Полный текст (592 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
[بامْرَأَةٍ لَهُ قِبَلَهَا قَوَدٌ] (١)، أَوْ أَرْشُ جِنَايَةٍ، أَوْ بِصَغِيرَةٍ تُوطَأُ مِثْلُهَا، أَوْ بِمَجْنُونَةٍ، أَوْ بِامْرَأَةٍ ثُمَّ تزَوَّجَهَا، أَوْ بِوَطْءِ أَمَةِ وَالِدِه، عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ.
وَتُحَدُّ الْمُكَلَّفَةُ إِذَا مَكَّنَتْ مِنْ نَفْسِهَا حَرْبِيًّا، أَوْ مَجْنُونًا، أَوْ مُمَيِّزًا لَهُ عَشْرُ سِنِينَ، أَوْ مَحْرَمًا تزَوَّجَتْ بِهِ عَالِمَةً بِحَالِهِ دُونَهُ.
فَصْلٌ
الثَّالِثُ: ثُبوتُ الزِّنَى ؛ وَلَا يَثْبُتُ الزِّنَى إِلَّا بِأحَدِ أَمْرَيْنِ:
أحَدُهُمَا: أَنْ يُقِرَّ بِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فِي مَجْلِسٍ أَوْ مَجَالِسَ، وَيُصَرِّحَ بِذِكْرِ حَقِيقَةِ الْوَطْءِ، لَا يَنْزِعُ عَنْ إِقْرَارِهِ حَتَّى يَتِمَّ الْحَدُّ.
الأَمْرُ الثَّانِي: أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ بِزِنًى وَاحِدٍ -يَصِفُونَهُ- أَرْبَعَةٌ مِمَّنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ فِيهِ، سَوَاءٌ أَتَوُا الْحَاكِمَ جُمْلَةً أَوْ مُتَفَرِّقِينَ. فَإِنْ شَهِدَ دُونَ أَرْبَعَةٍ، أَوْ شَهِدَ الأَرْبَعَةُ فِي مَجْلِسَيْنِ فَأَكْثَرَ، أَوْ كَانُوا فَسَقَةً، أَوْ عُمْيَانًا، أَوْ بَعْضُهُمْ، أَوْ بَانَ فِيهِمْ صَبِي مُمَيزٌ، أَوِ امْرَأَةٌ -حُدَّ الْمُكَلَّفُونَ لِلْقَذْفِ. стр. 457
وَإِنْ كَانَ أَحَدَ الأَرْبَعَةِ الزَّوْجُ، لَاعَنَ إِنْ شَاءَ، وَحُدَّ الثَّلَاثَةُ.
وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِزِنًى وَاحِدٍ، لَكِنْ قَالَ اثْنَانِ: "كَانَ الزِّنَى فِي بَيْتِ كَذَا، أَوْ (١) بَلَدِ كَذَا، أَوْ يَوْمَ كَذَا"، وَقَالَ اثْنَانِ: "بَلْ فِي بَيْتٍ -أَوْ بَلَدٍ، أَوْ يَوْمٍ- آخَرَ": فَهُمْ قَذَفَةٌ، وَعَلَيْهِمُ الْحَدُّ.
وإن شَهِدَ اثْنَانِ أَن الزِّنَى كَانَ فِي زَاوِيَةِ مُعَينَةِ مِنْ بَيْتِ مُعَيَّنٍ، وَاثْنَانِ أَنَّهُ كَانَ فِي زَاوِيَةٍ أُخْرَى مِنْهُ، أَوْ قَالَ اثْنَانِ: "كَانَ الزِّنَى فِي قَمِيصٍ أَبْيَضَ"، وَقَالَ اثْنَانِ: "فِي قَمِيصٍ أَحْمَرَ" -كَمَلَتْ شَهَادَتُهُمْ. وَإِنْ شَهِدَ الأَرْبَعَةُ عَلَى تَعَدُّدِ الْمَكَانِ أَوِ الزَّمَانِ، لَمْ تَكْمُلْ شَهَادَتُهُمْ، وَحُدُّوا لِلْقَذْفِ.
وَلَوْ قَالَ اثْنَانِ: "زَنَى بِهَا مُطَاوِعَةَ"، وَاثْنَانِ: "زَنَى بِهَا مُكْرَهَةَ" -لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ، وَيُحَدُّ شَاهِدَا (٢) الْمُطَاوَعَةِ لِقَذْفِ الْمَرْأَةِ، وَلَا يُحَدُّ الأَرْبَعَةُ لِقَذْفِ الرَّجُلِ.
وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ، فَرَجَعَ أَحَدُهُمْ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الرَّاجِعِ، وَحُدَّ الثَّلَاثَةُ. وَإِنْ كَانَ رُجُوعُهُ بَعْدَ الْحَدِّ، فَلَا حَدَّ عَلَى الثَّلَاثَةِ، وَيَغْرَمُ الرَّاجِعُ رُبُعَ مَا أَتْلَفُوهُ. وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَى بِبِكْرٍ، فَشَهِدَ ثِقَاتٌ مِنَ النِّسَاءِ بِعُذْرَتهَا، لَمْ تُحَدَّ الشُّهُودُ، وَلَا الْمَشْهُودُ عَلَيْهَا (٣). стр. 458
وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ، فَشَهِدَ أَرْبَعَةٌ آخَرُونَ عَلَى الشُّهُودِ أَنَّهُمْ هُمُ الزُّنَاةُ -لَمْ يُحَدَّ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ، وَيُحَدَّ الأَوَّلُونَ حَدَّ الْقَذْفِ.
وَإِنْ حَمَلَتِ امْرَأَةٌ لَا زَوْجَ لَهُا وَلَا سَيِّدَ، لَمْ تُحَدَّ بِذَلِكَ بِمُجَرَّدِهِ.
* * *
стр. 459
بَابُ حَدِّ الْقَذْفِ
إِذَا قَذَفَ الْمُكَلَّفُ بِالزِّنَى مُحْصَنًا، جُلِدَ ثَمَانِينَ جَلْدَةً إِنْ كَانَ حُرًّا. فَإِنْ كَانَ عَبْدًا: أَرْبَعِينَ، وَالْمُعْتَقُ بَعْضُهُ: بِحِسَابِهِ. وَقَذْفُ غَيْرِ الْمُحْصَنِ يُوجِبُ التَّعْزِيرَ. وَهُوَ حَقٌّ لِلْمَقْذُوفِ.
وَالْمُحْصَنُ: الْحُرُّ، الْمُسْلِمُ، الْعَاقِلُ، الْعَفِيفُ، الْمُلْتَزِمُ، الَّذِي يُجَامعُ مِثْلُه، وَلَا يُشْتَرَطُ بُلُوغُهُ.
وَإِنْ قَالَ لِمُحْصَنَةٍ: "زَنَيْتِ وَأَنْتِ صَغِيرَة"، وَفَسَّرَهُ لِدُونِ التِّسْعِ (١) سِنِينَ، لَمْ يُحَدَّ، وَإِلَّا حُدَّ. وَإِنْ قَالَ: "زَنَيْتِ وَأَنْتِ مُكْرَهَة" لَمْ يُحَدَّ. وَإِنْ قَالَ لِحُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ: "زَنَيْتِ وَأَنْتِ كَافِرَةٌ أَوْ أَمَةٌ" وَلَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ. وَمَنْ قَذَفَ مُحْصَنًا فِي الظَّاهِرِ، فَلَمْ يُحَدَّ حَتَّى زَالَ إِحْصَاُنهُ، حُدَّ قَاذِفُهُ. وَإِنْ تَقَدَّمَ الْمُزِيلُ عَلَى الْقَذْفِ بِإِقْرَارٍ أَوْ بَيِّنَةٍ، لَمْ يُحَدَّ.
فَصْلٌ
وَالْقَذْفُ مُحَرَّم إِلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ:
أحَدُهُمَا: أَنْ يَرَى امْرَأتَهُ تَزْنِي وَلَا تَلِدُ ، أَوْ يَسْتَفِيضَ زِنَاهَا فِي النَّاسِ، أَوْ يُخْبِرَه بِهِ ثِقَةٌ لَا يَتَّهِمُهُ، أَوْ يَرَى رَجُلًا يُعْرَفُ بِالْفُجُورِ عِنْدَهَا стр. 460
فَيُبَاحُ قَذْفُهَا، وَلَا يَجِبُ.
الثَّانِي: أَنْ يَرَاهَا تَزْني فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ ، فَيَعْتَزِلَهَا، ثُمَّ تأْتِيَ بِوَلَدٍ يُمْكِنُ أَنَّهُ مِنَ الزَّانِي؛ فَيَلْزَمُهُ قَذْفُهَا وَنَفْيُ وَلَدِهَا.
وَإِنْ أتتْ بِوَلَدٍ أَسْوَدَ وَهُمَا أَبْيَضَانِ، أَوْ بِعَكْسِهِ، لَمْ يُبَحْ نَفْيُهُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ إِلَّا مَعَ الْقَرَائِنِ.
فَصْلٌ
وَأَلْفَاظُ الْقَذْفِ: صَرِيحَةٌ، وَكِنَايَةٌ:
فَالصَّرِيحُ: نَحْوُ: "يَا زَانِي"، "يَا عَاهِرُ"، "يَا لُوطِيُّ"، "يَا مَعْفُوجُ" (١)، "قَدْ زَنَيْتَ"، "زَنَى فَرْجُكِ"، أَوْ: "أَنْتِ أَزْنَى النَّاسِ"، أَوْ "أَزْنَى مِنْ فُلَانَةَ". أَوْ لِرَجُلٍ: "يَا زَانِيَةُ"، أَوْ لاِمْرَأَةٍ: "يَا زَانِي"، أَوْ: "زَنَتْ يَدَاكَ"، أَوْ "رِجْلَاكَ"، وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْقَذْفِ؛ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِمَا يُحِيلهُ.
وَإِنْ قَالَ: "زَنَأْتَ فِي الْجَبَلِ" -مَهْمُوزًا- فَهُوَ صَرِيحٌ، كَمَا لَوْ لَمْ يَقُلْ: "فِي الْجَبَلِ".
فَصْلٌ
وَإِنْ قَالَ لاِمْرَأَتِهِ: "قَدْ فَضَحْتِهِ"، أَوْ "غَطَّيْتِ -أَوْ نَكَّسْتِ- رَأْسَهُ"، стр. 461
أَوْ "جَعَلْتِ لَهُ قُرُونًا"، أَوْ "عَلَّقْتِ عَلَيْهِ أَولَادًا مِنْ غَيْرِهِ"، أَوْ "أَفْسَدْتِ فِرَاشَه"، "يَا فَاجِرَةُ"، "يَا قَحْبَةُ"، "يَا خَبِيثَةُ"، أَوْ لِمَنْ يُخَاصِمُهُ: "يَا حَلَالُ ابْنَ الْحَلَالِ، مَا يَعْرِفُكَ النَّاسُ بِالزِّنَى"، أَوْ يَقُولُ لِعَرَبِيٍّ: "يَا نَبَطِيُّ"، "يَا فَارِسِيُّ"، "يَا رُوميُّ"، وَنَحْوَهُ، ، أَوْ يَسْمَعُ رَجُلًا يَقْذِفُ رَجُلًا فَيَقُولُ: "صَدَقْتَ"، أَوْ "أَخْبَرَني فُلَانٌ أَنَّكَ زَنَيْتَ، وَكَذَّبَهُ فُلَانٌ"-: فَهَذَا كُلُّهُ كِنَايَةٌ إنْ فَسَّرَهُ بِغَيْرِ الْقَذْفِ، قُبِلَ.
وَإِنْ قَذَفَ أَهْلَ بَلْدَةٍ، أَوْ جَمَاعَةً لَا يُتَصَوَّرُ الزِّنَى مِنْهُمْ عَادَةً، أَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: "قْذِفْنِي" فَقَذَفَهُ -عُزِّرَ، وَلَمْ يُحَدَّ.
وَمَنْ قَالَ لاِمْرَأَتِهِ: "يَا زَانِيَةُ"، فَقَالَتْ: "بِكَ زَنَيْتُ"، لَمْ تَكُنْ قَاذِفَةً، وَسَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ بِتَصْدِيقِهَا.
وَإِذَا قُذِفَتِ الْمَرْأَةُ، لَمْ يَكُنْ لِوَلَدِهَا الْمُطَالَبَةُ إِذَا كَانَتِ الأُمُّ فِي حَالِ الْحَيَاةِ. وَإِنْ قُذِفَتْ وَهِيَ مَيْتَةٌ، مُسْلِمَةٌ حُرَّةٌ أَوْ ضِدُّهُمَا، حُدَّ الْقَاذِفُ إِذَا طَلَبَهُ الاِبْنُ وَكَانَ حُرًّا مُسْلِمًا.
وَمَنْ قَذَفَ أُمُّ النَّبِيِّ ﷺ ، قُتِلَ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا.
وَإِنْ قَذَفَ الْجَمَاعَةَ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، فَحَدٌّ وَاحِدٌ، إِذَا طَالَبُوا أَوْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ. وَإِنْ قَذَفَهُمْ بِكَلِمَاتٍ، حُدَّ بِكُل وَاحِدٍ حَدًّا.
وَمَنْ حُدَّ لِلْقَذْفِ بِزِنًى، أَوْ لَاعَنَ إِنْ كَانَ زَوْجًا، ثُمَّ أَعَادَهُ -عُزِّرَ
стр. 462
ولَمْ يُعَدْ عَلَيْهِ. وَيَسْقُطُ (١) حَدَّ الْقَذْفِ بِالْعَفْوِ. وَلَا يُسْتَوْفَى بدُونِ الطَّلَبِ. وَمَنْ تَابَ مِنْ قَذْفِ إِنْسَانٍ قَبْلَ عِلْمِهِ بِهِ، صَحَّتْ تَوْبَتُهُ. وَاللَّه أَعْلَمُ.
* * * стр. 463
بَابُ حَدِّ الْمُسْكِرِ
كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ كَثيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ. وَهُوَ خَمْرٌ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ. وَلَا يُبَاحُ شُرْبُهُ لِلَذَّةٍ، وَلَا لِتَدَاوٍ، وَلَا عَطَشٍ، وَلَا غَيْرِهِ، إِلَّا لِدَفْعِ لُقْمَةٍ غَصَّ بِهَا، وَلَمْ يَحْضُرْهُ غَيْرُهُ. وَإِذَا شَرِبَهُ الْمُسْلِمُ مُخْتَارًا عَالِمًا أَنَّ كَثيرَهُ يُسْكِرُ، فعَلَيْهِ الْحَدُّ ثَمَانُونَ جَلْدَةً مَعَ الْحُرِّيَّةِ، وَأَرْبَعُونَ مَعَ الرِّقِّ. وَلَا يُحَدُّ الذِّمِّيُّ لِشُرْبِهِ وَإِنْ سَكِرَ. وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ بِوُجُودِ الرَّائِحَةِ.
فَصْلٌ
وَالْعَصِيرُ إِذَا أتَتْ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهِنَّ، حَرُمَ، إِلَّا أَنْ يَغْلِيَ قَبْلَ ذَلِكَ فَيَحْرُمُ. وَإِنْ طُبِخَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ فذَهَبَ ثُلثاهُ وَبَقِيَ ثُلَثهُ، فَهُوَ حَلَال بِالإِجْمَاعِ. وَلَا يُكْرَهُ أَنْ يَنْبِذَ تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا وَنَحْوَهُ فِي مَاءٍ لِيَأْخُذَ مُلُوحَتَهُ، مَا لَمْ يَشْتَدَّ أَوْ تأْتِ عَلَيْهِ ثَلَاثٌ. وَلَا يُكْرَهُ الاِنْتِبَاذُ فِي الدُّبَّاءِ، والْحَنْتَمِ، والنَّقِير، والْمُزَفَّتِ (١). стр. 464
وَيُكْرَهُ الْخَلِيطَانِ؛ وَهُوَ أَنْ يَنْبِذَ شَيْئَيْنِ؛ كَتَمْرٍ وَزَبِيبٍ، أَوْ بُسْرٍ. وَلَا بَأْسَ بِالْفُقَّاعِ (١).
* * * стр. 465
بَابُ التَّعْزِيرِ
وَهُوَ التَّأْدِيبُ. وَهُوَ وَاجِبٌ فِي كُل مَعْصِيَةٍ لَا حَدَّ فِيهَا وَلَا كَفَّارَةَ؛ كَاسْتِمْتَاعِ لَا حَدَّ فِيهِ، وَسَرِقَةٍ لَا قَطْعَ فِيهَا، وَجِنَايَةٍ لَا قَوَدَ فِيهَا، وَإِتْيَانِ الْمَرْأَةِ الْمَرْأَةَ، وَالْقَذْفِ بِغَيْرِ الزِّنَى، وَنَحْوِهِ.
وَمَنْ وَطِئَ أَمَةَ زَوْجَتِهِ، وَقَدْ أَحَلتْهَا لَهُ، عُزِّرَ بِمِائَةِ جَلْدَةِ، وَلَمْ يُغَرَّبْ، وَلَمْ يُرْجَمْ، وَلَحِقَهُ نَسَبُ وَلَدِهَا. وَإِنْ لَمْ تُحِلهَا لَهُ، حُدَّ الْحَدَّ
التَّامَّ. وَلَا يَسْقُطُ (١) بِالإِبَاحَةِ فِي غَيْرِهَا. وَلَا يُزَادُ فِي التَّعْزِيرِ عَلَى عَشْرِ جَلَدَاتٍ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَمَنِ اسْتَمْنَى بِيَدِه لِغَيْرِ حَاجَةٍ عُزِّرَ. وَإِنْ فَعَلَهُ خَوْفًا مِنَ الزِّنَى، وَلَمْ يَجِدْ طَوْلًا لِحُرَّةٍ، وَلَا ثَمَنَ أَمَةٍ -فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
* * * стр. 466
بَابُ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ
وَهِيَ أَخْذُ الْمُلْتَزِمِ نِصَابًا مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ مِنْ مَالِ مَعْصُومٍ، لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ، عَلَى وَجْهِ الاِسْتِخْفَاءِ؛ فَلَا قَطْعَ عَلَى مُنْتَهِبٍ، وَلَا مُخْتَلِسٍ، وَلَا غَاصِبٍ، وَلَا خَائِنٍ فِي وَدِيعَةٍ، أَوْ عَارِيةٍ، أَوْ غَيْرِهَا. وَيُقْطَعُ جَاحِدُ الْعَارِيَّةِ، وَالطَّرَّارُ؛ وَهُوَ الَّذِي يَبُطُّ الْجَيْبَ أَوْ غَيْرَهُ، وَيَأْخُذُ مِنْهُ.
فَصْلٌ
وَيُشْتَرَطُ: أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ مَالًا مُحْتَرَمًا. وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الثَّمِينُ (١) وَغَيْرُهُ؛ كَالْمَتَاعِ، وَالنَّقْدَيْنِ، وَالْخَشَبِ، وَالْقَصَبِ، وَمَا يُسْرِعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ؛ كَالْفَاكِهَةِ، وَنَحْوِهَا.
وَيُقْطَعُ بِسَرِقَةِ الصَّغِيرِ، وَالْمَجْنُونِ، وَالنَّائِمِ، مِنَ الرَّقِيقِ دُونَ الْحُرِّ. وَيُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَا عَلَيْهِ مِنْ حَلْيٍ أَوْ ثِيَابٍ، أَوْ بِسَرِقَةِ مُصْحَفٍ، وَسَائِرِ كُتُبِ الْعِلْمِ، غَيْرَ كُتُبِ الزَّنْدَقَةِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا. وَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ آلَةِ لَهْوٍ، وَلَا مُحَرَّمٍ؛ كَالْخَمْرِ. وَإِنْ سَرَقَ آنِيَةً فِيهَا الْخَمْرُ، أَوْ صَلِيبًا، أَوْ صَنَمَ ذَهَبٍ -لَمْ يُقْطَعْ. стр. 467
فَصْلٌ
وَأَنْ يَكُونَ نِصَابًا. وَهُوَ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، أَوْ رُبُعُ دِينَارٍ، أَوْ عَرْضٌ قِيمَتُهُ كَأَحَدِهِمَا.
وَإِذَا نَقَصَتْ قِيمَةُ الْمَسْرُوقِ، أَوْ مَلَكَهَا السَّارِقُ، لَمْ يَسْقُطِ الْقَطْعُ. وَيُعْتَبَرُ قِيمَتُهَا وَقْتَ إِخْرَاجِهَا مِنَ الْحِرْزِ. فَلَوْ ذَبَحَ فِيهِ كَبْشًا، أَوْ شَقَّ فِيهِ ثَوْبًا، فَنَقَصَتْ قِيمَتُهُ عَنْ نِصَابٍ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ، أَوْ تَلِفَ فِيهِ الْمَالُ -لَمْ يُقْطَعْ. وَإِنِ ابْتَلَعَ جَوْهَرَةً أَوْ ذَهَبَةً، ثُمَّ خَرَجَ، قُطِعَ.
وَمَنْ سَرَقَ مِنْ حِرْزٍ نِصَابًا لِجَمَاعَةٍ، قُطِعَ. وَإِنِ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي سَرِقَةِ نِصَابٍ، قُطِعُوا، سَوَاءٌ أَخْرَجُوهُ جُمْلَةً، أَوْ أَخْرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُ جُزْءًا.
وَإِنْ هَتَكَ اثْنَانِ حِرْزًا وَدَخَلَاهُ، ثُمَّ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا نِصَابًا وَحْدَهُ, أَوْ دَخَلَ أَحَدُهُمَا فَقَرَّبَهُ مِنَ النَّقْبِ، ثُمَّ أَدْخَلَ الآخَرُ يَدَهُ فَأَخْرَجَهُ -قُطِعَا. وَإِنْ رَمَاهُ الدَّاخِلُ إِلَى خَارِجِ الْحِرْزِ وَأَخَذَهُ الآخَرُ أَوْ لَمْ يَأْخُذْ، أَوْ أَعَادَ فِيهِ أَحَدُهُمَا -قُطِعَ الدَّاخِلُ خَاصَّةَ. وَإِنْ نَقَبَ أَحَدُهُمَا وَدَخَلَ الآخَرُ فَأَخْرَجَهُ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِمَا، إِلَّا أَنْ يَتَوَاطَأَا عَلَى السَّرِقَةِ.
فَصْلٌ
وَأَنْ يُخْرِجَهُ مِنَ الْحِرْزِ. فَإِنْ سَرَقَهُ مِنْ غَيْرِ حِرْزِ، فَلَا قَطْع عَلَيْهِ.
стр. 468
فَإِنْ نَقَبَ وَدَخَلَ، فتَرَكَ الْمَتَاعَ عَلَى بَهِيمَةٍ أَوْ مَاءٍ جَارٍ، فَأَخْرَجَاهُ، أَوْ أَمَرَ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا بِإِخْرَاجِهِ، فَفَعَلَا -فعَلَيْهِ الْقَطْعُ.
وَحِرْزُ الْمَالِ: مَا الْعَادَةُ حِفْظُهُ فِيهِ، وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الأَمْوَالِ، وَالْبُلْدَانِ، وَعَدْلِ السُّلْطَانِ وَجَوْرِهِ، وَقُوَّتِهِ وَضَعْفِهِ:
فَحِرْزُ الأَمْوَالِ، وَالْجَوَاهِرِ، وَالْقُمَاشِ؛ فِي الدُّورِ، وَالدَّكَاكِينِ، وَالْعُمْرَانِ: وَرَاءَ الأَبْوَابِ وَالأَغْلَاقِ الْوَثِيقَةِ. وَحِرْزُ الْبَقْلِ وَقُدُورِ الْبَاقِلَّاءِ وَنَحْوِهَا: وَرَاءَ الشَّرَائِجِ (١)، إِذَا كَانَ فِي السُّوقِ حَارِسٌ. وَحِرْزُ الْحَطَبِ وَالْخَشَبِ: الْحَظَائِرُ. وَحِرْزُ الْمَوَاشِي: الصِّيَرُ (٢)، وَحِرْزُهَا فِي الْمَرْعَى: الرَّاعِي وَنَظَرُهُ إِلَيْهَا غَالِبًا. وَحِرْزُ حَمُولَةِ الإِبِلِ: بِتَقْطِيرِهَا، وَقَائِدِهَا، وَسَائِقِهَا، إِذَا كَانَ يَرَاهَا وَيَلْتَفِتُ إِلَيْهَا كَثِيرًا.
وَحِرْزُ الثِّيَابِ فِي الْحَمَّامِ وَالأَعْدَالِ فِي السُّوقِ: الْحَافِظُ. وَحِرْزُ الْكَفَنِ فِي الْقَبْرِ: بِالْمَيِّتِ بَعْدَ تَسْوِيَةِ الْقَبْرِ. فَلَوْ نَبَشَ قَبْرًا وَأَخَذَ الْكَفَنَ، قُطِعَ. وَحِرْزُ الْبَابِ: تَرْكِيبُهُ فِي مَوْضِعِهِ. وَلَوْ سَرَقَ رِتَاجَ (٣) الْكَعْبَةِ، أَوْ بَابَ مَسْجِدٍ، أَوْ تَأْزِيرَهُ -قُطِعَ، وَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ سِتَارَتِهَا. وَإِنْ سَرَقَ قَنَادِيلَ مَسْجِدٍ أَوْ حُصُرَهُ، لَمْ يُقْطَعْ. стр. 469
وَإِنْ نَامَ إِنْسَانٌ عَلَى رِدَائِهِ فِي مَسْجِدٍ، فَسَرَقَهُ سَارِقٌ، قُطِعَ. وَإِنْ زَالَ بَدَنُهُ عَنْهُ، لَمْ يُقْطَعْ. وَإِنْ سَرَقَ مِنَ السُّوقِ غَزْلًا، وَثَمَّ حَافِظٌ، قُطِعَ إِذَا خَرَجَ بِهِ مِنْهُ، وَإِلَّا فَلَا.
فَصْلٌ
وأَنْ تَنْتَفِيَ الشُّبْهَةُ. فَلَا يُقْطَعُ بِالسَّرِقَةِ مِنْ مَالِ ابْنِهِ وَإِنْ سَفَلَ، وَلَا مِنْ مَالِ أَبِيهِ وَإِنْ عَلَا، وَالأَبُ وَالأُمُّ فِي هَذَا سَوَاءٌ.
وَيُقْطَعُ الأَخُ وَكُلُّ قَرِيبٍ بِسَرِقَةِ مَالِ قَرِيبِهِ، وَلَا يُقْطَعُ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ بِسَرِقَتِهِ مِنْ مَالِ الآخَرِ، وَلَوْ كَانَ مُحْرَزًا عَنْهُ.
وَإِذَا سَرَقَ عَبْدٌ مِنْ سَيِّدِهِ، أَوْ سَيِّدٌ مِنْ مُكَاتَبهِ، أَوْ حُرٌّ مُسْلِمٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، أَوْ مِنْ غَنِيمَةٍ لَمْ تُخَمَّسْ، أَوْ فَقِيرٌ مِنْ غَلَّةَ وَقْفٍ عَلَى الْفُقَرَاءِ، أَوْ شَخْصٌ مِنْ مَالٍ فِيهِ شَرِكَةٌ لَهُ، أَوْ لأِحَدٍ مِمَّنْ لَا يُقْطَعُ بِالسَّرِقَةِ مِنْهُ -لَمْ يُقْطَعْ. وَيُقْطَعُ الذِّمِّيُّ وَالْمُسْتَأْمَنُ بِسَرِقَةِ مَالِ الْمُسْلِمِ، وَيُقْطَعُ الْمُسْلِمُ بِسَرِقَةِ مَالِهِمَا.
وَإِذَا سَرَقَ الْمَسْرُوقَ أَوِ الْمَغْصُوبَ أَجْنَبِيٌّ، مِنْ حِرْزِ السَّارِقِ وَالْغَاصِبِ، لَمْ يُقْطَعْ. وَإِنْ سَرَقَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ مَالَ السَّارِقِ، أَوِ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ مَالَ الْغَاصِبِ، مِنَ الْحِرْزِ الَّذِي فِيهِ الْعَيْنُ الْمَسْرُوقَةُ أَوِ الْمَغْصُوبَةُ -لَمْ يُقْطَعْ. وَإِنْ سَرَقَ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ الْحِرْزِ، أَوْ سَرَقَ مِنْ مَالِ مَنْ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ -قُطِعَ.
стр. 470
وَمَنْ آجَرَ دَارَهُ أَوْ أَعَارَهَا، ثُمَّ سَرَقَ مِنْهَا (١) مَالَ الْمُسْتَأْجِرِ أَوِ الْمُسْتَعِيرِ -قُطِعَ. وَمَنْ قُطِعَ بِسَرِقَةِ عَيْنٍ (٢)، ثُمَّ عَادَ فَسَرَقَهَا، قُطِعَ.
فَصْلٌ
وَأَنْ تَثْبُتَ (٣) السَّرِقَةُ. فَلَا يُقْطَعُ إِلَّا بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ، أَوْ إِقْرَارٍ مَرَّتَيْنِ، وَلَا يَنْزِعَ عَنْ إِقْرَارِهِ حَتَّى يُقْطَعَ.
وَأَنْ يُطَالِبَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ بِمَالِهِ.
فَصْلٌ
وَإِذَا وَجَبَ الْقَطْعُ قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى مِنْ مَفْصِلِ الْكَفِّ، وَحُسِمَتْ؛ بِأَنْ تُغْمَسَ فِي زَيْتٍ مَغْلِيٍّ، وَهُوَ مِنْ مَالِ السَّارِقِ. فَإِنْ عَادَ قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى مِنْ مَفْصِلِ الْكَعْبِ، وَحُسِمَتْ. فَإِنْ عَادَ، حُبِسَ وَلَمْ يُقْطَعْ.
وَيُمْنَعْ مِنْ تَعْطِيلِ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ (٤)، وَمِنْ ذَهَابِ عُضْوَيْنِ مِنْ شِقٍّ. فَمَنْ سَرَقَ وَهُوَ أَقْطَعُ الْيَدِ الْيُمْنَى فَقَطْ، أَوْ أَقْطَعُ الرِّجْلِ الْيُسْرَى فَقَطْ، أَوْ стр. 471
كَانَ أَقْطَعَ الْيَدِ الْيُسْرَى مَعَ الرِّجْلِ الْيُمْنَى، أَوْ سَرَقَ وَلَهُ يَدٌ يُمْنَى فَذَهَبَتْ -لَمْ يُقْطَعْ فِي الْكُلِّ.
وَإِنْ وَجَبَ قَطْعُ يَمِيِنهِ، فَقَطَعَ الْقَاطِعُ يَسَارَهُ بِلَا إِذْنِهِ، لَزِمَهُ الْقَوَدُ إِنْ تَعَمَّدَ قَطْعَهَا، وَإِلَّا فَدِيَتُهَا، وَتُقْطَعُ يَمِينُ السَّارِقِ.
وَيَجْتَمعُ الْقَطْعُ وَالضَّمَانُ؛ بِرَدِّ الْعَيْنِ إِلَى مَالِكِهَا، أَوْ قِيمَتِهَا مَعَ التَّلَفِ. وَمَنْ سَرَقَ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ -ثَمَرًا كَانَ أَوْ كَثَرًا (١) أَوْ غَيْرَهُمَا- أُضْعِفَتْ عَلَيْهِ الْقِيمَةُ، وَلَا قَطْعَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
* * * стр. 472
بَابُ حَدِّ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ
وَهُمُ الَّذِينَ يَعْرِضُونَ لِلنَّاسِ بِالسِّلَاحِ فِي الصَّحْرَاءِ، لَا فِي الْبُنْيَانِ، فَيَغْصِبُونَهُمُ الْمَالَ مُجَاهَرَةً، لَا سَرِقَةً.
فَإِذَا قُدِرَ عَلَيْهِمْ: فَإِنْ كَانَ قَدْ قتلُوا مُكَافِئًا أَوْ غَيْرَهُ؛ كَالْوَلَدِ، وَالْعَبْدِ، وَالذِّمِّيِّ وَأَخَذُوا الْمَالَ -قُتِلُوا حَتْمًا، ثُمَّ صُلِّبُوا حَتَّى يُشْهَدُوا (١). وَإِنْ قَتَلُوا وَلَمْ يَأْخُذُوا الْمَالَ، قُتِلُوا حَتْمًا، وَلَمْ يُصَلَّبُوا.
وَإِنْ جَنَوْا بِمَا يُوجِبُ قَوَدًا فِي الطَّرَفِ، تَحَتَّمَ اسْتِيفَاؤُهُ. وَإِنْ أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَالِ قَدْرَ مَا يُقْطَعُ بِأَخْذِهِ السَّارِقُ، وَلَمْ يَقْتُلُوا -قُطِعَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ يَدُهُ الْيُمْنَى وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ، وَحُسِمَتَا، ثُمَّ خُلِّيَ.
وَالرِّدْءُ كَالْمُبَاشِرِ فِيمَا ذَكَرْنَا، إِلَّا فِي ضَمَانِ الْمَالِ؛ فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِآخِذِه خَاصَّةً.
فَإِنْ عَدِمَ يَدَهُ الْيُسْرَى، أَوْ بَطْشَهَا بِشَلَلٍ أَوْ نَقْصٍ، أَوْ يَدَهُ الْيُمْنَى بِذَلِكَ، أَوِ اسْتُحِقَّتْ فِي قِصَاصٍ -قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى.
فَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا نَفْسًا، وَلَا مَالًا يَبْلُغُ نِصَابَ السَّرِقَةِ، نُفُوا؛ بِأَنْ стр. 473
يُشَرَّدُوا فَلَا يُتْرَكُوا (١) يَأْوُونَ إِلَى بَلَدٍ.
وَمَنْ تَابَ مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ، سَقَطَ عَنْهُ مَا كَانَ للَّهِ؛ مِنْ نَفْيٍ، وَقَطْعٍ، وَصَلْبٍ، وَتَحَتُّمِ قَتْلِ، وَأُخِذَ [بِمَا لِلآدَمِيِّينَ] (٢)؛ مِنْ نَفْسٍ، وَطَرَفٍ، وَمَالٍ، إِلَّا أَنْ يُعْفَى لَهُ عَنْهَا.
وَإِذَا تَابَ مَنْ زَنَى، أَوْ شَرِبَ، أَوْ سَرَقَ، قَبْلَ ثُبُوتِ حَدِّهِ عِنْدَ الإِمَامِ -سَقَطَ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ تَوْبَتِهِ قَبْلَ إِصْلَاحِ الْعَمَلِ.
وَلَوْ كَانَ ذِمِّيًّا أَوْ مُسْتَأْمَنًا، لَمْ يَسْقُطْ بإِسْلَامِهِ. وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ حَدٌّ، سَقَطَ.
فَصْلٌ
وَمَنْ صَالَ عَلَى نَفْسِهِ -أَوْ حُرْمَتِهِ، أَوْ مَالِهِ- آدَمِيٌّ أَوْ بَهِيمَةٌ، فَلَهُ الدَّفْعُ عَنْ ذَلِكَ بِأَسْهَلِ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ دَفْعُهُ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعْ إِلَّا بِالْقَتْلِ، فَلَهُ ذَلِكَ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ.
وَيَلْزَمُهُ الدَّفْعُ عَنْ نَفْسِهِ (٣)، وَيَلْزَمُهُ الدَّفْعُ [عَنْ حُرْمَتِهِ دُونَ مَالِهِ] (٤). стр. 474
وَمَنْ دَخَلَ مَنْزِلَ رَجُلٍ مُتَلَصِّصًا، فَحُكْمُهُ كَذَلِكَ. وَمَنْ عَضَّ يَدَ إِنْسَانٍ، فَانْتَزَعَهَا مِنْ فِيهِ، فَسَقَطَتْ ثَنَايَاهُ -ذَهَبَتْ هَدَرًا.
وَإِنْ نَظَرَ فِي بَيْتِهِ مِنْ خَصَاصِ الْبَابِ (١) وَنَحْوِهِ، فَخَذَفَ (٢) عَيْنَهُ فَفَقَأَهَا -فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
* * * стр. 475
بَابُ قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْي
إِذَا خَرَجَ قَوْمٌ لَهُمْ شَوْكَةٌ وَمَنَعَةٌ، عَلَى الإِمَامِ، يِتَأْوِيلٍ سَائِغٍ -فَهُمْ بُغَاةٌ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُرَاسِلَهُمْ فَيَسْألهُمْ: مَا يَنْقِمُونَ؟ فَإِنْ ذَكَرُوا مَظْلِمَةً أَزَالَهَا، وَإِنِ ادَّعَوْا شُبْهَةً كَشَفَهَا، فَإِنْ فَاؤُوا وَإِلَّا قَاتَلَهُمْ.
وَعَلَى رَعِيَّتِهِ مُعَاوَنَتُهُ عَلَى حَرْبِهِمْ. فَإِنِ اسْتَنْظَرُوهُ مُدَّةً وَرَجَا رُجُوعَهُمْ فِيهَا، أَنْظَرَهُمْ، وَإِنْ ظَنَّهَا مَكِيدَةً لَمْ يُنْظِرْهُمْ، وَقَاتَلَهُمْ.
وَلَا يُقَاتِلُهُمْ بِمَا يَعُمُّ إِتْلَافُهُ؛ كَالنَّارِ وَالْمِنْجَنِيقِ وَكُفَّارٍ يَسْتَعِينُ بِهِمْ، إِلَّا لِضَرُورَةٍ. وَيُبَاحُ اسْتِعَانَتُهُ بِسِلَاحِ الْبُغَاةِ وَكُرَاعِهِمْ (١).
وَلَا يُتْبَعُ مُدْبِرُهُمْ، وَلَا يُجْهَزُ عَلَى جَرِيحِهِمْ، وَلَا يُغْنَمُ مَالُهُمْ، وَلَا تُسْبَى ذُرِّيَّتُهُمْ.
وَإِنْ أُسِرَ مِنْهُمْ رَجُلٌ، أَوْ صَبِيٌّ، أَوِ امْرَأَةٌ، حُبِسَ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْحَرْبُ، ثُمَّ أُرْسِلَ. وَإِذَا انْقَضَى الْحَرْبُ، فَمَنْ وَجَدَ مِنْهُمْ مَالَهُ بِيَدِ إِنْسَانٍ أَخَذَهُ. وَلَا يَضْمَنُ أَهْلُ الْعَدْلِ مَا أَتْلَفُوا عَلَيْهِمْ مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ، وَالْعَكْسُ بِالْعَكْسِ. وَيُضْمَنُ الْمُتْلَفُ عَلَى الطَّائِفَتَيْنِ فِي (٢) غَيْرِ حَالِ الْحَرْبِ.
وَمَا أَخَذُوهُ فِي حَالِ امْتِنَاعِهِمْ، مِنْ زكَاةٍ وَخَرَاجٍ وَجِزْيَةٍ، اعْتُدَّ بِهِ. стр. 476
وَمَنِ ادَّعَى دَفْعَ زَكَاتِهِ إِلَيْهِمْ، قُبِلَ بِغَيْرِ يَمِينٍ. وَإِنِ ادَّعَى مَنْ عَلَيْهِ جِزْيَةٌ أَوْ خَرَاجٌ دَفْعَهُ إِلَيْهِمْ، لَمْ يُقْبَلْ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ.
وَهُمْ فِي شَهَادَاتِهِمْ وَإِمْضَاءِ حُكْمِ حَاكِمِهِمْ كَأَهْلِ الْعَدْلِ. وَإِنِ اسْتَعَانُوا بأَهْلِ عَهْدٍ (١) أَوْ ذِمَّةٍ فَأَعَانُوهُمُ، انْتَقَضَ عَهْدُهُمْ، إِلَّا أَنْ يَدَّعُوا شُبْهَةً؛ بِأَنْ ظَنُّوا وُجُوبَ إِجَابَتِهِمْ وَنَحْوِهِ؛ فَلَا يَنْتَقِضُ، لَكِنْ يَغْرَمُونَ مَا أَتْلَفُوهُ مِنْ نَفْسٍ وَمَالٍ. وَإِنِ اسْتَعَانُوا بِأَهْلِ الْحَرْبِ وَآمَنُوهُمْ، لَمْ يَصِحَّ أَمَانُهُمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهِمْ، وَأُبِيحَ قَتْلُهُمْ.
وَإِذَا أَظْهَرَ قَوْمٌ رَأْيَ الْخَوَارِجِ وَلَمْ يَجْتَمِعُوا لِحَرْبٍ، تُرِكُوا، فَإِنْ سَبُّوا الإِمَامَ عَزَّرَهُمْ، وَإِنْ أتَوْا حَدًّا أَوْ جِنَايَةً، لَزِمَهُمْ مُوجَبُهَا.
وَإِنِ اقْتَتَلَتْ طَائِفتانِ لِعَصَبِيَّةٍ (٢) أَوْ رِيَاسَةٍ، فَهُمَا ظَالِمَتَانِ، [وَتَضْمَنُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مَا أَتْلَفَتْ] (٣) عَلَى الأُخْرَى.
* * * стр. 477
بَابُ حُكْمِ الْمُرْتَدِّ
وَهُوَ الْكَافِرُ بَعْدَ إِسْلَامِهِ. فَمَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ، أَوْ جَحَدَ رُبُوبِيَّتَهُ، أَوْ وَحْدَانِيَّتَهُ، أَوْ صِفَةً مِنْ صِفَاتِهِ، أَوِ اتَّخَذَ للَّهِ صَاحِبَةً أَوْ وَلَدًا، أَوْ جَحَدَ بَعْضَ كُتُبِهِ، أَوْ رُسُلِهِ، أَوْ سَبَّ اللَّهَ أَوْ رَسُولَهُ -فَقَدْ كَفَرَ.
وَمَنْ جَحَدَ وُجُوبَ عِبَادَةٍ مِنَ الخَمْسِ، أَوْ تَحْرِيمَ الزِّنَى أَوِ الْخَمْرَ، أَوْ شَيْئًا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ الظَّاهِرَةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِا لِجَهْلٍ -عُرِّفَ ذَلِكَ. وَإِنْ (١) كَانَ مِثْلُهُ لَا يَجْهَلُهُ، كَفَرَ.
وَمَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الْعِبَادَاتِ الْخَمْسِ تَهَاوُنًا بِأَنْ عَزَمَ أَلَّا يَفْعَلَهُ أَبَدًا، اسْتُتِيبَ وُجُوبًا كَالْمُرْتَدِّ. وَإِنْ أَصَرَّ، قُتِلَ حَدًّا، وَلَمْ يَكْفُرْ.
فَصْلٌ
وَمَنِ ارْتَدَّ عَنِ الإِسْلَامِ -وَهُوَ بَالِغٌ، عَاقِلٌ، مُخْتَارٌ، رَجُلٌ أَوِ امْرَأَةٌ- دُعِيَ إِلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَضُيِّقَ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ قَتَلَهُ الإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ بِالسَّيْفِ، فَإِنْ قتَلَهُ غَيْرُهُ بِلَا إِذْنِهِ عُزِّرَ، وَلَمْ يَضْمَنْ.
وَالصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ إِذَا بَلَغَ عَشْرَ سِنِينَ، صَحَّ إِسْلَامُهُ وَرِدَّتُهُ، وَكَذَلِكَ السَّكْرَانُ، فَإِنْ مَاتَ فِي سُكْرِهِ مَاتَ كَافِرًا، وَيُحَالُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ أَهْلِ стр. 478
الْكُفْرِ، وَلَا يُقْتَلَانِ (١) حَتَّى يُسْتَتَابَا بَعْدَ الْبُلُوغِ وَالصَّحْوِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.
وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَةُ الزِّنْدِيقِ وَهُوَ مِنْ يُظْهِرُ الإِسْلَامَ وَيُبْطِنُ الْكُفْرَ، وَلَا مَنْ يكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ، وَلَا السَّاحِرِ الْمُكَفَّرِ بِسِحْرِهِ، وَلَا مَنْ سَبَّ اللَّه وَرَسُولَهُ، بَلْ يُقْتَلُونَ بِكُلِّ حَالٍ.
فَصْلٌ
وَتَوْبَةُ الْمُرْتَدِّ وَكُلِّ كَافِرٍ: إِسْلَامُهُ؛ بِأَنْ يَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، إِلَّا مَنْ كَانَ كُفْرُهُ بِجَحْدِ فَرْضِ، أَوْ تَحْرِيمٍ، أَوْ تَحْلِيلٍ، أَوْ نَبِيٍّ، أَوْ كِتَابٍ، أَوْ رِسَالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ إِلَى غَيْرِ الْعَرَبِ -فَتَوْبَتُهُ مَعَ الشَّهَادَتَيْنِ: إِقْرَارُهُ بِالْمَجْحُودِ بِهِ، أَوْ قَوْلُهُ: "أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ دِينٍ يُخَالِفُ دِينَ الإِسْلَامِ". وَلَا يُغْنِي قَوْلُهُ: "أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ" عَنْ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ.
وَإِذَا مَاتَ الْمُرْتَدُّ، فَأَقَامَ وَارِثُهُ بَيِّنَةً أَنَّهُ صَلَّى بَعْدَ الرِّدَّةِ، حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ.
وَلَا تُبْطِلُ الرِّدَّةُ إِحْصَانَ الرَّجْمِ، وَلَا إِحْصَانَ الْقَذْفِ، وَلَا عِبَادَاتِهِ الَّتِي فَعَلَهَا فِي إِسْلَامِهِ إِنْ عَادَ إِلَيْهِ، وَيَلْزَمُهُ قَضَاءُ مَا تَرَكَ مِنْهَا. стр. 479
فَصْلٌ
وَالْمُرْتَدُّ فِي مِلْكِهِ وَتَصَرُّفِهِ فِيهِ كَالْمُسْلِمِ؛ يُقَرُّ بِيَدِهِ، وَيَنْفُذُ فِيهِ مُعَاوَضَتُهُ، وَتُوقَفُ تَبَرُّعَاتُهُ. فَإِنْ أَسْلَمَ، ثَبَتَ مِلْكُهُ وَتَبَرُّعَاتُهُ الْمُنْجَزَةُ وَالْمُعَلَّقَةُ بِالْمَوْتِ، عَلَى مَا ذُكِرَ.
وَإِنْ مَاتَ مُرْتَدًّا رُدَّتْ وَإِنْ لَمْ تَبْلُغِ الثُّلُثَ. وَتُقْضَى دُيُوُنهُ وَأُرُوشُ جِنَايَاتِهِ، وَيُنْفَقُ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ: مِنْ مَالِهِ. وَإِنْ أَتْلَفَ شَيْئًا أَوْ أَتَى حَدًّا، أُخِذَ بِهِ، وَإِنْ أَسْلَمَ.
وَإِذَا ارْتَدَّ الزَّوْجَانِ فَلَحِقَا بِدَارِ الْحَرْبِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُسْتَرَقَّا، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَوْلَادِهِمَا. وَمَنْ لَمْ يُسْلِمْ مِنْهُم، قُتِلَ. إِلَّا مَنْ عَلِقَتْ بِهِ أُمُّهُ فِي الرِّدَّةِ؛ فَيَجُوزُ أَنْ يُسْتَرَقَّ، وَيُقَرُّونَ عَلَى كُفْرِهِمْ.
فَصْلٌ
وَالسَّاحِرُ الَّذِي يَرْكَبُ الْمِكْنَسَةَ فَتَسِيرُ بِهِ فِي الْهَوَاءِ، وَيَدَّعِي أَنَّ الْكَوَاكِبَ تُخَاطِبُهُ -يَكْفُرُ وَيُقْتَلُ.
وَالَّذِي يَسْحَرُ بِالأَدْوِيَةِ وَالتَّدْخِينِ، وَسَقْيِ شَيْءٍ يَضُرُّ، وَيَعْزِمُ عَلَى الْجِنِّ، وَيَزْعُمُ أَنَّهَا تُطِيعُهُ -فَلَا يَكْفُرُ وَلَا يُقْتَلُ، لَكِنْ يُعَزَرُ، وَيُقْتَصُّ مِنْهُ إِنْ فَعَلَ مَا يُوجِبُ قَوَدًا.
* * *
стр. 480
كِتَابُ الأَطْعِمَةِ
وَالأَصْلُ فِيهَا الْحِلُّ؛ فَيُبَاحُ كُلُّ طَاهِرٍ لَا مَضَرَّةَ فِيهِ؛ مِنْ حَبٍّ، وَثَمَرٍ، وَغَيْرِهِمَا. وَلَا يَحِلُّ نَجِسٌ؛ كَالدَّمِ وَالْمَيْتَةِ، وَلَا مَا فِيهِ مَضَرَّةٌ؛ كَالسُّمِّ، وَنَحْوِهِ.
وَحَيَوانَاتُ الْبَرِّ مُبَاحَةٌ، إِلَّا: الْحُمُرَ الإِنْسِيَّةَ، وَمَا لَهُ نَابٌ يَفْرِسُ بِهِ -سِوَى الضَّبُعِ- كَالأَسَدِ، وَالنَّمِرِ، وَالذِّئْبِ، وَالْفِيلِ، وَالْفَهْدِ، وَالْكَلْبِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَابْنِ آوَى، وَابْنِ عِرْسٍ، وَالسِّنَوْرِ، وَالنِّمْسِ، وَالقِرْدِ، وَالدُّبِّ. وَمَالَهُ مِخْلَبٌ مِنَ الطَّيْرِ يَصِيدُ بِهِ؛ كَالْعُقَاب، وَالْبَازِيِّ، وَالصَّقْرِ، وَالشَّاهِينِ، وَالْبَاشَقِ (١)، وَالْحِدَأَةِ، وَالْبُومَةِ. وَمَا يَأْكُلُ الْجِيَفَ؛ كَالنَّسْرِ، وَالرَّخَمِ، وَاللَّقْلَقِ، وَالْعَقْعَقِ (٢)، وَالْغُرَابِ الأبْقَعِ، وَالْغُدَافِ -وَهُوَ أَسْوَدُ صَغِيرٌ أَغْبَرُ- وَالْغُرَابِ الأَسْوَدِ الْكَبِيرِ. стр. 481
وَمَا يُسْتَخْبَثُ؛ كَالْقُنْفُذِ، وَالْفَأْرَةِ، وَالْحَيَّةِ، وَالْعَقْرَبِ، وَالْوَطْوَاط (١)، وَالْحَشَرَاتِ كُلِّهَا، وَالْيَرْبُوعِ. وَمَا تَولَّدَ مِنْ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ؛ كَالْبَغْلِ، وَالسِّمْع وَلَدِ الضَّبُعِ مِنَ الذِّئْبِ، وَالْعِسْبَارِ وَلَدِ الذِّئْبَةِ مِنْ ضِبْعَانٍ -وَيُسَمَّى الذِّيخَ (٢) - وَسِنَّوْرِ الْبَرِّ، وَالْخُطَّافِ (٣).
فَصْلٌ
وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَحَلَالٌ؛ كَالزَّرَافَةِ، وَالْخَيْلِ، وَبَهِيمَةِ الأَنْعَامِ، وَالدَّجَاجِ، وَالْوَحْشِيِّ مِنَ الْحُمُرِ، وَالْبَقَرِ، وَالظِّبَاءِ، وَالنَّعَامَةِ، وَالأَرْنَب، وَسَائِرِ الْوَحْشِ، وَالضَّبُعِ، وَالضَّبِّ، وَغُرَابِ الزَّرْعِ، وَالزَّاغِ (٤)، وَالطَّاوُوسِ، وَسَائِرِ الطُّيُورِ. وَيُبَاحُ حَيَوَانُ الْبَحْرِ كُلُّهُ، إِلَّا الضِّفْدَعَ، وَالتِّمْسَاحَ، وَالْحَيَّةَ. وَتَحْرُمُ الْجَلَّالَةُ -وَهِيَ الَّتِي أَكْثَرُ عَلَفِهَا النَّجَاسَةُ- وَلَبنُهَا وَبَيْضُهَا، حَتَّى تُحْبَسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَعْلِفَهَا الأَطْعِمَةَ النَّجِسَةَ أَحْيَانًا، إِذَا لَمْ يُرِدْ ذَبْحَهَا وَلَا حَلْبَهَا بِالْقُرْبِ. стр. 482
وَمَا سُقِيَ بِالْمَاءِ النَّجِسِ مِنْ زَرْعٍ وَثَمَرٍ، فَهُوَ نَجِسٌ مُحَرَّمٌ، إِلَّا أَنْ يُسْقَى بَعْدَهُ بِطَاهِرٍ؛ فَيَطْهُرُ وَيَحِلُّ.
فَصْلٌ
وَمَنِ اضْطُرَّ إِلَى مُحَّرمٍ مِمَّا ذَكَرْنَا -غَيْرَ السُّمِّ- حَلَّ لَهُ مِنْهُ [مَا] (١) يَسُدُّ رَمَقَهُ فَقَطْ، وَلَزِمَهُ تَنَاوُلُهُ. فَإِنْ وَجَدَ مَعَهُ طَعَامًا لَا يَعْرِفُ مَالِكَهُ، أَوْ صَيْدًا وَهُوَ مُحْرِمٌ -لَمْ يَأْكُلْهُمَا، بَلْ يَأْكُلُ مِمَّا ذُكِرَ.
وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا طَعَامَ الْغَيْرِ، فَرَبُّهُ أَحَقُّ بِهِ إِنْ كَانَ مُضْطَرًّا إِلَيْهِ، وَإِلَّا لَزِمَهُ بَذْلُ (٢) قَدْرِ سَدِّ رَمَقِهِ بِقِيمَتِهِ، فَإِنْ أَبَى فَلِلْمُضْطَرِّ أَخْذُهُ قَهْرًا بِقِيمَتِهِ وَمُقَاتَلتهُ عَلَيْهِ. فَإِنْ قُتِلَ الْمُضْطَرُّ ضَمِنَهُ رَبُّ الطَّعَامِ، وَالْعَكْسُ بِالْعَكْسِ. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا آدَمِيًّا يُبَاحُ دَمُهُ؛ كَحَرْبِيٍّ، أَوْ زَانٍ مُحْصَنٍ، أَوْ مَعْصُومًا مَيِّتًا -حَلَّ الْقَتْلُ وَالأَكْلُ.
فَصْلٌ
وَمَنِ اضْطُرَّ إِلَى نَفْعِ مَالِ الْغَيْرِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ؛ لِدَفْعِ بَرْدٍ، أَوِ اسْتِقَاءِ مَاءٍ، وَنَحْوِهِ -وَجَبَ بَذْلُهُ (٣) مَجَّانًا. وَمَنْ مَرَّ بِثَمَرِ بُسْتَانٍ فِي شَجَرِهِ، أَوْ стр. 483
مُتَسَاقِطٍ مِنْهُ، وَلَا حَائِطَ عَلَيْهِ، وَلَا نَاظِرَ -فَلَهُ الأَكْلُ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ حَمْلٍ.
وَيَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ ضِيَافَةُ الْمُسْلِمِ الْمُجْتَازِ بِهِ فِي الْقُرَى يَوْمًا وَلَيْلَةً، فَإِنْ أبَى فَلِلضَّيْفِ طَلَبُهُ بِحَقِّهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ. وَلَا يَلْزَمُهُ إِنْزَالُهُ فِي بَيْتِهِ، إِلَّا أَلَّا يَجِدَ مَسْجِدًا، أَوْ رِبَاطًا (١) وَنَحْوَهُ، يَبِيتُ فِيهِ. وَيُسْتَحَبُّ ضِيَافَتُهُ ثَلَاثًا، وَمَا فَوْقَهَا صَدَقَةٌ.
* * * стр. 484
بَابُ الذَّكَاةِ
وَلَا يُبَاحُ شَيْءٌ مِنَ الْحَيَوَانِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ، إِلَّا الْجَرَادَ وَشِبْهَهُ، وَالسَّمَكَ، وَكُلَّ مَا لَا يَعِيشُ إِلَّا فِي الْمَاءِ؛ فَلَا ذَكَاةَ لَهُ؛ مِنْ طَافٍ وَغَيْرِهِ.
وَيُشْتَرَطُ لِلذَّكَاةِ أرْبَعَةُ شُرُوطٍ:
أهْلِيَّةُ الْمُذَكِّي ؛ بِأَنْ يَكُونَ عَاقِلًا، مُسْلِمًا أَوْ كِتَابِيًّا، وَإِنْ كَانَ مُرَاهِقًا أَوِ امْرَأَةً، أَوْ أَقْلَفَ، أَوْ أَعْمَى. وَلَا تُبَاحُ ذَكَاةُ سَكْرَانَ، وَلَا مَجْنُونٍ، وَلَا وَثَنِيٍّ، وَلَا مَجُوسِيٍّ، وَلَا مُرْتَدٍّ.
فَصْلٌ
الثَّانِي: الآلَةُ ؛ فَتُبَاحُ الذَّكَاةُ بِكُلِّ مُحَدَّدٍ -وَلَوْ كَانَ مَغْصُوبًا- مِنْ حَجَرٍ، وَحَدِيدٍ، وَقَصَبٍ، وَغَيْرِهِ، إِلَّا السِّنَّ وَالظُّفُرَ.
فَصْلٌ
الثَّالِثُ: قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ ، لَا غَيْرُ. فَإِنْ ذَبَحَ الْحَيَوَانَ مِنْ قَفَاهُ خَطَأً، أَوِ الْتَوَى عَلَيْهِ، فَأَتَتِ السِّكِّينُ عَلَى مَوْضِعِ ذَبْحِهِ وَهُوَ حَيٌّ -وَيُعْلَمُ ذَلِكَ بِوُجُودِ الْحَرَكَةِ- حَلَّ. وَإِنْ أَبَانَ الرَّأْسَ بِالذَّبْحِ، لَمْ يَحْرُمِ الْمُذْبُوحُ.
стр. 485
وَذَكَاةُ مَا عَجَزَ عَنْهُ مِنَ الصَّيْدِ وَالنَّعَمِ الْمُتَوَحِّشَةِ، وَالْوَاقِعَةِ فِي بئْرٍ وَنَحْوِهَا: بِجَرْحِهِ فِي أَيِّ مَوْضِعِ كَانَ مِنْ بَدَنِهِ، إِلَّا أَنْ يُعِينَهُ غَيْرُهُ؛ بِأَنْ يَكُونَ رَأْسُهُ فِي مَاءٍ وَنَحْوِهِ؛ فَلَا يُبَاحُ.
وَمَا أَصَابَهُ سَبَبُ الْمَوْتِ؛ كَالْمُنْخَنِقَةِ، وَالْمَوْقُوذَةِ، وَالْمُتَرَدِّيَةِ، وَالنَّطِيحَةِ، وَأَكِيلَةِ السَّبُعِ؛ إِذَا أَدْرَكَ ذَكَاتَهُ وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ أَكْثَرُ مِنْ حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ -حَلَّ، بِشَرْطِ أَنْ يَتَحَرَّكَ عِنْدَ الذَّبْحِ، وَلَوْ بِبَعْضِ أَعْضَائِهِ. وَإِنْ فُقِدَا لَمْ يَحِلَّ. وَلَا يُشْتَرَطُ الْحَرَكَةُ فِي غَيْرِهِ.
فَصْلٌ
الرَّابِعُ: أَنْ يَقُولَ عِنْدَ الذَّبْحِ: "بِاسْمِ اللَّهِ "، لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُهَا. وَيُبَاحُ مِنَ الأَخْرَسِ بِالإِيمَاءِ إِلَى السَّمَاءِ، فَإِنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ سَهْوًا أُبِيحَتْ، وَعَمْدًا تَحْرُمُ.
وَتَحْصُلُ ذَكَاةُ الْجَنِينِ بِتَذْكِيَةِ أُمِّهِ، إِذَا خَرَجَ مَيِّتًا، أَوْ مُتَحَرِّكًا كَحَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ، أَشْعَرَ أَوْ لَا. وَإِنْ خَرَجَ بِحَيَاةٍ مُعْتَبَرَةٍ، فَهُوَ كَالْمُنْخَنِقَةِ.
فَصْلٌ
وَيُكْرَهُ أَنْ يَذْبَحَ بِآلَةٍ كَالَّةٍ، وَأَنْ يَحُدَّهَا وَالْحَيَوَانُ يُبْصِرُهُ، وَأَنْ يُوَجِّهَهُ إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، أَوْ يَكْسِرَ عُنُقَهُ، أَوْ يَسْلُخَهُ قَبْلَ أَنْ يَبْرُدَ، فَإِنْ فَعَلَ أَسَاءَ وَحَلَّ.
стр. 486
وَإِذَا ذُبِحَ الْحَيَوَانُ، ثُمَّ غَرِقَ فِي مَاءٍ، أَوْ وَطِئَ عَلَيْهِ مَا يَقْتُلُهُ مِثْلُهُ -حَرُمَ، وَكَذَا الصَّيْدُ.
وَإِذَا ذَبَحَ الْكِتَابِيُّ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ؛ كَذِي الظُّفُرِ مِنَ الإِبِلِ وَنَحْوِهَا، حَرُمَ عَلَيْنَا. وَإِنْ ذَبَحَ حَيَوَانًا غَيْرَهُ، لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْنَا الشُّحُومُ الْمُحَرَّمَةُ عَلَيْهِمْ؛ وَهُوَ شَحْمُ الثَّرْبِ (١) وَالْكُلْيَتَيْنِ، وَيَجُوزُ لَنَا أَنْ نَتَمَلَّكَهَا مِنْهُمْ، وَلَا يَحِلُّ لَنَا أَنْ نُطْعِمَهُمْ شَحْمًا مِنْ ذَبْحِنَا.
وَإِنْ ذَبَحَ لِعِيدِهِ (٢)، أَوْ لِيَتَقَرَّبَ بِهِ إِلَى شَيْءٍ مِمَّا يُعَظِّمُونَهُ، لَمْ يَحْرُمُ. فَإِنْ ذَكَرَ عَلَيْهِ غَيْرَ اسْمِ اللَّهِ، حَرُمَ.
وَمَا وُجِدَ فِي بَطْنِ الْمَذْبُوحِ، أَوْ حَوْصَلَتِهِ، أَوْ رَوْثِهِ؛ مِنْ جَرَادٍ، أَوْ حَبٍّ -لَمْ يَحْرُمْ. وَيُكْرَهُ أَكْلُ الْغدَّةِ (٣)، وَأُذُنِ الْقَلْبِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
* * * стр. 487
كِتَابُ الصَّيْدِ
وَمَنْ صَادَ صَيْدًا بِجَارِحَةٍ أَوْ سَهْمٍ، فَأَدْرَكَهُ وَفِيهِ حَرَكَةٌ كَحَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ أَوْ أَزْيَدُ، لَكِنْ لَا يَتَّسِعُ الزَّمَانُ لِذَكَاتِهِ -حَلَّ كَمَا لَوْ أَدْرَكَهُ مَيِّتًا.
وَإِنِ اتَّسَعَ الزَّمَانُ لِذَكَاتِهِ، لَمْ يُبَحْ إِلَّا بِالذَّبْحِ، أَوْ إِشْلَاءِ (١) الصَّائِدِ عَلَيْهِ حَتَّى يَقْتُلَهُ لِفَقْدِ آلَةِ الذَّبْحِ. فَإِنْ مَاتَ بِدُونِهِ، لَمْ يُبَحْ بِحَالٍ.
وَإِذَا رَمَى صَيْدًا فَأَثْبَتَهُ مَلَكَهُ، فَإِنْ رَمَاهُ آخَرُ فَقتَلَهُ لَمْ يَحِلَّ. وَلِلأَوَّلِ قِيمَتُهُ مَجْرُوحًا عَلَى الثَّانِي. إِلَّا أَنْ يُصِيبَ الأَوَّلُ مَقْتَلَهُ دُونَ الثَّانِي، أَوْ يُصِيبَ الثَّانِي مَذْبَحَهُ؛ فَيَحِلُّ، وَعَلَيْهِ مَا خَرَقَ مِنْ جِلْدِهِ.
فَصْلٌ
وَلَا يَحِلُّ الصَّيْدُ الْمَقْتُولُ فِي الاِصْطِيَادِ إِلَّا بأَرْبَعَةِ شُرُوطٍ:
صَائِدٍ بَصِيرٌ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ . فَإِنِ اشْتَرَكَ مُسْلِمٌ وَمَجُوسِيٌّ فِي قَتْلِ صَيْدٍ، بِسَهْمَيْهِمَا أَوْ جَارِحَيْهِمَا، لَمْ يَحِلَّ. فَإِنْ أَصَابَ مَقْتَلَهُ أَحَدُهُمَا فَقَطْ، فَالْحُكْمُ لَهُ. وَإِنْ أَرْسَلَ مُسْلِمٌ سَهْمَهُ، فَأَعَانَتْهُ رِيحٌ لَوْلَاهَا مَا وَصَلَ، أَوْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ، فَزَجَرَهُ مَجُوسِيٌّ فَزَادَ عَدْوُهُ، أَوْ رَدَّ عَلَيْهِ كَلْبُ стр. 488
الْمَجُوسِيِّ الصَّيْدَ فَقتَلَهُ، أَوْ أَمْسَكَ مَجُوسِيٌّ مَا يَذْبَحُهُ مُسْلِمٌ حَتَّى ذَبَحَهُ -حَلَّ فِيهِنَّ.
وَإِنْ أَرْسَلَ مَجُوسِيٌّ كَلْبَهُ، فَأَعَانَهُ الْمُسْلِمُ أَوْ كَلْبُهُ -لَمْ يَحِلَّ. وَمَنْ رَمَى سَهْمًا ثُمَّ ارْتَدَّ أَوْ مَاتَ، ثُمَّ أَصَابَ سَهْمُهُ صَيْدًا، حَلَّ.
فَصْلٌ
الثَّانِي: الآلَةُ . وَهِيَ (١) نَوْعَانِ:
مُحَدَّدٌ يُشْتَرَطُ فِيهِ مَا يُشْتَرَطُ فِي آلَةِ الذَّبْحِ. وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَجْرَحَ، فَإِنْ قَتَلَهُ بِثِقَلِهِ، لَمْ يُبَحْ. وَإِنْ صَادَ بِالْمِعْرَاضِ (٢)، حَلَّ مَا قَتَلَ بِحَدِّهِ دُونَ عَرْضِهِ.
وَإِنْ نَصَبَ مَنَاجِلَ، أَوْ سَكَاكِينَ، وَسَمَّى عِنْدَ نَصْبِهَا، فَقتَلَتْ صَيْدًا -أُبِيحَ. فَإِنْ قتلَ بِسَهْمٍ فِيهِ سُمٌّ، لَمْ يُبَحْ إِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ أَعَانَ عَلَى قَتْلِهِ. وَإِذَا رَمَاهُ فِي الْهَوَاءِ، فَوَقَعَ عَلَى الأَرْضِ فَمَاتَ، حَلَّ. وَإِنْ وَقَعَ فِي مَاءٍ، أَوْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ، أَوْ وَطِئَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَمَاتَ -لَمْ يُبَحْ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْجَرْحُ مُوَحِّيًا؛ فَيُبَاحُ (٣). стр. 489
وَإِنْ رَمَاهُ فَغَابَ عَنْ عَيْنِهِ، ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا وَفِيهِ أَثَرُ سَهْمِهِ، حَلَّ بِشَرْطِ أَلَّا يَكُونَ لَهُ أَثَرٌ آخَرُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَعَانَ فِي قَتْلِهِ. وَكَذَا حُكْمُ الْكَلْبِ إِذَا عَقَرَهُ، ثُمَّ غَابَ، ثُمَّ وَجَدَهُ وَحْدَهُ. فَأَمَّا إِنْ وَجَدَهُ فِي فَمِهِ، أَوْ وَهُوَ يَعْبَثُ بِهِ، فَإِنَّهُ يَحِلُّ.
وَإِنْ غَابَ قَبْلَ تَحَقُّقِ الإِصَابَةِ، ثُمَّ وَجَدَهُ عَقِيرًا وَحْدَهُ، وَالسَّهْمُ أَوِ الْكَلْبُ نَاحِيَةً -لَمْ يُبَحْ.
وَإِنْ ضَرَبَ صَيْدًا، فَأَبَانَ مِنْهُ عُضْوًا، وَبَقِيَتْ فِيهِ حَيَاةٌ مُعْتَبَرَةٌ -لَمْ يَحِلَّ مَا بَانَ مِنْهُ. وَإِنْ مَاتَ فِي الْحَالِ، أَوْ بَقِيَ الْعُضْوُ مُعَلَّقًا بِجِلْدِهِ، حَلَّ.
[وَإِنْ أَبَانَهُ وَمَاتَ فِي الْحَالِ، حَلَّ] (١) الْجَمِيعُ. وَيَحِلُّ مَا أَبَانَ مِمَّا تُبَاحُ مَيْتَتُهُ؛ كَالْحُوتِ وَنَحْوِهِ.
فَصْلٌ
ومَا ليْسَ بِمُحَدَّدٍ ؛ كَالْبُنْدُقِ، وَالْعَصَا، وَالشَّبَكَةِ، وَالْحَجَرِ، وَالْفَخِّ -فَلَا يَحِلُّ مَا قُتِلَ بِهِ؛ لأَنَّهُ وَقِيذٌ. وَمَا اصَّادَهُ (٢) الأَسْوَدُ الْبَهِيمُ الْمُعَلَّمُ، لَا стр. 490
يُبَاحُ أَيْضًا، وَلَوْ وُجِدَتْ شُرُوطُهُ.
فَصْلٌ
النَّوْعُ الثَّانِي: الْجَارِحَةُ . فَيُبَاحُ مَا قتَلَتْهُ إِذَا كَانَتْ مُعَلَّمَةً. وَهِيَ نَوْعَانِ أَيْضًا:
فتَعْلِيمُ ذِي النَّاب مِنْهَا -كَالْفَهْدِ، وَالْكَلْبِ-: بِأَنْ يَسْتَرْسِلَ إِذَا أُرْسِلَ، وَيَنْزَجِرَ إِذَا زُجِرَ (١)، لَا فِي حَالِ مُشَاهَدَتِهِ الصَّيْدَ، وَإِذَا أَمْسَكَ لَمْ يَأْكُلْ، وَيُعْتَبَرُ تَكَرُّرُ ذَلِكَ مِنْهُ. فَإِنْ أَكَلَ بَعْدَ تَعَلُّمِهِ، لَمْ يَحْرُمْ مَا تَقَدَّمَ مِنْ صَيْدِهِ، وَلَا يُبَاحُ مَا أَكَلَ مِنْهُ. فَإِنْ عَادَ فَصَادَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ، أُبِيحَ.
وَتَعْلِيمُ ذِي الْمِخْلَبِ -كَالْبَازِيِّ، وَالصَّقْرِ، وَالشَّاهِينِ، وَالْعُقَابِ-: بأَنْ يَسْتَرْسِلَ إِذَا أُرْسِلَ، وَيَرْجِعَ إِذَا دُعِيَ، وَلَا يُعْتَبَرُ أَكْلُهُ وَعَدَمُهُ. وَلَابُدَّ أَنْ يَجْرَحَ الصَّيْدَ، فَإِنْ قتَلَهُ بصَدْمَتِهِ أَوْ خَنَقَهُ، لَمْ يُبَحْ.
وَمَا أَصَابَهُ فَمُ الْكَلْبِ يَجِبُ (٢) غَسْلُهُ. стр. 491
فَصْلٌ
الثَّالِثُ: إِرْسَالُ الآلَةِ قَاصِدًا . فَإِنِ اسْتَرْسَلَ الْكَلْبُ أَوْ غَيْرُهُ بِنَفْسِهِ، لَمْ يُبَحْ. إِلَّا أَنْ يَزْجُرَهُ فَيَزِيدَ عَدْوُه فِي طَلَبِهِ؛ فَيَحِلُّ. وَإِنْ أَرْسَلَ سَهْمَهُ، أَوْ كَلْبَهُ، إِلَى هَدَفٍ أَوْ إِلَى صَيْدٍ، وَهُوَ لَا يَرَى صَيْدًا؛ فَأَصَابَ صَيْدًا -لَمْ يَحِلُّ إِنْ قَتَلَهُ. وَإِنْ رَمَى حَجَرًا يَظُنُّهُ صَيْدًا، فَأَصَابَ صَيْدًا، لَمْ يَحِلَّ (١).
وَإِنْ رَمَى صَيْدًا فَأَصَابَ غَيْرَهُ، أَوْ وَاحِدًا فَأَصَابَ جَمَاعَةً -حَلَّ الْكُلُّ. وَإِنْ رَمَى صَيْدًا فَأَثْبَتَهُ مَلَكَهُ، وَإِنْ أَخَذَهُ غَيْرُهُ لَزِمَهُ رَدُّهُ. وَإِنْ لَمْ يُثْبِتْهُ، فَدَخَلَ خَيْمَةَ إِنْسَانٍ فَأَخَذَهُ، فَهُوَ لَهُ. وَلَوْ وَقَعَ فِي شَبَكَةِ صَيْدٍ، فَخَرَقَهَا وَذَهَبَ (٢) بِهَا، فَصَادَهُ آخَرُ -فَهُوَ لِلثَّانِي.
وَإِنْ كَانَ فِي سَفِينَةٍ، فَوَثَبَتْ سَمَكَةٌ فَوَقَعَتْ فِي حِجْرِهِ، فَهِيَ لَهُ دُونَ صَاحِبِ السَّفِينَةِ، مَا لَمْ تَكُنِ السَّفِينَةُ مُعَدَّةً لِلصَّيْدِ فِي تِلْكَ الحَالِ.
وَإِنْ صَنَعَ بِرْكَةً قَاصِدًا لِيَصِيدَ بِهَا السَّمَكَ، فَمَا حَصَلَ فِيهَا مَلَكَهُ، وَلَا يَمْلِكُهُ مَعَ عَدَمِ قَصْدِهِ؛ كَمَا لَوْ حَصَلَ فِي أَرْضِهِ سَمَكٌ أَوْ عَشَّشَ (٣) فِيهَا طَائِرٌ. стр. 492
وَيُكْرَهُ صَيْدُ السَّمَكِ بِالنَّجَاسَةِ، وَصَيْدُ الطَّيْرِ بِالشَّبَاشِ (١). وَإِذَا أَرْسَلَ صَيْدًا وَقَالَ (٢): "أَعْتَقْتُكَ"، لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ.
فَصْلٌ
الرَّابِعُ: التَّسْمِيَةُ عِنْدَ إِرْسَالِ السَّهْمِ أَوِ الْجَارِحَةِ. فَإِنْ تَرَكَهَا سَهْوًا، أَوْ عَمْدًا، لمْ يُبَحْ. وَالسُّنَةُ أَنْ يَقُولَ مَعَهَا: "اللَّهُ أَكْبَرُ".
* * * стр. 493
كِتَابُ الأَيْمَانِ
الْيَمِينُ الَّتِي تَجِبُ بِهَا الْكَفَّارَةُ إِذَا حَنِثَ، هِيَ الْيَمِينُ بِاللَّهِ تَعَالَى، أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ؛ كَالْعِلْمِ، وَالْقُدْرَةِ، وَنَحْوِهِمَا.
وَأَسْمَاؤُهُ قِسْمَانِ:
مَا لَا يُسَمَّى بِهِ غَيْرُهُ؛ نَحْوُ: "اللَّهِ" (١)، وَ"الرَّحْمِنِ"، وَ"الْقَدِيمِ"، وَ"الأَزَلِيِّ"، وَ"الأَوَّلِ الَّذِي لَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ"، وَ"الآخِرِ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ"، وَ"خَالِقِ الْخَلْقِ"، وَ"رَازِقِ الْعَالَمِينَ". فَالْقَسَمُ بِهَذَا يَمِينٌ بِكُلِّ حَالٍ.
الثَّانِي: مَا قَدْ يُسمَّى بِهِ غَيْرُهُ، وَإِطْلَاقُهُ يَنْصَرِفُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، كَـ "الرَّحِيمِ"، وَ"الْعَظِيمِ"، وَ"الْقَادِرِ"، وَ"الرَّبِّ"، وَ"الْمَوْلَى"، وَ"الرَّازِقِ"، وَنَحْوِهِ. فمَنْ نَوَى بِهِ اللَّهَ، أَوْ أَطْلَقَ، فَهُوَ يَمِينٌ. وَإِنْ نَوَى بِهِ غَيْرَهُ، فَلَيْسَ بِيَمِينٍ.
وَمَا لَا يَنْطَلِقُ إِطْلَاقُهُ إِلَيْهِ، بَلْ يَحْتَمِلُهُ؛ كَـ "الشَّيْءِ"، وَ"الْحَيِّ"، وَ"الْمَوْجُودِ"، فَإِنْ نَوَى بِهِ اللَّهَ كَانَ يَمِينًا، وَإِلَّا فَلَا. وَإِنْ قَالَ: "وَحَقِّ اللَّهِ"، "وَعَهْدِ اللَّهِ"، "وَأَمَانَةِ اللَّه"، "وَمِيثَاقِهِ"، "وَقُدْرَتِهِ"، "وَعَظَمَتِهِ"، "وَكِبْرِيَائِهِ"، "وَجَلَالِهِ"، "وَعِزَّتِهِ"، وَنَحْوَ ذَلِكَ -فَهُوَ يَمِينٌ.
وَإِنْ قَالَ: "وَالْعَهْدِ"، "وَالْمِيثَاقِ"، وَسَائِرَ ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ يَمِينًا، стр. 494
إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِإِطْلَاقِهِ صِفَةَ اللَّهِ تَعَالَى. وَإِنْ قَالَ: "وَايْمُ اللَّهِ"، أَوْ: "لَعَمْرُ اللَّهِ"، كَانَ يَمِينًا.
وَإِنْ حَلَفَ بِكَلَامِ اللَّهِ، أَوْ بِالْمُصْحَفِ، أَوْ بِالْقُرْآنِ -فَهُوَ يَمِينٌ فِيهَا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَإِنْ قَالَ: "أُقْسِمُ بِاللَّهِ"، أَوْ "أَعْزِمُ بِاللَّهِ"، أَوْ "أَحْلِفُ باللَّهِ"، أَوْ "أَشْهَدُ بِاللَّهِ" -كَانَ يَمِينًا. وَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، لَمْ يَكُنْ يَمِينًا إِلَّا بِالنِّيَّةِ.
فَصْلٌ
وَلَا فَرْقَ فِي اسْمِ "اللَّهِ" بَيْنَ قَوْلِهِ: "وَاللَّهِ"، وَ: "بِاللَّهِ"، وَ: "تَاللَّهِ"، وَبَيْنَ إِسْقَاطِ حَرْفِ الْقَسَمِ فَيَقُولَ: "اللَّهِ لأَفْعَلَنَّ" بِالْجَرِّ، أَوِ النَّصْبِ. فَإِنْ رَفَعَهُ مَعَ الْوَاوِ، وَعَدَمِهِ، أَوْ نَصَبَهُ مَعَ الْوَاوِ -فَهُوَ يَمِينٌ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَلَا يُرِيدُ الْيَمِينَ.
فَصْلٌ
وَالْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ مُحَرَّمٌ، وَلَا تَجِبُ بِهِ كَفَّارَةٌ، سَوَاءٌ أَضَافَهُ إِلَى اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: "وَخَلْقِ اللَّهِ"، "وَمَعْلُومِهِ"، "وَكَعْبَتِهِ"، أَوْ لَمْ يُضِفْهُ؛ مِثْلَ: "وَالْكَعْبَةِ"، "وَالنَّبِيِّ ﷺ ".
стр. 495
فَصْلٌ
وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ:
أَنْ تَكُونَ الْيَمِينُ مُنْعَقِدَةً ؛ وَهِيَ الَّتِي قَصَدَ عَقْدَها عَلَى مُسْتَقْبَلٍ مُمْكِنٍ. فَإِنْ حَلَفَ بِاللَّهِ عَلَى أَمْرٍ ماضٍ كاذِبًا عالِمًا، فَهِيَ الْغَمُوسُ، وَمِثْلُها الْحَلِفُ عَلَى مُسْتَحِيلٍ، وَقَدْ ذُكِرَ (١)، وَكَذا لَغْوُ الْيَمِينِ يَجْرِي عَلَى لِسانِهِ بِغَيْرِ قَصدٍ؛ كَقَوْلهِ: "لا واللَّهِ"، وَ"بَلَى واللَّهِ"، وَكَذا الْيَمِينُ عَقَدَها بِاللَّهِ يَظُن صِدقَ نَفْسِهِ، فَبانَ بِخِلَافِهِ -فَلا كَفَّارَةَ فِي الْجَمِيعِ.
فَصْلٌ
الثَّانِي: أَنْ يَحْلِفَ مُخْتارًا . فَإِنْ حَلَفَ مُكْرَهًا، لَمْ تَنْعَقِد يَمِينُهُ.
الثَّالِثُ: الْحِنْثُ فِي يَمِينهِ ؛ بِأَنْ يَفْعَلَ ما حَلَفَ عَلَى تَركِهِ، أَوْ يَتْرُكَ ما حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ، مُخْتارًا ذاكِرًا. فَإِنْ فَعَلَهُ مُكْرَهًا أَوْ ناسِيًا، فَلا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
وَمَنْ قَالَ فِي يَمِينٍ مُكَفَّرَةِ: "إِنْ شَاءَ اللَّهُ"، قاصِدًا الاِسْتِثْناءَ قَبْلَ تَكْمِيلِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، مُتَّصِلًا، أَوْ فِي حُكْمِ الْمُتَّصِلِ -لَمْ يَحنَثْ، سَواءٌ فَعَلَ أَوْ تَرَكَ.
وَيُسْتَحَبُّ الْحِنْثُ فِي الْيَمِينِ إِذا كانَ خَيْرًا، وَيَحْرُمُ إِنْ كانَ مَعْصِيَةً. следующие страницы →