وأمر الله الناس جميعاً بالتحاكم إلى ما أنزل، وحذرهم من مغبة الإعراض عنه، فقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: (٦٥)].
وعدّ الله الذين يأبون إذا ما دعوا إلى التحاكم من المنافقين ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: (٦)]. فاحذر -يا عبد الله- من هذا أشد الحذر، وسارع إلى قبول التحاكم هرباً من الهلاك، وطلباً للفلاح ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: (٥١)].
وهذا النوع من التوحيد، قد أُخل به في عصرنا إخلالاً عريضاً، وأعرض عنه إعراضاً كبيراً، فقد شُرّع غيرُ شرعه، وحُكم بغير حكمه، وتحاكم الناس إلى غيره، فنزلت المذلة والمهانة بالمسلمين، وعلا عليهم أعداؤهم، وظهرت الحياة الضنكى التي توعد الله بها من فقر وتشريد، وظلم وفساد، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ومعنى الحاكمية هاهنا باختصار: أن لا يحكم إلا بشرعه، وأن لا يتحاكم إلا إليه.
كما ينبغي التنبه إلى أن ثمة اشتراك في المعنى في ألفاظ الحاكمية، وتداخل فيما بين الربوبية الكونية القدرية، وبين الشرعية والألوهية، فتأتي "الحاكمية" جامعة شاملة لجميع المعاني، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [المائدة: (١)]. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ (١) [الرعد: (٤١)]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة: (١)].
أما قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: (٥٠)]. فهو دال على المعنيين، فقوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ دال على
стр. 72
أن الحاكمية من توحيد الألوهية، وقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ دال على أنها من توحيد الربوبية، فتدبر.
هل الحاكمية قسم رابع من أقسام التوحيد ؟
الحاكمية ليست قسيماً مستقلاً لتوحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، وليس من جعلها قسماً رابعاً بمصيب، ولا هو ضال، إنما هو خطأ في التفصيل (١)، لا يترتب عليه تضليل، ولا مقاطعة، ولا مفارقة، ما دام المقسِّم مقراً بأنواع التوحيد، ومبيّناً معنى الحاكمية على الوجه الحق، ولا يترتب على هذا التقسيم مفسدة في علم وعمل، ولكن الضلال، أن يُحصر معنى الحاكمية في السياسة، أو يخصّها في الحاكم، أو يوجبها عليه فحسب، وفي هذا الحصر خطأ جسيم، وانحراف خطير، فالحاكمية تشمل جميع أحكام الدين، من تحكيم الله تعالى ورسوله ﷺ في العقائد والعبادات، والسنن والمعاملات، إلى الحكم والتشريع والسياسات، كما تشمل الحاكمية جميع المسلمين، حاكمهم ومحكومهم، رجالهم ونساءهم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: (٢٠٨)].
وعلى هذا فإن على المسلم أن يجعل الكتاب والسنة حكماً له وعليه، في كل صغيره وكبيرة، ومنهج وعبادة، وسياسة وتغيير، ولا يجوز له أن يجعلهما حكماً في جانب دون جانب.
فمن قصرها على أحكام دون أحكام، أو على طبقة دون طبقة، فقد أخطأ أو ضل.
ودعوى أن الحاكمية لم ترد في الكتاب والسنة، وعلى هذا فهي بدعة منكرة، دعوى مردودة، فإن كان المقصود إنكار المعنى، فإن آيات الحكم صريحة واضحة في ذلك: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف: (٤٠)].
стр. 73
وغيرها مما سلف ذكره من الآيات، وإن كان قصده إنكار الاشتقاق اللغوي، فهو جهل في اللغة، فالاشتقاق أمر سائغ معروف في اللغة، لا ينكره طالب علم، وإلا فإن لفظة الألوهية، كذلك لم ترد في الكتاب والسنة، وإنما اشتقت من إله والحاكمية اشتقت من حكم. (١).
стр. 74
السياسة: أنواعها، أحكامها:
السياسة سياستان:
سياسة شرعية، وسياسة بدعية.
فالسياسة الشرعية: فهي رعاية الناس وحكمهم بما أنزل الله، وسنة رسول الله ﷺ ، وسنة الخلفاء الراشدين.
كما قال رسول الله ﷺ : ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين ... )) [رواه أبو داود (٤٦٠٧) والترمذي (٢٦٧٦) عن العرباض بن سارية، وصححه شيخنا الألباني في صحيح أبي داود: (٣٨٥١)].
وهي ما يسميه بعض العلماء ((الأحكام السلطانية)) أو ((السياسة الشرعية)).
والقيام بالسياسة الشرعية من أعظم الواجبات، وهي من أهم الضروريات، ولها منزلة بالغة في الدين، وأهمية في حياة المسلمين، قال شيخ الإسلام: "يجب أن يعرف: أن ولاية الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين إلا بها ... " (١)
[ص ١٦١].
стр. 75
ومنكر هذه السياسة، إما جاهل فيُعلَّم، وإما ماكر فيُردع، والقيام بأمر السياسة الشرعية، يكون بالسياسة الشرعية، وعلى الطريقة السلفية.
واعلم أن هداية الناس مقدم، على سياستهم، وسياسة بلا هداية إفلاس، كتجارة بلا رأس مال عاقبتها الإفلاس.
والسياسة البدعية:
السياسة البدعية: هي حكم الناس، وإدارة أحوالهم، ورعاية شؤونهم بغير شرع الله، من الأنظمة الوضعية، مهما كان اسمها، ومهما كان فحواها، ومهما كان مصدرها، دون مراعاة أحكام الشرع، ولهذه السياسة أصول فاسدة، وقواعد مخترعة، ليس هذا محل إبطالها.
وإن حشر جماهير المسلمين في هذه التيارات السياسية المعاصرة غير الشرعية، وقذفهم في لُججها، وإشغالهم بسرابها، ظناً منهم أن هذا ينصر الإسلام، ويدفع كيد الأعداء، إنما هو سراب، وما راءه إلا السراب، بل ما زادهم ذلك إلا خسارةً، وما نفعهم إلا ضياعاً للأوقات، وهدراً للطاقات، ولو أنهم بذلوا هذه الأوقات في تعليم الناس وتربيتهم، واستغلوا هذه الطاقات في دعوتهم، لكان خيراً لهم، وأهدى سبيلاً.
قال الشاعر عن السياسة المعاصرة البدعية:
أما السياسة فاتركوا ... أبداً وإلا تندموا
إن السياسة سرها ... لو تعلمون مطلسم
قلت:
إن السياسة شرها ... لو تعلمون مدمدم
وشتان بين سياسة الدين التي هي واجبة ثابتة واضحة، مبنية على شرع الله، كسياسة الرسول ﷺ ، والخلفاء الراشدين، وبين دين السياسة المبني على المصالح الشخصية، والألاعيب الخبيثة، والتقلبات الدولية، والذي لا يقيم لشرع الله وزناً، فهل نحن منتهون.
стр. 76
قلت: بل خوضها للأتقياء نَصَبٌ وحرج، وللدعاة مشغلة لا نفع فيها، وللعاطفيين مصيدة، وللعوام انحراف وسمّ في الدسم، وللدعوة مدمر، وللعدو عذر وغدر ومصلحة، وللشيطان مصرف للمسلمين عن العلم والعمل والدعوة.
واعلم -يا عبد الله- أنه لا تجتمع سياسة بدعية معاصرة، ومنهج حق وتقوى، إلا أفسدت منه بقدر ما اختلط بها.
وهذا هو مقصود شيخنا الألباني -حفظه الله- بقوله: "من السياسة ترك السياسة" أي السياسة المعاصرة، فإن أساس السياسة المعاصرة غير شرعي، وهو مبني على مقاصد دنيوية، ومصالح شخصية، وألاعيب خفية، ليس فيها دين ولا تقوى، فكيف يشارك فيها التقي الورع، ثم انظر أيها العاقل، ماذا جنى السياسيون المسلمون من جراء الخوض في هذه السياسة، سوى القيل والقال، وضياع الأوقات، وهدر الأموال والطاقات، واستغلالهم في كثير من المواقف، وجعلهم ألعوبة يتلاعب بها، وإسقاطهم في فخاخها، لتمرير قضايا مبيتة.
ولقد أقرَّ كثير من عقلائهم -بعد خوضهم السياسة البدعية- بفساد هذا الطريق، وفشلهم فيها، حتى قال أحد قادتهم: "إن دخول السياسة في هذا الزمان انتحار للجماعة الإسلامية".
كما أعلن أساطين السياسة من المسلمين وغيرهم، من شرقيين وغربيين "أنه لا خلق للسياسة، ولا دين لها" وما يجري في الخفاء مما لا يعلمه الناس أكبر وأدهى وأكثر مما يظهر.
وللسياسيين وبخاصة الغربيين، كلمات في هذا كثيرة منها:
"من تكلم في السياسة قبل الأربعين فهو أحمق" و "من زعم أنه يعلم كل ما يجري على الساحة السياسية فهو جاهل".
وإذا كان دخول هذه السياسة من قبل الجماعات الإسلامية جائزًا، فإن الخطأ الفادح الذي ارتكبوه ويرتكبوه اقتحامهم بجماهير غير مؤهلة ولا متربية، ولا ذات بصيره في دينها ولا دنياها، ولو أنهم علموا هذا لأدركوا سر فشلهم، وأسباب تراجعهم.
стр. 77
وإذا كان شيء منها حقًا، وفيه مصلحة ظاهرة راجحة، ولا يترتب على ذلك مفسدة، كأن يكون ذلك في بلد معين، في ظرف معين، فيجوز وقتئذ التعامل معها، كالتعامل مع لحم الخنزير، وشرب الخمر.
стр. 78
الإنكار: أحكامه وأنواعه وقواعد إنكاره، وموقف المسلم منه:
إنكار المنكر من أعظم الواجبات، وهو للمجتمع الإسلامي من أكبر الواقيات، من الفتن والمفسدات، وما ظهر هذا الفساد العريض في المجتمعات، فاستبيحت المحرمات، وكشفت العورات، وذهبت المروءات، حتى ليرى المسلم أخته أو بنته يُختلى بها، ويدنس عرضه، ولا يتحرك له ضمير، ولا تثور به مروءة، ويباع الخمر جهاراً نهاراً، وتفتح دور زنى لأول مرة في تاريخ المسلمين، ويدخلها العلج الكافر ليزني بمسلمة، والمسلمون كمن لا سمع ولا رأى، يغدون ويروحون أمامها، فلا يأمرون بمعروف ولا ينكرون منكراً، بل لا تتمعر وجوه كثير من المسلمين إلا قلة قليلة منهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فانتشرت الفواحش، وتسلط الأعداء.
كل ذلك كان عاقبة ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووالله إن المسلم الراشد ليخشى أن تخسف الأرض بالجميع حين يرى ذلك، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: (٢٥)].
وما هذا الذل والعذاب والهوان الذي نزل بالمسلمين إلا من جراء ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفعل الذنوب، وترك الواجبات، مصداقاً لقوله ﷺ : ((والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عذاباً من عنده، ثم لتدعونه فلا يستجاب لكم)) [أحمد ٢٣٣٤٩ الترمذي (٢١٧٠) وحسنه هو والألباني]. ولو أن المسلمين قاموا قومة رجل واحد في إنكار المنكر أول ظهوره، لما تفشى وظهر، ولو أن المسلمين قاموا قومة رجل واحد في وجه الاستعمار وأعداء الله، لما وقع هذا الفساد في البلاد، والانحراف في العباد، ولما كان ما كان، ولكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً.
ولذلك حلت اللعنة على من لم يأمر بالمعروف، ولم ينه عن المنكر: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: (٧٨ - ٧٩)].
стр. 79
وقد وقع كثير من المسلمين في هذا، وأحجموا عن الأمر بالمعروف لأدنى أذية، واعتذروا لأقل مفسدة، ضعفاً في الإيمان، وجهلاً في الدين، ومنهم من سكت خوفاً وجبناً، وتحقيقاً لمصلحة دنيوية وطمعاً في منزلة فانية، غافلين عن المسئولية بين يدي الله، وعن المفاسد المهلكة التي تحصل بالسكوت.
وفي الوقت الذي فرط فيه هؤلاء، أفرط آخرون، فأمروا ونهوا بغير ضوابط علمية، ولا مراعاة للمصالح والمفاسد المترتبة، غافلين عن الأحكام الشرعية، والسنن الكونية، فحصل بذلك ردود فعل عظيمة، من المُنْكِرين أنفسهم، ومن المنَكَر عليهم.
ولذلك فإنهم لما وجهوا أو فشلوا، فترت همهم، وعزل بعضُهم أنفسهم، ولربما ارتكس آخرون، وأما المنْكَرُ عليهم، فاستغلوا فتور المصلحين، فتمادوا في غيهم، واستعلوا في أنفسهم، فازداد المنكر وفشى، وانتشر الفساد وطغى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي الأعلى.
والحق والوسط: يوجب على المسلم إنكار المنكر، وذلك حين الاستطاعة، وتحقق الشروط الأخرى، من غير إفراط ولا تفريط.
شروط الإنكار وواجباته:
- أن يكون المُنْكِر عالماً بحكم المنكر، وأن يحذر أن ينكر في الخلاف المعتبر.
- أن يتحلى بالحلم حين البيان والإنكار، لما يصيبه من المنكَر عليه من أذية أو استكبار.
- أن يتسلح بالصبر لما سيصيبه من أذى بعده.
- أن يوازن بين المصالح والمفاسد، ولها أربع مراتب:
الأولى: أن يترتب على الإنكار مفسدة أكبر، وفي هذه الحال يمنع الإنكار، كأن ينهى المسلم عن منكر قد يؤدي إلى قتله، أو ينتقل صاحب المنكر إلى منكر أكبر، فقد أراد أحد المشايخ الإنكار على التتار شربهم الخمر، فنهاه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ معللاً ذلك: بأنهم إن صحوا من سكرهم، دخلوا البلاد فأفسدوها.
стр. 80
الثانية: أن يترتب على الإنكار مفسدة أقل، فينكر في هذه الحال، وتارك الإنكار آثم فطريق الدعوة والإنكار محفوف بالأشواك.
الثالثة: أن تتوازى المصلحة مع المفسدة، وهذه المرتبة محل نظر. (١)
مراتب الإنكار ثلاث:
اليد: فإن لم يستطع ورأى فيها مفسدة كبيرة، انتقل إلى المرتبة الأدنى وهي اللسان.
اللسان: فإن لم يستطع، ورأى أن في الإنكار باللسان مفسدة كبيرة، انتقل إلى الإنكار بالقلب.
القلب: إنكار القلب يعني بغض المنكر، والعزم على إنكاره باللسان واليد حين الاستطاعة، ويقتضي أيضاً تمعر الوجه ومفارقة المنكر، وفعل ذلك يدل على بقاء الإيمان، وصدق العجز، وبه يُرفع الوزر، وهذا هو أدنى درجات العجز والإنكار والإيمان في هذا المقام.
ومن لم يتمعر وجهه، ويفارق المنكر، وينكر بقلبه، فليراجع إيمانه.
تنبيهات:
- إذا انتقل من درجة إلى أدنى مع الاستطاعة، دون نظر إلى المفاسد، فهو ضعف في الإيمان، وتقصير في حق الإنكار، يحاسب على ذلك.
قال ﷺ : ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)) [مسلم: (٤٩) وأبو داود: (١١٤٠) والترمذي: (٢١٧٣) والنسائي: (٨/ ١١)].
- ينبغي أن يبين لصاحب المنكر حكم منكره، خشية أن يكون جاهلاً، أو متأولاً، ويكون ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة، كما فعل رسول الله ﷺ مع الذي بال في المسجد.
стр. 81
- لا يعني إنكار المنكر وجوب الغلظة والشدة، وفظاظة العبارة، فقد يكون الإنكار بتلاوة آية، أو بذكر حديث، أو بكلمة طيبة، أو باستفهام مؤثر، أو بموعظة حسنة، وربَّ كلمة أغنت عن محاضرة، كأن يقول له: لِمَ تدخن يا أخي؟ هل العاقل يؤذي نفسه؟ وما شابه ذلك.
﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: (٤٢)].
ومن هذا قال أهل العلم: يجب أن يكون الأمر بالمعروف بالمعروف، والنهي عن المنكر بالمعروف، لا بالمنكر من القول والفعل.
- ينبغي أن يقدم بين يدي أمره ونهيه دعوة إلى الخير، قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: (١٠٤)]. فقدم الله سبحانه تعالى الدعوة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى هذا يكون:
- الإنكار فرع الدعوة إلى الله تعالى، والله تعالى يقول: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: (١٢٥)].
- ليس المقصود من الإنكار مجرد الإنكار، بأن يقول المُنْكِر: "هذا منكر" فحسب، وإنما المقصود إزالة المنكر، فليكن الداعية حكيماً، في اختيار الطريقة والوسيلة والأسلوب المناسب في إطار الشرع، الذي ينتهي به صاحب المنكر عن منكره، إذ ربما ينتهي صاحبُ المنكر عن منكره مؤقتاً، وهذا وإن كان مطلوباً، لكنه ليس هو المقصد الأساس من الإنكار، إذ المقصود الانتهاء عن المنكر كلياً.
محذورات المنكِر خمسة:
- الأمر بغير حكمة، والنهي بفظاظة، فتكون المفاسد أكبر.
- أن لا يغضب الداعية، وينتقم لنفسه، والغضب والانتقام للنفس يفسد العمل، ويذهب الثمرة، ولا ينتقم مخلص.
стр. 82
- أن تكون غايته كسر صاحب المنكر، والازدراء به وفضحه، بل تكون غايته إنهاء المنكر، وإصلاح صاحبه.
- السآمة والفتور حين الفشل.
- أن يتعجل قطف الثمرة، وإنما ينظر إلى ثمرة العمل بأمر ربه، وتحصيل ثوابه، ونيل رضوانه.
المعينات على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
- الإخلاص: هو عموده وقوامه، فإن سقط سقط كل شيء.
- الاحتساب: هو سلواه وأمله، فوالله ما صبر رجل واحتسب الأجر عند الله تعالى، إلا استمر في عبادته، وداوم على علمه ودعوته، ولم ينقطع.
- الحلم: هو سلاحه في إنكاره، ووقايته من هجوم صاحبه، والوسيلة الكبرى لاستمراره في أمره ونهيه.
- الصبر: هو وقوده في دعوته، وفي أمره ونهيه، ودرعه في أذيته.
- سير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والصالحين: ففيها عبر للعاملين، وعظة للمخلصين.
стр. 83
المداهنة، المداراة، التقية:
المداهنة: الموافقة على باطل وتأييده، أو المشاركة فيه مصانعة لأهله، أو ترك إظهار الحق وخذلانه، مع القدرة على الإنكار، طمعاً في مصلحة غير شرعية، من دنيا أو مال، وقيل: أن يظهر المرء ما لا يبطن مسايرة للباطل وأهله.
ومن صورها: المجيء إلى هؤلاء بوجه، وإلى هؤلاء بوجه، أو ما يسميه بعضهم "التلوّن".
كل ذلك مما حرمته الشريعة، وشنعت على فاعله، وجعلته كبيرة من الكبائر.
قال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: (٩)].
وقال ﷺ : ((تجد من شرار الناس يوم القيامة عند الله ذا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه)) [رواه البخاري: (٥٧١١) ومسلم: (٢٥٢٦) وأحمد (٢/ ٣٩٨) عن أبي هريرة]. وهذا يخص من يفعل ذلك لأجل الإفساد.
المداراة: هي التلطف والرفق بالمخطئ، وعدم مصارحته بحقيقته، أو تأخير بيان الحق دفعاً لمفسدة أكبر، أو السكوت عن منكر اتقاء شر أكبر، أو طلباً لمصلحة شرعية أعظم، أو بغية انتظار فرصة إصلاح أفضل، دون أن يتضمن هذا السكوت تأييداً لباطل، أو إبطالاً لحق، مع إنكار القلب في هذا كله، وعزمه على الإنكار باللسان واليد حين الاستطاعة.
وهذا مما أباحه الإسلام، ودليل ذلك قوله ﷺ : ((بئس أخو العشيرة)) [رواه البخاري: (٥٦٨٥) ومسلم: (٢٥٩١) وأبو داود: (٤٧٩٢) عن عائشة ﵂]. وقول أبي الدرداء ﵁: ((إنا لنكشر (١) في وجوه أقوام، وإن قلوبنا لتلعنهم)) [أخرجه البخاري معلقاً وغيره موصولاً]. (٢)
التقية: النطق بغير الحق، مع اطمئنان القلب به، وكراهة فعله، وعزمه على التصريح به حين ذهاب السبب، ويفعل هذا مع الكافرين أو الظالمين مؤقتاً، كرهاً، أو خوفاً من ضرر كبير يقع عليه في دينه، وحياته، أو دفعاً لمفسدة عظيمة تقع على غيره، ولا يمكنه تفادي
стр. 84
الموقف إلا بذلك، وقد أجاز هذا الشرع، قال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨)].
ومن ذلك شتم عمار ﵁ رسول الله ﷺ ، لما عذبه المشركون، وككلام محمد بن مسلمة ﵁ في النبي ﷺ حين أراد قتل كعب بن الأشرف، وكلام الحجاج بن علاط في رسول الله ﷺ في تقيته كفار قريش، حين أراد أخذ ماله من مكة.
وأما من فعله وهو قادر على قول الحق، فلا تكون وقتئذ تقية، وإنما هي مداهنة محرمة.
ولا تجوز التقية لمن تعيّن عليه بيان الحق، وكان في التقية ضياع للحق ولو أدى ذلك بروحه، كما فعل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وكما فعل الإمام أحمد ﵀ في فتنة خلق القرآن (١).
طوائف الناس في هذا:
واعلم أن كثيراً من الناس يخلطون بين المداهنة والمداراة والتقية ومراتب الإنكار، في الفهم والعمل، والحكم على الناس.
فطائفة يظنون: أن كل تلطف، أو كلمة طيبة، أو خلق حسن مع المخطئ، أو السكوت المؤقت عن الخطأ، بغية إصلاح ما هو أعظم، أو انتظار فرصة أفضل، هو مداهنة.
وآخرون يعكسون، فتراهم يداهنون الظالمين، ويسايرون أصحاب المنكرات والبدع، فلا يأمرون بالمعروف، ولا ينهون عن المنكر، وينصرون بذلك الباطل، ويخذلون الحق، بدعوى المداراة، ابتغاء دنيا يصيبها، أو منصب يتطلع إليه، أو خوفاً على مصلحة تفوته، أو أذى -دون ذلك- يقع عليه، فأفسدوا بذلك دينهم، وضيعوا شرع ربهم.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: (١٥٩)].
стр. 85
وآخرون يظنون أن التقية مع المسلمين، ويرون أن علياً ﵁ كان يرى ضلال الشيخين أبي بكر وعمر ﵄، ولكنه سكت تقية.
فالطائفة الأولى: الذين لم يحسنوا المداراة، قد فقدوا الحكمة في الدعوة، فغلظت قلوبهم، وساءت أخلاقهم، واحتدت ألسنتهم، فنفروا العباد، وأساؤوا إلى الدين، وضيعوا كثيراً من المصالح، وجلبوا كثيراً من المفاسد، وخسروا الدعوة، ولم يقتصروا على ذلك، بل عابوا على غيرهم حكمتهم، واتهموهم بالمداهنة، أو بـ"التَّلون" لتلطف فعلوه، أو لكلام طيب مع المخالف أظهروه، أو لبيان حق لمصلحة شرعية أخّروه، وهؤلاء يحتجون بعموم النهي عن ذي الوجهين، وغير ذلك من النصوص والآثار، والأمر ليس كذلك، فذو الوجهين المذموم، من يريد الإفساد بين الناس، أو الاطلاع على أسرارهم ونقلها، فيأتي هؤلاء بكلام وهؤلاء بكلام، ليحرش هؤلاء على هؤلاء، وليفسد هؤلاء على هؤلاء.
أما المصلح ذو الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بكلام طيب، وهؤلاء بكلام طيب، ولو كان كذباً، ليؤلف القلوب، ويستميل النفوس، ويصلح الفساد، فلا يدخل في هذا النهي، بل من يفعل ذلك مخلصاً، فله أجر عظيم.
﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: (١١٤)].
وقال ﷺ : ((ليس الكذاب بالذي يصلح بين الناس فينمي خيراً، ويقول خيراً)) [البخاري (٢٥٤٦) ومسلم (٤/ ٢٠٧) رقم (٢٦٠٥) عن أم كلثوم بنت عقبة].
قال الحافظ ابن حجر [فتح الباري: (١٠/ ٤٧٥)] [في شرحه لحديث ذي الوجهين]: "قال النووي: هو الذي يأتي كل طائفة بما يرضيها، فيظهر له أنه منها ومخالف لضدها، وصنيعه نفاق، ومحض كذب وخداع، وتحيّل للاطلاع على أسرار الطائفتين، وهي مداهنة محرمة، قال: فأما من يقصد بذلك الإصلاح بين الطائفتين، فهو محمود، وقال غيره الفرق بينهما: أن المذموم، من يزين لكل طائفة عملها، ويقبحه عند الأخرى، ويذم كل طائفة عند الأخرى، والمحمود: أن
стр. 86
يأتي لكل طائفة بكلام فيه صلاح الأخرى، ويعتذر لكل واحدة عن الأخرى، وينقل إليها ما أمكنه من الجميل، ويستر القبيح".
وعلى هذا: فلقاء بعض الجماعات الإسلامية من أهل السنة والجماعة وزياراتهم، لنصحهم، وبيان الحق وإظهار السنة، ليس من المداهنة في شيء، على أن لا يكون في هذا تأييد لبدعتهم، ونصرة لضلالهم.
وإذا كان رسول الله ﷺ زار اليهود لدعوتهم، أو لمرض أحدهم، أو تلبية لدعوتهم فمن باب أولى زيارة المسلمين لنصحهم.
وإذا كان نبي الله موسى ﷺ قد ألان القول لفرعون بأمر من الله سبحانه، فإخواننا أحق بهذا اللين والرفق.
ولهؤلاء يقال: هب أن يهوداً أو نصارى دعوا داعية مسلماً متمكناً حكيماً لإلقاء محاضرة عن الإسلام، فهل يقول مسلم: لا يذهب، بل يجب عليه أن يذهب إذا كان أهلاً لذلك، كما كان رسول الله يفعل وأصحابه، كانوا يغشون مجالس المشركين واليهود لتبلغيهم، وإقامة الحجة عليهم، وبخاصة إذا غلب على ظنه غلبة المصالح على المفاسد، وألا يكون لهم خديعة في ذلك أو مصلحة، وأن لا يكون على حساب الحق، وينبغي أن يلين لهم الكلام، ولو كانوا يهوداً أو نصارى، ويحرم عليه الفحش والسب والغلظة ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: (٤٦)]. ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: (٨٣)].
لقد جلبت الدعوة إلى الله في بلاد الغرب خيراً كثيراً كثيراً، ويزداد هذا الخير، إذا كان الداعية عالماً حكيماً، خلوقاً رفيقاً.
فقد قال رسول الله ﷺ لعائشة لما شتمت اليهود: ((يا عائشة: إن الله يحب الرفق في الأمر كله)) [البخاري: (٦٩٤٧)].
стр. 87
ومن الناس من يلين الكلام لذي القوة، خوفاً أو طمعاً، ويشتد على الضعيف تجبراً أوكبراً، وآخرون يقسون على ذي السلطان، ويلينون لأهل الابتداع والانحراف، وفي كل تطرف وإجحاف.
стр. 88
الجهاد: أحكامه، أنواعه
الجهاد شعيرة من شعائر الإسلام العظيمة، وهو: ماض إلى يوم القيامة، مع كل بَرٍ وفاجر، لا يُعطِّله ظلم ظالم، ولا تسويف مسوف، ولا ينسخه تأويل متعالم، قال رسول الله ﷺ : ((لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية)) [البخاري (١٧٣٧) ومسلم (٣/ ١٤٨٧) رقم (١٣٥٣) عن ابن عباس].
ولم تعزَّ أمة الإسلام -بعد التوحيد والتقوى- إلا به، ولم ينزل بها الذل إلا بإخلالها بالتوحيد، وعصيان الله والانكباب على الدنيا، وترك الجهاد في سبيل الله، كما قال رسول الله ﷺ : ((إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله، سلط الله عليكم ذلاً، لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم)) [رواه أحمد رقم (٤٨٢٥) وأبو داود (٣٤٦٢) عن ابن عمر وصححه شيخنا الألباني في صحيح أبي داود (٢٩٥٦) وفي الصحيحة رقم (١١)].
والجهاد يشمل جهاد الحجة والبيان، والدعوة والسنان وجهاد المال والإخلاف، وهو أن يخلف المجاهدين في أهلهم بخير.
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: (٧٣)]. ومع أمر الله تعالى لنبيه ﷺ بجهاد المنافقين، فلم يرفع عليهم سناناً، وإنما وعظهم بياناً ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: (٦٣)].
وقال ﷺ : ((جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم)) [أخرجه أحمد (٣/ ١٢٤) وأبو داود (٢٥٠٤) والنسائي (٦/ ٥١) الدارمي (٢٤٣١) والحاكم (٢/ ٨١) وقال صحيح على شرط مسلم].
والجهاد بالسنان جهادان: جهاد الدفع، وجهاد الفتح والدعوة.
فأما الأول: فليس له شروط سوى أن تكون المصلحة أكبر من المفسدة.
- وعلى المسلمين أن يهبُّوا حسب قدراتهم لرد العدو الصائل.
- وأن يخضعوا لأمر السلطان إن وجد، وإلا خضعوا لأهل الحل والعقد.
стр. 89
- وأن يتفقوا فيما بينهم على من يقودهم.
- وأن يكونوا صفاً واحداً غير متنازعين، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [سورة الصف: (٤)]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [سورة الأنفال: (٤٦)].
وأما جهاد الفتح والدعوة: فله شروط وواجبات معروفة عند العلماء، لا يجوز تجاوزها، ومنها على سبيل الذكر لا الحصر:
- أن يكون المسلمون أهلاً لذلك، من الناحية الإيمانية، والعقدية، والتربوية، والعلمية.
- أن يكون ذلك بعد التمكين (أي: إقامة دولة).
- أن يكون بجماعة، وتحت إمرة أمير المؤمنين وبإذنه.
- أن يبذل ما يستطاع من الإعداد المادي.
- أن تتميز الصفوف (يكون صف الكفار في جهة مميزاً عن صف المؤمنين الذي في جهة أخرى).
- أن تتوحد الصفوف.
- أن تكون الراية خالصة، ليس فيها ما يشوبها من وطنية، أو قومية، أو ...
والناس فيه بين ناسخ ومُفرّط، ومثبط ومقصر، وبين متعجل ومتهور، ومجاهد بلا تحقيق شروط، ولا انتفاء موانع، ولا عملٍ بواجباته.
ومن المسلمين من يظن: أن الإسلام لا يقوم إلا بالجهاد، فيغفل عن العلم والعمل والدعوة، أو ينشغل عنها به.
ومنهم من يعتقد: أنْ إذا توقف الجهاد وعجز عنه، ضاعت الأمة، وتعطلت الدعوة، وتوقف التعليم، فلا دعوة ولا علم ولا تربية إلا بالجهاد، فإذا توقف الجهاد، توقف عندهم كل شيء.
стр. 90
ومنهم من يظن: أن الجهاد منسوخ، وأنه يمكن للأمة الاستغناء عنه بالدعوة، وكلا الفريقين متطرف بين مُفْرِطٍ ومُفَرِّطٍ (١).
ولقد آن الآوان لشباب الصحوة أن يتعظوا بما مرَّ من تجارب، وأن يأخذوا من الأحداث التي قام بها كثير من الإسلاميين، دروساً وعبراً، والعاقل من اتعظ بغيره.
وأما إذا وقع قتال بين مسلمين وكفار، لا يدري المرء عن تفاصيله، وأراد الكفار أن يستأصلوا شأفة المسلمين، فهل يقف مكتوف الأيدي؟ من استطاع أن يعينهم بنفسه فليفعل، فمن لم يستطيع فبماله، فمن لم يستطع فبدعائه، وذلك أضعف الإيمان، وأدنى الولاء والبراء؛ وذلك لعموم وجوب نصرة المسلم، وللمسألة مقامات وتفصيلات ليس هاهنا محل تفصيلها.
مفاسد الجهاد والخروج بغير ضوابط شرعية:
ولقد حصل بسبب الجهاد بغير تحقق الشروط، أو الخروج على الحكام المسلمين، لذنب فعلوه، أو ظلم عملوه، مفاسد عظيمة، وذهبت منافع كبيرة، فسفكت الدماء، وانتهكت الأعراض، وسلبت الأموال، وعاش الناس في روع وخوف عظيمين، وأعظم من هذا كله، تعطل العمل، وانقطاع الدعوة، وتوقف جحافل المسلمين عن الفتح، وهداية الخلق، فانشغل المسلمون عن أعدائهم الحقيقييّن، فقويت شوكة العدو، فاستغلت بطانة السوء من الشعوبية واليهودية، انشغال المسلمين بعضهم ببعض، فنفّذوا في أمر المسلمين كيدهم، -بإذن الله- وكان ما كان بعد ذلك من البلاء والشقاء على الأمة.
стр. 91
مفاسد القعود عن الجهاد، وعن الخروج الشرعي:
وقد حصل كذلك بسبب القعود عن الجهاد، ومواجهة العدو الغازي والاستعمار وأذنابه شر عظيم، وذل مهين، فديست الكرامة، وبيعت الأرض، وانتهك العرض، وأعظم من ذلك، تربية الأجيال على الإلحاد، حتى كاد الناس أن يخرجوا من دين الله أفواجاً، بل خرج كثير منهم، وأصبح المسلمون أسارى، وما هم بأسارى، ولكن الله أذهب -بذنوبهم- مهابتهم، فهانوا على عدوهم فأذلهم، ووقعت الفتنة، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: (٣٩)]. وحل الذل مصداقاً لقوله ﷺ : ((وتركتم الجهاد في سبيل الله سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم)) [رواه أحمد: (٤٨٢٥) أبو داود: (٣٤٦٢) وصححه شيخنا الألباني في الصحيحة: رقم (١١)].
стр. 92
الحكام: أنواعهم، وأحكامهم:
تطرف كثيرون في مسألة الحكام، فغلا بعضهم حتى كفر كل من صدر منه حكم بغير ما أنزل الله، دون تفصيل، أو وقع منه ظلم، أو ظهر منه فسق، فأجاز الخروج لأجل ذلك.
وتساهل آخرون حتى جعلوا الحكام الشيوعيين الملحدين المارقين، الذين يحاربون الله ورسوله، والإسلام والمسلمين جهاراً نهاراً، جعلوا هؤلاء ولاة أمر، تجب طاعتهم، وتحرم معصيتهم (١).
والحكام -بعامة- أربعة:
- حاكم راشد على منهج الخلفاء الراشدين قد يقع منه الخطأ الاجتهادي.
- وحاكم مسلم، مستقر الحكم أو البيعة، مقيم للصلاة، معلن شعائر الإسلام، مقر بأن مصدر الحكم الوحيد الإسلام، وعنده تقصير وظلم وذنوب، ولم يَظهر منه كفر بواح (٢).
فهذان الحاكمان لهما البيعة، وتجب طاعتهما، ويحرم معصيتهما، إلا إذا أمر الحاكم بمعصية، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ الآية [النساء: (٥٩)].
ولا يحل الخروج عليهما، ويجب القتال معهما لِنُصرة الدين، ولصدِّ العدو والخارج عليهما، ولو كان مسلماً؛ لقوله ﷺ : ((من أتاكم وأمركم جميعٌ على رجل واحد، يريد أن يشق عصاكم، أو يفرق جماعتكم فاقتلوه)) [رواه مسلم: (١٨٥٢)].
وقال ﷺ : ((إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان)) [رواه البخاري (٦٦٤٧) ومسلم (٣/ ١٤٧٠) عن عبادة بن الصامت].
стр. 93
- الحاكم الثالث: حاكم معلن للإسلام، ولكنه لا يقيم أحكامه، ولا يسمح بإقامة شعائره أو بعضها، محارب للدعاة على منهج الأنبياء، ومعرقل للدعوة على طريق السنة، مما أدى إلى الصد عن سبيل الله تعالى، يعين على نشر الفساد، ويسكت عن الكفر البواح، مما أدى إلى ضعف المتقين، وقوة الفاجرين.
- الحاكم الرابع: من ظهر منه كُفر بَواح، عندنا فيه من الله برهان.
فهذان الحاكمان، لا طاعة لهما إلا في حدود دفع المفاسد.
أما الخروج على الثالث، فهو محل نظر عند العلماء.
وأما الخروج على الرابع: فهو واجب، إذا توفرت بقية الشروط الشرعية المذكورة في بابه.
الخروج على الحكام:
الخروج على الحكام من الأحكام الشرعية التي فرط فيها أقوام، وأفرط آخرون، فأما المفرطون الغلاة، فهم الخوارج ومن شايعهم، من الذين يخرجون بغير شروط شرعية، ولا نظر إلى حكمة، ولا مصلحة ولا مفاسد.
ومن أهم الشروط الشرعية:
١ - ظهور الكفر البواح، بدليل قطعي لا اجتهادي
((إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان)).
٢ - العدة الإيمانية.
٣ - العدة المادية التي يغلب على ظن أهل الحل والعقد أنها تكفي.
٤ - اندفاع المفسدة الأكبر من الخروج.
٥ - أن يُفتي بالخروج الراسخون من أهل العلم.
٦ - أن يكون الأمر للصالحين من بعده، لا لغيرهم، وأن لا يكون مجرد تغيير وجوه.
٧ - أن تجتمع الكلمة على قائد منهم، يقودهم حكماً وشرعاً.
стр. 94
وأما المفَرّطون: فهم الذين قعدوا حين أوجب الله عليهم القيام، حين تحققت الشروط، وانتفت الموانع، وما فعلوا ذلك إلا جهلاً أو جبناً، وقد ذاق المسلمون مغبة ذلك، حين احتل المستعمرون وأذنابهم ديار المسلمين، ونهبوا خيراتهم، وأفسدوا بلادهم، وكل هذا مصدق لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: (٢٤)]. والمقصود بأمر الله هاهنا، هو العقوبة، من خوف وجوع، وتشريد وتسليط الظالمين عليهم، وقد بينه الله بقوله: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ [التوبة: (٣٩)].
стр. 95
البيعة وأحكامها:
المقصود بالبيعة: عهد من الرعية للراعي، على طاعته بالمعروف، وعدم الخروج عليه، ومناصرة أحد على ذلك، وهي طريقة شرعية بدل الطرق المبتدعة من الانقلابات والانتخابات وما شابهها.
والبيعة من السياسة الشرعية، لا يبطلها تغير زمن، ولا تطور أنظمة، ولا يلغيها ظلم ظالم، ولا تأويل متأول.
وهي واجبة على كل مسلم، لكل مسلم متمكن (سلطان) يحكم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولو كان فيه فسق أو ظلم، أو أخذ الحكم بالقوة، ثم استقر له الأمر، هذا هو الذي استقر عليه مذهب السلف، قال ﷺ : ((من مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية)) [رواه مسلم: (١٨٥١)].
إذ العبرة بالإسلام، وإقامة حكمه، واستقرار ملكه.
ولا تُنقض البيعة إلا بظهور الكفر، أو الجنون، أو الموت أو العجز، وأمثال ذلك مما يعطل قيامه بمهامه.
стр. 96
الراعي والرعية: أحكامهم، صفاتهم، واجباتهم
الحكام أمنة الناس، والرعية عمادهم، وهم جميعاً أمة واحدة، بعضهم أولياء بعض، قال تعالى:
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ والرعية والرعاة المؤمنون يدخلون في هذا، وهم يد على من سواهم، فإذا تحقق هذا التوازن، تحققت مصالح عظيمة، وتمت منافع كثيرة، إذ يسود الوئام، ويخيم الأمن، وتطمئن النفوس، وتتحاب القلوب، وحينئذ تتماسك الأمة في بنيانها، وتتمكن من أمرها في نفسها، وعلى أرضها، وتنتصر على عدوها.
ومن أعظم الأمور التي تحقق هذا التوازن، وما يترتب عليه من مصلحة للعباد، ومنفعة للبلاد، الارتباط القوي بين الراعي والرعية، والثقة المتبادلة بينهما، وتبادل الواجبات والحقوق، ومحورها: العدل من الراعي، والطاعة في المعروف من الرعية، ويتحقق هذا بالعمل بأحكام الإسلام، والتزام حدوده، من الطرفين.
وإذا اختل هذا التوازن، وقعت الفتن، وظهر الفساد، وضاعت الحقوق، وفُقد الأمن، وصار الناس في فوضى طاغية، وعاشوا في هرج ومرج، وبؤس مر بئيس.
واعلم -رحمني الله وإياك- أن هذا يحصل حين لا يلتزم الناس-حكاماً ومحكومين- شريعة الله وحدوده، فيشتد ظلم الحكام، ويفقد الناس الصبر.
ولذلك كان من المفاسد الكبرى، نشر سيئات الحكام المسلمين، وذنوبهم الخافية على الناس على الملأ، وتحريض كل طرف منهما على الآخر، فيثور الناس، وتقع الفتن، ثم تكون الحسرة والندامة، وما لبنان، والصومال، وأفغانستان، عنا ببعيد، حين فقد الحاكم المسلم. (١)
ولأن يُحكم الناس بمسلم مذنب ظالم، خير لهم من أن يبقوا دون حاكم.
ولذلك كان من منهج أهل السنة: نُصح الحكام سراً، إذا كان يترتب على النصح العلني مفسدة، وبيان الحق لهم دون ليّ ولا مداهنة.
والناس في الحاكم المسلم طرفان ووسط:
стр. 97
طرف يسكت عن الحكام وما يفسدون، فلا ينصح جهراً ولا سراً، بل يداهن ويمدح بغير حق، فهذا شيطان أخرس تارة، وشيطان ناطق تارة أخرى.
وطرف: لا يدرك المصالح والمفاسد، فيُظهر عوراتهم الشخصية، ويفضح ذنوبهم، أمام من لا يقدر أن يفعل شيئاً، وهذا لا هو للحكام بيّن ونصح، ولا هو للناس علّم ونفع، بل أثار بذلك الفتن، وأذكى بينهما الضغائن، غير مدرك لما يحصل بعد ذلك من الفساد والمحن.
والوسط العدل: وجوب نصحهم سراً، وجوازه جهراً، إذا لم يترتب على ذلك مفسدة أعظم من مفسدة المنكر، ويجب أن يكون هذا النصح بالحكمة والرفق، وفي الوقت المناسب، ولا يخرج النصح مخرج الفضح لهم، والاستهزاء بهم، ولو أدى ذلك إلى أذيته، قال ﷺ : ((سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر، فأمره ونهاه فقتله)) [الحاكم (٣ - ١٩٥) وغيره عن جابر، وصححه شيخنا الألباني في الصحيحة رقم (٣٧٤)].
وجوب إنكار المنكر ولو لم يرض الحاكم:
واعلم -رحمني الله وإياك- أن ما ذكر سابقاً لا يمنع العلماء والدعاة من تحذير المسلمين مما يكاد بهم، وتنبهيهم لما يحيق بهم من المخاطر والشرور، ولا يمنعهم كذلك من إنكار المنكر المنتشر بين الناس، بسكوت الحاكم عليه أو غيره، بل إنكاره واجب، سواء رضي الحاكم أم لم يرض، وهذا شيء، ونشر سيئاته الخاصة به، والتحريض عليه، بغير حق شيء آخر؛ وذلك لعموم قوله ﷺ : ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ... )) [رواه مسلم (٩) عن طارق بن شهاب].
وتحصل المصالح كلها -في هذا الباب وفي غيره- بالتزام حدود الله، ومنهج السلف من الطرفين، وتحصل المفاسد كلها -في هذا الباب وفي غيره- بمخالفة شرع الله، ومنهج السلف من أحدهما أوكليهما، قال ﷺ : ((خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتُصلّون عليهم ويصلّون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم!
стр. 98
قال: قلنا: يا رسول الله أفلا ننابذهم؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، لا، ما أقاموا فيكم الصلاة)) [رواه مسلم (١٨٥٥) وأحمد (٦/ ٢٤) عن عوف بن مالك].
فانظر يا عبد الله -حاكماً كنت أو محكوماً- إلى منافع الاتفاق والوئام، وتبادل المحبة، وقد استحق أصحابها الوصف بالخيرية، وانظر إلى شؤم البغض والخصام، وتبادل اللعنات، وقد استحق أصحابها الوصف بالشر.
وخلاصة الحق في هذا الباب:
على الرعية:
- طاعة أولي الأمر منهم في طاعة الله لا في معصيته.
قال تعالى: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ... ﴾ [النساء: (٥٩)].
- الصبر على أذاهم وظلمهم.
قال ﷺ في حديث حذيفة ﵁: ((يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهدي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس، قال قلت: كيف أصنع؟ يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك، فاسمع وأطع)) [رواه مسلم: (١٨٤٧)].
- نصحهم، وبيان الحق لهم بالحكمة والموعظة الحسنة، وقواعد المصلحة والمفسدة.
قال ﷺ : ((الدين النصيحة)) قلت: لمن يا رسول الله؟ قال: ((لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم)) [رواه مسلم: (٥٥) عن تميم الداري].
وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [سورة النحل: (١٢٥)].
ولم يستثن الله حاكماً ولا مبتدعاً (١).
стр. 99
ولئن حرم الإسلام نشر سيئاتهم، فإنه لم يحرم نصيحتهم، وبيان الحق الذي لهم وعليهم، بل أمر بذلك، وحرم كتمان العلم، وبيع الدين، وخيانة الأمانة.
- تحريم تحريض الناس عليهم بذكر سيئاتهم، وإثارة الفوضى بينهم.
قال ﷺ : ((من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده علانية، ولكن يأخذ بيده فيخلو به، فإن قبل منه فذاك، وإلا كان قد أدى الذي عليه)) [رواه أحمد: (٣/ ٤٠٣ - ٤٠٤) عن عياض بن غنم، وصححه شيخنا الألباني في تخريج السنة لابن أبي عاصم (١٠٩٦)].
- تحريم الخروج عليهم.
قال ﷺ : ((من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة، فمات، مات ميتة جاهلية)) [رواه مسلم: (١٨٤٨) عن أبي هريرة].
- وجوب إنكار المنكر ولو لم يرض الحاكم.
قال ﷺ : ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ... )) [رواه مسلم: (٩)].
على الراعي:
- تقوى الله في نفسه، لأنه إمام الناس وقدوتهم، ومحط أنظار الأمة، ومرجعها في الفتن والمحن.
قال ﷺ : ((إنما الإمام جُنّة يُقاتَل مِنْ ورائه، ويُتّقى به، فإن أمر بتقوى الله وعدل، فإن له بذلك أجراً، وإن أمر بغير ذلك، كان عليه منه)) [رواه مسلم: (١٨٤١) عن أبي هريرة].
- العمل بشريعة الله، والحذر من مغبة مخالفتها لهوى، أو طاعة لغير المسلمين.
قال تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [سورة ص: (٢٦)]. وإذا كان هذا الخطاب لمثل هذا النبي الكريم ﷺ فمن باب أولى أن يكون للجميع.
وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾ [سورة محمد: (٢٦)].
стр. 100
- العدل والحذر من الظلم وعاقبته.
وقال ﷺ : ((أهل الجنة ثلاث: ذو سلطان مقسط ... )) [رواه مسلم: (٢٨٦٥) وأحمد: (٤/ ١٦٢) عن عياض بن حمار].
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ١٩].
وقال ﷺ : ((الظلم ظلمات يوم القيامة)) [رواه البخاري (٢٣١٥) عن عبد الله عمر].
- النصح لرعيته وتحريم غشها.
قال تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ وإذا لم يكن الراعي من أوائل من يسأل فلا يسأل أحد.
قال ﷺ : ((ما من عبد يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته، إلا حرم الله عليه الجنة)) [رواه البخاري (٦٧٣١) ومسلم (٣/ ١٤٦٠) عن معقل بن يسار].
ولئن وجب على الرعية طاعة أميرهم، والصبر على مساوئه، إن أساء أو ظلم، فإن هذا لا يعني حِلَّ الظلم له، والإساءة إلى الخلق، وأكل أموالهم بالباطل، ولكن معناه: إحالة أمر عقوبته من الصغائر والكبائر إلى جبار السماوات والأرض، الذي يقول: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦].
- السعي في مصالح رعيته، حسب الشريعة لا الهوى.
والله أسأل أن يرد الجميع -حكاماً ومحكومين- إلى دينه رداً جميلاً، وأن يوحد الصف، إنه ولي ذلك وأهله.
تقدير المفاسد والمصالح:
يرجع تقدير المفاسد والمصالح إلى أهل الاختصاص من أهل الحل والعقد، والرسوخ في العلم، ومعرفة الواقع.
стр. 101
واعلم أن من أخطر الأمور: أن يكون ثمة مفاصلة أو قطيعة بين الحاكم والرعية، فإن لذلك أثراً سلبياً خطيراً في بناء المجتمع، وصد العدو (١).
стр. 102
داء المسلمين:
لا يخفى على المسلمين ما حل بهم، من ضعف شديد، وهوان عظيم.
فما هو داؤهم الحق، الذي كان وراء نكستهم؟
هل داؤهم من قوة عدوهم، أومن ضعف أنفسهم، أو يجتمعان، ثم إذا كان من ضعفهم، فما هو سبب ضعفهم؟
لقد دل الكتاب والسنة ومنهج السلف: على أن ذل المسلمين وضعفهم، ناشئ ابتداء من أنفسهم، فإن ضعف إيمانهم، وجهلهم بدينهم، وظلمهم بينهم، أضعف قوتهم، ثم جاء كيد عدوهم ليزيدهم ضعفاً على ضعف، قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: (٣٠)]. وقال ﷺ : ((بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل)) [أخرجه أبو داود (٤٢٩٧) وأحمد (٢٢٢٩٦) وصححه شيخنا الألباني في الجامع].
وعلى هذا يجب أن نعالج المسلمين أولاً وقبل كل شيء.
ويكمن داء المسلمين في خمسة أدواء رئيسة:
- الداء الأول: الجهل .
لقد غشي المسلمين جهل مظلم بحقيقة دينهم، بل بأُسّ دينهم التوحيد، وبكنه العبادات، وطريق الاتباع، فوقعوا لذلك في الشبهات، وسقطوا في الشركيات، وأحدثوا البدع، ودخلوا في التيارات المعادية للإسلام، بل ناصروهم، ومنهم من يعلم، وأكثرهم جاهلون.
- الداء الثاني: ضعف الإيمان .
لقد ضعف إيمان كثير من المسلمين بربهم ولقائه، ودينهم وأحكامه، فوقعوا لذلك في الشهوات، وانغمسوا في الملذات، وغرقوا في المباحات، فأصبحت الدنيا همهم، والدينار معبودهم، فباع كثير منهم دنياهم بآخرتهم، وديارهم بأعراضهم، إلا من رحم الله منهم.
- الداء الثالث: تفرقهم وتمزقهم .
стр. 103
لقد وقع المسلمون فيما حذرهم الله تعالى منه ورسوله ﷺ ، من التفرق في الدين، وتمزق في الحكم، فآل أمرهم إلى تنازع وفشل، ونالهم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [سورة الأنفال: (٤٩)]. وصدق الله العظيم، فقد تنازعنا، وفشلنا، وذهبت قوتنا، وديست كرامتنا، وسلبت أموالنا، وقيدت أعناقنا، وأسر أبناؤنا وما يزال بعضنا غافلاً عن سر بلائنا.
- الداء الرابع: نفاذ كيد العدو .
الناس في كيد العدو بين موهن مَفرِّط، أو مُعظّم مُفْرط.
فمنهم من لا يرى للعدو أثراً، ولا يلقي له بالاً، فلا ينتبه إلى تدبيره، ولا يحذر من كيده، وآخرون جعلوه سبب الأسباب، وداء الأدواء، فغالوا فيه، وعظموه، حتى أنساهم ذلك قدرة ربهم، والتوكل على خالقهم، فغفلوا عن داء المسلمين الأول العضال، ومعالجته، فما زادهم ذلك إلا رهقا.
والحق الذي لا ريب فيه: أن للعدو كيداً عظيم الأثر، بالغ الضرر ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [سورة إبراهيم: (٤٦)].
ولكن قد ينفذ في المسلمين، وقد لا ينفذ.
متى ينفذ كيدهم، ومتى لا ينفذ؟
ينفذ كيد الأعداء في المسلمين، عندما يتخلى الله عنهم ولا ينصرهم، ويتخلى الله عنهم، حين لا ينصرونه في أنفسهم وعلى أرضهم.
قال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [سورة محمد: (٧)].
وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: (٤٠)].
فهذه شرطية، بمعنى: إن نصرتموه بالعمل بدينه، وأداء أمانته، نصركم، وإلا تخلى عنكم، فحينئذ ينفذ كيد عدوكم فيكم، ويحل شره بكم.
ولا ينفذ كيد الأعداء حين ينصر المسلمون دين الله، ويعملون بأحكامه، وحينئذ يتولى سبحانه رد كيد عدوهم، مهما كانت قوته، ومهما بلغ شره.
قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ
стр. 104
مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾ [سورة الأنفال: (١٨)].
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: (١٢٠)].
ولا يعني هذا عدم أخذ الحذر من كيدهم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: (٧١)].
هذا هو الصواب في هذه المسألة، وهذا هو الاعتدال، فلا إفراط في وصف العدو وكيده، ولا تفريط في مكره وشره.
الداء الخامس: فقدان البيئة الصالحة .
من أعظم المصائب والأدواء التي حلت بالمسلمين، فأفسدت أبنائهم، وأضلت شبابهم، وحرفت رجالهم -إلا من رحم الله- هو: فقدان البيئة الصالحة، التي تعين على الصلاح، وتقي المسلمين شر الفساد، فغدت كثير من مدارس المسلمين بؤراً للفساد، وشوارعهم مرتعاً للضلال، ونواديهم مراكز لنشر الشبهات، والدعوة إلى الشهوات، وكاد الصالحون أن يعيشوا في عزلة عن هذه المجتمعات، حفاظاً على أنفسهم، وخوفاً على ذرياتهم، -إلا من رحم الله- من بعض المجتمعات الإسلامية.
ولا يخفى على بصير ما للبيئة من أثر بالغ في صلاح الفرد، أو فساده، ولأجل هذا، جاء الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأتى رسول الله ﷺ بمثل القوم الذين استهموا سفينة، فإن أخذوا على أيدهم نجوا، ونجوا جميعاً، وإن تركوهم هلكوا وهلكوا جميعاً وأمر العالم المفتي قاتل المائة أن يرحل من بيئته الفاسدة إلى البيئة الصالحة، فقال: ((انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناساً يعبدون الله تعالى فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء)) [البخاري (٣٤٧٠) ومسلم (٢٧٦٦)].
стр. 105
المجتمعات المعاصرة:
تتنوع المجتمعات المعاصرة بين مجتمع محافظ على عقيدته وعبادته بالجملة، وقيام الشعائر الإسلامية فيه ما أمكن، وبين مجتمعات جاهلية: جاهلية كبرى (عقدية)، إلى جاهلية صغرى (عملية)، ومجتمعات دعوية، إلى مجتمعات مسلمة، فيها تقصير وجهل وذنب، إلى مجتمعات مختلطة فيها ما هبَّ ودبَّ. (١)
واعلم أن معظم المجتمعات المعاصرة هي مجتمعات دعوية.
والمجتمعات الدعوية: هي المجتمعات التي تسمح للدعاة بالدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.
وأما المجتمعات التي لا تسمح بالدعوة إلى الله، أو تسمح بجزء من الدعوة، فلا يباح فيها -لمجرد عدم السماح- المواجهة، بل لابد للمسلمين من الصبر على الدعوة وتحمل الأذى، قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [غافر: ٥٥].
ومقولة "إلى متى نربي" استنكاراً لمنهج التربية، ومقولة "نحن نربي وهم يهدمون" تهويلاً لما يفعلون، ومقولة "لا يسمحون بالتربية، ولذا لابد من المواجهة" استعجالاً في المواجهة، كل هذه المقولات، هي مقولات ارتجالية عاطفية، لا دليل عليها من الكتاب والسنة أو فعل السلف، وهي مقولات تتضمن الإعراض عن منهج الأنبياء، وقد دعا نوح ﷺ تسعمائة وخمسين سنة، ودعا من بعده الأنبياء، مدداً طويلة، ولم يقل أحد منهم: إلى متى نربي؟ إلى متى ندعو؟ ولم يتفوهوا بتلك المقولات، ولم يغيروا طريق دعوتهم، وطريق الدعوة إلى الله شيء، والجهاد شيء آخر، فلا تخلطن.
стр. 106
لا مواجهة ولا مداهنة:
ويصلح في معظم هذه المجتمعات الجاهلية المعاصرة على أنواعها وغيرها، وفي مثل هذه الظروف الراهنة من تكالب العدو، القوي المتربص، والحاقد الشرس، وما يعانيه المسلمون من ضعف في الإعداد الإيماني والمادي، وجهل في التوحيد والدين، وانتشار الذنوب والفساد، وهيمنة الظلم والتجبر والبطش، يصلح في مثل هذا، العمل بقاعدة: ((لا مواجهة ولا مداهنة)) أي: لا مواجهة إلا بالدعوة والبرهان، ولا مداهنة للكفر والعصيان.
فلا نواجه في دعوتنا ولو ظُلمنا، أو سُجنا، أو قُتلنا ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [إبراهيم: (١٢)]. ولا نداهن في ديننا، طمعاً في مصلحة، أو تحقيقاً لسياسة ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: (٩)].
والمقصود بالمواجهة: المواجهة المسلحة، والمقصود بالمداهنة: السكوت عن المنكر، وتأييد الباطل.
وهذه هي قاعدة الأنبياء لمن تدبر.
فإن المواجهة تزهق الأرواح، وتوقف الدعوة.
وإن المداهنة تُميِّع الإسلام، وتحلق الدين، وللمسألة تفصيل فيما أشرنا إليه سابقاً، وسيأتي بعضه.
والله وحده المستعان، وهو المسؤول لرد المسلمين إلى دينهم رداً جميلاً.
ومن السنن المبتدعة في التغيير:
المظاهرات الفوضوية، والثورات الهمجية، والتفجيرات الدموية، والاغتيالات الشخصية، والانتخابات النيابية، وما شابهها من الأمور المستوردة المقلدة، التي لا يعرفها سلفنا الصالح، ولا أمتنا من قبل، والتي لم تجر على الأمة الإسلامية إلا البلاء، وصد الناس عن سبيل الله.
وجوب السعي إلى التغيير:
بعد أن عرفنا الداء الحقيقي للمسلمين، والذي كان وراء نكستهم وذلهم، أصبح واجباً على المسلمين وبخاصة علماءهم ودعاتهم، السعي الحثيث لتغيير حال الأمة الإسلامية، ورد أفرادها إلى دينهم رداً جميلاً، واستنهاضها من كبوتها، وإعادة التمكين لها، كي تستأنف رسالتها، وتؤدي واجبها.
стр. 107
ويجب أن يكون هذا التغيير على منهج الأنبياء، وسنة الإسلام، وطريق سلف هذه الأمة، ولا يجوز لتغيير أحوال الناس: ترك سنة الإسلام، واتباع سنة غيرهم، وفضلاً عن أن في هذا مخالفة محرمة، فهو طريق لا فلاح فيه في الدنيا ولا في الآخرة.
قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام: (١٥٣)].
وقال ﷺ : ((ليس منا من عمل بسنة غيرنا)) [رواه الديلمي في الفردوس: (٥٢٦٨) عن ابن عباس، وحسنه شيخنا الألباني في صحيح الجامع: (٥٤٣٩) وفي الصحيحة (٢١٩٤)].
ومن أراد لهذه الأمة رداً جميلاً، وتمكيناً قوياً، ونصراً عزيزاً: فليتبع منهج الأنبياء في التغيير، ولا يبتدع، وليسلك طريق السلف الصالح في التجديد، ولا يتكاسل عنه، ولا يعرض، وما عدا ذلك فسراب وضلال.
وقد ذاق العاملون في الحقل الإسلامي مرارة مخالفتهم، وتراجع كثير من عقلائهم، والعاقل من اتعظ بغيره.
وطريق الأنبياء ومنهج السلف: هي معالجة أحوال الناس أولاً، وذلك عن طريق العلم النافع، والعمل الصادق، والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا خير في مواجهة عدو قوي بضعفاء الإيمان، ولا نصر في قتال عدو بعصاة الجبار، ولا تأييد من الله لمن سقط في الشركيات، وأحدث المبتدعات، إلا أن يشاء رب البريات، لحكمة من الحِكَم الخفيات.
والأمر باختصار: كما قال الإمام مالك ﵀: "لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها".
وأما تفصيلاً: فلا بد من النظر في كل داء أصاب الأمة -مما ذكر- ثم معالجته، فلا بد من معالجة الجهل الذي ران على المسلمين، وتقوية إيمانهم، وإيجاد بيئة صالحة لهم، مع مراعاة القواعد التالية:
стр. 108
قواعد التغيير .
القاعدة الأولى: الاعتقاد أن ما أصابنا فبما كسبت أيدينا، قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: (٧٩)]. أي: بسبب ذنبنا وتقصيرنا.
وأن نصرنا وتمكننا مرهون بتمسكنا بديننا، ووحدة صفنا، وأن هزيمة عدونا وكيده مناط بتقوانا، فإن قصرنا عصف بنا، وإن اتقينا أصبح كيده هباء ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [سورة غافر: ٢٥].
وبناء عليه، علينا إزالة السبب الأول، من ذنوب وفرقة، وجهل وتقصير، لتزول المصائب، وتنكشف الكروب، وتتأكد هذه القاعدة تأكداً بالغاً، بعد فشلنا في معركة، أو خسارة في أمر، أو وقوع مصيبة.
القاعدة الثانية: البدء بتغيير الأنفس، وإصلاحها عقيدة وعبادة، منهجاً وسلوكاً، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: (١١)]. ولم يقل حتى يغيروا حكامهم ابتداءً، وحتى يغيروا اقتصادهم أولاً، وحتى يتقدموا في حضارتهم أو يرتقوا في مدينتهم، ولا يعني هذا ألا يغير الحكام حالهم، أو لا يغير الاقتصاد، ألا نتقدم في المدنية كلا، وإنما بحثنا في الأساس والابتداء والأولوية.
القاعدة الثالثة: نصرة الله في كل شأن من شؤون الإسلام، عملاً ودعوة ودفاعاً، حتى ينصرنا سبحانه، قال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: (٧)]. بدءاً من لا إله إلا الله، وانتهاء بإماطة الأذى عن الطريق، مروراً بالصلاة، وإعانة الضعفاء، والحجاب والسواك، قال ﷺ : ((أبغوني الضعفاء، فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم)) [أخرجه مسلم، وأحمد (٢١٦٢٧)].
стр. 109
أي: اطلبوا الضعفاء، من فقير، ويتيم، وأرملة، فأعينوهم وانصروهم ينصركم الله.
ويؤكد هذا المعنى [رواية البخاري (٢٧٣٩)] ((هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم)).
القاعدة الرابعة: مراعاة التدرج في أمور الدين، وفي أحوال الناس، فيعوض لهم ما فقدوه، ويعلمون ما جهلوه، بنشر العلم لرفع جهلهم، ولتصحيح عقائدهم وعباداتهم، وتلاوة القرآن لزيادة إيمانهم، وحثهم على ذكر الله وعبادته، لإصلاح ظاهرهم وباطنهم، ودعوتهم بالحكمة والموعظة الحسنة ليلاً ونهاراً، سراً وجهاراً، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بضوابط أهل السنة في المصالح والمفاسد، وتزكيتهم ليمارسوا أحكام الإسلام عملاً، ويتخلقوا بأخلاقه فعلاً، وعلى المسلمين أن يستمروا في هذا الطريق، حتى يأتي الله بالفتح أو أمر من عنده، وهذا هو منهج الأنبياء في التغيير مع شيء من التفصيل، لا يسع المقام لذكره. (١)
قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: (٢)].
القاعدة الخامسة:
مراعاة مقامات الناس، وأحوال مجتمعاتهم، فإن لكل مقام مقال، ولكل حادثة حديث، فللمسلمين الذين يعيشون في بيئة صالحة أحكام ومواقف مغايرة للمسلمين الذين يعيشون في مجتمعات كفرية مسالمة، والمسلمون الممكنون الذين يغزون من قبل عدوهم، لهم موقف غير موقف المسلمين المستضعفين، فالأولون يواجهون، والآخرون يصبرون، وهكذا.
стр. 110
والخلاصة: أن نعطي الأحكام الشرعية حقها في تنزيلها على الواقع، فما يصلح لهؤلاء من الجهاد لا يصلح لأولئك، وما يصلح لهؤلاء من الدعوة والصبر على الأذى لا يصلح لأولئك، ومن الخطأ التعميم.