كتاب أبي شامة في أخبار الدولتين النورية والصلاحية). وغير ذلك من التعاليق والفوائد والأشعار والأدبيّات والتاريخيّات وله من الشّعر قوله:
أليس عجيبًا أن حظيَّ ناقصٌ … وغيري له حظٌ وإنّي لأكملُ
وقوله في ناعورة:
لقد كنتُ غصنًا في الرياض منّعما … أميس ونصبي في أمان من الخفضِ
فصّيرني صرفُ الزّمان كما ترى … فبعضي كما لاقيتَ يبكي على بعضِ
وما ألطف قول ابن نباتة فيها:
وناعورةٍ قالت وقد ضاع قلبها … واضلعها كادت تعد من السقم:
أدورُ على قلبي لأنّي فقدته … وأما دموعي فهي تجري على جسمي
وذكرت حين كتابة هذا المحل قول ابن تميم:
ناعورةٌ، قالت لنا بأنينها … قولًا ولم تدر الجواب ولا تعي
كم في من عجب يُرى، معْ أنني … أبدًا أسير ولا أفارق مضجعي
لا رأس في جسدي وقلبي ظاهرٌ … للناظرين وأعيني في أضلعي
وكانت وفاة القاضي أكمل في خامس عشري ذي الحجة سنة إحدى عشرة بعد الألف [٤٣ - آ].
أبو بكر بن زيتون (٢٨)
أبو بكر بن زيتون الشيخ المسند الفقيه الفاضل الدمشقي الصالحي سمع من المسند الشرف موسى الحجاوي وغيره، وولي تولية مدرسة شيخ الإسلام
стр. 177
الشيخ أبي عمر بالصالحية، وحج صحبةَ القاضي محبّ الدين الحموي سنة ثمان وتسعين وتسعمائة، وكانت وفاته بعلّة الإسهال في سابع أو ثامن رمضان المعظم سنة اثنتي عشرة بعد الألف بصالحية دمشق المحمية ودفن بسفح جبل قاسيون وترجمه العلامة شيخ الإسلام النجم الغزي العامري في ذيل الكواكب.
محمد المرزناتي الأدهمي (٢٩)
محمد بن محمد بن أحمد بن عمر بن إسماعيل بن أحمد ابن الفرد في زمانه، الشيخ محيى الدين بن يوسف ابن علم الدين سليمان بن عبد الرزاق بن قيس شاكر بن مؤيد بن عفيف الدين بن سعيد بن علي الهايم بن منصور الموله بن تاج الدين ثوبان ابن الأمير الكبير إسحاق ابن السلطان إبراهيم بن أدهم الأدهمي الصّوفي القادري الشهير بالمرزناتي الدمشقي الصالحي. ترجمه الفاضل الأمين المحبي في خلاصة الأثر فقال: الشيخ الصالح الخيّر كان من أمثل صوفية الشّام وكان أخذَ طريق القادرية عن الأستاذ أحمد بن سليمان القادري خادم سيدي الشيخ أرسلان وادّعى بعد موت شيخه أنه خلّفه وأراد أن يجلس مكانه على سجادته، فما مُكّن وقصة ذلك هو أنه لما مات الشيخ أحمد بن سليمان المذكور، وترك ولده الشيخ عبد القادر وعمره اثنتا عشرة سنة، فجلس مكان أبيه على سجادة المشيخة في يوم موته، فطلب صاحب الترجمة الخلافة لنفسه مدعيًا أن الشيخ أحمد خلّفه، وتعصب معه قوم منهم الشمس ابن المنقار وكان جدي من جهة والدتي المرحوم القاضي محب الدين الحموي ممن قام مع الشيخ عبد القادر واهتم بأمره، ووقع بسبب ذلك أمور ومحاربات كثيرة، ومن جملتها في المحاورات الخطابية ما أنشده الشمس المذكور في مجمع حافل بزاويتهم
стр. 178
القلجية وأراد بذلك الإزراء بالجد المحبي وعبد القادر وذلك البيت المشهور:
شيئان عجيبان هما أبرد من يخ … شيخ يتصابى وصبي يتمشيخ (٣٠)
فأجابه الجد وكان أصغر منه سنًا وأكبر مرتبة بقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (٣١) وأنشد معرّضًا به وبالمرزناتي المذكور:
لو كان كبْرُ السِّنِ محمدةً … فُضِّلَ إبليسٌ على آدمِ
واستمرت هذه الشحناء مضافة إلى سابقة بين الجد والشمس أيامًا، حتى اجتمعا يومًا في مجلس دعاء للسلطان بالجامع الأموي، وكانا قبل ذلك اليوم إذا حضرا [٤٣ - ب] مجلسا مثل هذا يجلس قاضي البلدة، ويجلس واحد منهما على اليمين والآخر عن الشمال؛ ففي ذلك اليوم جاء الجدّ إلى الطرف الذي فيه الشمس وجلس بينه وبين القاضي، فلما تمّ الدعاء قام الشمس مغضبًا ونادى بأعلى صوته: أتجلس فوقي وأنا مفتي البلدة من منذ كذا، فأجابه الجدُّ كل هؤلاء يعلمون أنّ المفتي بالأمر السلطاني أنا، وأما أنت فلك أسوةٌ بمن يفتي مثلك من غير إذن، فرتبةُ الرُّجحان لي، فكل من حضر صدّق قوله وكان الجميع يغضون من الشمس ويكرهونه لسوء أخلاقه، فيقال إنّه ذهب من ذلك المجلس محمومًا وبقي أيامًا ومات، وكان المترجم كثيرَ الرحلة إلى الروم، وله مع علمائها اختلاط كثير، وكان له فيما يفعله مشايخ الصوفية من النشر والتعويذات شهرة تامة، وكان يروج بذلك مقداره عند الأروام، بسبب اعتقاد المتقدمين منهم ونال بسبب ذلك قبولًا، وأخذ وظائف ومعاليم كثيرة،
стр. 179
وكان فاضلًا عارفًا وله في التاريخ معرفة وقيّد كثيرًا من أحوال معاصريه في مجاميعه، وذكر وفيات بعض العلماء. قال المحبي: وقد رأيت منقولًا بخطه كثيرًا من الفوائد من ذلك ما صورته: وفي نهار السبت ثالث جمادى الآخرة سنة تسع وألف رأيت أسماء السبعة -رضي الله تعالى عنهم- من أصحاب النبي ﷺ الذين قتلوا ودفنت أجسامهم بقرية عذرا (٣٢) ورؤوسهم السبعة (٣٣) وأقصابهم في مسجد الأقصاب (٣٤) بأرض العنابة بدمشق وأقدامهم بمسجد القدم:
وسبعة بفنا عذراء قد دفنوا … وهمْ صِحابٌ لهم فضلٌ وإكرامُ
حجرٌ قبيصةُ صيفيٌ شريكهُمُ … ومحرزٌ ثم كرّامٌ وهمّامُ
مني الصلاة عليهم دائمًا أبدًا … تترى تدوم عليهم كلما داموا
قلت: قال ابن كثير في تاريخه: يستحب زيارة قبور الشهداء بقرية عذرا وهم حجر بن عدي الكندي حاملُ راية النبي ﷺ ، وابن همام، وقبيصة بن حنيفة العبسي، وصيفي بن نسيك الشيباني، وشريك بن شداد الحضرمي، ومحرز بن شهاب السعدي، وكرام بن حِبّان العبدي كلهم في
стр. 180
ضريحٍ واحد بجامع القرية المزبورة وهي مكتوبة على لوح من صخر ونظمهم بعض العلماء فقال:
جماعة بثرى عذراء قد دُفنوا … وهم صحابٌ ....
أواخر البيتين السابقين. وكانت وفاة صاحب الترجمة في سنة أربع عشرة بعد الألف.
محمد الأسطواني (٣٥)
محمد بن محمد بن حسين بن سليمان الملقب ناصر الدين الشهير بالأسطواني الدمشقي، أحد العدول بدمشق. ترجمه الحافظ النجم الغزي في (ذيل الكواكب) فقال: كان من أمثل الكتاب بمحكمة الباب وكان يكتب بين يدي قضاة القضاة، حين عجز رئيس الكتّاب جمال الدين يوسف العدوي، وكان شيخنا شيخ الإسلام العيثاوي يُثني عليه كثيرًا ويُعدِّله ويقول: هو أحسنُ الشهود كتابةً وأدينهم. وكان ساكنًا صامتًا قليل الكلام، لا يدخل فيما لا يعنيه.
توفي في رجب سنة عشرين بعد الألف انتهى. وترجمه الأمين المحبي في تاريخه (خلاصة الأثر) وقال: إنه دفن بمقبرة الفراديس المعروفة بتربة الغُرَباء رحمه الله تعالى قلت: وهي الآن تعرف بتربة الذهبية.
عبد الرحيم الأسطواني
عبد الرحيم بن محمود بن الشيخ أبي الفتح الأسطواني المتقدم ذكره
стр. 181
وترجمته، رئيس المؤذنين بالجامع الشريف الأموي. كان لطيف الذات بشوشًا مزّاحًا وكان حسن الصوت داخلًا، وكان يلف العمائم لأصحابه وإخوانه حُسبة، وكان يعطي كل واحدٍ قيافته في عمامته، وكان قد انقطع لخدمة الشيخ المربي الشيخ محمد ابن الشيخ سعد الدين الجباوي، وكان أمثل جماعته، يقف هو وأخوه الشيخ أمين الدين والشيخ قطب الدين بن كمال الدين بن سلطان في وجوه الناس إذا وردوا عليه للسلام عليه في الأعياد وغيرها من المهمات، وكان الشيخ محمّد متجملًا بهم، وكانت صحبتهم له من تمام حظه وحسن بخته، وسافروا معه إلى الحج وزيارة بيت المقدس، وإلى حلب لما ذهب إلى الوزير مراد باشا في الشكاية على ابن معن لمداخلته لابن جان بلاط في حركته، وكان الشيخ عبد الرحيم أعني صاحب الترجمة أمثل رؤساء المؤذنين، وللناس عليه إقبالٌ تام، محببًا إليهم موجّبًا عندهم.
توفي بعلة البطن شهيدًا في أواخر نهار الجمعة ختام ذي القعدة الحرام سنة اثنتين وعشرين بعد الألف، ودفن يوم السبت بعده على أبيه بتربة الغرباء شرقي الطريق الفاصل بين التربتين بباب الفراديس انتهى ما ذكره الحافظ النجم الغزي في (ذيل الكواكب) رحمه الله تعالى.
ذكر من لم تؤرخ وفاته من أهل هذه الطبقة محمد النجدي الفرضي
محمد بن [] (٣٦) النجدي الأصل والشهرة الدمشقي الصالحي الشيخ الإمام الفرضي الحيسوب، خاتمة من قسم فريضة، البركة الفاضل الهمام، أخذ عن الشيخ شرف الدين موسى الحجاوي وغيره، وأخذ عنه جماعة منهم الشيخ علاء
стр. 182
الدين علي بن ناصر الدين الطرابلسي والشيخ الفرضي [٤٤ - ب] محمد التنوري، كان يأتيه من محلة الميدان إلى الصالحية، وكان صاحب الترجمة مقيمًا بمدرسة شيخ الإسلام الشيخ أبي عمر ودرّس بها، وانتفع عليه خلق كثير، وكانت له اليد الطولي في الفقه خصوصًا الفرائض والأعمال الحسابية كأعمال المناسخات مع العفّة والورع، والديانة، وعدم مخالطة أبناء الدنيا والرغبة في رضوان الله تعالى، وعدم الاشتغال بما لا يعني، ملازمًا على الطاعات، قائمًا بوظائف العبادات. ولم يزل على هذه الطريقة المرضية إلى أن درج في مدارج الغفران العلية.
يحيى الحجاوي (٣٧)
يحيى بن موسى بن أحمد بن موسى بن سالم بن عيسى بن سالم، الشيخ الإمام البارع المسند المحدث الفرضي الفقيه الشهير بابن الحجاوي، المقدسي الأصل الدمشقي المولد والمنشأ ثم الصالحي ثم القاهري، أخذ الحديث وغيره بدمشق عن جماعة منهم والده الشيخ الإمام المسند شرف الدين موسى الحجاوي مفتي الحنابلة، وهو أخذ عن المسند المعمر خطيب المسجد الحرام محب الدين أبي البركات أحمد بن محمد العقيلي، وأجاز له مفتي دار العدل السيد كمال الدّين محمد بن حمزة الحسيني بعد قراءته عليه مشيخته التي خرج لنفسه فيها أربعين حديثًا بمنزله بدمشق في مجلسين، آخرهما يوم الثلاثاء حادي عشر شوال سنة إحدى وثلاثين وتسعمائة، جميع ما يجوز له وعنه روايته بشرطه، وكتب له خطه بذلك، وقد أخذ السيد كمال الدين المذكور عن جماعة كثيرين، من أجلّهم الحافظ ابن حجر العَسْقلاني إجازة ورواياته مشهورة، وأما خطيب
стр. 183
المسجد الحرام محب الدين المذكور آنفًا فأخذ عن الشيخ أبي الفتح المراغي، وسمع ثلاثيات البخاري على جدته لأمه أم الفضل خديجة وتدعى سعادة بنت وجيه الدين عبد الرحمن بن أبي الخير محمد بن فهد المكيّ، وعلى العلامة برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن محمد بن داود البيضاوي الزمزي، وعلى ابن أخيه الشيخ محب الدين عبد السلام بن موسى بن أبي بكر البيضاوي المعروف بالزمزمي أيضًا برواية هؤلاء كلهم، عن أبي إسحاق إبراهيم بن محمد الرسام، عن أبي العباس أحمد بن أبي طالب الحجّار، وممن روى عن الخطيب المذكور العقيلي قاضي قضاة الحنابلة بدمشق نظام الدين عمر بن إبراهيم بن محمد بن مفلح قال: حدثنا به أبو بكر محمد بن المحب قال: حدثنا القاضي سليمان وأبو العباس الحجّار وممن أجاز صاحب الترجمة جدُّنا العلامة المفسّر شيخ الإسلام البدر الغزي العامري بمنظومة رأيتها بخط العلامة البدر ومنه نقلت قال ﵁[٤٥ - آ]:
الحمد لله على تواترِ … نعمائه في باطن وظاهرِ
ثم الصلاةُ والسلامُ أبدا … على النبيِّ الهاشميِّ أحمدا
وآله وصحبه والتابعين … وعلماءِ الدين طُرّأ أجمعين
وبعد فالطفل اللبيبُ الألمعي … الحاذق النجلُ الأديبُ اللوذعي
الشيخ يحيى ابنُ الإمامِ المتقنِ … العالمِ العلامةِ المفنّنِ
الشرفي موسى هو الحجاوي … نَزَّههُ الله عن المساويْ
حضر عندي وعليَ عَرَضا … مواضعًا عَرْضا مجيدًا مرتضى
من المصنّفِ الذي للخرقي … العالمِ العلّامةِ المحققِ
أبرزها سَردًا بحسنِ لفظِهِ … بلا تكلُّفٍ لها من حفظِهِ
دلّتْ على حفظِ الكتابِ كلهِ … قرّتْ به عيونُ كلِ أهلِهِ
وقد أجزتُهُ وقاهُ اللهُ … سبحانَهُ من كلِّ ما يخشاهُ
стр. 184
بكلِ ما يجوزُ لي روايتُهْ … أو حلَّ لي بين الورى درايتُهْ
وفقه الله لخير العملِ … وصانه من الخطا والخطلِ
قد قالَ ذا محمدٌ ألغزي … ألعامريْ والده الرضي
عام ثمانين وتسعمايه … من السنين قد مضت للهجره
والحمد لله تمام النظم … يعطّرُ المبدا بحسُنِ الخَتْمِ
وأجاز لصاحب الترجمة أيضًا الشيخ الإمام منصور بن إبراهيم بن محب الدين الشافعي الدمشقي تلميذ البرهان إبراهيم القلقشندي، كما وقفت على ذلك بخط الشيخ منصور المزبور وتاريخ الإجازة سنة ثلاث وسبعين وتسعمائة. ثم رحل الشيخ يحيى صاحب الترجمة بعد وفاة والده إلى القاهرة وأدرك بها جماعة من كبار العماء كالتقي محمد الفتوحي وغيره، ودرس بالجامع الأزهر والمكان الأنور وانتفعت به الطلبة وتخرجوا على يديه في علوم شتى، ولم يزل ركنًا للإفادة حتى تُوفي بالقاهرة المحروسة ذات البقاع المأنوسة رحمه الله تعالى وممن أخذ عن صاحب الترجمة الشيخ محمد بن النقيب البيروتي والشيخ سلطان بن أحمد المزاحي والشيخ مرعي المقدسي والقاضي محمود بن عبد الحميد الدمشقي الآتي ذكره وهو ابن أخت صاحب الترجمة والشيخ منصور بن يونس بن صلاح الدين البهوتي المصري وغيرهم.
стр. 185
الطبقة السادسة فيمن وقعت وفاتهم من سنة ست وعشرين وألف إلى سنة خمسين وألف من الهجرة النبوية
محمد المرداوي (١)
محمد بن أحمد المرداوي الأصل والشهرة القاهري الشيخ الإمام العالم العلامة الهمام الفقيه شيخ الحنابلة في عصره ومرجعهم. كان جبلًا من جبال العلم، بحرًا من بحور الإتقان، ترجمه الفاضل الأمين المحبي في الخلاصة [٤٥ - ب] فقال: شيخ الحنابلة في عصره بالقاهرة، أخذ عن التقي محمد الفتوحي وعن الشيخ عبد الله الشنشوري الفرضي، وأخذ عنه جماعة من الأفاضل منهم الشيخ مرعي المقدسي والشيخ منصور البهوتي والشيخ عثمان الفتوحي القاهري الحنبليون، والشمس محمد الشوبري وأخوه الشهاب أحمد والشيخ سلطان المزاحي الشافعيون، وكثير من أهل مصر وغيرهم. وكانت وفاته بمصر في سنة ست وعشرين وألف، ودفن بتربة المجاورين بالقرب من السّراج الهندي رحمه الله تعالى انتهى.
стр. 186
القاضي محمود نور الدين الحميدي (٢)
محمود بن محمد بن عبد الحميد، الشيخ الإمام العالم العامل المسند المحدث المفتن الكامل أبو الثنا نور الدين المتبحر في العلوم، الجامع بين المنطوق والمفهوم الحجة العمدة الفقيه قاضي القضاة الشهير بالحميدي الدمشقي الصالحي سبط شيخ الحنابلة وأفضل المتأخرين الشرف موسى الحجاوي صاحب (الإقناع)، تولى قضاء الحنابلة وإفتاءهم بدمشق. ترجمهُ العلّامة شيخ الإسلام النجم الغزي في (ذيل الكواكب) فقال: اشتغل في العلم مع دولبة القيسيات الصالحيات (٣) وسافر إلى مصر للتجارة ولطلب العلم، فأكرم مثواه خاله العلّامة الشّيخ يحيى بن موسى الحجاوي، واشتغل عنده في العلوم وقرأ عليه وعلى غيره، وكان بارعًا فقيهًا، ثم رجع إلى دمشق فلازم الشيخ شمس الدين بن المنقار وانتسب إليه فسعى له في النيابة في القضاء فولي بالصالحية ثم بالكبرى ثم بالباب بعد وفاة القاضي شمس الدين سبط الرجيحي وتقدم على النواب لسنّه ومد أياديه وتصرفه مع استحضاره لمسائل القضاء، حتى كان يأخذ على غيره من النواب من غير أهل مذهبه انتهى. وترجمه البدر البوريني في تاريخه أيضًا، فذكر أنه اجتمع به مرة فأنشده للإمام الشافعي -رضي الله تعالى عنه- وقد قيل له إنك تكرر زيارة أحمد بن حنبل -رضي الله تعالى عن فقال:
قالوا يزورك أحمدٌ وتزوره … قلت المكارمُ لا تفارقُ منزلَهْ
стр. 187
إنْ زارني فبفضلِهِ أو زرتُهُ … فلفضلِه فالفضلُ في الحالينِ لهْ
فقال له صاحب الترجمة: أما تحفظون جواب الإمام أحمد بن حنبل للإمام الشافعي ﵄ عن هذا الشعر فقال له البوريني: لا أحفظه. فأنشده صاحب الترجمة للإمام أحمد ﵁:
إن زرتنا فبفضل منكَ تمنحنا … أو نحنُ زرنا فللفضلِ الذي فيكا
فلا عَدِمنا كلا الفَضلَين منك ولا … نالَ الذي يتمنى فيكَ شانيكا
انتهى. [٤٦ - أ]
وأخبرنا شيخ الإسلام والدي السيد محمد شريف، عن شيخ الإسلام والده الشمس محمد أبي المعالي الغزي، عن العلامة السيد إبراهيم أفندي ابن حمزة الحسيني، عن والده العلامة محدث دمشق السيد محمد أفندي ابن حمزة، عن خاتمة المحدثين بدمشق بدر الدين محمد بن بدر الدين البلباني، وهو تلميذ صاحب الترجمة: أنّه أخبره أنّ صاحب الترجمة أخذ الحديث عن شيخ الإسلام مُلحق الأحفاد بالأجداد المنفرد بعلو الإسناد جدنا البدر الغزي العامري وعرض عليه (المقنع) و (ألفية ابن مالك) من حفظه. وقال البلباني عنه هو كان عند الناس أقضى قضاة الحنابلة، وعندي أقضى القضاة على الإطلاق. وأخبر البلباني أيضًا عنه: أنه كان لا يَثْبُتُ شاهدُ زورٍ بين يديه وكان يعرفُ الشاهدَ الزّور بمجردِ النظر إليه. انتهى وترجمه أيضًا الأمين المحبي [فقال]: سافر إلى القاهرة، ورجع إلى دمشق، فلازم الشمس ابن المنقار، وانتسب إليه فسعى له في القضاء فوليه في الصالحية ثم بالكبرى وفضل على ابن الشويكي لديانته، ثم لمّا مات القاضي شمس الدين سبط الرجيحي نقل إلى مكانه بالباب، فتغيرت أطواره وتناول وتوسع في الدنيا وأنشأ عقارات وعظم أمره، وتقدم على النواب لسنه ومدّ أياديه وتصرفه مع استحضاره لمسائل القضاء، حتى كان
стр. 188
يأخذ على غيره من النواب من غير أهل مذهبه، وحصل له محنة أيام الحافظ أحمد باشا، فأخذ منه مبلغًا له صورة، ثم جرت له محنة أخرى في نيابة جركس محمد باشا وأخذ منه مالًا أيضًا، غير أنه تلافى خاطره. ووقع في آخر الأمر بينه وبين القاضي يوسف بن كريم الدين، ثم مرض وطال مرضه من القهر ولما علم أنه لم يبق له رجوى (٤) بذل مالًا لقاضي القضاة بدمشق المولى عبد الله بن محمود العباسي على أن يولي نيابة الباب لولده القاضي محمد فولاه يومًا واحدًا، ثم سعى الكريمي عند القاضي بأن يولي نيابة الباب للقاضي عبد اللطيف ابن الشيخ أحمد الوفائي، وأن يولي ابن الحميدي بالمحكمة الكبرى مكان القاضي عبد اللطيف، ففعل ولم يتم للقاضي محمود مراده، وكان المال الذي بذله في مقابلة نيابة الباب، صار في مقابلة نيابة الكبرى، ولو لم يقبله لضاع عليه المال الذي دفعه، فبقي في حزنه وغيظه وقوي عليه المرض، فمات مقهورًا بعد أن أقعد شهورًا. وكانت وفاته يوم الجمعة سابع عشر جمادى الأولى سنة ثلاثين بعد الألف، ودفن بمقبرة باب الصغير. انتهى ما في المحبي بحروفه. وأخذ [٤٦ - ب] عن صاحب الترجمة جماعة من الأئمة، منهم ولده القاضي محمد والبدر محمد البلباني والشيخ عبد الباقي الفصي مفتي السادة الحنابلة وغيرهم.
أبو بكر أبو الخير (٥)
[أبو بكر بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد أبو عبد الله بن أبي عبد الله بن أبي الخير بن أبي الخير الحنبلي المكي. ويعرف بابن أبي الخير.
стр. 189
ولد سنة خمس وسبعين وثمانمائة بمكة ونشأ بها، وكان يباشر مع أبيه رياسة المؤذنين بصوت طرّي بالنسبة لآبائه.
كان في أول أمره شافعي المذهب، وسافر إلى القاهرة سنة تسع وتسعين وثمانمائة ثم عاد إلى مكة وأقام بها ملازمًا لوظيفته الرياسة مع أبيه، حتى وقع بينه وبين شيخه قاضيها الشافعي فيما نسب إليه من هجوه، فخافه ورحل إلى القاهرة سنة خمس وتسعمائة، وأقام بها إلى سنة ثمان وتسعمائة، فدخل فيها الشام وحلب وغيرهما، وأخذ عن الشيخ حسنَ السُّيُوفي، ورجع إلى القاهرة فوجد بها القاضي عبد القادر بن نجم الدين بن ظهيرة قد تحنبل لطلب القضاء، فتمذهب هو أيضًا لأحمد، ومكث بها إلى سنة عشر وتسعمائة، ثم عاد إلى مكة وسلك التعاظم بلبس الثياب الفاخرة، والتردد لسلطانها فامتدحه وتقرب منه وصار يمده بالعطاء، ولذلك اقتصر عليه، وقيل: إنه لم يمدح إلا أربعة أنفس مع هجو مثلهم، وهو بليغ في ذلك، ولأجله اتقاه الناس.
مات في مغرب ليلة الاثنين ثاني عشر ربيع الأول سنة ثلاثين وألف، فجهز في ليله وصلي عليه صبح تاريخه ودفن في المعلاة بتربة سلفه بفم شعبة النور].
شيخ الإسلام الشيخ مرعي المقدسي ثم المصري (٦)
مرعي بن يوسف بن أبي بكر بن أحمد بن أبي بكر بن يوسف بن أحمد
стр. 190
الكرمي بإسكان الرآء نسبة إلى (طور كرم) قرية بقرب نابلس، ثم المقدسي نزيل مصر القاهرة، شيخ مشايخ الإسلام، أوحد العلماء المحققين الأعلام، واحد عصره وأوانه، ووحيد دهره وزمانه، صاحب التآليف العديدة، والفوائد الفريدة، والتحريرات المفيدة، خاتمة أعيان العلماء المتأخرين، من سمت بعلومه سماء الفاخر، وطلع به فجر فخر الفاخرين، فهو العلامة بالتحقيق، والفهامة عند أهل التدقيق والتنميق، شرفت به البلاد المقدسة، وصارت دعائم كمالاته على هامة الفضائل مؤسسة، فهو العالم الرباني والهيكل الصمداني، والإمام الثاني، بحلّ المعاني، وترصيف المباني، تسامى قدره رتبة السماكين، ورقي مجده على فرق الفرقدين، كان فردًا من أفراد العالم علمًا وفضلًا واطلاعًا، ويتيمة من خزائن الكون طال في نيل المعارف يدًا وباعًا، بحر تتدفق أمواج قاموسه عن درر الفوائد الجسام، وأفق تتلألأ أنوار شموسه في أفلاك الفرائد بزوائد الرقة والإنسجام، جمع من العلوم أصنافًا، ومن الفهوم أضعافًا، وفاق في الجميع بالاتفاق، وأضاءت بدور فضائله على سائر الآفاق، وانعقد عليه الإجماع من أهل الخلاف والوفاق، فهو الآية الكبرى، والحجة العظمى، والمحجة الواضحة البيضاء، وقد قلت مادحًا لهذا الهمام، بشيء من النظام:
حوى السّبْقَ في كلِّ المعارفِ يا لهُ … إمامٌ همامٌ حازَ كلَّ العوارفِ
وقدْ صارَ ممنوحًا بكلِّ فضيلةٍ … بظلٍ ظليلٍ بالعوارفِ وارفِ
وحازَ بجدٍ واجتهادٍ ومنحةٍ … لما عنه حقًا كلُّ كلِّ الغطارفِ
سقى الله تربًا ضمّهُ وابلُ الحيا … بجنّاتِ عدنٍ آمنًا من مخاوفِ
ولا زال رضوانُ الإلهِ مباكرًا … ثرًى ضَمّهُ ما حنَّ بيتٌ لطائفِ
ترجمه الفاضل الأمين المحبي في تاريخه خلاصة الأثر، في تراجم أعيان
стр. 191
القرن الحادي عشر، فقال: أحد أكابر علماء الحنابلة بمصر، كان إمامًا فقيهًا محدثًا ذا اطلاع واسع على نقول الفقه ودقائقه، ومعرفة تامة بالعلوم المتداولة، أخذ الفقه عن الشيخ محمد المرداوي، وعن القاضي يحيى بن موسى الحجاوي، ثم دخل مصر وتوطنها وأخذ بها بقية العلوم من حديث [٤٧ - آ] وتفسير عن الشيخ الإمام محمد حجازي الواعظ، والمحقق أحمد الغنيمي، وكثير من المشايخ المصريين، وأجازه شيوخه وتصدّر للإقراء والتدريس بجامع الأزهر، ثم تولى المشيخة بجامع السلطان حسن ثم أخذها عنه عصريّة العلامة إبراهيم الميموني، ووقع بينهما من المفاوضات ما يقع بين الأقران، وألف كلٌّ منهما في الآخر رسائل، وكان منهمكًا على العلوم انهماكًا كُلِّيًا قطعَ زمانه بالافتاء والتَّدريس والتحقيق والتصنيف، فسارت بتآليفه الركبان ومع كثرة أضداده وأعدائه ما أمكن أحدٌ أن يطعن فيها ولا أن ينظر بعين الإزراء إليها، وتآليفه ﵁ كثيرة غزيرة، منها كتاب (غاية المنتهى) (٧) في الفقه، قريب من أربعين كراسًا، وهو متن جمع من المسائل أقصاها وأدناها، مشى فيه مشي المجتهدين، في التصحيح والاختيار والترجيح، وله كتاب (دليل الطالب) في الفقه نحو عشرة كراريس، و (دليل الطالبين)، لكلام النحويين، و (إرشاد من كان قصده، إعراب لا إله إلا الله وحده)، و (مقدمة الخائض في علم الفرائض)، و (القول البديع في علم البديع)، و (أقاويل الثقات، في تأويل الأسماء والصفات)، و (الآيات المحكمات والمتشابهات)، و (قرة عين الودود، بمعرفة المقصور والممدود)، و (الفوائد الموضوعة، في الأحاديث الموضوعة)، و (بديع الإنشاء والصفات، في المكاتبات والمراسلات)، و (بهجة الناظرين، في آيات المستدلين)، نحو عشرين كراسًا يشتمل على
стр. 192
العجائب والغرائب، و (البرهان في تفسير القرآن)، لم يتم، و (تنوير بصائر المقلدين، في مناقب الأئمة المجتهدين)، و (الكواكب الدرية، في مناقب ابن تيمية)، و (الأدلة الوفية، بتصويب قول الفقهاء والصوفية)، و (سلوك الطريقة في الجمع بين كلام أهل الشريعة والحقيقة)، و (روض العارفين)، و (تسليك المريدين)، و (إيقاف العارفين، على حكم أوقاف السلاطين)، و (تهذيب الكلام، في حكم أرض مصر والشام)، و (تشويق الأنام، إلى الحج إلى بيت الله الحرام)، و (محرك سواكن الغرام، إلى حج بيت الله الحرام)، و (قلائد المرجان، في الناسخ والمنسوخ من القرآن)، و (أرواح الأشباح، في الكلام على الأرواح)، و (فرائد (٨) الفكر، في المهدي المنتظر)، و (وإرشاد ذوي الأفهام، لنزول عيسى ﵇، و (الروض النضر، في الكلام على الخضر)، و (تحقيق الظنون، بأخبار الطاعون)، و (ما يفعله الأطباء والداعون لدفع شر الطاعون)، و (تلخيص أوصاف المصطفى، وذكر من بعده من الخلفا)، و (اتحاف ذوي الألباب في قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، و (إحكام الأساس في قوله تعالى ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾، و (تنبيه الماهر، على غير ما هو المتبادر)، أي من الأحاديث الواردة في الصفات، و (فتح المنان، بتفسير آية الامتنان)، و (الكلمات البينات، في قوله تعالى ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، و (وأزهار الفلاة، في آية قصر الصلاة)، و (تحقيق الخلاف في أصحاب الأعراف)، و (تحقيق البرهان، في إثبات حقيقة الميزان)، و (توقيف الفريقين، على خلود أهل الدارين)، و (توضيح البرهان، في الفرق بين الإسلام والإيمان)، و (إرشاد
стр. 193
ذوي العرفان، لما في العمر من الزيادة والنقصان)، و (اللفظ الموطا، في بيان الصلاة الوسطى)، و (قلائد العقيان، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾، و (ومسبوك الذهب، في فضل العرب)، و (شرف العلم على شرف النسب)، و (شفاء الصدور، في زيارة المشاهد والقبور)، و (رياض الأزهار، في حكم السماع والأوتار، والغناء والأشعار)، و (تحقيق الرجحان، بصوم يوم الشك من رمضان)، و (تحقيق البرهان، في شأن الدخان الذي يشربه الناس الآن)، و (رفع التلبيس، عن توقف فيما كفر به إبليس)، و (تحقيق المقالة، هل الأفضل في حق النبي الولاية أو النبوة أو الرسالة)، و (الحجج البينة، في إبطال اليمين مع البينة)، و (المسائل اللطيفة، في فسخ الحج إلى العمرة الشريفة)، و (السراج المنير في استعمال الذهب والحرير)، و (دليل الحكام، في الوصول إلى دار السلام)، و (نزهة الناظرين في فضل الغزاة والمجاهدين)، و (بشرى من استبصر، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر)، و (بشرى ذوي الإحسان، فيمن يقضي حوائج الإخوان)، و (الحكم الملكية، والكلم الأزهرية)، و (إخلاص الوداد، في صدق الميعاد)، و (سلوان المصاب، بفرْقة الأحباب)، و (تسكين الأشواق، بأخبار العشاق)، و (منية المحبين، وبغية العاشقين)، و (نزهة المتفكر)، و (لطائف المعارف)، و (المسرة والبشارة، في فضل السلطنة والوزارة)، و (نزهة الناظرين، في تاريخ من ولي مصر من الخلفاء والسلاطين)، و (قلائد العقيان، في فضائل سلاطين آل عثمان)، وغير ذلك من الفتاوى، والرسائل النافعة، التي تداولها الناس وتلقوها بالقبول وله رسالة سماها (النادرة الغريبة، والواقعة العجيبة)، مضمونها الشكوى من الميموني والحَطُّ عليه وله ديوان شعر مشهور ومن شعره رحمه الله تعالى قوله:
стр. 194
يا ساحر الطرفِ يا منْ مُهجتي سَحَرا … كم ذا تَنامُ وكم أسهرتَني سَحَرا
لو كنتَ تعلم ما ألقاهُ منكَ لما … أبقيتَ (٩) يا منيتي قَلبًا إليكَ سرى
هذا المحبُّ لقد شاعتْ صبابتُهُ … بالروح والنفسِ يومًا في الوصال (١٠) شرى
يا ناظري ناظري بالدمع جاد وما … أبقيتَ (١١) يا مقلتي في مقلتي نظرًا
يا مالكي قصتي جاءت ملطخة … بالدمعِ يا شافعي كدّرتها نظرًا
عساك بالحنفي تسعى على عجلٍ … بالوصلِ للحنبلي يا من بدا قمرا
يا من جفا ووفا للغير موعدُهُ … يا من رمانا ويا من عقلنا قِمرَا
الله منصفُنَا بالوصلِ منكَ على … غيظِ الرقيب بمن قد حجَّ واعتمرا
يا غامرًا لكئيبٍ بالصدود كما … أن السّقام لمن يهواكَ قد غمرا
قِلَّ (١٢) الصدودَ فكم أسقيت أنفسنا … كأسَ الحِمامِ بلا ذنبٍ بدا وجرى
وكم جرحت فؤادي كم ضنى جسدي … أليس دمعي حبيبي مذ هجرت جرى
فالشوق أقلقني والوجد أحرقني … والجسمُ ذاب لما قد حل بي وطرا
والهجر أضعفني والبعد أتلفني … والصبرُ قل وما أدركت لي وطرا (١٣)
أشكوك للمصطفى زينِ الوجودِ ومن … أرجوهُ ينقذني من هجرِ من هجرا
وقوله:
بروحيَ من لي في لقاه ولائمُ … وكم في هواه لي عذولٌ ولائمُ
стр. 195
على وجنتيهِ وردتانِ وخالُهُ … كمسكٍ لطيفِ الوصفِ والثغرُ باسمُ
ذوائبُهُ ليلٌ وطلعةُ وجهِه … نهارٌ تبدّى والثنايا بواسمُ
بديعُ التثني مُرسِلٌ فوق خدهِ … عِذارًا، هوى العذريْ لديه ملازمُ
ومن عجب أني حفظت ودادَهُ … وذلكَ عندي في المحبّةِ لازمُ
وبيني وبين الوصل منه تباين … وبيني وبين الفصلِ منه تلازمُ
وقوله رحمه الله تعالى:
ليت في الدهرِ لو حظيتُ بيومٍ … فيه أخلو من الهوى والغرامِ
خاليَ القلب من تباريح وجد … وصدودٍ وحُرقةٍ وهيامِ
كي يُراح الفؤادُ من طول شوقٍ … قد سقاهُ الهوى بكأس الحِمام
وقوله:
يعاتب من في الناس يدعى بعبدهِ … ويقتل من بالقتل يرضى بعمدِهِ
ويشهرُ لي سيفًا ويمرحُ ضاحكًا … فيا ليت سيفَ اللحظ تمّ بغمدِهِ
فلله من ظبيٍ شرودٍ ونافرٍ (١٤) … يجازي جميلًا قد صنعت بضدِهِ
يبالغُ في ذمّي وأمدحُ فعلَهُ … فشكرًا لمن ما جار يومًا بعبدِهِ
وقوله:
لئن قلّدَ الناسُ الأئمةَ إنني … لفي مذهبِ الحَبْر ابنِ حنبل راغبُ
أقلّدُ فتواهُ وأعشقُ قولهُ … وللناس فيما يعشقون مذاهبُ
وكانت وفاة صاحب الترجمة بمصر في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثلاثين وألف. انتهى ما ذكره المحبي. ورأيت لصاحب الترجمة أيضًا قوله:
стр. 196
إنما النّاس بلاءٌ ومحنْ … وهمومٌ وغمومٌ وفتنْ
وعناءٌ وضناءٌ قربهُمْ … وهلاكٌ ليس فيهم مؤتمنْ
حَسّنوا ظاهرهم كي يخدعوا … ليس في باطنهمْ شيءٌ حسنْ
ليس من خالطهُمْ في راحةٍ … ضاع منه الدين والمالَ وزنْ
فاحذرَنْ عشرتهم واتركها … واجتنبهم سيما هذا الزمنْ
إسحاق الخريشي (١٥)
إسحق بن محمد بن أحمد الشيخ الإمام العالم العامل الفاضل الهمام الشهير بالخريشي المقدسي، شيخ القدس الشريف ومفتيها، وابن مفتيها، وقد قدمنا ترجمة والده (١٦). ولد صاحب الترجمة ببيت المقدس ونشأ بها، ترجمه الأمين فقال: كان عالمًا عاملًا أخذ عن والده وأمَّ بالمسجد الأقصى وكان إليه النهاية في علم القراءات إلى العشر حسن الصوت والأداء لا يملّ من سماعه، طارحًا للتكلف، مشتغلًا دائمًا بالقراءة لكلام الله تعالى، ووالده محمد صاحب المؤلفات العديدة مشهور. توفي صاحب الترجمة في سنة خمس وثلاثين وألف انتهى كلام المحبي.
عبد اللطيف المفلحي (١٧)
عبد اللطيف بن أحمد بن أبي الوفا علي، ولدُ الذي بعده، الشيخ الإمام عمدة الدين أبو الصفا المفلحي الأنصاري الدمشقي الشيخ الفاضل الجليل القدر علمًا وكمالًا ونبلًا وجمالًا، ترجمه الأمين المحبي في الخلاصة فقال: كان فقيهًا
стр. 197
مشتغلًا مشهور السمعة جريئًا في فصل الأمور. أخذ عن والده فرحل إلى مصر في سنة خمس عشرة بعد الألف وأخذ بها الحديث عن النور الزيادي وتفقه بالشيخ يحيى بن الشرف موسى الحجاوي المتقدم ذكره (١٨)، وبالشيخ الإمام عبد الرحمن بن يوسف البهوتي وأجازاه بالفتوى والتدريس، وذكر له الحجاوي في إجازته أنّه أفتى بالجامع الأزهر مرارًا، وأفاد واستفاد، ثم رجع لدمشق في سنة سبع عشرة بعد الألف وولي قضاء الحنابلة بالمحكمة الكبرى بدمشق أولًا، ثم صار قاضي قضاة الحنابلة بمحكمة الباب، وكان جريئًا مقدامًا في الأمور وتوفي سادس عشر شعبان سنة ستٍّ وثلاثين وألف انتهى. وترجمه البدر البوريني في تاريخه فقال: اجتمعت به فرأيته وسط الحال وإن داوم الاجتهاد يرجى أن يلحق بأبيه وجده وقد رأيت في يده كتابًا من تصانيف [٤٩ - أ] ابن طولون ذكر فيه من في الصالحية من العلماء الأعلام فقال: ومنهم إبراهيم بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي، ثم الدمشقي الصالحي الفقيه الزاهد الشيخ عماد الدين أبو اسحاق وأبو إسماعيل أخو الحافظ عبد الغني، ولد بقرية جَمّاعيل (١٩) سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة وهاجر إلى دمشق مع جماعتهم. قال: سبط ابن الجوزي حضرتُ جنازته ورأيتُ النّاس الذين حضروا جنازته فكان أولهم في جبل قاسيون عند مغارة الدم وآخرهم في دمشق عند باب الفراديس وقد نقلوا جنازته في الصباح فلم تصل إلى محلّ قبره عند الشيخ أبي عمر ﵄ إلَّا في آخر النهار فخطر في بالي الأبيات التي أنشدها سفيان الثوري وهي:
نظرتُ إلى ربي كفاحًا فقال لي … هنيئًا رضائي عنك يا بنَ سعيدِ
стр. 198
فقد كنتَ قوّامًا إذا أقبلَ الدُّجى … بعبرةِ مشتاقٍ وقلبِ عميدِ
فدونَكَ فاخترْ أيَّ قصرٍ أردتَهُ … وزرني فإنّي عنك (٢٠) غيرُ بعيدِ
قال فقلت أرجو أن أرى الشيخ عاد الدين وقد رأى ربه كما رآه سفيان عند نزول حضرته، ونمت فرأيت العماد في النّوم وعليه حُلّةٌ خضراء وعمامة خضراء وهو في مكان متسع كأنه روضة وهو يرقى في درجٍ مرتفعٍ فقلت له: يا عماد الدين كيف بت فإني والله نمت وأنا متفكر فيك؟ فنظر إلي وتبسّم على عادته وقال:
رأيت إلهي حين أنزلتُ حفرتي … وفارقتُ أصحابي وأهلي وجيرتي
فقال جُزيتَ الخير عنّي فإنني … رضيتُ فها عفوي لديكَ ورحمتي
وكنتَ زمانًا تأملُ الفوز والرضى … فوقّيتَ نيراني ولُقّيتَ جنتي
قال فجلست مرعوبًا وكتبت الأبيات انتهى ما في البوريني بحروفه.
شهاب الدين أحمد بن مفلح المفلحي (٢١)
أحمد بن أبي الوفا علي بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن مفلح ابن محمد بن مفرج الشهير بابن مفلح المفلحي الصالحي ثم الدمشقي شهاب الدين المكنى بأبي الوفاء قاضي القضاة علاء الدين أبي الوفا ابن قاضي القضاة برهان الدين أبي إسحق ابن قاضي القضاة أكمل الدين ابن قاضي القضاة شرف الدين ابن قاضي القضاة شمس الدين ابن الإمام زين الدين أبي المفاخر مفلح المقدسي الأصل، الإمام العالم العلامة النحرير المحقق الكبير الفقيه المحدث
стр. 199
الورع الزاهد الثبت الخير، كان أحد العلماء بالشام الملازمين على تعليم العلم والفتيا، وكان له المتانة الكاملة في الفقه والعربية والفرائض والحساب والتاريخ، ولأهل دمشق فيه اعتقاد عظيم وهو محله وأهله، وكان متجنبًا غالب الناس وله مداومة على تلاوة القرآن والعبادة، أخذ عن الجلة من مشايخ عصره منهم جدنا العلامة شيخ الإسلام البدر محمد الغزي العامري والعلامة أبو الفداء إسماعيل بن إبراهيم النابلسي الشافعي، وأخذ الفقه عن الفقيه الكبير الشرف موسى بن أحمد الحجاوي صاحب (الإقناع)، وأخذ عن [٤٩ - ب] الإمام المحدث الكبير الشمس محمد بن طولون الصالحي. قلت ووقفت له أيضًا على إجازة من الشيخ الإمام منصور بن إبراهيم بن محب الدين الشافعي تلميذ البرهان إبراهيم القلقشندي، وتاريخ الإجازة سنة ثلاث وسبعين وتسعمائة وفيها أنّ صاحب الترجمة سمع بعضًا من (صحيح البخاري) على المجيز المزبور، انتهى. وبرع في أنواع العلوم ودرّس بعدة مدارس منها دار الحديث بصالحية دمشق بالقرب من المدرسة الأتابكية (٢٢) وكان له بقعة تدريس بالجامع الأموي وعرض عليه قضاء الحنابلة بمحكمة الباب، لما مات القاضي محمد سبط الرجيحي في زمن قاضي القضاة المولى مصطفى بن حسين بن المولى سنان صاحب (حاشية التفسير) فامتنع، وبالغ القاضي ومن كان عنده من كبار العلماء في طلبه فلم ينخدع ولم يلِ القضاء، واعتذر بثقل السمع وأنّه لا يسمع ما يقوله المتداعيان بسهولة، وذلك يقتضى صعوبة فصل الأحكام ولم يزل يتلطف بالقاضي حتى عفا عنه. وكانت وفاته في ثامن عشر جمادى الآخرة سنة ثمان وثلاثين وألف. هكذا ترجمه الفاضل المحبي وذكر وفاته. ورأيت بخط تلميذه المرحوم تقي الدين عبد الباقي بن عبد الباقي مفتي السادة الحنابلة
стр. 200
ما نصه: شيخنا الشيخ شهاب الدين أحمد الوفائي الحنبلي المفلحي، سكن الصالحية أولًا ثم مدينة دمشق، أجمع الناس على جلالته ودينه بل وعلى ولايته، توفي سنة خمس وثلاثين وألف ودفن في تربة الحنابلة من مرج الدحداح خارج باب الفراديس وأخبرني من أثق به يوم مات أنه عمر مائة سنة إلّا سنة، أدرك الشيخ موسى صاحب (الإقناع) وقرأ عليه، وكان ملازمًا على التدريس في جامع بني أمية في كل العلوم الشرعية وآلاتها، أعرفَ الناس في الفرائض والعربية، وكان زاهدًا متقللًا في الدنيا لا يعرف تصنعًا لا في لبسه ولا في عمته ولا في شيء من حركاته وسكناته، وكان لا يستطيع أحد إذا صافحه بيده أن يرفعها ليقبلها لقوة أعضائه ولامتناعه من ذلك، مرجع أهل الشام ومعتقدهم انتهى بحروفه. وترجمه عصريه البدر حسن البوريني في تاريخه فقال: هو الشيخ الفاضل، والعالم الكامل، بركة الأنام، ومعتقد أهل الشام، له السكون والحلم، والعبادة والعلم، وله الآثار الحسان، وتلاوة القرآن، اشتغل على عدة مشايخ بدمشق، منهم شيخنا شيخ الإسلام أبو الفداء الشيخ إسمعيل النابلسي، وبرع في أنواع العلوم، وأحاط بفنون المنطوق والمفهوم، مع السيرة التي تذكر الإنسان الحسن البصري وأمثاله، وتحسّن من كل موفق أحواله، متقلل من اللباس، متجنب غالب الناس، لم يمل إلا إلى العبادة، ولا تراه إلا في محراب أو على سجادة، وهو من بيت مفلح البيت المشهور بالعلم [٥٠ - أ] الكثير، المعروف بالتصنيف والتآليف بين الكبير والصغير، من أجداده شيخ الإسلام البرهان بن مفلح، صاحب الفروع وغيره من بني مفلح المفلحين، والعلماء العاملين، والقضاة العادلين (٢٣)، لم تعرف له صبوة، ولا نقلت عنه كبوة، ملازم على تعليم العلوم بأنواعها، وتفهيم الفنون
стр. 201
بأوضاعها، له المتانة الجيدة في علمي الفرائض والحساب، والإحاطة الشاملة في الفقه بلا ارتياب، مع المهارة في علم العربية، وحفظ التواريخ النقلية، وغير ذلك من بقية العلوم، وبالجملة فهو مفتي الحنابلة في هذا الزمان، وإليه مرجع المشكلات في مذهب الإمام أحمد عليه الرضوان، درّس بعدة مدارس بالشام، وهو الآن مدرّس بدار الحديث بصالحية دمشق بالقرب من المدرسة الأتابكية، وله بقعة تدريس بجامع بني أمية، وله مصاهرة مع الشهاب أحمد العيثاوي المذكور قبله، وما تأهل من نسله إلا لكونه أهله، وبالجملة فهما الأحمدان محمودان لهما الدين الكامل، والعلم الشامل، والفلاح الشهير، والعلم الغزير، ولقد شهدت له مجلسًا يفتخر به زمانه، وتبتهج به أقرانه، وذلك أنه لما انتقل بالوفاة القاضي محمد سبط الرجيحي الحنبلي وهو أكبر قضاة الحنابلة بدمشق انحلّ مكانه وبقي زمانا بغير قاضٍ وكان قاضي القضاة بدمشق مولانا مصطفى أفندي ابن مولانا حسين أفندي ابن مولانا سنان أفندي صاحب (حاشية التفسير) فاستدعى الشيخ أحمد صاحب الترجمة ليجعله قاضيًا في منزلة سبط الرجيحي المذكور، وكنت أحد الحاضرين بالمجلس، فبالغ في ملاطفته ليقبل منصب القضاء فامتنع، وألح عليه القاضي فتبرم وما انخدع، وبالغ الحاضرون في الطلب، وبالغ هو في الهرب، حتى إنه قال آخرًا يا مولانا أنا رجل ثقيل السمع لا أسمع ما يقول المتداعيان بسهولة وذلك يقتضي صعوبة فصل الأحكام بين الخصام، ولم يزل يتلطف بالقاضي حتى عفا عن ذلك الطلب، وقضى من امتناعه العجب، وخرج من عنده خائفًا من تكرار طلب القضاء، فأيّد الله تعالى عليه الرضا، وأحياه وحيّاه، وأعطاه وإيانا في الجنة مناه، آمين انتهى كلام العلامة البوريني (٢٤) وقد تقدم الخلاف في وفاته بين
стр. 202
المحبي والشيخ عبد الباقي الفصّي والله أعلم بحقيقة الحال ورأيت بخط ابن عم صاحب الترجمة الفاضل المسند القاضي أكمل بن مفلح ما صورته: أنشدني من لفظه لنفسه [٥٠ - ب] ابن العم أبو الوفا أحمد بن أبي الوفا بن مفلح.
شبيهةَ بدر التم بالله أنجزي … وفاء لموعود له الضَّنْكُ والبلوى (٢٥)
لقد ضاق ذرعًا بالبعاد ومن يكن … ولوها بليلى (٢٦) لا تليق به الشكوى
رعى الله أيام الوصال وعطفها … عليّ فما أحلى ثناها وما أشهى
ومما أنشده لنفسه لغز في سوسنة:
يا فاضلًا فاق الأنام كلهمْ … تركتني في حيرة وفي وَلَه
أبرزت في نظم القريض اعجوبة … أنعم به وقد كفيتم أوّله
وذكره الفاضل شمس الدين محمد الدمشقي الشهير بالحادي في كتابه المسمى (بألحان الحادي بين المراجع والبادي) فقال ما نصه: الشيخ الإمام والعلامة الهمام الإمام الفاضل والعلامة الكامل العالم العلامة البحر الفهامة الصالح الفالح الورع الناجح الزاهد الولي الشيخ أحمد شهاب الدين الحنبلي الدمشقي مفتي مذهبه والآخذ بالحظ الأوفر من مطلبه معدن الخيرات والصفا، الشهير بابن وفا سلمه الله تعالى كتبت أنا إليه سؤالًا فقهيّا فرضيًّا نظمًا فقلت:
يا أيها المولى المعظم في الورى … الشامخ الأطواد بل عالي الذرى
يا أحمد الأفضال يا نجمَ العلا … بل يا شهاب الدين يا بدرًا سرى
стр. 203
فصل الخطابِ لدى التخاصمِ والمرا … سندٌ لطلابِ القراءةِ والقِرى
يا منْ غدا راجيه ينشدُ معلنًا … الصيدُ كلُّ الصيدِ في جوفِ الفَرا (٢٧)
ماذا يخصُّ البنتَ وابنَ العمِّ يا … ذا الحبر رفعًا للجدال وللمرا
معلومكم قد صار حرًا كاملًا … من بعد ما قدْ كانَ قِنًّا يُشترى
من بعد ذاك قضى أبوها نحبَهُ … حتى غدا مُلقًى رهينًا في الثرى
عنها وخلّفها تكابدُ حزنها … ولها ابنُ عمٍّ قد غدا متحسّرا
ماذا يخصُّ البنتَ وابنَ العمِّ يا … ذا الحبر رفعًا للجدال وللمرا
هل تأخذ المجموعَ نصفًا فرضها … والنصفَ الآخرَ بالوَلا إذ قررا
إن كان هذا العتقُ عنها ناشئًا … فلها الولاء كما أتى متسطّرا
أولا فتأخذُ نصفَها فرضًا لها … والباقي لابنِ العمِّ، أوضح مظهرا
وأبنْ سؤالي غيرَ مأمورٍ بلى … من مستفيدٍ قد غدا متحيّرا
لا زلتَ تهدي من عُلاكَ فضائلًا … وبقيتَ للورّاد بحرًا كوثرا
واسلم ودم واغنمْ وطب ما دام نجـ … ـمٌ في السمواتِ العُلا قد أزهرا
فكتب هو إليّ سلمه الله تعالى الجواب من البحر والقافية وقد أجاد إلى الغاية:
يا أيها الصدرُ المبجلُ في الورى … يا شامخَ الأطوادِ يا عالي الذُّرا
يا فاضلًا حازَ المكارمَ والسرى … يا واحدَ الأفضالِ يا نجمًا يُرى
يا شمس دينِ الله قد نلتَ العُلا … سامحْ أخا التقصير يا من قد درى
للبنت نصفُ المالِ يا بحرَ الندى … والباقي لابنِ العم من غيرِ امترا
لا زلت يا كهف المعالي والتُّقى … في فضلِ خيرٍ كاملٍ مد السرى
стр. 204
ما خرّ مشتاقٌ إلى عالي الذّرى … صلى عليه الله ما نجمٌ سرى
واسلم ودُم واغنمْ وطب ما دام نجـ … ـمٌ في السمواتِ العُلا قد أزهرا
وممن أخذ عن صاحب الترجمة العلامة المسند الأثري تقي الدين عبد الباقي ابن عبد الباقي بن عبد القادر مفتي الحنابلة بدمشق، والشيخ ضياء الدين عبد الغني النابلسي الدمشقي جد العارف بالله تعالى الأستاذ عبد الغني النابلسي قدس سره، والشيخ عماد الدين بن عبد الرحمن العمادي مفتي الحنفية بدمشق، وإبراهيم بن محمد الغزالي الصالحي، والشمس محمد البلباني الآتي ذكره والشيخ منصور بن علي المصري الفرضي نزيل صالحية دمشق الشام.
الإمام عبد الرحمن البهوتي (٢٨)
عبد الرحمن بن يوسف بن علي زين الدين بن القاضي جمال الدين ابن الشيخ نور الدين البهوتي المصري الشيخ الإمام العالم العلامة المسند الأثري البركة الثقة العمدة الهمام الفقيه المتضلع من العلوم والفضائل خاتمة المعمرين. ولد بمصر ونشأ بها وقرأ الكتب الستة وغيرها من كتب الحديث، وروى المسلسل بالأولية عن الجمال يوسف ابن شيخ الإسلام القاضي زكريا الأنصاري، وعلوم الحديث عن الشمس الشامي صاحب السيرة وتلميذ السيوطي، ومن مشايخ صاحب الترجمة في الفقه والده وجده والشيخ تقي الدين محمد الفتوحي صاحب (منتهى الارادات)، وأخوه عبد الرحمن ابنا شيخ الإسلام الشهاب أحمد بن النجار الفتوحي، والشيخ شهاب الدين البهوتي وغيرهم، وفي فقه الإمام مالك الشيخ زين الجيزي، والشيخ محمد الفيشي، والشيخ أبو الفتح الدميري شارح (مختصر خليل)، والشيخ محمد الحطاب المالكيون، وفي فقه أبي
стр. 205
حنيفة الشيخ شمس الدين البرهمتوشي، وأبو الفيض السلمي، وأمين الدين بن عبد العال، وعلي بن غانم المقدسي الحنفيون، وفي فقه سيدنا الإمام الشافعي الشمس محمد الخطيب الشربيني، والإمام شمس الدين العلقمي شارح (الجامع الصغير)، والشيخ ولي الدين الضرير شارح (التنبيه) في أربع مجلدات، وغيرهم من الأئمة وكان صاحب الترجمة بحرًا من بحور العلم، وركنا من أركان الفضل، عالمًا بالمذاهب الأربعة، كنزًا به ذخائر الفضل مجتمعة [٥١ - آ]، وأخذ عنه جمع من الأفاضل منهم منصور بن يونس البهوتي، والشيخ عبد الباقي مفتي الحنابلة الدمشقي. وكان صاحب الترجمة في سنة أربعين وألف موجودًا في الأحياء رحمه الله تعالى. انتهى ما ذكره المحبي بزيادة ورأيت في ثبت المرحوم الشيخ عبد الباقي الحنبلي مفتي دمشق ما نصه: ومن جملة مشايخي الشيخ عبد الرحمن البهوتي الحنبلي.
وعاش نحوًا من مائة وثلاثين سنة على ما هو مشهور، وأخذ عنه كثير، منهم الشيخ أحمد المقرئ المالكي. وكتب لي خطه بعموم الإجازة سنة اثنتين وثلاثين وألف (٢٩) ولكنه لم يكن في المجلة أعلى سندًا من غيره انتهى.
عبد القادر الدنوشري
عبد القادر بن [] (٣٠) الشيخ الإمام العالم العلامة الهمام الفقيه العمدة النحرير الشيخ محيى الدين الشهير بالدنوشري المصري القاهري أخذ عن الإمام منصور بن يونس البهوتي القاهري [] (٣١).
стр. 206
ورفع لصاحب الترجمة سؤالٌ صورته: ماذا نقله ساداتنا ومشايخنا رضي الله تعالى عنم بعد إبلاغ ما يجب من التحيات في عبارة (منتهى الارادات) وهي: أو الذكر بفرج غيره. وفي عبارة (الإقناع) وهي: وينقض مسه بفرج غير ذكر. فهل المنتقض وضوءه هو الماس وهو صاحب الذكر أو الممسوس وهو صاحب الفرج أو الدبر؟ وعبارة (شرح المنتهى) تقضي أن المنتقض وضوءه هو صاحب القبل أو الدبر وأنه هو الماس والذي ظهر للفقير من مجموع العبارات أن المنتقض وضوءه هو الماس سواء كان صاحب الذكر أو غيره والله أعلم. وأيضًا مسائل أخر.
الأولى: الشهيد، إذا لم تكن ثيابه ساترة هل يجب علينا التكميل أم لا؟ لأنه إذا كانت ثيابه ساترة للعورة وهو الغالب، وفي النادر أن تكون ثياب الشخص ساترة جميع بدنه، ودفنه بثيابه ليس بتكفين فلا يعطى أحكام الكفن. وعبارة (الإقناع) و (الفروع) و (شرح المنتهى) موهمة.
الثانية: هل يجوز لمن أراد إعادة الصلاة مع الجماعة أن يصلي قاعدًا ام لا؟ لأنها في صورة الفرض، وقد خالفت بقية النوافل بأنه يجب على المسبوق قضاء ما فاته، ولو كانت كالنفل المطلق لجاز أن يسلم من ركعتين فيما إذا أراد إعادة الظهر مثلًا.
الثالثة: أنّ عبارات الأصحاب أنّ السيئات تتضاعف في زمان ومكان فاضل فما الدليل على ذلك؟ لأنه مخالف لقوله (ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها) (٣٢) لعلكم تراجعون ذلك وتوضحون الجواب ولم جزيل الأجر والثواب من الله الكريم الوهاب.
стр. 207
فأجاب رحمه الله تعالى بقوله: الحمد لله الهادي للصواب قول صاحب (منتهى الارادات): "أو الذكر بفرْج غيره"، يقرأ بالجر في لفظ الذكرِ بالعطف على قوله فرج آدمي المتقدم ذكره في أول عباراته، فيكون من باب إضافة المصدر إلى مفعوله، وهذا معطوف على المعمول المجرور لفظًا، فيكون معناه: أن الوضوء ينتقض بما إذا مسَّ الرجلُ أو المرأةُ ذكرَ غيرِهما بدبرهما والعياذ بالله تعالى من ذلك، أو مسّت المرأة ذكر الرجل بفرجها لشدّة شهوتها للرجال، فينتقض وضوءهما دون وضوء الممسوس ذكره ولو وجد شهوة، كما هو مصرح به في قوله: "ولا إن وجد ممسوس فرجه أو ملموس شهوة" لأنه لم يحصل منه فعل وليس صاحب الفرج أو الدبر ممسوسًا، كما توهمه صاحب السؤال، بل هما ماسان للذكر، فصاحب الذكر ممسوس لا ماس. وأمّا إذا مس ذكره بذكر غيره فإنّه لا ينتقض وضوء كل منهما، كما ذكره صاحب الفروع بقوله: "لا ذكره بذكر غيره كما صرح به أبو المعالي؛ لأن الرجل إذا لمس رجلًا لا ينتقض وضوءه فيما عدا مس الفرج باليد ولو كان الممسوس أمرد لأنّه ليس بمحل للشهوة شرعًا" وعبارة صاحب الإقناع وهي قوله: "وينقض مسه بفرج غير ذكر" فإنها موافقة لعبارة صاحب (منتهى الإرادات)، وليس فيها إيهام كما توهمه صاحب السؤال أيضًا؛ فإن الضمير في قوله "مسه" راجع إلى الذكر، فينحل الكلام إلى قوله: "أو مس الذكر بفرج غير الذكر فإنه ينتقض وضوءه" والفرج غير الذكر هو القبل أو الدبر فالمنتقض وضوءه في كلام صاحب (الإقناع) أيضًا هو الماسّ لذكر الآدمي بدبره أو بفرج المرأة، كما ظهر لصاحب السؤال في عبارة المنتهى فالعبارتان سيان.
وأما الشهيد، فيجب دفنه في ثيابه التي قتل فيها، ولا يزاد عليها ولا ينقصْ، كما صرح به في (الإقناع) وذلك لقوله ﵊ في شهداء أحد: (زملوهم بكلومهم ودمائهم) وظاهره ولو كانت ثيابه حريرًا
стр. 208
ولا ينزع منه إلا نحو فرو وخفّ فلا يعطى أحكام الكفن فلا يجرد من أثوابه التي قتل فيها.
وأما إعادة الصلاة مع الجماعة فلا يصح أن يصليها جالسًا وإن كانت نفلا لأنها على صورة الفرض فلا تصح جلوسًا مع القدرة على القيام، ولها أحكام تخصها من جملتها: أنه يجب إتمامها إذا شرع فيها، كما يجب إتمام نفل الحجّ والعمرة، ومنها أنّه يجب على المسبوق قضاء ما فاته منها.
وأما قول الأصحاب. وتضاعف الحسنة والسيئة بمكان وزمان فاضل؛ أما مضاعفة الحسنة فواضح، وأدلته كثيرة منها قوله : (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) (٣٣)، وإن الحسنة تتضاعف بمكة سبعين ضعفًا، وأما دليل مضاعفة السيئة في المكان الفاضل قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: "مالي وبلدة تتضاعف فيها السيئات كما تتضاعف الحسنات" وخرج من مكة شرّفها الله تعالى، واختار الإقامة في الطائف إلى أن توفي رحمه الله تعالى ورضي عنه ونفعنا به وحشرنا في زمرته، وقول الصحابي حجة عندنا وإذا قال ما يخالف القياس فهو توقيف وقف عليه من النبي ﷺ ، ولا يرد على ذلك قول الله (ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها) (٣٤)؛ لأن هذا في مقام استخلاص حقوق العباد وانتقام بعضهم لبعض بدليل قوله تعالى (فمن عفا وأصلح فأجره على الله) (٣٥) فتتضاعف السيئة أولًا بالنظر لفعل العبد، وثانيا لفعلها في المكان الفاضل أو الزمان الفاضل؛ لأن الذنب يقبح في الزمان والمكان الفاضلين، ويقبح من العاقل أيضًا والذنب منه أقبح من غيره، فإن زيادة قبحه تتبع زيادة فضل المذنب، ولذلك جُعل حد
стр. 209
الحر ضعفي حد العبد، ويعاتب العاقل العالم بما لم يعاتب به غيره والله أعلم. وكتبه الفقير عبد القادر الدنوشري الحنبلي حامدًا الله تعالى. انتهى ما نقلته بحروفه من خطه الكريم حرفًا بحرف، وأخذ عن صاحب الترجمة شيخ الإسلام الشيخ عبد الباقي بن عبد الباقي بن عبد القادر مفتي الحنابلة بدمشق. وكان صاحب الترجمة المذكور جبلًا من جبال العلوم والمعارف، له التقدم في الفقه وغيره، ودرّس بالجامع الأزهر، وانتفعت به الطلبة طبقة بعد طبقة، له اليد الطولى في الفتوى والتدريس وتمهيد القواعد وإقامتها على أمتن تأسيس.
وكانت وفاته بعيد الثلاثين وألف ظنًا رحمه الله تعالى رحمة واسعة وإيانا.
جمال الدين يوسف الفتوحي
يوسف بن محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن علي بن إبراهيم بن رشد، الشيخ الإمام جمال الدين الشهير بالفتوحي المصري القاهري الشيخ العلامة النحرير، حائز قصبات السبق في التقرير والتحرير، عالم الآفاق بالاتفاق، وبحر الفضائل بين أولي الخلاف والوفاق، صاحب قدم راسخ، وشرف باذخ، وقدر في المعارف شامخ، فهو البركة القدوة العالم العامل الفقيه، والإمام الذي ليس له في حلبة السباق في الفضل نظير ولا شبيه.
ولد بمصر ونشأ بها وقرأ على فضلائها فأخذ عن والده الشيخ الإمام تقي الدين الفتوحي وعن الشيخ العلامة منصور البهوتي [] (٣٦) وعنه أخذ الشهاب أحمد الكرمي الأزهري.
стр. 210
الطبقة السابعة فيمن وقعت وفاته من سنة إحدى وخمسين وألف إلى سنة خمس وسبعين وألف
منصور البهوتي (١)
منصور بن يونس بن صلاح الدين بن حسن بن أحمد بن علي بن إدريس الشيخ الإمام شيخ مشايخ الإسلام الشهير بالبهوتي المصري ووقع في تاريخ الأمين بدل يونس يوسف وهو خطأ (٢)، والصواب يونس كما رأيته بخط صاحب الترجمة في إجازته للشيخ عبد الباقي الحنبلي كان مولده ﵁ سنة ألف من الهجرة وكان صاحب الترجمة إمامًا همامًا علامة في سائر العلوم فقيهًا متبحرًا أصوليًا مفسرًا جبلًا من جبال العلم وطودا من أطواد الحكمة وبحرًا من بحور الفضائل له اليد الطولى في الفقه والفرائض وغيرهما. ذكره الأمين في تاريخه فقال: شيخ الحنابلة بمصر وخاتمة علمائهم بها، الذائع
стр. 211
الصيت البالغ الشهرة كان عالمًا عاملًا ورعًا متبحرًا في العلوم الدينية صارفًا أوقاته في تحرير المسائل الفقهية ورحل الناس إليه من الآفاق لأجل أخذ مذهب الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه، فإنه انفرد في عصره بالفقه. قلت: وأخذ صاحب الترجمة عن جماعةٍ من الأعيان (٣) كالشيخ يحيى بن الشرف موسى الحجاوي الدمشقي والشيخ محمد الشامي والشيخ عبد الله الدنوشري الشافعي والجمال عبد القادر الدنوشري الحنبلي والنور علي الحلبي والشهاب أحمد الوارثي الصديقي. [] (٤) قال المحبي: وأخذ عن أكثر المتأخرين من الأصحاب الحنابلة، منهم المجال يوسف البهوتي والشيخ عبد الرحمن البهوتي والشيخ محمد الشامي المرداوي وأكثر أخذه عنه وأخذ عنه الشيخ محمد ومحمد بن أبي السرور البهوتيان وإبراهيم بن أبي بكر الصالحي وغيرهم، ومن مؤلفاته شرح الإقناع في ثلاثة أجزاء ضخام وسمّاه (كشف القناع عن الإقناع) و (حاشية على الإقناع) و (شرح على منتهى الارادات) للتقي الفتوحي، و (حاشية على المنتهى) و (شرح زاد المستقنع) للحجاوي و (شرح المفردات) للشيخ محمد بن عبد الهادي المقدسي. وكان ممن انتهى إليه الفتوى والتدريس، وكان سخيًّا له
стр. 212
مكارم دارّة، وكان في كل ليلة جمعة يجعل ضيافة ويدعو جماعته من المقادسة، وإذا مرض منهم أحدٌ عاده، وأخذه إلى بيته ومرّضه إلى أن يشفيه الله. وكانت الناس تأتيه بالصدقات فيفرقها على طلبته بالمجلس ولا يأخذ منها شيئًا. وكانت وفاته ضحى يوم الجمعة عاشر شهر ربيع الثاني سنة إحدى وخمسين وألف بمصر القاهرة، ودفن بتربة المجاورين، انتهى ما في المحبي. وترجمه شيخنا الشمس محمد السفاريني فقال: هو أحد أعلام المذهب المتأخرين، كان كثير العبادة غزير الإفادة والاستفادة، رحل إليه الحنابلة من الديار الشامية والنواحي النجدية والأراضي المقدسية والضواحي البعلية وتمثلوا بين يديه وضربت الإبل آباطها إليه، وعقدت عليه الخناصر وقال من حظي بنظره: هل من مفاخر؟ فأخذ عنه الجمال يوسف البهوتي وأبو المواهب (٥) ابن عبد الباقي الدمشقي والشيخ محمد الخلوتي والشيخ محمد المرداوي والشيخ ياسين اللبدي والشيخ عبد الحق ابن عمه والشيخ يوسف الكرمي والشيخ محمد ابن أبي السرور في آخرين، شرح (الإقناع) وشرح (المنتهى) وشرح (المفردات) و (زاد الستقنع) وهو أحسن شروحه وله أيضًا (حاشية على الإقناع) و (حاشية على المنتهى) وكتاب لطيف مختصر وسمه بـ (عمدة الطالب) وكان سخيا جوادا، له مكارم دارّة وبشاشة سارة، وكان في كل ليلة جمعة يضع ضيافة ويجمع جماعة المقادسة في داره، ومن مرض منهم عاده وأخذه إلى داره، ومرّضه أحسن تمريض إلى أن يشفى، وكان الناس يأتونه بالصدقات فيفرّقها على طلبته بالمجلس، ولا يأخذ منها شيئًا. وكانت وفاته ضحى يوم الجمعة عاشر ربيع الثاني سنة إحدى وخمسين وألف بمصر ودفن بتربة
стр. 213
المجاورين رحمه الله تعالى ورضي عنه آمين وإلى الآن لم أعلم تاريخ مولده ﵁. انتهى كلام شيخنا. ثم رأيت في حاشية تلميذه العلامة الشيخ محمد الخلوتي رحمه الله تعالى على المنتهى عند قول المصنف: في كتاب الحجر الثالث أن يلزم الحاكم إلخ ما صورته: قد انتهت قراءة شيخنا وأستاذنا علّامة زمانه، وفريد عصره وأوانه خاتمة المحققين وعمدة المدققين من طنت حصاته في سائر الأقطار واتفقت الكلمة على أنه لم تكتحل ولا تكتحل عين الزمان ثانية فيما مضى وما يأتي من الأعصار، وهو أستاذي وخالي الراجي عفو ربه العلي منصور بن يونس البهوتي الحنبلي، وكانت قراءته ذلك لشرحه على هذا الكتاب واتفق وقوفه على ذلك يوم السبت رابع شهر ربيع الثاني سنة إحدى وخمسين وألف، ثم انقطع يوم الأحد التالي له، ومات يوم الجمعة العاشر من الشهر والسنة المذكورين، وكان وقوفه من الدرس التالي على باب القذف.
وكان مولده فيما أخبرني به سنة ألف من الهجرة فكان عمره إحدى وخمسين كسنة وفاته، تجاوز الله عن سيئاته ورفعه من الفردوسِ أعلى درجاته انتهى بحروفه. (٦)
стр. 214
محمد بن طريف (٧)
محمد بن محمد المعروف بابن طريف الدمشقي الصالحي، قاضي المحكمة العونية بدمشق ترجمه الأمين المحبي فقال: كان من الفضلاء والأخيار الأتقياء، عفيف النفس قانعًا من الدنيا باليسير متجملًا في كل أموره، تولى نيابة القضاء بمحكمة قناة العوني مدة تزيد على أربعين سنة، ولم ينسب إليه مكروه. قرأت بخط الشيخ عبد الحق المرزناتي أنه أخبره أنّ مولده في ذي الحجة سنة ثمان وسبعين وتسعمائة، وتوفي نهار الخميس تاسع شوال سنة سبع وخمسين وألف بتقديم سين سبع.
وكانت وفاته بصالحية دمشق وصلي عليه بالجامع المظفري ودفن بالروضة من السفح القاسيوني. انتهى رحمه الله تعالى (٨).
ياسين اللبدي (٩)
ياسين بن علي بن أحمد بن محمد اللبدي (١٠) الشيخ الفقيه الفاضل، رحل إلى مصر لطلب العلم الشريف في سنة ثلاث وأربعين وألف، ومكث إلى سنة إحدى وخمسين، وأخذ الفقه عن الشيخ الإمام منصور البهوتي، وأخذ الحديث والنحو عنه أيضًا، وقرأ على الشيخ عامر الشبراوي (شرح ألفية العراقي)
стр. 215
للقاضي زكريا، وأجازه بها وبما تجوز له روايته. وكان يفتي على مذهب سيدنا الإمام أحمد ﵁ ببلاد نابلس وكان ديّنًا صالحًا تقيًا حافظًا لكتاب الله تعالى.
وكانت وفاته في سنة ثمان وخمسين وألف تقريبًا. انتهى من المحبي.
أبو الصفا الاسطواني (١١)
أبو الصفا بن محمود بن أبي الصفا الشهير كسلفه بالأسطواني الدمشقي. ترجمه الأمين المحبي في تاريخه فقال: هو جدي لأمّي ولد بدمشق ونشأ بها، وكان حنبليًا على مذهب أسلافه، وله مشاركة جيدة في فقه مذهبهم وغيره، وقرأ في آخر أمره فقه الحنفية على العلامة رمضان بن عبد الحق العكاري، وكان من جملة الرؤساء وفُضَلاء الكتّاب. ولي خِدَمًا كثيرة من كتابات الخزينة والأوقاف، وكان كاتبًا بليغًا كامل العقل حسن الرأي ميمون النقيبة ورزق دنيا طائلة واسعة، وكان كثير التخصيص والتنعم وافر العزة محفوظًا في الدنيا وبلغ من العمر كثيرًا وهو في نشاط الشبان، وبالمجلة فإنه كان ممن توفرت له الدواعي ونال من الأيّام حظه، وكان مع ذلك سمع الكف دائم البشر وكانت صدقاته على الفقراء دارّة وخيراته واصلة، وانتفع به جماعة، ومنه أثروا، وبه استفادوا، والحاصل أنّه كان من محاسن دهره وأكارم عصره.
وكانت وفاته في شهر ربيع الأول سنة ستين بعد الألف ودفن بمقبرة الفراديس في تربة الغرباء رحمه الله تعالى برحمته. انتهى كلام المحبي.