← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 147064

الوجيز في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل

الحسين بن يوسف الدجيلي

Полный текст (592 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

فَصْلٌ الثَّالِثُ: إِرْسَالُ الآلَةِ قَاصِدًا . فَإِنِ اسْتَرْسَلَ الْكَلْبُ أَوْ غَيْرُهُ بِنَفْسِهِ، لَمْ يُبَحْ. إِلَّا أَنْ يَزْجُرَهُ فَيَزِيدَ عَدْوُه فِي طَلَبِهِ؛ فَيَحِلُّ. وَإِنْ أَرْسَلَ سَهْمَهُ، أَوْ كَلْبَهُ، إِلَى هَدَفٍ أَوْ إِلَى صَيْدٍ، وَهُوَ لَا يَرَى صَيْدًا؛ فَأَصَابَ صَيْدًا -لَمْ يَحِلُّ إِنْ قَتَلَهُ. وَإِنْ رَمَى حَجَرًا يَظُنُّهُ صَيْدًا، فَأَصَابَ صَيْدًا، لَمْ يَحِلَّ (١). وَإِنْ رَمَى صَيْدًا فَأَصَابَ غَيْرَهُ، أَوْ وَاحِدًا فَأَصَابَ جَمَاعَةً -حَلَّ الْكُلُّ. وَإِنْ رَمَى صَيْدًا فَأَثْبَتَهُ مَلَكَهُ، وَإِنْ أَخَذَهُ غَيْرُهُ لَزِمَهُ رَدُّهُ. وَإِنْ لَمْ يُثْبِتْهُ، فَدَخَلَ خَيْمَةَ إِنْسَانٍ فَأَخَذَهُ، فَهُوَ لَهُ. وَلَوْ وَقَعَ فِي شَبَكَةِ صَيْدٍ، فَخَرَقَهَا وَذَهَبَ (٢) بِهَا، فَصَادَهُ آخَرُ -فَهُوَ لِلثَّانِي. وَإِنْ كَانَ فِي سَفِينَةٍ، فَوَثَبَتْ سَمَكَةٌ فَوَقَعَتْ فِي حِجْرِهِ، فَهِيَ لَهُ دُونَ صَاحِبِ السَّفِينَةِ، مَا لَمْ تَكُنِ السَّفِينَةُ مُعَدَّةً لِلصَّيْدِ فِي تِلْكَ الحَالِ. وَإِنْ صَنَعَ بِرْكَةً قَاصِدًا لِيَصِيدَ بِهَا السَّمَكَ، فَمَا حَصَلَ فِيهَا مَلَكَهُ، وَلَا يَمْلِكُهُ مَعَ عَدَمِ قَصْدِهِ؛ كَمَا لَوْ حَصَلَ فِي أَرْضِهِ سَمَكٌ أَوْ عَشَّشَ (٣) فِيهَا طَائِرٌ.

стр. 492

وَيُكْرَهُ صَيْدُ السَّمَكِ بِالنَّجَاسَةِ، وَصَيْدُ الطَّيْرِ بِالشَّبَاشِ (١). وَإِذَا أَرْسَلَ صَيْدًا وَقَالَ (٢): "أَعْتَقْتُكَ"، لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ. فَصْلٌ الرَّابِعُ: التَّسْمِيَةُ عِنْدَ إِرْسَالِ السَّهْمِ أَوِ الْجَارِحَةِ. فَإِنْ تَرَكَهَا سَهْوًا، أَوْ عَمْدًا، لمْ يُبَحْ. وَالسُّنَةُ أَنْ يَقُولَ مَعَهَا: "اللَّهُ أَكْبَرُ". * * *

стр. 493

كِتَابُ الأَيْمَانِ الْيَمِينُ الَّتِي تَجِبُ بِهَا الْكَفَّارَةُ إِذَا حَنِثَ، هِيَ الْيَمِينُ بِاللَّهِ تَعَالَى، أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ؛ كَالْعِلْمِ، وَالْقُدْرَةِ، وَنَحْوِهِمَا. وَأَسْمَاؤُهُ قِسْمَانِ: مَا لَا يُسَمَّى بِهِ غَيْرُهُ؛ نَحْوُ: "اللَّهِ" (١)، وَ"الرَّحْمِنِ"، وَ"الْقَدِيمِ"، وَ"الأَزَلِيِّ"، وَ"الأَوَّلِ الَّذِي لَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ"، وَ"الآخِرِ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ"، وَ"خَالِقِ الْخَلْقِ"، وَ"رَازِقِ الْعَالَمِينَ". فَالْقَسَمُ بِهَذَا يَمِينٌ بِكُلِّ حَالٍ. الثَّانِي: مَا قَدْ يُسمَّى بِهِ غَيْرُهُ، وَإِطْلَاقُهُ يَنْصَرِفُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، كَـ "الرَّحِيمِ"، وَ"الْعَظِيمِ"، وَ"الْقَادِرِ"، وَ"الرَّبِّ"، وَ"الْمَوْلَى"، وَ"الرَّازِقِ"، وَنَحْوِهِ. فمَنْ نَوَى بِهِ اللَّهَ، أَوْ أَطْلَقَ، فَهُوَ يَمِينٌ. وَإِنْ نَوَى بِهِ غَيْرَهُ، فَلَيْسَ بِيَمِينٍ. وَمَا لَا يَنْطَلِقُ إِطْلَاقُهُ إِلَيْهِ، بَلْ يَحْتَمِلُهُ؛ كَـ "الشَّيْءِ"، وَ"الْحَيِّ"، وَ"الْمَوْجُودِ"، فَإِنْ نَوَى بِهِ اللَّهَ كَانَ يَمِينًا، وَإِلَّا فَلَا. وَإِنْ قَالَ: "وَحَقِّ اللَّهِ"، "وَعَهْدِ اللَّهِ"، "وَأَمَانَةِ اللَّه"، "وَمِيثَاقِهِ"، "وَقُدْرَتِهِ"، "وَعَظَمَتِهِ"، "وَكِبْرِيَائِهِ"، "وَجَلَالِهِ"، "وَعِزَّتِهِ"، وَنَحْوَ ذَلِكَ -فَهُوَ يَمِينٌ. وَإِنْ قَالَ: "وَالْعَهْدِ"، "وَالْمِيثَاقِ"، وَسَائِرَ ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ يَمِينًا،

стр. 494

إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِإِطْلَاقِهِ صِفَةَ اللَّهِ تَعَالَى. وَإِنْ قَالَ: "وَايْمُ اللَّهِ"، أَوْ: "لَعَمْرُ اللَّهِ"، كَانَ يَمِينًا. وَإِنْ حَلَفَ بِكَلَامِ اللَّهِ، أَوْ بِالْمُصْحَفِ، أَوْ بِالْقُرْآنِ -فَهُوَ يَمِينٌ فِيهَا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ. وَإِنْ قَالَ: "أُقْسِمُ بِاللَّهِ"، أَوْ "أَعْزِمُ بِاللَّهِ"، أَوْ "أَحْلِفُ باللَّهِ"، أَوْ "أَشْهَدُ بِاللَّهِ" -كَانَ يَمِينًا. وَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، لَمْ يَكُنْ يَمِينًا إِلَّا بِالنِّيَّةِ. فَصْلٌ وَلَا فَرْقَ فِي اسْمِ "اللَّهِ" بَيْنَ قَوْلِهِ: "وَاللَّهِ"، وَ: "بِاللَّهِ"، وَ: "تَاللَّهِ"، وَبَيْنَ إِسْقَاطِ حَرْفِ الْقَسَمِ فَيَقُولَ: "اللَّهِ لأَفْعَلَنَّ" بِالْجَرِّ، أَوِ النَّصْبِ. فَإِنْ رَفَعَهُ مَعَ الْوَاوِ، وَعَدَمِهِ، أَوْ نَصَبَهُ مَعَ الْوَاوِ -فَهُوَ يَمِينٌ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَلَا يُرِيدُ الْيَمِينَ. فَصْلٌ وَالْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ مُحَرَّمٌ، وَلَا تَجِبُ بِهِ كَفَّارَةٌ، سَوَاءٌ أَضَافَهُ إِلَى اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: "وَخَلْقِ اللَّهِ"، "وَمَعْلُومِهِ"، "وَكَعْبَتِهِ"، أَوْ لَمْ يُضِفْهُ؛ مِثْلَ: "وَالْكَعْبَةِ"، "وَالنَّبِيِّ ﷺ ".

стр. 495

فَصْلٌ وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ: أَنْ تَكُونَ الْيَمِينُ مُنْعَقِدَةً ؛ وَهِيَ الَّتِي قَصَدَ عَقْدَها عَلَى مُسْتَقْبَلٍ مُمْكِنٍ. فَإِنْ حَلَفَ بِاللَّهِ عَلَى أَمْرٍ ماضٍ كاذِبًا عالِمًا، فَهِيَ الْغَمُوسُ، وَمِثْلُها الْحَلِفُ عَلَى مُسْتَحِيلٍ، وَقَدْ ذُكِرَ (١)، وَكَذا لَغْوُ الْيَمِينِ يَجْرِي عَلَى لِسانِهِ بِغَيْرِ قَصدٍ؛ كَقَوْلهِ: "لا واللَّهِ"، وَ"بَلَى واللَّهِ"، وَكَذا الْيَمِينُ عَقَدَها بِاللَّهِ يَظُن صِدقَ نَفْسِهِ، فَبانَ بِخِلَافِهِ -فَلا كَفَّارَةَ فِي الْجَمِيعِ. فَصْلٌ الثَّانِي: أَنْ يَحْلِفَ مُخْتارًا . فَإِنْ حَلَفَ مُكْرَهًا، لَمْ تَنْعَقِد يَمِينُهُ. الثَّالِثُ: الْحِنْثُ فِي يَمِينهِ ؛ بِأَنْ يَفْعَلَ ما حَلَفَ عَلَى تَركِهِ، أَوْ يَتْرُكَ ما حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ، مُخْتارًا ذاكِرًا. فَإِنْ فَعَلَهُ مُكْرَهًا أَوْ ناسِيًا، فَلا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. وَمَنْ قَالَ فِي يَمِينٍ مُكَفَّرَةِ: "إِنْ شَاءَ اللَّهُ"، قاصِدًا الاِسْتِثْناءَ قَبْلَ تَكْمِيلِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، مُتَّصِلًا، أَوْ فِي حُكْمِ الْمُتَّصِلِ -لَمْ يَحنَثْ، سَواءٌ فَعَلَ أَوْ تَرَكَ. وَيُسْتَحَبُّ الْحِنْثُ فِي الْيَمِينِ إِذا كانَ خَيْرًا، وَيَحْرُمُ إِنْ كانَ مَعْصِيَةً.

стр. 496

وَلا يُسْتَحَبُّ إِكْثارُ الْحَلِفِ. وَمَنْ دُعِيَ إِلَى الْحَلِفِ عِنْدَ الْحاكِمِ وَهُوَ مُحِقٌّ، فالأَوْلَى أَنْ يَفْتَدِيَ يَمِينَهُ، وَإِنْ حَلَفَ فَلا بَأْسَ. وَإِذا حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ شَيْئًا، وَنَوَى وَقْتًا بِعَيْنهِ، تَقَيَّدَ (١) بِهِ. وَإِنْ لَمْ يَنْوِ، لَمْ يَحنَثْ حَتَّى يَيْأَسَ مِنْ فِعْلِهِ: إِما بِتَلَفِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، أَوْ مَوْتِ الْحَالِفِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَصْلٌ وَمَنْ حَرَّمَ حَلَالًا سِوَى الزَّوْجَةِ -مِنْ أَمَةٍ، أَوْ طَعامٍ، أَوْ لِباسٍ- لَمْ يَحْرُمْ، وَتَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ إِنْ فَعَلَهُ. وَإِنْ قَالَ: "هُوَ يَهُودِيٌّ -أَوْ كافِرٌ، أَوْ بَرِيءٌ مِنَ اللَّهِ، أَوْ مِنَ الإِسْلَامِ، أَوِ الْقُرآنِ، أَوِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَوْ: أَنَا أَسْتَحِلُّ الزِّنَى، وَنَحوَهُ -إِنْ فَعَلَ كَذا"، ثُمَّ فَعَلَهُ-: فَقَدْ فَعَلَ مُحَرَّمًا، وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ. وَإِنْ قَالَ: "عَصَيْتُ اللَّهَ فِي كُلِّ ما أَمَرَنِي، أَوْ مَحَوْتُ الْمُصْحَفَ، إِنْ فَعَلْتُ" -فَلَا كَفَّارَةَ. وَكَذا: "عَبْدُ فُلَانٍ حُرٌّ لأَفْعَلَنَّ". وَإِنْ قَالَ: "أَيْمَانُ الْبَيْعَةِ تَلْزَمُنِي"، فَهِيَ يَمِينٌ رَتَّبَهَا الْحَجَّاجُ؛ تَتَضَمَّنُ: الْيَمِينَ بِاللَّهِ، والطَّلَاقِ، والْعَتَاقِ، وَصَدَقَةِ الْمالِ؛ فَإِنْ عَرَفَهَا الْحَالِفُ وَنَوَاهَا، انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ بِمَا فِيهَا سِوَى الْيَمِينِ باللَّهِ، وإِلَّا فَلَا. وَلَوْ قَالَ: "أَيْمَانُ الْمُسْلِمِينَ تَلْزَمُنِي إِنْ فَعَلْتُ كَذَا"، لَزِمَتْهُ يَمِينُ

стр. 497

الظِّهارِ، والْعَتاقِ، والطَّلَاقِ، والنَّذْرِ، والْيَمِينُ بِاللَّهِ، نَوَى ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ. وَمَنْ حَلَفَ بِيَمِينٍ مِنْ هَذِهِ الْخَمْسَةِ، فَقالَ آخَرُ: "يَمِينِي فِي يَمِينِكَ"، أَوْ: "أَنَا عَلَى مِثْلِ يَمِينكَ"، يُرِيدُ الاِلْتِزامَ بِمِثْلِ يَمِينهِ -لَزِمَهُ ذَلِكَ. وَإِنْ قَالَ: "عَلَى نَذْرٌ، أَوْ يَمِينٌ، إِنْ فَعَلْتُ كَذا"، لَزِمَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ إِنْ فَعَلَهُ. فَصْلٌ وَكَفَّارَةُ الْيَمِينِ تَجْمَعُ تَخْيِيرًا وَتَرْتِيبًا: فَيُخَيَّرُ مَنْ لَزِمَتْهُ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْياءَ: إِطْعامِ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ، أَوْ كُسْوتهِمْ -لِلرَّجُلِ ثَوْبٌ تُجْزِئُهُ الصَّلَاةُ فِيهِ، وَلِلْمَرأَةِ خِمارٌ وَدِرعٌ كَذَلِكَ- أَوْ عِتْقِ رَقَبَةٍ. فَمَنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتَتابِعَةٍ. وَيَجُوزُ تَقْدِيمُ الْكَفَّارَةِ بِالْمالِ والصِّيَامِ قَبْلَ الْحِنْثِ. وَلَا تُقَدَّمُ كَفَّارَةٌ قَبْلَ الْحَلِفِ. وَمَنْ لَزِمَتْهُ أَيْمَانٌ قَبْلَ التَّكْفِيرِ مُوجِبُها واحِدٌ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ واحِدَةٌ. وَإِنِ اخْتَلَفَ مُوجِبُها؛ كَظِهارٍ، وَيَمِينٍ باللَّهِ -لَزِماهُ، وَلَمْ يَتَداخَلَا. وَكَفَّارَةُ الْعَبْدِ الصِّيَامُ، وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ مِنْهُ. وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ، فَكَالْحُرِّ فِي الأَيْمَانِ.

стр. 498

بَابُ جَامِعِ الأَيْمَانِ يُرْجَعُ فِي الأَيْمانِ إِلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ إِذا احتَمَلَها لَفْظُهُ، فَإِنْ عُدِمَتِ النِّيَّةُ رُجِعَ إِلَى سَبَبِ الْيَمِينِ وَما هَيَّجَهَا. فَمَنْ حَلَفَ: "لأَقْضِيَنَّ (١) زَيْدًا حَقَّهُ فِي غَدٍ" وَقَصْدُهُ أَلَّا يُجاوِزَهُ، أَوِ السَّبَبُ يَقْتَضِيهِ (٢)، فَقَضاهُ قَبْلَهُ -بَرَّ. وَإِنْ حَلَفَ "لا يَبِيعُ ثَوْبَهُ إلا بِمِائَةِ"، فَباعَهُ بأَكْثَرَ -لَمْ يَحنَثْ. فَإِنْ باعَهُ بأَقَلَّ، حَنِثَ. وَإِنْ حَلَفَ "لَا يَدْخُلُ دارًا"، وَنَوَى الْيَوْمَ، لَمْ يَحنَثْ بِالدُّخُولِ فِي غَيْرِهِ. وَإِنْ دُعِيَ إِلَى غَداءٍ (٣)، فَحَلَفَ "لا يَتَغَدَّى"، اخْتُصَّتْ يَمِينُهُ بِهِ إِذا قَصَدَهُ. وَإِنْ حَلَفَ "لَا يَشْرَبُ لَه الْمَاءَ مِنَ الْعَطَشَ"، بِقَصْدِ قَطْعِ الْمِنَّةِ -حَنِثَ بأَكْلِ خُبْزِهِ، واسْتِعارَةِ دَابَّتِهِ، وَكُلِّ ما فِيهِ مِنَةٌ. وَإِنْ حَلَفَ "لا يَلْبَسُ

стр. 499

مِنْ غَزْلِهَا"، يَقْصِدُ قَطْعَ مِنَّتِهَا (١)، فَباعَهُ وانْتَفَعَ بِثَمَنِهِ فِي شِراءِ ثَوْبِ أَوْ غَيْرِهِ -حَنِثَ. وَإِنْ حَلَفَ "لا يَأْوِي مَعَها فِي دَارٍ" -سَمَّاها- يُرِيدُ جَفاءَها، وَلَيْسَ لِلدَّارِ سَبَبٌ هَيَّجَ (٢) يَمِينَهُ، فَأَوَى مَعَها فِي غَيْرِهَا -حَنِثَ. وَإِنْ حَلَفَ لِعامِلٍ "لا يَخْرُجُ إِلَّا بِإِذْنِهِ" فَعُزِلَ، أَوْ عَلَى زَوْجَتِهِ فَطَلَّقَها، أَوْ عَلَى عَبْدِهِ فَأَعْتَقَهُ، وَنَحوَهُ -انْحَلَّتْ يَمِينُهُ. وَإِنْ حَلَفَ "لَا رَأَيْتُ مُنْكَرًا إلا رَفَعْتُهُ إِلَى فُلَانِ الْقَاضِي"، فَعُزِلَ، انْحَلَّتْ يَمِينُهُ. فَصْلٌ فَإِنْ عُدِمَ ذَلِكَ رُجِعَ إِلَى التَّعْيِينِ. فَإِذا حَلَفَ "لا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ هَذِهِ"؛ فَدَخَلَها وَقَدْ صَارَتْ فَضاءَ، أَوْ مَسْجِدًا، أَوْ حَمَّامًا، أَوْ بَاعَهَا فُلَانٌ، أَوْ: "لَا لَبِسْتُ هَذا الْقَمِيصَ"؛ فَجَعَلَهُ سَراوِيلَ، أَوْ رِداءً، أَوْ عِمامَةً، وَلَبِسَهُ، أَوْ: "لا كَلَّمْتُ هَذا الصَّبِيَّ"؛ فَصَارَ شَيْخًا، أَوْ: "زَوْجَةَ فُلَانٍ هَذِهِ"، أَوْ: "صَدِيقَهُ فُلَانًا"، أَوْ: "مَمْلُوكَهُ سَعْدًا"؛ فَزالَ الْمِلْكُ، أَوِ الصَّدَاقَةُ" (٣)، ثُمَّ

стр. 500

كَلَّمَهُمْ، أَوْ: "لا أَكلْتُ لَحمَ هَذا الْحَمَلِ"؛ فَصَارَ كَبْشًا، أَوْ: "هَذا الرُّطَبَ"؛ فَصَارَ تَمْرًا، أَوْ دِبْسًا (١)، أَوْ خَلًّا، أَوْ: "هَذا اللَّبَنَ"؛ فَصَارَ جُبْنًا، وَنَحْوَهُ، ثُمَّ أَكَلَ-: حَنِثَ فِي الْكُلِّ، إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ "ما دامَ عَلَى الصِّفَةِ". فَصْلٌ فَإِنْ عُدِمَ ذَلِكَ رُجِعَ إِلَى ما يَتَناوَلُهُ الاِسْمُ؛ وَهُوَ ثَلَاثَةٌ: شَرعِيٌّ ، لَهُ مَوْضُوعٌ [فِي الشَّرعِ وَمَوْضُوعٌ] (٢) فِي اللُّغَةِ؛ فالْمُطْلَقُ يَنْصَرِفُ إِلَى الْوَضْعِ الشَّرعِيِّ. فَإِذا حَلَفَ "لا يَبِيعُ"، أَوْ "لا يَنْكِحُ"، فَعَقَدَ عَقْدًا فاسِدًا -لَمْ يَحْنَثْ. وَإِنْ قَيَّدَ يَمِينَهُ (٣) بِما يَمْنَعُ الصِّحَّةَ؛ كَالْحَالِفِ "لا يَبِيعُ الْخَمْرَ" أَوِ "الْحُرَّ"، حَنِثَ بِصُورَةِ الْعَقْدِ. وَإِنْ حَلَفَ "لا يَصُومُ"، أَوْ "لا يُصَلِّي"، حَنِثَ بِالشُّرُوعِ الصَّحِيحِ. وَإِنْ حَلَفَ "لا يَهَبُ لِفُلَانٍ"، أَوْ "لا يُهْدِي لِفُلَانٍ"، أَوْ "لا يُوصِي لَهُ"، أَوْ "لا يَتَصَدَّقُ عَلَيْهِ"، فَفَعَلَ، وَلَمْ يَقْبَلْ فُلَانٌ -حَنِثَ. وَإِنْ حَلَفَ "لا يَهَبُهُ"، فتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، أَوْ وَقَفَ، أَوْ باعَهُ وَحاباهُ -حَنِثَ. وَإِنْ أَعَارَهُ، أَوْ أَوْصَى لَهُ، لَمْ يَحْنَثْ.

стр. 501

فَصْلٌ والثَّانِي: حَقِيقِيٌّ . فَمَنْ حَلَفَ "لَا يَأْكُلُ اللَّحْمَ"، فَأَكَلَ شَحْمًا، أَوْ مُخًّا، أَوْ كَبِدًا، أَوْ طِحَالًا، أَوْ قَلْبًا، أَوْ كَرِشًا، أَوْ مُصرانًا، أَوْ أَلْيَةً، أَوْ دِمَاغًا، أَوْ قَانِسَةً، أَوْ مَرَقَ اللَّحْمِ -لَمْ يَحْنَثْ. وَإِنْ حَلَفَ "لَا يَأْكُلُ الشَّحْمَ"، فَأَكَلَ بَيَاضَ اللَّحْمِ -كَسَمِينِ الظَّهْرِ- حَنِثَ. وَإِنْ أَكَلَ اللَّحْمَ الأَحْمَرَ، لَمْ يَحْنَثْ. وَإِنْ حَلَفَ "لا يَأْكُلُ لَبَنًا"، فَأَكَلَ زُبْدًا، أَوْ سَمْنًا، أَوْ كَشْكًا (١)، أَوْ أَقِطًا (٢)، أَوْ جُبْنًا، ، أَوْ حَلَفَ عَلَى الزُّبْدِ والسَّمْنِ، فَأَكَلَ لَبَنًا"، [أَوْ عَلَى التَّمْرِ، فَأَكَلَ رُطَبًا، أَوْ دِبْسًا، أَوْ ناطِفًا] (٣) -لَمْ يَحْنَثْ. وَإِنْ حَلَفَ عَلَى الْفَاكِهَةِ، فَأَكَلَ ثَمَرَ النَّخْلِ، أَوِ الْكَرمِ، أَوْ سَائِرِ الشَّجَرِ، رَطْبًا أَوْ يابِسًا، أَوِ الْبِطِّيخَ -حَنِثَ. وَلا يَحْنَثُ بِالْقِثَّاءِ، والْخِيارِ، وَسائِرِ الْخُضَرِ. وَإِنْ حَلَفَ "لا يَأْكُلُ رُطَبًا"، فَأَكَلَ مُذَنِّبًا (٤)، حَنِثَ. وَإِنْ

стр. 502

أَكَلَ تَمْرًا، أَوْ بُسْرًا (١) "، أَوْ حَلَفَ "لَا يَأْكُلُ تَمْرًا"، فَأَكَلَ رُطَبًا، أَوْ دِبْسًا، أَوْ نَاطِفًا (٢) -لَمْ يَحْنَثْ. وَإِنْ حَلَفَ "لا يَأْكُلُ أُدْمًا"، حَنِثَ بأَكْلِ الْبَيْضِ، والشَّوِيِّ (٣)، والْجُبْنِ، والتَّمْرِ، والْمِلْحِ، والزَّيْتُونِ؛ كَمَا يَحْنَثُ بِكُلِّ ما يُصطَبَغُ (٤) بِهِ. وَإِنْ حَلَفَ "لا يَلْبَسُ شَيْئًا"، فَلَبِسَ ثَوْبًا، أَوْ دِرعًا، أَوْ جَوْشَنًا (٥)، أَوْ نعلًا -حَنِثَ. وَإِنْ حَلَفَ "لا يَلْبَسُ حَلْيًا"، فَلَبِسَ حَلْيَ ذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ، أَوْ جَوْهَرٍ -حَنِثَ، لا بِعَقِيقٍ، وَسَبَجٍ (٦)، وَدَراهِمَ، وَدَنَانِيرَ فِي مُرسَلَةٍ (٧). وَإِنْ حَلَفَ "لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ"، أَوْ "لا يَرْكَبُ دَابَّتَهُ"، أَوْ "لَا يَلْبَسُ ثَوْبَهُ"، ثُمَّ فَعَلَهُ فِيما اسْتَأْجَرَهُ فُلَان، أَوْ آجَرَهُ، أَوْ جَعَلَهُ لِعَبْدِهِ -حَنِثَ. وَإِنْ كانَ فِيما اسْتَعارَهُ فُلَانٌ، لَمْ يَحْنَثْ. وَإِنْ حَلَفَ "لا يَرْكَبُ دابَّةَ عَبْدٍ فُلَانٍ"، فَرَكِبَ دابَّةً جُعِلَتْ بِرَسْمِهِ، حَنِثَ.

стр. 503

وَإِنْ حَلَفَ "لَا يَدْخُلُ دارًا"، فَدَخَلَ سَطْحَهَا، حَنِثَ. وَإِنْ دَخَلَ طَاقَ الْبابِ، بِحَيْثُ إِذا أُغْلِقَ (١) كانَ خارِجًا، لَمْ يَحْنَثْ. وَإِذَا حَلَفَ "لَا يُكَلِّمُ إِنْسَانًا"، حَنِثَ بِكَلَامِ كُلِّ إِنْسَانٍ. وَإِذَا قَالَ: "تَنَحَّ"، أَوِ "اسْكُتْ"، حَنِثَ. وَإِنْ حَلَفَ "لَا كَلَّمْتُ فُلَانًا حَتَّى يُكَلِّمَنِي"، أَوْ "حَتَّى يَبْدَأَنِي بِالْكَلَامِ"، فَتَكَلَّما مَعًا -حَنِثَ. وَإِنْ حَلَفَ "لَا بَدَأْتُهُ بِالْكَلَامِ"، فتكَلَّما مَعًا، لَمْ يَحْنَثْ. وَإِنْ حَلَفَ "لَا يُكَلمُهُ حِينًا"، أَوْ "عُمُرًا"، وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا -فَسِتَّةُ أَشْهُرٍ. وَإِنْ قَالَ: "زَمَنًا"، أَوْ "دَهْرًا"، أَوْ "بَعِيدًا"، أَوْ "مَلِيًّا" -رُجِعَ إِلَى أَقَلِّ ما يَتَناوَلُهُ اللَّفْظُ. أَوِ "الأَبَدَ"، وَ"الدَّهْرَ": فالزَّمَانُ كُلُّهُ. وَ"الْحُقْبُ": ثَمَانُونَ سَنَةً. وَ"الشُّهُورُ": اثْنا عَشَرَ شَهْرًا. وَ"الأَيَّامُ": ثَلَاثَةٌ. وَ"إِلَى الْحَصَادِ"، فَهُوَ إِلَى أَوَّلِ مُدَّتِهِ. وَإِنْ حَلَفَ "لَا يَدْخُلُ بابَ هَذِهِ الدَّارِ"، فَحُوِّلَ وَدَخَلَ، حَنِثَ. وَإِنْ حَلَفَ "لَا مالَ لَهُ"، وَلَهُ مالٌ غَيْرُ زكَوِيّ، أَوْ دَيْنٌ عَلَى إِنْسَانٍ -حَنِثَ. وَإِنْ حَلَفَ "لَا يَفْعَلُ شَيْئًا"، فَوَكَّلَ مَنْ فَعَلَهُ، حَنِثَ، إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ مُباشَرَتَهُ بِنَفْسِهِ. فَصْلٌ والثَّالِثُ: عُرفيٌّ ، اشْتَهَرَ مَجَازُهُ فَغَلَبَ عَلَى الْحَقِيقَةِ؛ كـ "الرَّاوِيَةِ"،

стр. 504

وَ"الْغائِطِ" (١)، وَنَحْوِهِما؛ فَيتعَلَّقُ الْيَمِينُ بِالْعُرْفِ. فَإِذَا حَلَفَ عَلَى وَطْءِ امْرَأَتِهِ، أَوْ عَلَى وَطْءِ دارِ -تَعَلَّقَتْ يَمِينُهُ بِجِمَاعِهَا، وَبِدُخُولِ الدَّارِ، راكِبًا أَوْ مُنْتَعِلًا، أَوْ ضِدَّهُما. وَإِنْ حَلَفَ "لَا يَتَسَرَّى"، فَوَطِئَ أَمَةً لَهُ مَوْجُودَةً، أَوِ اشْتَراها ثُمَّ وَطِئَهَا، عَزَلَ أَوْ لَمْ يَعْزِلْ -حَنِثَ. وَإِنْ حَلَفَ "لَا يَشَمُّ الرَّيْحَانَ"، فَشَمَ وَرْدًا أَوْ بَنَفْسَجًا أَوْ يَاسَمِينَ، ، أَوْ "لَا يَشَمُّ وَرْدًا"، أَوْ "بَنَفْسَجًا"، فَشَمَّ دُهْنَهُما، أَوْ ماءَ الْوَردِ -لَمْ يَحْنَثْ. وَإِنْ حَلَفَ "لَا يَأْكُلُ لَحْمًا"، فَأَكَلَ سَمَكًا، حَنِثَ. وَإِنْ حَلَفَ "لَا يَأْكُلُ رَأْسًا، وَلا بَيْضًا"، حَنِثَ بأَكْلِ رُؤُوسِ الطَّيْرِ والسَّمَكِ، وَبَيْضِ السَّمَكِ والْجَرادِ. وَإِنْ حَلَفَ "لَا يَدْخُلُ بَيْتًا"، فَدَخَلَ مَسْجِدًا، أَوْ حَمامًا، أَوْ بَيْتَ شَعَرٍ، أَوْ أَدَمِ (٢)، أَوْ "لَا يَرْكَبُ"، فَرَكِبَ سَفِينَةً -حَنِثَ. وَإِنْ حَلَفَ "لَا يَتكَلَّمُ"، فَقَرَأَ، أَوْ سَبَّحَ، أَوْ ذَكَرَ اللَّهَ، أَوْ دُقَّ بَابُهُ فَقالَ: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ (٣) يَقْصِدُ التَّنْبِيهَ بِالْقُرْآنِ -لَمْ يَحْنَثْ. وَإِنْ حَلَفَ "لَا يَضْرِبُ امْرَأتهُ"، فَعَضَّها، أَوْ نَتَفَ شَعَرَهَا، أَوْ خَنَقَها -حَنِثَ.

стр. 505

وَإِنْ حَلَفَ "لَيَضْرِبَنَّهُ مِائَةَ سَوْطِ"، فَجَمَعَها فَضَرَبَهُ بِها ضَربَةَ واحِدَةً - لَمْ يَبَرَّ. وَإِنْ حَلَفَ لِلِصٍّ "لَا يُخْبِرُ بِهِ، وَلا يَغْمِزُ عَلَيْهِ"، فَسُئِلَ عَنْ قَوْمٍ هُوَ مِنْهُمْ، فَبَرَّأَهُمْ وَسكَتَ عَنْهُ؛ يُرِيدُ التَّنْبِيهَ عَلَيْهِ -حَنِثَ، إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ حَقِيقَةَ النُّطْقِ أَوِ الْغَمْزِ. فَصْلٌ وَإِنْ حَلَفَ "لَا يَأْكُلُ شَيْئًا"، فَأَكَلَهُ مُسْتَهْلَكًا فِي غَيْرِهِ؛ كَمَنْ حَلَفَ "لَا يَأْكُلُ سَمْنًا (١) "، فَأَكَلَ خَبِيصًا (٢) لا يَظْهَرُ فِيهِ طَعْمُهُ"، أَوْ "لَا يَأْكُلُ بَيْضًا"، فَأَكَلَ ناطِفًا"، أَوْ "لَا يَأْكُلُ شَعِيرًا"، فَأَكَلَ حِنْطَةً فِيها حَباتُ شَعِيرٍ -لَمْ يَحْنَثْ. وَإِنْ ظَهَرَ طَعْمُ شَيْءٍ مِنَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، حَنِثَ. وَإِنْ حَلَفَ "لَا يَأْكُلُ سَوِيقًا"، أَوْ "هَذَا السَّوِيقَ"، فَشَرِبَهُ، أَوْ "لَا يَشْرَبُهُ"، فأَكَلَهُ -حَنِثَ فِي الْمُعَيَّنِ دُونَ الْمُطْلَقِ. وَإِنْ حَلَفَ "لَا يَطْعَمُهُ"، حَنِثَ بأَكْلِهِ، وَشُرْبِهِ، دُونَ مُجَرَّدِ ذَوْقِهِ. وَإِنْ حَلَفَ "لَا يَأْكُلُ مَائِعًا"، فَأَكَلَهُ بِالْخُبْزِ، حَنِثَ. وَإِنْ حَلَفَ "لَا يَتَزَوَّجُ"، وَ"لَا يَتَطَهَّرُ"، وَ"لَا يَتَطَيَّبُ"، وَهُوَ كَذَلِكَ، فاسْتَدامَهُ -لَمْ يَحْنَثْ، بَلْ فِي الرُّكُوبِ واللُّبْسِ. وَإِنْ حَلَفَ "لَا يَدْخُلُ دَارًا" -هُوَ داخِلُها- فَأَقَامَ فِيهِا، حَنِثَ. وَإِنْ حَلَفَ "لَا يدخلُ عَلَى

стр. 506

فُلَانٍ"، فَدَخَلَ فُلَانٌ عَلَيْهِ، وَأَقامَ مَعَهُ -حَنِثَ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ (١) نِيَّةٌ. وَإِنْ حَلَفَ "لَا يَسْكُنُ دارًا" هُوَ سَاكِنُها، أَوْ "لَا يُسَاكِنُ فُلَانًا" وَهُوَ مُسَاكِنُهُ؛ فَاسْتَدامَ ذَلِكَ -حَنِثَ. فَإِنْ أَقامَ الْحَالِفُ لِنَقْلِ مَتَاعِهِ، أَوْ لِخَوْفٍ عَلَى نَفْسِهِ، وَنَحْوِهِ، حَتَّى أَمْكَنَهُ -لَمْ يَحْنَثْ. وَإِنْ خَرَجَ دُونَ مَتَاعِهِ وَأَهْلِهِ، حَنِثَ، إِلَّا أَنْ يُودِعَ مَتَاعَهُ، أَوْ يُعِيرَهُ، أَوْ يَزُولَ مِلْكُهُ عَنْهُ، أَوْ تَأْبَى امْرَأَتُهُ الْخُرُوجَ، وَلا يُمْكِنُهُ إِجْبَارُها؛ فَلا يَحْنَثُ إِذَا خَرَجَ وَحْدَهُ. وَإِنْ تَشَاغَلَ هُوَ وَفُلَانٌ بِبِنَاءِ حَاجِزٍ بَيْنَهُمَا، وَهُمَا مُتَسَاكِنَانِ، حَنِثَ. وَإِنْ كَانَ فِي الدَّارِ حُجْرَتانِ تَخْتَصُّ كُلُّ حُجْرَةٍ بِبابٍ وَمَرافِقَ، فَسَكَنَ كُلُّ وَاحِدٍ فِي حُجْرَةٍ -لَمْ يَحْنَثْ. وَإِنْ حَلَفَ "لَا يَسْكُنُ هَذا البَلَدَ"، فَخَرَجَ دُونَ أَهْلِهِ وَمَتَاعِهِ، حَنِثَ. وَإِنْ حَلَفَ "لَيَخْرُجَنَّ مِنْ هَذِهِ البَلْدَةِ"، فَخَرَجَ وحَدَهُ دُونَ أَهْلِهِ، بَرَّ. وَإِنْ حَلَفَ "لَيَخْرُجَنَّ مِنَ الدَّارِ"، فَخَرَجَ دُونَ أَهْلِهِ -لَمْ يَبَرَّ. وَإِنْ حَلَفَ "لَيَخْرُجَنَّ مِنْ هَذِهِ الْمَدِينَةِ"، أَوْ "لَيَرحَلَنَّ عَنْ هَذِهِ الدَّارِ"، فَفَعَلَ -فَلَهُ الْعَوْدُ، مَا لَمْ تكنْ لَهُ نِيَّةٌ. فَصْلٌ وَإِنْ حَلَفَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا؛ كَكَلَامِ زَيْدٍ، وَدُخُولِ دَارٍ، وَنَحْوِهِ،

стр. 507

فَفَعَلَهُ مُكْرَهًا، أَوْ أُدْخِلَ الدَّارَ مَحْمُولًا، وَلَمْ يَقْدِر أَنْ يَمْتَنِعَ -لَمْ يَحْنَثْ. وَإِنْ حَلَفَ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ غَيْرِهِ مِمَّنْ يَقْصِدُ مَنْعَهُ -كَالزَّوْجَةِ، والْوَلَدِ- أَلَّا يَفْعَلَ شَيْئًا، فَفَعَلَهُ ناسِيًا أَوْ جاهِلًا-: حَنِثَ فِي الطَّلَاقِ، والْعَتَاقِ، دُونَ غَيْرِهِما. وَإِنْ كانَ عَلَى سُلْطَانٍ، اسْتَوَى الْعَمْدُ والسَّهْوُ والإِكْراهُ وَغَيْرُهُ. وَإِنْ فَعَلَ هُوَ، أَوْ مَنْ قَصَدَ مَنْعَهُ، بَعْضَ ما حَلَفَ عَلَى كُلِّهِ -لَمْ يَحْنَثْ، مَا لَمْ تكُنْ لَهُ نِيَّةٌ. وَلَوْ حَلَفَ "لَيَضْرِبَنَّ هَذا الْغُلَامَ الْيَوْمَ"، أَوْ: "لَيَأْكُلَنَّ هَذَا الرَّغِيفَ"، فَمَاتَ الْغُلَامُ، أَوْ تَلِفَ الرَّغِيفُ فِيهِ -حَنِثَ عَقِيبَ تَلَفِهِمَا. وَإِنْ ماتَ الْحَالِفُ فِيهِ، حَنِثَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ. فَإنْ حَلَفَ "لَيَفْعَلَنَّ ذَلِكَ غَدًا"، فتَلِفَا قَبْلَ الْغَدِ، حَنِثَ فِي الْحَالِ. وَإِنْ مَاتَ الْحَالِفُ قَبْلَ الْغَدِ، لَمْ يَحْنَثْ. وَإِنْ حَلَفَ "لَيَفْعَلَنَّ ذَلِكَ"، وَوَقَّتَ، أَوْ أَطْلَقَ، فَماتَ الْحَالِفُ، أَوْ تَلِفَتِ الْعَيْنُ، قَبْلَ أَنْ يَمْضِيَ وَقْتٌ يُمْكِنُ فِعْلُهُ فِيهِ -حَنِثَ. وَإِنْ حَلَفَ "لَيَقْضِيَنَهُ حَقَّهُ فِي غَدٍ"، فَقَبْلَ مَجِيئِهِ أَبْرَأَهُ مِنْهُ، أَوْ قَبْلَ مُضِيِّهِ أَخَذَ مِنْهُ عِوَضًا، أَوْ مَاتَ رَبُّهُ، فَقَضاهُ لِوَرَثَتِهِ -لَمْ يَحْنَثْ. وَإِنْ حَلَفَ "لَا فارَقْتُكَ حَتَّى أَسْتَوْفيَ حَقِّي مِنْكَ"، فَهَرَبَ مِنْهُ، وَأَمْكَنَهُ مُتابَعَتُهُ وَإِمْسَاكُهُ، وَلَمْ يَفْعَلْ -حَنِثَ. وَإِنْ أَلْزَمَهُ الْحاكِمُ بِفِراقِهِ لإِفْلَاسِهِ، لَمْ يَحْنَثْ. وَكَذا "لَا افْتَرَقْنا". وَقَدْرُهُ كالْفُرْقَةِ فِي الْبَيْعِ. * * *

стр. 508

بَابُ النَّذْرِ وَهُوَ أَنْ يُلْزِمَ نَفْسَهُ للَّه تَعالَى شَيْئًا، بِالْقَوْلِ، لا بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ. وَلَا يَصِحُّ إِلَّا مِنْ مُكَلَّفٍ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا. وَلا يَصِحُّ (١) فِي مُحَالٍ، وَلا واجِبٍ؛ فَلَوْ قَالَ: "للَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ أَمْسِ"، أَوْ "صَوْمُ رَمَضَانَ"، لَمْ يَنْعَقِدْ. والصَّحِيحُ عَلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ: الْمُطْلَقُ: مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: "للَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ"، وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا؛ فَيَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ. الثَّانِي: نَذْرُ اللَّجَاجِ والْغَضَبِ ؛ وَهُوَ تَعْلِيقُ نَذْرِهِ بِشَرْطٍ يَقْصِدُ الْمَنْعَ مِنْهُ، أَوِ الْحَمْلَ أَوِ التَّصْدِيقَ عَلَيْهِ؛ كَقَوْلهِ: "إِنْ كَلَّمْتُ زَيْدًا فَعَلَيَّ الْحَجُّ"، وَ"إِنْ لَمْ أَكُنْ صَادِقًا فَعَلَيَّ صَوْمُ كَذَا"، وَ"إِنْ لَمْ أَضْرِبْ عَمْرًا فَمَالِي صَدَقَةٌ"، وَنَحْوِهِ. فَإِذا وُجِدَ الشَّرْطُ لَمْ يَتَعَيَّنِ الْوَفَاءُ بِهِ، بَلْ يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ. الثَّالِثُ: نَذْرُ المُبَاحِ ؛ كَلُبْسِ ثَوْبِهِ وَرُكُوبِ دَابَّتِهِ؛ فَحُكْمُهُ كَالثَّانِي. وَإِنْ نَذَرَ مَكْرُوهًا -مِنْ طَلَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ- اسْتُحِبَّ أَنْ يُكَفِّرَ وَلا يَفْعَلَهُ.

стр. 509

فَصْلٌ الرَّابِعُ: نَذْرُ الْمَعْصِيَةِ ؛ كَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَصَوْمِ يَوْمِ الْحَيْضِ، والنَّحْرِ؛ فَلا يَجُوزُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَيُكَفِّرُ. وَإِنْ نَذَرَ نَحْرَ وَلَدِهِ، لَزِمَهُ ذَبْحُ شاةٍ، وَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةَ فثَلَاثَةٌ. الْخَامِسُ: نَذْرُ التَّبَرُّرِ ؛ مُطْلَقًا، أَوْ مُعَلَّقًا؛ كَفِعْلِ الصَّلَاةِ، والصِّيَامِ، والاِعْتِكَافِ، والْحَجِّ، وَنَحْوِهِ؛ كَقَوْلهِ: "إِنْ شَفَى اللَّه مَرِيضِي -أَوْ سَلَّمَ اللَّهُ مالِيَ الْغائِبَ- فَلِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا"، فَوُجِدَ الشَّرْطُ، لَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِهِ. إِلَّا إِذَا نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِمالِهِ كُلِّهِ، أَوْ بِمُسَمَّى مِنْهُ يَزِيدُ عَلَى ثُلُثِ الْكُلِّ؛ فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ قَدْرُ الثُّلُثِ، وَفِيما عَداهُما يَلْزَمُهُ الْمُسَمَّى. فَإِنْ قَالَ: "إِنْ كَلَّمْتُ زَيْدًا فَعَبْدِي أَوْ عَبِيدِي أَحْرارٌ"، فَكَلمَهُ، عَتَقُوا. فَصْلٌ وَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ سَنَةٍ بِعَيْنِهَا، لَمْ يَدْخُلْ فِي نَذْرِهِ رَمَضَانُ، وَيَوْمَا الْعِيدَيْنِ، وَلا يَوْمٌ لا يُجْزِئُ صَوْمُهُ عَنْ فَرْضٍ. وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ خَمِيسٍ مُعَيَّنٍ، فَوَافَقَ عِيدًا، أَوْ حَيْضًا -أَفْطَرَ، وَقَضَى، وَكَفَّرَ. وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ يَقْدَمُ فُلَانٌ، فَقَدِمَ نَهارًا، فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ (١). وَإِنْ كانَ مُمْسِكًا فَنَوَى، أَوْ

стр. 510

بَيَّتَ الصَّوْمَ بِخَبَرٍ سَمِعَهُ -صَحَّ صَوْمُهُ وَأَجْزَأَهُ. وَإِنْ وافَقَ قُدُومُهُ فِي رَمَضانَ، والْحَالِفُ قَدْ جُنَّ (١) -لَمْ يَقْضِ وَلَمْ يُكَفِّرْ. وَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ مُعَينٍ، لَزِمَهُ التَّتَابُعُ. وَإِنْ نَذَرَ أَيَّامًا مَعْدُودَةً، لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا بِشَرْطٍ أَوْ نِيَّةٍ. وَمَتَى قَطَعَ تَتَابُعَ الْمُطْلَقِ بغَيْرِ عُذْرٍ اسْتَأْنَفَ، وَلِعُذْرٍ يَسْتَأْنِفُ مُتَتَابِعًا بِلا كَفَّارَةِ، أَوْ يَبْنِي وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ (٢) يَمِينٍ. وَإِنْ عَيَّنَ شَهْرًا وَلَمْ يَصُمْهُ، قَضَى وَكَفَّرَ، وَإِنْ صَامَ قَبْلَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ، وَإِنْ عَيَّنَهُ مِنْ وَقْتِهِ فَهُوَ مُعَيَّنُ الطَّرَفَيْنِ. وَمَنْ نَذَرَ صَوْمًا، فَتَرَكَهُ لِكِبَرٍ، أَوْ مَرَضٍ لا يُرْجَى زَوَالُهُ -كَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ. فَصْلٌ وَمَنْ نَذَرَ صَوْمًا لَزِمَهُ يَوْمٌ. وَإِنْ نَذَرَ صَلَاةَ، لَمْ يُجْزِئْهُ دُونَ رَكْعَتَيْنِ. وَإِنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ، أَوْ مَوْضِعٍ مِنَ الْحَرَمِ، لَزِمَهُ أَنْ يَمْشِيَ فِي حَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةِ. فَإِنْ تَرَكَ الْمَشْيَ، لَزِمَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَكَذَا إِنْ نَذَرَ أَنْ يَرْكَبَ، فَمَشَى. أَوْ نَذَرَ رَقَبَةَ، فَهِيَ الَّتِي تُجْزِىُ عَنِ الْوَاجِبِ، إِلَّا أَنْ يُعَيِّنَهَا. وَإِنْ نَذَرَ الطَّوَافَ عَلَى أَرْبَعٍ، طَافَ طَوَافَيْنِ. * * *

стр. 511

كِتَابُ الْقَضَاءِ وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ. فَيَلْزَمُ الإِمَامَ أَنْ يُرَتبَ فِي كُلِّ إِقْلِيِمٍ قاضِيًا. وَيَخْتارَ أَفْضَلَ مَنْ يَجِدُهُ عِلْمًا وَوَرَعًا، وَيَأْمُرَهُ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَبأَنْ يَتَحَرَّى الْعَدْلَ، وَيَجْتَهِدَ (١) فِي إِقَامَتِهِ، وَأَنْ يَسْتَخْلِفَ فِي كُلِّ صُقْعٍ (٢) أَصْلَحَ مَنْ يَجِدُ لَهُمْ. وَيَلْزَمُ مَنْ يَصْلُحُ لَهُ، إِذَا دُعِيَ إِلَيْهِ -وَلَمْ يُوجَدْ مَنْ يُوثَقُ بِهِ غَيْرُهُ- أَنْ يُجِيبَ إِلَيْهِ. فَإِنْ وُجِدَ غَيْرُهُ، كُرِهَ لَهُ طَلَبُهُ. وَإِنْ دُعِيَ إِلَيْهِ فالأَفْضَلُ أَلَّا يُجِيبَ، وَإِنْ أَمِنَ نَفْسَهُ. فَصْلٌ وَلَا تَثْبُتُ وِلَايَةُ الْقَضَاءِ إِلَّا بِتَوْليَةِ الإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَعْرِفَ الْمُوَلِّي كَوْنَ الْمُوَلَى صَالِحًا لِلْقَضَاءِ، وَتَعْيِينُ ما يُوَليهِ الْحُكْمَ فِيهِ مِنَ الأَعْمالِ والْبُلْدَانِ، وَمُشَافَهَتُهُ بِالْوِلَايَةِ فِي الْمَجْلِسِ، أَوْ مُكاتَبَتُهُ بِهَا فِي الْبُعْدِ، وَإِشْهَادُ عَدْلَيْنِ عَلَى وِلَايَتِهِ، أَوِ الاِسْتِفاضَةُ فِي بَلَدٍ قَرِيبٍ. وَإِذَا كَانَ الْمُوَلِّي نَائِبَ الإِمَامِ، لَمْ تُشْتَرَطْ عَدَالتُهُ.

стр. 512

وَأَلْفَاظُ التَّوْليَةِ الصَّرِيحَةُ: "وَلَّيْتُكَ الْحُكْمَ"، وَ"قَلَّدْتُكَ"، وَ"اسْتَنَبْتُكَ"، وَ"اسْتَخْلَفْتُكَ"، وَ"رَدَدْتُ إِلَيْكَ -وَفَوَّضْتُ إِلَيْكَ، وَجَعَلْتُ إِلَيْكَ- الْحُكْمَ". فَإِذا وُجِدَ لَفْظٌ مِنْهُا والْقَبُولُ (١) مِنَ الْمُوَلَّى، انْعَقَدَتِ الْوِلَايَةُ. والْكِنَايَةُ نَحْوُ: "اعْتَمَدتُ -أَوْ عَوَّلْتُ- عَلَيْكَ"، وَ"وَكَلْتُ -أوْ أَسْنَدْتُ- إِلَيْكَ". وَلا يَنْعَقِدُ بِها إِلَّا بِقَرِينَةٍ؛ نَحوِ: "فَاحْكُمْ"، أَوْ: "فتَولَّ (٢) مَا عَوَّلْتُ عَلَيْكَ فِيهِ"، وَنَحْوِهِ. فَصْلٌ وَتُفِيدُ وِلَايَةُ الْحُكْمِ الْعَامَّةُ أَحَدَ عَشَرَ شَيْئًا: الْفَصْلَ بَيْنَ الْخُصُومِ، وَأَخْذَ الْحَقِّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ، والنَّظَرَ فِي أَمْوالِ غَيْرِ الْمُرْشِدِينَ، والْحَجْرَ عَلَى مَنْ يَسْتَوْجِبُهُ بِسَفَهٍ أَوْ فَلَسٍ، والنَّظَرَ فِي وُقُوفِ عَمَلِهِ لِيَعْمَلَ بِشَرْطِهَا، وَتَنْفِيذَ الْوَصَايَا، وَتَزْوِيجَ مَنْ لا وَفِيَ لَها غَيْرُهُ، وَإِقَامَةَ الْحُدُودِ، وَإِمَامَةَ الْجُمُعَةِ والْعِيدِ، والنَّظَرَ فِي مَصَالِحِ عَمَلِهِ بِكَفِّ الأَذَى عَنِ الطُّرُقاتِ وَأَفْنِيَتِها، وَتَصَفُّحَ حالِ شُهُودِهِ وَأُمَنَائِهِ؛ لِيَسْتَبْقِيَ (٣) أَوْ يَسْتَبْدِلَ مَنْ (٤) يَصْلُحُ.

стр. 513

وَيَجْبِي الْخَرَاجَ، وَيَأْخُذُ الصَّدَقَةَ، إِذَا لَمْ يُخَصَّا (١) بِنَاظِرٍ. وَلَهُ طَلَبُ الرِّزْقِ مِنْ بَيْتِ المالِ، لِنَفْسِهِ، وَأُمَنَائِهِ، وَخُلَفَائِهِ، مَعَ الْحَاجَةِ وَعَدَمِهَا. فَصْلٌ وَيَصِحُّ تَعْلِيقُ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ وَالإِمَارَةِ بِالشَّرْطِ. وَيَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَهُ عُمُومَ النَّظَرِ فِي عُمُومٍ الْعَمَلِ، وَأَنْ يُوَليَهُ خاصًّا فِيهِمَا أَوْ فِي أَحَدِهِمَا؛ فَيُوَليْهُ عُمُومَ النَّظَرِ -أوْ خَاصَّهُ- فِي مَحَلَّةٍ خَاصَّةٍ؛ فَيَنْفُذُ حُكْمُهُ فِي أَهْلِهَا وَمَنْ طَرَأَ عَلَيْهَا. أَوْ يَجْعَلَ حُكْمَهُ فِي الْمُدَايَنَاتِ خَاصَّةَ، أَوْ فِي قَدْرِ مِنَ الْمَالِ لا يَتَجَاوَزُهُ، أَوْ يُفَوِّضَ إِلَيْهِ عُقُودَ الأَنْكِحَةِ دُونَ غَيْرِها. وَيَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَ قَاضِيَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ فِي بَلَدٍ واحِدٍ؛ يَجْعَلُ إِلَى أَحَدِهِمَا الْحُكْمَ بَيْنَ النَّاسِ، وَإِلَى الآخَرِ عُقُودَ الأَنْكِحَةِ. فَإِنْ جَعَلَ إِلَيْهِما عَمَلًا وَاحِدًا، جَازَ. فَإِنْ ماتَ الْمُوَلِّي، لَمْ يَنْعَزِلِ الْمُوَلَّى. وَإِنْ عَزَلَهُ مَعَ صَلَاحِيَتِهِ، انْعَزَلَ. وَيَنْعَزِلُ قَبْلَ عِلْمِهِ؛ كالْوَكِيلِ. وَإِذا قَالَ الْمُوَلَّي: "مَنْ نَظَرَ فِي الْحُكْمِ فِي الْبَلَدِ الْفُلَانِيِّ، مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ، فَهُوَ خَلِيفَتِي"، أَوْ: "قَدْ وَلَّيْتُهُ" -لَمْ تَنْعَقِدِ الْوِلَايَةُ لِمَنْ يَنْظُرُ.

стр. 514

وَإِنْ قَالَ: "وَلَيْتُ فُلَانًا وَفُلَانًا، فَمَنْ نَظَرَ مِنْهُمْا فَهُوَ خَلِيفَتِي"، انْعَقَدَتِ الْوِلَايَةُ لَهُ. فَصْلٌ وَيُشْتَرَطُ فِي الْقَاضِي عَشْرُ صِفَاتٍ: كَوْنُهُ بالِغًا، عاقِلًا، ذَكَرًا، حُرًّا، مُسْلِمًا، عَدْلًا، سَمِيعًا، بَصِيرًا، مُتَكَلِّمًا، مُجْتَهِدًا. وَما فُقِدَ مِنْهَا فِي الدَّوامِ أَزَالَ الْوِلَايَةَ، إِلَّا فَقْدَ السَّمْعِ والْبَصَرِ فِيما يَثْبُتُ عِنْدَهُ وَلَمْ يَحكُمْ بِهِ؛ فَإِنَّ وِلَايَةَ حُكْمِهِ باقِيَةٌ فِيهِ (١). والْمُجْتَهِدُ: مَنْ يَعْرِفُ مِنَ الْكِتَابِ والسُّنَةِ: الْحَقِيقَةَ والْمَجازَ، والأَمْرَ والنَّهْيَ، والْمُجْمَلَ والْمُبيَّنَ، والْمُحْكَمَ والْمُتَشَابِهَ، والْعَامَّ والْخَاصَّ، والْمُطْلَقَ والْمُقَيَّدَ، والنَّاسِخَ والْمَنْسُوخَ، والْمُسْتَثْنَى والْمُسْتَثْنَى مِنْهُ. وَيَعْرِفُ أَخْبارَ السُّنَّةِ: صَحِيحَها وَسَقِيمَهَا، وَتَوَاتُرَهَا وَآحَادَهَا، وَمُرسَلَهَا وَمُتَّصِلَهَا، وَمُسْنَدَهَا وَمُنْقَطِعَهَا؛ مِمَّا لَهُ تَعَلُّقٌ بِالأَحْكَامِ خاصَّةً. وَيَعْرِفُ ما اجْتُمِعَ عَلَيْهِ واخْتُلِفَ فِيهِ، والْقِياسَ وَحُدُودَهُ وَشُرُوطَهُ وَكَيْفِيَّةَ اسْتِنْباطِهِ، والْعَرَبِيَّةَ الْمُتَدَاوَلَةَ بِالْحِجَازِ والشَّامِ والْعِراقِ وَما يُوالِيهِمْ. وَكُلُّ ذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَفُرُوعِهِ. فَمَنْ وَقَفَ عَلَى أَكْثَرِ ذَلِكَ وَفَهِمَهُ، صَلَحَ لِلْقَضَاءِ والْفُتْيَا.

стр. 515

وَإِذا حَكَمَ اثْنَانِ بَيْنَهُمَا، فِي الْمَالِ، والنِّكَاحِ، واللِّعَانِ، والْقِصَاصِ، وَحَدِّ الْقَذْفِ: رَجُلًا يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ، فَحَكَمَ -نَفَذَ حُكْمُهُ. * * *

стр. 516

بَابُ أَدَبِ الْقَاضِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَوِيًّا مِنْ غَيْرِ عُنْفٍ، لَينًا مِنْ غَيْرِ ضَعْفٍ، حَلِيمًا، ذَا أَنَاةٍ وَفِطْنَةٍ، بَصِيرًا بِأَحْكَامِ الْحُكَّامِ قَبْلَهُ. وَإِذا وَلِيَ فِي غَيْرِ بَلَدِهِ، سَأَلَ عَنْ عُلَمَائِهِ وَعُدُولِهِ، وَيُنْفِذُ عِنْدَ مَسِيرِهِ مَنْ يُعْلِمُهُمْ بِيَوْمِ دُخُولهِ لِيَتَلَقَّوْهُ. وَيَدْخُلُ الْبَلَدَ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ أَوِ الْخَمِيسِ أَوِ السَّبْتِ، لَابِسًا أَجْمَلَ مَلْبُوسِهِ، وَيَأْتِي الْجَامِعَ فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، وَيَجْلِسُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، فَإِذا اجْتَمَعَ النَّاسُ أَمَرَ (١) بِعَهْدِهِ فَيُقْرَأُ عَلَيْهِمْ، وَيَأْمُرُ مَنْ يُنادِي بِيَوْمِ جُلُوسِهِ لِلْحُكْمِ، ثُمَّ يَمْضِي إِلَى مَنْزِلهِ. ثُمَّ يَنْفُذُ فَيَتَسَلَّمُ دِيوَانَ الْحُكْمِ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَهُ، ثُمَّ يَخْرُجُ يَوْمَ الْوَعْدِ بِأَعْدَلِ أَحْوالِهِ، غَيْرَ غَضْبَانَ، وَلَا جَائِعٍ، وَلَا شَبْعَانَ، وَلَا حَاقِنٍ، وَلَا مَهْمُومٍ بِأَمْرٍ يَشْغَلُهُ عَنِ الْفَهْمِ، وَيُسَلِّمُ عَلَى مَنْ مَرَّ بِهِ وَإِنْ كَانَ صَبيًّا، وَعَلَى مَنْ فِي مَجْلِسِهِ، وَيُصَلَّي فِيهِ إِنْ كَانَ مَسْجِدًا تَحِيَّتَهُ، وَإِلَّا خُيِّرَ. وَيَجْلِسُ عَلَى بِساطٍ، وَيَسْأَلُ اللَّه تَوْفِيقَهُ لِلْحُكْمِ، وَعِصْمَتَهُ مِنْ زَلَلِ الْقَوْلِ والْعَمَلِ. وَلْيَكُنْ مَجْلِسُهُ فِي وَسَطِ الْبَلَدِ فَسِيحًا؛ كالْجَامِعِ، والدَّارِ الْوَاسِعَةِ، وَلَا يَتَّخِذْ فِيهِ حاجِبًا وَلَا بَوَّابًا. وَإِنِ اتَّخَذَ كاتِبًا فَلْيَكُنْ مُسْلِمًا، عَدْلًا، حَافِظًا، مَجْلِسُهُ بِحَيْثُ يُشاهِدُ ما يَكْتُبُهُ.

стр. 517

وَيُوصِي الْوُكَلَاءَ والأَعْوانَ عَلَى بَابِهِ بِالرِّفْقِ بِالخُصُومِ وَقِلَّةِ الطَّمَعِ، وَيَجْتَهِدُ أَنْ يَكُونُوا شُيُوخًا أَوْ كُهُولًا، مِنْ أَهْلِ الدِّينِ والصِّيَانَةِ. وَيَجْعَلُ الْقِمَطْرَ (١) مَخْتُومًا بَيْنَ يَدَيْهِ. وَيَعْرِضُ الْقِصصَ، وَيُقَدِّمُ الأَوَّلَ فالأَوَّلَ، وَلَا يُقَدِمُهُ فِي أَكْثَرَ مِنْ حُكُومَةٍ وَاحِدَةٍ. وَإِنْ حَضَرُوا دَفْعَةً وَاحِدَةً وَتَشَاحُّوا، قُدَمَ أَحَدُهُمْ بِالقُرْعَةِ، إِلَّا الْمُسَافِرَ المُرْتَحِلَ فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ. وَيَعْدِلُ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فِي لَحْظِهِ، وَلَفْظِهِ، وَمَجْلِسِهِ، وَدُخُولهِمَا عَلَيْهِ. وَيُقَدِّمُ الْمُسْلِمَ عَلَى الْكافِرِ فِي الدُّخُولِ، وَيَرْفَعُهُ عَلَيْهِ فِي الْجُلُوسِ. وَلَا يُسَارِرُ أَحَدَهُمَا، وَلَا يُلَقِّنُهُ حُجَّتَهُ، وَلَا يُضِيفُهُ، وَلَا يُعَلِّمُهُ الدَّعْوَى، وَلَا تَحْرِيرَها. وَما لَزِمَ ذِكْرُهُ فِيها مِنْ شَرْطِ عَقْدٍ أَوْ سَبَبٍ وَنَحْوه، إِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ سَأَلَ عَنْهُ لِيَتَحَرَّزَ (٢). وَلَهُ أَنْ يَزِنَ عَنْهُ، وَيَسْأَلَ خَصْمَهُ أَنْ يُنْظِرَهُ، وَأَنْ يَضَعَ عَنْهُ. فَصْلٌ وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْضِرَ مَجْلِسَهُ فُقَهَاءَ الْمَذاهِبِ، وَيُشَاوِرَهُمْ فِيما يُشْكِلُ عَلَيْهِ، فَإِنِ اتَّضَحَ لَهُ حَكَمَ بِهِ، وَإِلَّا أَخَّرَهُ حَتَّى يَتَّضِحَ.

стр. 518

وَلَا يُقَلدُ غَيْرَهُ وَإِنْ كَانَ أَعْلَمَ مِنْهُ. وَلَا يَقْضِي مَعَ الْهَمِّ، والْوَجَعِ، وَالنُّعَاسِ، والْبَرْدِ الْمُؤْلِمِ، والْحَرِّ الْمُزْعِجِ، وَشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ (١). وَإِنْ خَالَفَ وَحَكَمَ فَوَافَقَ الْحَقَّ، نَفَذَ حُكْمُهُ. وَلَا يَحِل لَهُ أَنْ يَرْتَشِيَ. وَلَا يَقْبَلُ هَدِيَّةً إِلَّا مِمَّنْ كَانَ يُهَادِيهِ قَبْلَ وِلايَتِهِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ حُكُومَةٌ عِنْدَهُ. وَيُكْرَهُ لَهُ الْبَيْعُ والشِّرَاءُ، إِلَّا بِوَكِيلٍ لَا يُعْرَفُ بِهِ. وَيُسْتَحَبُّ لَهُ عِيادَةُ الْمَرْضَى، وَشُهُودُ الْجَنَائِزِ، مَا لَمْ يَشْغَلْهُ عَنِ الْحُكْمِ. وَيَحْضُرُ الْوَلَائِمَ، فَإِنْ كَثُرَتْ تَرَكَهَا، وَلَا يُجِيبُ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ. فَصْلٌ ويُسْتَحَبُّ أَلَّا يَحْكُمَ إِلَّا بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ. وَلَا يَنْفُذُ (٢) حُكْمُهُ لِنَفْسِهِ، وَلَا لِمَنْ لا تُقْبَلُ شَهادَتُهُ لَهُ، وَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ بَعْضُ خُلَفائِهِ. ثُمَّ يُنادَى فِي الْبَلَدِ: "إِنَّ الْقاضِيَ يَنْظُرُ فِي أَمْرِ الْمَحبُوسِينَ"، ثُمَّ يُنْفِذُ مَنْ يَكْتُبُ اسْمَ كُل مَحبُوسٍ، وَمَنْ حَبَسَهُ، وَفِيمَ حَبَسَهُ، فِي رُقْعَةِ مُفْرَدَةٍ. فَإِذَا حَضَرَ قَالَ: "هَذِهِ رُقْعَةُ فُلَانٍ، فَمَنْ خَصْمُهُ؟ "، فَإنْ حَضَرَ نَظَرَ بَيْنَهُمَا. وَإِنْ بَانَ حَبْسُهُ تَعْزِيرًا، أَوْ فِي تُهَمَةٍ، خَلَّاهُ. وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ

стр. 519

خَصْمٌ، وَقالَ: "حُبِسْتُ ظُلْمًا، وَلَا خَصْمَ لِي"، نُودِيَ بِذَلِكَ ثَلَاثًا، فَإنْ ظَهَرَ لَهُ خَصْمٌ، وَإِلَّا حَلَّفَهُ ثُمَّ أَطْلَقَهُ. ثُمَّ يَسْأَلُ عَنْ حالِ الأَيْتَامِ، والْمَجَانِينِ، والْوُقُوفِ، ثُمَّ فِي حَالِ الْقَاضِي قَبْلَهُ: فَإِنْ كَانَ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ، لَمْ يَنْقُضْ مِنْ أَحْكَامِهِ إِلَّا مَا خَالَفَ نَصَّ كِتَابٍ، أَوْ سُنَّةٍ، أَوْ إِجْمَاعًا. وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لا يَصْلُحُ، نَقَضَ مِنْ أَحْكَامِهِ مَا لمْ يُوافِقِ الْحَقَّ. وَإِنِ اسْتَعْداهُ أَحَدٌ عَلَى خَصمٍ حاضِرٍ أَحضَرَهُ قَبْلَ تَحرِيرِ الدَّعْوَى. وَإِنِ اسْتَعْدَاهُ عَلَى الْقَاضِي [قَبْلَهُ] (١)، اعْتُبِرَ تَحْرِيرُ الدَّعْوَى فِي حَقِّهِ، ثُمَّ رَاسَلَهُ: فَإِنِ اعْتَرَفَ بِذَلِكَ أَمَرَهُ بِالْخُرُوجِ مِنْهُ، وَإِنْ أَنْكَرَ وَقالَ: "يُرِيدُ تَبْذِيلِي"، وَعَرَفَ لِما ادَّعاهُ أَصلًا -أَحْضَرَهُ، وإِلَّا فَلَا. وَإِنْ قَالَ: "حَكَمَ عَلَيَّ بِشَهَادَةِ فَاسِقَيْنِ"، فأَنْكَرَ، قُبِلَ قَوْلُهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ. وَإِنْ قَالَ الْمَعْزُولُ: "كُنْتُ حَكَمْتُ فِي وِلَايَتِي لفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ بِحَقٍّ"، قُبِلَ قَوْلُهُ. وَإِنِ ادُّعِيَ عَلَى غَيْرِ بَرْزَةٍ، لَمْ تُحْضَرْ، وَأُمِرَتْ (٢) بِالتَّوْكِيلِ، وَإِنْ لَزِمَها يَمِينٌ أَرْسَلَ مَنْ يُحْلِفُهَا، وَكَذَا الْمَرِيضُ. وَمَنِ ادَّعَى عَلَى غَائِبٍ بِمَوْضِعٍ لا حَاكِمَ فِيهِ، أَرْسَلَ إِلَى ثِقَاتِ الْمَوْضِعِ لِلصُّلْحِ بَيْنَهُمَا. وَإِنْ تَعَذَّرَ قِيلَ لِلْمُدَّعِي: "حَقِّقْ دَعْوَاكَ"، ثُمَّ يُحْضِرُهُ وَإِنْ بَعُدَتِ الْمَسَافَةُ. وَلَا يُعْتَبَرُ لإِحْضَارِ الْبَرْزَةِ مَحْرَمُها إِذَا تَعَذَّرَ؛ كَسَفَرِ الْهِجْرَةِ.

стр. 520

بَابُ طَرِيقِ الْحُكْمِ، وَصِفَتِهِ إِذَا جَلَسَ إِلَيْهِ خَصْمَانِ، قَالَ: "أَيُّكُمَا الْمُدَّعِي؟ "، وَإِنْ سَكَتَ حَتَّى يَبْدَأَ جازَ. فَمَنْ سَبَقَ الدَّعْوَى، قَدَّمَهُ. وَإِنِ ادَّعَيا مَعًا، قَدَّمَ أَحَدَهُمَا بِالْقُرعَةِ. فَإِذا انْقَضَتْ حُكُومَتُهُ، سَمَعَ دَعْوَى الآخَرِ. فَإِذَا تَحَرَّرَتْ، سَأَلَ الْخَصْمَ عَنْها، فَإِنْ أَقَرَّ لَهُ، حَكَمَ لَهُ عَلَيْهِ. وَلَا يَحْكُمُ بإِقْرَارٍ، وَلَا نُكُولٍ، وَلَا بَيِّنَةٍ، حَتَّى يَسْأَلَهُ الْمُدَّعِي الْحُكْمَ. وَإِنْ أَنْكَرَ؛ بِأَنْ قَالَ لِمَنِ ادَّعَى قَرضًا، أَوْ ثَمَنًا: "مَا أَقْرَضَنِي"، أَوْ: "مَا بَاعَنِي"، أَوْ: "مَا يَسْتَحِقُّ عَلَي شَيْئًا مِمَّا ادَّعاهُ"، أَوْ: "لَا حَقَّ لَهُ عَلَيَّ"، وَنَحْوَهُ -صَحَّ الْجَوَابُ. وَيَقُولُ لِلْمُدَّعِي -إِنْ لَمْ يَعْرِفْ-: "إِنْ كَانَ لَكَ بَيِّنَةٌ فَأَحْضِرْهَا"، فَإِنْ أَحْضَرَهَا سَمِعَهَا وَحَكَمَ بِهَا. وَيَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ بِالْبَيِّنَةِ وَالإِقْرَارِ فِي مَجْلِسِهِ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ مَعَهُ أَحَدٌ. فَأَمَّا حُكْمُهُ بِعِلْمِهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ، مِمَّا رَآهُ أَوْ سَمِعَهُ، فَلا يَجُوزُ. وَإِنْ قَالَ الْمُدَّعِي: "ما لِي بَيِّنَةٌ"، أَعْلَمَهُ الْحاكِمُ أَن لَهُ الْيَمِينَ عَلَى خَصْمِهِ عَلَى صِفَةِ جَوَابِهِ. فَإِنْ سَأَلَ إِحْلَافَهُ، أَحْلَفَهُ وَخَلَّى سَبِيلَهُ. وَلَا يُعْتَدُّ بِيَمِينهِ قَبْلَ مَسْأَلَةِ الْمُدَّعِي. فَإِنْ نَكَلَ قَضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ، فَيَقُولُ: "إِنْ حَلَفْتَ وَإِلَّا قَضَيْتُ عَلَيْكَ". وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُكَرِّرَهُ ثَلَاثًا. فَإِنْ لَمْ يَحلِفْ،

стр. 521

قَضَى عَلَيْهِ. فَإِنْ بَذَلَ الْيَمِينَ بَعْدَ النُّكُولِ، لَمْ تُسْمَعْ مِنْهُ إِلَّا فِي مَجْلِسٍ آخَرَ، بِشَرْطِ عَدَمِ الْحُكْمِ. وَإِنْ قَالَ الْمُدَّعِي: "ما لِي بَيِّنَةٌ"، ثُمَّ أتَى بِبَيِّنَةِ، لَمْ تُسْمَعْ. وَإِنْ قَالَ: "مَا أَعْلَمُ"، ثُمَّ أتَى بِهَا، سُمِعَتْ. فَإِنْ قَالَ شَاهِدانِ: "نَحْنُ نَشْهَدُ لَكَ"، فَقالَ: "هَذانِ بَيِّنَتِي"، سُمِعَتْ. فَإِنْ قَالَ: "ما أُرِيدُ أَنْ يَشْهَدا لِي"، لَمْ يُكَلَّفْ إِقَامَةَ الْبَيِّنَةِ. وَإِنْ قَالَ: "لِي بَيِّنَةٌ وَأُرِيدُ يَمِينَهُ، ثُمَّ إِقَامَ الْبَيِّنَةِ"، مَلَكَهُمَا (١)، إِلَّا إِذَا كَانَتْ حاضِرَةَ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ؛ فَلا يَمْلِكُ إِلَّا إِقامَتَها مِنْ غيْرِ تَحْلِيفٍ، أَوِ الْعَكْسَ. فَإِنْ حَلَفَ الْمُنْكرُ، ثُمَّ أَحْضَرَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً، حُكِمَ بِهَا، وَلَمْ تَكُنِ الْيَمِينُ مُزِيلَةً لِلْحَقِّ. وَإِنْ سَكَتَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَلَمْ يُقِرَّ وَلَمْ يُنْكِرْ، قَالَ لَهُ: "إِنْ أَجْبَتَ، وَإِلَّا جَعَلْتُكَ نَاكِلًا، وَقَضَيْتُ عَلَيْكَ". وَإِنْ قَالَ: "لِي مَخْرَجٌ مِمَّا ادَّعاهُ"، لَمْ يَكُنْ مُجِيبًا. وَإِنْ قَالَ: "لِي حِسَابٌ أُرِيدُ أَنْ أَنْظُرَ فِيهِ"، [لَمْ يَلْزَم الْمُدَّعِيَ إِنْظارُهُ. وَإِنْ قَالَ: "قَدْ قَضَيْتُهُ -أَوْ أَبْرَأَنِي] (٢) - وَ (٣) لِي بَيِّنَةٌ بِالقَضَاءِ، أَوِ: الإِبْرَاءِ"- أُنْظِرَ ثَلَاثًا، وَلِلْمُدَّعِي مُلَازَمَتُهُ. فَإِنْ عَجَزَ، حَلَفَ الْمُدَّعِي عَلَى نَفْي مَا ادَّعاهُ، واسْتَحَقَّ.

стр. 522

فَإِنِ ادَّعَى عَلَيْهِ عَيْنًا فِي يَدِهِ، فَأَقَرَّ بِهَا لِحاضِرٍ مُكَلَّفٍ، جُعِلَ الْخَصْمَ فِيها، وَيَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَيُسْأَلُ الْمُقَرُّ لَهُ بِهَا: فَإِنِ ادَّعَاهَا لِنَفْسِهِ وَلَا بَيِّنَةَ، حَلَفَ وَأَخَذَهَا. وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا لِلْمُدَّعِي، سُلِّمَتْ إِلَيْهِ. فَإِنْ قَالَ: "لَا أَعْلَمُ لِمَنْ هِيَ"، سُلِّمَتِ إِلَى الْمُدَّعي. وَإِنْ قال: "أُقِرُّ بِهَا"؛ لِغائِبٍ، أَوْ صَبِيٍّ، أَوْ مَجْنُونٍ -سَقَطَتْ عَنْهُ الدَّعْوَى. وَإِنْ كَانَ لِلْمُدَّعي بَيِّنَةٌ سُلِّمَتْ إِلَيْهِ، وَلَا يَحْلِفُ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ لا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُها إِلَيْهِ. وَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّها لِمَنْ سَمَّى لَمْ يَحْلِفْ. وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا لِمَجْهُولٍ، قِيلَ لَهُ: "إِمَّا أَنْ تُعَرِّفَهُ، أَوْ نَجْعَلَكَ نَاكِلًا". فَصْلٌ وَلَا تَصِحُّ الدَّعْوَى إِلَّا مُحَرَّرَةً مَعْلُومَةَ الْمدَّعَى، إِلَّا ما نُصَحِّحُهُ مَجْهُولًا كَالْوَصِيَّةِ، وَعَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ مَهْرًا، وَنَحْوِهِ؛ فَيَجُوزُ كَذَلِكَ. فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَيْنًا حَاضِرَةً، عَيَّنَها. وَإِنْ كَانَ غائِبًا، أَوْ فِي الذِّمَّةِ، وَصَفَهُ بِما يَنْضَبِطُ. وَذَكَرَ -إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا- قَدرَهُ، والأَوْلَى مَعَ ذَلِكَ ذِكْرُ قِيمَتِهِ. وَيَتَعَيَّنُ ذِكْرُ الْقِيمَةِ فِيما لا يَنْضَبِطُ بِالْوَصْفِ. فَإِنِ ادَّعَى عقْدَ نِكَاحٍ، أَوْ بَيْعٍ، أَوْ غَيْرِهِما -فَلا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ شُرُوطِهِ. وَإِنِ ادَّعَتِ امْرَأَةٌ نِكَاحَ رَجُلٍ لِطَلَبِ نَفَقَةٍ، أَوْ مَهْرٍ، وَنَحْوِهِ -سُمِعَتْ دَعْوَاهَا. وَإِنْ لَمْ تَدَّعِ سِوَى النِّكَاحِ، لَمْ تُسْمَعْ.

стр. 523

فَإنِ ادَّعَى الإِرْثَ، ذَكَرَ سَبَبَهُ. وَإِنِ ادَّعَى قَتْلَ مَوْرُوثهِ، ذَكَرَ كَوْنَ الْقَاتِلِ مُنْفَرِدًا أَوْ مُشارِكًا، وَعَمْدًا أَوْ خَطًا، أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ؛ فَوَصَفَهُ. وَإِنِ ادَّعَى سَيْفًا مُحَلًّى، قَوَّمَهُ بِغَيْرِ جِنْسِ حِلْيَتِهِ، إِلَّا المُحَلَّى بِذَهَبٍ وَفِضَّةٍ مَعًا؛ فَيُقَومُهُ (١) بأَيِّهِمَا شَاءَ لِلْحَاجَةِ. وَإِنْ كَانَ نَقْدًا مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ، كَفَى ذِكْرُ قَدْرِهِ. فَصْلٌ وَتُعْتَبَرُ عَدَالَةُ الْبَيِّنَةِ ظَاهِرًا وَباطِنًا، وَمَنْ جُهِلَتْ عَدَالَتُهُ سَأَلَ عَنْهُ: فَإِنْ عَلِمَ عَدَالَتَهُ عَمِلَ بِهَا، وَإِنِ ارْتَابَ بِشُهُودٍ لَمْ يَخْبُرْ قُوَّةَ ضَبْطِهِمْ وَدِينِهِمُ، اسْتُحِبَّ أَنْ يُفَرِّقَهُمْ، وَيَسْأَلَ كُلَّ واحِدٍ عَنْ كَيْفِيَّةِ التَّحَمُّلِ، وَأَيْنَ، وَمَتَى، وَأَيَّ مَوْضِعٍ كَانَ، وَهَلْ تَحَمَّلَ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ غَيْرِهِ: فَإِنِ اخْتَلَفُوا لَمْ يَقْبَلْهَا، وَإِنِ اتَّفَقُوا وَعَظَهُمْ وَخَوَّفَهُمْ، ثُمَّ حَكَمَ إِنْ ثَبُتُوا. وَإِنْ جَرَحَ الْخَصْمُ الشُّهُودَ، كُلِّفَ الْبيِّنَةَ بِهِ، وَأُنْظِرَ لَهُ ثَلَاثًا، وَلِلْمُدَّعِي مُلَازَمَتُهُ. فَإنْ لَمْ يَأْتِ بِبَيِّنَةٍ حُكِمَ عَلَيْهِ. وَلَا يُسْمَعُ الجَرْحُ إِلَّا مُبَيَّنَ السَّبَبِ؛ بأَنْ يَذْكُرَ ما يَقْدَحُ فِي الْعَدَالَةِ عَنْ رُؤْيَةٍ أَوِ اسْتِفاضَةٍ. وَمَنْ جَرَحَهُ اثْنانِ وَعَدَّلَهُ اثْنانِ، فالْجَرحُ أَوْلَى. وَمَنْ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُ مَرَّةً، لَمْ يَلْزَمِ الْبَحْثُ عَنْهَا، إِلَّا مَعَ طُولِ الْمُدَّةِ.

стр. 524

وَإِنْ شَهِدَ عِنْدَهُ فَاسِقٌ يَعْرِفُ حالَهُ، قَالَ لِلْمُدَّعي: "زِدْنِي شُهُودًا". وَإِنْ جَهِلَ حَالَهُ طَلَبَ مِنَ المُدَّعِي تَزْكِيَتَهُ، وَيَكْفِي فِيها عَدْلَانِ يَشْهَدانِ أنَّهُ عَدلٌ رِضًا. وَإِنْ سَأَلَ المُدَّعِي قَبْلَ التَّزْكِيَةِ حَبْسَ خَصْمِهِ، أَوْ كَفِيلًا بِهِ -فِي غَيْرِ الْحَدِّ- أَوْ تَعْدِيلَ الْعَيْنِ المُدَّعَاةِ؛ لِئَلَّا يَغِيبَ؛ حَتَّى يُزَكيَ الشُّهُودَ، أَوْ أَقامَ شَاهِدًا حَتَّى يُقِيمَ آخَرَ-: أُجِيبَ لِمُدَّةِ ثَلَاثٍ. وَإِذَا حَاكَمَ مَنْ لا يَعْرِفُ لِسَانَهُ، تَرْجَمَ لَهُ مَنْ يَعْرِفُهُ. وَلَا يُقْبَلُ فِي التَّرْجَمَةِ، والتَّزْكِيَةِ، والْجَرْحِ، والتَّعْرِيفِ، والرِّسالَةِ -إِلَّا قَوْلُ عَدْلَيْنِ. فَصْلٌ وَإِذَا ادَّعَى عَلَى غائِبٍ، أَوْ مُسْتَتِرٍ فِي الْبَلَدِ، أَوْ مَيِّتٍ، أَوْ صَبِيٍّ، أَوْ مَجْنُونِ، وَلَهُ بَيِّنَةٌ -سُمِعَتْ وَحُكِمَ لَهُ بِهَا، وَيَسْتَحْلِفُهُ الْحَاكِمُ عَلَى بَقَاءِ حَقِّهِ، ثُمَّ هُمْ بَعْدَ الرُّشْدِ والْحُضُورِ عَلَى حُجَّتِهِمْ. وَإِنِ ادَّعَى عَلَى حَاضِرٍ فِي الْبَلَدِ غائِبٍ عَنْ مَجْلِسِ الْحُكْمِ، وَأَتَى بِبَيِّنَةٍ -لَمْ تُسْمَعِ الدَّعْوَى وَلَا الْبَيِّنَةُ حَتَّى يَحْضُرَ. وَإِنِ امْتَنَعَ مِنَ الْحُضُورِ، أُلْجِئَ إِلَيْهِ بِالشُّرَطِ والتَّنْفِيذِ إِلَى مَنْزِلهِ مِرَارًا، وَإِقْعَادِ مَنْ يُضَيِّقُ عَلَيْهِ فِي دُخُولهِ وَخُرُوجِهِ، وَمَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ ذَلِكَ. فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى التَّغْيِيبِ، سُمِعَتِ الْبَيِّنَةُ وَحُكِمَ بِهَا عَلَيْهِ.

стр. 525

فَصْلٌ وَمَنِ ادَّعَى أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ عَنْهُ، وَعَنْ أَخٍ لَهُ غَائِبٍ، وَلَهُ عَيْنٌ أَوْ دَيْنٌ عِنْدَ فُلَانٍ، وَأَقَرَّ فُلَانٌ بِذَلِكَ، أَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ -سُلِّمَ إِلَى الْمُدَّعِي نَصِيبُهُ (١)، وَيُسَلَّمُ الْحَاكِمُ نَصِيبَ الْغَائِبِ. وَحُكْمُ الْحَاكِمِ لَا يُحِيلُ الشَّيْءَ عَنْ صِفَتِهِ فِي الْبَاطِنِ. وَمَنِ ادَّعَى أَنَّ الْحَاكِمَ حَكَمَ لَهُ بِحَقٍّ فَصَدَّقَهُ، قُبِلَ قَوْلُ الْحَاكِمِ وَحْدَهُ. وَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ الْحَاكِمُ، فَشَهِدَ عَدْلَانِ بِحُكْمِهِ، قَبِلَ شَهَادَتَهُمَا (٢) وَأَمْضَاهُ. وَكَذَا إِنْ شَهِدَا أَنَّ فُلَانًا وَفُلَانًا شَهِدَا عِنْدَكَ بِكَذَا، قَبِلَ شَهَادَتَهُمَا. وَلَوْ وَجَدَ حُكْمَهُ بِخَطِّهِ مُتَيَقِّنًا لَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ، أَنْفَذَهُ. وَكَذَا شَهَادَةُ الشَّاهِدِ بنَاءً عَلَى خَطِّهِ إِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ. فَصْلٌ وَمَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ إِنْسَانٍ حَقٌّ، وَتَعَذَّرَ (٣) أَخْذُهُ بِالْحَاكِمِ، وَقَدَرَ لَهُ عَلَى مَالٍ -لَمْ يَجُزْ لَهُ فِي الْبَاطِنِ أَنْ يَأْخُذَ قَدْرَ حَقِّهِ مِنْهُ.

стр. 526

بَابُ حُكْمِ كِتَابِ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي يُقْبَلُ كِتَابُ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي فِي كُلِّ حَقٍّ، حَتَّى الْقَذْفِ، إِلَّا فِي حُقُوقِ اللَّهِ؛ كَحَدِّ الزِّنَى، وَنَحْوِهِ. وَيُقْبَلُ فِيمَا حَكَمَ بِهِ لِيُنْفِذَهُ، وَإِنْ كَانَا فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ. وَلَا يُقْبَلُ فِيمَا يَثْبُتُ عِنْدَهُ لِيَحْكُمَ (١) بِهِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا مَسَافَةُ الْقَصْرِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى قَاضٍ مُعَيَّنٍ، وَإِلَى كُلِّ مَنْ يَصِلُ إِلَيْهِ كِتَابُهُ مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ. وَلَا يُقْبَلُ الْكِتَابُ إِلَّا أَنْ يُشْهِدَ بِهِ الْقَاضِي الْكَاتِبُ شَاهِدَيْنِ يُحْضِرُهُمَا، فَيَقْرَؤُهُ عَلَيْهِمَا، ثُمَّ يَقُولُ: "اشْهَدَا (٢) أَنَّ هَذَا كِتَابِي إِلَى فُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ"، وَيَدْفَعُهُ إِلَيْهِمَا. فَإِذَا وَصَلَا دَفَعَاهُ إِلَى الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ، وَقَالَا: "نَشْهَدُ أَنَّ هَذَا كِتَابُ فُلَانٍ إِلَيْكَ كَتَبَهُ بِعَمَلِهِ، وَأَشْهَدَنَا عَلَيْهِ". وَلَوْ كَتَبَ كِتَابًا وَأَدْرَجَهُ وَخَتَمَهُ، وَقَالَ: "هَذَا كِتَابِي إِلَى فُلَانٍ، اشْهَدَا عَلَيَّ بِمَا فِيهِ"، لَمْ يَصِحَّ. فَإِذَا وَصَلَ الْكِتَابُ، وَأَحْضَرَ الْخَصْمَ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ وَحِلْيَتِهِ، فَقَالَ: "مَا أَنَا فُلَانٌ الْمَذْكُورُ! " -فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، مَا لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ بِذَلِكَ. وَإِنْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إِقْرَارٍ، فَقَالَ: "الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ غَيْرِي، وَهُوَ مِثْلِي نَسَبًا

стр. 527

وَصِفَةً! " -لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ إِلَّا بِبَيَّنَةٍ تَشْهَدُ أَنَّ فِي الْبَلَدِ آخَرَ كَذَلِكَ؛ فَيُوقَفُ الأَمْرُ حَتَّى يُعْلَمَ الْخَصْمُ مِنْهُمَا. وَإِنْ تَغَيَّرَتْ حَالُ الْقَاضِي الْكَاتِبِ؛ بِعَزْلٍ أَوْ مَوْتٍ، لَمْ يَقْدَحْ فِي كِتَابِهِ. وَإِنْ تَغَيَّرَتْ بِفِسْقٍ، لَمْ يَقْدَحْ فِيمَا قَدْ حَكَمَ بِهِ، وَبَطَلَ فِيمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ لِيَحْكُمَ بِهِ. وَإِنْ وَصَلَ الْكِتَابُ إِلَى غَيْرِ مَنْ كُتِبَ إِلَيْهِ، أَوْ تَغَيَّرَتْ حَالُهُ، فَلِمَنْ (١) قَامَ مَقَامَهُ قَبُولُ الْكِتَابِ وَالْعَمَلُ بِهِ. فَصْلٌ وَإِذَا حَكَمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: "أَشْهِدْ لِي عَلَيْكَ بِمَا جَرَى حَتَّى لَا يَحْكُمَ عَلَيَّ الْقَاضِي ثَانِيًا"، لَزِمَهُ ذَلِكَ. وَكَذَا كُلُّ مَنْ ثَبَتَ لَهُ عِنْدَ الحَاكِمِ حَقٌّ، أَوْ ثَبَتَتْ بَرَاءَتُهُ -مِثْلَ: أَنْ أَنْكَرَ وَحَلَّفَهُ الْحَاكِمُ- فَسَأَلَهُ أَنْ يُشْهِدَ لَهُ بمَا جَرَى مِنْ بَرَاءَةٍ، أَوْ ثُبُوتٍ مُجَرَّدٍ، أَوْ مُتَّصِلٍ بِحُكْمٍ أَوْ تَنْفِيذٍ، أَوْ سَأَلَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ -لَزِمَهُ إِجَابَتُهُ. وَإِنْ سَأَلَ كِتَابَتَهُ، فَأَتَاهُ بِكَاغَدٍ (٢)، أَوْ كَانَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ كَاغَدٌ لِذَلِكَ -لَزِمَتْهُ الْكِتَابَةُ. وَيُسَمَّى مَا تَضَمَّنَ الْحُكْمَ بِالْبَيِّنَةِ "سِجِلًّا"، وَالأَوَّلُ "مَحْضَرًا"، وَيَجْعَلُ السِّجِلَّ نُسْخَتَيْنِ نُسْخَةٌ يَدْفَعُهَا إِلَيْهِ، وَنُسْخَةٌ يَحْبِسُهَا عِنْدَهُ.

стр. 528

فَصْلٌ وَصِفَةُ "الْمَحْضرِ": "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حَضَرَ الْقَاضِيَ -فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ الْفُلَانِىَّ، قَاضِيَ عَبْدِ اللَّهِ الإِمَامِ، عَلَى كَذَا (وَإِنْ كَانَ نَائِبًا كَتَبَ: خَلِيفَةَ الْقَاضِي فُلَانٍ، [قَاضِي] (١) عَبْدِ اللَّهِ الإِمَامِ)، فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ وَقَضَائِهِ، بِمَوْضِعِ كَذَا-: مُدَّعٍ، ذَكَرَ أَنَّهُ فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ، وَأَحْضَرَ مَعَهُ مُدَّعَى عَلَيْهِ، ذَكَرَ أَنَّهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، فَادَّعَى عَلَيْهِ بِكَذَا، فَأَقَرَّ لَهُ. (أَوْ: أَنْكَرَ، فَقَالَ لِلْمُدَّعِي: "أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ "، قَالَ: "نَعَمْ"، فَأَحْضَرَهَا، وَسَأَلَهُ فِي سَمَاعِهَا، فَفَعَلَ. أَوْ: فَأَنْكَرَ، وَلَمْ تَقُمْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ، وَسَأَلَ إِحْلَافَهُ، فَأَحْلَفَهُ). (وَإِنْ نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ ذَكَرَهُ، وَأَنَّهُ حَكَمَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ). وَسَأَلَهُ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ مَحْضَرًا بِمَا جَرَى، فَأَجَابَهُ إِلَيْهِ، فِي يَوْمِ كَذَا، مِنْ شَهْرِ كَذَا، مِنْ سَنَةِ كَذَا". وَيُعْلِم فِي الإِحْلَافِ، وَالإِقْرَارِ: "جَرَى الأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ". وَفِي الْبَيِّنَةِ: "شَهِدَا عِنْدِي بِذَلِكَ". فَصْلٌ وَأَمَّا "السِّجِلُّ" فَهُوَ لإِنْفَاذِ مَا ثَبَتَ عِنْدَهُ، وَالْحُكْمِ بِهِ.

стр. 529

وَصِفَتُهُ أَنْ يَكْتُبَ: "هَذَا مَا أَشْهَدَ عَلَيْهِ الْقَاضِي فُلَانٌ (كَمَا قَدَّمْنَا) مَنْ حَضَرَهُ مِنَ الشُّهُودِ؛ أَشْهَدَهُمْ أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُ بِشَهَادَةِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ، وَقَدْ عَرَفَهُمَا بِمَا رَأَى مَعَهُ قَبُولَ شَهَادَتِهِمَا، بِمَحْضَرٍ مِنْ خَصْمَيْنِ، (وَيَذْكُرُهُمَا إِنْ كَانَا مَعْرُوفَيْنِ، وَإِلَّا قَالَ: مُدَّعٍ وَمُدَّعًى عَلَيْهِ)، جَازَ حُضُورُهُمَا، وَسَمَاعُ الدَّعْوَى مِنْ أَحَدِهِمَا عَلَى الآخَرِ-: مَعْرِفَةُ (١) فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ، (وَيَذْكُرُ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ، وَإِقْرَارَهُ طَوْعًا -فِي صِحَّةٍ مِنْهُ، وَجَوَازِ أَمْرٍ- بِجَمِيعِ مَا سُمِّيَ وَوُصِفَ بِهِ)، فِي كِتَابٍ نُسْخَتُهُ كَذَا. (وَيَنْسَخُ الْكِتَابَ الْمُثْبَتَ أَوِ الْمَحْضَرَ جَمِيعَهُ حَرْفًا بِحَرْفٍ. فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ قَالَ: ) وَأَنَّ الْقَاضِيَ فُلَانًا (٢) أَمْضَاهُ وَحَكَمَ بِهِ عَلَى مَا هُوَ الْوَاجِبُ فِي مِثْلِهِ، بَعْدَ أَنْ سَأَلَهُ ذَلِكَ -وَالإِشْهَادَ بِهِ- الْخَصْمُ الْمُدَّعِي (وَيَذْكُرُ اسْمَهُ وَنَسَبَهُ)، وَلَمْ يَدْفَعْهُ الْخَصْمُ الحَاضِرُ مَعَهُ بِحُجَّةٍ، وَجَعَلَ كُلَّ ذِي حُجَّةٍ عَلَى حُجَّتِهِ، وَأَشْهَدَ الْقَاضِي فُلَانٌ -عَلَى إِنْفَاذِهِ، وَحُكْمِهِ، وَإِمْضَائِهِ- مَنْ حَضَرَهُ مِنَ الشُّهُودِ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ، فِي الْيَوْم الْمُؤَرَّخِ فِي أَعْلَاهُ، وَأَمَرَ بِكَتْبِ هَذَا السِّجِلِّ نُسْخَتَيْنِ مُتَسَاوِيَتَيْنِ، تُخَلَّدُ نُسْخَةٌ مِنْهُمَا دِيوَانَ الْحُكْمِ، وَيَدْفَعُ الأُخْرَى إِلَى مَنْ كَتَبَهَا لَهُ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُجَّةٌ بِمَا أُنْفِذَ فِيهِمَا".

стр. 530

وَلَوْ كَتَبَ كَمَا قَدَّمْنَا لَكِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: "بِمَحْضَرٍ مِنْ خَصْمَيْنِ"، سَاغَ ذَلِكَ؛ لِجَوَازِ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ. فَصْلٌ وَمَهْمَا اجْتَمَعَ عِنْدَهُ مِنْ مَحَاضِرَ وَسِجِلَّاتٍ، فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ أَوْ شَهْرٍ، عَلَى حَسَبِهَا قِلَّةً أَوْ كَثْرَةً -ضَمَّ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ، وَكَتَبَ: "مَحَاضِرُ وَسِجِلَّاتُ كَذَا مِنْ وَقْتِ كَذَا". وَإِذَا أَخْبَرَ قَاضٍ قَاضِيًا فِي غَيْرِ عَمَلِهِمَا، أَوْ فِي عَمَلِ أَحَدِهِمَا، بِحُكْمٍ أَوْ ثُبُوتٍ -لَمْ يَعْمَلْ بِهِ بِحَالٍ. * * *
следующие страницы →