستعمل بعد الإثبات، ولكن إنما تستعمل بعد النفى، ومن حيث إن لا تستعمل لكل واحد من القصرين، ولكن إنما تستعمل لأحدهما وتوافقها من جهة أن كلا منهما يرد به السامع عن الخطأ إلى الصواب
(قوله: إنما يقال لمن اعتقد انتفاء المجىء عنهما جميعا) أى: وأما أنه يقال لمن اعتقد أنهما جاءاك على أن يكون قصر أفراد فلم يقل به أحد، وذلك لأنه يحصل رد اعتقاد الشركة بالمعطوف عليه، فذكر الإثبات الذى بعد لكن لغو لكونه معلوما للمخاطب.
(قوله: أو صرف الحكم) أى: المحكوم به
(قوله: فإن بل للإضراب عن المتبوع) أى: للإعراض عنه.
وقوله وصرف الحكم إلخ: عطف لازم على ملزوم
(قوله: فى حكم المسكوت عنه) أى: عند الجمهور
(قوله: خلافا لبعضهم) هو ابن الحاجب فإنه صرح بذلك فى الأمالى- كما قال الفنارى. فقول العلامة السيد معترضا على الشارح: إن هذا لم يوجد فى كتبه المشهورة، وإنما الموجود فيها موافقة الجمهور فيه نظر، ثم إنه على تفسير الإضراب بما قال الجمهور يخرج العطف ببل عن تعريف العطف بأنه تابع مقصود بالنسبة مع متبوعه لا على ما ذكره ابن الحاجب؛ لأن كلا من التابع والمتبوع مقصود بالنسبة، وإن كان أحدهما بالإثبات والآخر بالنفى كما فى العطف بلا ولكن
(قوله: فى المثبت) أى: فى العطف ببل فى الكلام المثبت ظاهر؛ لأن المتبوع فيه إما فى حكم المسكوت عنه أو محقق النفى على الخلاف الذى ذكره قبل، فإذا قلت: جاءنى زيد بل عمرو، فقد أثبت المجىء لعمرو قطعا وصيرت زيدا فى حكم المسكوت عنه فى نفس الأمر
стр. 616
وكذا فى المنفى إن جعلناه بمعنى نفى الحكم عن التابع والمتبوع فى حكم المسكوت عنه أو متحقق الحكم له حتى يكون معنى: ما جاءنى زيد بل عمرو- أن عمرا لم يجئ وعدم مجىء زيد ومجيئه على الاحتمال، أو مجيئه محقق كما هو مذهب المبرد، وإن جعلناه بمعنى ثبوت الحكم للتابع حتى يكون معنى: ما جاءنى زيد بل عمرو- أن عمرا جاء كما هو مذهب الجمهور؛ ففيه إشكال.
(أو الشك) من المتكلم ...
===
فصار مجيئه على الاحتمال هذا عند الجمهور، وأما عند ابن الحاجب فقد أثبت المجىء لعمرو تحقيقا ونفيته عن زيد تحقيقا، وعلى كل حال فيصدق أن الحكم قد صرف عن محكوم عليه إلى محكوم عليه آخر
(قوله: وكذا فى المنفى) أى: وكذا صرف الحكم فى العطف ببل فى الكلام المنفى ظاهر إن جعلنا الصرف بمعنى نفى الحكم عن التابع والمتبوع فى حكم المسكوت عنه كما هو قول المبرد، وقوله أو متحقق الحكم له أى:
للمتبوع كما هو مذهب ابن الحاجب، فإن قلت: إن ابن الحاجب لم يقل: إنه بمعنى تحقق الحكم للمتبوع، وإنما قال: إنه نفى الحكم عنه قطعا قلت: هو إنما صرح بما ذكر فى الإيجاب، وحينئذ فيعلم بطريق القياس أن صرف الحكم عن المتبوع فى النفى جعل الحكم محققا له
(قوله: ومجيئه على الاحتمال) أى: على مذهب المبرد، وقوله: أو مجيئه محقق كما هو مذهب ابن الحاجب فقول الشارح كما هو مذهب المبرد الأولى أن يقدمه على قوله، أو مجيئه محقق
(قوله: كما هو مذهب الجمهور) راجع لقوله: وإن جعلناه بمعنى ثبوت الحكم، فصار الحاصل أن المبرد يقول: إن الثانى صرف عنه الحكم ولا بد، وأما الأول: فيحتمل ثبوت الحكم له ونفيه عنه، وأما ابن الحاجب فيقول: إن الثانى نفى عنه الحكم قطعا، والأول أثبت له الحكم قطعا فعلى كلا القولين، بل نقلت حكم ما قبلها لما بعدها، وأما الجمهور فيقولون: إن الثانى ثبت له الحكم تحقيقا، وأما الأول فمحتمل ثبوت الحكم له وانتفاؤه عنه فعلى هذا بل نقلت ضد حكم ما قبلها لما بعدها وصيرت ما قبلها كالمسكوت عنه، فلم يكن الحكم حينئذ منصرفا عن محكوم عليه إلى محكوم عليه آخر، وإنما الذى صرف ضد ذلك الحكم. هذا حاصل الإشكال الذى أشار له الشارح، ويمكن أن يجاب عن هذا الإشكال بأن يقال المراد من صرف
стр. 617
(أو التشكيك للسامع) أى: إيقاعه فى الشك (نحو: جاءنى زيد أو عمرو، أو للإبهام نحو: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١) ...
===
الحكم تغيير المحكوم به من حيث نسبته، ولا شك أنه هنا نسب المجىء إلى الأول نفيا، ثم صرف أى غير بأن نسب إلى الثانى إثباتا، وجعل الأول فى حكم المسكوت عنه
(قوله: أو التشكيك للسامع) أى: وإن كان المتكلم غير شاك
(قوله: أى: إيقاعه فى الشك) أى: فى أصل الحكم
(قوله: جاءنى زيد أو عمرو) هذا المثال صالح للشك والتشكيك؛ لأن المتكلم إن كان غير عالم بالجائى منهما فالعطف للشك وإن كان عالما بعينه، ولكن قصد إيقاع المخاطب فى الشك فى الجائى منهما كان العطف للتشكيك
(قوله: أو للإبهام) هو إخفاء الحكم عن السامع لغرض كقطع اللجاج والفرق بينه وبين التشكيك أن القصد من الثانى إيقاع المخاطب فى الشك، وإيقاع الشبهة فى قلبه والقصد من الأول: إخفاء الحكم عن السامع وترك التعيين له من غير قصد إلى إيقاعه فى الشك، وإن كان ذلك يحصل له إلا أنه غير مقصود، وفرق بين الحاصل المقصود، والحاصل من غير قصد.
والحاصل أن أو موضوعة لأحد الأمرين، أو الأمور والداعى لإيرادها إما شك المتكلم فى الحكم أو تشكيكه للسامع أى: إيقاعه فى الشك أو إخفاء الحكم على السامع من غير قصد لإيقاعه فى الشك إلخ
(قوله: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ) إن حرف توكيد واسمها مدغم فيها، وقوله أو إياكم عطف على اسم إن الذى هو مسند إليه فهو محل الشاهد، وقوله أو فى ضلال مبين عطف على هدى من عطف المفردات فقد اشتمل الكلام على إبهام فى المسند إليهما والمسندين معا فكأنه قيل أحدنا ثابت له أحد الأمرين الهدى أو الضلال، وهاهنا بحث: وهو أن السكاكى جعل هذه الآية من قبيل إسماع المخاطبين الحق على وجه لا يثير غضبهم وهو أن يترك تخصيص طائفة بالهدى وطائفة أخرى بالضلال لينظروا فى أنفسهم فيؤديهم النظر الصحيح إلى أن يعترفوا أنهم هم الكائنون فى الضلال المبين، فالمناسب أن يمثل بهذه الآية للتشكيك لا للإبهام؛ لأن الموصوف
стр. 618
أو للتخيير، أو للإباحة، نحو: ليدخل الدار زيد أو عمرو. والفرق بينهما أن فى الإباحة يجوز الجمع بينهما بخلاف التخيير.
[أغراض ضمير الفصل]:
(وأما فصله) أى: تعقيب المسند إليه بضمير الفصل- وإنما جعله من أحوال المسند إليه لأنه يقترن به أولا، ...
===
بالجهل المركب لا يتأتى منه النظر كالموصوف بالعلم اليقين كما صرح به فى المواقف وغيره، حتى جعل بعضهم الشك من شرائط النظر فلما أراد إنجاءهم من ورطة الجهل المركب هداهم إلى طريق الشك ليتأتى منهم النظر الصحيح الموصل إلى الحق
(قوله: أو للتخيير أو للإباحة) أى: يعطف على المسند إليه لإفادة التخيير أو الإباحة وذلك إذا وقع بعد الأمر، ولذا ينسبون الإباحة والتخيير إلى الأمر، وقد ينسبونهما إلى كلمة أو، وإنما ترك المصنف ذلك؛ لأن كلامه فى الخبر
(قوله: نحو ليدخل إلخ) هذا المثال صالح للتخيير والإباحة والفارق بينهما إنما هو القرينة، فإن دلت على طلب أحد الأمرين فقط كان العطف للتخيير، وإلا فللإباحة (قوله يجوز الجمع) أى بقرينة خارجية؛ لأن مدلول اللفظ ثبوت الحكم لأحدهما مطلقا فإن كان الأصل فيهما المنع استفيد التخيير وعدم جواز الجمع، وإلا استفيدت الإباحة وجواز الجمع
(قوله: بخلاف التخيير) أى: فلا يجوز فيه الجمع إن قلت: إن أو فى آية كفارة اليمين للتخيير، مع أنه يجوز الجمع بين تلك المتعاطفات قلت: الجمع بينها إن كان على أن الجميع كفارة واحدة فهو ممنوع؛ لأنه استظهار على الشارع، وإن كان الجمع بينها على أن أحدها كفارة والباقى صدقة أو تطوع فهذا لا يرد؛ لأنه يقال حينئذ أنه جمع أقسام الكفارة- فتأمل.
[فصل المسند إليه]:
(قوله: أى تعقيب إلخ) أشار بذلك إلى أن الفصل فى كلام المصنف بمعنى ضمير الفصل لا المعنى المصدرى، وأنه على حذف مضاف أى إيراد الفصل، وإنما قال الشارح أى: تعقيب إلخ ملاحظة للمضاف المقدر فهو بيان لحاصل المعنى.
(قوله: وإنما جعله من أحوال المسند إليه) أى: حيث ذكره فى مبحثه، ولم يجعله من أحوال المسند مع أنه ملاصق لهما ومقترن بهما
(قوله: لأنه يقترن به أولا) أى: اقترانا
стр. 619
ولأنه فى المعنى عبارة عنه، وفى اللفظ مطابق له- (فلتخصيصه) أى: المسند إليه (بالمسند) ...
===
أولا أى: قبل ذكر المسند، لأنه يذكر المسند إليه أولا، فيقال زيد، ويذكر ضمير الفصل ثانيا، فيقال هو ويذكر المسند ثالثا، فيقال القائم، فقد اقترن ضمير الفصل بالمسند إليه أولا قبل اقترانه بالمسند
(قوله: ولأنه فى المعنى عبارة عنه) فهو فى قولك: زيد هو القائم نفس زيد
(قوله: وفى اللفظ مطابق له) أى: فى الإفراد والتثنية والجمع نحو: زيد هو القائم والزيدان هما القائمان والزيدون هم القائمون إن قلت: إنه يلزم من مطابقته للأول مطابقته للثانى، إذ لا بد من مطابقة الخبر للمبتدأ قلت: لا نسلم اللزوم لجواز أن يكون الخبر أفعل تفضيل وهو لا يجب مطابقته للمبتدأ نحو: الزيدان هما أفضل من عمرو، فقوله وفى اللفظ مطابق له أى باطراد بخلاف المسند فإنه قد لا يطابقه، ثم إن ما ذكره الشارح من أن ضمير الفصل عبارة عن المسند إليه فى المعنى إنما يأتى على القول المرجوح من أن ضمير الفصل اسم وله مرجع وأنه يعرب إما مبتدأ أو بدلا مما قبله، والحق أنه حرف جىء به على صورة الاسم، وليس بضمير ولا مرجع له، وإنما يسمى ضميرا على سبيل الاستعارة والعلاقة المشابهة فى الصورة كما يأتى من أن المشاكلة الصورية من علاقات الاستعارة وجعلها العصام من علاقات المجاز المرسل، إن قلت ما ذكره الشارح من توجيه كونه من أحوال المسند إليه يعارضه اقترانه بلام الابتداء فى نحو: إن زيدا لهو القائم إذ اقترانه بها يدل على أنه من أحوال المسند وقائم مقامه قلت دخول اللام عليه لكونه توطئة وتمهيدا للمسند لا لكونه عبارة عنه وقائما مقامه بدليل أن من أعربه أعربه مبتدأ أو بدلا مما قبله
(قوله: فلتخصيصه بالمسند) ربما أوهم كلامه انحصار نكاته فى التخصيص المذكور، مع أنه قد يكون لغير ذلك كالتمييز بين كون ما بعده خبرا أو نعتا، وكالتأكيد إذا حصل الحصر بغيره، كما إذا كانت الجملة معرفة الطرفين فيها ضمير فصل نحو: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ (١) فيحمل كلام المصنف على أن
стр. 620
يعنى: لقصر المسند على المسند إليه؛ لأن معنى قولنا: زيد هو القائم- أن القيام مقصور على زيد لا يتجاوزه إلى عمرو، فالباء فى قوله: فلتخصيصه بالمسند مثلها فى قولهم:
خصصت فلانا بالذكر؛ أى: ذكرته دون غيره كأنك جعلته من بين الأشخاص مختصا بالذكر؛ أى: منفردا به، والمعنى: هاهنا جعل المسند إليه من بين ما يصح اتصافه بكونه مسندا إليه مختصا بأن يثبت له المسند، كما يقال فى إِيَّاكَ نَعْبُدُ ...
===
التخصيص من نكاته
(قوله: يعنى لقصر إلخ) لما كانت العبارة توهم أن الباء داخلة على المقصور عليه بيّن الشارح أنها داخلة على المقصور من قصر الصفة على الموصوف؛ لأن المسند صفة للمسند إليه.
واعلم أن دخول الباء بعد الاختصاص على المقصور هو الغالب فى الاستعمال عند الشارح، وخالفه السيد: فجعل الغالب دخولها على المقصور عليه مع اتفاقهما على جواز الأمرين لغة، والنزاع بينهما إنما هو فى الغالب فى الاستعمال. اهـ. سم.
وقوله: وخالفه السيد إلخ: ناقش فيه يس؛ لأن الذى فى حواشى الكشاف للسيد وحواشيه على المطول موافقته للشارح، حيث قال دخول الباء بعد التخصيص على المقصور أكثر فى الاستعمال بناء على أن تخصيص شىء بآخر فى قوة تمييز الآخر به عن نظائره فاستعمل فيه على طريق المجاز المشهور حتى صار كأنه حقيقة فيه أو على طريق التضمين، وإن كان التخصيص بحسب مفهومه الأصلى يقتضى دخولها على المقصور عليه، فيقال: اختص الجود بزيد أى صار الجود مقصورا على زيد لا يتجاوزه إلى غيره وهذا عرف جيد إلا أن الأكثر فى الاستعمال دخولها على المقصور كما بين
(قوله: مثلها فى قولهم إلخ) أى: فى كونها داخلة على المقصور
(قوله: أى ذكرته دون غيره) أى: فالذكر مقصور على فلان
(قوله: كأنك إلخ) كأن للتحقيق أى: بمعنى إنك جعلته وقوله من بين الأشخاص متعلق ب (مختصّا) مقدم عليه
(قوله: من بين ما) أى: من بين الأفراد التى يصح أى يمكن عقلا
(قوله: بكونه مسندا إليه) أى: لذلك المسند المخصوص.
(قوله: بأن يثبت له المسند) أى: ذلك المسند بخصوصه، وحاصله أن ذلك المسند بخصوصه يصح عقلا إسناده إلى أفراد عدة فإذا أسند لواحد وأتى بضمير الفصل
стр. 621
معناه: نخصك بالعبادة؛ لا نعبد غيرك.
[أغراض التقديم]:
(وأما تقديمه) أى: تقديم المسند إليه (فلكون ذكره أهم) ولا يكفى فى التقديم مجرد ذكر الاهتمام، بل لا بد أن يبين أن الاهتمام من أى جهة وبأى سبب؛ فلذا فصله بقوله: إما لأنه) أى: تقديم المسند إليه (الأصل) لأنه محكوم عليه، ...
===
كان ذلك المسند مقصورا على هذا المسند إليه بخصوصه، وقوله بأن يثبت إلخ: على صيغة المعلوم من الثبوت لا على صيغة المجهول من الإثبات؛ لأن المستفاد من ضمير الفصل هو القصر فى الثبوت لا الإثبات والفرق ظاهر- اه فنارى.
(قوله: معناه نخصك بالعبادة) أى: وليس معناه أنك مختص بالعبادة ومقصور عليها، فليس لك من الأحوال والأوصاف غيرها.
[تقديم المسند إليه]:
(قوله: وأما تقديمه إلخ) المراد بتقديمه إيراده ابتداء أول النطق، فاندفع اعتراض المطول بأنه كيف يطلق التقديم على المسند إليه، وقد صرح صاحب الكشاف بأنه إنما يقال مقدم أو مؤخر للمزال عن مكانه لا للقار فى مكانه، وحاصل الجواب أن فى لفظ التقديم هنا تجوزا، والمراد ما عرفته.
(قوله: فلكون ذكره أهم) أى: فلكون ذكره أهم من ذكر المسند ومعنى كون ذكره أهم أن العناية به أكثر من العناية بذكر غيره.
(قوله: ولا يكفى فى التقديم) أى: فى بيان نكتة التقديم مجرد إلخ أى: لا يكفى صاحب علم المعانى أن يقتصر فى بيان نكتة التقديم على الاهتمام بحيث يقول قدم المسند إليه مثلا للاهتمام، بل ينبغى أن يبين سببه ليعلم المتعلم الكاسب للبلاغة الجهات المعتبرة عند البلغاء المقتضية للاهتمام، وإلا فيكفى أن يقال فى التقديم الواقع من البليغ أنه للاهتمام، إذ لا خفاء فى أن ما دعاه للاهتمام أمر معتبر فى البلاغة (قوله وبأى سبب) العطف تفسيرى
(قوله: فلذا فصله) أى: بينه والضمير لوجه الاهتمام وسببه
(قوله: إما لأنه) أى: وتثبت الأهمية لذكره إما لكون تقديمه الأصل أى: الراجح فى نظر الواضع، وقوله إما لأنه أى تقديم المسند إليه بمعنى اللفظ، وقوله: لأنه محكوم عليه أى
стр. 622
ولا بد من تحققه قبل الحكم، فقصدوا أن يكون فى الذكر أيضا مقدما (ولا مقتضى للعدول عنه) أى: عن ذلك الأصل؛ إذ لو كان أمر يقتضى العدول عنه فلا يقدم كما فى الفاعل ...
===
المسند إليه بمعنى المعنى ففى كلامه استخدام
(قوله: ولا بد من تحققه قبل الحكم) اعترض بأنه إن أريد وقوع النسبة أو لا وقوعها فهو مسبوق بتحقق المسند إليه والمسند معا فى الذهن ضرورة أن النسبة لا تعقل إلا بعد تعقلهما، لكن لا يلزم من ذلك ما هو المطلوب أعنى تقديم المسند إليه على المسند، وإن أريد بالحكم المحكوم به فلا نسلم أنه لا بد من تحقق المحكوم عليه فى الذهن قبل المحكوم به؛ لأنه يمكن تعقل المحكوم به قبل تعقل المحكوم عليه نعم لو كان المحكوم عليه هو الذات والمحكوم به الوصف كان الأولى أن يلاحظ قبل المحكوم به، وأما أنه يجب فلا، هذا إذا أريد بتحققه قبل الحكم تحققه فى التعقل، وإن أريد تحققه فى الخارج فلا نزاع فيه إذا كان المحكوم عليه من الموجودات الخارجية إلا أن ترتيب الألفاظ لتأدية المعانى بحسب ترتيب تلك المعانى فى التعقل لا فى الخارج، وأجيب بأنه يصح أن يراد بالتحقق قبل الحكم التقدم فى التعقل، ويراد بالحكم المحكوم به، ويراد بالوجوب المأخوذ من قوله لا بد الوجوب الاستحسانى وهو الأولوية لا الحقيقى، ولا شك أن تعقل الذات قبل الوصف هو المناسب، وإن أمكن العكس، وأن ترتيب اللفظ على ترتيب المعنى أمر لائق فصح التعليل به لتقديم المسند إليه، وحاصله أن المسند إليه لما كان محكوما عليه كان المسند مطلوبا لأجله، فالأولى أن يلاحظ قبله ويصح أن يراد بالتحقق المذكور، التقدم فى الوجود الخارجى، والوجوب حينئذ حقيقى ومختص بالموجودات الخارجية وترتيب اللفظ هنا على ما فى الخارج ترتيب له على ما هو فى الذهن؛ لأن ما فى الخارج مدلول ما فى الذهن وما فى الذهن مدلول اللفظ؛ لأن اللفظ يدل على ما فى الذهن وما فى الذهن يدل على ما فى الخارج.
(قوله: ولا مقتضى للعدول عنه) أى: والحال أنه ليس هناك نكتة تقتضى العدول عن ذلك الأصل، أما لو وجدت نكتة من نكات التأخير فلا يقدم؛ لأن الأصالة نكتة ضعيفة فيرجح غيرها عليها بمجردها، ثم إن هذه الجملة حال من المصدر المنسبك
стр. 623
فإن مرتبة العامل التقدم على المعمول (وإما ليتمكن الخبر فى ذهن السامع؛ لأن فى المبتدأ تشويقا إليه) أى: إلى الخبر (كقوله:
والذى حارت البريّة فيه ... حيوان مستحدث من جماد) (١)
===
من أن ومعموليها، والتقدير لكونه الأصل فى حال عدم المقتضى للعدول عنه، قيل: ولا يصح أن تكون حالا من خبر أن وهو الأصل لما يلزم عليه من عمل أن فى الحال؛ لأن العامل فى الحال هو العامل فى صاحبها وأنه عامل ضعيف؛ لأنه عامل معنوى- وفيه نظر؛ لأن العامل المعنوى إنما يمتنع عمله فى الحال مؤخرا لا مقدما. قال فى الخلاصة:
وعامل ضمّن معنى الفعل لا ... حروفه مؤخّرا لن يعملا
فالحق جواز ذلك الوجه أيضا، ويصح أن تكون الجملة عطفا على خبر أن وهو الأصل
(قوله: فإن مرتبة العامل التقدم على المعمول) أى: لأنه لما أثر فيه رجح جانبه عليه بالتقديم؛ ولأن العامل علة فى المعمولية والعلة مقدمة على المعلول
(قوله: لأن فى المبتدأ تشويقا إليه) أى: لما معه من الوصف الموجب لذلك، أو الصلة كذلك كقوله:
حارت فى المثال: والحاصل أن فى قوله: حارت البرية تشويقا للنفس إلى علم الخبر، فإذا قيل حيوان تمكن فى النفس؛ لأن الحاصل بعد الطلب أعز من المنساق بلا تعب، وقد يقال: إن كون المبتدأ مشوقا للخبر إنما يدعو إلى التقديم لا لكونه أهم. اه أطول.
(قوله: حارت البرية فيه) أى: فى أنه يعاد أو لا يعاد أى: اختلفت فيه البرية، فأطلق الملزوم وأراد اللازم؛ لأن الحيرة فى الشىء يلزمها الاختلاف فاندفع ما يقال: إن الفريق القائل بالبعث جازم به، والبعض المنكر له جازم بعدمه، وإذا كان كل من أهل المذهبين جازما بمذهبه فأين الحيرة؟ أو يقال: إن الاختلاف من المجموع من حيث هو مجموع أثر حيرته، وإن كان كل واحد جازما بمذهبه، أو يقال: إن مذهب الهادى لما كان يحتاج إلى دفع الشبه، وكذا مذهب الضال ودفع الشبه لا يخلو غالبا عن حيرة
стр. 624
يعنى: تحيرت الخلائق فى المعاد الجسمانى، والنشور الذى ليس بنفسانى؛ بدليل ما قبله:
===
فيكون إطلاق الحيرة واردا على أصله، فكأنه قال: والذى وقع فيه تحير أولا ولم يقع استقرار على حاله إلا بعد دفع الشبه معاد حيوان إلخ
(قوله: حيوان) أى: معاد حيوان، وقوله: مستحدث من جماد أراد به النطفة بناء على أن المراد بالجماد ما ليس بحيوان وإن انفصل عنه، أو أن المراد مستحدث من جماد باعتبار أصله وهى طينة آدم بناء على أن المراد بالجماد ما ليس بحيوان ولا منفصل عنه، أو المراد بالحيوان الأجسام الخارجة من القبور وهى مستحدثة من جماد وهو التراب الذى تنبت منه
(قوله: فى المعاد الجسمانى) أى: فى العود المتعلق بالأجسام، وكذا بالأرواح
(قوله: والنشور) أى: انتشار الخلق من قبورهم وتفرقهم فى الذهاب إلى المحشر، وقوله الذى ليس بنفسانى أى: الذى ليس متعلقا بالنفس فقط، بل متعلق بالنفس أى: الروح والجسم معا.
(قوله: بدليل ما قبله إلخ) أى: أن المراد بالحيوان المستحدث من جماد بنو آدم، والذى تحيرت البرية فيه معاده ونشوره بدليل ما قبله، وليس المراد بالحيوان المستحدث من جماد تحيرت البرية فيه ناقة صالح أو ثعبان موسى كما قال بعضهم: فإن الأول مستحدثة من الصخرة، والثانى مستحدث من العصا، وقد اختلف فيهما الناس فقيل ذلك ضلال وسحر، وقيل أمر حق ومعجزة لصالح وموسى، وقال بعضهم: المراد به طائر بالهند يقال له الفقنس يضرب به المثل فى البياض له منقار طويل فيه ثلثمائة وستون ثقبة على عدد أيام السنة إذا صوت يخرج من كل واحد منها صوت حسن يعيش ألف سنة، وإذا انتهى أجله وألهمه الله ذلك دخل عشه ونفخ فيه فيحدث فى العش أصوات مطربة فيحترق العش بنار تحدث حينئذ يحترق ذلك الطائر فى العش حتى يصير رمادا، ثم يخلق الله من ذلك الرماد بعد ثلاثة أيام ذلك الطائر مرة أخرى، ثم انتهى أجله فعل مثل ما فعل أولا وهلمّ جرّا، لكن أنت خبير بأن هذا البيت وحده لا يدل لما ادعاه من أن المراد بالحيوان المستحدث من جماد بنو آدم، وأن الذى تحيرت فيه البرية معاده لصدقه بناقة صالح وعصا موسى، نعم أبيات القصيدة من أولها تدل على ذلك، فالأولى
стр. 625
بان أمر الإله واختلف النا ... س فداع إلى ضلال وهادى
يعنى: بعضهم يقول بالمعاد، وبعضهم لا يقول به (وإما لتعجيل المسرة أو المساءة للتفاؤل) ...
===
أن يقول بدليل السياق، وذلك لأن هذا البيت الذى ذكره المصنف لأبى العلاء المعرى من قصيدة يرثى بها فقيها حنفيا ومطلعها:
غير مجد فى ملّتى واعتقادى ... نوح باك ولا ترنّم شادى
وشبيه صوت النعىّ إذا قي ... س بصوت البشير فى كلّ ناد
أبكت تلكم الحمامة أم غنّ ... ت على فرع غصنها الميّاد
صاح هذى قبورنا تملأ الرّح ... ب فأين القبور من عهد عاد
خفّف الوطء ما أظنّ أديم ال ... أرض إلّا من هذه الأجساد
وقبيح بنا وإن قدم العه ... د هوان الآباء والأجداد
سر إن اسطعت فى الهواء رويدا ... لا اختيالا على رفات العباد
ربّ لحد قد صار لحدا مرارا ... ضاحك من تزاحم الأضداد (١)
وهى طويلة ومنها ما يدل على كون المرثى فقيها حنفيا، وهو قوله:
وفقيها أفكاره شدن للنعما ... ن ما لم يشده شعر زياد
فسياق القصيدة فى رثاء شخص مات يبعد أن يكون المراد بالحيوان غير الآدميين، ويعين أن الذى وقعت الحيرة فيه معاد ومجد بمعنى مغن ونافع، والشادى من الشدو وهو: يرفع الصوت
(قوله: بأن أمر الإله) أى: ظهر بالأدلة بالنسبة لمن دعى إلى الهدى
(قوله: وهاد) عطف على داع
(قوله: بعضهم يقول بالمعاد) أى: وهو الهادى كما يدل عليه قوله: بأن أمر الإله، حيث جعل الحشر من أمر الله، وقوله بعد:
واللبيب اللبيب من ليس يغترّ ... بأنّ مصيره للفساد
стр. 626
علة لتعجيل المسرة (أو التطير) علة لتعجيل المساءة (نحو: سعد فى دارك) لتعجيل المسرة (والسفاح فى دار صديقك) لتعجيل المساءة (وإما لإيهام أنه) أى: المسند إليه (لا يزول عن الخاطر) لكونه مطلوبا (أو أنه يستلذ به) لكونه محبوبا (وإما لنحو ذلك) مثل إظهار تعظيمه أو تحقيره ...
===
أى: فساد المزاج وعدم المعاد
(قوله: لتعجيل المسرة) أى: السرور؛ لأنه يحصل بسماع اللفظ المشعر بالسرور سرور، وكذا يقال فيما بعده.
(قوله: علة لتعجيل المسرة) أى: إنما عجلت المسرة للسامع لأجل أن يتفاءل، وعجلت المساءة له لأجل أن يتطير؛ وذلك لأن السامع إنما يتفاءل أو يتطير بأول ما يفتتح به الكلام، فإن كان يشعر بالمسرة تفاءل به أى: تبادر لفهمه حصول الخير، وإن كان يشعر بالمساءة تطير به أى: تبادر لفهمه حصول الشر
(قوله: سعد فى دارك) المراد به العلم وإلا لم يجز الابتداء به؛ لأنه نكرة بلا مسوغ، والشاهد فيه أنه قدم المسند إليه لكون ذكره أهم لأجل تعجيل المسرة لا للمسرة إذ هى حاصلة مع التأخير، وإنما عجلت المسرة لأجل تفاؤل السامع أى: تبادر حصول الخير لفهمه بخلاف السفاح فى دار صديقك، فإن التقديم فيه لتعجيل المساءة وعجلت المساءة لأجل تطير السامع وهو أن يتبادر إلى فهمه حصول الشر والمراد بالسفاح هنا إما الوصف وهو سفاح الدماء أو العلم وهو فى الأصل لقب لأول خليفة من بنى العباس
(قوله: وإما لإيهام إلخ) أى: وإما لأجل أن يوقع المتكلم فى وهم السامع أنه لا يزول عن الخاطر، حتى إن الذهن إذا التفت لمخبر عنه لم يجد أولى منه، أى والشأن أن ما لا يزول عن الخاطر يقدم أولا فى الذكر عن غيره، والمراد بالخاطر القلب، لا ما خطر وحل فيه وهو الهاجس فهو مجاز مرسل من إطلاق اسم الحال وإرادة المحل، فإذا قيل الحبيب جاء، قدم المسند إليه فيه لإيهام أنه لا يزول عن الخاطر، وإنما عبر بالإيهام؛ لأن عدم زواله عن الخاطر أمر غير ممكن بحسب العادة؛ لأنه يزول فى بعض الأوقات كوقت النوم
(قوله: أو أنه يستلذ به) أى: إيهام الاستلذاذ به والمراد باللذة اللذة الحسية، ولذا عبر بالإيهام إشارة إلى عدم تحقق ذلك
(قوله: إظهار تعظيمه) نحو: رجل فاضل عندى، وقوله أو تحقيره نحو: رجل
стр. 627
أو ما أشبه ذلك. قال (عبد القاهر (١): وقد يقدم) المسند إليه (ليفيد) التقديم (تخصيصه بالخبر الفعلى) ...
===
جاهل عندك، واعترض بأن هذا الغرض الذى هو إظهار التعظيم أو التحقير يحصل مع التأخير، وليس خاصا بالتقديم لحصول كل منهما بالوصف، إذ لو حذف الوصف لم يستفد شىء منهما أصلا قدم المسند إليه أو أخر فلا دخل للتقديم فى شىء من ذلك، وأجيب بأن فى الكلام حذف مضاف أى: مثل تعجيل إظهار تعظيمه إلخ، ولا شك أن تعجيل الإظهار خاص بالتقديم- هذا محصل ما فى الفنارى، وتبعه يس، وسم.
وفى عبد الحكيم قوله مثل إظهار تعظيمه أى: التعظيم المستفاد من جوهر لفظ المسند إليه نحو: أبو الفضل، أو من الإضافة نحو: ابن السلطان حاضر، أو بوصفه نحو:
رجل فاضل، فالتعظيم حاصل بلفظ المسند إليه لكونه مشعرا به وإظهاره يحصل بتقديمه؛ لأنه يدل على أن الكلام سيق له نفسه، وكذا الحال فى التحقير إذا كان المسند إليه لفظا مشتملا على التحقير فيكون تقديمه لإظهاره، ولذا زاد لفظ الإظهار، ولم يقل لتعظيمه أو تحقيره. اهـ.
وبهذا تعلم أنه لا حاجة لما قاله أرباب الحواشى من التكلف السابق
(قوله: أو ما أشبه ذلك) أى: كالاحتراز عن أن يحصل فى قلب السامع غير المحكوم عليه كقولنا:
زيد قائم، إذ لو قائم زيد فربما تخيل من أول وهلة أن المراد بالقائم غير زيد والغرض نفى ذلك التخيل؛ لأنه مظنة الغفلة عن تحقيق المراد.
[رأى عبد القاهر]:
(قوله: قال عبد القاهر) قدر الفعل إشارة إلى أن عبد القاهر فاعل لفعل محذوف، وفيه أن هذا ليس من المواضع التى يحذف فيها الفعل، فالأولى جعله مبتدأ والخبر محذوف كما فعل فى المطول. حيث قال: عبد القاهر أورد كلاما حاصله ما أشار إليه المصنف بقوله
(قوله: وقد يقدم إلخ) هذا مقابل للاهتمام المذكور سابقا فى المتن لا أنه من جملة نكاته
(قوله: بالخبر الفعلى) أى: بنفى الخبر الفعلى فهو على حذف مضاف
стр. 628
أى: قصر الخبر الفعلى عليه (إن ولى) المسند إليه (حرف النفى) أى: وقع بعدها بلا فصل ...
===
بدليل قوله إن ولى إلخ، وأيضا المقصور على المسند إليه المقدم فى المثال الذى ذكره نفى القول، وأما الفعل الذى هو القول فهو ثابت لغيره، فالحاصل أن المسند إليه مخصص بنفى الخبر الفعلى والمخصص بالخبر الفعلى إنما هو غير المسند إليه، فلا بد من تقدير إما فى آخر الكلام كما قلنا، أو فى أوله بأن يقال: ليفيد التقديم تخصيص غيره بالخبر الفعلى، اللهم إلا أن يراد بالخبر الإخبار أعنى مضمون الجملة لا خبر المبتدأ، ولا شك أن مضمون الجملة فى المثال نفى القول، وحينئذ فلا حاجة لحذف المضاف، أو يقال مراده بالمسند إليه غير المذكور؛ لأنه مسند إليه فى الكلام ضمنا، إذ كل كلام اشتمل على الحصر كان مشتملا على اثنين من المسند إليه: أحدهما ضمنى، والآخر مصرح به؛ لأنه يشتمل على حكمين إيجاب ى وسلب ى ولكل منهما مسند إليه، والمراد بالخبر الفعلى ما فى أوله فعل وكان فاعله ضمير المسند إليه لا المتضمن لمعنى الفعل لتصريحه بأن الصفة المشبهة فى قوله تعالى:
وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ (١) ليست خبرا فعليا. قاله الفنرى، وفى الأطول: إن المشتقات كلها مشتركة فى سبب إفادة التخصيص كما فى قوله تعالى وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ، وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ فعدم العزة فى الأولى مختص بالمسند إليه ثابتة لغيره، وكذا نفى الخروج فى الثانية مختص بالمسند إليه وهو الكفار والخروج منها ثابت لغيرهم
(قوله: أى قصر الخبر الفعلى عليه) أى: فالباء داخلة على المقصور
(قوله: أى وقع بعدها) أنث الضمير العائد على حرف النفى نظرا إلى أنه أداة أو كلمة
(قوله: بلا فصل) ليس قيدا هنا، وإنما أتى به لاعتباره فى حقيقة الولى اصطلاحا، وإن لم يعتبر فى حقيقته لغة لصدق الولى لغة مع الفاصل فلا يضر الفصل ببعض المعمولات مثلا نحو: ما زيد أنا ضربت، وما فى الدار أنا جلست، وكقولك: ما إن أنا قلت لزيد فهذا كله مما لا يفيد التخصيص، ولهذا لم يجعل الشارح صورة الفصل المذكور من جملة الصور الداخلة تحت قوله الآتى وإلا كما ستقف عليه- كذا قرره شيخنا العدوى.
стр. 629
(نحو: ما أنا قلت هذا؛ أى: لم أقله مع أنه مقول لغيرى) فالتقديم يفيد نفى الفعل عن المتكلم وثبوته لغيره على الوجه الذى نفى عنه ...
===
(قوله: ما قلت هذا) أى: فأنا: مبتدأ، وقلت خبر، وقدم المسند إليه فى هذا الكلام لأجل إفادة اختصاصه بانتفاء هذا القول عنه أى: أن انتفاء هذا القول مقصور علىّ وثابت لغيرى وهذا الغير الذى ثبت له ذلك القول ليس كل غير، بل غير مخصوص وهو من توهم المخاطب شركته معك أو انفرادك به دونه كما قال الشارح
(قوله: مع أنه مقول لغيرى) فيه أن المخاطب قد ينسب الفعل إلى المتكلم من غير تعرض لغيره فيقول له المتكلم: ما أنا فعلت لنفى ما زعمه المخاطب، فكيف يكون التقديم مفيدا لثبوت الفعل للغير، مع أن ذلك الغير ليس ملاحظا أصلا، كذا بحث السيد الصفوى.
وقد يقال ما فى المتن هو الأصل، وقد يخالف لقرينة. كذا أجاب بعضهم، لكن قد يقال: مقتضى قول الشارح فى المطول، ولا يقال هذا الكلام أعنى ما أنا قلت هذا إلا فى شىء ثبت عند المخاطب أنه مقول لغيرك وأنت تريد نفى كونك القائل فقط لا نفى القول مطلقا إذ لا نزاع فيه، بل فى قائله أن هذا البحث لا يرد وأن المخاطب إذا نسب الفعل إلى المتكلم من غير تعرض لغيره لا يقول له ما أنا فعلت، بل أنا ما فعلت- فتأمل.
(قوله: فالتقديم يفيد) أى: بالمنطوق، وقوله وثبوته أى: ويفيد بالمفهوم ثبوته
(قوله: على الوجه إلخ) متعلق بقوله وثبوته، وقوله: الذى نفى أى: الفعل، وقوله عنه أى: عن المتكلم، وكان الواجب أن يزيد قوله عليه بعد عنه بأن يقول: على الوجه الذى نفى عنه عليه؛ لأن عائد الموصول أو موصوف الموصول إذا كان مجرور إلا يحذف إلا بشروط منها أن يكون الموصول أو موصوفة مجرور بما جر العائد، وأن يتحد متعلقهما معنى أو لفظا ومعنى ولم يتحدا هنا متعلقا؛ لأن متعلق أحدهما ثبوت ومتعلق الآخر نفى كما هو ظاهر- فتأمل.
(قوله: من العموم أو الخصوص) بيان الوجه فإذا كان النفى عاما أو خاصا كان الثبوت كذلك، ومثال العموم قولك: ما أنا رأيت أحدا، فإن الذى نفى عن المسند إليه رؤية كل أحد، والذى أثبت لغيره رؤية كل أحد، ولا شك أن كل أحد
стр. 630
من العموم أو الخصوص، ولا يلزم ثبوته لجميع من سواك؛ لأن التخصيص إنما هو بالنسبة إلى من توهم المخاطب اشتراكك معه أو انفرادك به دونه (ولهذا) أى:
ولأن التقديم يفيد التخصيص ونفى الحكم عن المذكور مع ثبوته للغير (لم يصح:
ما أنا قلت) هذا (ولا غيرى) لأن مفهوم ما أنا قلت ثبوت قائلية هذا القول لغير المتكلم، ومنطوق لا غيرى نفيها عنه؛ وهما متناقضان ...
===
عام ومثال الخصوص: ما أنا قلت هذا، فقد نفى عن المسند إليه قول هذا بخصوصه، وأثبت لغيره قول ذلك بخصوصه، فالعموم والخصوص بالنظر للمعمول.
(قوله: ولا يلزم إلخ) لما كان قوله وثبوته بغيره يوهم أن المراد كل غير دفع ذلك التوهم بقوله: ولا يلزم إلخ
(قوله: لأن التخصيص إنما هو بالنسبة إلى من توهم إلخ) أى:
لأن التخصيص المستفاد من المثال المذكور إنما هو بالنسبة إلى من توهم إلخ فهو قصر إضافى لا بالنسبة لجميع الناس حتى يكون حقيقيا وقوله إلى من توهم إلخ أى: فيكون قصر أفراد، وقوله: أو انفرادك به أى: فيكون قصر قلب، ثم إن هذا يشمل التردد كما فى قصر التعيين؛ لأن المتردد يجوز الانفراد والشركة فهو يتوهم ذلك، وحينئذ فلا يرد على هذا الحصر أعنى قول الشارح؛ لأن التخصيص إنما إلخ قصر التعيين بأن يقال التخصيص أيضا يكون بالنسبة للمتردد، ولا حاجة للاعتذار الواقع من الفنارى عن عدم التعرض له بقلته بالنسبة إلى مقابليه وعدم ظهور خطأ المخاطب فيه. قاله يس.
وقوله: إنما هو بالنسبة لمن توهم المخاطب اشتراكك معه أى: بالنسبة لمن وقع فى وهم المخاطب أى: فى ذهنه اشتراكك معه فشمل الاعتقاد، والظن وهو الطرف الراجح والوهم وهو الطرف المرجوح وليس كلام الشارح قاصرا على الوهم- كذا قرر شيخنا العدوى.
(قوله: ولأن التقديم يفيد التخصيص) أى: ولأجل أفادة التقديم التخصيص
(قوله: ونفى الحكم) عطف تفسير على قوله: التخصيص
(قوله: مع ثبوته للغير) أى: على الوجه الذى نفى عن المتكلم فلا بد من اعتبار هذا فى العلة لتوقف إنتاج عدم صحة المثالين الآخرين على ذلك
(قوله: لم يصح) أى: إذا قصد التخصيص، وأما إذا قصد
стр. 631
(ولا: ما أنا رأيت أحدا) لأنه يقتضى أن يكون إنسان غير المتكلم قد رأى كل أحد من الناس؛ لأنه قد نفى عن المتكلم الرؤية على وجه العموم فى المفعول فيجب أن يثبت لغيره على وجه العموم فى المفعول ليتحقق تخصيص المتكلم بهذا النفى ...
===
الإخبار بمجرد عموم النفى صح ذلك، وكان قوله ولا غيرى قرينة على ذلك
(قوله: ولا ما أنا رأيت أحدا) أى: لا يصح هذا المثال أيضا بناء على ما يتبادر منه وهو الاستغراق الحقيقى، وإن أمكن تخصيصه بحمل النكرة الواقعة فى سياق النفى على الاستغراق العرفى بأن يحمل الأحد على الأحد الذى يمكن رؤيته
(قوله: قد رأى كل أحد من الناس) أى: وهو باطل، وقوله: لأنه أى المتكلم، وقوله قد نفى عن المتكلم إظهار فى محل الإضمار أى: قد نفى عن نفسه.
(قوله: على وجه العموم) متعلق بنفى لا بالرؤية كما يدل عليه قول الشارح سابقا، فالتقديم يفيد نفى الفعل عن المذكور وثبوته لغيره على الوجه الذى نفى عنه من العموم أو الخصوص، وقوله فى المفعول صفة للعموم أى: لأن الرؤية نفاها المتكلم عن نفسه على جهة العموم الكائن فى المفعول؛ لأن النكرة فى سياق النفى تعم
(قوله: ليتحقق إلخ) علة لقوله فيجب أن يثبت لغيره على وجه العموم، واعترض على هذا التعليل بأن تحقق تخصيص المتكلم بهذا النفى لا يتوقف على الثبوت لغيره على وجه العموم بل يوجد مع ثبوت رؤية غيره، ولو كان ذلك الغير واحدا فقط؛ وذلك لأن قولك ما أنا رأيت أحدا سلب كلى معناه نفى الرؤية الواقعة لكل فرد من أفراد الناس فيفيد عموم النفى، وتخصيصه بالمتكلم يقتضى أن يكون غيره ليس ملتبسا بهذه الصفة أى: انتفاء الرؤية لكل فرد، وهذا لا يقتضى أن يكون قد رأى كل أحد بل يكفى فيه أن يكون رأى واحدا؛ لأن السلب الكلى يرتفع بالإيجاب الجزئى، وحينئذ فيصح هذا المثال أعنى: ما أنا رأيت أحدا، فالتعليل المذكور يقتضى صحته مع أن المراد عدم صحته، فالحاصل أن التعليل المذكور منتج لخلاف المطلوب، وأجيب بأن التركيب المفيد لتخصيص المتكلم بالنفى، إنما يقال فى اصطلاح البلغاء لمن اعتقد وقوع الفعل على الوجه
стр. 632
(ولا: ما أنا ضربت إلا زيدا) لأنه يقتضى أن يكون إنسان غيرك قد ضرب كل أحد سوى زيد؛ لأن المستثنى منه مقدر عام وكل ما نفيته عن المذكور على وجه الحصر يجب ثبوته لغيره تحقيقا لمعنى الحصر؛ إن عاما فعام، وإن خاصا فخاص، وفى هذا المقام مباحث نفيسة وشحنا بها الشرح (وإلا) أى: وإن لم يل المسند إليه حرف النفى بأن لا يكون فى الكلام حرف نفى، أو يكون حرف النفى متأخرا عن المسند إليه ...
===
الذى وقع عليه النفى من العموم أو الخصوص، وأخطأ فى تعيين الفاعل كما يشهد بذلك الذوق والسليقة السليمة، فمنع ذلك بأن يقال: يمكن أن يقال لمن اعتقد رؤية غير المتكلم لبعض الآحاد لكفاية ذلك فى تحقق اختصاص المتكلم بهذا النفى غير ناهض، وتحصل أن هذا المثال وهو: ما أنا رأيت أحدا إن قيل جوابا لشخص اعتقد وقوع رؤيتك لكل أحد غير صحيح باعتبار استعمال البلغاء؛ لأن التركيب المفيد لتخصيص المتكلم بالنفى إنما يقال فى عرفهم لمن اعتقد وقوع الفعل على الوجه الذى وقع عليه النفى من العموم أو الخصوص، وأخطأ فى تعيين فاعله، وإن قيل جوابا لمن اعتقد رؤيتك لبعض الآحاد مخطئا فى وقوع هذه الرؤية منك فهو صحيح
(قوله: ولا ما أنا ضربت إلا زيدا) أى: لأن هذا يفيد بمنطوقه أن نفى الضرب لكل أحد غير زيد مقصور على المتكلم ويفيد بمفهومه أن يكون إنسان غيره ضرب كل أحد غير زيد، وهو باطل لعدم تأتى ذلك
(قوله: لأن المستثنى منه) أى: فى هذا المثال
(قوله: مقدر عام إلخ) أى:
فلو كان المستثنى منه يقدر خاصا صح الكلام كما فى نحو: ما أنا قرأت إلا الفاتحة، فإنه يفيد أن إنسانا غيره قرأ كل سورة إلا الفاتحة وهذا صحيح
(قوله: على وجه الحصر) أى: كما هنا؛ لأن ما وإلا يفيدان الحصر
(قوله: بأن لا يكون إلخ) بقى ما إذا كان حرف النفى مقدما إلا أنه مفصول من المسند إليه وهو داخل تحت قوله: وإلا بالنظر لقوله أولا أى: وقع بعدها بلا فصل فكان على الشارح زيادة ذلك، وقد يجاب بأن مراد الشارح- فيما تقدم بالتقييد بعدم الفصل- تفسير مفهوم الولى فى الاصطلاح لا تفسير المراد، إذ المراد بقوله سابقا إن ولى المسند إليه حرف النفى وقع بعدها كان بينهما
стр. 633
(فقد يأتى) التقديم (للتخصيص ردا على من زعم انفراد غيره) أى: غير المسند إليه المذكور (به) أى: بالخبر الفعلى (أو) زعم (مشاركته) أى مشاركة الغير (فيه) أى: فى الخبر الفعلى (نحو: أنا سعيت فى حاجتك) لمن زعم انفراد الغير بالسعى فيكون قصر قلب، أو زعم مشاركته لك فى السعى فيكون قصر إفراد (ويؤكد على الأول) أى: على تقدير كونه ردا على من زعم انفراد الغير (بنحو: لا غيرى) مثل: لا زيد ولا عمرو ولا من سواى؛ لأنه الدال صريحا على نفى شبهة أن الفعل صدر عن الغير (و) يؤكد (على الثانى) أى: على تقدير كونه ردا على من زعم المشاركة (بنحو: وحدى) مثل: منفردا، ومتوحدا، وغير مشارك؛ لأنه الدال صريحا ...
===
فاصل أو لا، ولذا أسقط هذا القسم هنا، وقد تقدم ذلك، وقوله وإلا شرط جزاؤه قوله: فقد يأتى إلخ، ومجموع الشرط والجزاء معطوف على مجموع قوله، وقد يقدم ليفيد تخصيصه بالخير الفعلى إن ولى حرف النفى
(قوله: فقد يأتى للتخصيص) أى:
ويلزمه التقوى وإن كان غير مقصود وغير ملحوظ
(قوله: ردا) مفعولا لأجله عاملة يأتى أو التخصيص
(قوله: فيكون) أى: التخصيص قصر قلب.
(قوله: ويؤكد) أى: المسند إليه
(قوله: على تقدير كونه) أى: كون التخصيص
(قوله: بنحو لا غيرى) أى: بلا غيرى، ونحو: وليس المراد بمثل لا غيرى ولا يؤكد بلا غيرى، أو يقال بنحو: لا غيرى كل لفظ دل صراحة على نفى صدور الفعل عن الغير فيجرد النحو عن المماثلة فيكون من قبيل المجاز المرسل ولعاقته الإطلاق، فيصير متنا، ولا لغيرى، ولا سواى، ولا زيد ولا عمرو،
(قوله: مثل لا زيد إلخ) بيان لنحو لا غيرى
(قوله: لأنه) أى: نحو لا غيرى، وهذا علة لقوله ويؤكد وقوله الدال صريحا أى:
وإن كان وحدى يدل عليه التزاما، وقوله على نفى شبهة إلخ: والشبهة تدفع بالصريح
(قوله: شبهة أن الفعل إلخ) الإضافة بيانية أى على نفى شبهة هى أن الفعل صدر عن الغير كما يظنه المخاطب أو المراد بالشبهة الظن، وعلى هذا فالمراد بالنفى الانتفاء
(قوله: لأنه) أى: لأن وحدى، وقوله الدال صريحا أى، وإن كان لا غيرى يدل عليه التزاما
стр. 634
على إزالة شبهة اشتراك الغير فى الفعل والتأكيد إنما يكون لدفع شبهة خالجت قلب السامع.
(وقد يأتى لتقوى الحكم) وتقريره فى ذهن السامع دون التخصيص (نحو:
هو يعطى الجزيل) قصدا إلى تحقيق أنه يفعل إعطاء الجزيل، وسيرد عليك تحقيق معنى التقوى (وكذا إذا كان الفعل منفيا) ...
===
(قوله: على إزالة) أى: على نفى
(قوله: والتأكيد إنما يكون لدفع شبهة خالجت) أى:
خالطت قلب السامع أى: والغرض دفعها وما هو دفعها أصرح أولى بأن يكون تأكيدا بخلاف ما لو قيل فى الأول وحدى وفى الثانى لا غيرى، فإنه وإن كان يفيد ما ذكر باللزوم، لكنه ليس كما ذكر فى الصراحة.
(قوله: والتأكيد إنما يكون إلخ) هذا من تتمة التعليل، وهو راجع لهذا التعليل، والذى قبله أعنى قوله: لأنه الدال صراحة على نفى شبهة أن الفعل صدر عن الغير، ويحتمل أنه حذفه من الأول لدلالة هذا الثانى عليه
(قوله: وقد يأتى لتقوى الحكم) أى: ولا يلزمه التخصيص، وأشار بقوله وتقريره أى: تثبيته إلى أن المراد بالتقوى التقوية.
(قوله: نحو هو يعطى الجزيل) إنما كان التقديم فى هذا المثال ونحوه من كل مثال تقدم فيه المسند إليه على فعل مسند إلى ضميره إسنادا تاما مفيدا للتقوى؛ لأن المبتدأ طالب للخبر، فإذا كان الفعل بعده صرفه لنفسه فيثبت له، ثم ينصرف ذلك الفعل للضمير الذى قد تضمنه وهو عائد على المبتدأ فيثبت له مرة أخرى، فصار الكلام بمثابة أن يقال: يعطى زيد الجزيل يعطى زيد الجزيل، هذا حاصل ما يأتى للشارح
(قوله: قصدا) أى: يقال ذلك للقصد إلى تحقيق إلخ لا لقصد أن غيره لم يفعل ذلك
(قوله: أنه يفعل إعطاء) فيه أن الإعطاء فعل فكيف يفعل الفعل، وأجيب بأن الفعل الأول: عام، والثانى: خاص، ويصح تعلق العام بالخاص، أو أن الفعل الأول بالمعنى المصدرى، والثانى بمعنى الحاصل بالمصدر
(قوله: وسيرد عليك) أى: فى مبحث كون المسند جملة خبرية
(قوله: وكذا إذا كان الفعل منفيا) أى: بحرف نفى مؤخر عن المسند إليه كما هو فرض
стр. 635
فقد يأتى التقديم للتخصيص، وقد يأتى للتقوى، فالأول نحو: أنت ما سعيت فى حاجتى؛ قصدا إلى تخصيصه بعدم السعى، والثانى (نحو: أنت لا تكذب) وهو لتقوية الحكم المنفى وتقريره (فإنه أشد لنفى الكذب من: لا تكذب) لما فيه من تكرر الإسناد المفقود فى: لا تكذب، ...
===
المسألة وهو عطف على محذوف أى: فقد يأتى لكذا وكذا إذا كان الفعل مثبتا، والمشار إليه بكذا لبيان المذكور فى: أنا سعيت وفى: هو يعطى الجزيل، والمعنى وكهذا التمثيل الذى فيه مثبت التمثيل إذا كان الفعل منفيا
(قوله: فقد يأتى التقديم إلخ) هذا تفسير لمعنى التشبيه فى قول المصنف: وكذا إن كان الفعل منفيا، لكن قول المصنف:
وكذا إذا كان منفيا، مستفاد من قوله السابق: وإلا إلخ، لشموله له، فكان يكفيه هنا ذكر الأمثلة فقط لما إذا كان الفعل منفيا، ولعله إنما ذكره لزيادة التوضيح ا. هـ سم.
(قوله: نحو أنت ما سعيت إلخ) مثله أنا ما قلت هذا، فالتقديم فيه مفيد للتخصيص فهو مثل أنا ما قلت هذا، كما مرّ. نعم يفترقان من جهة أن ما أنا قلته إنما يلقى لمن اعتقد ثبوت القول، وأصاب فى ذلك، ولكنه أخطأ فى نسبته للمتكلم إما انفرادا أو على سبيل المشاركة، وأما أنا ما قلته فإنه يلقى لمن اعتقد عدم القول، وأصاب فى ذلك، ونسبه لغير المتكلم، ولكنه أخطأ فى ذلك
(قوله: قصدا إلى تخصيصه بعدم السعى) أى: وإثبات السعى لغيره
(قوله: لتقوية الحكم المنفى) الأولى حذف المنفى؛ لأن الحكم المنفى هو الكذب، وليس المراد تقوية الكذب المنفى، وإنما المراد تقوية نفى الكذب، يدل لذلك قول المصنف: فإنه أشد لنفى الكذب، ولم يقل أشد للكذب المنفى، فلو قال: لتقوية الحكم وحذف المنفى كان صحيحا؛ لأن المراد بالحكم حينئذ نفى الكذب وكذا لو قال تقوية نفى الحكم؛ لأن المراد بالحكم حينئذ المحكوم به وهو الكذب إلا، أن يجاب بأن مراد الشارح المنفى من حيث نفيه، فالملحوظ حينئذ نفيه لا ذاته
(قوله: فإنه أشد) هذا تعليل لكون أنت لا تكذب مقيدا للتقوى، وقوله أشد أى أقوى، ثم إن أفعل ليس على بابه؛ لأن لا تكذب ليس فيه شدة لنفى الكذب، بل مفيد لنفى الكذب
(قوله: لما فيه من تكرر الإسناد) أى: لأن الفعل فى أنت لا تكذب