كله، عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله، عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم ... ))
أخرجه أحمد (٦/ ١٤٧) واللفظ له، وأخرجه ابن ماجة (٣٨٤٦) وابن حبان (٢٤١٣) والحاكم (١/ ٥٢١) وغيرهم دون قوله ﷺ : ((عليك بالجوامع الكوامل)) من طريق جبر بن حبيب عن أم كلثوم بنت أبي بكر عن عائشة ﵃ به.
وهذا سند صحيح.
جبر: ثقة.
وأم كلثوم بنت أبي بكر الصديق ﵃، روى عنها جابر ﵁، وهي زوجة طلحة بن عبيد الله، أحد العشرة المبشرين بالجنة فلا يلتفت إلى من جهلها، راجع ترجمتها في التهذيب وفي الطبقات لابن سعد.
ويفسر لنا معنى الجوامع:
ما رواه ابن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: سمعني أبي وأنا أقول:
"اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها، وبهجتها، وكذا وكذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها، وكذا وكذا، فقال لي:
стр. 107
يا بنيّ: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((سيكون قوم يعتدون في الدعاء)) فإياك أن تكون منهم، إنك إن أعطيت الجنة أعطيتها وما فيها من الخير، وإن أعذت من النار أعذت منها، وما فيها من الشر".
[أخرجه أبو داود (١٤٨٠) وغيره، وسنده حسن].
وبهذا يُعلم خطأ كثير من الأئمة، الذين يُفصلّون في دعائهم، ويشقّقون فيه، ويطيلون، وربما يصرخون ويحطحطون، فيُخشى أن تكون هذه الأفعال من الاعتداء في الدعاء، الذي يكون سبباً في تأخر الاستجابة، أو منعها، والله المستعان.
قال سبحانه: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥].
ثم إن في الإطالة والتشقيق مفاسد غير ما ذكرنا.
منها: إدخال الملل والمشقة على كثير من المأمومين، ولقد شكا كثير منهم ذلك.
ومنها: أن يسقط الداعي في ألفاظ وأدعية خاطئة، وهناك أمثلة كثيرة ليس هاهنا محل ذكرها.
قال النووي في المجموع (٣ - ٤٩٩):
стр. 108
"قال البغوي: يكره إطالة القنوت".
وإذا كان النبي ﷺ نهى عن إطالة الصلاة، وجعل ذلك فتنة، كما في حديث معاذ المشهور حين أطال الصلاة قال له:
((أتريد أن تكون فتاناً يا معاذ، إذا أممت الناس فاقرأ بـ ﴿الشمس وضحاها﴾ و ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف، وذو الحاجة)) (١).
فإذا كان هذا في قراءة القرآن، فماذا يكون في الدعاء؟ !
وأما آداب الدعاء ومحظوراته فتراجع في مظانها (٢).
стр. 109
مسألة رقم (٧):
حكم الدعاء للمعين أو عليه في القنوت
وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾
يشرع في القنوت تعيين المدعو له أو عليه، ما لم يترتب على ذلك مفسدة، فقد دعا رسول الله ﷺ في قنوته على أعيان من قريش وأعيان من المنافقين، وعلى قبائل، سماهم جميعا بأسمائهم.
وفي ذلك أحاديث:
الأول: عن ابن عمر ﵃: "أنه سمع رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر يقول: ((اللهم العن فلاناً وفلاناً)) بعدما يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾.
[رواه البخاري (٨ - ٢٢٦ فتح)].
стр. 110
وجاء أسماء المبُهَمين في رواية أخرى أخرجها البخاري مرسلة (٥/ ٣٥) ووصلها أحمد (٢/ ٩٣) والترمذي (٣٠٠٤) من طريق عمر بن حمزة عن سالم عن أبيه:
"كان رسول الله ﷺ يدعو على صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام ... فنزلت آية: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ وزاد: "فتيب عليهم كلهم! ".
وفي رواية لأحمد (٦٣٤٩) والنسائي (١٠٧٨) زيادة: ((اللهم العن فلاناً)) دعا على أناس من المنافقين، فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾.
غير أن بعض أهل العلم، ذهب إلى أن هذا اللعن المعين منسوخ بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ وإليك بحث المسألة.
стр. 111
مسألة رقم (٨):
سبب نزول قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ومعناها .
ذكر ابن الجوزي في تفسيره في سبب نزول قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ خمسة أقوال:
الأول: حين دعا النبي ﷺ على الكافرين عقب أحد.
الثاني: لما لعن رسول الله ﷺ قوماً من المنافقين.
الثالث: عندما همّ النبي ﷺ بسبّ الذين انهزموا يوم أحد.
الرابع: بعدما دعا النبي ﷺ على قتلة السبعين قارئاً في بئر معونة.
الخامس: لما رأى النبي ﷺ حمزة ممثلاً به فقال: ((لأمثلنّ بكذا وكذا منهم ... )).
قلت: وثمة سبب سادس ذكره أهل العلم: أنها نزلت لما دعا النبي ﷺ على نفر من قريش بأسمائهم، وقد سبق الحديث قبل قليل.
стр. 112
ولم يصح من هذه الأسباب إلا الأول والسادس: أي حين دعا على الكفار عقب أحد، وحين دعا على أعيان من قريش بأسمائهم، وما عداهما فإما روايات ضعيفة، وإما مجرد أقاويل.
وقد صح في السببين المذكورين أحاديث كثيرة منها:
فعن أنس ﵁:
"أن النبي ﷺ كسرت رباعيته يوم أحد، وشج وجهه، حتى سال الدم على وجهه ﷺ وقال ﷺ : ((كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم، وهو يدعوهم إلى ربهم)).
فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾
[أخرجه أحمد (٣/ ٩٩) ومسلم (١٧٩١) والترمذي (٣٠٠٢) وغيرهم].
السبب الثاني: ما ذكره ابن عمر في حديثه المذكور في أول الباب.
ومن هاتين الروايتين يتبين أن الآية نزلت في الأمرين جميعاً.
في قوله ﷺ : ((لن يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم)).
وفي لعنه ﷺ في قنوته أعياناً من قريش.
لأن اللعن إنما حصل عقب أحد، فكأنهما حادثة واحدة.
وكذا قال الحافظ في الفتح (٨ - ٢٢٧) وغيره.
стр. 113
وقد صحّ في السبعين المذكورين أحاديث كثيرة.
وبناء عليه: فإن للعلماء في معنى الآية، وما يستفاد منها مذاهب: منها ما هو باطل، ومنها ما هو صحيح، ومنها ما هو دون ذلك.
أما المذهب الباطل:
فهو زعم بعضهم: أن هذه الآية ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ منعت النبي ﷺ من القنوت فصار منسوخاً، وهذا زعم مردود بما ذكرنا من الأحاديث التي تثبت قنوته ﷺ بعد نزولها، وبفعل الصحابة ﵃ من استمرارهم في القنوت بعد نزول هذه الآية سبق الرد عليهم، مما يغني عن إعادة ذكره.
ومن أهمّها: دعاؤه على قتلة القراء في بئر معونة، وكانت بعد أحد، فلا وجه -إذن- لادّعاء النسخ، وقد تأخر المنسوخ عن الناسخ.
стр. 114
قال القرطبي (٤ - ٢٠٠):
"زعم بعض الكوفيين: أن هذه الآية ناسخة للقنوت، وليس هذا موضع نسخ" وكذا قال ابن حبان، والنووي، وابن القيم، وقد مضى بعض كلامهم، وسيأتي كلام الآخرين.
المذهب المرجوح:
وهو: أن الآية نهت عن لعن المعين، وهو مذهب معتبر، لولا أنه ثبت عن النبي ﷺ أنه لعن قتلة القراء، بتعيين قبائلهم: ((اللهم العن رعلا وذكوان وعصية)) ولعن أعياناً من قريش كما مر سابقاً، وهذا اللعن كان بعد نزول الآية، فبطل ادّعاؤهم، لكن! هل يقال: إنه نهي عن تعيين الناس بأسمائهم، لا عن لعن جملة منهم؟ وفي هذا بعدٌ للمتأمل؛ لأنه لعن أعياناً كذلك.
المذهب الصحيح:
وهو أن الآية إنما أشارت إلى معنى دقيق، وهو: أن ليس لك يا محمد ﷺ أمر في هدايتهم وإضلالهم، وأن لعنك لن يقدم
стр. 115
ضلالاً، ولن يبعد هدايةً، وأن الأمر كله بيد الله وحده، يضلّ من يشاء، ويهدي من يشاء.
قال القرطبي (٤ - ١٩٩):
"قال علماؤنا: قوله ﵇: ((كيف يفلح قوم شجوا رأس نبيهم)) استبعاد لتوفيق من فعل ذلك به: وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ تقريب لما استبعده، وإطماع في إسلامهم، ولما أطمع في ذلك قال ﷺ : ((اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)) (١).
قلت: ولا يستبعد أن يكون في الآية إشارة إلى أن على المسلم أن يتجنب الدعاء على معين، وألا يستبعد هداية الله لأحد مهما فعل، ومهما كفر، فقد تاب الله على هؤلاء المذكورين، وهداهم للإسلام.
فقد روى الترمذي (رقم ٣٠٠٥) بسند على شرط مسلم، عن ابن عمر ﵁: "كان رسول الله ﷺ يدعو على أربعة فنزلت، قال: وهداهم الله للإسلام)).
стр. 116
قال ابن حبان ﵀ في صحيحه عند حديث رقم (١٩٨٨) (٥/ ٣٢٧) من الإحسان:
"هذا الخبر قد يوهم من لم يمعن النظر في متون الأخبار، ولا يفقه في صحيح الآثار، أن القنوت في الصلوات منسوخ، وليس كذلك؛ لأن خبر ابن عمر الذي ذكرناه أن المصطفى ﷺ كان يلعن فلاناً وفلاناً، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ فيه البيان الواضح لمن وفقه الله للسداد، وهداه لسلوك الصواب، أن اللعن على الكفار والمنافقين في الصلاة غير منسوخ، ولا الدعاء للمسلمين، والدليل على صحة هذا، قوله: ﷺ في خبر أبي هريرة: ((أما تراهم وقد قدموا؟ )) تُبَيِّنُ لك هذه اللفظة، أنهم لولا أنهم قدموا، ونجاهم الله من أيدي الكفار؛ لأثبت القنوت ﷺ وداوم عليه، على أن في قول الله : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]. ليس فيه البيان بأن اللعن على الكفار أيضا منسوخ، وإنما هذه الآية فيها الإعلام بأن القنوت على الكفار، ليس ما يغنيهم عما قضي عليهم أو يعذبهم، يريد: بالإسلام
стр. 117
يتوب عليهم، أو بدوامهم على الشرك يعذبهم، لا أن القنوت منسوخ بالآية التي ذكرناها".
قلت: وهذا هو الراجح، فإن المتأمل لهذه الآية: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ لا يجد فيها نهياً صريحاً، وإنما يجد أدباً رفيعاً، ومنهجاً قويماً، في معالجة قضية النصر والهزيمة، فإن الآية نزلت في سياق أُحد، وما حصل في أحد، فتأثر المسلمون لما حصل تأثراً بليغاً، وراح رسول الله ﷺ يلعن بعض الكافرين ويقول: ((كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم)) وكأنه ﷺ قطع طريق الهداية على أولئك النفر الذين فعلوا ما فعلوا، وخشية أن يعتقد المسلمون أن السبب الأول والرئيس للهزيمة، هو: هؤلاء الملعونون، وليس مخالفة الرسول ﷺ والتنازع؛ أنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾.
ثم ذكر الله بعد ذلك الأسباب الحقيقة الكامنة وراء الهزيمة.
فقال سبحانه:
﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا
стр. 118
تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]
فهذه هي الأسباب الحقيقية وراء هزيمتكم، فلا ينفعكم لعن فلان لجلب نصرٍ، ولا استبعاد الهداية عن فلان لدفع هزيمة.
ثم إن في دندنة المسلم بلعن الكافرين صرف عن المقصود الأول، وعن الحكمة البالغة من الهزيمة، وهي تربية النفس، وإعادة البناء، والتنبه إلى وحدة الصف، وأهمية ذلك في النصر.
قال القرطبي (٤ - ٢٠٠):
"زعم بعض الكوفيين أن هذه الآية ناسخة للقنوت، وليس هذا موضع نسخ، وإنما نبّه الله تعالى نبيّه ﷺ على أن الأمر كلّه لله، يتوب على من يشاء، ويعجل العقوبة لمن يشاء".
قلت: ومما يدل على هذا المعنى الدقيق العظيم في الآية، ما أتبعها الله بقوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٢٩] وفي هذه الآية تعقيب ظاهر على قوله سبحانه:
стр. 119
﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ أي أن ملكية السماوات والأرض وما فيها من المخلوقات، والبشر، وغيرهما، هي لله، وأن أفعال الله من غفران وتعذيب وغيرها، هي النافذة بحكمة وعدل.
ومهما يكن من أمر، فإن لعن الكفار، وتحميلهم نتائج الهزيمة وحدهم دون أنفسنا، لا ينفعان في تربية، ولا يعينان في إعداد، ولا يغنيان في شيء، فضلاً عن ما في ذلك من مخالفة لهدي النبي ﷺ .
وهذه قضية منهجية، جديرة بالتأمل والإنصاف من قبل بعض الجماعات الإسلامية، التي أشغلها لعن الكفار وأعمالهم، عن تربية أنفسهم وإعدادها.
ومن نافلة القول أن نقول: إن كيد أعداء الله لا يرد باللعن والسب، وحكاية ما هم عليه من الكيد والمكر، وما يفعلون بالمؤمنين، مما يوهن عزائمهم، ويثبط هممهم، وإنما يكون باتباع منهج القرآن وسنة رسول الرحمن ﷺ اللذين يعتمدان في بناء الفرد على الإيمان والتزكية، والعلم والتربية، مع الإشارة إلى الكفار وأعمالهم، والتحذير والحذر منهم بالجملة، على القاعدة
стр. 120
المنهجية:
"يفصل في أحوال المسلمين، ويجمل في أحوال الكافرين".
ثم إن في الآية معنى تربوياً آخر، وهو: أنه يخشى من لعن الكفار في مثل هذه المناسبة، أن يظن ضعاف الإيمان، والذين في قلوبهم مرض، أن الكفار إنما غلبوا المؤمنين بقوتهم وشدتهم لا بتقصير المسلمين أنفسهم، الأمر الذي يُضْعِف الإيمان بالله، وبأن النصر بيده سبحانه، ويصرف المؤمنين عن تربية أنفسهم، وسد ثغراتهم، فنزلت الآية: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ أي: أن الأمر بيده، والنصر بيده، والهزيمة بيده، والهداية بيده، والإضلال بيده.
وكذلك نُبّه الناسُ جميعاً، وضعافُ النفوس والإيمان بخاصّة، إلى هذا الأمر المهم بقوله سبحانه:
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ [الأنفال: ٥٩] أي: حذار أن يخطر ببالك، أن الكفار غلبوا عجزاً من الله.
قال ابن كثير ﵀ في تفسيره لهذه الآية: ﴿ولا تحسبن﴾ يا محمد ﷺ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا﴾ أي: فاتونا، فلا
стр. 121
نقدر عليهم، بل هم تحت قهر قدرتنا، وفي قبضة مشيئتنا، فلا يعجزوننا".
وهذا على قراءة ﴿ولا تحسبن﴾.
وعلى قراءة: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ﴾ أي: لا يخطر ببال الكفار أنفسهم، ولا يظنّوا -ولو مجرّد ظن- أنهم يغلبون المؤمنين قهراً لنا، وفواتاً منا، وعجزاً، كلاّ! بل هم تحت قدرتنا، وهزيمتهم سهلة علينا، ولكن لله حِكَم بالغة، ومقاصد سامية، لا يدركها كثير من الناس، إلا المؤمنين الموقنين.
وفي كل قراءة، معنى لطيف عند التأمل، وللمسألة تفصيل منهجي، ذكرناه في كتاب المنهاج يسر الله إنجازه.
стр. 122
تنبيه علمي:
روى البخاري (٨ - ٢٢٦ فتح) من طريق ابن شهاب عن سعيد عن أبي هريرة ﵁: "أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت، إلى قوله: وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر: ((اللهم العن فلاناً وفلاناً)) لأحياء من العرب، حتى أنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾.
وهذا مشكل؛ لأن أحياء العرب هؤلاء الذين دعا عليهم رسول الله، هم الذين قتلوا القراء في بئر معونة، وهي بعد أحد، والآية كما في الصحيحين نزلت في أحد، فكيف يجاب عن هذا؟
قال الحافظ (٨ - ٢٢٧): "قوله: ((اللهم العن فلاناً وفلاناً)) لأحياء من العرب" ووقع تسميتهم في رواية يونس عن الزهري عند مسلم بلفظ: ((اللهم العن رعلاً وذكوان وعصية)) وقصة رعل وذكوان، كانت بعد أحد، ونزول: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ كان في قصة أحد، فكيف يتأخر السبب عن النزول؟ ثم ظهر لي علة الخبر، وأن فيه إدراجاً، أن قوله: "حتى أنزل الله" منقطع من رواية الزهري عمن بلغه، بيّن
стр. 123
ذلك مسلم في رواية يونس المذكورة، فقال هنا: -قال يعني: الزهري- ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما نزلت" وهذا البلاغ لا يصح لما ذكرته، والله أعلم".
стр. 124
خلاصة هذه المسألة:
أن قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ليست ناسخة للقنوت، بدليل أن النبي ﷺ قنت بعد نزولها، ولكنها تنبه إلى أن أمر هدايتهم وإضلالهم، ليس بيد النبي ﷺ ، سواءً دعا أم لم يدعو، وإنما الأمر بيد الله، يفعل ما يشاء.
وليس فيها نهي صريح عن لعن المعين، فيبقى الأمر على الأصل، وهو الجواز، والله أعلم.
стр. 125
مسألة رقم (٩):
ممن القنوت ولمن ؟
القنوت من المسلمين كافة، وللمسلمين كافة، دون تخصيص ولا تقييد ولا انتظار.
لما كان المسلمون أمة واحدة، لا يفرقهم عرق، ولا تفصل بينهم حدود، ولا يشتتهم نسب.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥٢].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠].
كان لزاماً على المسلمين جميعاً، أن يشعر بعضهم بشعور بعض، وأن يواسي بعضهم بعضاً، وأن يدعو بعضهم لبعض، وأن يقنت بعضهم لبعض، دون تخصيص ذلك بطائفة دون طائفة، أو بقوم دون قوم, ولا يقيد بحدّ مخترع، أو برسم مصطنع، أو انتظار أحد.
стр. 126
قال ﷺ : ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً)) (١).
وقال ﷺ : ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)) (٢).
وقال ﷺ : ((المؤمنون كرجل واحد، إذا اشتكى رأسه اشتكى كله، وإن اشتكى عينه، اشتكى كله)) (٣).
ولفظ ((المؤمنين)) عام يشمل المؤمنين كافة، ويستغرق المسلمين جميعاً، سنيّهم ومبتدعهم، برّهم وفاجرهم، دون تفريق، أو تخصيص لم يرد به الشرع، ولا نعلم في دين الله تخصيصاً في مسألة القنوت.
وعلى مبدأ ((انصر أخاك ظالما أو مظلوما)) (٤).
стр. 127
ودعاء المسلمين بعضهم لبعضهم أقل ما يمكن للمسلم فعله لأداء حق الأخوة، وتحقيق مبدأ الولاء، ولإسقاط واجب العون، وهو أضعف النصرة.
هكذا مضت سنة رسول الله ﷺ وعمل سلف هذه الأمة، يقنت بعضهم لبعض، دون تخصيص ذلك ببلد دون بلد، ولا بشعب دون شعب، ولا بمن هم داخل الحدود المحدثة دون خارجها، فأمّة الإسلام لا تعرف هذا البتة، ولذلك كان قنوت الرسول ﷺ للمسلمين أينما كانوا، وعلى الكافرين أينما حلّوا، فقد قنت رسول الله ﷺ للقرّاء، وقد قتلوا خارج حدود بلده المدينة، وقنت يدعو على كفار قريش، وهم دولة أخرى، وقنت يستنصر للمسلمين المستضعفين بمكة، وهم خارج دولته.
وإذا كان من سنة القنوت الدعاء للمسلمين المستضعفين، والدعاء على الكافرين المحاربين، فالكافرون المحاربون، والمسلمون المستضعفون، يكونون دائماً خارج سيطرة الدولة المسلمة حقاً.
وعدم الأخذ بهذا العموم فيه تعطيل لشعيرة من شعائر الإسلام العظيمة، وإبطال لسنة القنوت النبوية.
стр. 128
تتابع الصحابة على القنوت دون تقييد:
القنوت سنة ماضية، وعبادة مطلقة، ولذلك تتابع الصحابة من بعده ﷺ ، والسلف من بعدهم على ذلك، دون تخصيص، ودون تقييد وانتظار، ومن ذلك على سبيل الذكر لا الحصر.
١ - أثر أبي هريرة ﵁ -:
وفيه قوله: "لأقربن صلاة النبي ﷺ فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الأخيرة من صلاة الظهر وصلاة العشاء، وصلاة الصبح، فيدعو للمؤمنين، ويلعن الكافرين" (١).
قوله: يدعو للمؤمنين: كل المؤمنين، ويلعن الكافرين: كل الكافرين.
٢ - أثر أنس ﵁ -:
وفيه: "أنه كان يقنت في الفجر بعد الركوع".
[أخرجه ابن المنذر في الأوسط: (ث ٢٧١٨)].
стр. 129
٣ - أثر ابن عباس ﵁ -:
وفيه أنه: "صلّى الغداة في إمارته في البصرة، فقنت قبل الركوع".
[أخرجه عبدالرزاق (٤٩٧٣) وابن أبي شيبة بنحوه (٧٠٠٤)، (٧٠١٢ - ٧٠١٣)].
٤ - أثر أبي موسى الأشعري ﵁ -:
وفيه: "كان يقنت في صلاة الفجر قبل الركوع".
[أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٥ - ٢٠٨) وابن أبي شيبة (٧٠٠١ - ٧٠١٥)].
٥ - أثر البراء بن عازب ﵁ -:
فيه أنه: "كان يقنت في الفجر والمغرب".
[أخرجه عبدالرزاق (٤٩٧٥) وابن أبي شيبة (٧٠٠٩، ٧٠٣٤) وابن المنذر (ث ٢٧١٦) بلفظ: "كان يقنت قبل الركعة"].
٦ - أثر معاوية ﵁ -:
وفيه: "أنه كان يقنت في صفين وما بعدها" [رواه عبد الرزاق (٤٩٠٣) والطبري في تاريخه (٣/ ١١٣)].
стр. 130
ومن شاء الاستزادة فليراجع الموسوعات، كمصنف عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، والأوسط لابن المنذر، وثمة آثار كثيرة جداً عن السلف أعرضت عنها؛ خشية الإطالة، ويكفي المنصف ما ذكرنا من الآثار، ولو لم يفهم هؤلاء الصحابة، والسلف من بعدهم، العموم في القنوت، والشمول في الدعاء لما فعلوه، ولا نعلم لهم مخالفاً في عصرهم، ومن خالفهم من بعد فلا اعتبار لمخالفته، كائناً من كان، بل المخالف هو المخطئ.
وإن لم يكن ما ورد عن السلف هو الإجماع، فما هو الإجماع إذن؟ !
والخلاصة: أن القنوت سنة ماضية، وعبادة مشروعة، من المسلمين جميعاً إلى المسلمين جميعاً، لا يؤخرها انتظار، ولا يقيدها حد، ولا تُخص بقوم دون قوم.
стр. 131
مسألة رقم (١٠):
قنوت الوتر
مشروعية الدعاء في صلاة الوتر:
شرع الإسلام دعاءً خاصاً في صلاة الوتر يسمى دعاء الوتر، أو قنوت الوتر.
ونصه:
((اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت [ولا يعز من عاديت] تباركت ربنا وتعاليت)).
فعن الحسن بن علي ﵁ قال: علّمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في قنوت الوتر: ((اللهم اهدنا فيمن هديت ... )) الحديث.
أخرجه أحمد (١ - ١١٩) وأبو داود (١٤٢٥) والنسائي (١ - ٢٥٢) والترمذي (٢ - ٣٢٨) وابن ماجه (١١٧٨) والبيهقي (٢ - ٢٠٩) والدارمي (١ - ٣٧٣) والحاكم (٣ -
стр. 132
١٧٣) وابن نصر (١٣٤) وغيرهم كثير، والزيادة الأولى: لأحمد، وابن نصر، والزيادة الثانية للبيهقي، وفي بعض رواياته بالإفراد ((اهدني فيمن هديت ... )).
وقد أخرجه كلهم من طريق يونس بن أبي إسحاق، عن بريد بن مريم، عن ابن الحوراء، عن الحسن بن علي به.
قلت: وهذا سند صحيح.
يونس، وبُريد، وأبو الحوراء، وثقهم غير واحد من الأئمة: وللحديث طرق ومتابعات عند البيهقي (٢/ ٢١٠) والطبراني (٣/ ٢٧٠١) وابن أبي عاصم في السنة (١٦٥١) من طريق عائشة عن الحسن بن علي ﵃ به.
تنبيهان:
التنبيه الأول: وقع تصحيف في اسم [بُريد] و [أبي الحوراء] فكُتب [يزيد] و [أبا الجوزاء].
وذلك في مسند أحمد (١ - ١٩٩ - ٢٠٠) والدارمي (٣٧٣) والحاكم (٣ - ١٧٢) وغير ذلك من المواضع، لأن بُريداً لم يرو
стр. 133
عن أبي الجوزاء، ولم يكن من شيوخه، وكذلك أبو إسحاق لم يكن من شيوخه يزيد، ولم يرو عنه.
التنبيه الثاني: عزا النووي، وابن القيم زيادة: ((ولا يعزّ من عاديت)) للنسائي، ولم أجدها عنده، وعزاها أحمد شاكر في تعليقه على المحلى (٤ - ١٤٧) لبعض نسخ أبي داود.
واعلم أنه لم يصح عن النبي ﷺ في قنوت الوتر سوى هذا الدعاء بلفظه، وما زاد عنه من ألفاظ فهي زيادات إما ضعيفة، أو لا أصل لها، كزيادة الصلاة على النبي، أو "ولك الحمد على ما قضيت" إلى آخره، وكذلك ما عداه من الأدعية، إما: هو دعاء ما قبل السلام، أو بعده، أو دعاء قنوت النازلة، فاختلط على بعضهم فظنه قنوت الوتر.
والواجب على من قرأه أن يلتزم بنصه.
قال النووي ﵀ (٣ - ٤٩٥ المجموع):
"فإن ألفاظ الأذكار يحافظ عليها على الثابت عن النبي ﷺ ".
قلت: ويمكن أن يستدل على هذا:
بحديث دعاء النوم الذي علمه ﷺ البراء بن عازب، فقال النبي ﷺ : ((ونبيك الذي أرسلت)) فلما أعاد الصحابي قال:
стр. 134
((ورسولك الذي أرسلت)) فضرب رسول الله ﷺ صدره، وقال: ((لا، ونبيك الذي أرسلت)) أخرجاه.
كما يمكن الاستدال على وجوب الالتزام بنص الدعاء، لمن أراد أن يدعو به، بحديث الاستخارة، "كان يعلمنا الاستخارة كما يعلمنا السورة من القرآن ... ". الحديث.
فالاستخارة ليست واجبة، لكن على من فعلها أن يلتزم بنص الدعاء.
لكن، هل يجوز قراءة غير الدعاء في القنوت؟ أم يجب الالتزام به؟
كنت برهة من الدهر أرى وجوب الالتزام به، وعدم جواز غيره، ثم تبين لي جواز الدعاء بغيره، وإن كان الأفضل الدعاء به بلا شك؛ وذلك لثبوت قنوت بعض الصحابة ﵃ بغيره، ثم إن تعليمه ﷺ للحسن ﵁ لا يعني عند التأمل الوجوب، وذلك لأن النبي ﷺ إنما علمه دعاءً من الأدعية، من باب الإرشاد والتعليم، كما كان يعلم بعض أصحابه أدعية النوم، والطعام، وغير ذلك.
стр. 135
ففي الصحيحين أن رسول الله ﷺ علم أبا بكر الصديق دعاء: ((اللهم إن ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ... )).
فلا يعني هذا التعليم، وجوب الالتزام بالدعاء نفسه، لكن إذا دعا المسلم بدعاء مأثور، فعليه الالتزام بنصه، فهذه قضية، ووجوب الالتزام بالدعاء نفسه قضية أخرى، وعلى هذا يُحمل تعليمه ﷺ الحسن دعاءَ القنوت، فتأمل!
وعلى كل حال، فإن المسألة من الخلاف المعتبر الاجتهادي، والله ولي التوفيق.
стр. 136
مسألة رقم (١١):
موضع قنوت الوتر
يكون موضع قنوت الوتر في الركعة الأخيرة بعد الفراغ من القراءة قبل الركوع:
وفيه:
عن أبي بن كعب ﵁: أن رسول الله ﷺ : "كان يوتر ويقنت قبل الركوع".
رواه النسائي (١٦٩٩) وابن ماجة (١١٨٢) وغيرهما، من طريق علي بن ميمون، قال: حدثنا مخلد بن يزيد، عن سفيان، عن زُبيد اليامي، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبي ابن كعب.
وهذا سند يقارب الحسن رجاله كلهم ثقات، غير مخلد بن يزيد، وهو من رجال الشيخين، لكن الحافظ قال في تقريبه: "صدوق له أوهام".
وأخرجه الدارقطني (٢ - ٣١) وابن نصر في قيام الليل (٣١) من طرق عن عيسى بن يونس، ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن
стр. 137
سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى به، وهي متابعة صحيحة قوية، رجالها كلهم ثقات.
واعلم أن ماعدا هذا الحديث من أحاديث وروايات، لا تخلو من ضعف، أو اضطراب، لذلك أعرضت عن ذكرها.
قال ابن القيم ﵀ في الزاد (١ - ٣٣٤):
"ولم يحفظ عنه أنه قنت في الوتر إلا في حديث" وذكر حديث أُبي هذا.
وفي ذلك آثار:
الأول: عن ابن مسعود وغيره من الصحابة ﵃ عن علقمة، أنّ ابن مسعود، وأصحاب النبي ﷺ "كانوا يقنتون قبل الركوع".
أخرجه ابن أبي شيبة (رقم ٦٩١١) ما يزيد بن هارون، عن هشام الدستوائي، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة به.
قلت: وهذا سند صحيح على شرط مسلم.
стр. 138
وله شاهد عن الأسود، أخرجه الطبراني في الكبير (٩/ ٦٤٢٥).
الثاني: عن ابن عمر ﵁:
أخرجه ابن أبي شيبة (٦٩٠٠ من المطبوع) من طريق إبراهيم، عن الأسود بن يزيد به.
قال شيخنا الألباني في الإرواء (٢ - ١٦٥):
"روى ابن أبي شيبة (٢/ ٥٦/١) عن إبراهيم بن يزيد، أن عمر: "قنت في الوتر قبل الركوع".
قال الألباني: ورجاله ثقات كلهم إلا أنه منقطع، فإن إبراهيم وهو النخعي، لم يدرك عمر، لكن لعل الواسطة بينهما الأسود بن يزيد، فقد رواه ابن نصر (١٣٣) من طريقه عن عمر" انتهى كلامه.
قلت: الشيخ الألباني ﵀ نقل ذلك من المخطوطة، وفي المطبوعة (رقم ٦٩٠) عن إبراهيم، عن الأسود بن يزيد، أن ابن عمر: "قنت في الوتر قبل الركوع".
وفي هذا: تباين في ثلاث:
стр. 139
ففي المخطوطة: إبراهيم بن يزيد، وفي المطبوع: إبراهيم فحسب.
وسقط من المخطوطة، الأسود بن يزيد، بينما هو موجود في سند المطبوعة.
وفي المخطوطة عمر، وفي المطبوعة ابن عمر!
والله أعلم ممن وقع الخطأ.
الثالث: عن عاصم الأحول قال: "سألت أنس بن مالك عن القنوت في الصلاة، فقال: نعم، فقلت: قبل الركوع أم بعده؟ قال: قبله، قلت: فإن فلاناً أخبرني عنك أنك قلت: بدعة، قال: كذب! (١) إنّما قنت النبي ﷺ بعد الركوع شهراً".
سبق تخريجه.
وقد سُئل أنس ﵁ عن القنوت في النازلة فقال:
قبل الركوع وبعده" وقد سبق تخريجه.
стр. 140
فتبين من هذا أن أنساً ﵁ يرى قنوت النازلة قبل الركوع وبعده، وأما قنوت الوتر فلا يرى إلا قبله، بدليل قوله: "كذب ... " وهذا هو الذي أثبتنا.
والله أعلم بالصواب.
стр. 141
مسألة رقم (١٢):
حكم قنوت الوتر
قنوت الوتر مستحب، ولم يقم دليل على وجوبه، ويشرع المداومة عليه، وإن فعله المرء أحياناً، وتركه أحياناً، فلا بأس؛ لعدم ثبوت دوام الرسول ﷺ على فعله.
قال شيخنا الألباني ﵀ في صفة صلاة النبي ﷺ (١٤٢):
"وإنما قلنا -أحياناً- لأن الصحابة الذين رووا الوتر، لم يذكروا القنوت فيه، فلو كان يفعله دائماً نقلوه جميعاً عنه ... ".
قلت: لكن تعليم النبي ﷺ الدعاء للحسن دون تنبيهه ﷺ إلى قضية المداومة فيه دلالة على مشروعية المداومة عليه، فإن النبي ﷺ قد فعل أشياءً وتركها أحياناً، رغم استحباب دوامها، كصلاة التراويح.
لكن، يجب التنبه إلى أن كثيراً من الناس قد هجر هذه السنة لأسباب منها: أنه تركه حيناً وفعله حيناً، ثم غلب عليه الترك!
стр. 142
مسألة رقم (١٣):
حكم التكبير فيه ورفع الأيدي، والصلاة والسلام على النبي ﷺ -
لم يرد التكبير عند بدء القنوت، ولا رفع اليدين حذو المنكبين، كالرفع عند تكبيرة الإحرام عن النبي ﷺ أصلاً، ولم يثبت مسح الوجه باليدين بعد الانتهاء من الدعاء، ولهذا فهي بدع لا يجوز فعلها؛ لعموم قوله ﷺ :
((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) (١).
((وخير الهدي هدي محمد ﷺ ... )) (٢).
أما الصلاة والسلام على النبي ﷺ ، ورفع اليدين للدعاء، فكذلك لم يثبت فيها شيء عن النبي ﷺ في قنوت الوتر.
لكن ورد عن بعض الصحابة رضوان الله عليهم، أنهم كانوا يرفعون أيديهم في قنوت رمضان، ويصلون على النبي ﷺ ، وورد عن بعض السلف أن ذلك بدعة.
стр. 143
والذي يترجح عندي، أن قنوت الوتر للمنفرد لا يُزاد عليه، لا الصلاة، ولا رفع الأيدي، والله أعلم.
وأما احتجاج بعضهم على الرفع بالأحاديث العامة في الرفع فمردود؛ لأن للصلاة أحكاماً أخص، بدليل عدم رفع الأيدي عند الدعاء قبل السلام، فتدبر.
وأما قنوت رمضان في جماعة، فيصلى فيه على النبي ﷺ ، وترفع الأيدي؛ لما ثبت عن بعض السلف، ومنهم صحابته رضوان الله عليهم، ولرفع رسول الله ﷺ يديه في قنوت النازلة، فأشبه قنوت رمضان جهراً بالناس قنوت النازلة، ولذلك صلى الصحابة على الرسول ﷺ بعد الدعاء، ورفعوا أيديهم، والله أعلم.
стр. 144
الآثار:
ولقد تتبعت آثار الصحابة، فلم أجد أثراً صحيحاً صريحاً في رفع الأيدي في قنوت الوتر، وإنما الثابت رفعهم أيديهم في قنوت النازلة، فظن من ظن أنه قنوت الوتر، وما كان من الروايات صريحاً في رفعهم الأيدي في قنوت الوتر، فلا تخلو من مقال، قد رواها البيهقي (٢ - ٢١١) وضعفها.
وروى ابن نصر في قيام الليل (٣٢٠ من المختصر) رفع اليدين في قنوت رمضان، عن أبي هريرة، ولكن المختصر حذف الإسناد، ولهذا ذهب كثير من أئمة السلف إلى منعه.
وأخرج ابن أبي شيبة (٦٩٥٤) من طُرق عن ليث، عن ابن الأسود، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود ﵁:
"أنه: كان يرفع يديه في قنوت الوتر".
وفي سنده ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف، والأسود وابنه: ثقتان معروفان.
وأخرج عبد الرزاق (٤٩٩٨) من طريقين عن الزهري قال:
"لم يكن يرفع الأيدي في الوتر في رمضان".
стр. 145
وأخرج ابن نصر في (قيام الليل) (٣٢٠ مختصر) عن الحسن ﵀:
"أنه كان لا يرفع يديه في القنوت، ويومي بأصبعه".
وأخرج عن سعيد بن المسيب: (٣٢٠) قوله: "ثلاثة مما أحدث الناس، اختصار السجود، ورفع الأيدي في الدعاء، ورفع الصوت".
وأخرج (٣٢٠ مختصر) عن الوليد بن مسلم ﵀ قال: سألت الأوزاعي عن رفع اليدين في قنوت الوتر فقال:
"لا ترفع يديك، وإن شئت فأشر بأصبعك".
فهؤلاء ثلاثة من أئمة التابعين وكبارهم يرون بدعية الرفع.
غير أنه ورد عن كثير من السلف الرفع.
منهم الأئمة: عبد الله بن المبارك، وأحمد بن حنبل، وإبراهيم النخعي، وهو مذهب الأحناف.
وكأنهم ﵏ جميعاً- رأوا أن القنوت دعاء، والدعاء ترفع فيه الأيدي، وقد رفع رسول الله ﷺ يديه في قنوت النازلة.
والقاعدة: إذا اختلف العلماء، ينظر الراجح بالرجوع إلى الأصل، والأصل يؤكد الترجيح السابق في عدم رفعها في الصلاة