← Тараджим

Тараджим · id 147073

النعت الأكمل لأصحاب الإمام أحمد بن حنبل

كمال الدين الغزي

Полный текст (354 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الصيت البالغ الشهرة كان عالمًا عاملًا ورعًا متبحرًا في العلوم الدينية صارفًا أوقاته في تحرير المسائل الفقهية ورحل الناس إليه من الآفاق لأجل أخذ مذهب الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه، فإنه انفرد في عصره بالفقه. قلت: وأخذ صاحب الترجمة عن جماعةٍ من الأعيان (٣) كالشيخ يحيى بن الشرف موسى الحجاوي الدمشقي والشيخ محمد الشامي والشيخ عبد الله الدنوشري الشافعي والجمال عبد القادر الدنوشري الحنبلي والنور علي الحلبي والشهاب أحمد الوارثي الصديقي. [] (٤) قال المحبي: وأخذ عن أكثر المتأخرين من الأصحاب الحنابلة، منهم المجال يوسف البهوتي والشيخ عبد الرحمن البهوتي والشيخ محمد الشامي المرداوي وأكثر أخذه عنه وأخذ عنه الشيخ محمد ومحمد بن أبي السرور البهوتيان وإبراهيم بن أبي بكر الصالحي وغيرهم، ومن مؤلفاته شرح الإقناع في ثلاثة أجزاء ضخام وسمّاه (كشف القناع عن الإقناع) و (حاشية على الإقناع) و (شرح على منتهى الارادات) للتقي الفتوحي، و (حاشية على المنتهى) و (شرح زاد المستقنع) للحجاوي و (شرح المفردات) للشيخ محمد بن عبد الهادي المقدسي. وكان ممن انتهى إليه الفتوى والتدريس، وكان سخيًّا له

стр. 212

مكارم دارّة، وكان في كل ليلة جمعة يجعل ضيافة ويدعو جماعته من المقادسة، وإذا مرض منهم أحدٌ عاده، وأخذه إلى بيته ومرّضه إلى أن يشفيه الله. وكانت الناس تأتيه بالصدقات فيفرقها على طلبته بالمجلس ولا يأخذ منها شيئًا. وكانت وفاته ضحى يوم الجمعة عاشر شهر ربيع الثاني سنة إحدى وخمسين وألف بمصر القاهرة، ودفن بتربة المجاورين، انتهى ما في المحبي. وترجمه شيخنا الشمس محمد السفاريني فقال: هو أحد أعلام المذهب المتأخرين، كان كثير العبادة غزير الإفادة والاستفادة، رحل إليه الحنابلة من الديار الشامية والنواحي النجدية والأراضي المقدسية والضواحي البعلية وتمثلوا بين يديه وضربت الإبل آباطها إليه، وعقدت عليه الخناصر وقال من حظي بنظره: هل من مفاخر؟ فأخذ عنه الجمال يوسف البهوتي وأبو المواهب (٥) ابن عبد الباقي الدمشقي والشيخ محمد الخلوتي والشيخ محمد المرداوي والشيخ ياسين اللبدي والشيخ عبد الحق ابن عمه والشيخ يوسف الكرمي والشيخ محمد ابن أبي السرور في آخرين، شرح (الإقناع) وشرح (المنتهى) وشرح (المفردات) و (زاد الستقنع) وهو أحسن شروحه وله أيضًا (حاشية على الإقناع) و (حاشية على المنتهى) وكتاب لطيف مختصر وسمه بـ (عمدة الطالب) وكان سخيا جوادا، له مكارم دارّة وبشاشة سارة، وكان في كل ليلة جمعة يضع ضيافة ويجمع جماعة المقادسة في داره، ومن مرض منهم عاده وأخذه إلى داره، ومرّضه أحسن تمريض إلى أن يشفى، وكان الناس يأتونه بالصدقات فيفرّقها على طلبته بالمجلس، ولا يأخذ منها شيئًا. وكانت وفاته ضحى يوم الجمعة عاشر ربيع الثاني سنة إحدى وخمسين وألف بمصر ودفن بتربة

стр. 213

المجاورين رحمه الله تعالى ورضي عنه آمين وإلى الآن لم أعلم تاريخ مولده ﵁. انتهى كلام شيخنا. ثم رأيت في حاشية تلميذه العلامة الشيخ محمد الخلوتي رحمه الله تعالى على المنتهى عند قول المصنف: في كتاب الحجر الثالث أن يلزم الحاكم إلخ ما صورته: قد انتهت قراءة شيخنا وأستاذنا علّامة زمانه، وفريد عصره وأوانه خاتمة المحققين وعمدة المدققين من طنت حصاته في سائر الأقطار واتفقت الكلمة على أنه لم تكتحل ولا تكتحل عين الزمان ثانية فيما مضى وما يأتي من الأعصار، وهو أستاذي وخالي الراجي عفو ربه العلي منصور بن يونس البهوتي الحنبلي، وكانت قراءته ذلك لشرحه على هذا الكتاب واتفق وقوفه على ذلك يوم السبت رابع شهر ربيع الثاني سنة إحدى وخمسين وألف، ثم انقطع يوم الأحد التالي له، ومات يوم الجمعة العاشر من الشهر والسنة المذكورين، وكان وقوفه من الدرس التالي على باب القذف. وكان مولده فيما أخبرني به سنة ألف من الهجرة فكان عمره إحدى وخمسين كسنة وفاته، تجاوز الله عن سيئاته ورفعه من الفردوسِ أعلى درجاته انتهى بحروفه. (٦)

стр. 214

محمد بن طريف (٧) محمد بن محمد المعروف بابن طريف الدمشقي الصالحي، قاضي المحكمة العونية بدمشق ترجمه الأمين المحبي فقال: كان من الفضلاء والأخيار الأتقياء، عفيف النفس قانعًا من الدنيا باليسير متجملًا في كل أموره، تولى نيابة القضاء بمحكمة قناة العوني مدة تزيد على أربعين سنة، ولم ينسب إليه مكروه. قرأت بخط الشيخ عبد الحق المرزناتي أنه أخبره أنّ مولده في ذي الحجة سنة ثمان وسبعين وتسعمائة، وتوفي نهار الخميس تاسع شوال سنة سبع وخمسين وألف بتقديم سين سبع. وكانت وفاته بصالحية دمشق وصلي عليه بالجامع المظفري ودفن بالروضة من السفح القاسيوني. انتهى رحمه الله تعالى (٨). ياسين اللبدي (٩) ياسين بن علي بن أحمد بن محمد اللبدي (١٠) الشيخ الفقيه الفاضل، رحل إلى مصر لطلب العلم الشريف في سنة ثلاث وأربعين وألف، ومكث إلى سنة إحدى وخمسين، وأخذ الفقه عن الشيخ الإمام منصور البهوتي، وأخذ الحديث والنحو عنه أيضًا، وقرأ على الشيخ عامر الشبراوي (شرح ألفية العراقي)

стр. 215

للقاضي زكريا، وأجازه بها وبما تجوز له روايته. وكان يفتي على مذهب سيدنا الإمام أحمد ﵁ ببلاد نابلس وكان ديّنًا صالحًا تقيًا حافظًا لكتاب الله تعالى. وكانت وفاته في سنة ثمان وخمسين وألف تقريبًا. انتهى من المحبي. أبو الصفا الاسطواني (١١) أبو الصفا بن محمود بن أبي الصفا الشهير كسلفه بالأسطواني الدمشقي. ترجمه الأمين المحبي في تاريخه فقال: هو جدي لأمّي ولد بدمشق ونشأ بها، وكان حنبليًا على مذهب أسلافه، وله مشاركة جيدة في فقه مذهبهم وغيره، وقرأ في آخر أمره فقه الحنفية على العلامة رمضان بن عبد الحق العكاري، وكان من جملة الرؤساء وفُضَلاء الكتّاب. ولي خِدَمًا كثيرة من كتابات الخزينة والأوقاف، وكان كاتبًا بليغًا كامل العقل حسن الرأي ميمون النقيبة ورزق دنيا طائلة واسعة، وكان كثير التخصيص والتنعم وافر العزة محفوظًا في الدنيا وبلغ من العمر كثيرًا وهو في نشاط الشبان، وبالمجلة فإنه كان ممن توفرت له الدواعي ونال من الأيّام حظه، وكان مع ذلك سمع الكف دائم البشر وكانت صدقاته على الفقراء دارّة وخيراته واصلة، وانتفع به جماعة، ومنه أثروا، وبه استفادوا، والحاصل أنّه كان من محاسن دهره وأكارم عصره. وكانت وفاته في شهر ربيع الأول سنة ستين بعد الألف ودفن بمقبرة الفراديس في تربة الغرباء رحمه الله تعالى برحمته. انتهى كلام المحبي.

стр. 216

عثمان الفتوحي (١٢) عثمان بن أحمد ابن القاضي العلامة تقي الدين محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن علي بن إبراهيم بن رشد بضم الراء الفتوحي القاهري الشهير بابن النجار، أحد أجلاء علماء الحنابلة بمصر كان قاضيًا بالمحكمة الكبرى بمصر، فاضلًا مجللًا ذا وجاهة ومهابة عند عامة الناس وخاصتهم، حسن السمت والسيرة والخلق قليل الكلام، له في الفقه مهارة كلية وإحاطة بالعلوم العقلية والنقلية. ولد بمصر وبها نشأ، وأخذ الفقه عن والده، وعن الإمام محمد المرداوي الشامي، وعبد الرحمن البهوتي الحنبليين، وأخذ العلوم العقلية عن كثيرين كالعلامة الشهاب إبراهيم اللقاني ومن عاصره، وأخذ عنه جماعة كثيرون كولده القاضي محمد والقاضي محمد الحواوشي وعبد الله بن أحمد المقدسي وكثير، وألف المؤلفات النافعة كـ (الحاشية الجليلة) على (منتهى الإرادات) في الفقه. وكانت وفاته بمصر في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين وألف ودفن بتربة المجاورين بتربة أبيه وجده، قريبًا من شيخ الحنفية السرّاج الهندي رحمهما الله تعالى. انتهى ما نقله الأمين. عبد الحق المرزناتي (١٣) عبد الحق بن محمد بن محمد بن أحمد بن أحمد بن عمر بن إسماعيل بن أحمد

стр. 217

الفرد في زمنه الشيخ محيي الدين الأدهمي الدمشقي الصالحي الصوفي القادري المعروف بالمرزناتي، وقد قدمنا بقية نسبه المتصل بسيدنا إبراهيم بن أدهم في ترجمة أبيه محمد (١٤). وكان صاحب الترجمة من مشاهير صوفية الشّام، له الوقار والهيبة وعنده إلمام بمعارف كثيرة، وكان مع ذلك أديبًا بارعًا حسن المحاضرة، وله اطلاع كثير على الأشعار والنوادر، ترجمه المحبي فقال: ورأيت بخطّه مجموعًا فيه كل معنى نادر وحكاية مستلذة، وكان رَحَل إلى الروم في سنة ثمان وعشرين وألف ونال بعض جهات في الشام ثم قدم دمشق وأقام في داره بالصّالحية وكان مخالطًا للأدباء وله كرم وإيثار، لا يزال مجلسه غاصًا بأهل الأدب والمعرفة، وكان يجري بينه وبينهم محاورات، وكان ينظم الشعر وشعره مستحسن فمن مشهور ماله قوله وكتب به إلى فتح الله ابن النحاس الحلبي الشّاعر المشهور (١٥) يستدعيه إلى محله: إن أغلق الأعداء أبوابهم … عني ولم يصغوا إلى نصحي وزرتني يومًا ولو ساعةً … في الدهر تبغي بينهم نجحي علمتُ أنّ الحقَّ من لطفِهِ … قد خصّني بالنصر والفتحِ لا زلتَ في عزٍ مدى الدهر ما … غرّدتِ الأطيارُ في الصُّبحِ فراجعه الفتحُ المذكور بقوله: مولاي يا من خصّهُ ربُهُ … بين الورى بالنّصر والفتحِ في الظهر والعصرِ إلى بابكْم … أسعى وفي المغرِبِ والصُّبحِ وكيفَ لا أسعى إلى بابِ من … في وجهِهِ داع إلى النُجحِ؟!

стр. 218

لا زلتَ من قدح العدا سالمًا … ولا خلا زندك من قدحِ وقرأت بخطه هذه الأبيات نسبها لنفسه وهي: ولقد ذكرتكِ حينَ قابلتُ العدى … والسيفُ يحصد هامهم كالمنجلِ والرمحُ ميّاسٌ كقدكِ طاعنٌ … قلبَ الشّجاعِ وكلَّ قِرنٍ مقبلِ والجوُّ صارَ من العجاجِ كأنَّهُ … ليلٌ وذاكَ الليلُ ليس بمنجلِ والأُسْدُ عابسةٌ كأنْ قد راعها … يومَ الوغى والأمرُ ليس بمشكلِ فترى الشجاع كأنّ رنّةَ سيفِهِ … أشهى إليه من صفيرِ البلبلِ وكأنّه في روضةٍ قد فوّفت … بشقائِقٍ وشذاهُ عَرْفُ قرنفلِ وترى الجبانَ كأنّه من خوفِهِ … يُلوي عنانَ جوادِهِ بتهرولِ فهناكَ ناديتُ الأحبّةَ ليتهم … نظروا بعينِ ترحُّمٍ وتعقّلِ هل كان لي في القلب غيرُ هواهم … باقٍ على طول المدى المسترسلِ لا والذي خلق الخلائق كلّهم … وقضى بطول تسهُّدي وتململي ما خنت يومًا عهدهم بتغافل … عنهم ولا بمقال زور العُذّلِ وهذا الأسلوب قد أكثر فيه الشعراء قديمًا وحديثًا ومن جيده قول ابن مطروح (١٦): ولقد ذكرتكِ والصوارم لُمّعٌ … من حولنا والسمهرية سُطّعُ وعلى مكافحةِ العدو ففي الحشا … شوقٌ إليكِ تضيقُ عنهُ الأضلعُ ومن الصِبا وهلَّم جرًا شيمتي … حفظُ الوداد فكيف عنه أرجعُ

стр. 219

وقول ابن رشيق (١٧): ولقد ذكرتكِ في السفينة والردى … متوقَعٌ بتلاطمِ الأمواجِ والجوُّ يهطلُ والرياحُ عواصفٌ … والليلُ مسودُّ الذوائبِ داجي وعلى السواحلِ للأعادي عسكرٌ … يتوقعون لغارةٍ وهياجِ وعلت لأصحاب السفينة ضجة … وأنا وذكرك في ألذِّ تناج وقول أبي الثنا محمود: ولقد ذكرتك والسيوف لوامع … والموت يرقب تحت حصن المرقبِ والحصنُ من شفق الدروع تخاله … حسناء ترفلُ في رداء مُذْهَبِ سامي السماك فمن تطاول نحوه … للسمع مستمعًا رماه بكوكبِ والموتُ يلعب بالنفوسِ وخاطري … يلهو بطيّب ذكرك المستعذبِ وقول الصفى الحلي (١٨): ولقد ذكرتك والعجاج كأنه … مُطلُ الغنيّ وسوء عيش المُعْسرِ والشوسُ بين مجدّلٍ في جندلٍ … منا وبين معفر في مغفر فظننت أنّي في صباحٍ مسفرٍ … بضياء وجهك أو سماءٍ مقمرِ وتعطرت أرضُ الكفاح كأنما … فتقت لنا أرض الجلاد بعنبرِ

стр. 220

وللصفي المذكور: ولقد ذكرتك والجماجم وقّع … تحت السنابك والأكفُّ تطيرُ والهامُ في أفق العجاجة حُوّمٌ … فكأنها فوقَ النسور نسورُ فاعتادني من طيب ذكرك نشوة … وبدت عليَّ بشاشة وسرورُ فظننت أني في مجالس لذتي … والراحُ تجلى والكؤوس تدورُ ولاثير الدين المشهور بأبي حيّان: لقد ذكرتك والبحر الخضمّ طفت … أمواجُهُ والورى منه على سَفَرِ في ليلةٍ أسبلت جلبابَ ظلمتها … وغار كوكبها من أعين النسْر والماء تحت وفوقَ المزنِ واكفةٌ … والبرقُ يستل أسيافًا من الشررِ والروح من حَزَن راحت وقد وردت … صدري فيالك من وَرْدٍ ومن صَدَرِ ولأبي طالب الرّقي: ولقد ذكرتك والظلام كأنه … يوم النوى وفؤادُ من لم يعشق ولبعضهم: ولقد ذكرتك والرماح تنوشني … عند الطعان وساعدي مغلولُ ولقد ذكرتك والذي أنا عبده … والسيف بين ذوائبي مسلولُ ولابن أبي حجلة في رمل طريق مصر إلى الشام: ولقد ذكرتكُم برملٍ روْعُهُ … في قلب كل مشرق ومغربِ وبنو بياضة كالدبا من حولنا … بسوادهم سدّوا فسيحَ السبسبِ والقُضْبُ تبري هامَ كلِّ مدجج … من كف أشوس بالحروب مهذبِ وأسنة الأرماح تلمع في الدجى … كوميض برق في الدجى متلهّبِ

стр. 221

وعلى الغواني كل نسر واقع … يفري أديم الليث منه بمخلبِ والرعد للأرماح رعدٌ قاصفٌ … والبحر يهدر كالهِزَبرِ الأغلبِ والبر بحرٌ بالدما والبحر … برّ بالقريح وكلّ كلبٍ أكلبِ وعلى السواحل غارةٌ شعواء ما … فيها لمن يرجو النجا من مهربِ وأنا بأوتار القِسّي كأنني … فيه أُغنّي بالرباب وزينبِ وأقول ليت أحبتي يدرون ما … أنا فيه من لهوٍ وعيشٍ طيّبِ ولمجنون ليلى: ذكرتك والحجيج له ضجيجٌ … بمكّة والقلوبُ لها وجيبُ فقلت ونحن في بلدٍ حرامٍ … به لله أخلصت القلوبُ أتوب إليكَ يا رحمن مما … جنيتُ فقد تكاثرت الذنوبُ وأمّا عن هوى ليلى وتركي … زيارتها فإنّي لا أتوبُ والفاتح لهذا الباب عنترة العبسي في قوله من جملة قصيدة: ولقد ذكرتك والرماحُ نواهلٌ … مني وبيض الهندِ تقطرُ من دمي فوددتُ تقبيلَ السيوفِ لأنّها … برقتْ كبارقِ ثغرِكِ المبتسمِ انتهى [] (١٩) ولصاحب الترجمة أيضًا قوله: إذا اجتمعت في المرء سبعُ خصائلٍ … تدانت له الدُّنيا يقينا بلا شكِّ حياءٌ وعلم وانقيادٌ وعفةٌ … ولطفٌ وإحسانٌ ومعرفةُ التركي ثم قال المحبي: ولعبد الحق أشياء أخر غيرُ ما أثبته له، وفي الذي ذكر مقنع، وقرأت بخطه أنّ ولادته كانت في أول ساعة من نهار الخميس ثامن ذي الحجة سنة إحدى وتسعين وتسعمائة بتقديم التاء فيهما.

стр. 222

وتوفي ليلة الثلاثاء رابع عشر جمادى الأولى سنة سبعين وألف، وصُلي عليه بالجامع المظفري ودفن بروضة السفح. ونسبته إلى سلطان الأولياء إبراهيم ابن أدهم رضي عنه مستفيضة مشهورة، وقد وقفت على كتبات لعلماء دمشق على هذه النسبة كثيرة. والمرزناتي نسبة إلى أحد أجدادهم، وهو الشيخ محيي الدين المرزنات سمي بذلك لترزينه (٢٠) السباع وإطاعتها له، وأصله المرزبان وهو بالفارسية السلطان. انتهى كلام المحبي بحروفه. نعمان الدمشقي (٢١) نعمان بن أحمد الدمشقي، قاضي قضاة الحنابلة بمحكمة الباب بدمشق، كان من فضلاء الحنابلة ووجهائهم، تفقه على جماعة ولزم من أول عمره هو وأخوه الشيخ الفاضل عبد السلام أديب الزمان أحمد بن شاهين وتخرجا عليه وانتفعا به علمًا وجاهًا وولي القاضي نعمان صاحب الترجمة النيابات بوسيلته والتقرب إليه إلى أن استقر آخرًا بالباب، وكان أمثل القضاة في عصره، وجيهًا مهابًا نقي العرض عما يدنس، ملازمًا خويصة نفسه، ودرس بالمدرسة الحجازية وكان له بها خلوة يقيم بها أكثر أوقاته. وكانت وفاته في سنة إحدى وسبعين وألف بتقديم السين. انتهى من تاريخ الأمين المحبي.

стр. 223

تقي الدين عبد الباقي مفتي دمشق (٢٢) عبد الباقي بن عبد الباقي بن عبد القادر بن عبد الباقي بن إبراهيم بن عمر ابن محمد البعلي الأصل، الأزهري الطلب، الدمشقي المنشأ والوفاة، الإمام تقي الدين مفتي السادة الحنابلة بدمشق بعد الشهاب المفلحي شيخ الإسلام أوحد العلماء الأعلام بقية السلف عمدة الخلف العلامة المحدث الفقيه المقرئ صاحب الفنون وغيث الإفادة الهتون المبرز في جميع العلوم الذي يهتدى به في أراضي الفضائل كما يهتدى بالنجوم، جامع أشتات الكمالات وراقي من المجد الباذخ درجات، أشبع الدواوين تحريرًا، وأوسع محال الدروس تقريرًا، فهو خاتمة الأئمة وختام علماء الأمة وحيد دهره وفريد عصره وسيد شامه ومصره وإمام يقتدى به في الدين ويرجع إليه في مهمات المسائل فيبهر بجوابه عقول الأذكياء الكاملين، حاز فضلًا وأفضالًا ورقي رتبة تحقيق عزّت إدراكًا ومنالًا، بفكر ثاقب وذهن متوقد كتوقد الكواكب وعلم عزيز غزير وإتقان كبير كثير وقدم في المعارف راسخ وعلو عن معاقد النجوم شامخ، واشتهر هذا الهمام بابن البدر، ثم بابن فقيه فِصة وهي بفاء مكسورة وصاد مهملة قرية ببعلبك من جهة دمشق نحو فرسخ وكان أحد أجداده يتوجه إليها من بعلبك ويخطب فيها فلذلك اشتهر بها وأجداده كلهم حنابلة وقد ولد هو ببعلبك قال رحمه الله تعالى: ورأيت على هوامش بعض الكتب للجدّ الشيخ إبراهيم ملكه الفقير إبراهيم بن تيمية. ولم أدر غير ذلك ولم يعهد لنا جد إلا وهو حنبلي. وقال

стр. 224

رحمه الله تعالى في الثبت الذي جمعه وتعب عليه وسماه (رياض الجنة في آثار أهل السنة) وجدت بخط والدي رحمه الله تعالى على ظهر كتاب (الإقناع) وُلِدَ الولد المبارك عبد الباقي ابن كاتبه الفقير عبد الباقي بن عبد القادر بن فقيه فِصة الحنبلي ليلة السبت ثامن عشر ربيع الثاني من شهور سنة خمس وألف جعله الله من العلماء العاملين. وحفظت القرآن على والدي، تولى قراءتي بنفسه اعتناءً بي وعمري إذ ذاك عشر سنين، وتيتمت بعد ذلك وشرعت في الاشتغال بطلب العلم في سنة سبع عشرة، وألف؛ فأخذت الفقه عن القاضي محمود بن عبد الحميد حفيد الشيخ موسى الحجاوي صاحب (الإقناع)، وعن الشهاب أحمد الوفائي المفلحي، وأخذت طريق الصوفية عن ابن عمي الشيخ نور الدين خليفة الشيخ محمد العلمي ولقنني الذكر، وأجازني الشيخ محمد العلمي في القدس بالبداءة في الأوراد والأذكار والمحيا إذا كنت بين إخواني. ورحلت إلى مصر سنة تسع وعشرين وألف فأخذت الفقه عن الشيخ منصور البهوتي الحنبلي والشيخ مرعي والشيخ عبد القادر الدنوشري والشيخ يوسف الفتوحي سبط ابن النجار، وأخذت القراءات عن الشيخ عبد الرحمن اليمني والحديث عن الشيخ إبراهيم اللقاني والشيخ أحمد المقري المغربي المالكي، والفرائض عن الشيخ محمد الشمرلسي وعن الإمام زين العابدين بن أبي دري المالكي وعن كثير من مشايخ الجامع الأزهر من أجلّهم عبد الجواد الجنبلاطي، والعروض وغيره من العلوم عن الشيخ محمد الحموي، وقرأت شيئًا من المنطق والعربية على الشيخ محمد البابلي وحضرته كثيرًا ثم عدت إلى دمشق سنة اثنتين وثلاثين بإجازات الأشياخ بالفنون المزبورة وغيرها وبالإفتاء والتدريس فدرّست في جامع بني أمية زمن قدومي، وقرأت بعد ذلك في الشام على شيخ الإسلام الشيخ عمر القارئ في النحو والمعاني والحديث والأصول وأجازني وكتب لي إجازة وحججت حجة الإسلام سنة ست وثلاثين وألف فأخذت عن جماعة

стр. 225

من أهل مكة من أجلّهم مولانا الشيخ محمد علي بن علان الصديقي وأجازني والشيخ عبد الرحمن المرشدي، وأخذت من أهل الحرم المدني عن جماعة من أجلّهم الشيخ عبد الرحمن الخياري فقد أجازني ولله الحمد أهل مكة والمدينة ومصر ودمشق وبيت المقدس وأعلى أسانيدي في جميع مرويات الحافظ ابن حجر وفي جميع كتب الحديث عن الشيخ حجازي الواعظ عن ابن أركماس من أهل غيط العدة بمصر عن الحافظ العسقلاني. على أن هذا الفقير المترجم نفسه أوثقته الذنوب عن اللحاق بكل مصحوب، غره طول الأمل فانقطع عن كثير من العمل، يسوّف أوقاته بالمهلة ويتردد بين الفتور والغفلة مع ما يسره الله له من صحبة الرجال ومحبة أرباب المعارف والأحوال ولكن عقله عقل الأطفال في حركاته، وسمته سمت العوام في سكناته، ليله يذهب في المنام ونهاره يذهب فيما لا يجدي من الكلام، نسب إلى الزهاد مع تخلفه عن طريقهم ويحسب من العباد وهو بمعزل عن تحقيقهم، قد قصر عن إدراكهم مسير جواده مما حشاه من الأدواء في فؤاده، وكلما لام نفسه على التسويف أسرعت إليه وإذا استنهضتها إلى الاجتهاد أجمحت عليه، وإن أمت مؤمنا فيا فوزي وأرجو ذلك من فضل سيدي ومعبودي إنه جواد كريم غفور رحيم. فليس له عونٌ عليها يردُّها … إلى الخير إلّا اللهُ واللهُ يغفرُ فيا رب أيقظنا وإغفر ذنوبنا … فقد كثرت لكنّ عفوكَ أكثرُ أتيناك فاقبلنا دعوناك فاعطنا … على الخيرِ فاقبضنا فجودك أغزرُ انتهى كلامه في ثبته. وحضر دروس الحديث بالجامع الأموي تحت القبة عند الشمس الميداني، وبعد الشمس دروسَ الحافظ شيخ الإسلام النجم الغزي، ودروس التفسير عند

стр. 226

الشيخ عبد الرحمن العمادي المفتي، وأجاز له من مصر أيضًا غير من تقدم ذكرهم كالشيخ الإمام عامر الشبراوي ومفتي المالكية بمصر الإمام أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الوارث الصديقي المالكي والشيخ أبو الحسن بن عبد الرحمن بن محمد الخطيب الشربيني والشيخ الإمام محمد بن جلال الدين بن أبي الحسن الصديقي الشافعي المصري وجميع هؤلاء ومن ذكر قبلهم كتبوا له الإجازات وعنونوه فيها بالشيخ الإمام العلامة النحرير الفهامة إلى غير ذلك من الأوصاف اللائقة بذلك المحقق، وتصدّر للإقراء بالجامع الأموي في سنة إحدى وأربعين وألف بكرة النهار وبين العشائين، فقرأ الجامع الصغير في الحديث مرتين، وتفسير الجلالين مرتين، وقرأ صحيح البخاري بتمامه، وصحيح مسلم، والشفا، والمواهب، والترغيب والترهيب، والتذكرة للقرطبي، وشرح البرأة، والمنفرجة، والشمائل، والإحياء، جميع ذلك بطرفيه. ولازم ذلك ملازمة كلية بمحراب الحنابلة أولًا ثم بمحراب الشافعيّة ولم ينفصل عن ذلك شتاء ولا صيفًا ولا ليلة عيد، حتى ليلة وفاة زوجته أبقاها ميتة في الدار ليدفنها في غد ذلك اليوم وحتى ليلة عرس ولديه حضر تلك الليله. وكان فيه نفع عظيم. ودرّس بالمدرسة العادلية الصغرى (٢٣) وصار خطيبًا بجامع منجك (٢٤) الذي بمحلة مسجد الأقصاب خارج دمشق. وأخذ عنه خلق كثير أجلّهم الأستاذ الكبير واحد الدنيا في المعارف برهان الدين إبراهيم الكوراني نزيل المدينة المنورة والشيخ الأستاذ الأعظم والملاذ الأفخم العارف

стр. 227

بالله جدّنا العلامة الشيخ عبد الغني النابلسي، وهو أبوه من الرضاع والسيد العالم محمد بن عبد الرسول البرزنجي المدني وَوَلَدُ صاحب الترجمة المرحوم المحدث بدمشق الشيخ محمد أبو المواهب والشيخ مصطفى بن سوار شيخ المحيا بدمشق والشيخ محمد البطنيني والشيخ أحمد الداراني والشيخ عبد الحق الصفوري والشيخ رمضان بن موسى العطيفي وأخوه الشيخ حسن والشيخ عبد الحي العكري الصالحي. (٢٥). ذكر من لم تؤرخ وفاتهم من أهل هذه الطبقة حمزة الدومي (*) حمزة بن يوسف الدومي الشيخ الفاضل العالم العامل المقدام حين تزِلَّ الأقدام، الدمشقي، أخذ الفقه عن الشيخ عبد الباقي الحنبلي وطبقته، وأخذ عن عمنا المرحوم شيخ الإسلام الحافظ النجم الغزّي العامري، وحجّ في سنة تسع وخمسين وألف وكان في تلك السنة العلّامة النجم المذكور حاجًا، كان صاحب الترجمة صحبة شيخه الشيخ منصور السطوحي المحلي قال: بينما أنا عند الشيخ منصور بخلوة له بباب الزيادة وإذا بضجة عظيمة قال: فخرجت ونظرت وإذا بالنجم الغزي والناس حوله يقولون: أجزْنا فوقف عند باب الزيادة وقال لهم: أجزتكم بما يجوز لي روايته بشرطه عند أهله بشرط أن لا يلحقنا أحد حتى نطوف ثم مشى إلى المطاف فما وصل إليه إلا وخلفه ناس

стр. 228

أكثر من الأول فوقف وأجازهم كما تقدم وقال لهم بشرط أن لا يشغلنا أحد عن الطواف قال: فوقف الناس وطاف ولم يكن يطوف مع الشيخ إلا أناس قلائل كأنما أخلي له المطاف، فلما فرغ من الطواف طلبوا منه الإجازة أيضًا فأجازهم، ثم أرسل الشيخ منصور فدعاه للخلوة فذهب فلحقه الناس إلى باب الخلوة وطلبوا منه الإجازة فأجازهم، ودخل الخلوة ثم جاء الشيخ محمد البابلي ثم بعد هنيئة جاء الشريف زيد صاحب مكة، فلما استقر بهم المجلس تذاكروا أمر الساعة فأخذ البابلي في الكلام فأسكته الحافظ وقال له: اسكت رافعًا بها صوته، ثم جلس على ركبتيه وشرع يورد أحاديث الساعة بأسانيدها وعزوها لمخرجيها ويتكلم على معانيها حتى بهر العقول، ثم إن البابلي وكذلك الشيخ منصور والشريف زيد استجازوه فأجازهم، ثم قدّم الشيخ منصور سماطًا وأردفه الشريف زيد بأشياء من المآكل وقد عد هذا المجلس، وإيراده ما أورده من الكرامات له. انتهى ما نقله صاحب الترجمة رحمه الله تعالى؛ وكان المترجم فقيها هماما نبيلًا، وأوحد في الفضل إمامًا جليلًا، ولم يزل على هذه الطريقة الجميلة، والحالة الجليلة، إلى أن درج لمقام الإحسان، وترقى في غرف الفضل والعفو والامتنان. والدومي نسبة إلى قرية من قرى غوطة دمشق يقال لها دوما (٢٦) بضم الدال اختصت من دون سائر القرى بكون جميع أهلها حنابلة وربما قيل في النسبة إليها دوماني كما هو مشهور على الألسنة.

стр. 229

الطبقة الثامنة في من وقعت وفاتهم من سنة ست وسبعين وألف إلى ختام سنة مائة وألف من الهجرة الشريفة محمد العباسي قدّس سره (١) السيد محمد بن عمر العباسي الخلوتي الدمشقي الصالحي، الشيخ الصالح المربي المُسلّك المرشد العابد الناسك وحيد الدهر وواحد العصر ولي الله العارف بالله والدال عليه ومعتقد أهل الشام. ترجمه تلميذه الأمين المحبي في تاريخه فقال: ينسب إلى العباس عمّ النبي ﷺ من جهة والده، وإلى الشيخ أبي عمر بن قدامة الحنبلي من جهة والدته. كان شيخًا جليلًا من أكابر العارفين والأولياء المتمكنين أخذ الفقه عن الشهاب أحمد الوفائي المفلحي، من شيوخه البرهان إبراهيم بن الأحدب الصالحي وشيخ الإسلام الحافظ النجم الغزي العامري، وأخذ الطريق عن الأستاذ العارف بالله تعالى أحمد العسالي لازمه بقريته عسال (٢)، وتخرج به حتى صار خليفته من بعده، وكان يؤثر الخمول على الظهور إلى أن أراد الله تعالى ظهوره لمّا حبس الغيث عن دمشق سنة سبعين وألف واستسقى أهلها مراتٍ فلم يمطروا، وكان شيخنا رحمه الله تعالى لا يخرج معهم هضمًا لنفسه فأنطق الله بعض المجاذيب بأنكم إن أردتم الغيث

стр. 230

فاستسقوا بالعباسي، فأمره نائب الشام بالخروج إلى الاستسقاء بهم فخرج وهو في غاية الخجل وقال اللهم إن هؤلاء عبادك قد أحسنوا الظن بي فلا تفضحني بينهم، فأغيثوا من ساعتهم وما رجعوا إلى البلد إلا بمشقة من كثرة المطر واستمر المطر ثلاثة أيام فاشتهر عند ذلك ذكره ولم يمكنه أن يكتم أمره، وأكب عليه المريدون وسلك به من أهل الطريق الصالحون وانتفع به الجم الغفير الذي لا يمكن حصرهم، وأعطاهم الله تعالى حسن السمت والقبول ونور حالهم ببركته ودعائه. وقد وفقني الله للأخذ عنه والتبرك بدعواته وكان يتحفني بإمداداته الباطنية، ثم انقطح عن الناس وكان لا يقبل من الحكام هدية، ولا يتردد إليهم وكراماته كثيرة مشهورة منها: أنّ بعض المجاورين بمكّة المشرفة من أهل دمشق رآه يصلي الأوقات الخمسة بالمسجد الحرام في المقام الحنبلي وهو بالشام. وكانت وفاته سنة ست وسبعين وألف عن سنٍ عالية ودفن بمقبرة الفراديس وقبره معروف يزار انتهى كلام الأمين. جمال الدين يوسف الطور كرمي (٣) يوسف بن يحيى بن مرعي الطور كرمي النابلسي مفتي الحنابلة بنابلس الشيخ الفاضل الفقيه والعالم الهمام النبيل النبيه، رحل إلى مصر لطلب العلم في سنة أربع وأربعين وألف، وأخذ بها عن الشيخ منصور البهوتي

стр. 231

وعن عمه الشيخ أحمد وغيرهما وعاد في سنة تسع وأربعين وكان يفتي ببلاد نابلس وكان يميل إلى القول بعدم وقوع الطلاق في كلمة مُوافَقَةً للمجد ابن تيمية. وكانت وفاته نهار الاثنين عاشر صفر سنة ثمان وسبعين بتقديم السين بعد الألف وترجمه الأمين المحبي في تاريخه. شمس الدين محمد البلباني (٤) محمد بن بدر الدين بن عبد القادر بن محمد الشيخ العلامة المحقق الفهامة الورع الزاهد القدوة العالم العامل الحجة بقية السلف الصالحين خاتمة المسندين شيخ الإسلام أبو عبد الله شمس الدين البلباني البعلي ثم الدمشقي الصالحي الخزرجي، أحد الأئمة الزهاد وواحد العلماء الأفراد المتضلع من العلوم عقليها ونقليها. ولد بدمشق سنة ست بعد الألف ظنًا كما قاله وكان من كبار

стр. 232

أصحاب الشهاب أحمد بن أبي الوفا الوفائي المقدم ذكره في الحديث والفقه، ثم زاد عليه في معرفة فقه المذاهب زيادة على مذهبه، فكان يقرئ في المذاهب الأربعة، وسمع ببعلبك وبدمشق على الشهاب أحمد العيثاوي الكبير والشمس محمد الميداني وأفتى مدة عمره، وانتهت إليه رئاسة العلم بالصالحية بعد وفاة الشيخ علي القبردي، وأخذ صاحب الترجمة علم الفقه عن الشهاب أحمد بن علي الوفائي المقدم ذكره وعن أكمل القضاة وأولى الولاة القاضي محمود بن عبد الحميد الحميدي، وكان عالمًا عاملًا ورعًا زاهدًا معمرًا فقيهًا محدثًا عابدًا قطع أوقاته في العبادة والعلم والكتابة والدرس والطلب، حتى مكّن الله تعالى منزلته من القلوب وأحبه الخاص والعام، وكان ربانيًا متألهًا متواضعًا مخفوض الجناح حسن الخُلق والخَلْق والصحبة حلو العبارة كثير التحري في أمر الدين والدنيا منقطعًا إلى الله تعالى، وكان كثيرًا ما يورد كلام الحافظ أبي الحسن علي بن أحمد الزيدي نسبة لزيد بن علي بن الحسين لأنه من ذريته ويستحسنه، وهو قوله اجعلوا النوافل كالفرائض والمعاصي كالكفر والشهوات كالسم ومخالطة الناس كالنار والغذاء كالدواء، وقد عقد هذه المقالة جدي والد والدي الإمام العلامة أبو المعالم شمس الدين محمد بن عبد الرحمن الغزي العامري بقوله: اجعلِ النفلَ كالفروضِ وقُرْبَ النّـ … ـاس كالنَّارِ تنفِ هَمًّا وغمًّا واجعل الأكلَ كالدوا والمعاصي … مثلَ كفرٍ وشهوةَ النفسِ سُمًّا وكان صاحب الترجمة في أحواله مستقيمًا على أسلوب واحد منذ عرف؛ فكان يأتي من بيته إلى المدرسة العمرية في الصباح فيجلس فيها وأوقاته منقسمة إلى أقسام إمّا صلاة أو قراءة قرآن أو كتابة أو إقراء، وانتفع به خلق كثير وأخذ عنه جمع من أعيان العلماء، منهم الإمام المحقق محمد بن محمد بن سليمان المغربي والوزير الكبير مصطفى باشا ابن محمد باشا

стр. 233

الكوبري وابن عمه حسين الفاضل والشيخ الإمام أبو المواهب الحنبلي والشيخ عبد القادر بن عبد الهادي العمري الشافعي وأبو الفلاح عبد الحي العكري الصالحي والأمين المحبي والإمام المسند السيد سعدي بن السيد عبد الرحمن بن محمد بن حمزة الحسيني والشيخ إبراهيم بن عبد الرحمن الخياري المدني والقاضي بدر الدين محمد المناشيري. واتفق أهل عصره على تفضيله وتقديمه وله من التآليف النافعة (مختصرٌ في الفقه) في المذهب صغير الحجم كثير الفائدة ومختصر في التجويد مشهور بـ (الرسالة البلبانية) وغير ذلك من الفوائد والآثار، وله محاسن ولطائف مع العلماء، وولي خطابة الجامع المظفري المعروف بجامع الحنابلة بصالحية دمشق المحروسة، وكان الناس يقصدون الجامع المذكور للصلاة وللتبرك به، وبالجملة فقد كان بقية السلف وبركة الخلف. وكانت وفاته ليلة الخميس لتسع خلت من رجب الفرد من شهور سنة ثلاث وثمانين وألف وصلى عليه بالجامع المظفري ولده الفاضل الشيخ عبد الرحمن بجمع عظيم حافل بالناس، ودفن بسفح جبل قاسيون في الطرف الشرقي بالقرب من الروضة وكان له مشهد عظيم رحمه الله تعالى رحمة واسعة ورحمنا به آمين وأرخ وفاته المرحوم القاضي إبراهيم بن محمد الغزالي الصالحي بقوله: شيخنا الخزرجي ذو الشّرفِ … كان قطبًا في الشام غيَر خفي راح عنا وسار مرتقيا … لأعالي الجِنَانِ والغُرَفِ قلتُ لمّا قضى أؤرخه: … ماتَ قطبُ الشَّام واأسفي

стр. 234

الشهاب أحمد بن سالم العمري الخلوتي (٥) أحمد بن علي بن سالم الشيخ العارف شهاب الدين الدمشقي الخلوتي العمري المعروف بابن سالم خليفة الشيخ أيوب الخلوتي والشيخ أيوب، أخذ طريق الخلوتية عن الإمام العارف أحمد بن علي العسالي، ورأيت في إجازة صاحب الترجمة من الشيخ الكبير الصوفي صالح بن عبد القادر بن أحمد القادري الدمشقي خادم الضريح الرسلاني في الطريقة القادرية ما نصه ومنها نقلت: قال مولانا المجيز: إنه يشهد هو وأخوه فخر العلماء والمدرسين نخبة الأولياء المكرمين مولانا الشيخ تاج العارفين على مولانا الشيخ أيوب مرارًا أنّه كان يقول دائمًا: الشيخ أحمد بن سالم خليفتنا وأخونا في الطريق، وله سلوك وآداب وخدمة ليس لأحد بعدي ممن له الأخذ عنا أن يتكلم عليه، بل يكون الكل منقادين إليه لكن لمّا صحبنا لله في الله قصدنا تأكيد ذلك لعلمه بمحبتنا واعتقادنا على الشيخ أيوب رحمه الله تعالى سفرًا وحضرًا فإنّا صحبناه حين توجهنا صحبة والدنا إلى بيت المقدس سنة سبع وثلاثين وألف، وكذلك لما توجهنا في الصلح بين عباد الله وبين مرتضى باشا في سنة سبع وستين وألف حتى اتفق أنّ ليلة وصولنا إلى دمشق وقت المغرب عند الجسر الذي على نهر ثورا (٦)، نزلنا هناك لصلاة الغرب وكان حاضرًا المرحومُ الشيخ أيوب وأولادنا والعالم المولى خليل أفندي وإذا بجماعة يذكرون الله تعالى على طريقة القوم فسألنا من الجماعة فقالوا هذا الشيخ أحمد السالمي جاء هو والقوم إلى لقاء شيخه

стр. 235

مولانا الشيخ أيوب فأخذ الحال الشيخ ثم دعا للشيخ أحمد في ظهر الغيب وقال أشهدكم على أن الشيخ أحمد خليفتي وأخي في هذا الطريق وأراد به طريق الخلوتية وليس لأحد أن يتقدم عليه في ذلك في حياتي أو مماتي. انتهى ما نقلته بحروفه. وكان المترجم من عباد الله الصالحين له القدم الراسخ في العرفان والإتقان والإيقان، وكان قرأ الفقه والعربية وغيرهما وكان له مشاركة جيدة في سائر العلوم، وأخذ التصوف والطريق عن الشيخ أيّوب المذكور، وأخذ الطريقة القادرية والمحيوية عن الشيخ المرشد الكامل العارف علم الدين صالح بن عبد القادر بن أحمد القادري الصوفي خادم الضريح الرسلاني بدمشق قدس الله روحه -وهذا الأستاذ أحد أقارب الفقير كمال الدين- وكتب له بإجازة حافلة مطوّلة مشحونة بخطوط الأئمة العلماء الأعلام مؤرخة بثالث شعبان سنة سبع وسبعين وألف، وله تآليف نافعة في الطريق منها (منهل الوراد في الحث على قراءة الأوراد)، و (تحفة الملوك لمن أراد تجريد السلوك) وله (رسالة الحسب) قال الأمين المحبي في ترجمته: وقفت عليها ورأيته قد ذكر في آخرها مبدأ أمره وما انساق إليه حاله فجرّدت منها ما لزمني إثباته في ترجمته، وأعرضت عن غيره قال: كان لي في بدايتي أني كنت مغرمًا بحب الصوفية وتطلبت مرشدًا كاملًا فلم أجده حتى سافرت في طلبه إلى الحجاز والروم ومصر والجزائر والسواحل، فلما أعياني تطلّبه جئت وأقمت بالصالحية مدة، فحانت منّا زيارة لمقام إبراهيم ببرزة (٧) فاجتمعت بها بأستاذنا الشيخ أيوب فكاشفني على بعض ما عندي وأوقع الله تعالى في نفسي أنه هو المطلوب، ثم رأيت بعد ذلك في الرؤيا قائلًا يقول لي: قم أتى رسول الله ﷺ إليك

стр. 236

يريدك في هذا الوقت، فقمت مسرعًا كأنّي بالجامع المظفري فخرجت من الباب الغربي فرأيت رجلًا يقود فرسًا مسرجًا ألصقها بالصفة التي على الباب فقال: اركب فقلت من أنا حتى أذهب لحضرة النبي ﷺ راكبًا أنا أمشي على عيني، قال: هكذا أمرت فمسك الركاب لي فركبت وذهبت فكأني بالناس شقوا لي زقاقًا في الوسط، فسرت بينهم إلى أن وصلت إليه فتأخرت عنه قليلًا لئلا أحاذيه بفرسي وهو راكب، فجعلت رأس فرسي قريبًا من ركبته الشريفة، وتكلمنا كثيرًا ثم استيقظت وأنا مفكر في واقعتي، وإذا برسول الشيخ أيوب جاءني من السلطانية إلى الجامع المظفري فيقول لي الشيخ يطلبك فسرت فلما دخلت عليه ضحك وأنشدي ارتجالًا مواليا: والسالمي أحمد السالك طريق القوم … نسيج وحده ظريف الشكل غالي السوم رأى الذي بي من البلوى ورامِ اللوم … فعاد وهو سميري في المحبة دوم ثم التفت إلى الحاضرين من أهل الطريق وقال: إن طريقم يحمله هذا وهو صاحبه وأشار إليّ فتعجبت ولم يتقدم لي معهم تبعية ولا جمعية، ثم قال لي: اجلس فجلست فبايعني على طريقه، وقال: نذهب في هذا اليوم إلى مقام برزة فقلت مرحبًا فجيء بدابتين إحداهما له والأخرى لي وبقية الناس يمشون وكلمني ببعض ما رأيت آنفًا في واقعتي، ورأيت بعض من رأيت في الواقعة معه، فعرفت أنّه الوارث المحمدي فازدادت محبتي له واعتقادي فيه، ثم إننا جئنا فقال: مكاننا لا يصلح للطريق فاختر لنا مكانًا فجئنا للمدرسة الضيائية تجاه الجامع المظفري من الشرق وكان لنا بها مُدة لا تقوم لها مَدة. ثم رأيت كأن سبعة نفر شكل بريد السلطان جاؤوا إلى الضيائية وسألوا عني فقلت: وماذا تريدون منه فقالوا هو مطلوب الملك فقلت: أنا هو، وهل أليق لذلك فقالوا: نحن رسل لا ندري، فانزعجت واستيقظت

стр. 237

وقصيت على الشيخ واقعتي، فقال: بكرة النهار أفسرها لك، ثم إنا نزلنا إلى المدينة على طريق البساتين، فقال: كبر عمامتك -وكنت إذ ذاك أتعمم بعمامة صغيرة- فقلت: يكفي هذا يا سيدي، فقال لي: أنت مطلوب لإمامةِ مسجدِ القصب، والجماعة الذين رأيتهم البارحة محمد بن عدي وأصحابه المدفونون هناك، فتعجبت أيضًا لعدم استعدادي، فبعد مدة صرت إمامًا به باختيار جماعته، فأقمت أنا والشيخ به ثماني عشرة سنة، فرأيت كأني نائم على باب خان السلطان على المسجد الصغير هناك، وإذا بريد السلطان وقفوا علي وقالوا: هذا هو فقلت ما تريدون مني؟ قالوا: هذه أحكام السلطان لتكون نائب الشام، فقلت: أنا من فقراء البلد وضعفائهم لا أعرف سياسة، فزجروني وقالوا: تأدب، فنحن في الكلام وإذا بعجوز معها عرض حال فقالت: خذ عرض حالي فزجرتها وقلت اضربوها. فضربوها فذهبت عني فاستيقظت وقصيت ذلك على الشيخ فقال: سترى ذلك عيانًا، ولما مرضنا نحن والناس في مرضه الذي مات فيه ووصلنا إلى العدم، فرأيت في واقعتي كأنّ رجالًا داخلون إلى جهة بيتنا يحمل كل واحد منهم صينية فيها ياسمين ومبخرة وقمقم، فقلت ما هذا؟ قالوا عرسك على صافية بنت الشيخ أيوب. فقلت: لا أدري أنّ له بنتًا اسمها صافية فقالوا هذه البكر العذراء المخدرة، ثم دخلوا دارنا ووضعوا ما كان معهم وخرجوا وصافحوني كلهم يقولون لي مبارك، فاستيقظت وبكيت لعمي أن هذا موت الشيخ قدس الله سره وكانت ليلة عيد الأضحى، ففي وقت الضحى جاءني زمرة من الإخوان يبكون وقالوا: في هذا اليوم جلس الشيخ بين اثنين وقال: إخواني ليعلم الحاضر منكم الغائب أنّ خليفة الخلفاء بعدي الشيخ أحمد بن سالم، وما ذلك مني وإنما نزلت خلافته من السماء، بحضور رجال الطريق جميعًا والطريق لسان صدق وبعد أيام تعافى الشيخ قليلًا فقال: احملوني إلى جامع منجك على دابة فجاء

стр. 238

إلى الجامع وسأل كيف حال الشيخ أحمد؟ فقالوا: هو على حاله فقال احملوني لأعوده فحملوه يتهادى بين اثنين، فجلس عند رأسي ولم أقدر أن أجلس له فقال: قم لا بأس عليك، ثم قال: أرسلت أخبرك مع إخوانك بالخلافة، وقد جئت إليك بنفسي أنت خليفتي بعدي فعليك بالطريق، وإن أبيت أوقفك عليه بين يدي الله تعالى أتلفت عليك إحدى وعشرين سنة من أجل هذا، فبكيت وبكى وكان إخواننا جميعًا حاضرين، ثم قال لي: ما رأيت؟ فأردت أن أكتمه واقعتي فزجرني وقال: قل الصدق فقلت الواقعة المذكورة، فقال: إي والله هي صافية وهي البكر المخدرة التي لا تليق إلا بك وقد زوجتك إيّاها، جعلها الله مباركة، وقرأ لي الفاتحة وانصرف من عندي، فما مكثنا إلا قليلًا حتى مات هذا ما قاله في ترجمة نفسه، قلت: وبعد وفاة شيخه صار خليفة من بعده، وبايعه خلق كثير واشتهر أمره وعلا ذكره وبالجملة فإنه كان من خيار الناس. وكانت وفاته في سنة ست وثمانين وألف، ودفن بمقبرة الفراديس رحمه الله تعالى انتهى كلام الأمين. محمد الخلوتي (٨) محمد بن أحمد بن علي البهوتي الشهير بالخلوتي، المصري القاهري ابن أخت العلامة منصور البهوتي العالم العلم الإمام الفقيه النحرير إمام المنقول والمعقول، مخرّج الفروع على الأصول المفتي والمدرس بمصر القاهرة المحرر المحقق المدقق،

стр. 239

ولد بمصر ونشأ بها وأخذ الفقه عن العلامة عبد الرحمن البهوتي الحنبلي، تلميذ الشمس محمد الشامي صاحب السيرة، تلميذ الجلال السيوطي، ولازم خاله العلامة الورع الزاهد الفهامة الشيخ منصور البهوتي الحنبلي، شارح (المنتهى) و (الإقناع) ومحشيهما، وأخذ العلوم العقلية عن الشهاب الغنيمي، وعليه تخرج وانتفع، واختص بعده بالعلامة نور الدين علي الشبراملسي، ولازمه في دروسه في كثير من العلوم، فكان لا يفارقه في دروسه في العلوم النظرية، وكان يجري بينهما في الدروس من المحاورات والنكات الدقيقة مالا يعرفه أحد من الحاضرين إلا من كان من أكابر المحققين، وكان الشبراملسي يجله ويثني عليه ويعظمه ويحترمه ولا يخاطبه إلا بغاية التعظيم لما انطوى عليه من الفضل، ولكونه رفيقه في الطلب، ولم يزل ملازمًا له حتى مات. وكتب كثيرًا من التحريرات منها تحريراته على (الاقناع) وعلى (المنتهى)، جردت بعد موته من هوامش النسختين، فبلغت حاشية الإقناع اثني عشر كراسًا، وحاشية المنتهى أربعين كراسًا، وله (حاشية على شروح العقائد النسفية) للسعد، جردها من خط شيخه الشهاب أحمد الغنيمي ورتبها، وله شعر لطيف وسأورد لك منه ما هو أرق من النسيم وأصفى من ماء التسنيم فمنه قوله: سمحت بعد قولها لفؤادي … ذُبْ أسىً يا فؤاده وتفتت ونجا القلب من حبائلِ هجرٍ … نصبتها لسيْره ثم حُلّت وقوله أيضًا: كأنّ الدهر في خفض الأعالي … وفي رفع الأسافلةِ اللئامِ فقيه عنده الأخبارُ صحّت … بتفضيل السجودِ على القيامِ

стр. 240

وهذه المسألة وهي: هل إطالة السجود أفضل من إطالة القيام أو بالعكس مشهورة، والمرجح في المذهب أنّ إطالة السجود أفضل، ويقرب من هذين البيتين قول القائل: [] (٩) وأخذ عن صاحب الترجمة جماعةٌ من الفضلاء منهم الشيخ الإمام أبو المواهب محمد الحنبلي، وترجمه في مشيخته، ومنهم الشيخ إسماعيل والشيخ إبراهيم الحنبليان القاطنان بنواحي جنين (١٠)، والشيخ عيسى بن محمود الكناني الصالحي والشيخ تاج الدين بن أحمد الشهير بالدهان المكّي وغيرهم من أهل مصر والشام وغيرهما. وكانت وفاته بمصر بعد نصف ليلة الجمعة تاسع عشر ذي الحجة الحرام سنة ثمان وثمانين وألف رحمه الله تعالى، وترجمه الأمين المحبي. أبو الفلاح عبد الحي العكري (١١) عبد الحي بن أحمد بن محمد المعروف بابن العماد، أبو الفلاح العكري بضم العين المهملة الدمشقي الصالحي، الشيخ العالم الهمام المصنف الأديب المفنن الطرفة الأخباري العجيب الشأن في التجول في المذاكرة ومداخلة الأعيان والتمتع بالخزائن العلمية وتقييد الشوارد من كل فن، وكان من أدأب الناس وأعرفهم بالفنون المتكاثرة وأغزرهم إحاطة بالآثار وأجودهم مساجلة وأقدرهم على الكتابة والتحرير، وله من التصانيف (شرحه على غاية منتهى

стр. 241

الارادات) في الفقه للشيخ مرعي، حرره تحريرًا أنيقًا، وله التاريخ المشهور الذي سماه (شذرات الذهب في أخبار من ذهب) ابتدأ فيه من الهجرة إلى سنة ألف منها وذكر فيه ما وقع من الحوادث المشهورة وتراجم الأعيان من العلماء والملوك وغيرهم على سبيل الاختصار في جميع ذلك في مجلدين، وله غير ذلك من الرسائل والتحريرات، وخرج لنفسه ثبتًا لمشايخه ومروياته وسماه [] (١٢). ولد بدمشق في نهار الأربعاء ثامن رجب سنة اثنتين وثلاثين وألف وبها نشأ وقرأ القرآن العظيم وطلب العلوم مشمرًا عن ساق الاجتهاد؛ فأخذ عن أعلام الأشياخ بدمشق، من اجلهم بل أجلهم الأستاذ الكبير العارف الشيخ أيوب الخلوتي، وتلقى الفقه قراءة وأخذًا عن الشيخ تقي الدين عبد الباقي ابن عبد الباقي مفتي الحنابلة بدمشق، وعن الإمام شمس الدين محمد بن بدر الدين بن بلبان الصالحي المتقدم ذكرهما، وأجازوه، ثم رحل إلى القاهرة وأقام بها مدة طويلة للأخذ عن علمائها؛ فأخذ بها عن الشيخ الإمام سلطان المزاحي والنور علي الشبراملسي والإمام شمس الدين محمد البابلي والشهاب أحمد القليوبي الشافعيين وغيرهم، ثم رجع إلى دمشق وهو فاضلٌ ولزم الإفادة والتدريس، وانتفع به كثير من أبناء عصره، وكان لا يمل ولا يفتر من المذاكرة والإشغال، وكتب الكثير بخطه الحسن المضبوط، وكان خطط حسنا بيّن الضبط حلو الأسلوب والتناسب، قال تلميذه المحبي في تاريخه: وكان مع كثرة امتزاجه بالأدب وأربابه مائل الطبع إلى نظم الشعر إلا أنه لم يتفق له نظم شيء في ما علمته منه ثم أخبرني بعض الإخوان أنه ذكر له أنه رأى في المنام كأنه ينشد هذين البيتين قال وأظن أنهما له وهما:

стр. 242

كنت في لجة المعاصي غريقًا … لم تصلني يمدٌ تروم خلاصي أنقذتني يد العنايةِ منها … بعد ظني أنْ لات حين مناصِ ثم وقفت له على أبيات بناها على لغز في طريق وهي: ما اسم رباعيُّ الحروفِ تخالُهُ … لمناطِ أمرِ المنزلين سبيلا وتراه متضحًا جليًا ظاهرًا … ولطالما حاولت فيه دليلا وله صفات تباينٍ وتناقضٍ … فيرى قصيرًا تارة وطويلا ومقوّمًا ومعوّجًا ومسهلًا … ومصعِّدًا ومحزّنًا ومهولا (١٣) والخير والشر القبيح كلاهما … لا تلق عنه فيهما تحويلا سعدت به أهل التصوف إن به … امتازوا فلا يبغوا به تبديلا تصحيفه وصف لطيف إن به … حمّلت (١٤) أوصافًا تنال قبولا وإذا تصحفَ بعد حذفِ الرُّبع منه … تجده حرفًا فابغه تأويلا أو ظرفًا أو فعلًا لشخصٍ قد غدا … في وجهه بابُ الرجا مقفولا وبقلبه وزيادة في قلبه … لبيان قدر النقص صار كفيلا وبحذف ثالثه وقلب حروفه … كم راقت الحسنا به تجميلا فأبن معمّاه بقيت معظمًا … تزداد بين أولي الحجى تكميلا وذكر الأمين المحبي في تاريخه المذكور في ترجمة السيد محمد بن السيد كمال الدين بن محمد بن حمزة نقيب السادة الأشراف بدمشق (١٥) فقال: وكانت تصدر عنه مجالس تؤثر عنه ويُحدّثُ عن عظم وقعها في النفوس؛ فمن ذلك أنّه خرج

стр. 243

يومًا إلى منتزه يسفر عن محياه ويتفتق عن طيب ريّاه فقرئ بين يديه ما غنته نُعْم الجارية بين يدي المأمون وهو: ولقد أخذتم من فؤادي أنسه … لا شَلّ ربي كفَّ ذاك الآخذِ وزعمت أنّي ظالمٌ فهجرتني … ورميت في قلبي بسهم نافذِ ونعم (١٦) هجرتك فاغفري وتجاوزي … هذا مقامُ المستجيرِ العائذِ هذا مقام فتًى أضرّ به الهوى … قرح الجفونِ بحسن وجهكِ لائذِ قلت وقصة هذه الأبيات قد ذكرها ابن خلّكان (١٧) وقال: إنه استعادها المأمون الصوت ثلاث مرات وكان بحضرته اليزيدي فقال له: يا يزيدي أيكون شيء أحسن مما نحن فيه! قال: قلت: نعم يا أمير المؤمنين. فقال: وما هو؟ قلت: الشكر لمن خوّلك هذا الإنعام العظيم الجليل. فقال: أحسنت وصدقت، وأمر بمائة ألف درهم يتصدق بها، فكأني أنظر إلى البُدَر وقد أخرجت، والمال يفرق، انتهى. فلما قرئت أنشد السيد محمد أفندي النقيب مضمنًا المصراع: هذا مقام المستجير العائذ: نقل العذول بأنني أفشيت ما … أخفى الحفاظ من الغرام الواقذِ هبني افتريت (١٨) كما افترى فاغفره لي … هذا مقام المستجير العائذ وأنشد أيضًا قوله: نبذ الخليط مودتي حيث العدا … حولي يُروّعني بهجر النّابذِ فسألتُه الرجعى وقلت: دع القلا … هذا مقام المستجير العائذِ

стр. 244

ثم أشار لأولاده ومن في مجلسه من أحفاده بأن يضمن كلٌّ منهم هذا المصراع وينظم ما يناسبه على وجه الإتباع، وما قصده إلا سبرُ قرائحهم واختبار شائلهم وراجحهم فانتدب ولده الندب السيد عبد الرحمن فقال: نبذ العهودَ مُغاضبي فألَّم بي … في صورة الإشفاق طيف النابذِ فسألته أن لا يفوه بما جرى … فيحيله عني بقولٍ نافذِ فمضى ونمّ عليّ فيما قلته … فأتى يهدّدني بسيفٍ شاحذِ رُحماك قد صدق الخيالُ وإنّما … هذا مقام المستجير العائذِ ثم تلاه تِلوه السيد عبد الكريم فقال: هب قادني فيك الغرام فما الذي … ألجاك تعذيبي بهجرٍ واقذِ أضراعتي أم ما افترته عواذلي … عني إليكَ من الكلامِ النافذِ رُحماك بي لا ترعَ غير مودتي … وحفاظ ودي لا تكن بالنابذِ فلديك منكَ بكَ استعذتُ وإنّه … هذا مقامُ المستجير العائذِ وقال أيضًا: ريمٌ رنا نحوي بطرفٍ أدعجِ … فاستلَّ روحي من جميع مآخذي فطفقت أستعفي اللواحظَ قائلًا … هذا مقامُ المستجيرِ العائذِ ثم ثلث أخوهما الثالث السيد إبراهيم أفندي المحدّث: قد أوسعت عيناه قلبي أسهما … إن غض عني هذه أصمى بذي ما فَوّقت إلا وقلت لسهمها … هذا مقام المستجيرِ العائذِ ثم قال سيدنا الأستاذ العارف عبد الغني النابلسي قدس الله سره: لاحظت خالًا تحت صفحة خدّه … متواريًا خوفَ اللهيبِ النافذِ

стр. 245

فسألته ماذا المقامُ فقال لي: … هذا مقام المستجير العائذِ وقال ﵁ مضمنًا أيضًا: وقفت أماني القلب دون وصاله … خوفَ الجفا ولها خضوعُ اللآئذِ فسألتُ ما هذا المقام فقيل لي: … هذا مقام المستجير العائذِ ثم اتصل ذلك بالفاضل الشيخ عبد القادر بن عبد الهادي العمري فقال: وافى الحبيب بغير وعدٍ زائرًا … يرنو بطرفٍ بالمجامع آخذِ أربى بسكرِ هوىً وسكر مُدامة … حتى إذا سدت عليّ منافذي ناديته حسبي فديتك زائرًا: … هذا مقام المستجير العائذِ ثم قال الشيخ عبد الحي العكري صاحب الترجمة لنفسه مضمنًا: أنزلت آمالي بواد مخصبِ … وحمًى منيعٍ نعمَ كهفُ اللائَذِ فلذاك ناداني يقيني مُعلنًا … هذا مقام المستجير العائذِ وقال الشيخ زين الدين الدمشقي الشهير بالبصروي: وأغنَّ فتَّاكِ اللواحظِ أدعجٍ … يرمي بنبل في القلوب نوافذِ نادته أفلاذي وقد فتكت بها … هذا مقام المستجير العائذِ وقال الشيخ عبد الرحمن التاجي البعلي: ولقد وقفتُ على الطلولِ عشية التـ … توديع يومَ البينِ وقفةَ لائذِ فاستعبرت عيناي لما بان مَنْ … أوهى بفرقته جميعَ مآخذي لامَ العذول وقد رآني والهًا … فأجبته خفّض عليك منابذي لو راعك البين المشتُّ عذرتني … هذا مقام المستجير العائذ وقال الأديب إبراهيم جلبي ابن السفرجلاني:

стр. 246

يا آل بيت المصطفى شعري حلا … فيكم وطابت بالمديح لذائذي وافيتكم أبغي حماكم منشدًا … هذا مقام المستجير العائذ وقال الشيخ محمد بن عبد اللطيف الشهير بالذهبي: يا من إذا جاريته في مسلك … ألفيته قد سد طُرْق منافذي أهوِن بمضناك الذي حيّرته … هذا مقامُ المستجير العائذِ ثم بعد أيام طلب تضمينه من الأمير منجك المنجكي فقال: بسوى حماكم لا تراني مقلة … يا من لهم ودي المؤكد لائذي فإذا وقفت ببابكم متذللًا … هذا مقام المستجير العائذِ وقال الشيخ عبد الرحمن الموصلي: عاهدته ألا يميل وقد رأى … نبذ العهود فديته من نابذِ ردَّ الصباح لناظريَّ بهجره … ليلًا وسدّد بالصدود منافذي ناديته واليأس أمسى ضاحكًا … وأنامل الآمال تحت نواجذي رفقًا بقلب لا يميل لغيركم … هذا مقام المستجير العائذ انتهى ما ذكره الأمين. وقد خطر للفقير محمد كمال الدين الغزي مؤلف هذا الكتاب غِبّ كتابته لهذا المحل وهذه التضامين البديعة أن أحذو حذو هؤلاء الأفاضل في تضمين هذا المصراع البالغ في الإبداع فقلت: ومورّد الوجنات صدًّا قد رمى … لما رنا قلبي بسهمٍ نافذِ أولاني العثرات، فالعبراتُ من … عيني تسيح وما على طرف قذي وسطا على ذلّي بعزّ الحسن في … نبذ العهود وما أنا بالنابذِ

стр. 247

لما بدا سلطان عَزِّ جماله … أخذت محاسنه جميعَ مآخذي فأتيت أبغي للتواصل قائلًا: … هذا مقام المستجير العائذِ وقلت أيضًا مضنًا: بالله صل مضناك يا من شفني … منه جوًى أفنى جميع لذائذي فبعزة الحسنِ استعذت وإنه … هذا مقام المستجير العائذِ وقلت أيضًا كذلك: إن رمتَ كل النجح فالزم روضة … للمصطفى تحظى بعنبرها الشذي والجأ بركنٍ للمخاوف إنّه … هذا مقام المستجير العائذِ ثم وقفت على الأديب مصطفى الصَمادي الدمشقي بقوله: إن الفضائل حين أُخِّر أهلها … والجهل قدّم كلَّ وغدٍ نابذِ خافت ضياعًا فاستجارت بعدما … لاذت بركن الفضل كهف اللائذِ الصادق الأقوال والإسم الذي … تخذَ الكمال فكانَ أكمل آخذ حق إذا قرّت عيونًا أنشدت … هذا مقام المستجير العائذِ ومراده بذلك بعض أعيان العماء بدمشق، وهو الشيخ صادق بن محمد الخراط المضمن لذلك أيضًا بقوله: مذ وافت الرمضاءُ جئتُ لروضةٍ … وجلست في ظلّ الربا كالائذِ وطفقت أذكر عند ذلك قولهم … هذا مقام المستجير العائذِ وللأديب أبو الصفا محمد بن علي الجمالي الحلبي الحنفي كاتب أسئلة الفتاوى بحلب المتوفى سنة [] (١٩)

стр. 248

يارب قد وافيتُ بابك ضارعًا … أرجو رضاك وأنت أمن اللائذِ متوسلًا بمحمدٍ معْ آله … هذا مقام المستجير العائذِ وله أيضًا: أمعذبي من دعج نجلاويه قد … قرّطت أحشائي بسهم نافذِ فأتيتُ كعبة حسنك الزاهي بها … متشبثًا لما غدوتَ مُنابذي وقلبتني حتى خفيت من الجفا … وسددت بالهجر المبيد منافذي أرجو حنانًا منك يزلف نائبا … هذا مقام المستجير العائذ وأنشدني من لفظه لنفسه يوم الأربعاء ثامن عشر شوال سنة حمس ومائتين وألف الأديب سعيد بن أحمد المقدسي الصالحي بها قوله: يا سادة سادوا الأنام بقربهم … من جامع الكلم الشريف النافذِ قد جئتم أبغي نداكم قائلًا: … هذا مقام المستجير العائذ ثم قال المحبي في ترجمة صاحب الترجمة: وكنت في عنفوان عمري تلمذت له وأخذت عنه وكنت أرى لُقيته فائدة أكتسبها وجملة فخر لا أتعداها، فلزمته حتى قرأت عليه الصرف والحساب، وكان يتخفني بفوائد جليلة ويلقيها عليّ وحباني الدهر مدة بمجالسته فلم يزل يتردد إليّ تردد الآسي إلى المريض، حتى قدر الله تعالى الرحلة عن وطني إلى ديار الروم وطالت مدة غيبتي وأنا أشوق إليه من كل شيق، حتى ورد عليّ خبر موته وأنا بها فتجددت لوعتي أسفًا على ماضي عهوده وحزنا على فقد فضائله وآدابه، وكان قد حج فمات بمكة المشرفة. وكانت وفاته سادس عشر ذي الحجة الحرام سنة تسع وثمانين وألف بتقديم

стр. 249

التاء في تسع، ودفن بالمعلا (٢٠) وكان عمره ثماني وخمسين سنة؛ فإني قرأت بخط بعض الأصحاب أنّ ولادته كانت نهار الأربعاء ثامن رجب سنة اثنتين وثلاثين وألف انتهى. وأخذ عن صاحب الترجمة الشيخ الفاضل المشهور عثمان بن أحمد بن عثمان النجدي الحنبلي والهمام المؤرخ مصطفى بن فتح الله الحموي المكي والشيخ عبد القادر البصري. شهاب الدين الكرمي (٢١) أحمد بن يحيى بن يوسف بن أبي بكر بن أحمد بن أبي بكر بن يوسف بن أحمد، الشيخ الفاضل العالم النبيل الفقيه شهاب الدين أبو العباس الكرمي نسبة لطور كرم قرية من قرى نابلس ثم المقدسي. قال المحبي في ترجمته من تاريخه: كان من العلماء العاملين والأولياء الزاهدين، ولد ببيت المقدس في سنة الف من الهجرة وقرأ ألقرآن بطور كرم، وأخذ الطريق عن العارف بالله تعالى محمد العلمي، ورحل الى القاهرة في سنة ست وعشرين وألف وأخذ بها الفقه وغيره عن عمه الشيخ الإمام مرعي الحنبلي وعن العلامة منصور بن يونس البهوتي وعن الشيخ جمال الدين يوسف بن محمد بن أحمد الفتوحي، وأخذ النحو عن محمد الحموي، والفرائض والحساب عن الشيخ عبد المنعم الشربوني، والحديث عن الإمام برهان الدين إبراهيم اللقاني والإمام علي الأجهوري وكثيرين، وكان ملازمًا له بمكانه المعروف بالجامع الأزهر، مشتغلا

стр. 250

بالعلوم الدينية لا يتردد إلى أحد من أرباب الدول، قانعًا باليسير من الرزق متقيدًا بصلاة المجاعة في الصف الأول بالأزهر في الأوقات الخمسة، قليل الكلام حسن السيرة جامعًا لصفات الكمال ليس فيه شيء يشينه في آخرته ودنياه، حكى عنه ولده الشيخ عبد الله أنه رآى الحق [في النوم] (٢٢) ثلاث مرات أولها رأى الملائكة [وهم] ذاهبون به إلى النار فإذا بمناد من قبل الحق سبحانه: ليس من أهلها اذهبوا به إلى الجنة فقام فرآى نفسه في جامع الأزهر. وكانت وفاته ليلة رابع عشر صفر الخير سنة إحدى وتسعين وألف ودفن [٦٥ - أ] بتربة الطويل بالمجاورين بقرب تربة عمه الشيخ مرعي رحمه الله تعالى. عيسى الكنّاني (٢٣) عيسى بن محمود بن محمد بن محمد بن كنّان بتشديد النون، الصالحي الدمشقي الخلوتي، خليفة الأستاذ الهمام السيد محمد بن محمود العباسي روّح الله تعالى روحَه، كان من صلحاء الزمان وفضلائه ورعًا عابدًا زاهدًا في الدنيا قانعًا بما قدر الله له ساكنًا، عليه سما الصلاح. ولد بصالحية دمشق وبها نشأ، ولما بلغ سبع سنين من عمره حفظ القرآن العظيم، ثم لما بلغ العشر سافر مع والده إلى مصر وعاد إلى دمشق، ثم سافر إليها ثانيًا وحده وطلب العلم على مشايخ أجلاء، منهم الشيخ مرعي البهوتي الغزي والنور علي الشبراملسي والشيخ محمد بن أحمد الخلوتي والشمس البابلي والشهاب أحمد الشوبري والشيخ سلطان المزاحي وغيرهم، وكان مغرمًا بزيارة الأولياء والصالحين سيما الإمام
следующие страницы →