الطبقة الرابعة فيهن توفي من سنة ست وسبعين وتسعمائة إلى ختام سنة ألف من الهجرة النبوية
تقي الدين الفتّوحي (١)
محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن علي العالم العلامة الفقيه تقي الدين أبو بكر ابن الإمام العالم العلّامة شهاب الديني الفتوحي المصري الشهير بابن النجار، وتقدمت ترجمة أبيه الشهاب (٢).
ولد بمصر القاهرة ونشأ بها وأخذ بها الفقه عن أبيه الشهاب. وبه حصل على الفضل ودأب في الآداب [٣٣ - آ] وترجمه العارف عبد الوهاب الشعراوي في ذيله على طبقات الأولياء له فقال: ومنهم سيّدنا ومولانا الشيخ الإمام العلامة الشيخ تقي الدين، ولد شيخ الإسلام الشيخ شهاب الدين الشهير بابن النجّار. صحبته أربعين سنة فما رأيت عليه شيئًا يشينه في عرضه، بل نشأ في عفّة وصيانة ودين وعلم وأدب وديانة. أخذ العلم عن والده شيخ الإسلام المذكور وعن جماعة من أرباب المذاهب المخالفة وتبحر في العلوم حتى انتهت إليه الرئاسة في مذهبه وأجمع الناس أنّه إذا انتقل إلى رحمة الله تعالي، مات
стр. 142
بذلك فقه الإمام أحمد من مصر، وسمعت هذا القول مرارا من شيخنا الشيخ شهاب الدين الرملي، وما سمعته قط يستغيب أحدًا من أقرانه ولا غيرهم، ولا حسد أحدًا على شيء من أمور الدنيا، ولا تزاحم عليها، وولي القضاء بسؤال جميع أهل مصر فأشار عليه بعض العلماء بالولاية وقال: يتعين عليك ذلك فأجاب مصلحة للمسلمين، وما رأيت أحدًا أحلى منطقًا منه ولا أكثر أدبًا مع جليسه حتى يود أنه لا يفارقه ليلًا ولا نهارًا وبالجملة فأوصافه الجميلة تجل عن تصنيفي فأسأل الله تعال أن يزيده من فضله علمًا وعملًا وورعًا إلى أن يلقاه وهو عنه راضٍ آمين اللهم آمين انتهى.
وتوفي في حدود السبعين وتسعمائة كذا قاله الشيخ عبد الحي العكري في الشذرات [٣٢ - ب]
شمس الدين الفارضي (٣)
محمد الشيخ الإمام العلَّامة شمس الدين القاهري المعروف بالفارضي الشاعر المشهور، الذي لم تسمح بمثله الدهور، شيخ أهل الأدب ومن أتته الرقة والرشاقة في شعره، ينسلون إليه من كلّ حدب، مركز الفصاحة والبلاغة وأحد الأفراد في جودة السبك للمعاني والصياغة، فهو في هذا الشأن المضاهي لقسّ وسحبان، والشار إليه بالبنان ترجمه الحافظ العارف نجم الدين الغزي في الكواكب فقال: أخذ عن جماعة من عماء مصر واجتمع بشيخ الإسلام الوالد
стр. 143
(يعني البدر) حين كان بالقاهرة سنة اثنتين وخمسين وتسعمائة وكان بدينا سمينا فقال الوالد يداعبه:
الفارضي الحنبلي الرضي … في النحو والشعر عظيم (٤) المثيل
قيل ومع ذا فهو ذو خفة … فقلت كلّا بل رزين ثقيل
واستشهد الشيخ شمس الدين العلقمي بكلامه في شرح الجامع الصغير من ذلك قوله في معنى ما رواه الدينوري في المجالسة والسلفي في بعض تخاريجه عن سفيان الثوري قال: أوحى الله إلى موسى ﵇ (لأن تدخل يدك إلى المنكبين في فم التنين خير من أن ترفها إلى ذي نعمة قد عالج الفقر).
إدخالكَ اليدَ في التنِّين توصلها … لِمِرْفَقٍ منكَ مستعلٍ (٥) فيقطمها (٦)
خيرٌ من المرءَ يُرجى في الغنى ولهُ … خصاصةٌ سبقتْ قد كان يسنحها
ومن بدائع شعره:
إذا ما رأيت الله للكلِّ فاعلًا … رأيتَ جميعَ الكائناتِ مِلاحا
وإنْ لا ترى إلا مضاهيَ صنعِهِ … حجبت فصيرت المساءَ صباحا
ومن محاسنه أنّه صلى شخص إلى جانبه ذات يوم فخفف جدًا فنهاه فقال: أنا حنفي فقال الفارضي:
معاشر النَّاسِ جمعًا حسبما رسمَتْ … أهل الهدى والحجِى من كلِّ من نَبُها
ما حرّم العَلمُ النُّعمان في سَنَدٍ … يومًا طُمَأْنينةً أصلًا ولا كَرِها
وكونُها عندَه ليستْ بواجبةٍ … لا يُوجِبُ التركَ فيما قرّر الفُقها
стр. 144
فيا مُصِرًّا على تفويتها أبدًا … عُدْو انتبه رحمَ الله الذي انتبها
قال العلامة النجم: واجتمع به شيخنا القاضي محبّ الدين الحموي الحنفي بالقاهرة حين كان بها، صحبةَ محمد أفندي بن محمد بن إلياس المعروف بجوي زادة، وذكره في رحلته. وأخبرنا أنّ الفارضي كتب إليه وهو قاضٍ [بفوه] (٧) يوصيه بأناس من أهاليها يعرفون بأولاد السعد ما صورته: (مولانا حرسه الله وحماه وأكسبه قوّة [بفوّه] (٨) كما شرّف به حمص وحماة. معروض الفقير: أن أولاد السعد لَهُمْ خبر مطوَّل وليس إلا على فَضْل مولانا فيه المعوّل. ملَخّصه أو مختصره: وقفية ادّعى شخص بيعها وأنه احتج بملك ريعها، والمسألة متعلقة بأيتام ومولانا حسنة هذه الأيام، فمولانا لا يخلّيهم من العناية أدام الله له الرعاية، ولا يخفى الحث على إكرام اليتيم وقد جاء ذلك في الذكر الحكيم. وبقيتم في عافية وهمة كافية شافية). وأخبرنا شيخنا أيضًا أن بعض طلبة العلم سأل الشيخ الفارضي أن ينظم له ترتيب التوابع فنظمها في في بيت جامع وهو:
إذا اجتمعت فالنعتُ قدم به اعتلق … بيانٌ وتوكيدٌ وجاء بدل نسق
قال شيخنا يعني القاضي محب الدين ونظمها الفقير في ذلك الحال في بيتين فقال:
إذا اجتمعت يومًا لديك توابعٌ … ورُمْتَ لها الترتيبَ في ذلك النسَقْ
فنعتٌ بيانٌ ثم توكيد بعدَهُ … إلى بدلٍ ثم اختِمِ الكلَّ بالنسقْ
وأنشدني الشيخ العلامة الفقيه شمس الدين محمد المقدسي العلمي مدرس
стр. 145
القصّاعية (٩) بدمشق قال أنشدنا الشيخ (١٠) العلامة الشاعر المجيد محمد الفارضي المصري الحنبليّ لنفسه وذكر أنّ القاضي البيضاوي خطّأ من أدغم الراء في اللام ونسبه إلى أبي عمرو:
أنكرَ بعضُ الورى على مَنْ … يُدغمُ (١١) في الّلام عنه راءُ
ولا نخطّي أبا شعيبٍ … والحق (١٢) يغفرُ لِمَنْ يشاءُ
وأنشدني عنه أنه أنشده لنفسه:
اجرر محلًا وانصِبن وارفعْ نا … في ربنا مع أننا سمعنا
وأنشدني شيخنا المحبُّ الحنفي رحمَه الله تعالى قال: أنشدنا الفارضي الشاعر لنفسه:
ألا خذ حكمةً منِّي … وخلِّ القيلَ والقالا
فساد الدِّين والدُّنيا … قبولُ الحاكمِ المالا
وأنشدنا شيخنا [٣٥ - أ] المشار إليه إلى الفارضي قال يرثي الشيخ مغوش التونسي المغربي حين مات بمصر:
تقَضَّى التونسيُّ فقلتُ بيتًا … يُروِّحُ كلَّ ذي شجنٍ ويونسْ
أتوحشنا وتونسُ بطن لحدٍ … ولكن مثلي ما أوحشت تونسْ
стр. 146
قلتْ (١٣): وقفت لصاحب الترجمة على هذه القصيدة القصورة مادحًا بها المرحوم المولى أبا السعود أفندي مفتي الروم:
١ - اقصد إذا خفت كلالًا ووجى … بعيسجور ألفت جذب البرى
٢ - وسر بها الوخذَ إذا علّلتها … أو الذميل ما تحريت الوحا
٣ - عِدْها ظلالًا بشعاب المنحنى … ورِدْ بها الماء نميرًا بالنقا
٤ - خض في طلاب المجد كلّ مكره … ولو تجرعت لهُ مرَّ الحسا
٥ - إنّ قصارى الحزم حمدٌ أو غنى … وقيل جُدّوا تحمدوا غِبَّ السرى
٦ - من طلب العلياء أشفى دونها … وعَدَّ مرَّ الصابِ أحلى مُجتنى
٧ - من قعد الجبنَ وآثرَ الثوى … بجانبِ المجدِ فقد [] (١٤) الأسى
٨ - فلا يهولنك بنقع بتك … إن لحن يورثن المنايا في الشفا
٩ - يا رُبَّ خُبثٍ جبته في حالكٍ … بمشخرٍّ دون مرماه الحمى
١٠ - يمورُ مورًا كظليمٍ نامرٍ … أهوج [] (١٦) القوى عبل الشوى
١١ - يطفو كما المشجونُ هب زعزعٌ … به فطارَ فوقه إذا طما
١٢ - إذا هوى من حدب إلى هوي … يخاله خرير سيل من ربا
١٣ - فلو جرى وهو جواد ما كبا … ولو فرى وهو حسام ما نبا
١٤ - أنخسته في الجنب محرور المطا … والمعط قد أجهدها فرط الطوى (١٥)
١٥ - ثم انبرى يخب في حرز وما … تمزقت بعد سراويل الدجى
١٦ - أغذ بي في ذات سِدرٍ وغضى … موحشةٍ أنيسُها ذئبٌ عوى
١٧ - أطلبُ نجدًا وبنجدٍ شجني … مهاجرًا من الهوى إلى الهوى
١٨ - لله حين سمحَ الدهرُ به … في داره تمّ بها ثمَّ المنى
стр. 147
١٩ - كنتُ بها لم أخشَ بينًا آمنًا … أرفل بين الأخشبين فمنى
٢٠ - معالم خلستُ فيها لذةً … واستُلبتْ قسرًا بايجاب النوى
٢١ - بها وفودي فاحم قُمت فلا … أسلو وللشيب برأسي مختطى
٢٢ - ومن تكن عذرته صبوته … فهو قنيصُ الحب مأسورُ الهوى
٢٣ - لم يثنه العذل، ولا يعطفُهُ … طولُ النوى ولا تداويه الدُّمى
٢٤ - أقصرْ أخا الّلوم ملامًا أو أَطلْ … صبّ صبا لا يلتوي عن اللوى
٢٥ - لو جرع الصابَ كؤوسًا ماسلا … فاقطع رجاءً وقلِ انقدّ السلا
٢٦ - لا يطيبه دون سلع مربعٌ … ولم يرقّ للبقا إلا النقا
٢٧ - يا ليت شعري والرجال مطمع … هل تترامى أحدٌ بي في السرا
٢٨ - إن تختبرها في غدوٍ فالخفا … أو ترتقبها في رواح فالقطا
٢٩ - من ضمُر شارفَ رضوى غدوة … وبتن بالوفد ثبيرًا وحرى
٣٠ - سقى هضابًا بالعقيق واللوى … من برد صَيِّبٍ كصافي بردى
٣١ - حتى ترى غدرانها مفعمةً … وتنبتُ المرداء شيحًا وكبا
٣٢ - من هُمْ له بصُدّا مستوى … كأنما سيْط بنعماء الحجا
٣٣ - خاتمةُ الفرد الحسيب محتدا … أبو السعود الرحلة السَّامي العُلا
٣٤ - من بأسه لمن عدا وجاهه … بمن رعى وجوده لمن عرا
٣٥ - كهفٌ له العافون تأتي زمرا … في القيظ والمشتاة يدعو الجفلى
٣٦ - يهوى السخا متهمًا أو منجدًا … فكلُّ حيٍّ فيه أرسى يعتفى
٣٧ - هو الخضمُّ طاب عِلمًا وندى … فقل لمن فاخرَة أطرق كرا
٣٨ - ليقصروا فإنني عن جمعهمْ … أجلّه قاطبةً وكيف لا
٣٩ - في مرتقى العلياءِ خيرُ مرتضى … ومبتغى الهيجاءِ سيفٌ منتضى
٤٠ - معتمدٌ يومَ الهدى ووابلٌ … يومَ الندى وجحفلٌ يومَ الوغى
٤١ - فإنْ أفادَ أسبلت مزنُ الحيا … وإن أبادَ أشبلت أسدُ الشرى
стр. 148
٤٢ - فما تحدى خصمه إلّا وهى … وما تصدى ضدُّه إلا هوى
٤٣ - ضلّ مشانيه فقد باد وما … قيل له يوم عثار: دعدعا
٤٤ - عده الإخا وعدّهُ النأي ودع … شأن العدا فلا دواءَ للعدى
٤٥ - محضته بالغيب ودًّا خالصًا … كأنما صاحبني قبلُ بلى
٤٦ - تسلسل المدح له والبذلُ لي … بدورَ رُشدٍ فكلانا ما غوى
٤٧ - ما جهد ما أهديه لو ألّفت في … ثناه أفراد النجوم تجتلى
٤٨ - كهفُ القِرى بالروم كنزُ الفقرا … أبو المساكينِ سلامٌ للقرى
٤٩ - دام عمادًا وافر الآلاء ما … سبّحَ للهِ بجرعاء الحصى
٥٠ - ورُبّ غيداء رخيمٌ دلها … زُفّتْ إلى علياه تمشي الخيزلى
٥١ - مصرية طابت حجازًا فسعت … في رَمَلٍ قَبُولها أقصى المنى
٥٢ - غبطتها إذ أدلجت واعتاقني الـ … حظ ولكن عارضَ اليأسُ الرجا
٥٣ - ما أقدر الله وإن شطّت قصى … يدني كلمح الطرف سيبًا من كدا
٥٤ - وقد بعثت هذه مع شاغلٍ … باسطةَ العذر لها وللفتى
٥٥ - من خُرَّدٍ يأبيْنَ بعلًا غيرَهُ … فهو لهنَّ مستجادٌ مُنتقى
٥٦ - ينصفُها الحرُّ إذا شامَ لها … من العُلا بارقةً والعبدُ لا
٥٧ - لو برزت لابن دريدٍ سالفًا … لا ستلبت منه الحجى وما درى
٥٨ - يا شعرها قد نيط بالشعرى علا … فانحطّ في سافله أبو العلا
٥٩ - خاضوا بحارًا من قريض خضتها … ولم يخوضوا قسطلًا يوم الوغى
أبو الصفا الأُسْطُواني (١٦)
محمد بن حسين بن سليمان، الشيخ الفاضل الهمام أبو الصفا الشهير
стр. 149
بالأُسْطُواني الدمشقي، إمام محراب الحنابلة بالجامع الشريف الأموي. ترجمه الحافظ النجم الغزي في الكواكب السائرة فقال: أخبرني ابن أخيه الشيخ محمد الأزهري أنه مات في سنة اثنتين أو ثلاث وثمانين وتسعمائة، وكانت وفاته يوم الأحد تاسع عشر جمادى، ودفن بمقبرة مرج الدحداح خارج باب الفراديس.
أبو بكر تقي الدين بن الذبّاح (١٧)
أبو بكر بن إبراهيم بن الشيخ محمد المهلل، الشيخ العالم الصالح الورع تقي الدين المعروف بابن الذبّاح، وشهرته أيضًا لا سيما ببلاد اليمن بابن الحكيم، المقدسي الأصل ثم الصالحي الدمشقي. مولده باليمن سنة تسع بتقديم التاء المثناة وتسعمائة. ترجمه الحافظ النجم الغزي في الكواكب فقال: قرأ على شيخ الإسلام الوالد جانبًا من صحيح مسلم، وشيئًا من تفسير القاضي البيضاوي، وعرض عليه أماكنَ من (الخرقي) وسمع كثيرًا من دروسه، وكتب من مناظيمه أشياء، وكان يكتب كتب الصوفية؛ كتب (كفاية المعتقد) لليافعي و (الفتوحات) وغيرها للشيخ الإمام الأكبر محيى الدين بن العربي قدس الله تعالى سرّه، وكان يعتني بكلامه كثيرًا، وكان الناس يترددون إليه بكتابة الحروز وغيرها انتهى. وكان صاحب الترجمة له محبة كليّة بالأولياء والصوفية، عالمًا عاملًا معتقدًا للخاص والعام، محببًا للنّاس، آية في الأنس واللطافة، ذا هيبة ووقار وهداية واستبصار، وأجمع الناس على اعتقاده وترك انتقاده. ولم يزل على هذه الطريقة المثلى والصراط المستقيم إلى أن درج إلى مدارج العفو والغفران ومنقلب الفضل والإمتنان، فتوفي في تاسع عشر رمضان المعظم قدره سنة خمس [٣٥ - ب] وثمانين وتسعمائة، وصلي عليه بمشهد عظيم
стр. 150
حافل بالناس، ودفن بتربة مسجد الأقدام وأغفل ذكره الفاضل العكري في الشذرات مع أنه أهل للترجمة. وترجمه البدر حسن البوريني في تاريخه فقال: هو الشيخ الذي ثبت صلاحه وتقرر فلاحه وحسنت أحواله وصدقت أقواله، وكان على أسلوب المتقدمين في سلوكه، لم يمل من الدهر إلى ملوكه، بل إلى ضعيفه وفقيره وصعلوكه. اجتمعت به في صالحية دمشق في حدود سنة خمس وسبعين وتسعمائة، وكان ابتداء الإجتماع به في المدرسة العمرية لأنه كان إمامها، وكانت له حجرة بها، وكان يأتي إليها من بيته في الثلث الأخير من الليل، فيشعل سراجه من قنديل المدرسة ويستفتح في قراءة القرآن العظيم إلى وقت الصلاة، فيقوم ويصلي بالناس، ثم يرجع إلى حجرته ويشتغل بالأوراد إلى طلوع الشمس، فبعد ارتفاعها يصلي الضحى ثم يسير إلى المدرسة دار الحديث بالصالحية أيضًا، فيدّرس بها فقه الإمام أحمد وغير ذلك من حديث ونحو. قرأت عليه بالمدرسة المذكورة (الأذكار) للإمام النووي، وانتفعتُ بعلمه ودعائه. وكان كثير التغفل فما يتعلق بأمور الدنيا، بحيث إنه كان يسأل غالب تلاميذه كلَّ يوم عن أسمائهم ومن أي بلد هم، وأظنّ بل أتحقق أنه كان صاحب درجة كبيرة من الولاية، شهدت له كرامات: أنه كان يترك السراج مملوءًا بالزيت في حجرته بالعمرية كما ذكرنا ليتلو القرآن عند قدومه آخر الليل، وكان الفأرُ يأكل الزيت والفتيلة، وكان الشيخ ﵁ يُظهرُ التألم لذلك فقال لي يومًا: أنا أنذرت الفيران فإن استمروا على الفساد قتلتهم فبعدَ أيامٍ دخل الحجرة فوجد بها أكثر من عشرة من الفئران قد ماتت، فقال: سبحان الله أنذرتها فأبت إلا الفساد فأهلكها الله تعالى بفسادها، ولقد رأيت الفئران وأصحابه يخرجونها. واحدًا بعد واحد. وكان وليَّهُ في مصالح دنياه الشيخ أبو بكر بن زيتون وكان يأكل من ماله كثيرًا، وكان يدعو عليه، فلذلك ترى ابن زيتون المذكور مذموم السيرةِ عند غالب الناس بعد أن
стр. 151
كان صاحب حال حسنة. نعوذ بالله تعالى من الضلال بعد الهداية ومن الخسران بعد العناية. وكتب الشيخ أبو بكر كثيرًا من [نُسخ (١٨)] (الفتوحات المكية) للشيخ محي الدين بن عربي، وكتب غير ذلك كثيرًا، وكانت معرفته بالعلم الروحاني مقطوعًا بها من غير شبهة. وقفت له على مجموع بخطّه فيه نفائس الفوائد وكتب في آخره كتبه أبو بكر بن إبراهيم الحكيم الذبّاح الحنبلي، ومن جملة ما كتب فيه من الفوائد أيضًا ما صورته: قال ابن خلكان: ومما جرّب لدفع النوازل:
كنْ عنْ هُمُومِكَ مُعِرْضًا … وكِلِ الأُمورَ إلى القضا
وابشرْ بخيرٍ عاجِلٍ … تنس بهِ ما قد مضى
فلرُبَّ أمرٍ مُسخِطٍ … لكَ في عواقبِهِ رضى
ومن جملة ما رأيت فيه من الفوائد أيضًا ما صورته: (بسم الله الرحمن الرحيم سئل الشيخ الإمام علامة الأنام مجد الدين الفيروزابادي صاحب القاموس رحمه الله تعالى بما صورته: ما قول السادة العلماء شد الله بهم أزر الدين ولمّ بهم شعث المسلمين في الشيخ محيى الدين بن عربي وفي كتبه المنسوبة إليه كـ (الفتوحات) و (الفصوص) هل تحلُّ قراءتها وإقراؤها؟ وهل هي من الكتب المسموعة المقروءة أم لا؟ أفتونا مأجورين جوابًا شافيًا لتحرزوا جزيل الثواب من الكريم الوهّاب فأجاب بما صورته: اللهم أنطقنا بما فيه رضاك. الذي أعتقُدُه في حال المسؤول عنه وأدين الله تعالى به أنه شيخ الطريقة حالًا وعلمًا وإمام التحقيق حقيقة ورسمًا ومحيى رسومِ المعارفِ فِعلًا واسمًا
стр. 152
إذا تغلغل فكرُ المرءِ في طرَفٍ … من مجدِهِ غَرقَتْ فيهِ خواطُرهُ
فهو عبابٌ لا تكدره الدلاءُ، وسحاب تتقاصر عنه الأنواءُ. كادت دعوته تخرق السبع الطباق، وتفترق بركاته فتملأ الآفاق. وإني أضعُهُ وهو يقينًا فوق ما وصفته، وناطق بما كتبته، وغالب ظني أنّي ما أنصفته كما قيل:
وما عليَّ إذا ما قلْتُ مُعْتَقَديِ … دعِ الجهولَ فظنّ الجهل عُدوانا
واللهِ واللهِ واللهِ العظيمِ ومن … أقامه حجةً لله برهانا
إنّ الذي قلتُ بعضٌ من مناقبه … ما زدت إلا لعلي زدت نقصانا
وأما كتبه ومصنفاته فالبحار الزواخر التي جواهرها لكثرتها لا يعرف لها أول من آخر، وما وضع الواضعون مثلها، وإنما خصّ الله تعالى بمعرفة قدرها أهلها، فمن خواصّ كتبه أنه من لازم على مطالعتها والنظر فيها انشرح صدره لحلّ المشكلات وفك المعضلات والحمد لله وحده.
وفيه فوائد عظيمة وخيرات عميمة أعرضنا عن استقصائها خوف الإطالة وخشية الملالة.
واستمر على ما ذكرناه من الإفادة والعبادة إلى أن توفاه الله تعالى.
انتهى كلام البدر البوريني بحروفه.
محمد أبو الفتح الأُسطواني (١٩)
محمد بن حسين بن سليمان، الشيخ الهمام النبيل أبو الفتح الدمشقي الشهير بالأسطواني، رئيس السادة المؤذنين بالجامع الشريف الأموي. ترجمه الحافظ النجم الغزي في الكواكب فقال: كان من خيار الناس، وأخبرني الشيخ عبد
стр. 153
القادر ابن سوار شيخ المحيا (٢٠) بدمشق قال: رأيت رسول الله ﷺ في المنام فقال لي: يا عبد القادر من تحب حتى أحبه قال: قلت: يا رسول الله الشيخ عبد الباسط العلموي والشيخ أبو الفتح الأسطواني (٢١) قال: ثم استيقظت وأنا أتعجب وأقول في نفسي أنا أحب شيخ الإسلام الشيخ بدر الدين بن رضي الدين الغزي وولده الشيخ شهاب الدين أكثر فما بالي ذكرت غيرهما؟ قال: فقصصت هذه الرؤيا على المولى شيخ الإسلام شهاب الدين بن البدر الغزي فقال لي: يا شيخ عبد القادر هذه الرؤيا تدل على أن مجلسك أوله فتح وآخره بسط. أخبرني الشيخ محمد الأزهري أن أباه الشيخ أبا الفتح مات في سنة سبع وثمانين وتسعمائة في شعبان عن ثلاث وستين سنة ودفن بمقبرة باب الفراديس. انتهى كلام النجم في الكواكب.
قلت: ورأيت في آخر مختصر طبقات السادة الحنابلة لأبي يعلى اختصار الشيخ شمس الدين محمد بن عبد القادر بن عثمان النابلسي تغمده الله برحمته بخطّ الشيخ الفاضل النبيل الشيخ عبد الباسط بن العلموي ماصورته: طالعت هذا الكتاب وتأملته وتدبرته وتفهمته، وعلى ما وقع اختياري عليه نظرته، ثم كتبته مختصرًا أو استحضرته، ودعوت لمالكه ببلوغ الأماني، هو الفاضل النحرير الناقد بالتحرير سيدي أبو الفتح الأسطواني أمتع الله بحياته، ونفع بصالح دعواته، في ذي العقدة سنة إحدى وسبعين وتسعمائة. كتبه عبد الباسط بن العلموي انتهى بحروفه.
стр. 154
القاضي شمس الدين محمد بن طريف (٢٢)
محمد الشيخ العالم الفاضل الكامل قاضي القضاة الشهير بابن طريف الدمشقي الصالحي. كان شيخًا فاضلًا يدري الفقه ويقرره، وكان يفتي الناس مع الفضل الزائد. ترجمه النجم الغزي العامري في الكواكب فقال: توفي يوم الثلاثاء غرة ذي القعدة سنة تسع بتقديم المثناة وثمانين وتسعمائة، ودفن بصالحية دمشق الشام المحروسة وأغفله العكري.
محمد بن أحمد (أبو السعادات الفاكهي) (٢٣)
محمد بن أحمد بن علي المكي الشهير بالفاكهي، الإمام العالم العلّامة الحبر البحر النحرير المحقق الفهامة، أبو السعادات. ولد سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة، وقرأ في المذاهب الأربعة، فكانت له اليد الطولى، وتفنن في العلوم. ومن شيوخه الشيخ أبو الحسن البكري والعلامة الشهاب أحمد بن حجر الهيتمي والشيخ محمد الحطاب في آخرين من أهل مكة وحضرموت وزبيد يكثر عددهم، بحيث يزيدون على التسعين. وأجازوه وحفظ (الأربعين النووية) و (العقائد النسفية) و (المقنع) في الفقه الشريف الحنبلي و (جمع الجوامع) الأصولي و (ألفية ابن مالك) و (تلخيص المفتاح) وغير ذلك منها القرآن العظيم، وقرأ للسبعة ونظم ونثر وألّف التآليف النافعة؛ من ذلك شرح مختصر الأنوار المسمّى (نور الأبصار) في فقه الشافعية ورسالة في اللغة وغير ذلك ورزق الحظوة في زمته، وكان جوادًا سخيًّا لا يمسك شيئًا ولذلك كان كثير
стр. 155
الاستقراض، وكانت تغلب عليه الحدّة، ودخل الهند وأقام بها مدة مديدة، ثم رجع إلى وطنه مكّة سنة سبع وخمسين وتسعمائة وفي ذلك العام زار النبي ﷺ ثم حَجَّ في السنة التي تليها وعاد إلى الهند، فمات بها ليلة الجمعة الحادي والعشرين من جمادى الآخرة سنة اثنين وتسعين بتقديم التاء وتسعمائة، ودفن هناك. وأغفله الحافظ النجم الغزي في الكواكب وترجمه الشيخ عبد الحي العكري في الشذرات رحمه الله تعالى.
شمس الدين محمد بن خطّاب (٢٤)
محمد بن محمد بن خطّاب، الشيخ الفاضل النبيل شمس الدين الشهير بابن خطّاب الدمشقي، رئيس العدول بالمحكمة الكبرى ثم بالباب (٢٥). أخذ صنعة التوريق عن الشيخ شمس الدين محمد بن محمد الجعفري المعروف بابن قاضي نابلس، وكان خطاهما متقاربين لا يكاد يفرَّقُ بينهما، واتسعت عليه الدنيا. وكان صاحب الترجمة مسموع الكلمة وافر الحرمة. قال الحافظ النجم: وكانت تخافه الناسُ حتى أكابُرهم، حتى مات رجلٌ يقال له محمود الأعور عن بنتٍ كان يقال إنها تربيةٌ عنده، فأثبت ابن خطاب هو وعليّ الحلبي الترجمان أنها بنته، وقام أحدهما وصيًّا عليها وعلى مالها، والآخر ناظرًا بمعونة القاضي شمس الدين الرجيحي، ثم نبغ لهما كيخيا (٢٦) الإنكشارية المعروف بالسقّا يوسف، فشكا قصته للسلطنة فعيّن على ابن خطّاب ومن معه قابجيا من الباب العالي معه
стр. 156
قاضٍ مستقل، فورد دمشق وحبس ابن خطّاب صاحب الترجمة [٣٦ - ب] وولده القاضي كمال الدين والترجمان، وهرب الرجيحي وطلب منهم ثلاثين ألف دينار ذهبًا بالإهانة والضرب. ثم حسّن له بعض الأشقياء التطاول إلى أكابر البلد فحبس شيخ الإسلام الشيخ إسماعيل النابلسي والشيخ العلامة شمس الدين محمد الحجّاري والقاضي عبد الله الرملي والقاضي [شمس الدين] (٢٧) الكنجي والشيخ [القاضي] وفاء ابن العقيبي في جماعة آخرين من التّجار وغيرهم، وطال حبسهم عنده حتى ورد الأمر السلطاني بالإفراج وقتل القابجي، فشُنِقَ في سنة تسعين وتسعمائة. ثم خرج ابن خطاب وابنه كمال الدين فقيرين قد استولي على كل ما ملكاه بأيديهما. ثم كان صاحب الترجمة يتردد إلى الجامع الأموي في أوقات الصلاة وغيرها، حتى توفي في ثاني جمادى الآخرة سنة اثنتين وتسعين بتقديم التاء وتسعمائة. انتهى كلام النجم الغزي العامري قدس سرّه.
موسى المصري (٢٨)
موسى المصري ترجمه الحافظ النجم الغزي في الكواكب فقال: كانت له فضيلة ما، وله شعر على حسب حاله، وكان الشيخ الوالد (يعني شيخ الإسلام والده البدر الغزي) يحسن إليه ويجيزه. ومدح شيخ الإسلام البدر بعدة قصائد، وكان فقيرًا جدًا، ولم يكن عنده حقد ولا حسد. توفي في حدود التسعين بتقديم التاء على السين وتسعمائة رحمه الله تعالى رحمة واسعة انتهى.
стр. 157
عبد الوهاب العسكري (٢٩)
عبد الوهاب بن محمد الدمشقي الشهير بالعسكري الشيخ الإمام العلّامة الفاضل والقدوة الجهبذ النحرير، الإمام العالم العامل ترجمه الحافظ [٣٧ - آ] النجم الغزي فقال فيه: كان له مشاركة في العلم وكان له قراءة حديث بالجامع الأموي وكان يقرأ في (صحيح البخاري) في الثلاثة أشهر بين الصلاتين عند باب العنبرانية قراءة حسنة، وكان له قراءة جزء بالجامع الشريف الأموي ولمّا ولي تولية الجامع المشار إليه حسن جاويش المعروف بشويريزي حسن، أخذ يحرض الناس على المباشرة، فجاء الشيخ عبد الوهاب يومًا لقبض علوفته منه في المصرف فقال له: أنا لا أعطيك العلوفة لأنك لم تباشر فقام الشيخ عبد الوهاب من المجلس مغتاظًا، ومرض بسبب ذلك ومات، ولما مات السيد حسين بن السيد كمال الدين بن حمزة، تزوج زوجته، وأحسن تربية ولديه السيد زين العابدين والسيد محمد، وأقرأهما في بدايات العلم حتى صارا قريبًا منه في الفضيلة، وقد عدّ صاحب الترجمة في مشايخهما، وكانت وفاته وانتقاله لعالم العفو والرضوان في حدود سنة ألف من الهجرة [عن نحو سبعين سنة] (٣٠) رحمه الله تعالى وأغفل ذكره الشيخ عبد الحي العكري في الشذرات [٣٧ - ب].
стр. 158
ذكر من لم تؤرخ وفاتهم من أهل هذه الطبقة الشيخ تقي الدين بن غالي (٣١)
أبو بكر الشيخ الإمام الفاضل الهمام، والجهبذ السميدع اللبيب الفقيه، الإمام تقي الدين المعروف بابن غالي البعلي، تردد إلى دمشق كثيرًا، ترجمه الحافظ النجم الغزي في الكواكب فقال: أخذ عن شيخ الإسلام الوالد وعن غيره، وولي نيابة القضاء ببعلبك في زمان قاضي القضاة ابن المفتي، وكان فقيهًا فقيرًا وله قوّة في دينه انتهى.
الشيخ عبد الرحمن بن مفلح
عبد الرحمن بن القاضي برهان الدين إبراهيم بن قاضي القضاة نجم الدين عمر بن مفلح. ذكره جدنا العلامة المفسّر البدر الغزي العامري في قائمة تلامذته فقال: عرض عليّ (الأَلفية) و (بانت سعاد) وأجزته بهما وبما يجوز لي روايته انتهى.
стр. 159
الطبقة الخامسة فيمن توفي من سنة إحدى وألف إلى سنة خمس وعشرين وألف من الهجرة المطهرة
محمد الخُريشي (١)
محمد بن أحمد المقدسي الشهير بالخريشي الشيخ العالم الفاضل الهمام الفقيه، أوحد عصره فضلًا ونبلًا، ووحيد دهره في العلوم عقدًا وحلًا. ترجمهُ الأمين المحبي في تاريخه خلاصة الأثر فقال: ترجمه الشمس الداودي وقال في ترجمته: كان والده بنّاءً وكان يقرأ القرآن، وربما ناب عن ولده في الإمامة في بعض الأحيان ورحل هو إلى القاهرة واشتغل في الجامع الأزهر وغيره وأقام بها مدة طويلة، حتى برع وتميز وتأهل للتّدريس والفتوى، وأجيز بذلك من شيوخه المصريين، ثم قدم إلى القدس وأقام بها ملازمًا على الدروس. وكان عالمًا عاملًا خاشعًا ناسكًا متقللًا من الدنيا قانعًا باليسير طويل التعبد كثير التهجد ملازمًا على تلاوة القرآن وتعليم العلم، انتفع به أهل القدس انتفاعًا ظاهرًا وكثير من أهل نابلس وخصوصًا في العربية، وكان لا يجتمع بالأمراء ولا بالقضاة مع حرصهم على الاجتماع به، وكان إمام الحنابلة بالمجمع تحت المدرسة القايتبائية ومفتيهم في عصره، وكان يعظ الناس ويذكرهم. وحصل بينه وبين صاحبنا الشيخ محمد ابن شيخنا الشمس محمد بن أبي اللّطف وحشةٌ أدت إلى ترك ذلك،
стр. 160
قيل: سببها أنّ الخريشي وقف على حكم العَذَبة والتلحي واستحباب ذلك، فأرخى له عَذَبَةً ثم تلحّى، وكان له طلبة ومحبون يعتقدونه فأخذوا بالإقتداء به في ذلك وكثر متعاطو ذلك حتى من أولاد المشايخ، وصار بعض الناس يضحكون منه ومنهم، ويأمرونهم بترك ذلك وهو يحملهم على الملازمة وعدم الالتفات لقول المنكرين، فأدى ذلك أن أفتى الشيخ محمد المذكور بأنّ التلحي بدعة ويعزّر متعاطيه، فتسلط السفهاء على المتلحين يؤذونهم ويؤذون الشيخ الذي أمرهم بذلك، ويقولون هو مبتدع، وسعوا في منعه من الوعظ فترك ذلك وتحمل الأذى وصبر، فلم تمض إلا مدة قليلة حتى مات الشيخ اللطفي مسكوتًا، فصار الناس يقولون: هذا من بركة الخريشي وإنكاره على السنة. وكانت وفاة الخريشي المذكور إلى درجات العفو والغفران والنور، في ليلة الأحد ثالث عشر شهر ربيع الثاني سنة إحدى بعد الألف والخُريشي بضم الخاء المعجمة والشين المعجمة مصغرًا نسبة إلى قرية من قرى جبل نابلس انتهى ما في محبي بحروفه [٣٨ - آ].
شمس الدين سبط الرجيحي (٢)
محمد بن محمد بن أحمد بن عمر سراج الدين بن قاضي القضاة شمس الدين محمد بن علي بن عمر الشيخ الفاضل قاضي القضاة شمس الدين بن محيى الدين محمد سبط الرجيحي الدمشقي العالم الإمام السند الفقيه، قاضي الحنابلة بدمشق الشام ومرجعهم عند اختلاف الأئمة الأعلام. ترجمه المحبّي في الخلاصة فقال:
стр. 161
أحد نواب الحكم بمحكمة الباب بدمشق، وليس هو بابن الرجيحي وإنما هو ابن بنت القاضي الرجيحي، قيل: كان والده صفديًا يعرف بابن المحتسب من أعيان صفد فصاهر الرجيحي المذكور ورأس بمصاهرته وولي نيابة القضاء نحو خمسين سنة، منها بمحكمة الباب قريبًا من أربعين سنة وكان حسن الأخلاق منعمًا مثريًا ظاهر الوضاءة والنباهة، وله محاضرة جيدة. وكان في مبدأ أمره يخدم قاضي القضاة القاضي ولي الدين ابن الفرفور، ثم طلب العلم وأخذ عن العلامة شيخ الإسلام القاضي رضّي الدين الغزّي العامري، وتفقه بالشّرف موسى الحجّاوي والشيخ شهاب الدين بن سالم، وولي قضاء الحنابلة بالمحكمة الكبرى في سنة ثلاث وستين وتسعمائة، ونقل إلى نيابة الباب وسافر إلى مصر في سنة إحدى وتسعين وتسعمائة، واجتمع بالأستاذ محمد البكري وغيره واستمر بها مدة، ثم عاد إلى دمشق وولي مكانه إلى أن مات. وكان له حجرة بالمدرسة الباذرائية (٣) وسرق له منها أمتعة ثمينة فلم يتأثر، وكان محببًا في الناس جميل اللقاء كثير التجمل، وكان يلبس الثياب الواسعة والعمامة الكبيرة على طريقة لباس أبناء العرب بالأكمام الواسعة والعمامة المدرجة والشد على الكتف، وإذا جلس في مجلس أو كان بين جماعة أخذ يتكلم في أخبار الناس ووقائعهم القديمة التي وقعت في آخر أيام الجراكسة وأوائل أيام العثامنة، حتى ينصت له كل من حضر. وكان شهود الزور يهابونه فلا يقدمون بحضرته على أداء الشهادة، وكان يعرفهم. وبالجملة فقد كان من الرؤساء الكبار قرأت بخط الطاراني: أنّ ولادته كانت في سنة ست عشرة، وقيل في سنة سبع عشرة وتسعمائة، وتوفي نهار الجمعة سادس عشري شوال سنة اثنتين بعد الألف، ودفن بمقبرة باب
стр. 162
الصغير (٤) بالقرب من سيدنا بلال الحبشي -رضي الله تعالى عنه-، وشهد جنازته خلق كثير وكتب وصيته [٣٨ - ب] قبل موته بمدة وأبقاها على وسادته بخلوته في الباذرائية، ولما احتضر قال: قد وضعت وصيتي تحت الوسادة فإذا مت فخذوها واعملوا بما تضمنته، ثم لما قضى نحبه أُخرجت فوجد فيها جميع ما يملك وأنبأت بأشياء أجازها ورثته وخلّف أشياء كثيرة من كتب وأمتعة وغيرها. انتهى ما نقله المحبي. وترجم صاحب الترجمة العلامة الحافظ النجم الغزي العامري في ذيله على كتابه الكواكب فقال بعد أن ذكر مشايخه المتقدم ذكرهم: وكان ماهرًا في طريقته، وله محاضرة حسنة، واختفى في فتنة محمود القابجي، ثم سافر إلى جهة صيدا وركب البحر إلى القاهرة واجتمع بسيدي محمد البكري وغيره، واستمر بها مدة أشهر حتى همدت الفتنة فعاد إلى دمشق، وولي مكانه حتى مات. وكان من أعيان دمشق والمعول عليهم فيها، ثم قال النجم: ومات في شوال سنة اثنتين بعد الألف وهو شهر ميلاده كما سبق، انتهى. قلت: ورأيت بخطّ بعضهم: صوابه في صبيحة نهار الأربعاء عاشر ذي الحجة من سنة سبع عشرة وتسعمائة. ثم قال النجم: وكانت وفاته في شوال ليلة الجمعة. ورأيته في المنام بعد سنين فقلت له ما فعل الله بك؟ فضحك إليّ وقال: يا مولانا الشيخ أما علمتَ أنّي مت ليلة الجمعة رحمه الله تعالى، انتهى. في الذيل باختصار: ورأيت بخط الشمس محمد الداودي الدمشقي في يومياته ما صورته: وفي ليلة الجمعة سادس عشري شوال سنة اثنتين بعد الألف توفي نائب القاضي الحنبلي وهو المشهور بالقاضي شمس الدين الرجيحي الحنبلي،
стр. 163
وليس هو بابن الرجيحي، وإنما هو ابن بنت القاضي عبد القادر الرجيحي، إلى أن قال: وصلي عليه بعد صلاة الجمعة. وخرج قاضي القضاة وهو مولانا مصطفى جلبي بن حسين جلبي ابن سنان أفندي في جنازته إلى المقبرة، وحضر القضاة والعدول والعلماء، وكانت جنازته مشهودة ودفن خلف تربة سيدي بلال الحبشي من جهة الشرق عند قبر [] (٥) وكان سِنُّه خمسًا وثمانين سنة، فإنّ مولده على ما أخبرنا به غير مرة سنة سبع عشرة وتسعمائة قال: ولدت أنا والشيخ علاء الدين بن عماد الدين رحمه الله تعالى في سنة واحدة وذكر لي من تقدم الآخر في الأشهر، لكن لم يحضرني الآن. وكانت وفاة الشيخ علاء الدين المذكور في أواخر سنة إحدى وسبعين وتسعمائة عن أربع وخمسين سنة تقريبًا ثم قال الداودي المزبور في يومياته المذكورة: وفي يوم الخميس ثالث ذي القعدة سنة اثنتين وألف أُحضرت كتب القاضي الرجيحي إلى الجامع الأموي للبيع بعد صلاة الظهر، وكان الباشا والقاضي حاضرين للعساكر الذين في جهاد الكفرة، فنودي على (تفسير القاضي البيضاوي) [٣٩ - آ] فانتهى على الباشا بسبعة وعشرين قبرصيًا بحساب المعاملة، فبعد أن كتب عليه بها جاء الدلال وقال يا مولانا الباشا زادوا عليك وجعلوه بمائة قبرصي، فانفعل القاضي لذلك وقال من الذي زاد؟ فقال: رجل شريف فقال الباشا: وقبرصي آخر زيادة، ثم زيد عليه أيضًا قبرصيان، فزاد قبرصيًا آخر، فصار الكتاب بمائة قبرصي وأربعة قبارصة، وكان هذا من حلم الباشا حيث لم يتغير لزيادتهم عليه. قيل إن الذي زاد عليه هو ابن الدُّسوقي أحد المتشرفين جديدًا، وكان أبوه قد خلّف له ولأخيه أموالًا كثيرة وكان هو من أصهار وارثي الميت، وكانت هذه النسخة بخط الفاضل الأديب الشاعر المنشئ الكاتب
стр. 164
محمد بن الصالحي، وكان الأكابر يتنافسون في خطه وهو تعليق لكنه نفيس جدًا، وكان الرجيحي قد تكلف على هذه النسخة أكثر من هذا المبلغ بكثير، ثم بيعت كتبه يوم السبت والأحد والاثنين في الجامع وزيد في أثمانها ضعف ضعفها، وبيع فيها من كتب الأوقاف شيء كثير وتجاسر على شرائها الجعفري المصارع قابله الله تعالى بعدله، واشترى كثير من الناس كتبهم (٦) من مشتريها، حتى إن الفقير (٧) اشترى منها كتاب (شرح عمدة النسفي) للعلامة النجم ابن الزهيري بخط مؤلفها، وليس فيها شبهة وقف، بل عليها بخط الرجيحي أنّها دخلت في ملكه من تَرِكةٍ فجاء ابن المؤلف وهو تقي الدين فزعم أنها إنما كانت عنده عارية من مدة، فرددتها عليه وهو كتاب نفيس فيه فوائد كثيرة، واتفق أنه اشترى من الأوراق المفرطة التي تأخرت عن البيع الشاعر الفاضل الجمالي يوسف بن العلموي بأربعة قبارصة فلم يجدها تساوي المبلغ المذكور فعمل هذه الأبيات حتى ردها على ورثته وهي:
الا فانظروا فعل الرجيحي وما صنع … حوى كُتُبًا لكنْ سواه بها انتفعْ
فغالبها وقفٌ ويحرمُ بيعه … إذا كانت الورّاثُ عندهُم ورعْ
وبعضٌ إعاراتٌ وبعض غصيبةٌ … وبعضٌ محاياةٌ ألا بئس ما جمعْ
ولما أبيعت ما رآى الناس غبطة … سوى نقمةٍ تفضي إلى الخسر والبدعْ
وبعضٌ وريقات أخذتُ نواقصًا … عليه لسوءِ الحظ مُطلبي وقع
تساوي بقدر العشر من عشر سعرها … أصبت وما في الحال والله متسع
ولكن شكونا علّ ندرك نصرة … بنجل الفتى أعنيه قاضيَّ في زرع
فذاك مغيثٌ إنْ عرا الّمرءَ حادثٌ … وذاك غنيُّ النفس ليس له طمع
стр. 165
أطال إلهي عمره وحياته … وأمّنه من كل خوف ومن جزع
وأولى من قوله: بنجل الفتى أعنيه قاضي في زرع لو قال: (بنجل الفتى اللذ كان قاضيَ في زرع)
وهو قريب زوجة الميت الرجيحي ووكيلها في ضبط ما يخصها من تركته، وقد وقع اختلاف في توريث ذوي الأرحام للميت؛ فقد خلّف ابن ابن ابن خالة، وابن بنت أخت، فأفتى بعض الحنابلة بالتسوية بينهما في الإرث، وإن كان الثاني أقرب إلى الوارث من الأوّل لكون جهتهما مختلفة، وأفتى بعضهم بتقديم الثاني لقربه من الوارث. ثم رفع الأمر إلى القاضي فقال: متى قُسِمَتْ تركةٌ على مذهب الحنابلة؟! وإنما تقسم على مذهب أبي حنيفة. والراجح فيه تقديم الأقرب إلى المورث من ذوي الأرحام، فاستأثر بها الثاني وهو ابن بنت الأخت بعد فرض الزوجة والله أعلم، انتهى ما ذكره الداودي بحروفه.
ضياء الدين الرجيحي
عبد الغني بن عبد القادر الدمشقي الشيخ الفاضل ضياء الدين الشهير بالرجيحي؛ ترجمه الحافظ شيخ الإسلام النجم الغزي العامري فقال: كان من شهود المحاكم بدمشق المحمية ثم ناب في القضاء، وكان طويل القامة عريضها وكان الناس سالمين من لسانه ويده، مات في ثالث رجب الحرام من سنة ثلاث بعد الألف، انتهى. قلت: ودفن بباب الصغير التربة المشهورة بدمشق، وذكر الشمس محمد بن محمد الداودي في يومياته أنّه في صبيحة يوم الأربعاء عاشر رجب المذكور، جاء الأمر من السلطان الجديد وهو السلطان محمد ابن السلطان مراد العثماني يتضمن الإخبار بوفاة والده والأمر بالصلاة
стр. 166
عليه، فنودي على المنائر بالصلاة عليه، وكان الباشا قد همّ بأن يصلي عليه بالمرجة كما جرت به العادة، فعارضه القاضي فصلى عليه بالجامع الأموي. قيل: خاف القاضي من العامة إن صلى عليه في المرجة أن يرجموه كما فعلوا به في ولايته السابقة، وقدم للصّلاة عليه الشيخ أحمد بن سليمان القادري خادم ضريح الأستاذ أرسلان (٨) وهو المتصوف وشيخ الفقراء إلى آخر ما ذكر انتهى.
شهاب الدين بن مفلح
أحمد بن محمد بن مفلح القاضي شهاب الدين الدمشقي الشهير بابن مفلح، كان رئيس الكتبة بمحكمة قناة العوني، ثم صار قاضيًا بها وبغيرها. ترجمه الحافظ النجم الغزي العامري فقال: كان يأكل الكيف وربما سره إلا أنّه كان صائن العرض، في طريقه، فقيرًا. مات في عشرين المحرم سنة ست بعد الألف رحمه الله تعالى انتهى بحروفه [٤٠ - آ].
الشهاب أحمد الشويكي (٩)
أحمد بن محمد بن أحمد بن أحمد الإمام أبو العباس شهاب الدين الفقيه الجهبذ النحرير المعروف بالشويكي. ترجمه الأمين المحبي في تاريخه فقال: كان
стр. 167
من أفاضل الحنابلة بدمشق، وكان غزير العلم سريع الفهم حسن المحاضرة فصيح العبارة وفيه تواضع وسخاء. ولد بصالحية دمشق، وحفظ القرآن العظيم، (والمقنع) في الفقه وغيره على محرر المذهب الشرف موسى الحجاوي الصالحي، وأخذ العربية وغيرها من الفنون عن العلامة خاتمة المحققين الشمس محمد بن طولون والمنلا محب الله والعلامة أبي الفتح الشبشري والعلامة علاء الدين بن عماد الدين والشهاب أحمد بن بدر الدين الطيبي الكبير، ثم رحل إلى مصر، وأخذ بها عن الجلة من العلماء كشيخ الإسلام تقي الدين محمد بن أحمد الفتوحي (١٠) شيخ الحنابلة بمصر ورئيسهم، ورجع إلى دمشق وأفتى بها ودرّس نحو ستين سنة، وسلم له فقهاء المذهب، غير أنّه كان يفتى بقول العلامة تقي الدين بن تيمية الحراني من القول بتجويز [بقاء] (١١) التزويج بعد الطلقات الثلاث الدفعية. وتولى صاحب الترجمة القضاء بالصالحية وقناة العوني والكبرى (١٢)، وكان يحكم ببيع الأوقاف إذا وجدت مسوغاتها. وترك الصالحية في أواخر عمره وقطن بدمشق بالقرب من الجامع الشريف الأموي، وخطب مدة طويلة بجامع الأمير منجك باشا بمحلة ميدان الحصا، وكان صوته حسنًا وتلاوته حسنة، وامتحن مرّات، وسافر إلى قسطنطينية في بعضها، وسرقت ثيابه وغالب ما كان يملك في منزله (١٣) بدمشق، دخل عليه اللصوص وأمسكوا لحيته وأرادوا قتله، ونسب فعل ذلك إلى غلام رُوميّ. وكانت ولادته في سابع عشر جمادى الآخرة سنة سبع وثلاثين وتسعمائة بتقديم
стр. 168
السين في سبع كما قرأته بخطّ القاضي عبد الكريم بن محمود الطاراني نقلًا عنه، وتوفي يوم عرفة بعد العصر تاسع ذي الحجة سنة سبع بعد الألف ودفن بعد أن صُلي عليه بالجامع الأموي في سفح جبل قاسيون على أسلافه الشويكيين رحمه الله تعالى آمين انتهى. وترجمه العلّامة بدر الدين حسن البوريني في تاريخه المسمى (بتراجم الأعيان من أبناء الزمان) فقال: الشيخ أحمد الشويكي هو الشيخ الفاضل العالم الكامل، القاضي شهاب الدين أحمد الشويكي الحنبلي، وهو من بيت نجابة وفتوى وخطابة. ولد بصالحية دمشق الشام وكان يحفظ القرآن العظيم، وحفظ (المقنع) أيضًا على مذهب الإمام أحمد -رضي الله تعالى عنه-، واستمر نحو ستين سنة يفتي على مذهب الإمام المذكور. فما عرفت له زلة، ولا أبطل أحد نقله، وتولى القضاء نيابةً بدمشق مدة مديدة، وأعواما عديدة، ثم قال البوريني: ولقد كان العوام يضربون المثل برده للطلاق البائن، ويعدون له ذلك من جملة المحاسن، غير أنه كان غزير العلم، سريع الفهم، فصيح العبارة، جميع الإشارة، يتوقد ذكاؤه، ويتفجر سخاؤه، سلم له فقهاء مذهب أحمد، ورأوا الإنقياد لما يقوله فيه أولى وأحمد، رحل إلى مصر فاستفاد بها ما أراد، ورجع منها فائزًا من العلوم بالمراد، كان ابتداء اجتماعي به في المدرسة الحاجبية (١٤)، بالصالحية المحمية، وهو إمامها في سنة خمس وسبعين وتسعمائة ورأيته يقرئ بعض الحنابلة متن (المقنع) إقراءً حسنًا، وأظهر للحاضرين فصاحة ولسنا، وتقلبت عليه الأحوال، وأحاطت به الأهوال، حتى فارق وطنه بالصالحية، وقطن بدمشق طالبًا أن يسلم من البرية، ولقد اجتمعت به على إثْر محنةٍ صدرت له من بعض الأعداء فشكا،
стр. 169
وحكى، وبكى، وأنشدني لأبي تمّام معدّ أخي الملك العزيز العلوي الفاطمي قوله:
أما والذي لا يعلم الأمر غيرُه … ومن هو بالسر المَكتّم أعلمُ
لئن كان كتمانُ السرائِر مؤلما … لإعلانُها عندي أشدُّ وآلم
وبي كل ما يصيبي الحليم أقلُّه … وإن كنت منه دائِمًا أتكتّم
وتوفي سنة سبع بعد الألف يوم عرفة من السنة المذكورة عن نحو سبعين سنة، ودفن بصالحية الشام رحمه الله تعالى. انتهى كلامه. ووقفت للمترجم على هذه الأبيات معزية إليه وهي:
سهرتْ أعينٌ ونامتْ عيونُ … لأمورٍ تكونُ أولا تكونُ
فادرأ الهمَّ ما استطعتَ عن النفـ … ـــسِ فحملانُكَ الهُمُومَ جنونُ
إنّ ربًّا كفاكَ همَّكَ بالأمـ … ـــسِ سيكفيك في غدٍ ما يكونُ
وترجمه الحافظ نجم الدين الغزي العامري في (ذيل الكواكب) فقال: كان من أفضل الحنابلة وأذكاهم وكان له حسن محاورة، وفيه مزاح لطيف وتواضع إلا أنّه كان يردُّ الزوجة إلى زوجها بعد وقوع الطلقات الثلاث، على مذهب الإمام تقي الدين أحمد بن تيميه رحمه الله تعالى خفية، ثم إنّه كان يظهر أمره وينكر عليه شيخ الإسلام الشيخ أحمد بن أبي الوفا مفتي الحنابلة بدمشق وغيره من العلماء، وكان يحضر مجالسي بجامع دمشق عشية النهار، فذكرت غير مرة أنّه لا يجوز أن يردَّ الرجلُ زوجته بعد وقوع الطلقات الثلاث على مذاهب المسلمين الأربعة إلّا ما كان من قول الإمام ابن تيمية، إلى أنْ قال: وشدّدت النكير وهو يسمع وكان من قرُب منه من الناس ينظرون
стр. 170
إليه، فلما كان بعد يسير امتحن بمحنة؛ وهي أن اللصوص دخلوا عليه بيته وأمسكوا بلحيته وأرادوا قتله وأخذوا أسبابه (١٥) فكان يحكي ذلك لشيخنا القاضي محب الدين الحموي وأنا حاضر لا أتوجع له بل أذكر الله تعالى على وجه [٤١ - آ] التعجب من صنعه فيهن خرج عن أمره، وكان الشويكي ذكيًا ففطن لما قصدته من تذكيره بأنّ ذلك عقوبة رده الطلاق الثلاث، فقال وأقبل عليَّ: يا مولانا الشيخ نحن نستحق أكثر من ذلك لذنوبنا وجرأتنا: أو ما هذا معناه، فقلت له: يا قاضي الحمد لله الذي أيقظكم لمثل ذلك، ثم قام من المجلس فقال لي شيخنا: سبحان الله فهم القاضي الشويكي ما أشرت إليه فقلت: يا مولانا هذا مغالطة منه فقال: نعم، وقد بلغني أنّ شيخه الشيخ موسى دعا عليه وإنّ ما كان فيه بدعائه، انتهى. وأقول: هذه القصة لا تحط من مقدار هذا الإمام وما زالت الأشراف تهجى وتمدح والابتلاء والعقوبة في الدنيا يدلّان على حسن الحال في الآخرة. وقد تقدم في الطبقة الثانية ترجمة جد صاحب الترجمة (١٦) وأخذ عنه جملة من الأفاضل.
القاضي أكمل الدين ابن مفلح (١٧)
محمد أكمل الدين بن إبراهيم بن عمر بن إبراهيم بن محمد أكمل الدين بن عبد الله شرف الدين بن محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج الشيخ الإمام العالم البارع المؤرخ المسند الفقيه الشهير بالقاضي أكمل بن مفلح الراميني المقدسي
стр. 171
الأصل الدمشقي. مولده بدمشق بعد عصر يوم الجمعة ثاني عشر جمادى الآخرة سنة ثلاثين وتسعمائة. أخذ الحديث والفقه وغيرهما عن جماعة من أجلّاء أهل القرن العاشر، منهم والده القاضي برهان الدين، وقد استجاز والده المزبور لنفسه ولإِخوته وأولاده، ومنهم صاحب الترجمة جماعةً من مشايخ الإسلام، منهم جدنا شيخ مشايخ الإسلام القاضي رضي الدين محمد الغزي العامري، وولده شيخ الإسلام عالم الربع المعمور بين الخاص والعام الشيخ بدر الدين محمد الغزي، والعلامة السيد الشريف السيد كمال الدين ابن السيد حمزة، مفتي دار العدل، فأجازوا طبق ما استجاز كما تقدم في ترجمته مبينًا، ووجد بخط صاحب الترجمة ما صورته: ذكر مشايخ كاتبه الذين قرأ عليهم والذين أجازوه من الحنفية الشيخ قطب الدين محمد بن سلطان الحنفي، والشيخ شمس الدين محمد بن طولون والشيخ عثمان بن منلا، شمس الآمدي، وأبو السعود أفندي مفتي الزمان بدولة بني عثمان، وفضلي أفندي ابن علي الجمالي، والشيخ الكريم السيد محمود، ومن الشافعية الشيخ السيد كمال الدين محمد والقاضي رضي الدين محمد الغزي العامري والشيخ تقي الدين أبو بكر البلاطنسي والشيخ تقي الدين القارئ وشيخ الإسلام الشيخ بدر الدين محمد ابن القاضي رضي الدين المقدم ذكره والشيخ إبراهيم بن جماعة المقدسي والشيخ علي [٤١ - ب] بن أبي اللطف المقدسي والشيخ محمد الإيجي والشيخ محمد الكفرسوسي والمنلا أحمد القزويني السعيدي والشيخ محمد الفلوجي والعلامة السيد قطب الدين عيسى الصفوي والشيخ الوفائي المقدسي والشيخ أحمد بن أحمد الطيبي وقاضي القضاة بالقدس الشريف شهاب الدين أحمد الميلي المالكي والشيخ أبو الفتح محمد بن عبد السلام المالكي، وقرأ بدمشق القرآن العظيم على شيخ الإقراء بها شهاب الدين أحمد الطيبي إفرادًا وجمعًا للقرّاء السبعة، وقرأ على الشيخ تقي الدين القارئ جمعًا
стр. 172
لأهل سما (١٨) ووجدت بخطه ما صورته: قال سيدي علي بن أبي الوفا قدس سره العزيز:
ألا لا يلوموني فلستُ بمقلع … إذا انحدرتْ في كأسِها الخمرُ في حلقي
سآوي إلى بحرٍ من الراح مترعٍ … أحطُّ المراسي عندَهُ، وأمل لي واسقي
وتحت هذين البيتين بخطه ماصورته: جميع كلام سيدي علي بن أبي الوفا رحمه الله تعالى من نظم ونثر أرويه عن شيخنا العلامة شيخ الإسلام بدر الدين محمد بن شيخ الإسلام رضي الدين محمد بن محمد بن أحمد الغزي العامري الشافعي، وهو يرويه عن شيخه العلامة أبي الفتح المزي المعروف بالاسكندري، وهو يرويه عن الشيخ ﵀، وأرويه أيضًا عن شيخنا البدر المشار إليه، عن الشيخ شرف الدين قاسم بن عمر المصري القيرواني المالكي خادم ضريح سيدنا الإمام الأعظم محمد بن إدريس الشافعي، عن السيدة حسناء بنت سيدي علي بن أبي الوفا عن والدها، وبخطه أيضًا ماصورته: البغوي أخبرنا به شيخنا السيد كمال الدين محمد بن حمزة الحسيني إجازة، قال: أخبرنا به شيخنا الحافظ ابن حجر إجازة، قال: أخبرنا به أبو هريرة عبد الرحمن الذهبي عن أبيه الحافظ عن علي بن أحمد بن عبد الواحد المقدسي المعروف بابن البخاري، عن أبي المكارم فضل الله بن محمد التوقاتي، عن الإمام البغوي فذكره. ووجدت بخطه ما صورته: أخبرنا شيخنا الحافظ الحجة المحدث المسند شمس الدين محمد بن علي بن طولون الصالحي الحنفي إجازة قال: أخبرنا شيخنا الحافظ جمال الدين يوسف بن عبد الهادي الصالحي الحنبلي إجازة إنْ لم يكن سماعًا قال: قرئ على النظام بن مفلح وأنا أسمع
стр. 173
أخبركم ابن المحب أنا المزي أنا ابن البخاري وغيره أنا ابن طبرزد أنا أبو بكر الأنصاري أنا ابن المهتدي بالله أنا ابن المأمون أنا ابن الأنباري أنشدني أحمد بن سعيد الدمشقي أنشدني عبد الله بن المعتز لنفسه (١٩):
يا دهرُ ما أبقيتَ لي من صديق … ما أنت بالبِّر ولا بالشفيق (٢٠)
تأكل أصحابي وتفنيهم … ثم تلاقيني بوجه صفيق
وبه إلى ابن الأنباري أنشدني أحمد بن سعيد الدمشقي، أنشدني عبد الله ابن المعتز لنفسه (٢١):
لج الزمان فليسَ يعقب (٢٢) صرفه … إنّ الزَّمان على الكريمِ لئيمُ
لم يدرِ ما تحتَ التجملِ حاسدٌ … بالغيظ يقعد مرةً ويقومُ
قل للحسودِ إذا تنفس طعنةً … يا ظالمًا وكأنَّهُ مظلومُ
قوله: طعنة منصوب بفعل محذوف وليس منصوبًا بالقول لأنّ القول لا يعمل في المفرد وبه إلى أحمد بن سعيد، أنشدني ابن المعتز لنفسه (٢٣):
مات الهوى منّي وضاع شبابي … وقضيتُ من لذَّاتِهِ آرابي
وإذا أردت تصابيًا في مجلسٍ … فالشيبُ يضحكُ لي مع الأحبابِ (٢٤)
стр. 174
وبه إلى ابن الأنباري انشدني أحمد بن سعيد الدمشقي، أنشدني ابن المعتز لنفسه (٢٥):
أيا نفس قد أثقلتني بذنوبي … أيا نفس كّفي عن هواكِ وتوبي
كيفَ التّصابي بعد ما ذهبَ الصِّبا … وقد ملّ مقراضي عُبابَ مشيبي
وبه إلى ابن الأنباري أنشدني أحمد بن سعيد أنشدني عبد الله بن المعتز لنفسه:
ألستَ ترى شيبًا لرأسي شاملًا … ونت حيلتي عنهُ وضاقَ بهِ ذرعي
كأنَّ المناقيشَ الذي يعترينه … مناقيرُ طير يبتغي سُنبل الزرعِ
وبه إلى ابن الأنباري أنشدني أحمد بن سعيد، أنشدني عبد الله بن المعتز لنفسه (٢٦):
اصبر على شرِّ الحسود … فإنَّ صبَركَ قاتلهُ
النارُ تأكل نفسَهَا (٢٧) … إنْ لم تجدْ ما تأكلهُ
أخبرنا شيخنا ابن طولون إجازة، أنا شيخنا يوسف بن عبد الهادي إجازة قال: قرأت على فاطمة بنت الحرستاني أخبركم ابن البالسي وابن الحرستاني، وعلي بن أحمد المرداوي إجازة، أنا أبو الحجاج المزي وأبو محمد بن المحب إجازةً قال ابن المحب: أنا أبو عبد الله الحراني وأبو الفضل بن النحاس، وقال المزي: أنا أحمد بن أبي الخير قالوا: حدثنا ضياء الدين صُفر بن يحيى
стр. 175
قال النّحاس ويوسف بن خليل: أنا الثقفي أنا أبو علي الحداد أنا الحافظ أبو نعيم أنا أبو محمد الجابري أنشدنا ابن المعتز لنفسه:
فما تنفع الآداب والعقلُ والحجى … وصاحبُها عند الكمال يموتُ
كما مات لقمانُ الحكيمُ وغيرُهُ … فكلُّهُمُ تحتَ التراب صموتُ
وبه إلى الجابري أنشدنا عبد الله المعتز لنفسه [٤٢ - ب]:
ألم تر أنّ الدهرَ يومٌ وليلةٌ … يكرّان من سبتٍ عليكَ إلى سبتِ
فَقُلْ لجديدِ العيشِ لابدَّ من بلًى … وقلْ لاجتماع الشّملِ لا بدَّ من شَتِّ
ووجدت بخط صاحب الترجمة ما صورته: في أوائل صفر سنة ثلاث وتسعمائة ولدت امرأةٌ من نساء الحدادين بقسطنطينية ولدًا ذكرًا، مختونًا، عيناه في محلّ السّجود فوق حاجبيه، وأذناه في عنقه، وليس له فم وإنما محلّه خط أسود، ولا أنف له وإنما يتنفس من أذنيه، وده لحية شقراء. فعاش يومًا واحدًا ومات. وعرض على حضرة السلطان فرآه واستفتى المفتي في الصلاة عليه فأفتى بها، وهذه من العجايب، انتهى. وكان صاحب الترجمة له خطٌ حسن كتب به عدة كتب ومجاميع، وعلى كتابته رونق ظاهر، وله تفنن بتلوين الأحبار وهيئات الكتابة، من وضعها في جداول مستديرة ومستطيلة ومربعة إلى غير ذلك. وكان نقش خاتمه اختم بخير مصلح، للأكمل بن مفلح؛ وله تآليف لطيفة منها (تاريخ من آدم ﵇ إلى دولة السلطان قايتباي) وقطعة من (تاريخ دمشق وما يتعلق بها)، وكتاب (فيمن ولي قضاء الحنابلة استقلالًا)، مرتبًا بولاية الملوك بمصر، (رسالة في تواريخ الأنبياء من لدن آدم إلى نبينا محمد -صلى الله عليهم جميعًا-)، (رسالة مشتملة على مدة الخلافة بعد النبي ﷺ )، (رسالة في ذكر أخبار الملوك المصرية)، رسالة (مختصر من
стр. 176
كتاب أبي شامة في أخبار الدولتين النورية والصلاحية). وغير ذلك من التعاليق والفوائد والأشعار والأدبيّات والتاريخيّات وله من الشّعر قوله:
أليس عجيبًا أن حظيَّ ناقصٌ … وغيري له حظٌ وإنّي لأكملُ
وقوله في ناعورة:
لقد كنتُ غصنًا في الرياض منّعما … أميس ونصبي في أمان من الخفضِ
فصّيرني صرفُ الزّمان كما ترى … فبعضي كما لاقيتَ يبكي على بعضِ
وما ألطف قول ابن نباتة فيها:
وناعورةٍ قالت وقد ضاع قلبها … واضلعها كادت تعد من السقم:
أدورُ على قلبي لأنّي فقدته … وأما دموعي فهي تجري على جسمي
وذكرت حين كتابة هذا المحل قول ابن تميم:
ناعورةٌ، قالت لنا بأنينها … قولًا ولم تدر الجواب ولا تعي
كم في من عجب يُرى، معْ أنني … أبدًا أسير ولا أفارق مضجعي
لا رأس في جسدي وقلبي ظاهرٌ … للناظرين وأعيني في أضلعي
وكانت وفاة القاضي أكمل في خامس عشري ذي الحجة سنة إحدى عشرة بعد الألف [٤٣ - آ].
أبو بكر بن زيتون (٢٨)
أبو بكر بن زيتون الشيخ المسند الفقيه الفاضل الدمشقي الصالحي سمع من المسند الشرف موسى الحجاوي وغيره، وولي تولية مدرسة شيخ الإسلام
стр. 177
الشيخ أبي عمر بالصالحية، وحج صحبةَ القاضي محبّ الدين الحموي سنة ثمان وتسعين وتسعمائة، وكانت وفاته بعلّة الإسهال في سابع أو ثامن رمضان المعظم سنة اثنتي عشرة بعد الألف بصالحية دمشق المحمية ودفن بسفح جبل قاسيون وترجمه العلامة شيخ الإسلام النجم الغزي العامري في ذيل الكواكب.
محمد المرزناتي الأدهمي (٢٩)
محمد بن محمد بن أحمد بن عمر بن إسماعيل بن أحمد ابن الفرد في زمانه، الشيخ محيى الدين بن يوسف ابن علم الدين سليمان بن عبد الرزاق بن قيس شاكر بن مؤيد بن عفيف الدين بن سعيد بن علي الهايم بن منصور الموله بن تاج الدين ثوبان ابن الأمير الكبير إسحاق ابن السلطان إبراهيم بن أدهم الأدهمي الصّوفي القادري الشهير بالمرزناتي الدمشقي الصالحي. ترجمه الفاضل الأمين المحبي في خلاصة الأثر فقال: الشيخ الصالح الخيّر كان من أمثل صوفية الشّام وكان أخذَ طريق القادرية عن الأستاذ أحمد بن سليمان القادري خادم سيدي الشيخ أرسلان وادّعى بعد موت شيخه أنه خلّفه وأراد أن يجلس مكانه على سجادته، فما مُكّن وقصة ذلك هو أنه لما مات الشيخ أحمد بن سليمان المذكور، وترك ولده الشيخ عبد القادر وعمره اثنتا عشرة سنة، فجلس مكان أبيه على سجادة المشيخة في يوم موته، فطلب صاحب الترجمة الخلافة لنفسه مدعيًا أن الشيخ أحمد خلّفه، وتعصب معه قوم منهم الشمس ابن المنقار وكان جدي من جهة والدتي المرحوم القاضي محب الدين الحموي ممن قام مع الشيخ عبد القادر واهتم بأمره، ووقع بسبب ذلك أمور ومحاربات كثيرة، ومن جملتها في المحاورات الخطابية ما أنشده الشمس المذكور في مجمع حافل بزاويتهم
стр. 178
القلجية وأراد بذلك الإزراء بالجد المحبي وعبد القادر وذلك البيت المشهور:
شيئان عجيبان هما أبرد من يخ … شيخ يتصابى وصبي يتمشيخ (٣٠)
فأجابه الجد وكان أصغر منه سنًا وأكبر مرتبة بقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (٣١) وأنشد معرّضًا به وبالمرزناتي المذكور:
لو كان كبْرُ السِّنِ محمدةً … فُضِّلَ إبليسٌ على آدمِ
واستمرت هذه الشحناء مضافة إلى سابقة بين الجد والشمس أيامًا، حتى اجتمعا يومًا في مجلس دعاء للسلطان بالجامع الأموي، وكانا قبل ذلك اليوم إذا حضرا [٤٣ - ب] مجلسا مثل هذا يجلس قاضي البلدة، ويجلس واحد منهما على اليمين والآخر عن الشمال؛ ففي ذلك اليوم جاء الجدّ إلى الطرف الذي فيه الشمس وجلس بينه وبين القاضي، فلما تمّ الدعاء قام الشمس مغضبًا ونادى بأعلى صوته: أتجلس فوقي وأنا مفتي البلدة من منذ كذا، فأجابه الجدُّ كل هؤلاء يعلمون أنّ المفتي بالأمر السلطاني أنا، وأما أنت فلك أسوةٌ بمن يفتي مثلك من غير إذن، فرتبةُ الرُّجحان لي، فكل من حضر صدّق قوله وكان الجميع يغضون من الشمس ويكرهونه لسوء أخلاقه، فيقال إنّه ذهب من ذلك المجلس محمومًا وبقي أيامًا ومات، وكان المترجم كثيرَ الرحلة إلى الروم، وله مع علمائها اختلاط كثير، وكان له فيما يفعله مشايخ الصوفية من النشر والتعويذات شهرة تامة، وكان يروج بذلك مقداره عند الأروام، بسبب اعتقاد المتقدمين منهم ونال بسبب ذلك قبولًا، وأخذ وظائف ومعاليم كثيرة،
стр. 179
وكان فاضلًا عارفًا وله في التاريخ معرفة وقيّد كثيرًا من أحوال معاصريه في مجاميعه، وذكر وفيات بعض العلماء. قال المحبي: وقد رأيت منقولًا بخطه كثيرًا من الفوائد من ذلك ما صورته: وفي نهار السبت ثالث جمادى الآخرة سنة تسع وألف رأيت أسماء السبعة -رضي الله تعالى عنهم- من أصحاب النبي ﷺ الذين قتلوا ودفنت أجسامهم بقرية عذرا (٣٢) ورؤوسهم السبعة (٣٣) وأقصابهم في مسجد الأقصاب (٣٤) بأرض العنابة بدمشق وأقدامهم بمسجد القدم:
وسبعة بفنا عذراء قد دفنوا … وهمْ صِحابٌ لهم فضلٌ وإكرامُ
حجرٌ قبيصةُ صيفيٌ شريكهُمُ … ومحرزٌ ثم كرّامٌ وهمّامُ
مني الصلاة عليهم دائمًا أبدًا … تترى تدوم عليهم كلما داموا
قلت: قال ابن كثير في تاريخه: يستحب زيارة قبور الشهداء بقرية عذرا وهم حجر بن عدي الكندي حاملُ راية النبي ﷺ ، وابن همام، وقبيصة بن حنيفة العبسي، وصيفي بن نسيك الشيباني، وشريك بن شداد الحضرمي، ومحرز بن شهاب السعدي، وكرام بن حِبّان العبدي كلهم في
стр. 180
ضريحٍ واحد بجامع القرية المزبورة وهي مكتوبة على لوح من صخر ونظمهم بعض العلماء فقال:
جماعة بثرى عذراء قد دُفنوا … وهم صحابٌ ....
أواخر البيتين السابقين. وكانت وفاة صاحب الترجمة في سنة أربع عشرة بعد الألف.
محمد الأسطواني (٣٥)
محمد بن محمد بن حسين بن سليمان الملقب ناصر الدين الشهير بالأسطواني الدمشقي، أحد العدول بدمشق. ترجمه الحافظ النجم الغزي في (ذيل الكواكب) فقال: كان من أمثل الكتاب بمحكمة الباب وكان يكتب بين يدي قضاة القضاة، حين عجز رئيس الكتّاب جمال الدين يوسف العدوي، وكان شيخنا شيخ الإسلام العيثاوي يُثني عليه كثيرًا ويُعدِّله ويقول: هو أحسنُ الشهود كتابةً وأدينهم. وكان ساكنًا صامتًا قليل الكلام، لا يدخل فيما لا يعنيه.
توفي في رجب سنة عشرين بعد الألف انتهى. وترجمه الأمين المحبي في تاريخه (خلاصة الأثر) وقال: إنه دفن بمقبرة الفراديس المعروفة بتربة الغُرَباء رحمه الله تعالى قلت: وهي الآن تعرف بتربة الذهبية.
عبد الرحيم الأسطواني
عبد الرحيم بن محمود بن الشيخ أبي الفتح الأسطواني المتقدم ذكره