لا مواجهة ولا مداهنة:
ويصلح في معظم هذه المجتمعات الجاهلية المعاصرة على أنواعها وغيرها، وفي مثل هذه الظروف الراهنة من تكالب العدو، القوي المتربص، والحاقد الشرس، وما يعانيه المسلمون من ضعف في الإعداد الإيماني والمادي، وجهل في التوحيد والدين، وانتشار الذنوب والفساد، وهيمنة الظلم والتجبر والبطش، يصلح في مثل هذا، العمل بقاعدة: ((لا مواجهة ولا مداهنة)) أي: لا مواجهة إلا بالدعوة والبرهان، ولا مداهنة للكفر والعصيان.
فلا نواجه في دعوتنا ولو ظُلمنا، أو سُجنا، أو قُتلنا ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [إبراهيم: (١٢)]. ولا نداهن في ديننا، طمعاً في مصلحة، أو تحقيقاً لسياسة ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: (٩)].
والمقصود بالمواجهة: المواجهة المسلحة، والمقصود بالمداهنة: السكوت عن المنكر، وتأييد الباطل.
وهذه هي قاعدة الأنبياء لمن تدبر.
فإن المواجهة تزهق الأرواح، وتوقف الدعوة.
وإن المداهنة تُميِّع الإسلام، وتحلق الدين، وللمسألة تفصيل فيما أشرنا إليه سابقاً، وسيأتي بعضه.
والله وحده المستعان، وهو المسؤول لرد المسلمين إلى دينهم رداً جميلاً.
ومن السنن المبتدعة في التغيير:
المظاهرات الفوضوية، والثورات الهمجية، والتفجيرات الدموية، والاغتيالات الشخصية، والانتخابات النيابية، وما شابهها من الأمور المستوردة المقلدة، التي لا يعرفها سلفنا الصالح، ولا أمتنا من قبل، والتي لم تجر على الأمة الإسلامية إلا البلاء، وصد الناس عن سبيل الله.
وجوب السعي إلى التغيير:
بعد أن عرفنا الداء الحقيقي للمسلمين، والذي كان وراء نكستهم وذلهم، أصبح واجباً على المسلمين وبخاصة علماءهم ودعاتهم، السعي الحثيث لتغيير حال الأمة الإسلامية، ورد أفرادها إلى دينهم رداً جميلاً، واستنهاضها من كبوتها، وإعادة التمكين لها، كي تستأنف رسالتها، وتؤدي واجبها.
стр. 107
ويجب أن يكون هذا التغيير على منهج الأنبياء، وسنة الإسلام، وطريق سلف هذه الأمة، ولا يجوز لتغيير أحوال الناس: ترك سنة الإسلام، واتباع سنة غيرهم، وفضلاً عن أن في هذا مخالفة محرمة، فهو طريق لا فلاح فيه في الدنيا ولا في الآخرة.
قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام: (١٥٣)].
وقال ﷺ : ((ليس منا من عمل بسنة غيرنا)) [رواه الديلمي في الفردوس: (٥٢٦٨) عن ابن عباس، وحسنه شيخنا الألباني في صحيح الجامع: (٥٤٣٩) وفي الصحيحة (٢١٩٤)].
ومن أراد لهذه الأمة رداً جميلاً، وتمكيناً قوياً، ونصراً عزيزاً: فليتبع منهج الأنبياء في التغيير، ولا يبتدع، وليسلك طريق السلف الصالح في التجديد، ولا يتكاسل عنه، ولا يعرض، وما عدا ذلك فسراب وضلال.
وقد ذاق العاملون في الحقل الإسلامي مرارة مخالفتهم، وتراجع كثير من عقلائهم، والعاقل من اتعظ بغيره.
وطريق الأنبياء ومنهج السلف: هي معالجة أحوال الناس أولاً، وذلك عن طريق العلم النافع، والعمل الصادق، والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا خير في مواجهة عدو قوي بضعفاء الإيمان، ولا نصر في قتال عدو بعصاة الجبار، ولا تأييد من الله لمن سقط في الشركيات، وأحدث المبتدعات، إلا أن يشاء رب البريات، لحكمة من الحِكَم الخفيات.
والأمر باختصار: كما قال الإمام مالك ﵀: "لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها".
وأما تفصيلاً: فلا بد من النظر في كل داء أصاب الأمة -مما ذكر- ثم معالجته، فلا بد من معالجة الجهل الذي ران على المسلمين، وتقوية إيمانهم، وإيجاد بيئة صالحة لهم، مع مراعاة القواعد التالية:
стр. 108
قواعد التغيير .
القاعدة الأولى: الاعتقاد أن ما أصابنا فبما كسبت أيدينا، قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: (٧٩)]. أي: بسبب ذنبنا وتقصيرنا.
وأن نصرنا وتمكننا مرهون بتمسكنا بديننا، ووحدة صفنا، وأن هزيمة عدونا وكيده مناط بتقوانا، فإن قصرنا عصف بنا، وإن اتقينا أصبح كيده هباء ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [سورة غافر: ٢٥].
وبناء عليه، علينا إزالة السبب الأول، من ذنوب وفرقة، وجهل وتقصير، لتزول المصائب، وتنكشف الكروب، وتتأكد هذه القاعدة تأكداً بالغاً، بعد فشلنا في معركة، أو خسارة في أمر، أو وقوع مصيبة.
القاعدة الثانية: البدء بتغيير الأنفس، وإصلاحها عقيدة وعبادة، منهجاً وسلوكاً، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: (١١)]. ولم يقل حتى يغيروا حكامهم ابتداءً، وحتى يغيروا اقتصادهم أولاً، وحتى يتقدموا في حضارتهم أو يرتقوا في مدينتهم، ولا يعني هذا ألا يغير الحكام حالهم، أو لا يغير الاقتصاد، ألا نتقدم في المدنية كلا، وإنما بحثنا في الأساس والابتداء والأولوية.
القاعدة الثالثة: نصرة الله في كل شأن من شؤون الإسلام، عملاً ودعوة ودفاعاً، حتى ينصرنا سبحانه، قال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: (٧)]. بدءاً من لا إله إلا الله، وانتهاء بإماطة الأذى عن الطريق، مروراً بالصلاة، وإعانة الضعفاء، والحجاب والسواك، قال ﷺ : ((أبغوني الضعفاء، فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم)) [أخرجه مسلم، وأحمد (٢١٦٢٧)].
стр. 109
أي: اطلبوا الضعفاء، من فقير، ويتيم، وأرملة، فأعينوهم وانصروهم ينصركم الله.
ويؤكد هذا المعنى [رواية البخاري (٢٧٣٩)] ((هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم)).
القاعدة الرابعة: مراعاة التدرج في أمور الدين، وفي أحوال الناس، فيعوض لهم ما فقدوه، ويعلمون ما جهلوه، بنشر العلم لرفع جهلهم، ولتصحيح عقائدهم وعباداتهم، وتلاوة القرآن لزيادة إيمانهم، وحثهم على ذكر الله وعبادته، لإصلاح ظاهرهم وباطنهم، ودعوتهم بالحكمة والموعظة الحسنة ليلاً ونهاراً، سراً وجهاراً، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بضوابط أهل السنة في المصالح والمفاسد، وتزكيتهم ليمارسوا أحكام الإسلام عملاً، ويتخلقوا بأخلاقه فعلاً، وعلى المسلمين أن يستمروا في هذا الطريق، حتى يأتي الله بالفتح أو أمر من عنده، وهذا هو منهج الأنبياء في التغيير مع شيء من التفصيل، لا يسع المقام لذكره. (١)
قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: (٢)].
القاعدة الخامسة:
مراعاة مقامات الناس، وأحوال مجتمعاتهم، فإن لكل مقام مقال، ولكل حادثة حديث، فللمسلمين الذين يعيشون في بيئة صالحة أحكام ومواقف مغايرة للمسلمين الذين يعيشون في مجتمعات كفرية مسالمة، والمسلمون الممكنون الذين يغزون من قبل عدوهم، لهم موقف غير موقف المسلمين المستضعفين، فالأولون يواجهون، والآخرون يصبرون، وهكذا.
стр. 110
والخلاصة: أن نعطي الأحكام الشرعية حقها في تنزيلها على الواقع، فما يصلح لهؤلاء من الجهاد لا يصلح لأولئك، وما يصلح لهؤلاء من الدعوة والصبر على الأذى لا يصلح لأولئك، ومن الخطأ التعميم.
стр. 111
أسس الإسلام:
كما أن للإسلام أركاناً معروفة، فله كذلك أسس ثابتة، يتمحور حولها، ويبني بنيانه عليها، حتى يستقيم طريقه، وتتحقق غاياته، وإذا فقد أحدها اختل توازنه، وانحرف سير أصحابه، وفقدوا غاياته، بل سقطوا في السبل، وضلوا عن الطريق المستقيم، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: (١٥٣)].
وأسس الإسلام ثلاثة:
الأول: العلم .
وهو أول الطريق ونوره، ومن بدأ بالعلم استنارت بصيرته، وكشفت له الحقائق.
ومن توفيق الله للعبد أن يبدأ هدايته بالعلم، فهو سلاحه في ميدان الصراعات، ودرعه في ساحة الضلالات، ونوره في كشف الشبهات، ووقايته من فتن الشهوات ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر (٢٨)].
فبالعلم يعرف الخير من الشر، والتوحيد من الشرك، والاتباع من الابتداع، وبالعلم يفرق بين الطاعة والمعصية، وبين الدليل والتزين، وبين الضلال والهدى، والحق والهوى.
وحينئذ يسدد ولا ينحرف، يبصر ولا يعمى، ويحفظ نفسه ولا ينزلق في متاهات الضلال، من السبل المنحرفة، والطرق المبتدعة ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: (١٠٨)]. فالبصيرة -وهي العلم- قبل الدعوة والعمل، ولهذا بوب الإمام البخاري في صحيحه (باب العلم قبل القول والعمل) ومن سلك سبيل العمل والتعبد والدعوة قبل العلم عاش في ظلام الجهالة، وسقط في مهاوي التزيين، وهو يظن أنه يحسن صنعاً، قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: (١٩)].
ومن سلك سبيل الإسلام بالعواطف والغيرة، والتزيين والظنون، ولم يضبطها بالعلم، فقد ضل السبيل، وخسر الدنيا والآخرة.
стр. 112
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١١٩].
وقال سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الحج: (٣)].
تعريف العلم:
قال العلماء: العلم معرفة الشيء على حقيقته، وقالوا: العلم ما قام عليه الدليل؛ ولذلك قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: (٣٦)]. أي: لا تفعل فعلاً، ولا تنطق حرفاً، إلا بعد معرفة حقيقته، وقيام الدليل البين عليه، ولا يعرف العلم الشرعي إلا بضابطه ودليله الشرعي: وهو الكتاب والسنة، وما كان عليه سلف الأمة.
قال ابن القيم:
العلم قال الله قال الرسول ... قال الصحابة هم أولوا العرفان
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة ... بين الرسول وبين قول فلان
ولسنا -ها هنا- بصدد بيان العلم وأهميته وفضله، وإنما هي ذكرى لمن سلك سبيل الإسلام، لكي لا يفقد الدليل، فيضل السبيل.
وهي تحذير لمن يسلك سبيل الإسلام من تعبد أو عمل، أو دعوة أو نصرة للإسلام وقضاياه، بغير علم ولا دليل، سوى عاطفة جياشة، وحماس شديد.
الثاني: العمل .
العمل في الإسلام أشمل من التعبد المقيد، بل هو كل عمل يقوم به العبد مبتغياً به وجه الله على دليل وسنة، والعمل والعبادة المطلقة سواء، فكل عمل مشروع قصد به وجه الله ينقلب عبادة.
وقد عرفت العبادة بأنها: كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة.
ولذلك كان مجرد التفكير في خلق الله، والنية في عمل الخير عبادة، وعمل أي خير مهما كان لوجه الله عبادة.
стр. 113
قال تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [المزمل: (٢٠)].
والعمل عملان:
عمل فردي تعبدي محض: كالصلاة، والصيام، والحج.
وعمل جماعي تعاوني: وهو ما يقوم به الفرد لنصرة دينه، وخدمة المسلمين، كسياسة المسلمين من راعيهم، وإنشاء الجمعيات المشروعة لأعمال الخير، من بناء المساجد والمدارس، والدفاع عن الإسلام وما شابه ذلك، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: (٢)].
وإذا كان العلم طريق الإسلام ووسيلته، فإن العمل هو لب الإسلام وحقيقته، بل ما خُلق الإنسان إلا للتعبد، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: (٥٦)].
وقال سبحانه: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: (١٠٥)].
فبالعمل الصالح: تزداد الحسنات، وترتفع الدرجات، ويتقرب العامل به من الرحمن، ويحفظ من الشيطان ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأحقاف: (١٩)].
وقال تعالى في الحديث القدسي: ((وما تقرب إلي عبدي بأحب مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولئن استعانني لأعيننه)).
وبالعمل تنال الجنان، ويبتعد عن النيران ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الكهف: (١٠٧)].
والناظر في الكتاب والسنة يجد أن معظم النصوص -إن لم تكن كلها- التي ذكرت الفوز والأجر، ودخول الجنة، الذي هو غاية الغايات- مرتهن بالعمل ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: (٧٠)].
وكم من حديث فيه: ((من صلى ... دخل الجنة)) ((في تصدق ... دخل الجنة)) ((من فعل كذا وكذا دخل الجنة)) ((من عمل كذا ... غفر له)) ألا فليتنبه العاملون في
стр. 114
الميدان الإسلامي إلى أهمية التعبد في صلاح النفوس، واستقامة المنهج، وتآلف القلوب، وتحقق التوفيق والفوز بما نعمل من أجله وما نريد.
إذ لا قيام للإسلام إلا بالعمل بشقيه: التعبدي الفردي، والتعاوني الجماعي (١) فالعمل يمد بالقوة، ويوفق في التحصيل، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩)].
والعمل: يصلح القلوب، ويهذب النفوس، ويهدي إلى الصراط، ويثبت عليه.
وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: (٦٦)].
وللعمل ضوابط ومحظورات:
فأول الضوابط: المشروعيّة الاتباع، فإن عملاً لا يتحقق فيه المشروعيّة، ولا يكون الاتباع سبيله، هو عمل مضاره أكبر من منافعه، ولو كان ظاهره التعبد، وباطنه حسن النية.
ولسنا في مقام التفصيل، وإنما في مقام التذكير: بأن ديننا ليس مجرد فكر ينسج، ولا كتب تؤلف، ولا عواطف تثور، بل هو عقيدة صافية تعتقد، وعمل مبني عليها يؤدى، ونحن في موقف التحذير، من علم لا يعمل به، ومن حماس مجرد عن التعبد.
الثالث: الدعوة إلى الله تعالى، أهميتها، حكمها، شروطها .
يتجلى أهمية الدعوة في هذا الكم الكثير من الآيات والأحاديث التي تحث عليها، وكذلك ما للدعوة من تأثير بالغ في تغيير واقع الناس، وقيام أمر الإسلام، وحسب العاقل أن بالدعوة إلى الله، يخرج الله من أصلاب الملحدين موحدين، وبترك الدعوة يخرج من أصلاب الموحدين ملحدين، والواقع أكبر شاهد على هذا.
стр. 115
ولذلك كانت الدعوة إلى الله وظيفة الأنبياء لتبليغ الناس ما يريده الله منهم.
فبالدعوة: يثبت العباد، ويهتدي الناس، وتصلح المجتمعات، وبالدعوة: يحصل الخير، ويؤمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، وبالدعوة: يتمكن الصالحون، ويقوم الإسلام على الأرض، وما الجهاد المشروع بشروطه إلا فرع من فروع الدعوة إلى الله.
حكمها: تجب الدعوة إلى الله تعالى على كل مسلم، كل حسب علمه، وكل حسب استطاعته.
قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: (١٢٥)].
وقال ﷺ : ((بلغوا عني ولو آية)) [البخاري: (٣٢٧٤) ومسلم: (٢٤٠٦)].
- لا تجوز الدعوة إلا بشروط منها:
١ - العلم: قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: (١٠٨)]. وقال ﷺ : ((نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها وحفظها وعقلها منا، فبلغها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع)) [الترمذي: (٢٦٥٩) وابن ماجه: (٢٣٠) وأحمد: (١/ ٤٣٧) وصححه شيخنا في الجامع].
ولا يعني هذا: أن لا يدعو المسلم إلا بعد أن يصبح عالماً، بل واجب عليه أن يدعو إلى ما علمه، فالناس في هذا طرفان ووسط، طرف يدعو بغير علم، وقوم غلب على وقتهم العلم، أو ظن بعضهم أن لا دعوة إلا بعد أن يصبح المسلم عالماً، والصواب: أن يدعو إلى ما علمه، ولو كان قليلاً، قال ﷺ : ((بلغوا عني ولو آية)).
٢ - الحكمة ومنها:
- الكلمة الطيبة، والقول اللين، قال تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه (٤٤)].
- التدرج بالمدعوين، من التوحيد إلى العبادات، ومن الإيمان إلى العمل والأحكام، ومن التأصيل إلى التمثيل، وإنجاءً له من الكفر والشرك أولاً، ثم من الكبائر، ثم من الذنوب.
٣ - الصبر والحلم، قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [ق (٣٩)].
стр. 116
٤ - لا يجوز الدعوة إلى الله بأي شكل من أشكال العنف، ولا الانتقام للنفس، ولا اتباع أي وسيلة غير وسيلة الأنبياء، مهما فعل المدعوون بالداعي، قال تعالى: ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [إبراهيم (١٢)].
فمنهج الأنبياء في حال الدعوة إلى الله تعالى: التعليم والتزكية، وزيادة الإيمان أولاً، ثم يكون بعد ذلك السلطان، ثم الأحكام والقضاء، والحدود والجهاد، ومن عكس انتكس.
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: (٢)].
فطرق الأنبياء في الدعوة إلى الله: الاحتساب والعلم والاتباع.
ووسائلهم: الرفق واللين، والصبر والتضحية، وزرع الأمان بين الناس، والطمأنينة بين العباد، وحب الهداية للناس أجمعين.
ولقد كان يمر رسول الله ﷺ وأصحابه الشجعان، بياسر وعمار وسمية ﵁، وهم يعذبون أشد العذاب، حتى قتلا تحت التعذيب، وما كان ليفعل شيئاً مما يدعو إليه كثير من الشباب ويفعلونه، إلا الأمر بالصبر والاحتساب ((صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة)).
وحذار أن تخالف منهج الأنبياء في الدعوة، باتباع الهوى، والجهل، والابتداع، والملل، والتضجر، والانتقام للنفس، وأن تكون وسيلتك: الشتم، والسب، والتقبيح، وطريقتك: الاغتيالات، والتفجير، والانتخابات، وزرع الفوضى، والذعر بين الناس، مما يشوه سمعة الإسلام، ويصد عن التمسك به.
- لا يجوز الخلط بين الدعوة والجهاد، ولا يجوز الجهاد إلا بعد الدعوة، وبالشروط التي ذكرناها في بابه، وبالأحكام المعروفة عند أهل العلم.
الناس في باب العلم والعمل والدعوة أطراف:
طرف من أصحاب العلم: جعل العلم غايته، فحبس نفسه عليه، فصار جل همه حفظه، وكل اهتماماته كتابه، مولغ في تفريعاته، منشغل بتعريفاته، غائص في نظرياته، لا يلتفت إلى
стр. 117
أمته، ولا يعنيه شأن المسلمين أهل ملته، حتى ولا جاره، وكثير مما يبحثه لا شأن للعمل ولا للدعوة به، سوى القيل والقال، والردود على صفحات الكتاب، ويراه غاية الغايات، يزن الناس بميزان انقطاعهم إليه، ويعيب عليهم التلفت إلى غيره.
ومنهم من يكون متعبداً في ذاته، صالحاً في نفسه، لا يُعلّم غيره، ولا يهتم بشؤون المسلمين.
ومنهم من طلب العلم لدنيا يصيبها، أو منزلة في الدنيا يرتقيها، لا تجد عليه أثر التعبد والتقوى، ولا هو انتفع بعلمه، ولا نفع به.
ومن أصحاب العمل: من ظن أن التعبد المحض هو المقصود، فتعبد الله على غير علم، وما يدري هذا أن عمله وبال عليه، ومنهم من يدعو، ومنهم من لا يدعو.
ومنهم من على علم تعبدوا ولكنهم عن الناس انفصلوا، وعن الدعوة انقطعوا، فلا أثر لهم في الناس، ولا في الدعوة إلى الله.
همه صلاته وصيامه، يمر بالمنكر -حتى في أهله- فلا يتمعر وجهه، ويمر بمواطن الأمر بالمعروف فلا يأمر به حتى في أصحابه.
وطرف من هؤلاء: انشغل بنصرة الإسلام بغير علم أو عمل، فحماسته أكبر من علمه، وعاطفته أكثر من عمله، يظن أن الإسلام ينتصر بمجرد رفع الشعارات، والهتاف بالعبارات، والبكاء على الغابرات، ولطم الخدود من النازلات، والتأوه من الحادثات، والجري وراء السياسات، التي لا تغني في نصر دين، ولا تنفع في إقامة شرع.
وما درى أن نصر الإسلام لا يكون إلا بطريق الإسلام، وطريق نصر الإسلام على طريق الإسلام واضح، لا لبس فيه، فهو نصر النفس به أولاً، ثم بمن حولك، ثم بالآخرين، حتى تتكون نواة المجتمع الإسلامي.
وذلك يكون عن طريق العلم فالعمل فالدعوة ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: (٥٤)].
وطرف يجوب الأرض بدعوته، مضحياً بماله ونفسه، ولكنه مقصر في طلب العلم، وفي الدعوة إليه، أو معرض عنه، زاهد فيه، مما أدى إلى تقصير في الدعوة إلى لب الإسلام -
стр. 118
التوحيد-، ولو أنهم طلبوا علم الكتاب والسنة، واهتموا بالدعوة إلى التوحيد والسنة الصحيحة، لكان لهؤلاء القوم شأن عظيم، في هداية العباد، وإصلاح البلاد.
وليس المقصود بالتوحيد كلمة (لا إله إلا الله) من غير معرفة لمعناها، وتحقيق لشروطها، وعمل بمقتضاها.
وليس المقصود بالتوحيد الدخول في كل أمر عقدي تفصيلي فرعي، ولهذا الأمر مقام آخر للتفصيل.
الحق والصواب في الموازنة بين العلم والعمل والدعوة:
إن الحق والصواب في هذه الثلاث: أن تتابع وتتوازى وتتوازن.
أما التتابع فهو: أن يبدأ بالعلم في كل شأن، فكل ما يبنى على غيره يتصدع ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: (١٠٩)].
فلا توحيد إلا بعلم: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: (١٩)]. ولا صلاة إلا بعلم، ولا دعوة إلا بعلم، ولا سياسة إلا بعلم، ولا نصر للإسلام إلا بعلم.
ثم تكون الدعوة المبنية على العلم النافع، والمدعومة بالعمل الصادق الموفقَّ.
أما التوازي فهو:
أن يكون في الأمة المتحدة المتعاونة: خط علمي، وخط عملي جماعي، ودعوة شاملة، تسير هذه الخطوط جنباً إلى جنب، متتابعة في نشأتها، متوازية في مسيرها، ثم يكون العمل، حتى لا ينالنا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: (٢)].
وإن أي خلل في هذا التوازي، كغلبة جانب على آخر، أو فقدان أحد هذه الثلاثة أو تخلفها، يعني انحراف الأمة، وتخبطها، وهذا التوازي فيما يخص الأمة، أما بشأن الأفراد وبعض المواقف والمقامات، فيخضعون إلى التوازن.
التوازن:
стр. 119
هو: أن يعطى لكل فرد قدره، وأن تراعي مقدرته وما يناسبه، وأن لكل موقف ومقام حكماً ومقالاً.
فليس كل فرد من الأمة يمكنه أن يكون عالماً، أو عاملاً عملاً جماعياً مثمراً، أو داعية متفرغاً.
بل قد يكون الرجل أقدر على العلم منه على العمل، أو على العمل أشد إقبالاً منه على الدعوة، أو يحسن الدعوة بما آتاه الله من حكمة، ولسان طيب أكثر من إحسانه في العلم، نظراً لقدراته الشخصية.
ولا مانع -إذن- أن يغلب جانب على جانب عند بعضهم، ولكن الممنوع أن يقصر في أحد جوانب، أو يغلب أحدهما عند الأمة كلها، فتصبح الأمة مشلولة في هذا الجانب، كأن تخلو الأمة من العلماء، أو من العاملين، أو من الدعاة، وحينئذ يكون الخلل، وهاهنا تكمن المصيبة، بل الكارثة.
وقد تحتاج الأمة في مقام معين، أو في ظرف خاص إلى مزيد من الاهتمام بجانب دون الجوانب، كالاهتمام بالجهاد ضد عدو غاز، فحينئذ ينزل العلم والدعوة، ويتفرغ للجهاد.
أما بشأن واقع الجمعيات والجماعات المعاصرة اليوم، فإن غلب أحد هذه الثلاثة: العلم، والعمل، والدعوة على بعضها، وكان بينهم تشاور وتعاون، فلا بأس بذلك، إذا كانوا متجمعين غير حزبيين فهم يشكلون -حينئذ- كيان الأمة، وأما إذا كانت هذه الجماعات متحزبة، لا تشاور بينها، ولا تعاون، فثمة الكارثة، بل الكوارث.
стр. 120
التكفير أنواعه وأحكامه .
مما اتفق عليه أهل السنة والجماعة: أن لا يُكفَّر أحدٌ بذنب -لم يكفره الله ورسوله به- ما لم يستحله، ولا بترك واجب ما لم يجحده، أو يرده، أو يستكبر عنه، أو يستهزئ به، أو يكذب به، إلا الصلاة (١)، فقد اختلفوا فيها اختلافاً معتبراً.
وليس المكفرون لتاركها من الخوارج، ولا غير المكفرين من المرجئة في شيء، والقول بهذا أو ذاك، تنطع وجهل وتعصب.
والمقصود بالذنب ما كان دون الشرك، كشرب الخمر والزنى والقمار، ولعدم فهمه هذا، نسب قائله إلى الإرجاء.
والكفر: كفران، والشرك: شركان، والنفاق: نفاقان، والظلم: ظلمان، والفسق: فسقان.
الكفر الأول: الكفر الأكبر: مخرج من الملة، ويسميه بعضهم الكفر القلبي أو العقدي، وهو استحلال أو ردّ أو استهزاء، أو إنكار أو استكبار أو جحود، أو تكذيب لأي أمر عُلم أن رسول الله ﷺ جاء به من عند ربه من كتاب أو سنة صحيحة، سواء كان ذلك في العقيدة أو العبادة، أو الشريعة، أو المعاملات، ويعبر عنه أحياناً: بالمعلوم من الدين بالضرورة.
ويكون الكفر الأكبر: بالاعتقاد، وبالقول، وبالعمل.
وليس كل قول أو عمل ظاهره الكفر، أو وصفه الله ورسوله بالكفر، يكون صاحبه كافراً، إذ يمتنع التكفير لوجود موانع، وانتفاء شروط، كالإكراه، والجهل، والتأول، والخطأ.
стр. 121
ومن أمثلة الكفر الأكبر: الاعتقاد بأن الشريعة الإسلامية لا تصلح في هذا الزمان، والسفور مباح، وقصد شتم الله ورسوله، أو الاستهزاء بآية، أو حديث، أو بصفة من صفات الله تعالى أو رسوله ﷺ .
الكفر الثاني: الكفر الأصغر: وصاحبه لا يخرج من الملة، وهو الذي يسميه بعضهم (الكفر العملي) وليس المقصود من قولهم (العملي): أن أي عمل يقوم به المرء لا يكفر به، كما فهم هذا بعضهم، وإنما هو اصطلاح في مقابل الكفر العقدي، والمقصود به: العمل الذي وصفته النصوص بالكفر، ولكنه صدر من غير رضى القلب به، ولا قصدٍ له، ولا قصد للكفر، ولا رضى به، وليس مبنياً على تكذيب، أو استحلال، أو رد، أو ... وإلا فإن ثمة أعمالاً لا يستفصل عن حال صاحبها، ويكفر بمجرد فعلها، كقتل الأنبياء، والوطء على المصحف عامداً، والسجود للصنم، وشتم النبي قاصداً، وما شابه ذلك.
فهذا وإن كان عملاً قام به، إلا أنه عند العلماء مخرج من الملة؛ لأنه يستلزم التكذيب، أو الرد، أو الاستكبار؛ للقرائن، إذ لا يصدر مثل هذا العمل إلا بعد اعتقاد (١).
ويطلق الكفر الأصغر (العملي) على من أتى بأمر أطلق الشرع عليه لفظ الكفر، من غير قصد لاستحلال الفعل نفسه، أو لأي نوع من أنواع الكفر الأكبر، ولا رضاً به، كالحلف بغير الله، قال رسول الله ﷺ : ((من حلف بغير الله فقد أشرك)) [أحمد (٢/ ٦٧) أبو داود (٣٢٥١) والترمذي (١٥٣٥) عن ابن عمر، وصححه شيخنا الألباني في صحيح أبي داود (٢٧٨٧)]. والقتال بين
стр. 122
المسلمين قال ﷺ : ((لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم أعناق بعض)) [البخاري: (١٢١) ومسلم: (١/ ٨٠) رقم (٦٥) عن جرير].
والذين لا يقولون بالتفصيل هم أول من يكفرون أنفسهم وهم لا يشعرون، فمعظمهم يحمل وثائق مزورة، وقد انتسبوا فيها إلى غير نسبهم، والرسول ﷺ يقول: ((من ادعى لغير أبيه وهو يعلم فقد كفر)) [البخاري في الأدب المفرد (٤٣٣) عن أبي ذر وغيره، وصححه الألباني في صحيح الأدب (٣٣٦)] فهل كفروا لأنهم انتسبوا فيها إلى غير مواليهم؟ ! اللهم هداك.
وهناك من الأفعال ما يُستفصل من صاحبها، فإن كان تركه لها، أو عمله لها، عن ردّ، أو استحلال، أو استكبار، أو ... ، خرج من الملة ولا كرامة، كما هو الشأن مع إبليس، وإن كان تركه لأمور، أو عمله بها مكرهاً، أو لمصلحة، أو جهل، أو غفلة، أو ضعف إيمان، مع إقراره بحكم الشرع فيها، وعدم قصدها، أو قصد معناها، فلا يخرج من الملة، كالحكم بغير بما أنزل الله، والحلف بغير الله، وما شابه ذلك.
فإنه من المعلوم أن تأصيل أحكام التكفير، والحكم على الأفعال شيء، وتنزيله على الأعيان شيء آخر، إذ لا بد أن تتوفر شروط التكفير، ومنها: العلم، والطواعية، والقصد، وتنتفي موانعه، وهي ضد ما ذكر.
التكفير -من حيث الإطلاق والتقييد- تكفيران:
التكفير المطلق، وتكفير المعين، أو يسمى: تكفير الأعمال والأقوال، وتكفير الأعيان.
والتكفير المطلق: هو إطلاق الكفر على من فعل كذا، أو قال كذا، وتكفير الأعيان: هو تنزيل الحكم على معين، ولا بد من المراحل التالية:
١ - التثبت من وقوع القول والفعل من الشخص فعلاً، وإخراجه من حيز الظن.
٢ - الاستفصال عن سبب إتيانه بالكفر، وههنا محل النظر في وجود الموانع أو انتفائها، ومنها: الجهل، التأول، الإكراه، وغيرها، وقد استفصل الله من إبليس
стр. 123
﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ واستفصل الرسول ﷺ من حاطب، ومن عمار.
٣ - إقامة الحجة إذا ثبت أنه كفر، فلا بد من إقامة الحجة عليه ببيان حكم الفعل، أو القول، في دين الله بأدلته الواضحة.
٤ - الاستتابة، وهي بعد إقامة الحجة عليه، ورده وعدم استجابته لها.
التكفير تكفيران:
تكفير قطعي منصوص عليه، وهو تكفير كل من كفرهم الله تعالى ورسوله والإجماع، كتكفير اليهود والنصارى، وهذا هو الذي تُعمل فيه القاعدة: "من لم يكفر الكافر أو يشك في كفره فهو كافر".
وتكفير اجتهادي ظني، وهو: تكفير عالم مجتهد لمسلم صدر منه كفر، وقد يكون محل خلاف بين العلماء، وحكمه كغيره من المسائل المختلف فيها، ولهذا لا تُعمل فيه القاعدة السابقة، وإذا أردنا أن نُعْمِلَ قاعدة: "من لم يكفر الكافر فهو كافر" في التكفير الاجتهادي، لكفر أحد المجتهِدَيْن؛ لأنه لم يكفر من كفَّره المجتهد الآخر.
ولو عملنا بهذه القاعدة في هذا المقام لكَفَرَ الشافعيُّ عند أحمد؛ لأنه لم يكفِّر تارك الصلاة، ولكَفَر أحمدُ؛ لأنه لم يكفِّر الشافعي الذي لم يكفر تارك الصلاة، وهكذا يتضح لكل ذي لب فساد الاحتجاج بعموم هذه القاعدة.
وثمة تكفير ثالث، وهو: تكفير الحدثاء، والمتعالمين بظواهر النصوص، فأولى لهم اتباع الراسخين ثم أولى، وليس هاهنا محل الرد عليهم (١).
стр. 124
ومن حسن دين الرجل: الحكم على الأعمال، وتجافي الحكم على الأعيان ما استطاع، فإن الحكم على العمل من العلم والفتوى، ومن الورع والتقوى، والحكم على الأعيان من القضاء، وفرق كبير بين المفتي والقاضي، فكن متعلماً ومعلماً ناصحاً داعياً، ولا تكن قاضياً -ما استطعت- فإن من أطلق الحكم بعلم لن يعاقب، ومن قيد وعين حوكم، قال رسول ﷺ : ((من ولي القضاء ذبح بغير سكين)) [أبو داود: (٣٥٧١)، والترمذي: (١٣٢٥)، عن أبي هريرة، وصححه الألباني في صحيح أبي داود: (٣٠٤٩)].
وقال ﷺ : ((القضاة ثلاثة: قاضيان في النار وقاضٍ في الجنة)) [أبو داود (٣٥٧٣) ابن ماجة (٢٣١٥) عن بريدة، وصححه شيخنا الألباني في سنن أبي داود (٣٠٥١)].
ولأجل هذا كانت هذه القاعدة العظيمة: "إذا حكمت حوكمت، وإذا تعلمت هديت، وإذا دعوت أجرت" وسيأتي شرحها وأدلتها.
فبقدر ما يتحول المسلم -وبخاصة الشاب الناشئ في طلب العلم- عن الحكم والقضاء، إلى العلم والدعوة، بقدر ما يكون منتفعاً ونافعاً.
وبقدر ما يتحول إلى الحكم والقضاء، وينشغل عن العلم والدعوة، يكون للوقت مضيعاً، وفي العلم مقصراً، وفي الثمر مفرطاً، وللإثم مُعَرّضاً، فليست ثمرة العلم والدعوة، كثمرة الحكم والقضاء، وتتبع عورات الناس.
ونختم هذه المسألة بنصائح وتوجيهات:
الأولى: وجوب طلب العلم قبل الحكم على الخلق، والعدل فيه والتؤدة، فالتكفير حكم، والحكم يحتاج إلى تقوى صادقة، وعلم غزير، وفهم دقيق، وبراءة من الهوى.
الثانية: أن لا يكون شغلنا الشاغل وهمنا الأكبر.
الثالثة: التفريق بين الكفر المخرج من الملة وغيره بضوابط، كالاستحلال، والتكذيب، والرد، والاستكبار، والاستهزاء، وقصد الفعل المكفر وقوله.
стр. 125
الرابعة: وكذلك التفريق بين إطلاق الكفر على الأعمال والأقوال, وبين تنزيله على الأعيان.
الخامسة: الاستفصال ممن وقع منه الكفر.
- فإن كان مخرجاً من الملة أقيمت عليه الحجة.
- فإن لم يستجب استتيب.
وهذا كله من أعمال العلماء الراسخين والقضاة المجتهدين، لا من أعمال الحدثاء والمبتدئين، فكن من ذلك على ذكر، ودع عنك هذا، وانصرف أيها الشاب إلى العلم والعمل والدعوة، ولا يستدرجنك الشيطان، ليشغلك عما ينفعك إلى مالا ينفعك، وعما تقدر عليه إلى ما لا تقدر عليه، وعما تُسأل عنه إلى ما لا تُسأل عنه، واسأل الله العافية، ولأن تموت غير مكفر لمسلم وقع منه كفر مخطئاً، خير لك من أن تُخطئ في تكفير مسلم، قال ﷺ : ((أيما امرئ قال لأخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما، إن كان كما قال، وإلا رجعت عليه)) [رواه مسلم: (٦٠)، عن ابن عمر].
ولقد خاض كثير من الناس في الأحكام على العباد قبل العلم، وانشغلوا بتتبع عورات الناس عن العمل، وجرحوا عباد الله بدل دعوتهم إلى الله تعالى، وظنوا أن مجرد الحفظ أو تحصيل بعض العلم، ينيلهم مرتبة الاجتهاد للحكم على العباد، تكفيراً وتبديعاً وتفسيقاً، فكانت هذه القاعدة "إذا حكمت حوكمت، وإذا تعلمت هديت، وإذا دعوت أجرت" علاجاً ناجحاً، وصارفاً قوياً للحدثاء عما لا ينفعهم إلى ما ينفعهم، وقد شُرحَتْ هذه القاعدة، ورُدّ على المخالفين في باب خاص من هذا الكتاب.
стр. 126
الطاغوت: (١) معناه، أنواعه، أحكامه.
من أصح ما عُرّف به الطاغوت ما عرَّفه به الإمام ابن القيم ﵀ بقوله: "كل ما تجاوز به العبد حدَّه من معبود، أو متبوع، أو مُطاع، فطاغوت كل قوم: من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يُطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله، فهذه طواغيت العالم، إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها، رأيت أكثرهم أعرض عن عبادة الله تعالى إلى عبادة الطاغوت، وعن طاعة رسول الله ﷺ إلى طاعة الطاغوت ومتابعته" [إعلام الموقعين: (باب انتفاء الإيمان بانتفاء الرد) (١/ ٥٠)].
وهذا تعريف جامع عظيم، كل من خرج عنه إما غالٍ، وإما جافٍ، وإما مخطئ جاهل.
وتفسير غيري لها تفسيراً منحرفاً، لا يَلزمني في إطلاقٍ، ولا يمنعني من الإطلاق، أو من استخدام اللفظ.
وإذا أطلق الله تعالى كلمة، فلا يحل لمتعالم أن يقول عنها (مطاطة) إن هذا يعني: أن الله يتكلم بكلام مطاط، يُضل به العباد، تعالى الله عما يقولون، وهذه الكلمة -الطاغوت-
стр. 127
استعملها الكتاب والسنة، والسلف، وأئمة الهدى من بعدهم، وبخاصة الإمامين ابن القيم، وابن عبد الوهاب، -رحمهما الله- لكن بعض الناس عندهم حساسية من مثل هذه الكلمات لا معنى لها.
стр. 128
الجاهلية: معناها، أحكامها، أنواعها .
الجاهلية جاهليتان:
جاهلية الأعمال، وجاهلية الاعتقاد.
فأما الأولى: فهي كل عمل من أعمال الجاهلية يصدر من المرء من غير الشرك، أو الاستحلال، أو مكفر آخر.
وأما جاهلية الاعتقاد: فهي الاعتقاد بشرعية هذه الأعمال الجاهلية واستباحتها، وما يترتب على ذلك من رد الشرع، واستباحة المحرمات إلى غير ذلك من التفصيل.
وأما وصف المجتمعات المعاصرة وما يقع فيها، بـ (جاهلية الأعمال، وبعضها جاهلية القلوب) [في كتاب التيه والمخرج (٦٩)]. فهو قول مضبوط -لمن يرى- بضوابط الشرع، وليس عليه غبار إلا من غبَّر عينيه بغبار الترصد.
ومع ذلك فقد غض الطرف عن هذا الضبط بعض المترصدين، وراح يغرِّب ويشرِّق، ويحمل الكلام على ما يشتهي، وما منه يتوسوس، والله حسيبه في الدنيا والآخرة (١).
стр. 129
إقامة الحجة، والعذر بالجهل:
لقد أفرط كثير من الطلبة والدعاة في مسألة ((إقامة الحجة)) و ((العذر بالجهل)) بحثاً، وانشغالاً بهما، وتنزيلاً لهما على أعيان أو جماعات، هل قامت الحجة عليهم أم لا؟ ! هل يعذرون بالجهل أم لا؟ وحصل بينهم من أجل ذلك قيل وقال، وانشغال عن العلم والعمل والدعوة، بل حصلت بينهم نزاعات وخصومات، أُهدرت فيها طاقات، وضاعت بها الأوقات، وقست فيها القلوب،
واختصاراً يسجل في هذا الباب ما يلي:
يجب على المسلمين الدعوة إلى الله، وبذل كافة الوسائل المستطاعة في ذلك، لإقامة الحجة على الخلق.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: (٦٧)].
وقال ﷺ : ((بلغوا عني ولو آية)) [رواه البخاري (٣٢٧٤) عن عبد الله بن عمرو].
- إن الحجة قد قامت على الخلق بعامة، ببعث الرسل، وبمن يقوم مقامهم من العلماء والدعاة إلى يوم القيامة.
قال تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: (١٦٥)].
وأما تبليغ هذه الحجة، وإقامتها على الأفراد من بعد الرسل، فهو واجب العلماء والدعاة.
- لا ينبغي أن يكون شغل الناشئة الشاغل، بحث هذه القضايا مع أمثالهم، ومع المدعوين، والحكم على الأفراد: هل أقيمت الحجة عليهم أم لا؟ فإن هذا من شأن رب
стр. 130
العالمين، ومن تأمل آيات القرآن، أو غايات الإسلام، وسيرة الرسل والعلماء تبين له ذلك بوضوح.
- يجب أن يكون بحثنا إلى ما ندعو؟ كيف ندعو؟ كيف نقيم الحجة؟ كيف نتحلى بالصبر والاحتساب، مهما طال أمد الدعوة؟ فإن نوحاً عليه الصلاة السلام رغم إقامته الحجة على قومه من أول دعوته، لم يتوقف عن الدعوة، ولم ينشغل أو يعتذر بذلك عن استمرار دعوته، وتبليغه رسالة ربه، خلال هذه السنين الطوال.
- إن بحث قضية إقامة الحجة في الدنيا من شأن ولي الأمر، وأهل الحل والعقد والقضاء؛ وذلك لإقامة موجباتها من حرب، وقتل، واستتابة، وليس من شأن كل من هب ودب، أو دعا، أو طلب العلم.
- تتأكد مصلحة معرفة قيام الحجة على الأفراد، إذا ترتب على معرفتها أحكام شرعية، كالإرث، والصلاة على الميت، والترحم، وكذلك للحكم على عين لمعرفة مسلكه، لأجل اتخاذ موقف منه، أو معرفة أهليته لطلب العلم عنده.
- يتم ذلك بتقدير الأمر تقديراً صحيحاً، من غير إفراط أو تفريط، كالدواء، فإذا ترك الدواء، ازداد السقم، وإذا تجاوز حده ازداد الضرر، ومثله كمثل الذي يتناول الدواء من غير وصفة طبيب، والعلماء أطباء الناشئة، وحكماء الأمة.
- إن إقامة الحجة يحتاج إلى علم صحيح، وتبليغ مبين، وأسلوب قوي، وحكمة بالغة، وحجة داحضة، لبيان الحق، ودفع الباطل، وإزالة الشبه، وعلى هذا فلا يستطيع كل عامي، أو داعية، أو طالب علم، أن يدعي أنه أقام الحجة على كل فرد ممن يدعوهم، فمنهم ومنهم، والأنبياء هم الذين يقطع بإقامتهم الحجة على كل من يدعونهم فرداً فرداً، وذلك لكمال علمهم، وتمام حكمتهم وتقواهم.
ومن فطنة طالب العلم: أن يفرق بين بيان الله ورسله لقوم بلسانهم، وبين بيان الناس بأسلوبهم، فأما بيان الله ورسله فهو تبيين لهم قطعاً، فما أحسن من الله بياناً، ولا أقوى منه
стр. 131
حجة، وعندما يخاطب الله الناس، يخاطبهم بما يعقلون، وهو أعلم بعقولهم وأفهامهم، قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [تبارك: (١٤)]. وقد خاطب القرآن قوماً يفهمون ما يخاطبون به، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: (٤)]. وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: (١١٥)].
وأما غير الرسل فمنهم من يقدر على إقامة الحجة، ومنهم من لا يقدر، وذلك لوجود قصور منهم عن علم الأنبياء وحكمتهم، وأسلوبهم من جهة، ولفقدان الناس -بعد طول أمد- فهم اللغة العربية على أصولها التي نزل بها القرآن، وضعف علوم الإسلام عند كثيرين.
- ولذلك لا يستطيع أحد بعد الأنبياء أن يقطع بإقامة الحجة على فرد معين، وإذا كان الإمام الشافعي مع ما آتاه الله من العلم والفقه والحكمة، لم يستطع أن يقيم الحجة على الإمام أحمد، بعدم كفر تارك الصلاة، ولا الإمام أحمد على ما آتاه الله من فضل في العلم والسنة، ما استطاع أن يقيم الحجة على الإمام الشافعي بكفر تارك الصلاة، أفيستطيع ناشئ لا يحسن العربية، أن يدعي أنه أقام الحجة على فرد، أو أفراد، وإذا ادعينا أن الإمامين الشافعي أو أحمد قد أقام أحدهما الحجة على صاحبه، فقد اتهمنا أحد الإمامين بالهوى؛ لأن واحدًا منهما لم يستجب لصاحبه، ولم يترك رأيه، ومعاذ الله من ذلك، وعلى هذا:
فالحكم الأخير، والفصل القطعي في التيقن من قيام الحجة من عدمه، إنما هو من أمر الله وحده، وقضائه يوم القيامة، قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: (٤٠)] وقال تعالى: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: (٥٢)] لأن التيقن من قيام الحجة أمر غيبي، لا يطلع عليه إلا الله.
ولا يمنع هذا ذوي الشأن ممن ذكرنا، أن يحكموا بغلبة الظن، أو الظاهر، أو تصريح من المدعو، أو إقرار منه برد الحق، أو ما شابه ذلك.
والمقصود من هذا:
стр. 132
- أن لا يشتغل عامة المسلمين والدعاة وطلبة العلم، في البحث في إقامة الحجة من عدمها عن الاستمرار في الدعوة.
- أن يكون هم الداعية وطالب العلم، العلم والدعوة، وبعبارة أخرى: أن يكون همه كيف يقيم الحجة، ما الذي يجب أن يتعلمه لإقامة الحجة.
- أن لا يتوقف الداعية عن الدعوة إذا ما شعر بإقامة الحجة على آحاد الناس أو عامتهم، وألا يصيبه فتور في ذلك، فإنه لوحظ توقف كثير من الشباب عن الدعوة، إذا ما أحس بأنه أقام الحجة، وقد مضت سنة الأنبياء باستمرارهم بالدعوة إلى الله دون النظر إلى مسألة قيام الحجة من عدمها، وقد أشرنا إلى دعوة نوح سابقاً.
- لا ثمرة كبيرة ترجى للدعاة من معرفة إقامة الحجة من عدمها، مثل ثمرة الاستمرار في الدعوة، فإن ثمرة معرفة طلاب العلم والدعاة المبتدئين لطريقة دعوة الناس، ودعوة تارك الصلاة، أعظم من ثمرة معرفة حكم تارك الصلاة، وهذا لا يعني عدم معرفة حكم تارك الصلاة، فإن الباب هاهنا باب علم ودعوة، لا باب فقه وقضاء.
وما يقال في مسألة إقامة الحجة، يقال في مسألة العذر بالجهل، فيما اشتركا فيه من مقصود، من حيث الانشغال، وتوقف الدعوة، وقيام الحكم على الأعيان، وما شابه ذلك.
стр. 133
العموم، والإطلاق، والإجمال
اقتضت لغة التخاطب بين الناس تباين تعابيرهم، واختلاف تراكيبهم، وتنوع أساليبهم، ولذلك كان في الكلام عموم وخصوص، وإطلاق وتقييد، وإجمال وتفصيل، وذلك حسب مقصودهم، وقوة عوارضهم، واختلاف مقامهم، وقديماً قيل: "لكل مقام مقال".
ويتأثر المقال بأسلوب القائل، ووضع المستمع، وحال الحدث، وما كان من سياق وسباق في الحديث، فقد يتكلم متكلم بعموم سبقه في أذهان الناس خصوص، أو إجمال سبقه في فهم المخاطبين تفصيل، أو بإطلاق سبقه في حديث آخر تقييد، أو يخاطبهم بأسلوب معين متعارف عليه عندهم، غير معروف عند غيرهم (١).
لا يمكن اجتناب العموم:
واعلم -يا رعاك الله- أن العموم والإطلاق والإجمال، لا ينجو منه أحد، ولن ينجو أحد؛ لأن ذلك مقتضى اللغة، وفطرة الإنسان، وعرف الناس.
وإذا كان كلام الله المعجز في فصاحته وبيانه، وكلام رسوله ﷺ الذي حوى جوامع الكلم وخواتمه، لم يخل من العموم، والإطلاق، والإجمال، أفيستطيع بشر مثلنا أن يتخلى عن ذلك؟ !
والعمومات والإطلاقات في الكتاب والسنة كثيرة جداً، وكثير منها لم يُرد بها العموم والإطلاق، بل أريد منها أمرًا مفيدًا أو خاصًا، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: (١٧٣)]. فهل أراد سبحانه كل الناس، وقال سبحانه: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب (٧٢)]. فهل أراد سبحانه كل إنسان، والأنبياء من الإنسان؟ !
стр. 134
وقال ﷺ : ((أثقل شيء في الميزان حسن الخلق)) فهل يحتج بهذا العموم على أن الأخلاق أثقل من التوحيد؟ والجواب عن مثل هذا العموم: أنه سبق في أذهان المخاطبين -وهم ها هنا الصحابة- أنه لا شيء أثقل من التوحيد، فلا يضرهم بعد ذلك أن يخاطبوا بمثل هذا الإجمال في الحديث: ((أثقل شيء في الميزان حسن الخلق)).
وللتخصيص والتقييد صور كثيرة، ليس هاهنا محل تفصيلهما، وإنما أردنا بهذا إشارة وتنبيهاً إلى أنه قد يخصص العام، ويقيد المطلق، أحياناً بأصول المتكلم العامة، أوبمفهوم الخطاب، أوبواقع الحال.
ومثال ذلك: لفظة ((الناس)) الأولى من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: (١٧٣)] مخصوصة ببعض الناس، بل بمن نقل الخبر فحسب، وهم قلة قليلة جداً، رغم عموم لفظة الناس، و ((الناس)) الثانية هي غير الأولى، وهي مخصوصة بالأحزاب الذين جمعوا أنفسهم لقتال المؤمنين. (١)
стр. 135
وجوب اتباع المحكم، وحرمة اتباع المتشابه من الأقوال:
كما أن لغة التخاطب، اقتضت وجود محكم في الكلام ومتشابه، والمحكم: البين الواضح الذي لا لبس فيه، أو بمعنى آخر: ما كان قطعي الدلالة، لا مجال للاختلاف في معناه.
والمتشابه: الذي يلتبس معناه، إذ يحتمل اللفظ أكثر من معنى، وبمعنى آخر: ليس بقطعي الدلالة، بل له وجوه واحتمالات (١).
ولما كان اتباع المتشابه من كلام الله تعالى مفسداً، وتفسيره دون المحكم تقوّلاً بغير علم ولا تثبت؛ لذا حرم الله اتباع المتشابه، وأمر بالعدول عنه إلى المحكم، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: (٧)].
وفي هذه الآية دلالة صريحة على أن الذين يتبعون المتشابه ويفسرونه بمعزل عن المحكم، أنهم أصحاب زيغ، وأهل فساد.
تحذير رسول الله ﷺ من الذين يتبعون المتشابه:
وقد حذرنا رسول الله ﷺ من هؤلاء الذين يتبعون المتشابه في القرآن، فقال: -بعد أن تلا الآية-: ((فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم)) [أخرجه البخاري (٤٥٤٧) ومسلم: (٢٦٦٥) عن عائشة ﵂] فعلينا أن نحذر منهم، ومن الذين يتتبعون المتشابه في السنة.
ويدخل في هذا اتباع المتشابه من أقوال العلماء والدعاة، والإعراض عن المحكم من أقوالهم، ومنهجهم، ومسلكهم، فوالله الذي أنزل هذه الآية المباركة، ما رأينا أحداً يتتبع المتشابه من الكتاب والسنة، أو أقوال أهل العلم وينشغل بها، إلا أفسد ثم فسد، إلا من رحم الله، ولقد رأيناهم بعد ذلك لا يهتمون بمحكم ولا بمتشابه، بل صار حالهم إلى ضلال وفساد، وعلى
стр. 136
هذا فليتق الله الذين يتبعون المتشابه، ثم يحملونه على ما يريدون، ثم يظلمون العباد، ويخلقون الفتن، فورب السماء والأرض ليجدون غب ذلك ولو بعد حين.
فاللهم اهدهم وإيانا سواء السبيل.
مثال المحكم والمتشابه: قال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾
﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ فهذه الآيات محكمة المعنى بأن الله فوقنا، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ فهذه الآية متشابهة في مسألة وجود الله مع خلقه، إذ لها أكثر من معنى، إذ يمكن أن نفهم منها أن الله بذاته مع خلقه، كما يمكن أن يكون معناها أن الله مع خلقه بسمعه وبصره وقدرته ومعونته، فأهل السنة يأخذون بالآيات المحكمة بأن الله فوقنا، ويحملون الآيات المتشابهة على معنى لا يتعارض والمحكمة، فيقولون ويفسرونها بأن الله معنا بعلمه، وسمعه، وبصره، وهو فوق عرشه، فبهذا تتوافق الآيات، ولا يتعارض بعضها مع بعض، ولو أخذنا بالمتشابه لتعارض الآيات لوقعنا في الزيغ الذي حذرنا الله منه، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ الآية [آل عمران: (٧)].
стр. 137
الاحتجاج بالعموم والأخذ بالمتشابه من أسباب الضلال
ثم إن الاحتجاج بالعموم وتفسيره، دون الرجوع إلى ما يضبطه هو الذي أضل كثيراً من طوائف الإسلام، وكذلك الأخذ بالمتشابه وتتبعه هو من صفات أهل الزيغ، وطلاب الفتنة، وقد بينت الآية أن تأويل المتشابه بغير محكم من الفتن، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ والمتشابه -كما أسلفنا- هو الذي يحتمل أكثر من معنى.
كيف يفسر المتشابه؟ وكيف يحكم على قائله ؟
ولذلك أجمع العقلاء من الأمم على اختلاف أديانهم ومشاربهم، على تحريم تفسير المتشابه، أو تقييد المطلق، أو تخصيص العام، بفهم القارئ أو السامع، بل عليه أن يرجع إلى المتكلم نفسه إن أمكنه ذلك، فإن لم يمكن، رجع إلى تفصيله وتفسيره، وتقييده في كلام آخر، فإن لم يجد، رجع إلى أصوله البينة، ومذهبه الواضح، وأوّل له -إن كان من أهل الحق- ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، فإن لم يجد توقف، والتوقف أبرأ للذمة، وأسلم من الخوض في الظنون، فإن التقول على المرء ما لم يقل ظلم، والظلم ظلمات يوم القيامة، قال ابن القيم [(مدارج ٣ - ٥٢١)] "والكلمة الواحدة يقولها اثنان، يريد بها أحدهما: أعظم الباطل، ويريد بها الآخر: محض الحق، والاعتبار بطريقة القائل وسيرته ومذهبه، وما يدعو إليه، ويناظر عليه" وبناء عليه: يحرم حمل كلام متشابه لأحد على معنى معين إلا بمحكم، أو قرينة قاطعة، خوفاً من التقول على القائل ما لم يقله، قال شيخ الإسلام: "وما تنازع فيه المتأخرون، نفياً وإثباتاً، فليس على أحد بل ولا له أن يوافق أحداً على إثبات لفظ أو نفيه، حتى يعرف مراده، فإن أراد حقاً قُبل، وإن أراد باطلاً رُدّ، وإن اشتمل كلامه على حق وباطل لم يُقبل مطلقاً، ولم يُرد جميع معناه، بل يُوقف اللفظ، ويُفسّر المعنى" [التدمرية ص (٦٥ - ٦٦)].
قال العلائي: "لأن المتلفظ باللفظ المشترك، لا يحكم عليه بإرادة معنى معين منه، ما لم تقم قرينة دالة على مراده" [تلقيح الفهوم: (١٧٦)] فبهذا يتبين لك أن من أطلق عموماً، أو
стр. 138
تكلم بمجمل، لا يحكم عليه حتى يستفصل من صاحبه، ولا يجوز للمرء أن يتجرأ في تخصيص عموم لمسلم، أو تفسير متشابهه له بما يرى، دون رجوع لمحكمه أو تفصيله، إن الذين يفعلون هذا إنما يخلقون إفكاً، ويفترون كذباً، ويحدثون فتناً، وقد فسر الزجاج الفتنة في الآية (١) بذلك، وقال مجاهد: "ابتغاء الشبهات واللبس ليضلوا بها جهالهم" (٢).
قال القرطبي: "قال شيخنا أبو العباس رحمة الله عليه: متبعوا المتشابه لا يخلو أن يتبعوه ويجمعوه طلباً للتشكيك في القرآن وإضلال العوام" [(٤ - ١٤)].
قلت: صدقوا والله، فإنما ينساق وراء هؤلاء الجهال والعوام الذين يصدقونهم حين يفسرون لهم متشابه القرآن أو السنة أو أقوال أهل العلم، وهم جهلة طغام عوام، لا يفرقون بين محكم ومتشابه، فيظنون أن تفسير المفسر للمتشابه، هو من مقصود صاحب القول لا من فهمهم وتفسيرهم، فيفسدون بذلك ذات البين، ويشعلون الفتن، ويفرقون الصف.
وعلى هذا فليس العيب في وجود العموم في كلام المرء، ولكن العيب في تبييت الترصد، وتتبع الزلات، وقطع الكلام من سياقه وسباقه، والأخذ بالمتشابه من القول، والإعراض عن المحكم، والدخول في النيات، وواحدة من هذه ظلم، فكيف اجتمعت؟ فهي ظلمات بعضها فوق بعض.
ولو ذهب المرء مذهبهم لضل، ذلك لو أننا -على سبيل المثال- قطعنا قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التكوير: (١٩)]. لكان معناها أن القرآن كلام رسول الله ﷺ ، فإن أخذنا بما بعدها فحسب: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: (٢٠)]. فهمنا: أن القرآن كلام جبريل، وأما من يأخذ بأول الكلام وآخره وتفصيله، فسيعلم أن المقصود: أن الذي ينقل القرآن هو جبريل ﵇، وليس جنياً أو شيطاناً.
стр. 139
فهل العيب من الآية؟ ! أم من التسرع في الفهم، وسوء الظن، وعدم الاستفصال، وقطع الكلام؟ !
الخلاصة:
لما كان من غير الممكن تجنب العام، والمطلق، والمجمل، والمتشابه في الكلام، كان الفهم الصحيح لمذهب رجل، بل كان الواجب والإنصاف، التزام ما يلي:
أولاً: لا يجوز الحكم على الرجل من عبارة أو عبارتين فيهما إجمال أو تشابه، بل الواجب أن يجمع كلام المرء كله، مجمله ومفصله، غامضه وواضحه، ثم ينظر فيه فيحمل العام على الخاص، والمطلق على المقيد، وهكذا.
ثانياً: لا يجوز أن يقطع الكلام عن سياقه وسباقه، ثم يحكم على صاحبه.
ثالثاً: لا يجوز أن يفسر المجمل بمعزل عن المفصل، أو أن يؤول المتشابه دون الرجوع إلى المحكم، وهذا من الظلم الفاحش، والافتراء البين، وحرمة هذا مما أجمع عليه العلماء.
رابعاً: إذا كان المتكلم حياً روجع في متشابهه، وإلا رُجع إلى أصوله ومسلكه.
خامساً: إذا لم يتبين الأمر جلياً، فالتوقف أبرأ للذمة.
من الضلال تفسير الكلام دون معرفة بأساليب اللغة العربية:
ولما لم يدرك هذه الأساليب الأحداث من الناس في آخر عهد الصحابة، خرج منهم الخوارج، ثم ضلت الفرق بعد ذلك، كالمعتزلة ومن شابههم، وسر ضلالهم يكمن: بتقديمهم فهمهم في الدين، واللغة على فهم أصحاب رسول الله ﷺ ، أصحاب الفهم الصحيح، واللغة السليمة، فكانوا يحتجون بظاهر النصوص المتشابهة -وهو في الظاهر لصالحهم- ويخطئَّون به أئمة الدين، فيقولون-مثلاً-: يقول الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وهؤلاء -يقصدون أئمة أهل السنة- يقولون: (قد يكون مؤمناً) وقد أُتوا من جهلهم باللغة، وأساليب الخطاب، فهم لا يفرقون بين (لا) النافية للجنس، و (لا) النافية للكمال، ولا يفرقون بين (لام) العهد، و (لام) الاستغراق، و (من) المصدرية، و (من) التبعيضية، ولذلك
стр. 140
سقطوا فيما سقطوا فيه من الضلال، الذي دفعهم إلى تكفير العباد، وسفك الدماء، وهتك الأعراض، وسلب الأموال، راجع فصل ((الأسلوب)) في آخر الكتاب. (١)(٢).
стр. 141
لازم المذهب، ولازم القول:
معناه: أن يقول رجل قولاً، أو يذهب مذهباً، ويلزم من هذا المذهب أو القول، لوازم من أقوال ومذاهب.
فهل هذه الأقوال والمذاهب تلزمه، ويحكم عليه بها، أم لا؟
مثاله: قول أحدهم: إن الله في كل مكان، فلازم هذا أن الله في الحمامات والمزابل، ومن قال بهذا فقد كفر، لكن لا يمكن أن نكفر كل من قال إن الله في كل مكان؛ لأنه سيرد هذا اللازم، ولا يعتقده، ويدَّعي أنه لم يكن منتبهاً له، أو يكون له فيه تأول معين.
أحوال اللوازم:
إن كان اللازم من الله (١) تعالى ورسوله ﷺ ، فيلزم هذا العباد، بعد قيام الحجة عليهم، كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: (٤٢)]. فلازم من اعتقد وجود آلهة أن يبتغوا إلى الله سبيلاً، ولما كان هذا محالاً وباطلاً دل ذلك على بطلان ما اعتقدوه.
وقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: (٢٢)] فلازم اعتقادهم أن تفسد السماء والأرض بتنازع الآلهة، ولما كان من المعلوم فساد ذلك ضرورة، علم أن هذا اللازم باطل مما دل على بطلان ما اعتقدوا.
- أن يُذكر لصاحب القول اللازم ويرده، وفي هذه الحالة، لا يلزمه أبداً، ومن نسبه إليه فقد افترى وظلم.
- أن يُذكر له اللازم فيقبله، فهذا صار من قوله ومذهبه.
стр. 142
- أن يُذكر القول، دون بيان لازمه، قبولاً أو رداً، وفي هذه الحال، لا يجوز نسبة اللازم إلى صاحب القول حتى يُعلم موقفه منه، فقد يكون غير منتبه لذلك، أو لم يخطر له على بال، فإلزامه به ظلم له، وكذب عليه.
قال شيخ الإسلام: "وعلى هذا فلازم قول الإنسان نوعان:
أحدهما: لازم قوله الحق، فهذا مما يجب عليه أن يلتزمه، فإن لازم الحقِّ حقٌّ، ويجوز أن يُضاف إليه، إذا علم من حاله أنه لا يمتنع من التزامه بعد ظهوره، وكثير مما يضيفه الناس إلى مذهب الأئمة من هذا الباب.
والثاني: لازم قوله الذي ليس بحق، فهذا لا يجب التزامه، إذ أكثر ما فيه أنه قد تناقض، وقد بينت أن التناقض واقع من كل عالم غير النبيين، ثم إن عرف من حاله أنه يلتزمه بعد ظهوره له، فقد يُضاف إليه، فلا يجوز أن يُضاف إليه قول لو ظهر له فساده لم يلتزمه، لكونه قد قال ما يلزمه وهو لم يشعر بفساد ذلك القول ولا يلزمه" [مجموع الفتاوى: (٨/ ١٢٨)].
وقال: "وأما قول السائل: هل لازم المذهب؟ مذهب أم ليس بمذهب؟ فالصواب أن لازم مذهب الإنسان ليس بمذهب له، إذا لم يلتزمه، فإنه إذا كان قد أنكره ونفاه، كانت إضافته إليه كذباً عليه ولو كان لازم المذهب مذهباً، للزم تكفير كل من قال عن الاستواء أو غيره من الصفات أنه مجاز، ليس بحقيقة، فإن لازم هذا القول يستلزم قول غلاة الملاحدة المعطلين الذين هم أكفر من اليهود والنصارى" [مجموع الفتاوى: (٢٠/ ٢١٧)].
وتحت هذا الباب تندرج صور وأمور، يجب التنبيه لها:
الأولى: اللازم الصحيح -أي إذا صح أن يكون لازماً- لا يلزمه إلا إذا التزمه، وهذا ما أشرنا إليه سابقاً، فكيف إذا كان لا يلزمه أصلاً.
الثانية: ما لا يصح أن يكون لازماً أصلاً، سوى سوء القصد، وعقم الفهم، كمن يهتم بالدعوة إلى الأخلاق فليزمونه مذهب رجل باطل، كان يدعو إلى الأخلاق، أو يلزمونه تقديم الأخلاق على التوحيد، أو كمن يستشهد بكلامٍ صوابٍ لرجل عنده أخطاء، فيُلزمونه بتلك
стр. 143
الأخطاء، بدعوى أن الاستشهاد يعني المدح، والموافقة على باطله، أو يصحح مسألة عند عالم أو داعية، فيلزمونه مسائل باطلة، عند هذا العالم أو الداعية، وما شابه هذامن الإلزامات الباطلة، والترصدات الباردة، وحكايتها يغني -عند العقلاء- عن الرد عليها.
ولنا ضرب المثال التالي لينتبه الغافلون:
قال شيخ الإسلام في الفقرة المنقولة سابقاً: "وقد بينت أن التناقض واقع في كل عالم غير النبيين".
فقد يقول مترصد من هؤلاء:
إذن هناك تناقض عند أبي بكر وعمر ﵄، وإذن طعن شيخ الإسلام بأبي بكر وعمر، وإذن أيد بكلامه هذا الشيعة، وإذن ... ، وإذن ... ، علينا البراءة منه، ومقاطعته، ومقاطعة كل من لا يتبرأ منه، إلى غير ذلك مما نسمعه صباح مساء، من هؤلاء الشباب، الذين أُطلق لهم الرسن، من بعض أصحاب الفتن.
الصورة الثالثة: تفسير الكلام وفهمه، حسب ما يحلو للقارئ، أو السامع.
كمن يمدح داعية لموقف أو لمسألة، فيفسرون هذا مدحاً مطلقاً له، وتزكية كلية، ودعوة لمذهبه، أو ما عنده من باطل، ولو كان هذا الأمر صحيحاً، لاتهمنا شيخ الإسلام بتزكية مذهب الأشاعرة والمعتزلة بالكلية، حين يمدحهم في مواقفهم في الدفاع عن الإسلام، والرد على أعدائه.
أو كمن يذكر لفظاً من ألفاظ القرآن الكريم، أو السنة في عباراته، كلفظ: الطاغوت أو الجاهلية، فيلزمونه تفسير أصحاب المذاهب الباطلة لها، لمجرد ذكره كلمة ذكروها، رغم أنها مذكورة في الكتاب والسنة، ورغم أن قائلها واضح المذهب.
الدخول في النيات:
هذا الفعل هو من أقبح وأشنع ما وقفنا عليه من مذهب المترصدين، فإذا ما غضبوا على مخالف لهم، فسُرعان ما يَلِجونَ في نيته، ثم يزعمون أنهم يطلعون على قلبه، ويكشفون
стр. 144
حقيقته، ثم يَغْرِزونَ خناجر الاتهام فيه، ثم ينشرونها على حبال التشهير، باسم السنة وحماية الدين، ينشرونها وهي تقطر -بدعواهم- ضلالاً، وخبثاً، وفساداً، وابتداعاً، دون أدلة -والله- ولا براهين، سوى الظنون الفاسدة، والإلزامات الباردة، ثم يغدون ويروحون يتباكُون على الإسلام والأمة الإسلامية، والدعوة الحق، والمنهج السليم، وقلما ينجو مُخالف لهم منهم، حتى الإمامان لم ينجوا من خناجرهم، ودخولهم في نياتهم (١).
فما إن يُخالف مقلدهم أو شيخهم أو زعيمَهم مخالفٌ إلا سارعوا إلى محاضراته يترصدونها، وإلى كتبه ينبشونها، كما ينبش اللصوص القبور، يفتشون هنا وهناك، فوق التراب وتحت التراب، لعلهم يحصلون على حبل القمر، أو قشة البعير، ثم يطيرون بها فرحين، وهم يصرخون: قصد كذا، أراد كذا، هذا تكفيري، خارجي، مرجئي، مداهن، عميل، من أين أتى بثمن سيارته؟ من أين أتى بثمن بيته؟ من أين أتى بتذاكر سفره؟ ! لو لم يكن مرتبطاً لما فعل كذا، لو لم يكن كذا لما كان كذا، وكلها إلزامات يستحي أولاد الكتاتيب أن يفهموها فهمهم، وفضلاً عن أن هذا فساد في الخُلُقِ، وإفساد للخَلْقِ، فهو إسعار للفتن، ومخالفة صريحة لمنهج السلف في النصح، كما أن فيه إساءة ظن، وادعاء علم الغيب، فإن ما في القلوب لا يعلمه إلا علام الغيوب ((أفلا شققت عن قلبه)) حتى قال أسامة: ((وددت أني لم أكن أسلمت قبل هذا)) وذلك لهول هذا الأمر، أن تمنى أن يكون قوله هذا قبل الإسلام، حتى لا يحاسب عليه، أفلا تتعظون يا أصحاب الدخول في النيات.
ولو كان هؤلاء مصلحين، لما كان هذا أسلوبهم، بل لقاموا: بالنصيحة السرية، وبالكلمة الطيبة، كما أمر الله بذلك ورسوله ﷺ ، فإن أبى المنصوح فدونكم هو.
ولو شئنا أن نسلك مسلكهم هذا لقلنا: معظم أعمالهم هذه التي يترصدون بها عباد الله، إنما تدل على سوء قصدهم، وتبييتهم الشر لبعض مخالفيهم، وإثارة الفتن بين المسلمين، ولكنا لانفعل هذا، حتى لا نقع فيما نُهينا عنه.
стр. 145
ولو أنهم اتقوا ربهم في الاتهامات، لكان أنفع لهم، ولو أنهم رضوا بالجلوس عند العلماء لكان خيراً لهم وللمسلمين، ولكنهم أبو فكان ما كان.
أمثلة من اللوازم والتضليل:
المثال الأول:
واعلم أن هؤلاء المترصدين الملزمين بإلزامات ما أنزل الله بها من سلطان، لا يخلون من كل عصر ومصر، فقد عُيّر شابٌّ بالأمية، فأراد أن يدافع عن نفسه، فقال: "كان رسول الله ﷺ أمياً" فأخذوه وكادوا يقتلونه، لأنهم ألزموه إلزامات كفرَّوه بها" وهذا الإمام المحدث ابن حبان ﵀ قال: "النبوة: العلم والعمل" فألزموه إلزامات كفروه بها، وقالوا: إذن النبوة ليست وحياً، وإذن، وإذن، وروى الإمام وكيع حديثاً فيه أن بطن رسول الله ﷺ ربت بعد موته، فأفتوا بقتله، وقالوا: ما يروي هذا إلا من كان في قلبه غش للنبي ﷺ ، وأرادوا صلبه، لولا أن سخر الله له الإمام سفيان بن عيينة فأنقذه، وغاية ما في الأمر أنه أخطأ برواية الضعيف فماذا كان؟ !
المثال الثاني:
ذكرتُ كلمة (الصحوة) في بعض كتبي ومحاضراتي، فانظر إلى تعليق أحد المترصدين، لتقف على علم هؤلاء وفقههم، وترصدهم وأخلاقهم من خلال مسألة واحدة، قال: (هي -أي لفظة الصحوة- مصطلح نصراني روَّجها الإخوان، وتشير بأن الأمة الإسلامية كانت نائمة، أو كانت في غيبوبة، وإن قلنا غير ذلك، نكون قد كذَّبنا خبر المصطفى ﷺ ونعوذ بالله من ذلك ((لا تزال طائفة ... )) الحديث.
فانظر يا أخي العاقل، إلى هذه الإلزامات الباردة، والتحاملات الباطلة، على لفظة (الصحوة)، حتى جعلوا مَنْ ذكرها، مروجاً لمصطلح النصارى، ومكذباً للرسول ﷺ فنعوذ بالله من التقول والظلم، وغاية المقصود من هذه اللفظة: أن كثيراً ممن كان غافلاً عن الله تعالى رجع إليه واستقام، ونظراً لكثرة التائبين من المسلمين عموماً، ومن الشباب خصوصاً، أُطْلِقَ