Полный текст (592 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
بَابُ حُكْمِ كِتَابِ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي
يُقْبَلُ كِتَابُ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي فِي كُلِّ حَقٍّ، حَتَّى الْقَذْفِ، إِلَّا فِي حُقُوقِ اللَّهِ؛ كَحَدِّ الزِّنَى، وَنَحْوِهِ. وَيُقْبَلُ فِيمَا حَكَمَ بِهِ لِيُنْفِذَهُ، وَإِنْ كَانَا فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ. وَلَا يُقْبَلُ فِيمَا يَثْبُتُ عِنْدَهُ لِيَحْكُمَ (١) بِهِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا مَسَافَةُ الْقَصْرِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى قَاضٍ مُعَيَّنٍ، وَإِلَى كُلِّ مَنْ يَصِلُ إِلَيْهِ كِتَابُهُ مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ.
وَلَا يُقْبَلُ الْكِتَابُ إِلَّا أَنْ يُشْهِدَ بِهِ الْقَاضِي الْكَاتِبُ شَاهِدَيْنِ يُحْضِرُهُمَا، فَيَقْرَؤُهُ عَلَيْهِمَا، ثُمَّ يَقُولُ: "اشْهَدَا (٢) أَنَّ هَذَا كِتَابِي إِلَى فُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ"، وَيَدْفَعُهُ إِلَيْهِمَا. فَإِذَا وَصَلَا دَفَعَاهُ إِلَى الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ، وَقَالَا: "نَشْهَدُ أَنَّ هَذَا كِتَابُ فُلَانٍ إِلَيْكَ كَتَبَهُ بِعَمَلِهِ، وَأَشْهَدَنَا عَلَيْهِ". وَلَوْ كَتَبَ كِتَابًا وَأَدْرَجَهُ وَخَتَمَهُ، وَقَالَ: "هَذَا كِتَابِي إِلَى فُلَانٍ، اشْهَدَا عَلَيَّ بِمَا فِيهِ"، لَمْ يَصِحَّ.
فَإِذَا وَصَلَ الْكِتَابُ، وَأَحْضَرَ الْخَصْمَ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ وَحِلْيَتِهِ، فَقَالَ: "مَا أَنَا فُلَانٌ الْمَذْكُورُ! " -فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، مَا لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ بِذَلِكَ. وَإِنْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إِقْرَارٍ، فَقَالَ: "الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ غَيْرِي، وَهُوَ مِثْلِي نَسَبًا стр. 527
وَصِفَةً! " -لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ إِلَّا بِبَيَّنَةٍ تَشْهَدُ أَنَّ فِي الْبَلَدِ آخَرَ كَذَلِكَ؛ فَيُوقَفُ الأَمْرُ حَتَّى يُعْلَمَ الْخَصْمُ مِنْهُمَا.
وَإِنْ تَغَيَّرَتْ حَالُ الْقَاضِي الْكَاتِبِ؛ بِعَزْلٍ أَوْ مَوْتٍ، لَمْ يَقْدَحْ فِي كِتَابِهِ. وَإِنْ تَغَيَّرَتْ بِفِسْقٍ، لَمْ يَقْدَحْ فِيمَا قَدْ حَكَمَ بِهِ، وَبَطَلَ فِيمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ لِيَحْكُمَ بِهِ. وَإِنْ وَصَلَ الْكِتَابُ إِلَى غَيْرِ مَنْ كُتِبَ إِلَيْهِ، أَوْ تَغَيَّرَتْ حَالُهُ، فَلِمَنْ (١) قَامَ مَقَامَهُ قَبُولُ الْكِتَابِ وَالْعَمَلُ بِهِ.
فَصْلٌ
وَإِذَا حَكَمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: "أَشْهِدْ لِي عَلَيْكَ بِمَا جَرَى حَتَّى لَا يَحْكُمَ عَلَيَّ الْقَاضِي ثَانِيًا"، لَزِمَهُ ذَلِكَ. وَكَذَا كُلُّ مَنْ ثَبَتَ لَهُ عِنْدَ الحَاكِمِ حَقٌّ، أَوْ ثَبَتَتْ بَرَاءَتُهُ -مِثْلَ: أَنْ أَنْكَرَ وَحَلَّفَهُ الْحَاكِمُ- فَسَأَلَهُ أَنْ يُشْهِدَ لَهُ بمَا جَرَى مِنْ بَرَاءَةٍ، أَوْ ثُبُوتٍ مُجَرَّدٍ، أَوْ مُتَّصِلٍ بِحُكْمٍ أَوْ تَنْفِيذٍ، أَوْ سَأَلَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ -لَزِمَهُ إِجَابَتُهُ.
وَإِنْ سَأَلَ كِتَابَتَهُ، فَأَتَاهُ بِكَاغَدٍ (٢)، أَوْ كَانَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ كَاغَدٌ لِذَلِكَ -لَزِمَتْهُ الْكِتَابَةُ. وَيُسَمَّى مَا تَضَمَّنَ الْحُكْمَ بِالْبَيِّنَةِ "سِجِلًّا"، وَالأَوَّلُ "مَحْضَرًا"، وَيَجْعَلُ السِّجِلَّ نُسْخَتَيْنِ نُسْخَةٌ يَدْفَعُهَا إِلَيْهِ، وَنُسْخَةٌ يَحْبِسُهَا عِنْدَهُ. стр. 528
فَصْلٌ
وَصِفَةُ "الْمَحْضرِ":
"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
حَضَرَ الْقَاضِيَ -فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ الْفُلَانِىَّ، قَاضِيَ عَبْدِ اللَّهِ الإِمَامِ، عَلَى كَذَا (وَإِنْ كَانَ نَائِبًا كَتَبَ: خَلِيفَةَ الْقَاضِي فُلَانٍ، [قَاضِي] (١) عَبْدِ اللَّهِ الإِمَامِ)، فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ وَقَضَائِهِ، بِمَوْضِعِ كَذَا-: مُدَّعٍ، ذَكَرَ أَنَّهُ فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ، وَأَحْضَرَ مَعَهُ مُدَّعَى عَلَيْهِ، ذَكَرَ أَنَّهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، فَادَّعَى عَلَيْهِ بِكَذَا، فَأَقَرَّ لَهُ. (أَوْ: أَنْكَرَ، فَقَالَ لِلْمُدَّعِي: "أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ "، قَالَ: "نَعَمْ"، فَأَحْضَرَهَا، وَسَأَلَهُ فِي سَمَاعِهَا، فَفَعَلَ. أَوْ: فَأَنْكَرَ، وَلَمْ تَقُمْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ، وَسَأَلَ إِحْلَافَهُ، فَأَحْلَفَهُ). (وَإِنْ نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ ذَكَرَهُ، وَأَنَّهُ حَكَمَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ). وَسَأَلَهُ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ مَحْضَرًا بِمَا جَرَى، فَأَجَابَهُ إِلَيْهِ، فِي يَوْمِ كَذَا، مِنْ شَهْرِ كَذَا، مِنْ سَنَةِ كَذَا".
وَيُعْلِم فِي الإِحْلَافِ، وَالإِقْرَارِ: "جَرَى الأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ". وَفِي الْبَيِّنَةِ: "شَهِدَا عِنْدِي بِذَلِكَ".
فَصْلٌ
وَأَمَّا "السِّجِلُّ" فَهُوَ لإِنْفَاذِ مَا ثَبَتَ عِنْدَهُ، وَالْحُكْمِ بِهِ. стр. 529
وَصِفَتُهُ أَنْ يَكْتُبَ:
"هَذَا مَا أَشْهَدَ عَلَيْهِ الْقَاضِي فُلَانٌ (كَمَا قَدَّمْنَا) مَنْ حَضَرَهُ مِنَ الشُّهُودِ؛ أَشْهَدَهُمْ أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُ بِشَهَادَةِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ، وَقَدْ عَرَفَهُمَا بِمَا رَأَى مَعَهُ قَبُولَ شَهَادَتِهِمَا، بِمَحْضَرٍ مِنْ خَصْمَيْنِ، (وَيَذْكُرُهُمَا إِنْ كَانَا مَعْرُوفَيْنِ، وَإِلَّا قَالَ: مُدَّعٍ وَمُدَّعًى عَلَيْهِ)، جَازَ حُضُورُهُمَا، وَسَمَاعُ الدَّعْوَى مِنْ أَحَدِهِمَا عَلَى الآخَرِ-: مَعْرِفَةُ (١) فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ، (وَيَذْكُرُ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ، وَإِقْرَارَهُ طَوْعًا -فِي صِحَّةٍ مِنْهُ، وَجَوَازِ أَمْرٍ- بِجَمِيعِ مَا سُمِّيَ وَوُصِفَ بِهِ)، فِي كِتَابٍ نُسْخَتُهُ كَذَا. (وَيَنْسَخُ الْكِتَابَ الْمُثْبَتَ أَوِ الْمَحْضَرَ جَمِيعَهُ حَرْفًا بِحَرْفٍ. فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ قَالَ: ) وَأَنَّ الْقَاضِيَ فُلَانًا (٢) أَمْضَاهُ وَحَكَمَ بِهِ عَلَى مَا هُوَ الْوَاجِبُ فِي مِثْلِهِ، بَعْدَ أَنْ سَأَلَهُ ذَلِكَ -وَالإِشْهَادَ بِهِ- الْخَصْمُ الْمُدَّعِي (وَيَذْكُرُ اسْمَهُ وَنَسَبَهُ)، وَلَمْ يَدْفَعْهُ الْخَصْمُ الحَاضِرُ مَعَهُ بِحُجَّةٍ، وَجَعَلَ كُلَّ ذِي حُجَّةٍ عَلَى حُجَّتِهِ، وَأَشْهَدَ الْقَاضِي فُلَانٌ -عَلَى إِنْفَاذِهِ، وَحُكْمِهِ، وَإِمْضَائِهِ- مَنْ حَضَرَهُ مِنَ الشُّهُودِ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ، فِي الْيَوْم الْمُؤَرَّخِ فِي أَعْلَاهُ، وَأَمَرَ بِكَتْبِ هَذَا السِّجِلِّ نُسْخَتَيْنِ مُتَسَاوِيَتَيْنِ، تُخَلَّدُ نُسْخَةٌ مِنْهُمَا دِيوَانَ الْحُكْمِ، وَيَدْفَعُ الأُخْرَى إِلَى مَنْ كَتَبَهَا لَهُ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُجَّةٌ بِمَا أُنْفِذَ فِيهِمَا". стр. 530
وَلَوْ كَتَبَ كَمَا قَدَّمْنَا لَكِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: "بِمَحْضَرٍ مِنْ خَصْمَيْنِ"، سَاغَ ذَلِكَ؛ لِجَوَازِ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ.
فَصْلٌ
وَمَهْمَا اجْتَمَعَ عِنْدَهُ مِنْ مَحَاضِرَ وَسِجِلَّاتٍ، فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ أَوْ شَهْرٍ، عَلَى حَسَبِهَا قِلَّةً أَوْ كَثْرَةً -ضَمَّ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ، وَكَتَبَ: "مَحَاضِرُ وَسِجِلَّاتُ كَذَا مِنْ وَقْتِ كَذَا". وَإِذَا أَخْبَرَ قَاضٍ قَاضِيًا فِي غَيْرِ عَمَلِهِمَا، أَوْ فِي عَمَلِ أَحَدِهِمَا، بِحُكْمٍ أَوْ ثُبُوتٍ -لَمْ يَعْمَلْ بِهِ بِحَالٍ.
* * *
стр. 531
بَابُ الْقِسْمَةِ
لَا تَجُوزُ قِسْمَةُ الأَمْلَاكِ الَّتِي لَا تَنْقَسِمُ إِلَّا بضَرَرٍ أَوْ رَدِّ عِوَضٍ، إِلَّا بِتَرَاضِي الشُّرَكَاءِ كَالدُّورِ الصِّغَارِ، وَالْعَضَائِدِ (١) الْمُتَلَاصِقَةِ اللَّاتِي لَا يُمْكِنُ قِسْمَةُ كُلِّ عَيْنٍ مُنْفَرِدَةً، وَالْحَمَّامٍ وَالطَّاحُونِ الصَّغِيرَيْنِ، وَالأَرْضِ الَّتِي لَا تَتَعَدَّلُ بِأَجْزَاءٍ، وَلَا قِيمَةٍ؛ لِبِنَاءٍ أوْ بِئْرٍ فِي بَعْضِهَا.
فَهَذِهِ الْقِسْمَةُ فِي حُكْمِ الْبَيْعِ؛ لَا يَجُوزُ فِيهَا إِلَّا مَا يَجُوزُ فِيهِ؛ إِذَا رَضُوا بِقِسْمَتِهَا أَعْيَانًا بِالْقِيمَةِ جَازَ، وَلَا يُجْبَرُ مَنِ امْتَنَعَ مِنْ قِسْمَتِهَا. وَالضَّرَرُ الْمَانِعُ مِنْ قِسْمَةِ الإِجْبَارِ: نَقْصُ قِيمَةِ الْمَقْسُومِ بِهَا.
وَإِنْ تَضَرَّرَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ وَحْدَهُ؛ كَرَبِّ الثُّلُثِ مَعَ رَبِّ الثُّلُثَيْنِ، فَطَلَبَ (٢) الْمُتَضَرِّرُ الْقِسْمَةَ -أُجْبِرَ الآخَرُ، وَلَا عَكْسَ.
وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُمَا عَبِيدٌ، أَوْ بَهَائِمُ، أَوْ ثِيَابٌ، وَنَحْوُهَا (٣)، مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَتَهَا أَعْيَانًا بِالْقِيمَةِ -أُجْبِرَ الآخَرُ. وَلَا يُجْبَرُ فِي مُخْتَلِفَي الْجِنْسِ.
وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا حَائِطٌ أَوْ عَرْصَةٌ، فَلَا إِجْبَارَ فِيهِمَا بِحَالٍ، إِلَّا أَنْ стр. 532
يَطْلُبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَةَ طُولِهِمَا فِي كَمَالِ الْعَرْضِ، أَوْ قِسْمَةَ الْعَرْصَةِ عَرْضًا، وَهِيَ تَسَعُ حَائِطَيْنِ؛ فَيُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ.
وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا دَارٌ ذَاتُ سُفْلٍ وَعُلْوٍ، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا جَعْلَ السُّفْلِ لِوَاحِدٍ، وَالْعُلْوِ لآخَرَ -لَمْ يُجْبَرِ الْمُمْتَنِعُ. وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مَنَافِعُ، وَاقْتَسَمَاهَا بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، جَازَ، وَلَزِمَ الْعَقْدُ إِذَا قَدَّرَا مُدَّةً مَعْلُومَةً.
وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَرْضٌ فِيهَا زَرْعٌ لَهُمَا، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَتَهَا دُونَ الزَّرْعِ، قُسِمَتْ كَالْخَالِيَةِ. وَإِنْ طَلَبَ قِسْمَةَ الزَّرْعِ دُونَهَا، أَوْ قِسْمَتَهُمَا (١)، لَمْ يُجْبَرِ الْمُمْتَنِعُ. وَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَيْهِ وَالزَّرْعُ قَصِيلٌ (٢) أَوْ قُطْنٌ، جَازَ. وَإِنْ كَانَ بَذْرًا أَوْ سُنْبُلًا مُشْتَدَّ الْحَبِّ، لَمْ يَجُزْ.
وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا نَهْرٌ، أَوْ قَنَاةٌ، أَوْ عَيْنٌ يَنْبُعُ مَاؤُهَا -فَالْمَاءُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ عِنْدَ اسْتِخْرَاجِ ذَلِكَ. وَإِنْ رَضِيَا بِقِسْمَتِهِ مُهَايَأَةً بِالزَّمَانِ، أَوْ بِأَنْ يُنْصَبَ حَجَرٌ مُسْتَوٍ، أَوْ خَشَبَةٌ، فِي مَصْدَمِ الْمَاءِ، فِيهِ ثُقْبَانِ عَلَى قَدْرِ حَقِّهِمَا-: جَازَ. فَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَسْقِيَ بِنَصِيبِهِ أَرْضًا لَا شِرْبَ لَهَا مِنْ هَذَا الْمَاءِ، لَمْ يُمْنَعْ.
فَصْلٌ
وَأَمَّا مَا لَا ضَرَرَ وَلَا رَدَّ عِوَضٍ، فِي قِسْمَتِهِ؛ كَالْقَرْيَةِ، وَالْبُسْتَانِ، стр. 533
وَالدَّارِ الْكَبِيرَةِ، وَالأَرْضِ وَالدَّكَاكِينِ الْوَاسِعَةِ، وَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ: كَالأَدْهَانِ، وَالأَلْبَانِ، وَخَلِّ التَّمْرِ، وَالْعِنَبِ، وَنَحْوِهِمَا-: إِذَا طَلَبَ الشَّرِيكُ قِسْمَتَهَا، أُجْبِرَ الآخَرُ عَلَيْهَا.
وَهَذِهِ الْقِسْمَةُ إِفْرَازٌ لَا بَيْعٌ؛ فَيَجُوزُ قِسْمَةُ الْوَقْفِ مِنْ ذَلِكَ بِلَا رَدٍّ، وَمَا بَعْضُهُ وَقْفٌ مِنْ غَيْرِ رَدٍّ مِنْ أَرْبَابِ الطِّلْقِ (١).
وَيَجُوزُ قِسْمَةُ مَا يُخْرَصُ خَرْصًا، وَمَا يُكَالُ وَزْنًا، وَمَا يُوزَنُ كَيْلًا. وَالتَّفَرُّقُ فِي قِسْمَةِ ذَلِكَ قَبْلَ الْقَبْضِ. وَلَا يَحْنَثُ بِهَا مِنْ حَلَفَ "لَا يَبِيعُ". وَيَفْسَخُ بِالْعَيْبِ، وَلَا شُفْعَةَ. وَمَنْ رَهَنَ سَهْمَهُ مُشَاعًا، ثُمَّ قَاسَمَ شَرِيكَهُ، صَحَّ، وَاخْتَصَّ قَسْمُهُ بِالرَّهْنِ.
وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَرْضٌ يَشْرَبُ بَعْضُهَا سَيْحًا (٢)، وَالْبَعْضُ بَعْلًا (٣)، ، أَوْ فِي بَعْضِهَا شَجَرٌ، وَفِي الْبَعْضِ نَخْلٌ؛ فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَةَ كُلِّ عَيْنٍ عَلَى حِدَةٍ، وَطَلَبَ (٤) الآخَرُ قِسْمَتَهَا أَعْيَانًا بِالْقِيمَةِ -قُسِمَتْ كُلُّ عَيْنٍ عَلَى حِدَةٍ إِذَا أَمْكَنَ. стр. 534
فَصْلٌ
وَيَجُوزُ لِلشُّرَكَاءِ أَنْ يَتَقَاسَمُوا بِأَنْفُسِهِمْ، وَبِقَاسِمٍ يَنْصِبُونَهُ، أَوْ يَسْأَلُوا الحَاكِمَ نَصْبَهُ، وَأُجْرَتُهُ عَلَى قَدْرِ الأَمْلَاكِ. وَمِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا، عَارِفًا بِالْقِسْمَةِ.
وَيُعَدِّلُ السِّهَامَ بِالأَجْزَاءِ إِنْ تَسَاوَتْ، وَبِالْقِيمَةِ إِنِ اخْتَلَفَتْ، وَبِالرَّدِّ إِنِ اقْتَضَتْهُ، فَإِذَا تَمَّتِ الْقُرْعَةُ لَزِمَتِ الْقِسْمَةُ. فَإِنْ كَانَ فِيهَا تَقْوِيمٌ، لَمْ يَجُزْ أَقَلُّ مِنْ قَاسِمَيْنِ، وَإِلَّا أَجْزَأَ وَاحِدٌ.
وَإِذَا سَأَلُوا الْحَاكِمَ قِسْمَةَ عَقَارٍ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ أَنَّهُ لَهُمْ، ذَكَرَ فِي كِتَابِ الْقِسْمَةِ أَنَّهُ قَسَمَهُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُمْ بِمِلْكِهِ. وَإِنْ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى طَلَبِ الْقِسْمَةِ، لَمْ يَقْسِمْهُ حَتَّى يَثْبُتَ عِنْدَهُ مِلْكُهُمْ.
فَصْلٌ
وَكَيْفَمَا اقْتَرَعُوا جَازَ، وَالأَحْوَطُ أَنْ يَكْتُبَ كُلَّ اسْمِ شَرِيكٍ فِي رُقْعَةٍ، ثُمَّ تُدْرَجُ فِي بَنَادِقِ شَمْعِ أَوْ طِينٍ، مُتَسَاوِيَةٍ قَدْرًا وَوَزْنًا، وَتُطْرَحُ فِي حِجْرِ مَنْ لَمْ يَحْضُرْ ذَلِكَ، وَيُقَالُ لَهُ: "أَخْرِج بُنْدُقَةً عَلَى هَذَا السَّهْمِ"، فَمَنْ خَرَجَ اسْمُهُ (١) كَانَ لَهُ، ثُمَّ لِلثَّانِي كَذَلِكَ، وَالسَّهْمُ الْبَاقِي لِلثَّالِثِ، إِنْ стр. 535
كَانُوا ثَلَاثَةً وَاسْتَوَتْ سِهَامُهُمْ.
وَلَوْ كَتَبَ اسْمَ كُلِّ سَهْمٍ فِي رُقْعَةٍ، ثُمَّ قَالَ: "أَخْرِجْ بُنْدُقَةً لِفُلَانٍ، وَبُنْدُقَةً لِفُلَانٍ، وَبُنْدُقَةً لِفُلَانٍ" -جَازَ. وَلَوْ كَانَتْ سِهَامُ الثَّلَاثَةِ مُخْتَلِفَةً- كَنِصْفٍ، وَثُلُثٍ، وَسُدُسٍ -جُزِّئَ الْمَقْسُومُ سِتَّةَ أَجْزَاءٍ، وَأَخْرَجَ الأَسْمَاءَ عَلَى السِّهَامِ لَا غَيْرُ؛ فَيَكْتُبُ اسْمَ صَاحِبِ النِّصْفِ ثَلَاثَةَ رِقَاعٍ، وَلِرَبِّ الثُّلُثِ رُقْعَتَيْنِ، وَلِرَبِّ السُّدُسِ رُقْعَةً، وَتُخْرَجُ بُنْدُقَةٌ عَلَى أَوَّلِ سَهْمٍ: فَإِنْ خَرَجَ عَلَيْهِ اسْمُ رَبِّ النِّصْفِ، أَخَذَهُ مَعَ الثَّانِي وَالثَّالِثِ. وَإِنْ خَرَجَ اسْمُ صَاحِبِ الثُّلُثِ، أَخَذَهُ وَالثَّانِي. ثُمَّ يُقْرَعُ بَيْنَ الآخَرَيْنِ، وَالْبَاقِي لِلثَّالِثِ.
فَصْلٌ
وَمَنِ ادَّعَى غَلَطًا فِيمَا تَقَاسَمُوهُ بِأَنْفُسِهِمْ، وَأَشْهَدوا عَلَى رِضَاهُمْ بِهِ -لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ فِيمَا قَسَمَهُ قَاسِمُ الْحَاكِمِ، قُبِلَ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ. وَإِنْ كَانَ فِيمَا قَسَمَهُ قَاسِمٌ نَصَبُوهُ، وَوُجِدَ فِيهِ الرِّضَا بَعْدَ الْقُرْعَةِ، لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ، وَإِلَّا فَهُوَ كَقَاسِمِ الْحَاكِمِ.
وَإِذَا تَقَاسَمَا، ثُمَّ اسْتُحِقَّ مِنَ الْحِصَّتَيْنِ شَيْءٌ مُعَيَّنٌ، فَالْقِسْمَةُ بِحَالِهَا فِي الْبَاقِي. وَإِنْ كَانَ فِي أَحَدِهِمَا أَوْ فِيهِمَا شَائِعًا، بَطَلَتْ. وَإِذَا قَسَمَ الْوَرَثَةُ الْعَقَارَ، ثُمَّ ظَهَرَ دَيْنٌ عَلَى الْمَيِّتِ، لَمْ تَبْطُلِ القِسْمَةُ. وَإِنِ اقْتَسَمَا دَارًا، فَحَصَلَ الطَّرِيقُ فِي حِصَّةِ أَحَدِهِمَا، وَلَا مَنْفَذَ لِلآخَرِ -لَمْ
стр. 536
تَصِحَّ الْقِسْمَةُ. وَإِنْ كَانَ لَهَا ظُلَّةٌ، فَوَقَعَتْ فِي حِصَّةِ أَحَدِهِمَا، فَهِيَ لَهُ بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ.
وَوَلِيُّ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ فِي قِسْمَةِ الإِجْبَارِ بِمَنْزِلَتِهِ، وَكَذَا فِي قِسْمَةِ التَّرَاضِي إِذَا رَآهَا مَصْلَحَةً. وَيَقْسِمُ الْحَاكِمُ عَلَى الْغَائِبِ فِي قِسْمَةِ الإِجْبَارِ (١).
* * * стр. 537
بَابُ الدَّعَاوَى وَالْبَيِّنَاتِ، وَتَعَارُضِهِمَا فِي الْبَيِّنَتيْن (١) فِيهَا
الْمُدَّعِي: مَنْ إِذَا سَكَتَ تُرِكَ. وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ: مَنْ إِذَا سَكَتَ لَمْ يُتْرَكْ. وَلَا تَصِحُّ الدَّعْوَى والإِنْكَارُ إِلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ.
وَإِذَا تَدَاعَيَا عَيْنًا لَمْ تَخْلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا . فَهِيَ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ بَيِّنَةٌ فَلَا يَحْلِفُ. فَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ، قُضِيَ لِلْخارِجِ بِبَيِّنَتِهِ، وَلَغَتْ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ.
وَلَوْ تَدَاعَيَا حَيَوَانًا: أَحَدُهُمَا آخِذٌ بِزِمَامِهِ، وَالآخَرُ رَاكِبُهُ أَوْ عَلَيْهِ حِمْلُهُ، ، أَوْ قَمِيصًا: أَحَدُهُمَا اخِذٌ بِكُمِّهِ، وَالآخَرُ لَابِسُهُ -فَهُوَ لِلثَّانِي.
وَإِنْ نَازعَ صَاحِبُ الدَّارِ خَيَّاطًا فِيهَا؛ فِي إِبْرَةٍ أَوْ مِقَصٍّ، أَوْ قَرَّابًا فِي قِرْبَةٍ -فَهِيَ لِلْخَيَّاطِ، وَالْقَرَّابِ. وَإِنْ تَنَازَعَا عَرْصَةَ فِيهَا بِنَاءٌ أَوْ شَجَرٌ لأَحَدِهِمَا، فَهِيَ لَهُ. وَإِنْ تَنَازَعَا حَائِطًا مَعْقُودًا بِبِنَاءِ أَحَدِهِمَا وَحْدَهُ، أَوْ مُتَّصِلًا بِهِ اتِّصَالًا لَا يُمْكِنُ إِحْدَاثُهُ، أَوْ لَهُ عَلَيْهِ أَزَجٌ (٢) -فَهُوَ لَهُ. وَإِنْ كَانَ стр. 538
مَحْلُولًا مِنْ بِنَائِهِمَا، أَوْ مَعْقُودًا بِهِمَا، فَهُوَ بَيْنَهُمَا.
وَلَا تُرَجَّحُ الدَّعْوى بِوَضْعِ خَشَبِ (١) أَحَدِهِمَا عَلَيْهِ، وَلَا بِوُجُوهِ الآجُرِّ، وَالتَّزْوِيقِ، وَالتَّجْصِيصِ، وَمَعَاقِدِ الْقِمْطِ فِي الْخُصِّ (٢).
وَإِنْ تَنَازَعَ صَاحِبُ الْعُلْوِ وَالسُّفْلِ سُلَّمًا مَنْصُوبًا، أَوْ دَرَجَةً، فَهِيَ لِصَاحِبِ الْعُلْوِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ تَحْتَ الدَّرَجَةِ مَسْكَنٌ لِصَاحِبِ السُّفْلِ؛ فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا. وَإِنْ تَنَازَعَا فِي السَّقْفِ الَّذِي بَيْنَهُمَا، فَهُوَ بَيْنَهُمَا.
وَإِنْ تَنَازَعَ الْمُؤَجِّرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ فِي رَفٍّ مَقْلُوعٍ، أَوْ مِصْرَاعٍ، وَلَهُ شَكْلٌ مَنْصُوبٌ فِي الدَّارِ -فَهُوَ لِرَبِّهَا، وَإِلَّا فَهُوَ لَهُمَا.
وَإِنْ تَنَازَعَا دَارًا فِي يَدَيْهِمَا، فَادَّعَاهَا أَحَدُهُمَا، وَادَّعَى الآخَرُ نِصْفَهَا -جُعِلَتْ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَالْيَمِينُ عَلَى مُدَّعِي النِّصْفِ.
وَإِنْ تَنَازَعَ الزَّوْجَانِ -أَوْ وَرَثَتُهُمَا- فِي قُمَاشِ الْبَيْتِ: فَمَا يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ؛ كَالْعِمَامَةِ وَالسَّيْفِ، فَلِلرَّجُلِ. وَمَا يَصْلُحُ لِلنِّسَاءِ؛ كَحَلْيِهِنَّ وَثِيَابِهِنَّ، فَلِلْمَرْأَةِ. وَمَا يَصْلُحُ لَهُمَا بَيْنَهُمَا، حُرَّيْنِ كَانَا أَوْ رَقِيقَيْنِ، أَوْ أَحَدُهُمَا. وَكَذَا إِنِ اخْتَلَفَ صَانِعَانِ فِي آلَةِ دُكَّانٍ (٣) لَهُمَا، حُكِمَ بِآلَةِ كُلِّ стр. 539
صَنْعَةٍ لِصَانِعِهَا.
وَكُلُّ مَنْ قُلْنَا: "لَهُ"، فَهُوَ مَعَ يَمِينِهِ إِذَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ. وَإِنْ كَانَ لأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ، حُكِمَ بِهَا. وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، حُكِمَ بِهَا لِلْمُدَّعِي، فَإِنْ أَقَامَ الدَّاخِلُ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنَ الْخَارِجِ، أَوْ بِالْعَكْسِ، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ.
فَصْلٌ
الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ فِي يَدَيْهِمَا ، أَوْ فِي غَيْرِ يَدِ أَحَدٍ، فَيَتَحَالَفَانِ، وَتُقْسَمُ بَيْنَهُمَا. إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَحَدُهُمَا نِصْفَهَا فَمَا دُونَ، وَالآخَرُ أَكْثَرَ مِنْ بَقِيَّتِهَا، أَوْ كُلَّهَا؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الأَقَلِّ مَعَ يَمِينِهِ.
وَإِنْ تَنَازَعَا مُسَنَّاةً (١) بَيْنَ نَهْرِ أَحَدِهِمَا وَأَرْضِ الآخَرِ، تَحَالَفَا، وَهِيَ بَيْنَهُمَا. وَكَذَا صَبِيًّا فِي يَدَيْهِمَا. وَإِنْ كَانَ مُمَيِّزًا، فَقَالَ: "إِنِّي حُرٌّ"، مُنِعَا مِنْهُ، إِلَّا أَنْ يَقُومَ بَيِّنَةٌ بِرِقِّهِ.
فَصْلٌ
وَإِنْ كَانَ لأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ بِالْعَيْنِ حُكِمَ لَهُ بِهَا . وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، قُدِّمَ أَسْبَقُهُمَا تَأْرِيخًا.
فَإِنْ وُقِّتَتْ إِحْدَاهُمَا، وأُطْلِقَتْ الأُخْرَى، أَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِالْمِلْكِ стр. 540
وَسَبَبِهِ، وَبَيِّنَةٌ بِالْمِلْكِ وَحْدَهُ، أَوْ بَيِّنَةُ أَحَدِهِمَا بِالْمِلْكِ لَهُ مُنْذُ سَنَةٍ، وَبَيِّنَةُ الآخَرِ بِالْمِلْكِ لَهُ مُنْذُ شَهْرٍ -فَهُمَا سَوَاءٌ (١). وَلَا يُرَجَّحُ أَكْثَرُهُمَا عَدَدًا، وَلَا الرَّجُلَانِ عَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَتَيْنِ، بَلْ يُرَجَّحُ أَعْدَلُهُمَا، وَالشَّاهِدَانِ عَلَى الشَّاهِدِ وَاليَمِينِ. وَإِذَا تَسَاوَتَا (٢) تَعَارَضَتَا، وَقُسِّمَتِ الْعَيْنُ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ يَمِينٍ.
فَإِنِ ادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهُ "اشْتَرَاهَا مِنْ زَيْدٍ، وَهِيَ مِلْكُهُ"، وَشَهِدَتِ الْبَيِّنَةُ بِذَلِكَ -سُمِعَتْ، وَإِلَّا فَلَا. فَإِنِ ادَّعَى الآخَرُ أَنَّهُ "اشْتَرَاهَا مِنْ عَمْرٍو، وَهِيَ مِلْكُهُ"، وَأَقَامَ بِهِ بَيِّنَةً -تَعَارَضَتَا.
وَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهَا مِلْكُهُ، وَأَقَامَ الآخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْهُ، أَوْ وَقَفَهَا عَلَيْهِ، أَوْ أَعْتَقَهُ -قُدِّمَتْ بَيِّنَتُهُ.
فَإِنْ أَقَامَ رَجُلٌ بَيِّنَةً أَنَّ "هَذِهِ الدَّارَ لأَبِي، خَلَّفَهَا تَرِكَةً"، وَأَقَامَتِ امْرَأَةٌ بَيِّنَةً أَنَّ أَبَاهُ أَصْدَقَهَا إِيَّاهَا -فَهِيَ للْمَرْأَةِ. стр. 541
فَإِنْ تَدَاعَيَا عَيْنًا بِيَدِ ثَالِثٍ (١)، فَأَقَرَّ بِهَا لأَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ، فَهِيَ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَيَحْلِفُ الْمُقِرُّ لِلآخَرِ، وَإِنْ نَكَلَ لَزِمَهُ عِوَضُهَا.
وَإِنْ قَالَ: "هِيَ لأَحَدِهِمَا لَا أَعْلَمُ عَيْنَهُ"، فَصَدَّقَاهُ، لَمْ يَحْلِفْ. وَإِنْ كَذَّبَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا، حَلَفَ يَمِينًا وَاحِدَةَ بِذَلِكَ، وَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ فَهِيَ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ. وَإِنِ ادَّعَاهَا الثَّالِثُ لِنَفْسِهِ، أَوْ جَحَدَهَا، حَلَفَ لِكُلِّ وَاحِدٍ يَمِينًا، وَهِيَ لَهُ. وَإِنْ نَكَلَ لَزِمَهُ لَهُمَا الْعَيْنُ، أَوْ عِوَضُهَا، يَقْتَرِعَانِ عَلَيْهَا.
فَصْلٌ
فَإِنْ كَانَ فِي يَدِ رَجُلٍ عَبْدٌ، فَادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ زَيْدٍ، وَادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّ زَيْدًا أَعْتَقَهُ، وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ -قُبِلَتْ بَيِّنَةُ الْعَبْدِ وَعَتَقَ. فَإِنْ كَانَ بِيَدِ زَيْدٍ، فَحُكْمُهُ كَالْفَصْلِ قَبْلَهُ.
وَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِ (٢) عَبْدٌ، فَادَّعَى اثْنَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْهُ بِثَمَنٍ سَمَّاهُ، فَصَدَّقَهُمَا -لَزِمَهُ الثَّمَنَانِ. وَإِنْ أَنْكَرَ، حَلَفَ لَهُمَا وَبَرِئَ. وَإِنْ صَدَّقَ أَحَدَهُمَا، أَوْ أَقَامَ بِهِ بَيِّنَةَ، لَزِمَهُ الثَّمَنُ وَحَلَفَ لِلآخَرِ.
وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً: مُطْلَقَتَيْنِ، أَوْ مُخْتَلِفَتَيِ التَّأْرِيخِ، أَوْ стр. 542
إِحْدَاهُمَا مُطْلَقَةٌ وَالأُخْرَى مُؤَرَّخَةٌ -عُمِلَ بِهِمَا. وَإِنِ اتَّفَقَ تَأْرِيخُهُمَا تَعَارَضَتَا. وَإِنِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ أَنَّهُ بَاعَنِي إِبَّاهُ بِأَلْفٍ، وَأَقَامَ بَيِّنَةً، قُدِّمَ أَسْبَقُهُمَا تَأْرِيخًا. وَإِنِ اسْتَوَتَا (١) تَعَارَضَتَا.
وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: "غَصَبَنِي"، وَقَالَ الآخَرُ: "مَلَّكَنِيهِ"، أَوْ: "أَقَرَّ لِي بِهِ"، وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ -فَهُوَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ، وَلَا شَيْءَ لِلآخَرِ.
فَصْلٌ
وَإِذَا مَاتَ مُسْلِمٌ وَلَهُ ابْنَانِ: مُسْلِمٌ، وَكَافِرٌ، فَأَسْلَمَ وَقَالَ: "أَسْلَمْتُ قَبْلَ مَوْتِ أَبِي"، أَوْ: "قَبْلَ قِسْمَةِ تَرِكَتِهِ"، وَقَالَ أَخُوهُ: "بَلْ بَعْدَ ذَلِكَ" -فَلَا إِرْثَ لَهُ؛ عَمَلًا بِقَوْلِ أَخِيهِ. وَإِنْ قَالَ: "أَسْلَمْتُ فِي الْمُحَرَّمِ، وَمَاتَ أَبِي فِي صَفَرٍ"، وَقَالَ أَخُوهُ: "بَلْ مَاتَ أَبِي قَبْلَ الْمُحَرَّمِ" -فَالإِرْثُ بَيْنَهُمَا.
وَمَنِ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ عَبْدُهُ، وَقَالَ: "بَلْ أَنَا حُرٌّ"، وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ -تَعَارَضَتَا. وَمَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ: "إِنْ قُتِلْتُ (٢) فَأَنْتَ حُرٌّ"، وَمَاتَ، فَادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّهُ قُتِلَ (٣)، وَأَقَامَ بِهِ بَيِّنَةً، وأَقَامَ الْوَرَثَةُ بَيِّنَةً أَنَّهُ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ - стр. 543
قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْعَبْدِ.
وَإِنْ قَالَ: "إِنْ مُتُّ فِي الْمُحَرَّمِ فَسَالِمٌ حُرٌّ، وَإِنْ مُتُّ فِي صَفَرٍ فَغَانِمٌ حُرٌّ"، ثُمَّ لَمْ يُعْلَمْ هَلْ مَاتَ فِيهِمَا أَوْ فِي غَيْرِهِمَا -فَهُمَا عَلَى الرِّقِّ. وَإِنْ قَالَ: "إِنْ مُتُّ فِي مَرَضِي هَذَا فَسَالِمٌ حُرٌّ، وَإِنْ بَرِئْتُ فَغَانِمٌ حُرٌّ"، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِمُوجِبِ عِتْقِهِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ -تَعَارَضَتَا، وَبَقِيَا (١) عَلَى الرِّقِّ.
فَصْلٌ
وَمَنْ شَهِدَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ أَتْلَفَ ثَوْبًا قِيمَتُهُ عِشْرُونَ، وَبَيِّنَةٌ بِإِتْلَافِهِ وَأَنَّ قِيمَتَهُ ثَلَاثُونَ -ثَبَتَ عَلَيْهِ أَقَلُّهُمَا. وَلَوْ كَانَ بِكُلِّ قِيمَةٍ شَاهِدٌ، ثَبَتَ الأَقَلُّ بِهِمَا. وَلَوْ مَاتَتِ امْرَأَةٌ وَابْنُهَا، فَقَالَ زَوْجُهَا: "مَاتَتْ فَوَرِثْنَاهَا، ثُمَّ مَاتَ ابْنِي فَوَرِثْتُهُ"، وَقَالَ أَخُوهَا: "مَاتَ ابْنُهَا فَوَرِثَتْهُ، ثُمَّ مَاتَتْ فَوَرِثْنَاهَا"، وَلَا بَيِّنَةَ -حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى إِبْطَالِ دَعْوَى صَاحِبِهِ، وَيَرِثُ الأَبُ ابْنَهُ وَنِصْفَ مِيرَاثِ الزَّوْجَةِ. وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ، تَعَارَضَتَا وَسَقَطَتَا.
فَصْلٌ
وَإِذَا شَهِدَتْ عَلَى مَيِّتٍ بَيِّنَةٌ لَا تَرِثُهُ بِعِتْقِ سَالِمٍ فِي مَرَضِهِ، وَقِيمَتُهُ ثُلُثُ مَالِهِ، وَبَيِّنَة وَارِثَةٌ بِعِتْقِ غَانِمٍ، وَقِيمَتُهُ كَذَلِكَ، وَلَمْ تُجِزْ إِلَّا الثُّلُثَ - стр. 544
فَالْحُكْمُ كَمَا لَوْ كَانَتَا أَجْنَبِيَّتَيْنِ؛ يَعْتِقُ أَسْبَقُهُمَا عِتْقًا. فَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ السَّبْقِ الأَجْنَبِيَّةُ، وَكَذَّبَتْهَا الْوَارِثَةُ، أَوْ ذَاتَ السَّبْقِ الْوَارِثَةُ، وَهِيَ فَاسِقَةٌ - عَتَقَ الْعَبْدَانِ. وَإِنْ جُهِلَ أَسْبَقُهُمَا، أَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ كُلِّ عَبْدٍ بِالْوَصِيَّةِ بِعِتْقِهِ، وَعُلِمَ تَأْرِيخُ الْوَصِيَّةِ، أَوْ جُهِلَ -أَعْتَقْنَا أَحَدَهُمَا بِالْقُرْعَةِ. وَإِنْ كَذَّبَتِ الْوَارِثَةُ الأَجْنَبِيَّةَ، لَغَا تَكْذِيبُهَا دُونَ شَهَادَتِهَا؛ فَعَتَقَ (١) غَانِمٌ، وَوُقِفَ عِتْقُ سَالِمٍ عَلَى الْقُرْعَةِ. وَإِنْ لَمْ تُكَذِّبْ، بَلْ كَانَتْ فَاسِقَةً، فَالْحُكْمُ بِالْعَكْسِ. وَإِنْ جَمَعَتِ الْوَارِثَةُ الْفِسْقَ وَالتَّكْذِيبَ، أَوِ الْفِسْقَ وَالشَّهَادَةَ بِالرُّجُوعِ عَنْ عِتْقِ سَالِمٍ -عَتَقَا مَعًا.
وَإِنْ شَهِدَ الْوَارِثَةُ بِالرُّجُوعِ، وَلَيْسَتْ فَاسِقَةً وَلَا مُكَذِّبَةً، قُبِلَتْ شَهَادَتُهَا (٢) وَعَتَقَ غَانِمٌ وَحْدَهُ؛ كَمَا لَوْ كَانَتْ أَجْنَبِيَّةً. وَلَوْ كَانَتْ قِيمَةُ غَانِمٍ سُدُسَ الْمَالِ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهَا، وَعَتَقَا مَعًا. وَالْوَارِثَةُ الْعَادِلَةُ فِيمَا تَقُولُهُ خَبَرًا لَا شَهَادَةً، كَالْفَاسِقَةِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا. وَالتَّدْبِيرُ مَعَ التَّنْجِيزِ، كَآخِرِ التَّنْجِيزَيْنِ (٣) مَعَ أَوَّلِهِمَا؛ فِي كُلِّ مَا قَدَّمْنَا.
فَصْلٌ
وَمَنْ شَهِدَا عَلَى رَجُلَيْنِ أَنَّهُمَا قَتَلَا فُلَانًا، فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا عَلَى стр. 545
الشَّاهِدَيْنِ بِقَتْلِهِ: فَإِنْ صَدَّقَ الْوَلِيُّ الأَوَّلَيْنِ، ثَبَتَ لَهُ الْقَتْلُ بِشَهَادَتِهِمَا، وَإِنْ صَدَّقَ الآخَرَيْنِ أَوِ الْكُلَّ، لَمْ يَثْبُتِ الْقَتْلُ بِحَالٍ. وَإِنْ شَهِدَا بِنِكَاحٍ مُتَّحِدٍ بِاتِّفَاقِهِمَا، أَوْ بِفِعْلٍ مُتَّحِدٍ بِاتِّفَاقِهِمَا؛ كَغَصْبٍ وَسَرِقَةٍ، أَوْ فِي نَفْسِهِ؛ كَقَتْلِ نَفْسٍ وَإِحْرَاقِ ثَوْبٍ، وَاخْتَلَفَا فِي زَمَانِهِ أَوْ مَكَانِهِ، أَوْ صِفَةٍ تتَعَلَّقُ بِهِ؛ كَآلَةِ الْقَتْلِ وَلَوْنِ الْمُحَرَّقِ وَالْمَسْرُوقِ وَالْمَغْصُوبِ-: لَمْ تُجْمَعْ شَهَادَتُهُمَا لِلتَّنَافِي. وَلَوْ كَانَ مِمَّا يَتَعَدَّدُ وَلَمْ يَشْهَدَا بِاتِّحَادِهِ؛ كَالشَّهَادَةِ بِأَمْرَيْنِ لَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا، لَكِنْ بِكُلِّ أَمْرٍ شَاهِدٌ -عُمِلَ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ.
وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدٌ بِالْفِعْلِ، وَآخَرُ عَلَى الإِقْرَارِ (١) بهِ، جُمِعَتْ شَهَادَتُهُمَا. وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِعَقدِ النِّكَاحِ، أَوْ (٢) قَتْلِ الْخَطَأِ، وَالآخَرُ عَلَى الإِقْرَارِ بِهِ -لَمْ تُجْمَعْ. وَيَحْلِفُ مُدَّعِي الْقَتْلِ مَعَ شَاهِدِ الْفِعْلِ؛ وَيَسْتَحِقُّ الدِّيَةَ عَلَى الْعَاقِلَةِ، أَوْ مَعَ شَاهِدِ الإِقْرَارِ؛ وَيَسْتَحِقُّ الدِّيَةَ عَلَى الْقَاتِلِ.
وَإِنْ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَخَذَ مِنْ صَبِيٍّ أَلْفًا، وَشَهِدَ آخَرَانِ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ أَنَّهُ أَخَذَ مِنَ الصَّبِيِّ أَلْفًا -لَزِمَ الْوَليَّ أَنْ يَطلُبَهُمَا بِأَلْفَيْنِ؛ إِلَّا أَنْ تَشْهَدَ الْبَيِّنَتَانِ عَلَى أَلْفٍ بِعَيْنِهَا؛ فَيَطْلُبُ أَلْفًا مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ. стр. 546
فَصْلٌ
وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ بَاعَ زَيْدًا كَذَا أَمْسِ، وَآخَرُ أَنَّهُ بَاعَهُ إِيَّاهُ الْيَوْمَ، أَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ بَاعَ كَذَا -أَوْ أَعْتَقَ، أَوْ طَلَّقَ- وَالآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِذَلِكَ، وَاخْتَلَفَا وَقْتًا أَوْ مَكَانًا-: كَمَلَتِ الْبَيِّنَةُ بِهِ.
وَكَذَا الْحُكْمُ فِي كُلِّ شَهَادَةٍ عَلَى الْقَوْلِ سِوَى النِّكَاحِ وَالْقَذْفِ.
وَلَوْ كَانَتِ الشَّهَادَةُ عَلَى الإِقْرَارِ بِشَيْءٍ جُمِعَتْ، وَلَوْ كَانَ نِكَاحًا، أَوْ قَذْفًا، أَوْ فِعْلًا.
وَإِنْ شَهِد (١) شَاهِدٌ بِأَلْفٍ، وَآخَرُ بِأَلْفٍ مِنْ قَرْضٍ، جُمِعَتْ شَهَادَتُهُمَا. وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بأَلْفٍ مِنْ قَرْضٍ، وَالآخَرُ بِأَلْفٍ مِنْ ثَمَنِ مَبيعٍ، لَمْ تُجْمَعْ. وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِأَلْفٍ، وَالآخَرُ بِخَمْسِمِائَةٍ، أَوْ بِأَلْفَيْنِ -ثَبَتَ الأَقَلُّ بشَهَادَتِهِمَا مُطْلَقًا، وَيَحْلِفُ الْمُدَّعِي إِنْ شَاءَ لِتَمَامِ الأَكْثَرِ.
وَإِنْ شَهِدَا أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ أَلْفًا، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا: "قَضَاهُ مِنْهَا خَمْسَمِائَةٍ"، بَطَلَتْ شَهَادَتُهُ.
وَإِنْ شَهِدَا أَنَّهُ أَقْرَضَهُ أَلْفًا، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا: "قَضَاهُ خَمْسَمِائَةٍ"، صَحَّتْ شَهَادَتُهُمَا بِالأَلْفِ. стр. 547
وَإِذَا جَمَعْنَا (١) بَيْنَ الشَّهَادَتَيْنِ الْمُخْتَلِفَتَي الْوَقْتِ فِي قَتْلٍ، أَوْ طَلَاقٍ -فَالْعِدَّةُ وَالتَّوْرِيثُ عَقِيبَ آخِرِ الْمُدَّتَيْنِ.
وَإِذَا قَالَ مَنْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِأَلْفٍ: "أُرِيدُ أَنْ تَشْهَدَا لِي بِخَمْسِمِائَةٍ"، لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ إِذَا كَانَ الْحَاكِمُ لَمْ يُوَلَّ الْحُكْمَ بِأَكْثَرَ مِنْهَا، وَإِلَّا جَازَ.
فَصْلٌ
إِذَا مَاتَ مَنْ لَهُ وَلَدَانِ، مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ، فَادَّعَى كُلٌّ مِنْهُمَا أنَّهُ مَاتَ عَلَى دِيِنهِ -فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي أَصْلَ دِيِنهِ إِنْ عُرِفَ. وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ، فَالْمِيرَاثُ لِلْكَافِرِ إِنِ اعْتَرَفَ بِأُخُوَّتِهِ الْمُسْلِمُ، أَوْ قامَتِ بِهَا بَيِّنَةٌ. وَإِنْ عُدِمَا، فَهُوَ بَيْنَهُمَا.
وَلَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ مَاتَ نَاطِقًا بِكَلِمَةِ الإِسْلَامِ، وَبَيِّنَةٌ أَنَّهُ مَاتَ نَاطِقًا بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ -تَعَارَضَتَا وَسَقَطَتَا، سَوَاءٌ عُرِفَ أَصْلُ دِيِنهِ أَوْ لَا. وَإِنْ قَالَتْ بَيِّنَةٌ: "نَعْرِفُهُ (٢) مُسْلِمًا"، وَبَيِّنَةٌ: "نَعْرِفُهُ كَافِرًا"، أَوْ قَالَتْ بَيِّنَةٌ: "مَاتَ مُسْلِمًا"، وَبَيِّنَةٌ: "مَاتَ كَافِرًا"، وَلَمْ تُؤَرِّخَا مَعْرِفَتَهُمَا -قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الإِسْلَامِ بِكُلِّ حَالٍ.
وَإِنْ خَلَّفَ أَبَوَيْنِ كَافِرَيْنِ، وَابْنَيْنِ مُسْلِمَيْنِ، وَاخْتَلَفُوا فِي دِيِنهِ - стр. 548
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الأَبَوَيْنِ. وَإِنْ خَلَّفَ ابْنًا كَافِرًا، وَأَخًا (١) وَامْرَأَةً مُسْلِمَيْنِ -فَالْقَوْلُ قَوْلُ الاِبْنِ.
* * * стр. 549
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ فِي الْمَالِ وَكُلِّ حَقِّ آدَمِيِّ، فَرْضُ كِفَايَةٍ؛ إِذَا قَامَ بِهِ مَنْ يَكْفِي سَقَطَ عَنِ الْبَاقِينَ. فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ إِلَّا مَنْ يَكْفِي، تَعَيَّنَ عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ عَبْدًا لَمْ يَجُزْ لِسَيِّدِهِ [مَنْعُهُ] (١).
وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْجُعْلِ عَلَى تَحَمُّلِهَا وَلَا أَدَائِهَا. وَأَدَاؤُهَا فَرْضُ عَيْنِ عَلَى مَنْ تَحَمَّلَهَا، مَتَى دُعِيَ إِلَيْهِ وقَدَرَ بِلَا ضَرَرٍ فِي بَدَنِهِ، أَوْ عِرْضِهِ، أَوْ مَالِهِ، أَوْ أَهْلِهِ. وَكَذَا فِي التَّحَمُّلِ.
وَيَجُوزُ لِمَنْ (٢) عِنْدَهُ شَهَادَةٌ بِحَدٍّ للَّهِ، إِقَامَتُهَا وَتَرْكُهَا، وَلِلْحَاكِمِ أَنْ يُعَرِّضَ لَهُ بِالتَّوَقُّفِ عَنْهَا.
وَمَنْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ لآدَمِيٍّ يَعْلَمُهَا، لَمْ يُقِمْهَا حَتَّى يَسْأَلَهُ. فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْهَا، فَالأَوْلَى أَنْ يُعْلِمَهُ ابْتِدَاءً. فَإِنْ أَقَامَهَا قَبْلَ إِعْلَامِهِ، جَازَ. وَلَا يَحِلُّ كِتْمَانُهَا بِالْكُلِّيَّهِ.
وَلَا يَجُوزُ لِلشَّاهِدِ أنْ يَشْهَدَ إِلَّا بِمَا يَعْلَمُهُ: بِرُؤْيَةِ، أَوْ سَمَاعٍ:
فَالرُّؤْيَةُ تَخْتَصُّ بِالأَفْعَالِ؛ كَالْقَتْلِ، وَالْغَصْبِ، وَالسَّرِقَةِ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَالرَّضَاعِ، وَالْوِلَادَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. стр. 550
وَالسَّمَاعُ ضَرْبَانِ:
سَمَاعٌ مِنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ؛ كَالطَّلَاقِ، وَالْعَتَاقِ، وَالإِبْرَاءِ، وَالْعُقُودِ، وَحُكْمِ الْحَاكِمِ، وَالأَقَارِيرِ، وَغَيْرِهَا؛ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ عَلَى مَنْ يَسْمَعُهُ وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْهُ بِهِ؛ لاِسْتِخْفَائِهِ، أَوْ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ. وَإِذَا قَالَ الْمُتَحَاسِبَانِ: "لَا تَشْهَدُوا عَلَيْنَا بِمَا يَجْرِي بَيْنَنَا"، لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ الشَّهَادَةَ.
وَسَمَاعٌ مِنْ جِهَةِ الاسْتِفَاضَةِ فِيمَا يَتَعَذَّرُ عِلْمُهُ غَالِبًا بِدُونِهَا؛ كَالنَّسَبِ، وَالْمَوْتِ، وَالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ، وَالنِّكَاحِ، وَالْوَقْفِ وَمَصْرفِهِ، وَالْعِتْقِ، وَالْوَلَاءِ، وَالْوِلايَةِ، وَالْعَزْلِ، وَالْخُلْعِ، وَالطَّلَاقِ. وَلَا يُشْهَدُ بِالاِسْتِفَاضَةِ إِلَّا عَنْ عَدَدٍ يَقَعُ الْعِلْمُ بِخَبَرِهِمْ.
وَمَنْ رَأَى شَيْئًا فِي يَدِ إِنْسَانٍ مُدَّةً طَوِيلَةً، يَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ؛ مِنْ نَقْضٍ، وَبِنَاءٍ، وَإِجَارَةٍ، وَإِعَارَةٍ، وَنَحْوِهَا -جَازَ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ بِالْمِلْكِ.
فَصْلٌ
وَمَنْ شَهِدَ بِالنِّكَاحِ، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ شُرُوطِهِ. وَإِنْ شَهِدَ بِرَضَاعٍ، أَوْ سَرِقَةٍ، أَوْ شُرْبٍ، أَوْ قَذْفٍ -فإِنَّهُ يَصِفُهُ. وَيَصِفُ الزِّنَى؛ بِذِكْرِ الزَّمَانِ، وَالْمَكَانِ، وَالْمَزْنِيِّ بِهَا. وَيَذْكُرُ مَا يُعْتَبَرُ لِلْحُكْمِ وَيَخْتَلِفُ بِهِ فِي الْكُلِّ.
وَإِنْ شَهِدَ بِقَتْلٍ قَالَ: "جَرَحَهُ فَقَتَلَهُ"، أَوْ: "مَاتَ مِنْ ذَلِكَ"، أَوْ: "بَقِيَ ضَمِنًا مِنْهُ حَتَّى مَاتَ"، وَنَحْوَهُ. وَإِنْ قَالَ: "جَرَحَهُ فَمَاتَ"، لَمْ يُحْكَمْ بِهِ.
стр. 551
وَإِنْ شَهِدَا أَنَّ هَذَا الْعَبْدَ ابْنُ أَمَةِ فُلَانٍ، لَمْ يُحْكَمْ بِهِ حَتَّى يَقُولَا: "وَلَدَتْهُ فِي مِلْكِهِ". وَإِنْ شَهِدَا أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ فُلَانٍ، أَوْ وَقَفَهَا عَلَيْهِ، أَوْ أَعْتَقَهَا -لَمْ يُحْكَمْ بِهِ حَتَّى يَقُولَا: "وَهِيَ فِي مِلْكِهِ".
وَإِنْ شَهِدَا أَنَّ هَذَا الْغَزْلَ مِنْ قُطْنِهِ، وَالطَّيْرَ مِنْ بَيْضِهِ، وَالدَّقِيقَ مِنْ حِنْطَتِهِ -حُكِمَ لَهُ بِذَلِكَ.
وَإِنْ شَهِدَا لِمَنِ ادَّعَى إِرْثَ مَيِّتٍ: أَنَّهُ وَارِثُهُ لَا يَعْلَمَانِ لَهُ وَارِثًا سِوَاهُ، حُكِمَ لَهُ بِتَرِكَتِهِ، سَوَاءٌ كَانَا مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ الْبَاطِنَهِ، أَوْ لَمْ يَكُونَا. وَإِنْ قَالَا: "لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ فِي هَذَا البَلَدِ"، فَكَذَلِكَ.
فَصْلٌ فِي شُرُوطِ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ
وَهِيَ سِتَّةٌ: الْبلُوغُ ؛ فَلَا (١) تُقْبَلُ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ.
الثَّانِي: الْعَقْلُ ؛ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَجْنُونٍ، وَلَا مَعْتُوهٍ. وَتُقْبَلُ مِمَّنْ يُخْنَقُ أَحْيَانًا، فِي حَالِ إِفَاقَتِهِ.
الثَّالِثُ: الْكَلَامُ ؛ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الأَخْرَسِ.
الرَّابعُ: الإِسْلَامُ ؛ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْكُفَّارِ، إِلَّا الرِّجَالَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالْوَصِيَّةِ فِي السَّفَرِ مِمَّنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ، مِنْ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ، عِنْدَ عَدَمِ مُسْلِمٍ. وَيُحَلِّفُهُمُ الْحَاكِمُ بَعْدَ الْعَصْرِ: "مَا خَانُوا وَلَا حَرَّفُوا، وَإِنَّهَا стр. 552
لَوَصِيَّةُ الرَّجُلِ". فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا، حَلَفَ اثْنَانِ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْمُوصِي: "لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا، وَلَقَدْ خَانَا وَكَتَمَا"، وَقَضَى لَهُمُ.
الْخَامِسُ: الْحِفْظُ ؛ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مُغَفَّلٍ، وَلَا مَعْرُوفٍ بِكَثْرَةِ الْغَلَطِ وَالنِّسْيَانِ.
فَصْلٌ
السَّادِسُ: الْعَدَالَةُ . وَيُعْتَبَرُ لَهَا شَيْئَانِ:
الصَّلَاحُ فِي الدِّينِ؛ وَهُوَ أَدَاءُ الْفَرَائِضِ وَسُنَنِهَا الرَّاتِبَةِ، وَاجْتِنَابُ الْمَحَارِمِ؛ بِأَلَّا يَأْتِيَ كَبِيرَةً، وَلَا يُدْمِنَ عَلَى صَغِيرَةٍ. وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ فَاسِقٍ، سَوَاءٌ كَانَ فِسْقُهُ مِنْ جِهَةِ الأَفْعَالِ أَوِ الاِعْتِقَادِ.
فَأَمَّا مَنْ أَتَى شَيْئًا مِنَ الْفُرُوعِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا؛ كَمَنْ تزَوَّجَ بِلَا وَلِيٍّ، أَوْ شَرِبَ مِنَ النَّبِيذِ مَا لَا يُسْكِرُهُ، أَوْ أَخَّرَ زكَاةً، أَوْ حَجًّا مَعَ إِمْكَانِهِمَا، وَنَحْوِهِ، مُتَأَوِّلًا -لَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ. وَإِنِ اعْتَقَدَ تَحْرِيمَهُ، رُدَّتْ.
الثَّانِي: اسْتِعْمَالُ الْمُرُوءَةِ؛ وَهُوَ فِعْلُ مَا يُجَمِّلُهُ وَيُزَيِّنُهُ، وَاجْتِنَابُ مَا يُدَنِّسُهُ وَيَشِينُهُ؛ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُحْدِي (١) وَالْمُصَافِعِ (٢) وَالْمُتَمَسْخِرِ، стр. 553
وَالْمُغَنِّي، وَالرَّقَّاصِ، وَالْمُشَعْبِذِ (١)، وَمَنْ يَلْعَبُ بِالنَّرْدِ، وَالشِّطْرَنْجِ، أَوِ الْحَمَامِ، أَوْ يَدْخُلُ الْحَمَّامَ بِلَا مِئْزَرٍ، أَوْ يَأْكُلُ فِي السُّوقِ، أَوْ يَمُدُّ رِجْلَيْهِ فِي مُجْتَمَعِ النَّاسِ، أَوْ يَتَحَدَّثُ بِمُبَاضَعَتِهِ أَهْلَهُ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا أَصْحَابُ الصَّنَائِعِ الدَّنِيئَةِ عُرْفًا؛ كَالْحَارِسِ، وَالْحَائِكِ، وَالنَّخَّالِ، وَالصَّبَّاغِ، وَالْحَجَّامِ، وَالْكَسَّاحِ (٢)، وَالْقَمَّامِ، وَالزَّبَّالِ، وَالْكَبَّاشِ (٣)، وَالدَّبَّاغِ، وَالنَّفَّاطِ (٤)، وَنَحْوِهِمْ -فتقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ إِذَا عُرِفَ حُسْنُ طَرِيقَتِهِمْ فِي دِينِهِمْ. وَلَا يُقْبَلُ شَهَادَةُ مَسْتُورِ الْحَالِ مِنْهُمْ.
ومَتَى زَالَتِ الْمَوَانِعُ؛ فَبَلَغَ الصَّبِيُّ، وَعَقَلَ الْمَجْنُونُ، وَأَسْلَمَ الْكَافِرُ، وَتَابَ الْفَاسِقُ -قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ. وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْقَاذِفِ حَتَّى يَتُوبَ، وَتَوْبَتُهُ إِكْذَابُ نَفْسِهِ.
فَصْلٌ
وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْعَبْدِ وَالأَمَةِ فِيمَا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ غَيْرِهِمَا. стр. 554
وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الأَصَمِّ فِي الْمَرْئِيَّاتِ، وَبِمَا سَمِعَهُ قَبْلَ صَمَمِهِ. وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الأَعْمَى فِي الْمَسْمُوعَاتِ إِذَا تَيَقَّنَ الصَّوْتَ، وَبِالاِسْتِفَاضَةِ، وَبِمَا رَآهُ قَبْلَ عَمَاهُ، إِذَا عَرَفَ الْفَاعِلَ (١) بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ، أَوْ عَيْنِهِ مَعَ وَصْفِهِ لِلْحَاكِمِ بِمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ. وَإِنْ شَهِدَ عِنْدَ الْحَاكِمِ، ثُمَّ عَمِيَ، أَوْ خَرِسَ، أَوْ صَمَّ، أَوْ جُنَّ، أَوْ مَاتَ -لَمْ يَمْنَعِ الْحُكْمَ بِشَهَادَتِهِ.
وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ وَلَدِ الزِّنَى فِي الزِّنَى وَغَيْرِهِ، وَالْمُرْضِعَةِ عَلَى إِرْضَاعِهَا، وَالْقَاسِمِ عَلَى قِسْمَتِهِ، وَالْقَرَوِيِّ عَلَى الْبَدَوِيِّ، وَالْعَكْسِ.
* * * стр. 555
بَابُ مَوَانِعِ الشَّهَادَةِ
يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ خَمْسَةُ أَشْيَاءٍ:
الْقَرَابةُ ؛ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ عَمُودَيِ النَّسَبِ بَعْضِهِمْ لبَعْضٍ. وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ. وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الأَخِ لأَخِيهِ، وَالصَّدِيقِ لِصَدِيقِهِ، وَالْمَوْلَى لِعَتِيقِهِ. وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ، وَلَا الْعَكْسُ، وَلَا أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ لِصَاحِبِهِ.
فَصْلٌ
الثَّانِي: أَنْ يَجُرَّ إِلَى نَفْسِهِ نَفْعًا ؛ كَشَهَادَةِ السَّيِّدِ لِمُكَاتَبِهِ، وَالْعَكْسِ، وَالْوَارِثِ بِجُرْحِ مَوْرُوثهِ قَبْلَ انْدِمَالِهِ، وَالْوَصِيِّ لِلْمَيِّتِ، وَالْوَكِيلِ لِمُوَكِّلِهِ، وَالشَّرِيكِ لِشَرِيكِهِ، وَالأجِيرِ لِمُسْتَأْجرِهِ: فِيمَا هُوَ وَكِيلٌ، أَوْ شَرِيكٌ، أَوْ مُسْتَأْجَرٌ فِيهِ؛ وَلَوْ بَعْدَ الْعَزْلِ، وَفَرَاغِ الإِجَارَةِ، وَانْفِصَالِ الشَّرِكَةِ؛ وَالْغُرَمَاءِ لِلْمُفْلِسِ بِالْمَالِ بِشَرْطِ الْحَجْرِ، وَأَحَدِ الشَّفِيعَيْنِ بِعَفْوِ الآخَرِ عَنْ شُفْعَتِهِ قَبْلَ عَفْوِهِ.
فَصْلٌ
الثَّالِثُ: أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ ضَرَرًا ؛ كَشَهَادَةِ الْعَاقِلَةِ بِجَرْحِ شُهُودِ قَتْلِ الْخَطَأِ، وَالْغُرَمَاءِ بِجَرْحِ شُهُودِ الدَّيْنِ عَلَى الْمُفْلِسِ، وَالسَّيِّدِ
стр. 556
بِجَرْحِ (١) مَنْ شَهِدَ عَلَى مُكَاتَبِهِ أَوْ عَبْدِهِ بِدَيْنٍ، وَالْوَصِيِّ بِجَرْحِ الشَّاهِدِ عَلَى الأَيْتَامِ، وَالشَّرِيكِ بِجَرْحِ الشَّاهِدِ عَلَى شَرِيكِهِ، وَسَائِرِ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لإِنْسَانٍ، إِذَا شَهِدَ بِجَرْحِ الشَّاهِدِ عَلَيْهِ.
فَصْلٌ
الرَّابعُ: الْعَدَاوَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ ؛ كَمَنْ شَهِدَ عَلَى مَنْ قَذَفَهُ، أَوْ قَطَعَ الطَّرِيقَ عَلَيْهِ، وَالزَّوْجِ بِالزِّنَى عَلَى امْرَأَتِهِ.
وَمَنْ سَرَّهُ مَسَاءَةُ زَيْدٍ، أَوْ غَمَّهُ فَرَحُهُ، فَهُوَ عَدُوُّهُ.
فَصْلٌ
الْخَامِسُ: مَنْ شَهِدَ عِنْدَ الْحَاكِمِ ، فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ, لِتُهَمَةِ رَحِمِ، أَوْ زَوْجِيَّةٍ، أَوْ عَدَاوَةٍ، أَوْ طَلَبِ نَفْعٍ، أَوْ دَفْعِ ضَرَرٍ؛ ثُمَّ زَالَ الْمَانِعُ، فَأَعَادَهَا -لَمْ تُقْبَلْ؛ كَمَا لَوْ رُدَّتْ لِفِسْقٍ.
وَإِنْ رُدَّتْ لِكُفْرٍ، أَوْ رِقّ، أَوْ جُنُونٍ، أَوْ خَرَسٍ، ثُمَّ أَعَادَهَا بَعْدَ زَوَالِ الْمَانِعِ -قُبِلَتْ.
وَإِنْ شَهِدَ لِمُكَاتِبِهِ، أَوْ لِمَوْرُوثهِ فِي مَرَضِهِ، فَرُدَّتْ حَيْثُ لَا تُقْبَلُ (٢)، ثُمَّ أَعَادَهَا بَعْدَ الْعِتْقِ وَالْبُرْءِ -قُبِلَتْ. стр. 557
وَإِنْ شَهِدَ الشَّفِيعُ بِعَفْوِ شَرِيكِهِ فِي الشُّفْعَةِ عَنْهَا، ثُمَّ رُدَّتْ، ثُمَّ عَفَا الشَّاهِدُ عَنْ شُفْعَتِهِ، وَأَعَادَ تِلْكَ الشَّهَادَةَ -لَمْ تُقْبَلْ.
* * *
стр. 558
بَابُ أَقْسَامِ الْمَشْهُودِ بِهِ
وَهُوَ أَرْبَعَةٌ:
الزِّنَى، وَمُوجِبُ حَدِّهِ، وَالإِقْرَارُ بِهِ، فَلَا تُقْبَلُ فِيهِ إِلَّا شَهَادَةُ أَرْبَعَةِ رِجَالٍ. وَيَكْفِي فِي الشَّهَادَةِ عَلَى مَنْ أتَى بَهِيمَةً رَجُلَانِ.
الثَّانِي: بَقِيَّةُ الْحُدُودِ، وَالْقِصَاصُ، وَمَا لَيْسَ بعُقُوبَةٍ، وَلَا مَالٍ، وَلَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ، وَيَطلِعُ عَلَيْهِ الرجَالُ غَالِبًا؛ كَالنِّكاحِ، وَالرَّجْعَةِ، وَالْخُلْعِ، وَالطَّلَاقِ، وَالنَّسَبِ، وَالْوَلَاءِ، وَالإِيصَاءِ إِلَيْهِ، وَالتَّوْكِيلِ؛ فَلَا يُقْبَلُ فِيهِ إِلَّا رَجُلَانِ. وَيُقْبَلُ فِي مَعْرِفَةِ الْمُوضِحَةِ، وَدَاءِ الدَّابَّةِ، وَنَحْوِهِمَا: طَبِيبٌ وَبَيْطَارٌ وَاحِدٌ، مَعَ عَدَمِ غَيْرِهِ.
الثَّالِثُ: الْمَالُ، وَمَا يُقْصَدُ بِهِ؛ كَالْبَيْعِ، وَالأَجَلِ وَالْخِيَارِ فِيهِ، وَالرَّهْنِ، وَالْوَصِيَّةِ لِمُعَيَّنٍ، وَالْوَقْفِ، وَدَعْوَى رِقِّ مَجْهُولِ النَّسَبِ، وَتَسْمِيَةِ الْمَهْرِ، وَالْقَرْضِ، وَجِنَايَةِ الْخَطَأِ؛ يُقْبَلُ فِيهِ رَجُلَانِ، وَرَجُلٌ وَامْرَأتَانِ، وَرَجُلٌ وَيَمِينُ الْمدَّعِي. وَيُقْبَلُ فِي جِنَايَةِ الْعَمْدِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَالِ دُونَ الْقِصَاصِ؛ كَالْهَاشِمَةِ، وَالْمُنَقَلَةِ -رَجُلٌ وَامْرَأتَانِ.
الرَّابعُ: مَا لَا يَطلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ؛ كَعُيُوبِ النِّسَاءِ تَحْتَ الثِّيَابِ، وَالْبَكَارَةِ، وَالثُّيُوبَةِ، وَالْحَيْضِ، وَالْوِلَادَةِ، وَالرَّضَاعِ، وَالاِسْتِهْلَالِ، وَنَحْوِهِ؛ فَيُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ عَدْلٍ، وَالرَّجُلُ فِيهِ كَالْمَرأَةِ.
стр. 559
فَصْلٌ
ومَنْ أتَى بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، أَوْ شَاهِدٍ وَيَمِينٍ، فِيمَا يُوجِبُ الْقَوَدَ -لَمْ يَثْبُتْ بِهِ قَودٌ، وَلَا مَالٌ. وَإِنْ أَتَى بِذَلِكَ فِي سَرِقَةٍ، ثَبَتَ الْمَالُ دُونَ الْقَطْعِ. وَإِنْ أتَى بِذَلِكَ رَجُلٌ فِي خُلْعٍ، ثَبَتَ لَهُ الْعِوَضُ، وَتَثْبُتُ الْبَيْنُونَةُ بِمُجرَّدِ دَعْوَاهُ. وَإِنِ ادَّعَتِ الْمَرْأَةُ الْخُلعَ، لَمْ يُقْبَلْ فِيهِ إِلَّا رَجُلَانِ.
وَإِنِ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى آخَرَ أَمَةً بِيَدِهِ لَهَا وَلَدٌ؛ أنَّهَا أُمُّ وَلدِهِ وَأَنَّ وَلَدَهَا وَلَدُهُ، وَشَهِدَ بِذَلِكَ رَجُلٌ وَامْرَأتَانِ -حُكِمَ لَهُ بِالأَمَةِ وَأَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ، وَتَثْبُتُ حُرِّيَّةُ الْوَلَدِ وَنَسَبُهُ مِنْ مُدَّعِيهِ.
* * *
стр. 560
بَابُ (١) الشَّهَادَة عَلَى الشَّهَادَةِ وَالرُّجُوعِ عَنِ الشَّهَادَةِ
لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ إِلَّا فِي حَقٍّ يُقْبَلُ فِيهِ كِتَابُ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي، وَلَا يُحْكَمُ بِهَا إِلَّا أَنْ يَتَعَذَّرَ شَهَادَةُ الأَصْلِ؛ بِمَوْتٍ، أَوْ مَرَضٍ، أَوْ غَيْبَةٍ مَسَافَةَ الْقَصْرِ.
وَلَا يَجُوزُ لِشَاهِدِ الْفَرْعِ أَنْ يَشْهَدَ إِلَّا أَنْ يَسْتَرْعِيَهُ (٢) شَاهِدُ الأَصْلِ؛ فَيَقُولَ: "اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي بِكَذَا"، أَوْ يَسْمَعَهُ يَشْهَدُ بِهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ، أَوْ يَعْزُوَهَا إِلَى سَبَبٍ؛ مِنْ قَرْضٍ، أَوْ بَيْعٍ، وَنَحْوِهٍ.
وَلَا تثبُتُ شَهَادَةُ شَاهِدَيِ الأَصْلِ إِلَّا بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ يَشْهَدَانِ عَلَيْهِمَا، سَوَاءٌ شَهِدَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، أَوْ شَهِدَ عَلَى كُلِّ شَاهِدٍ شَاهِدٌ. وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الأُصُولِ.
وَإِذَا شَهِدَ الْفُرُوعُ، فَلَمْ يَحْكُمِ الْحَاكِمُ حَتَّى حَضَرَ الأُصُولُ أَوْ صَحُّوا، وَقَفَ حُكْمُهُ عَلَى سَمَاعِهِ مِنْهُمْ. وَإِنْ حَدَثَ فِيهِمْ مَا لَوْ حَدَثَ فِيمَنْ أَقَامَ الشَّهَادَةَ مَنَعَ الْحُكْمَ بِهَا، مَنَعَهُ هَهُنَا. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ стр. 561
بِالْفُرُوعِ، حَتَّى تثبُتَ عَدَالتهُمْ، وَعَدَالَةُ أُصُولهِمْ.
وَإِذَا حَكَمَ ثُمَّ [رَجَعَ شَاهِدَا] (١) الْفَرْعِ، ضَمِنَا. وَلَوْ قَالَا: "لَقَدْ بَانَ لَنَا كَذِبُ الأُصُولِ أَوْ غَلَطُهُمْ"، لَمْ يَضْمَنَا. وَإِنْ رَجَعَ الأُصُولُ فَقَالُوا: "كَذَبْنَا" أَوْ: "غَلِطْنَا"، ضَمِنُوا. وَلَوْ قَالُوا: "مَا أَشْهَدْنَاهُمَا بِشَيْءٍ" لَمْ يَضْمَنِ الْفَرِيقَانِ شَيْئًا.
فَصْلٌ
وَإِذَا رَجَعَ شُهُودُ الْمَالِ بَعْدَ الْحُكْمِ، لَمْ يُنْقَضْ، سَوَاءٌ قُبضَ الْمَالُ أَوْ لَمْ يُقْبَضْ، تَالِفًا كَانَ أَوْ بَاقيًا، وَيَلْزَمُهُمُ الضَّمَانُ دُونَ مَنْ زكَّاهُمْ. وَإِنْ شَهِدَ بِهِ رَجُلٌ وَثَمَانِي نِسْوَةٍ، لَزِمَ الرَّجُلَ الْخُمُسُ، وَكُلَّ امْرَأَةٍ الْعُشْرُ. وَإِنْ حَكَمَ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، ثُمَّ رَجَعَ الشَاهِدُ، غَرِمَ الْمَالَ كُلَّهُ. وَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ الْعِتْقِ، غَرِمُوا الْقِيمَةَ. وَإِنْ رَجَعَ الشُّهُودُ بِطَلَاقٍ قَبْلَ الدُّخُولِ، غَرِمُوا نِصْفَ الْمُسَمَّى، وَبَعْدَهُ لَمْ يَغْرَمُوا شَيْئًا.
وَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ الْقَوَدِ، أَوِ الْحَدِّ، قَبْلَ الاِسْتِيفَاءِ -لَمْ يُسْتَوْفَ. وَيُسْتَوْفَى إِذَا طَرَأَ فِسْقُهُمْ. وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الاِسْتِيفَاءِ، وَقَالُوا: "أَخْطَأنَا"، لَزِمَهُمْ دِيَةُ مَا تَلِفَ.
وَيَتَقَسَّطُ الْغُرْمُ عَلَى عَدَدِهِمْ؛ بِحَيْثُ لَوْ رَجَعَ شَاهِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ، غَرِمَ الْعُشْرَ. وَإِنْ شَهِدَ عَلَيْهِ سِتَّةٌ بِالزِّنَى، فَرُجِمَ، ثُمَّ رَجَعَ مِنْهُمُ اثْنَانِ -غَرِمَا стр. 562
ثُلُثَ الدِّيَةِ، وَثَلَاثَةٌ: النِّصْفَ، وَالْكُلُّ: يَلْزَمُهُمُ الدِّيَةُ أَسْدَاسًا؛ كَمَا لَوْ شَهِدَ بِالزِّنَى أَرْبَعَةٌ، وَاثْنَانِ بالإِحْصَانِ، فَرُجِمَ، ثُمَّ رَجَعُوا. وَلَوْ رَجَعَ شُهُودُ الزِّنَى دُونَ الإِحْصَانِ، أَوْ بِالْعَكْسِ، لَزِمَهُمُ الضَّمَانُ كَامِلًا.
وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَى، وَاثْنَانِ مِنْهُمْ بالإِحْصَانِ، صَحَّ. فَإِنْ رُجِمَ، ثُمَّ رَجَعُوا، أَلْزَمْنَا شَاهِدَيِ الإِحْصَانِ ثُلُثَيِ الدِّيَةِ، وَالثُّلُثُ عَلَى الآخَرَيْنِ.
وَإِنْ بَانَ بَعْدَ الْحُكْمِ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ كَافِرَانِ أَوْ فَاسِقَانِ، نُقِضَ وَرُجِعَ بِالْمَالِ أَوْ ببَدَلِهِ عَلَى الْمَحْكُومِ لَهُ. فَإِنْ كَانَ إِتْلَافًا فَالضَّمَانُ عَلَى الْمُزَكِّينَ. فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَزْكِيَةٌ فَعَلَى الْحَاكِمِ.
وَلَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ مِنْ نَاطِقٍ إِلَّا بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ، فَإِنْ قَالَ: "أَعْلَمُ" أَوْ: "أُحِقُّ"، أَوْ: "أتَيَقَّنُ"، وَنَحْوَ ذَلِكَ -رُدَّتْ.
* * *
стр. 563
بابُ الْيَمِينِ فِي الدَّعَاوَى
وَلَا يُسْتَحْلَفُ فِي الْعِبَادَاتِ، وَلَا فِي حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى. وَيُسْتَحْلَفُ الْمُنكرُ فِي كُلِّ حَق لآدَمِي، إِلَّا عَشَرَةَ أَشْيَاءَ: النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ، وَالرَّجْعَةُ، وَالإِيلَاءُ، وَأَصْلُ الرِّقِّ، وَالْوَلَاءُ، وَالاِسْتِيلَادُ، وَالنَّسَبُ، وَالْقَوَدُ، وَالْقَذْفُ.
وَتُحَلَّفُ الْمَرْأَة إِذَا ادَّعَتِ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا. وَإِذَا أَنْكَرَ الْمُولي مُضِيَّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، حُلِّفَ.
وَيَجُوزُ الْحُكْمُ فِي الْمَالِ، وَمَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ، بِشَاهِدٍ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي، وَلَا يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ وَإِنْ كَثُرْنَ.
وَمَنْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الْحَلِفُ لِحَقِّ جَمَاعَةٍ، فَبَدَّلَ يَمِينًا وَاحِدَةً لَهُمْ، فَرَضُوا -جَازَ، وَإِنْ أَبوْا حَلَفَ لِكُلِّ وَاحِدٍ يَمِينًا.
وَيَحْلِفُ الإِنْسَانُ عَلَى الْبَتِّ فِي الإِثْبَاتِ وَالنَّفْي، إِلَّا لِنَفْي فِعْلِ غَيْرِهِ، أَوْ لِنَفْي الدَّعْوَى عَلَى الْغَيْرِ؛ فَيَحْلِفُ عَلَى نَفْي الْعِلْمِ.
فَصْلٌ
وَالْيَمِينُ الْمَشْرُوعَةُ هِيَ الْيَمِينُ بِاللَّهِ، تَعَالَى اسْمُهُ. وَإِنْ غَلَّظَهَا الْحَاكِمُ بِزَمَانٍ، أَوْ مَكَانٍ، أَوْ لَفْظٍ -جَازَ، وَلَمْ يُسْتَحَبَّ.
وَالزَّمَانُ: أَنْ يُحَلِّفَهُ بَعْدَ الْعَصْرِ، أَوْ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ.
стр. 564
وَالْمَكَانُ: بِمَكَّةَ: بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ، وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ: عِنْدَ الصَّخْرَةِ، وَبِسَائِرِ الْبِلَادِ: عِنْدَ مِنْبَرِ الْجَامِعِ، وَلأِهْلِ الذِّمَّةِ: بِالْمَوَاضِعِ الَّتِي يُعَظِّمُونَهَا.
وَاللَّفْظُ: أَنْ يَقُولَ: "وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، الطَّالِبِ الْغَالِبِ، الضَّارِّ النَّافِعِ، الَّذِي يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ".
وَيَقُولُ الْيَهُودِيُّ: "وَاللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، وَفَلَقَ لَهُ الْبَحْرَ، وَأَنْجَاهُ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ". وَالنَّصْرَانِيُّ: "وَاللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ الإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى، وَجَعَلَهُ يُحْيِي الْمَوْتَى، وَيُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ". وَيَحْلِفُ الْمَجُوسِيُّ بِاللَّهِ الَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَرَزَقَهُ.
وَلَا يُغَلَّظُ إِلَّا فِيمَا لَهُ خَطَرٌ.
* * *
стр. 565
كِتَابُ الإِقْرَارِ
يَصِحُّ مِنْ كلِّ مُكلَّفٍ مُخْتَارٍ غَيْرِ مَحْجُورِ عَلَيْهِ؛ فَلَا يصحُّ إِقْرَارُ الْمَجْنُونِ، وَالسَّكْرَانِ، إِلَّا حَالَ إِفَاقَتِهِمَا. وَحُكْمُ الْمُولَّى عَلَيْهِ ذُكِرَ (١).
وَلَا يَصِحُّ مِنْ مُكْرَهٍ، إِلَّا أَنْ يُكْرَهَ عَلَى أَنْ يُقِرَّ لِزَيْدٍ فَأَقَرَّ لِعَمْرٍو، وَأَنْ يُقِرَّ بِدَرَاهِمَ فَأَقَرَّ بِدَنَانِيرَ، أَوْ بِطَلَاقِ امْرَأَةٍ فَيُطَلِّقَ غَيْرَهَا؛ فَيَصِحُّ إِذَنْ. وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى وَزْنِ مَالٍ فَبَاعَ مِلْكَهُ لِذَلِكَ، صَحَّ.
وَمَنْ أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ بِشَيْءٍ، فَهُوَ كَإِقْرَارِهِ فِي صِحَّتِهِ، إِلَّا فِي إِقْرَارِهِ بِالْمَالِ لِوَارِثٍ؛ فَلَا يُقْبَلُ. فَإِنْ أَقَرَّ لاِمْرَأَتِهِ بِالصَّدَاقِ، فَلَهَا قَدْرُ مَهْرِ الْمِثْلِ بِالزَّوْجِيَّةِ لَا بِإِقْرَارِهِ. وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ كَانَ أَبانَهَا فِي صِحَّتِهِ، لَمْ يَسْقُطْ إِرْثُهَا. وَلَوْ أَقَرَّ لَهَا بِدَيْنِ، ثُمَّ أَبَانَهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا -لَمْ يَصِحَّ إِقْرَارُهُ.
وَإِنْ أَقَرَّ لِوَارِثٍ، فَصَارَ عِنْدَ الْمَوْتِ أَجْنَبِيًّا، أَوْ بِالْعَكْسِ -صَحَّ. وَإِنْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ لِوَارِثٍ وَأَجْنَبِيٍّ، لَزِمَ فِي حِصَّةِ الأَجْنَبِيِّ. وَإِنْ أَقَرَّ بِمَالِ لِغَيْرِ وَارِثٍ، صَحَّ، وَلَا يُحَاصُّ بِهِ دَيْنُ الصِّحَّةِ.
وَإِذَا أَعْتَقَ عَبْدًا أَوْ وَهَبَهُ، وَلَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ، ثُمَّ أَقَرَّ بِدَيْنٍ -نَفَذَ الْعِتْقُ وَالْهِبَةُ، وَلَا يُقْبَلُ الإِقْرَارُ فِي نَقْضِهِمَا. وَإِنْ أَقَرَّ الْمَرِيضُ بِدَيْنٍ، ثُمَّ بِوَدِيعَةٍ بِعَيْنِهَا، أَوْ بِالْعَكْسِ -فَرَبُّ الْوَدِيعَةِ أَحَقُّ بِهَا. следующие страницы →