لازم المذهب، ولازم القول:
معناه: أن يقول رجل قولاً، أو يذهب مذهباً، ويلزم من هذا المذهب أو القول، لوازم من أقوال ومذاهب.
فهل هذه الأقوال والمذاهب تلزمه، ويحكم عليه بها، أم لا؟
مثاله: قول أحدهم: إن الله في كل مكان، فلازم هذا أن الله في الحمامات والمزابل، ومن قال بهذا فقد كفر، لكن لا يمكن أن نكفر كل من قال إن الله في كل مكان؛ لأنه سيرد هذا اللازم، ولا يعتقده، ويدَّعي أنه لم يكن منتبهاً له، أو يكون له فيه تأول معين.
أحوال اللوازم:
إن كان اللازم من الله (١) تعالى ورسوله ﷺ ، فيلزم هذا العباد، بعد قيام الحجة عليهم، كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: (٤٢)]. فلازم من اعتقد وجود آلهة أن يبتغوا إلى الله سبيلاً، ولما كان هذا محالاً وباطلاً دل ذلك على بطلان ما اعتقدوه.
وقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: (٢٢)] فلازم اعتقادهم أن تفسد السماء والأرض بتنازع الآلهة، ولما كان من المعلوم فساد ذلك ضرورة، علم أن هذا اللازم باطل مما دل على بطلان ما اعتقدوا.
- أن يُذكر لصاحب القول اللازم ويرده، وفي هذه الحالة، لا يلزمه أبداً، ومن نسبه إليه فقد افترى وظلم.
- أن يُذكر له اللازم فيقبله، فهذا صار من قوله ومذهبه.
стр. 142
- أن يُذكر القول، دون بيان لازمه، قبولاً أو رداً، وفي هذه الحال، لا يجوز نسبة اللازم إلى صاحب القول حتى يُعلم موقفه منه، فقد يكون غير منتبه لذلك، أو لم يخطر له على بال، فإلزامه به ظلم له، وكذب عليه.
قال شيخ الإسلام: "وعلى هذا فلازم قول الإنسان نوعان:
أحدهما: لازم قوله الحق، فهذا مما يجب عليه أن يلتزمه، فإن لازم الحقِّ حقٌّ، ويجوز أن يُضاف إليه، إذا علم من حاله أنه لا يمتنع من التزامه بعد ظهوره، وكثير مما يضيفه الناس إلى مذهب الأئمة من هذا الباب.
والثاني: لازم قوله الذي ليس بحق، فهذا لا يجب التزامه، إذ أكثر ما فيه أنه قد تناقض، وقد بينت أن التناقض واقع من كل عالم غير النبيين، ثم إن عرف من حاله أنه يلتزمه بعد ظهوره له، فقد يُضاف إليه، فلا يجوز أن يُضاف إليه قول لو ظهر له فساده لم يلتزمه، لكونه قد قال ما يلزمه وهو لم يشعر بفساد ذلك القول ولا يلزمه" [مجموع الفتاوى: (٨/ ١٢٨)].
وقال: "وأما قول السائل: هل لازم المذهب؟ مذهب أم ليس بمذهب؟ فالصواب أن لازم مذهب الإنسان ليس بمذهب له، إذا لم يلتزمه، فإنه إذا كان قد أنكره ونفاه، كانت إضافته إليه كذباً عليه ولو كان لازم المذهب مذهباً، للزم تكفير كل من قال عن الاستواء أو غيره من الصفات أنه مجاز، ليس بحقيقة، فإن لازم هذا القول يستلزم قول غلاة الملاحدة المعطلين الذين هم أكفر من اليهود والنصارى" [مجموع الفتاوى: (٢٠/ ٢١٧)].
وتحت هذا الباب تندرج صور وأمور، يجب التنبيه لها:
الأولى: اللازم الصحيح -أي إذا صح أن يكون لازماً- لا يلزمه إلا إذا التزمه، وهذا ما أشرنا إليه سابقاً، فكيف إذا كان لا يلزمه أصلاً.
الثانية: ما لا يصح أن يكون لازماً أصلاً، سوى سوء القصد، وعقم الفهم، كمن يهتم بالدعوة إلى الأخلاق فليزمونه مذهب رجل باطل، كان يدعو إلى الأخلاق، أو يلزمونه تقديم الأخلاق على التوحيد، أو كمن يستشهد بكلامٍ صوابٍ لرجل عنده أخطاء، فيُلزمونه بتلك
стр. 143
الأخطاء، بدعوى أن الاستشهاد يعني المدح، والموافقة على باطله، أو يصحح مسألة عند عالم أو داعية، فيلزمونه مسائل باطلة، عند هذا العالم أو الداعية، وما شابه هذامن الإلزامات الباطلة، والترصدات الباردة، وحكايتها يغني -عند العقلاء- عن الرد عليها.
ولنا ضرب المثال التالي لينتبه الغافلون:
قال شيخ الإسلام في الفقرة المنقولة سابقاً: "وقد بينت أن التناقض واقع في كل عالم غير النبيين".
فقد يقول مترصد من هؤلاء:
إذن هناك تناقض عند أبي بكر وعمر ﵄، وإذن طعن شيخ الإسلام بأبي بكر وعمر، وإذن أيد بكلامه هذا الشيعة، وإذن ... ، وإذن ... ، علينا البراءة منه، ومقاطعته، ومقاطعة كل من لا يتبرأ منه، إلى غير ذلك مما نسمعه صباح مساء، من هؤلاء الشباب، الذين أُطلق لهم الرسن، من بعض أصحاب الفتن.
الصورة الثالثة: تفسير الكلام وفهمه، حسب ما يحلو للقارئ، أو السامع.
كمن يمدح داعية لموقف أو لمسألة، فيفسرون هذا مدحاً مطلقاً له، وتزكية كلية، ودعوة لمذهبه، أو ما عنده من باطل، ولو كان هذا الأمر صحيحاً، لاتهمنا شيخ الإسلام بتزكية مذهب الأشاعرة والمعتزلة بالكلية، حين يمدحهم في مواقفهم في الدفاع عن الإسلام، والرد على أعدائه.
أو كمن يذكر لفظاً من ألفاظ القرآن الكريم، أو السنة في عباراته، كلفظ: الطاغوت أو الجاهلية، فيلزمونه تفسير أصحاب المذاهب الباطلة لها، لمجرد ذكره كلمة ذكروها، رغم أنها مذكورة في الكتاب والسنة، ورغم أن قائلها واضح المذهب.
الدخول في النيات:
هذا الفعل هو من أقبح وأشنع ما وقفنا عليه من مذهب المترصدين، فإذا ما غضبوا على مخالف لهم، فسُرعان ما يَلِجونَ في نيته، ثم يزعمون أنهم يطلعون على قلبه، ويكشفون
стр. 144
حقيقته، ثم يَغْرِزونَ خناجر الاتهام فيه، ثم ينشرونها على حبال التشهير، باسم السنة وحماية الدين، ينشرونها وهي تقطر -بدعواهم- ضلالاً، وخبثاً، وفساداً، وابتداعاً، دون أدلة -والله- ولا براهين، سوى الظنون الفاسدة، والإلزامات الباردة، ثم يغدون ويروحون يتباكُون على الإسلام والأمة الإسلامية، والدعوة الحق، والمنهج السليم، وقلما ينجو مُخالف لهم منهم، حتى الإمامان لم ينجوا من خناجرهم، ودخولهم في نياتهم (١).
فما إن يُخالف مقلدهم أو شيخهم أو زعيمَهم مخالفٌ إلا سارعوا إلى محاضراته يترصدونها، وإلى كتبه ينبشونها، كما ينبش اللصوص القبور، يفتشون هنا وهناك، فوق التراب وتحت التراب، لعلهم يحصلون على حبل القمر، أو قشة البعير، ثم يطيرون بها فرحين، وهم يصرخون: قصد كذا، أراد كذا، هذا تكفيري، خارجي، مرجئي، مداهن، عميل، من أين أتى بثمن سيارته؟ من أين أتى بثمن بيته؟ من أين أتى بتذاكر سفره؟ ! لو لم يكن مرتبطاً لما فعل كذا، لو لم يكن كذا لما كان كذا، وكلها إلزامات يستحي أولاد الكتاتيب أن يفهموها فهمهم، وفضلاً عن أن هذا فساد في الخُلُقِ، وإفساد للخَلْقِ، فهو إسعار للفتن، ومخالفة صريحة لمنهج السلف في النصح، كما أن فيه إساءة ظن، وادعاء علم الغيب، فإن ما في القلوب لا يعلمه إلا علام الغيوب ((أفلا شققت عن قلبه)) حتى قال أسامة: ((وددت أني لم أكن أسلمت قبل هذا)) وذلك لهول هذا الأمر، أن تمنى أن يكون قوله هذا قبل الإسلام، حتى لا يحاسب عليه، أفلا تتعظون يا أصحاب الدخول في النيات.
ولو كان هؤلاء مصلحين، لما كان هذا أسلوبهم، بل لقاموا: بالنصيحة السرية، وبالكلمة الطيبة، كما أمر الله بذلك ورسوله ﷺ ، فإن أبى المنصوح فدونكم هو.
ولو شئنا أن نسلك مسلكهم هذا لقلنا: معظم أعمالهم هذه التي يترصدون بها عباد الله، إنما تدل على سوء قصدهم، وتبييتهم الشر لبعض مخالفيهم، وإثارة الفتن بين المسلمين، ولكنا لانفعل هذا، حتى لا نقع فيما نُهينا عنه.
стр. 145
ولو أنهم اتقوا ربهم في الاتهامات، لكان أنفع لهم، ولو أنهم رضوا بالجلوس عند العلماء لكان خيراً لهم وللمسلمين، ولكنهم أبو فكان ما كان.
أمثلة من اللوازم والتضليل:
المثال الأول:
واعلم أن هؤلاء المترصدين الملزمين بإلزامات ما أنزل الله بها من سلطان، لا يخلون من كل عصر ومصر، فقد عُيّر شابٌّ بالأمية، فأراد أن يدافع عن نفسه، فقال: "كان رسول الله ﷺ أمياً" فأخذوه وكادوا يقتلونه، لأنهم ألزموه إلزامات كفرَّوه بها" وهذا الإمام المحدث ابن حبان ﵀ قال: "النبوة: العلم والعمل" فألزموه إلزامات كفروه بها، وقالوا: إذن النبوة ليست وحياً، وإذن، وإذن، وروى الإمام وكيع حديثاً فيه أن بطن رسول الله ﷺ ربت بعد موته، فأفتوا بقتله، وقالوا: ما يروي هذا إلا من كان في قلبه غش للنبي ﷺ ، وأرادوا صلبه، لولا أن سخر الله له الإمام سفيان بن عيينة فأنقذه، وغاية ما في الأمر أنه أخطأ برواية الضعيف فماذا كان؟ !
المثال الثاني:
ذكرتُ كلمة (الصحوة) في بعض كتبي ومحاضراتي، فانظر إلى تعليق أحد المترصدين، لتقف على علم هؤلاء وفقههم، وترصدهم وأخلاقهم من خلال مسألة واحدة، قال: (هي -أي لفظة الصحوة- مصطلح نصراني روَّجها الإخوان، وتشير بأن الأمة الإسلامية كانت نائمة، أو كانت في غيبوبة، وإن قلنا غير ذلك، نكون قد كذَّبنا خبر المصطفى ﷺ ونعوذ بالله من ذلك ((لا تزال طائفة ... )) الحديث.
فانظر يا أخي العاقل، إلى هذه الإلزامات الباردة، والتحاملات الباطلة، على لفظة (الصحوة)، حتى جعلوا مَنْ ذكرها، مروجاً لمصطلح النصارى، ومكذباً للرسول ﷺ فنعوذ بالله من التقول والظلم، وغاية المقصود من هذه اللفظة: أن كثيراً ممن كان غافلاً عن الله تعالى رجع إليه واستقام، ونظراً لكثرة التائبين من المسلمين عموماً، ومن الشباب خصوصاً، أُطْلِقَ
стр. 146
عليهم لفظ (الصحوة) فماذا كان؟ ! كان عند المترصد أن هذا يعني -ذكر لفظة الصحوة- موافقة النصارى، وتكذيب النبي ﷺ .
فهل هؤلاء يستحقون الرد، وهل هؤلاء لهم عقول مستقيمة؟ هذا من حيث المعنى.
وأما من حيث الواقع فإنهم ينفون عن الأمة غفوتها محتجين بقوله: ((لا تزال طائفة من أمتي ... )) الحديث [رواه مسلم (١٥٦) وأحمد (٣/ ٣٤٥)]. ولا شك بصحة الحديث، وببقاء هذه الطائفة إلى يوم القيامة، ولكن هذا لا يعني قيام الأمة كلها على نصر الدين، بل ولا أكثرها، فإن لفظة طائفة يفيد التقليل، فالطائفة في اللغة -كما قال ابن الأثير في (النهاية) -: الواحد فصاعداً، بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: (٩)]. وقوله: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة: (١٢٢)]. ولا يدل الحديث على نفي الغفلة عن معظم الأمة، وإثبات الغفلة للأمة بعامة -بالجملة- لا ينفي وجود الطائفة، ولا يعني هذا رد الحديث، ويفسر هذا حديث عائشة، إذ قالت: ((أنهلك وفينا الصالحون)) قال: ((نعم: إذا كثر الخبث)) [أخرجه البخاري: (٣١٦٨)، عن زينب بنت جحش] فأين الطائفة في ذلك الزمن؟ وهل عُطِّل الحديث؟ لا والله ما عُطِّل الحديث، ولكن عُطلِّت العقول عن الفهم، وفقدت النفوس الإنصاف.
والمقصود أن الحكم للغالب، وغالب الأمة كان في غفوة، بل كان في سُبات، وإن نفي الغفلة عن الأمة، إنما يدل على غفلة من هؤلاء عن حالها، وإلا فهل كانت الأمة يقظة حين رضخت تحت الاستعمار الصليبي عشرات السنين أين كانت الطائفة الناجية وقتئذ.
وهل كان أهل الجزيرة على يقظة من دينهم حين انتشرت فيهم البدع والشركيات، حتى قام الإمام ابن عبد الوهاب ﵀ يدعوهم، فأين كانت الطائفة المنصورة قبله؟ ألم يَصْح المسلمون في جزيرة العرب بفضل الله على يد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، أفإن قال رجل هذا، قيل له: إذن وافقت النصارى واليهود، وعطلت حديث النبي ﷺ وسبحانك اللهم رحماك من الإجحاف.
стр. 147
المثال الثالث: من إلزاماتهم التي تدل على مستوى هؤلاء العلمي والعقلي والديني.
قلت في كتاب [صفات الطائفة المنصورة (٨١)] "ومن البناء أي -بناء الأمة-: أن نفهم قوله ﷺ : ((إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخِرَ منهما ... )) الحديث، ولذلك أدركت الجماعة الأولى هذا المفهوم، وسعوا إلى وحدة الصف، واجتماع الكلمة، قبل نزال العدو، فقاتل علي ﵁ الخوارج، وقتلهم قبل اليهود والنصارى، ولا يعني هذا دعوة المسلمين إلى الاقتتال، لأن هذا إنما يكون عندما يكون للمسلمين خليفة شرعي ثم يخرج عليه خارج".
ثم إني لما ذكرت قتال علي ﵁ للخوارج، خشيت أن يُفهم منه: أني أدعو إلى اقتتال المسلمين بعضهم ببعض، فبينت: أن قتال الطائفة الباغية كالخوارج، لا يكون إلا عند وجود الخليفة الذي يأمر بذلك، وهو منهج أهل السنة والجماعة.
فانظر إلى هذا الكلام المتين، في بناء الصف قبل لقاء العدو، ودفع الفتن عنهم، والمؤصل على منهج أهل السنة والجماعة وانظر ما.
فعمد المترصد إلى هذا الكلام المتين، وحرَّفه متعمداً، وياليته ألزم إلزامات لا تلزم فحسب، ولكنه حمله على أسوأ ما يُحمل، وقال محرشاً: (ومنطوق عدنان أن الآن ليس للمسلمين حاكم شرعي، ومنه يأخذون أن قيام الثورات على الحكام المسلمين العاصين لا يسمى خروجاً).
والمنطوق يعني: أن اللفظ صريح في ذلك ليس فيه تلميح، والناظر في النص لا يرى ما قاله الأخ لا في منطوق ولا مفهوم.
والظاهر أن هذا المسكين، لا يفرق بين المفهوم والمنطوق، ولو أنه قال: مفهوم هذا الكلام لكان مقبولاً عند أمثاله المحرشين الذين دأبوا على أذية المؤمنين، أما أن يقول: المنطوق، فهذا يدل على جهل وتحامل، وكان الواجب أن يرد رداً علمياً بعيداً عن التحريش ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف (٦٤)].
стр. 148
التجسس وأحكامه:
التجسس على المسلمين لأعدائهم من كبائر الذنوب، وعظائم الجرائم، وقد يكون نفاقاً أكبر، وكفراً أعظم؛ لما يترتب عليه من أذى كبير، وفساد عريض، وقد نزل قوله تعالى في حاطب ابن أبي بلتعة ﵁ إذ تجسس على النبي ﷺ وأصحابه:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة: (١)].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: (٥١)]. ومن أعظم أمور الموالاة، التجسس لهم.
ولقد كثر في زماننا بيع الضمائر، وتجارة الدين، وأذية العباد، بالوشاية والفتن، وباع كثير ممن ينتسب إلى الدعوة أذيتهم بمخالفيهم بدراهم معدودات، ودنيا فانية، ومنهم من يفعل هذا تديناً، وهو يظن أنه يحسن صنعاً، نعوذ بالله من ذلك.
كما كثر في زماننا اتهام الناس بذلك، فترى كثيراً ممن يريد الانتقام لنفسه، أو لحزبه، يتهم خصمه بالتجسس، حقداً وحسداً، بغياً وظلماً، من غير دليل مبين، سوى قيل وقال، وقرائن باردة، (ما فعل هذا إلا لأنه ... ) (ورأيناه يفعل كذا ... و ... ) مما يتأثر به العاطفيون المتعجلون، الذين لا يتثبتون، وهذا مما لا يقيم له الشرع وزناً، ولا يعتبره دليلاً، بل اتهاماً وظلماً، فنعوذ بالله من هذا، فإثمه عظيم، وشره في المجتمع عريض، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: (٥٨)]. فلعنة الله على من يتهم الأبرياء به، منتصراً لنفسه، أو لحزبه.
ونعوذ بالله من هذا، ونبرأ إلى الله منه، مع أي جهة كانت، ونعوذ بالله من شره، وشر من يفعله، متأولاً أو متشفياً أو مفسداً.
وأما التحسّس من السلطان لمعرفة أحوال المسلمين، وتفقدها لرعايتها وإصلاحها، ودفع الفتن عنهم. فهو شيء آخر.
الحزبية: أنواعها، وأحكامها:
الحزبية والتفرق اسمان لمسمى واحد، وهي من أعظم الجرائم التي تُرتكب في حق الأمة، لما لها من أثر عظيم في تفتيت الصف، وذهاب الريح، ثم الضعف وتسلط الأعداء، والحزبية صورة من صور التنازع، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: (٤٦)].
ولقد كانت الحزبية سبباً في ضعف الأمة، وانحراف كثير من الشباب المسلم عن المنهج الحق، وفقدانهم طرق الاستدلال، وقواعد معرفة الحق، مما دفعهم في كثير من الأحيان، إلى الغلو أو التساهل، بسبب التعصب للهيئات، أحزاباً كانت أو جمعيات، كما دفعهم إلى التعلق بالأعيان، قادة كانوا أو شيوخاً.
الأمر الذي يُذهب نور الحق، ووضوح الطريق.
لذا ترى كثيراً منهم قد انحرفوا عن العقيدة الصحيحة، والمنهج القويم، بل انحرف كثير منهم في أخلاقهم وسلوكهم بحزبيتهم، رغم أن نيات كثير منهم كانت خيراً، ولكن نية الخير لا تثمر إلا إذا كانت على سنة رسول الله ﷺ ، ومنهج أصحابه ﵃.
واعلم -حفظك الله- إن لم يكن من ثمار التحزب سوى التفرق، وما يترتب عليه من الدفاع عن الهيئات والأعيان تعصباً، في وجه الدليل لكفى به شراً، ونعوذ بالله تعالى منها، وممن يدعو إليها، فالدعوة إليها دعوة إلى باطل بنص الكتاب والسنة ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: (٣٢)].
وقال ﷺ : ((لا حلف في الإسلام، وأيما حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة)) [مسلم: (٢٥٢٩)].
والحلف: هو تجمع قوم دون قوم على شروط معينة، وغالبها يكون خيراً للمتعاقدين على ذلك الحلف، وقد كان ذلك في الجاهلية، يجتمع بعض القوم دون الآخرين، ويتعاقدون على نصرة المظلوم، وإعانة الكل، وما شابه ذلك، كما كان ذلك في حلف الفضول، وحلف المطيبين، ثم حرم ذلك الإسلام.
стр. 151
وربما يتساءل المرء كيف يحرم الإسلام التعاقد على الخير؟ !
قلت: سر هذا في المقطع الثاني من الحديث ((وأيما حلف في الجاهلية، لم يزده الإسلام إلا شدة)) أي: أن أي حلف كان في الجاهلية على خير، فقد جاء الإسلام بذاك الخير وأفضل منه، ولما كان المسلمون كلهم أعضاء في حلف -حزب- الإسلام، كان لا حاجة البتة إلى الدعوة إلى أحلاف في الإسلام جانبية، أو جيوب خفية، تقطع أوصاله، وتمزق كيانه، وتُزكي بذلك الضغائن، لا حاجة إلى ذلك إذ أصبح المؤمنون بالإسلام كلهم أمة واحدة، في حزب واحد، في عقد واحد، في شروط على الخير واحدة، تلزم الجميع، فمن دعا إلى الأحلاف -بعد هذا- ولو كانت لخير، فقد فرق -إذاً- أمة الإسلام، وجعل بعضها دون بعض، والله يقول: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ * فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: (٥٢ - ٥٣)].
ولما لم يدرك بعض الدعاة هذا المعنى العظيم، من تحريم التحالف والتحزب في دين الله -ولو على شروط ظاهرها الخير- لما لم يدرك ذلك، أبعد النجعة في شرحه لحديث: ((لا حلف في الإسلام)) فقال: "أي: لا حلف على معصية" وقال: "من غير المعقول أن يحرم الإسلام التحالف على خير" ولو أدرك تمام الحديث، لما قال ما قال، ولعلم فساد المعنى الذي ذهب إليه: فإن لازم شرحه حسب تمام الحديث، أي: لا حلف على معصية، وأيما حلف في الجاهلية، كان على معصية، لم يزده الإسلام إلا شدة، أي: أن الإسلام يؤيد التحالف على المعصية، بل يزيدها قوة وشدة، فهل يقول هذا عاقل؟ وبهذا يتضح أن المحرم، هو ما تحزب عليه بعض المسلمين دون بعض، أو تحالفوا عليه لأي سبب كان.
كما أبعد النجعة من احتج على إباحة التحزب بأدلة التجمع المشروع، أو التعاون المطلوب، وسيأتي تفصيل ذلك.
وكذلك أخطأ من احتج على جواز التحزب بأدلة وجوب تحزب المسلمين جميعاً في مواجهة الكفر والكافرين، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ
стр. 152
اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: (٥٦)]. ولو أدرك معنى ذلك لما احتج به، فإن الآية توجب أن يكون المسلمون حزباً واحداً، غير متفرقي الصف، ولا متقطعي الأوصال، والحزبية تخالف أصل الدين في هذا، وتجعل المسلمين متفرقين، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، تخالف دلالة الآية وسياقها: فإن الآية توجب الولاء لله ولرسوله ولكل المؤمنين، أما الحزبية: فتفرق في الولاء بين الحزبيين، وبين غيرهم من المسلمين، فتعطي الحزبيين ولاءً خاصاً، ولو كانوا جهالاً أو غير أتقياء، وتحرم هذا الولاء الخاص غير الحزبيين، ولو كانوا علماء أو أتقياء، فلا تكن من الغافلين.
صور للحزبية:
وللحزبية صور كثيرة، فقد تكون حزبية بلدان، أو سياسة، أو قبيلة، أو باسم جمعية، أو عصبية لشيخ، أو لمسألة مختلف عليها بين أهل العلم، أو ... ، أو ... ، فترى بعضهم يتحزبون لسياسة، أو لجمعية، أو لشيخ، أو لمسألة دون مراعاة لوحدة المسلمين ولا لأخوّتهم، فيا ويل من يخالفهم، ويا ويل من يخطئ حزبهم، أو شيخهم.
وكثير من أولئك الذين يرفعون شعار محاربة الحزبية الجماعية، يسقطون في الحزبية الفردية دون أن يشعروا، ومفاسدها أكبر ضرراً، وعاقبتها أشد مرارة، فإن في الحزبية الجماعة على ما فيها شيء من النظام، والحزبية الفردية لا نظام، ولا شورى، يعادي ويوالي في شيخه، ويهجر ويواصل في محبوبه.
وأما ما يسمى بالتعددية الحزبية أو السياسية، فهو مذهب أشد بطلاناً، وأعظم خطراً، بخاصة في ظل الدولة الإسلامية، فهو يهدم الأمة الإسلامية، ويسقط سياسات شرعية واجبة، كالخلافة والبيعة والشورى، وما إلى ذلك، ودعاتها بين مجتهد مخطئ، أو متحمس متعجل، أو مغرور جاهل، أو خبيث حاقد (١).
стр. 153
الفوضى وأحكامها:
تعني الفوضى: انعدام التنظيم الإداري في أي مستوى كان، وإذا انعدم التنظيم، فقدت المسئولية والتوجيه والطاعة، وضاعت المصالح من أمن وحقوق، ووقعت المفاسد من سفك دماء، وفساد في البلاد، وذعر في العباد.
الفوضى لا يقرها دين، ولا يرضى بها عاقل، ومفسدتها لا تقل عن التحزب، إذ تضيع الأوقات، وتهدر الطاقات، وقد تهدم الديار، وتفسد الحياة، كما يحصل عند نزع الطاعة، أو قتل السلطان، وكثيراً ما دفعت الفوضى إلى الضلال، قال علي ﵁ للخوارج: ((أتريدون أن تردوننا إلى فوضى الجاهلية)).
ولأن يحكم الناس بظالم، خير لهم مِنْ أن يعيشوا في فوضى لا تُبْقِي ولا تذر.
ومن رأى ما يجري في بلاد الصومال والأفغان حين فقدوا سلطانهم المسلم، وما حصل من الفوضى والاضطراب، وفقدان الأمن بل الحياة، من رأى ذلك كان له فيه عبرة وعظة.
وأما تنظيم الأمور الإدارية، وترتيب الدروس العلمية، والزيارات الدعوية، وإنشاء الجمعيات الخيرية، والمدارس التعليمية، فليست من الحزبية في شيء، إلا أن تكون هناك شروط غير شرعية، أو يُتستر بالجمعية والهيئة لحزبية.
وكثير أولئك الذين فروا من الحزبية ليقعوا في الفوضى ظانين أن كل تنظيم محرم، وأن كل ترتيب حزبية وقد تكون مفاسد الفوضى أحياناً أكبر من مفاسد الحزبية فتدبر.
وقد فصلنا القول والفرق بين الحزبية المحرمة، والتجمع المشروع في محاضرة خاصة، وفي كتيب يسر الله إنهاءه.
стр. 154
العمل الجماعي، والعمل الفردي:
العمل الجماعي: هو قيام إخوة بالتعاون على عمل مشروع كطلب العلم، أو الدعوة إلى الله، أو إعانة المسلمين، دون أنظمة مفرقة، ولا شروط مخترعة، تحدث بينهم وبين المسلمين فواصل مانعة، بل يتعاونون كما كان ذلك على عهد سلفنا الصالح، من غير حزبية مفرقة، ولا فوضى مشتتة، ولا شرط من الشروط التي ما أنزل الله بها من سلطان: كالبيعة، والإمارة (١) و ... و ... الخ.
قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: (١٠٤)].
وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: (١٢٢)].
وقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: (٢)].
ولا بأس بالتنظيم الإداري، فليس هو من الحزبية في شيء، ما لم يكن مخالفاً لكتاب الله ، وسنة رسوله ﷺ ، وعمل السلف الصالح.
والعمل الجماعي: وسط بين الحزبية المفرقة، والفوضى المشتتة.
العمل الفردي: إذا توفر للمرء مثل هؤلاء الإخوة -في العمل الجماعي- فنعمّا الأمر، وعليه أن يتعاون معهم على البر والتقوى، ويشد أزرهم، فيستفيد ويفيد، ويعين ويعان.
فإن لم يتوفر في بيئته ذلك -كما هي الحال في بعض الدول الغربية أو غيرها- قام بمفرده بطلب العلم والدعوة إلى الله ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، مع الحرص الشديد على الاتصال
стр. 155
بالعلماء، واقتناء الكتب النافعة، والأشرطة المفيدة، للعلماء المشهود لهم باتباع منهج السلف (١).
والعمل الفردي لا يتعارض مع العمل الجماعي إن وجد، ولا يمنع أحدهما الآخر، بل يجتمعان ويفترقان حسب أحوال البيئة، وأحوال الفرد، وأنواع العمل.
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: (١٠٥)].
الضوابط الشرعية في التفريق بين التجمع المشروع، والحزبية المحرمة:
لما كان التعاون مشروعاً بل واجباً، وكان لابد للتعاون أحياناً من تجمع معين، وإدارة تدير شؤونه، فقد استشكل هذا، والتبس الأمر على كثير من العاملين في الحقل الإسلامي، فخلطوا بينهما، واحتجوا بأدلة التجمع المشروع على جواز التحزب المحرم، كقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ الآية، وكقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الآية.
وهذه النصوص وغيرها لا تبيح التحزب بل تشرع التجمع على البر، والتعاون على الخير، وشتان بين إنشاء جماعات وأحزاب في الإسلام لها أنظمتها الخاصة، واجتماعاتها الخاصة، وقراراتها الخاصة، وجعلت بينها وبين المسلمين حواجز، فأصبح بينها وبينهم فواصل، شتان بين هذا وبين من تجمع على الخير، من علم ودعوة، وتعاون على البر من جهاد وعمل الصالح، دون تميز عن المسلمين بقواعد ونظم، ودون تفرق عن جماعة المسلمين بحواجز وأطر.
ونسوق هاهنا وعلى عجالة واختصار، أهم الفوارق بينهما، ليكون المتبع على بينة من دينه.
الفارق الأول:
التجمع: ما يزال محور أصحابه الدليل، وهو مقدم عندهم على كل أمر وقرار.
стр. 156
التحزب: التعصب للحزب أو الشيخ، وقد اختلط الأمر عندهم بين الدليل الشرعي، وأوامر الحزب، وتعليمات الشيخ، ومن ذلك: رفضهم الالتزام بالكتاب والسنة ومنهج سلف الأمة في كثير من الأمور، لكي لا تُعطل أوامر حزبهم، ولا يفتضح شيخهم.
الفارق الثاني:
التجمع: ما تزال الموالاة للمؤمنين جميعاً، حسب قواعد الشرع، دون تفريق بسبب تجمعهم هذا.
التحزب: تصبح بين الحزبيين موالاة خاصة دون المؤمنين، بل يصيرون يوالون ويعادون على الحزبية، ويصير عندهم: الحزبيون والحزبيات بعضهم أولياء بعض.
الفارق الثالث:
التجمع: لم يحدث التجمع بينهم وبين المسلمين حواجز ولا حدود، سوى تعاون وترتيب.
التحزب: أصبح بينهم وبين المسلمين -بسبب تحزبهم- حواجز وحدود، فلا دخول إلا بإذن، ولا خروج إلا بإذن أو بطرد.
الفارق الرابع:
التجمع: كان تجمعهم تخصصياً، لحاجة معينة، كإقامة مدرسة، أو جامعة، أو إنشاء مساجد، أو حفر آبار، أو رعاية شؤون المسلمين، كما هي الحال في الغرب.
التحزب: قام حزبهم ليمثل الإسلام كله، وهو قائم بذاته، يعمل بنفسه، ولنفسه، مستغن عن غيره.
الفارق الخامس:
التجمع: كان تجمعهم تعاونياً لسد ثغرة من ثغور الإسلام والمسلمين، فترى المتجمعين متعاونين، يعين بعضهم بعضاً، ويؤازر بعضهم بعضاً، كما قال ﵊: ((كالبنيان يشد بعضه بعضاً)) وهم كالأخوة.
الحزبية: الحزبيون متخاصمون غير متعاونين، ومتناحرون غير مؤتلفين (الأحزاب كالضرائر).
стр. 157
الفارق السادس:
التجمع: لا يرى المتجمعون لأنفسهم -بسبب تجمعهم- ميزة دون الناس، بل هم من الأمة وخدمة لها.
الحزبية: يرى الحزبيون أنهم أمة دون الناس، وإن كانوا يرون أنفسهم أنهم جماعة من المسلمين، لا جماعة المسلمين، لكنهم متميزون عن المسلمين بسبب حزبيتهم، أما من يرى من الحزبيين: أنهم جماعة المسلمين، فهي الطامة الكبرى، والضلال البعيد.
الفارق السابع:
التجمع: ما يزال الكتاب والسنة مرجعيتهم، ومنهج السلف طريقهم، والراسخون من أهل العلم أئمتهم، حيثما كانوا، وأينما وجدوا.
التحزب: الحزبية مرجعهم، وقيادة الحزب أئمتهم، سواء كانت حزبية فردية (مشيخية) أوحزبية جماعية (قيادية).
وباختصار: فإن التجمع: يزيد في تعاون المسلمين وتآلفهم ووحدتهم، بما يقوم به المتجمعون من مهام في خدمة أمتهم، والتعاون فيما بينهم، وسد ثغراتهم.
والتحزب: يزيد الأمة فرقة وشتاتاً، وعصبية وتناحراً، وضعفاً وفشلاً، بما أحدثوه في صفوف الأمة من أحزاب، كل حزب مستقل بنفسه، فرح بما عنده مستخف بغيره، شامت بما يقع عليهم.
مثال التجمع، ومثال التحزب:
من أمثلة التجمع: ما كان عليه أصحاب النبي ﷺ والسلف والصالح من تجمع حول أمر معين، كتجمعهم للعلم، وتجمعهم للجهاد، دون حزبية، ولا حواجز، ولا حدود.
ومثال ذلك: الوزارات في الدولة الواحدة، وما كانت عليه الدول الإسلامية قبل تقسيمها، وما عليه الولايات الأمريكية حالياً، وفي ظل التجمع تجد كل وزارة أو ولاية أو قطر، متعاونين متناصرين متكافلين، مرجعتهم واحدة.
стр. 158
وأما أمثلة التحزب: فما عليه الأحزاب الإسلامية اليوم، من منهج متميز، وقيادة مستقلة، وتنظيم خاص، وما أصبحت عليه الدولة الإسلامية بعد تقسيمها، وإقامة الحدود بينها، وما كانت عليه الدول الأوربية قبل التعاون الأخير.
ولذلك أدرك الأوربيون بعقولهم ومصالحهم، خطورة تحزب بلدانهم، وسعوا ويسعون إلى تحولها إلى تجمع فيما بينهم بدل التحزب، ولما يدرك كثير من المسلمين ذلك، فهل من مدكر؟ .
وإذا أردت أن تعلم حقيقة ما عليه الجماعات المسلمة اليوم، فانظر هل هذه الجماعات متناحرة متباغضة، أم هي متعاونه متحابة؟ !
هل هذه الأحزاب الإسلامية شتت الأمة، أم وحدتها؟ !
الجواب عند المنصفين العقلاء.
وتجد تفصيل ذلك بأدلته في كتابنا (الحزبية) يسر الله طباعته.
стр. 159
التعصب:
من أبشع ما أصيبت به أمة الإسلام، أمة الدليل والبرهان، التعصب والتقليد الأعمى.
والتعصب: هو التمسك بالرأي أو نصرة الأعيان، في مقابل الحق، أو تقديمهم عليه.
وإذا كان التعصب يضل عن الحق، ويوقع في الظلم، فإن التقليد يعطل التفكير، ويبطل الدليل، ولقد كان للتعصب والتقليد الأعمى الدور الأكبر في الإعراض عن الحق والهدى، والوقوع في الباطل والظلم، ولهذا كان من أكثر ما عابه الله في كتابه الكريم التقليد، وترك اتباع الدليل، والإعراض عن الحق، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة: (١٧٠)].
ولقد نجا الصحابة من ذلك، وكادت الأمة في قرونها الأولى تنجو منه، لولا قليل من التعصب النسبي، الذي جر على الأمة مصائب التفرق، وويلات الحروب التي سببت انشطارات في الأمة، وضعفاً أمام عدوها.
ثم ظهر فيها التعصب المذهبي في أبشع صوره، وأحلك أيامه، مما دفع بعضهم إلى مقاطعة بعض، بل إلى انقلابات إدارية بعضهم على بعض، عزل فيها العلماء عن مناصبهم، وصودرت أموالهم، وزج كثير منهم في السجون، ولا ذنب لهم إلا التمذهب.
ولولا ضيق الوقت، وسوء الأحداث، لنقلت من ذلك ما تقشعر منه الأبدان، مما فعله هؤلاء المتعصبة، ولكن الواجب أن تطوى تلك الأحداث ولا تروى، إلا على سبيل التحذير والاعتبار.
ثم ما إن خفت وطأة التعصب المذهبي، وكادت أن تخلع عن عاتقها ذلك الثوب الأسود، إلا وظهر علينا عصبيات جديدة، وأطل على صحوة أمتنا تعصب محدث، بثوب مرباد، كالسكاكين تقطع الأمة، فتقطعت -فعلاً- إلى جماعات وأحزاب، فتعصب الناس لها، وعاد التعصب للشيوخ وللزعماء، يطل برأسه حتى إنك لترى الرجل لا هم له إلا نصرة حزبه، وشيخه، وزعيمه، بكل وسيلة، وعلى كل فعل وقول.
стр. 160
وصار هم كثير من الناس النيل من معين بكل ما أوتي من قوة، وفي كل فعل أو قول.
حتى صد هذا التعصب -سلباً كان أو إيجابا- عن الحق، والعلم، والعبادة، والدعوة إلى الله، وجلب من المفاسد ما لا يعلمه إلا الله.
فتدابر الناس على ما لا يجوز التدابر عليه، وشنع بعضهم على بعض فيما لا يستحق التشنيع.
وغدت مجالس كثير منهم لغواً ولغطاً، عصبية وانتقاماً، فضاعت الأوقات، وهدرت الطاقات، ونشبت النزاعات، ووقع ما حذرنا الله من وقوعه، ألا وهو الفشل.
وانشغل الناس عن عدو الأمة المتربص بها الدوائر، وعن تعليم الناس ودعوتهم.
التعصب الممقوت: هو الشدة في نصرة الرأي، أو الوقوف مع غيره لغرض غير شرعي، كالمدافعة والنصرة لقرابة، أو عاطفة، أو مصلحة، دون النظر إلى حق أو دليل.
ومقتضاه: الظلم، وطمس الحق، وإغفال الدليل، والإعانة على الباطل، فضلاً على زيادة التفرق.
ومن علاماته:
- التسليم لكل قول يقوله صاحبه، كالذي يسمع لابنته في كل ما تقوله في زوجها، أو العكس، أو تنفيذ أوامر شيخ القبيلة، أو قائد الحزب دون تبين.
- نصرته له على كل حال، كالذي ينصر شيخه، أو حزبه، أو متبعه، في كل موقف، وفي كل قول.
- معاداة غيره من المسلمين على كل حال، كالذي لا يعترف أن لخصمه حسنة واحدة، فيعاديه في كل قول، وفي كل موقف.
وشر التعصب أن يتعصب لشيخه، وهو يظن أنه ينصر الحق، ويحسن صنعاً.
- التعلق بشيخ أو حزب أو متبوع، والتمحور حوله مهما كان شأنه، وقد يكون التمحور حول شيوخ من حزب مخصوص، أو بلد معين.
стр. 161
ومن أكبر علامته: أن يحصر المرء الحق -أو يريد أن يكون الحق- هنا أو هناك، في مذهبه، أو حزبه، أو شيخه، غافلاً عن التثبت معرضاً عن الدليل.
العلاج:
اعلم -رحمني الله وإياك- أن من تتبع الحق هنا أو هناك، وكان غايته الحق والهدى، وسبيله التثبت والدليل، مع من كان، فقد برأت ذمته من التعصب، وهذا أول العلاج وهو تتبع الحق أين ما كان، ومع من كان.
الثاني: الاعتقاد بأن المتبوع يخطئ، وأن الخصم يصيب.
الثالث: أن يكون قصده الوصول إلى الحق، سواء كان الحق هنا أو هناك، وأن لا يتخذ موقفاً سلفاً، ولا ينصر صاحباً ابتداءً، ولا يؤيد متبوعاً مقدماً، حتى يسمع من الأطراف بالدليل والبرهان، لا بالعواطف الجياشة، والمصالح الخاصة.
الرابع: وجوب قبول الحق ممن كان، ولو كان خصماً، ورد الخطأ أو الباطل، ولو كان من متبوعه.
الخامس: استشعار حقوق الأخوة، وواجبات الإسلام العظيمة، وقواعده المتينة، كالتثبت والسماع من الأطراف الأخرى، والتفريق بين البينة والتزيين، وما شابه هذا مما ذكر في أكثر من موضع.
السادس: تقوى الله، وخشيته في السر والعلن، والنقل والسماع، والفتوى والقضاء.
نداء لكل مسلم يحب عزة أمته:
اعلم يا من يحب الله ورسوله ﷺ ، ويكره تفرق أمته وذلها: أن من أعظم أسباب تفرق المسلمين تعصبهم لجماعاتهم وأحزابهم وشيوخهم، الأمر الذي يعيق وحدة المسلمين التي هي سبب قوتهم وعزهم، وسيظل المسلمون متفرقين ذليلين، مقهورين فاشلين، مادام التفرق قائماً، والتعصب منهجاً، فهلا انتهينا عن ذلك رحمة بنا وبأمتنا.
стр. 162
ولذلك أمر الله بالاعتصام بحبله، فقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: (١٠٣)]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: (٤٦)]. ويسيطر عليكم أعداؤكم، ويدوسوا كرامتكم، ويسلبوا أموالكم، ويشردوا شبابكم.
فكان ذلك، إذ اعتصم الناس بحبل جماعاتهم وأحزابهم وشيوخهم، فكان التنازع والفشل.
واعلم يا من يحب الله ورسوله، ويحب أن تكون أمته عزيزة الجانب، راسخة التمكين: أن من أعظم أسباب التمكين والعزة: وحدة الصف، وسلامة الصدور، وأن ذلك لا يتم إلا بترك التعصب، والتمحور حول الحق، والبحث عنه بالدليل، والاعتصام بحبل الله لا بحبل الجماعات والأحزاب والشيوخ، فإن فعلوا ذلك، فقد وفقوا للحق، وتحققت وحدة أمتهم وعزها.
ثم إن إصرارنا على هذا التعصب، يعنى بقاء أمتنا زبراً بجماعاتنا، فاشلين في أنفسنا، أذلة على أعدائنا. فمتى نتوحد إذن؟ ! ومتى نتفق؟ !
إننا نفرق أنفسنا بأيدنا، ونذل أنفسنا بتقصيرنا.
ولو أنا جميعاً بحثنا عن الحق، لالتقينا فيه، ولزالت بذلك فرقتنا، وتوحدت كلمتنا، وأُعِزِّتْ أمتنا.
اللهم وحد هذه الأمة، وعجل فرجها، يا من لا مجيب سواه، ولا قدير على ذلك إلا هو، لا ملجأ ولا منجا من ذلك إلا بك وإليك، ولا حول ولا قوة إلا بك.
стр. 163
العدل والإنصاف:
العدل والإنصاف من صفات هذا الدين العظيم، ومن صراطه المستقيم، ولقد تميزت به أمة الإسلام على سائر الملل والأمم، وضرب سلفنا الصالح المثل الأعظم في العدل والإنصاف، حتى صاروا قدوة فيه للناس، ولما رأى ذلك شعوب البلاد المفتوحة، دخلوا في الإسلام أفواجاً.
وإن للمعاملة الطيبة، والعدل والإنصاف مع الناس أثراً عظيماً، في تأثرهم بذلك، وقبولهم الدعوة، ودخولهم الإسلام، ولذلك كان العدل والإنصاف باباً مهماً وواسعاً من أبواب الدعوة إلى الله، لدخول الناس في الإسلام.
لذلك أمر الله بهما ورسوله ﷺ في مواطن كثيرة، مع القريب والبعيد، والصديق والعدو، في العدل والرضا، والعسر واليسر، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: (١٣٥)].
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام: (١٥٢)].
ومن دلائل إنصاف هذا الدين العظيم، إنصاف أهل الكتاب رغم عداوتهم له، إذ قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: (٧٥)].
ولم يمنع الله ولايتُه للصحابة، أن يشهد عليهم في أُحد بالخطأ، ويجعله قرآناً يتلى إلى يوم القيامة، قال سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: (١٥٢)].
فالأولى: شهادة للعدو، والثانية: شهادة على الأولياء.
стр. 164
وعَدّ رسول الله ﷺ الإنصاف من الإيمان، فقال: ((ثلاث من كن فيه فقد استكمل الإيمان: إنصاف الناس من نفسك ... )) (١).
ونظراً لما يفعله كثير من الناس من الإجحاف في حال البغض، حذر الله من أن يحملنا بغض قوم على أن لا نعدل معهم.
قال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ... ﴾ [المائدة: (٨)].
وأمر بالعدل معهم، ولو كانوا مُبغَضين، وعدّ ذلك من التقوى، فقال سبحانه: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: (٨)].
وعدّ سبحانه من لم يعدل مع الجميع -من قريب أو عدو- متبعاً لهواه، ظالماً لنفسه، وحذر من مغبة ذلك، فقال سبحانه: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: (١٣٥)].
ونظراً لما يفعله الإنسان من ظلم في حال الغضب، قال ﷺ : ((وثلاث منجيات، فأما المنجيات: فالعدل في الغضب والرضا ... )) [رواه الطبراني في الأوسط (٥٧٥٠) من حديث ابن عمر وحسنه شيخنا الألباني في الصحيحة (١٨٠٢)].
ومع قطعية هذه النصوص، ووضوح دلالتها، تجد هذا الأمر -العدل والإنصاف- مفقوداً عند كثير من الناس، وما رأيت شيئاً فقده الناس أكثر من الإنصاف، حتى قال الذهبي ﵀: "والإنصاف عزيز" وقد خلَّط بعضهم بين العدل والإنصاف، وبين ما يسمى بفقه الموازنات.
ولا يسع المقام للتفصيل والرد، ولكن يمكن ذكر بعض الأمر:
- يحرم الظلم، أي ظلم كان، على كافر أو مبتدع أو فاسق.
стр. 165
- إن من العدل والإنصاف، أن تُرى حسنات المخالف (١)، وسيئات الموافق، ولا يعني هذا نشر حسنات المبتدعين.
- إن من الظلم والإجحاف، أن لا يُرى لمخالف حسنة، ولا لموافق سيئة.
- إن من الظلم نشر حسنات أهل البدع، وطمس حسنات أهل السنة.
- إن لكل مقام مقالاً، فتارة يلزم ذكر حسنة المخالف، وتارة يلزم ذكر خطأ الموافق.
- إذا ذكر خطأ عالم أو داعية من أهل السنة، فلابد من التنبيه إلى حسناته، حين يخشى أن يظن به ظن السوء.
- إذا ذكرت حسنة مبتدع لحاجة، فلابد من التنبيه إلى حقيقة أمره، حين يُخشى الاغترار به.
واعلم -رحمني الله وإياك- أن العدل والإنصاف، يذيب التعصب، ويدفع الغلو.
وإذا فُقِد العدل حل الظلم، وإذا انعدم الإنصاف وقع الإجحاف .
ووقع بذلك غلو وتعصب وفتن، نعوذ بالله من شر الظلم وأهله.
قال شيخ الإسلام ﵀: "ثم إنه ما من هؤلاء [أي: أهل البدع] إلا مَنْ له في الإسلام مساع مشكورة، وحسنات مبرورة، وله في الرد على كثير من أهل الإلحاد والبدع، والانتصار لكثير من أهل السنة والدين، ما لا يخفى على من عرف أحوالهم، وتكلم فيهم بعلم وصدق، وعدل وإنصاف، لكن لما التبس عليهم هذا الأصل المأخوذ ابتداء عن المعتزلة، وهم فضلاء عقلاء، احتاجوا إلى طرده، والتزام لوازمه، فلزمهم بسبب ذلك من الأقوال ما أنكره المسلمون من أهل العلم والدين، وصار الناس بسبب ذلك:
منهم من يعظمهم، لما لهم من المحاسن والفضائل.
ومنهم من يَذمّهم، لما وقع في كلامهم من البدع والباطل ((وخيار الأمور أوساطها)) (٢).
стр. 166
وقال ابن القيم عن الطائفة التي أنكرت التصوف جملة وتفصيلاً: "حجبت بها عن محاسن هذه الطائفة، ولطف نفوسهم، وصدق معاملتهم، فأهدروها لأجل هذه الشطحات، وأنكروها غاية الإنكار، وأساؤوا الظن بهم مطلقاً، وهذا عدوان وإسراف، فلو كان كل من أخطأ أو غلط ترك جملة، وأهدرت محاسنه، لفسدت العلوم والصناعات، والحكم وتعطلت معالمها" (١).
стр. 167
فقه الموازنات:
هذا الباب تتمة لما قبله، وفيه تداخل نظراً للاشتراك في المعنى.
وفقه الموازنات: اصطلاح مُحدث، ولا ضير في الاصطلاح، إذا لم يخالف مضمونه حقاً.
وقول الحق فيه: ما قاله أئمة أهل السنة، الذين عرفوا بالعدل والإنصاف، لا بالظلم والإجحاف، والتشنج والإفساد، كالأئمة الأربعة، وابن تيمية، وابن القيم، وما كان عليه هذان الإمامان ابن باز، والألباني، حفظهما الله، ولا ضير على من اتبعهم، ولكن البئيس من خالفهم، وصفَّ نفسه في صفِّهم، أو تعالم عليهم، وأعرض عن التحاكم إليهم كبراً وعنصرية.
ومما هو معلوم عند العلماء في هذا المقام:
الأول: إذا أريد الوقوف على حقيقة معيّن، جُمعت حسناته وسيئاته، ثم يُنظر في أمره ومن كان له بصر، فليراجع سير أعلام النبلاء، وكتب الجرح والتعديل، وعمل الناقدين المنصفين من الفحول من هذه الأمة.
فإن كانت أصوله صحيحة، وهو من أهل الاجتهاد، وكانت طرق استدلاله مستقيمة، فلا يلتفت إلى وقوعه في خطأ أو خطأين، أو تمثيل أو تمثيلين، أو أكثر من ذلك.
وإن كانت أصوله فاسدة، عدّ من أهل البدع والضلال، ولا يلتفت إلى إصابته في مسألة أو مسألتين أو أكثر، ولا يمنع من الاستشهاد بما أصاب به لغرض شرعي، إذا انتفت موانع الاستشهاد.
الثاني: لا يحل نشر سيئات الأئمة العاملين ذوي الأصول الصحيحة، ولا أخطاء العلماء الراسخين إلا عند الحاجة لتصحيحها، وفي حدود ضيقة، ودون التعرض لأعيانهم، على قاعدة: (نصحح ولا نجرح).
الثالث: ينبغي التفريق بين الأخطاء العلمية، والأخطاء الشخصية.
стр. 168
فأما الأولى: فيجوز تصحيحها بالطرق العلمية، والأخلاق الإسلامية، ويفضل نصح العالم قبل النشر، وذلك تحقيقاً للتناصح، ودفعاً لإشغال الناس.
وأما الأخطاء الشخصية: فلا يجوز نشرها البتة، إلا إذا ترتب على السكوت عنها مفسدة، وذلك بعد نصحه وإصراره.
الرابع: لا يحل نشر حسنات أهل البدع والضلال، لكي لا يغتر الناس بهم إلا في حدود ضيقة، تتحقق فيها مصلحة، وتندفع المفسدة، ولا يترتب عليها اغترار.
الخامس: لا يلزم كلما ذكر رجل من أهل البدع لسبب ما، أن تذكر بدعته وضلالته، إلا حين غلبة الظن بوقوع الاغترار.
السادس: إن على المسلم أن يتقي الله في كل لفظ يلفظه، ولا يحمله أخطاء المخطئين، وابتداع المبتدعين على ظلمهم، وتحميلهم ما لم يحملوه، وسوء الظن بكل فرد منهم.
فأمامنا حساب، وبين يدي الله تحاكم، وإنه لا يستبعد أن يغفر الله للمخطئين لحسن قصدهم، أو لحسنات عندهم، ويعاقب المنتقدين ولو كانوا صحيحي العقيدة، وذلك لظلمهم لإخوانهم، وافترائهم عليهم، أو لسوء أخلاقهم، وفحش عباراتهم، فإن المرأة التي كانت تؤذي جيرانها، هي في النار رغم حسن عقيدتها، وحسن عبادتها، ودخلت امرأة النار في هرة حبستها، أي: ظلمتها، فكيف بظلم علماء ودعاة اجتهدوا فأخطأوا أو حتى وقعوا في الابتداع، فصاحب هذا الظلم أولى بالنار ممن أساء إلى جاره، أو ظلم هرة، ولذلك كانت القاعدة التالية وهي الأخيرة.
السابع: لا يجوز هضم كل حسنات الرجل إذا ما سقط في أخطاء، ولا يجوز ظلمه والتعدي عليه، ولا يجوز إساءة الظن بكل مخطئ، ومبتدع، بل الأولى ترك ذلك بالكلية.
وقد ذكر شيخ الإسلام من حسنات أهل البدع، ومن سلبيات أهل الحديث، في مواضع كثيرة سيأتي بعضها إن شاء الله في باب جواز ذكر السلبيات.
стр. 169
ويمكن مراجعة مجموع الفتاوى [٤/ ١٢ - ٢٤]. (١)
ومن ذلك: ما نقلناه عنه قبل قليل: "ثم إنه ما من هؤلاء إلا من له في الإسلام مساع مشكورة، وحسنات مبرورة، ولا ريب أن من اجتهد في طلب الحق والدين من جهة الرسول ﷺ ، وأخطأ في بعض ذلك فالله يغفر له خطأه، تحقيقاً للدعاء الذي استجابه الله لنبيه وللمؤمنين حيث قالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [سورة البقرة: ٢٨٦]. ومن اتبع ظنه وهواه فأخذ يشنع على من خالفه بما وقع فيه من خطأ ظنه صواباً بعد اجتهاده، وهو من البدع المخالفة للسنة، فإنه يلزمه نظير ذلك أو أعظم أو أصغر فيمن يعظمه هو من أصحابه، فقل من يسلم من مثل ذلك في المتأخرين".
ومن ذلك كذلك ما نقلناه قبل قليل عن ابن القيم -بعد أن تكلم عن أهل البدع-: "وهذه الشطحات أوجبت فتنة على طائفتين من الناس، إحداهما: حجبت بها عن محاسن هذه الطائفة ... ، والطائفة الثانية: حجبوا بما رأوه من محاسن القوم، وصفاء قلوبهم، وصحة عزائمهم، وحسن معاملاتهم عن رؤية عيوب شطحاتهم، ونقصانها، فسحبوا عليها ذيل المحاسن، وأجروا عليها حكم القبول والانتصار لها، واستظهروا بها في سلوكهم.
وهؤلاء أيضاً معتدون مفرطون.
والطائفة الثالثة: -وهم أهل العدل والإنصاف- الذين أعطوا كل ذي حق حقه، وأنزلوا كل ذي منزلة منزلته، فلم يحكموا للصحيح بحكم السقيم المعلول، ولا للمعلول السقيم بحكم الصحيح، بل قبلوا ما يقبل، وردوا ما يرد، ألا ليت بعض الناس يسمعون، ويعقلون وينصتون، وهذا هو الذي عليه هذان العالمان ابن باز والألباني فاسألوهم إن كنتم صادقين.
стр. 170
حكم ذكر السلبيات في المسلمين
يشرع ذكر سلبيات بعض أفراد الطائفة المنصورة بإجمال دون تعيين لنصحهم، ولا يعني هذا الطعن بالطائفة المنصورة، والكتاب والسنة مليئان بذلك، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: (١٥٢)].
وقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: (٧٢)].
وأقوال رسول الله ﷺ في هذا كثيرة منها: ((ما بال أقوام ... )) [رواه البخاري، ومسلم وغيرهما وبعدة مناسبات].
ومنها قوله: ((إن منكم منفرين ... )) [رواه البخاري: (٦٧٠) وأحمد: (٢/ ٢٧٣) عن أبي مسعود عقبة بن عمر].
وعلى هذا جرت بعض أقوالي كقولي: إن بعض السلفيين كسالى، أي: كسالى في نشر دعوتهم، وإن بعضهم لا يفهمون الدعوة، وهذا صحيح، فقد رأينا من ينتسب إلى هذه الدعوة المباركة، ولا يدرك كثيراً من أصولها، كما هي الحال في بلاد جنوب شرقي آسيا وغيرها.
ومنهم من يظن لجهله بواقع المسلمين: أن كل من ينتسب إلى هذه الدعوة، هو على درجة عظيمة من التوحيد والعلم والتقوى.
ومنهم من يعتقد -لوسوسة فيه، أو لسوء ظَنٍّ مَرَدَ عليه- أن كل كلمة ينتقد فيها أفراد ينتسبون إلى جماعات، هو نقد للجماعة كلها أو لمنهجها، فإذا انتُقِدَ بعض أفراد طائفته، ظن أنه هو المقصود بذلك، أو المقصود بهذا أئمتها.
ومن ذلك ما يظنه بعضهم -لسوء فهم، أو قلة علم- يظن أن انتقاد السلفيين بذكر أخطائهم، هو انتقاد للسلفية، ولاشك أن السلفية شيء، والسلفيين شيء آخر، كالإسلام والمسلمين، وعلى هذا فانتقاد بعض السلفيين بحق جائز، وانتقاد السلفية زندقة وجهل،
стр. 171
كانتقاد الإسلام والمسلمين، وإذا انتُقِد بعض الصحابة، فهل يعني هذا، انتقاد الرسول ﷺ ، أو انتقاد الإسلام؟ !
ومنهم من يظن أن السلفيين في مقام العصمة، وأن نصحهم يعني الطعن بهم، ولا شك أنهم خيرة الناس لتوحيدهم واتباعهم، ولكن هذا لا يعني عصمتهم، فهم من المسلمين، وفيهم ما فيهم، وليسوا هم بأعز -عند الله وعند الناس- من الصحابة، وقد قال الله فيهم: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: (١٥٢)].
وقال ﷺ لمعاذ: ((أفتان أنت يا معاذ)) [البخاري (٥٧٧٥) ومسلم (٤٦٥) عن جابر بن عبد الله].
وقال ﷺ مخاطباً الصحابة والمسلمين من بعدهم: ((إن منكم منفرين ... )) سبق تخريجه.
فهل قصد بذلك أبا بكر وعمر، أم قصد من ينفر، سبحان الله! وكذلك كان قصدي من عباراتي في نصح السلفيين، كقولي: منهم من يفقد الحكمة، أو كسالى، أو عبارات نحوها لا أذكرها الآن، وذلك تحقيقاً لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام: (١٥٢)].
فما بال بعضهم لا يعرف العدل والإنصاف؟
هذا ولم يمنع شيخَ الإسلام مانعٌ، أن يذكر سلبيات أهل الحديث، تحقيقاً للعدل والإنصاف، وبياناً للحق ونصحاً فيه، قال ﵀: "ثم إنهم -أي أهل الحديث- بهذا المنقول الضعيف، والمعقول السخيف، قد يُكفّرون ويُضللّون، ويُبَدّعون أقواماً من أعيان الأمة ويجهلونهم، ففي بعضهم من التفريط في الحق، والتعدي على الخلق، ما قد يكون بعضه خطأ مغفوراً، وقد يكون منكراً من القول وزوراً، وقد يكون من البدع والضلالات، التي توجب
стр. 172
غليظ العقوبات، فهذا لا ينكره إلا جاهل أو ظالم، وقد رأيت من هذا عجائب" (١) [مجموع الفتاوى ٤/ ٢٤].
وقال ابن ناصر الدين الدمشقي: "كما أن جماعة من علماء الأثر بالغوا في الإثبات، وقبول الضعيف والمنكر، ولهجوا بالسنة والاتباع (٢) فحصل الشغب، ووقعت البغضاء، وبدّع هذا هذا، وكفّر هذا هذا" [الرد الوافر ٢/ ٢٠].
قلت: ونحن كذلك قد رأينا في زماننا ما هو أعجب، ممن ينتسب إلى السلفية، غير أن هؤلاء يكفرون، وهؤلاء يبدعون.
فهم في منهجهم كالتكفيريين من حيث سوء الخُلق، والتعدي على الخلق، وبذاءة اللسان، والاتهام بغير تثبت.
وكثيراً ما كان شيخنا الألباني وغيره من علماء الدعوة، يصرحون على الملأ بأخطاء السلفيين، وكان شيخنا يتأوه ويزفر من ذلك، ويكرر قولته المشهورة: "لقد سعينا في التصفية، ولم نسع في التربية".
وكان حفظه الله يقول: "أصيبت أمتنا في عقيدتها، وأصيب السلفيون في أخلاقهم". (٣)
стр. 173
من أحكام النية في الإسلام:
النية ركن ركين من أركان الإسلام، وشأنها عظيم، فهي روح الإسلام وشرط من شروطه، بل هي شرط من شروط كل عبادة، فلا يقبل إسلام ولا عمل ولا عبادة بغير نية خالصة لوجه الله تعالى.
قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ... ﴾ [سورة البينة: (٥)].
وقال ﷺ : ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ... )) [أخرجه البخاري ومسلم: عن عمر رضي اله عنه] ومن أحكامها:
* منكر النية وأثرها في قبول العمل يستتاب ثلاثاً، وإلا يقتل ردة.
* لا أثر للنية في تصحيح العمل من قريب أو بعيد إن كان فاسداً (١)،
فمن فسد عمله لا يصلحه حسن نيته، ومن فسدت نيته فلا يصلحها حسن اتباعه، ولهذا لا يجوز الاحتجاج للمخطئين والضالين بحسن نيتهم، فحسن النية ليست دليلاً على صلاحية العمل، واستقامة المنهج، ولهذا كان لا يقبل عمل إلا بشرطين:
стр. 174
الأول: إخلاص النية لله.
الثاني: متابعة للشرع.
* ينقلب المباح عبادة، عملاً كان أو تركاً، إذا قصد بذلك وجه الله تعالى.
فمن عمل مباحاً، أو تركه، من طعام، أو شراب، أو نكاح، أو لباس، الخ ... ، ابتغاء وجه الله، وتحقيقاً لمصلحة شرعية، حسبت له صدقة، وكان له فيه أجر:
قال ﷺ : ((وفي بُضع أحدكم صدقه ... )) [مسلم (١٠٠٦) أحمد (٥) ١٦٧] أي: في جماع الزوجة صدقة وأجر.
قال ﷺ : ((كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع عليه الشمس، قال: يعدل بين الاثنين صدقة، ويعين الرجل في دابته ويحمله عليها، أو يرفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة يمشيها إلى الصلاة صدقة، ويميط الأذى عن الطريق صدقة)) [أخرجه البخاري (٥/ ١٢٦) في الصلح ومسلم (١٠٠٩)].
حديث: ((وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعل في فيّ امرأتك)) [أخرجه البخاري (٣/ ١٣٢) ومسلم (١٦٢٨)].
- من أعظم ما يفسد النية الرياء، وهو دركات، ولا محل للتفصيل ها هنا.
هذا فيما يخص النية من حيث الإخلاص لله ، وأما ما يخص النية في إجزاء العبادات، فتراجع صورها في مظانها من الأمهات، ونذكر بعضها في هذه العجالة:
- يجوز تفاوت النية بين الإمام والمأموم من حيث نوع الصلاة، وعدد الركعات، فيجوز أن يصلي المفترض بالمتنفل، والمتنفل بالمفترض، ومأموم بوقت الظهر، بإمام لوقت آخر كالعصر، ولا أثر لاختلاف النية في مثل هذه المواطن أبداً، وذلك لإقرار النبي ﷺ صلاة معاذ متنفلاً، والناس خلفه مفترضون. [أخرجه البخاري (٢/ ١٦٢، ١٦٤) ومسلم (٤٦٥)].
وحديث: ((من يتصدق على هذا ... )) فقد كانت نية المأموم نفلاً والإمام مفترضاً [أبو داود (٥٧٤) وأحمد (٣/ ٦٤) وصححه شيخنا الألباني].
стр. 175
- يجوز للمسافر أن يفطر ولو نوى الصيام، وأن يجمع ولو نوى الصلاة لوقتها، وأن يصلي الصلاة لوقتها ولو نوى الجمع، ولا أثر للنية في هذا التبديل (١).
- لا يجوز تبديل النية من النفل إلى الفرض ولا العكس، إلا في صور محدودة، كمن شرع في نفل، ثم قام فيه فرض ولابد، كمن صام نفلاً ثم بلغه رؤية هلال رمضان، فيجب عليه أن يصوم بقية يومه فرضاً، أو كمن شرع في صلاة العصر، ثم تذكر أنه صلاها من قبل، فيحول النية إلى نفل؛ لنهي النبي ﷺ عن الصلاة في اليوم مرتين.
- لا تلزم النية المرء عملاً نواه، كمن نوى أن يتصدق ثم عدل عن ذلك، أو نوى الحج أو العمرة ثم جاء الميقات فعدل عن ذلك، ولا أثر للنية في هذا الموضع، ولا يلزمه شيء.
стр. 176
الاهتمام بالأخلاق:
من غريب ما وقع من بعضهم: أن عابوا الاهتمام بالدعوة إلى الأخلاق، وعدّوه غلواً، ويكاد العاقل لا يصدق هذا، لولا أن رأيناه بأمِّ أعيننا، وسمعناه بآذاننا، ولا يُدرى موقف هؤلاء من الآيات العظيمة، والأحاديث الكثيرة في هذا، وقد وقع هؤلاء القوم في غفلات:
الغفلة الأولى: أن للأخلاق منزلة عظيمة في الدين، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: (٤)].
وإذا كان البيت يبنى باللبن، ويشد اللبن بالملاط، فإن المجتمع يبنى بالتوحيد، ويشد أفراده بعضهم إلى بعض بالأخلاق، ولا قيام لمجتمع بتوحيد دون أخلاق، قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ... ﴾ [آل عمران: (١٥٩)] ومعنى ذلك: أنهم يتفرقون عنك ولا يجتمعون، رغم ما أنت عليه وهم من التوحيد الخاص، والإخلاص العظيم، وأن التوحيد المجرد عن الأخلاق، لا يجمع أمة، ولا يوحد صفاً.
وفي مقام الأخلاق وأهميته قال ﷺ : ((إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)) [رواه أحمد (٢/ ٣٨١) والحاكم في المستدرك (٢/ ٦١٣) عن أبي هريرة، وقال صحيح على شرط مسلم، وصححه شيخنا الألباني في الصحيحة (٤٥)].
ولما سئل ﷺ عن أكثر ما يدخل الجنة، قال: ((تقوى الله وحسن الخلق)) [رواه أحمد (٢/ ٢٩١) والترمذي (٤/ ٣٤٣) ابن ماجه (٤٢٤٦) عن أبي هريرة، وصححه شيخنا الألباني في الصحيحة رقم (٩٧٧)].
وقوله ﷺ : ((أكمل المؤمنين إيماناً أحاسنهم أخلاقاً)) [رواه أحمد (٢/ ٢٥٠) وأبو داود (٤٦٨٢) والترمذي (١١٦٢) عن أبي هريرة، وصححه شيخنا الألباني في صحيح الترمذي (٩٢٨)].
وسئل رسول الله ﷺ عن امرأة تقوم الليل، وتصوم النهار، وتتصدق، وتؤذي جيرانها بلسانها، قال: ((لا خير فيها هي من أهل النار)) [رواه أحمد (٢/ ٤٤٠) والبخاري في الأدب المفرد (١١٩) والحاكم (٤/ ١٦٦) عن أبي هريرة، وصححه شيخنا الألباني في الصحيحة (١٩٠١)].
стр. 177
وقال ﷺ : ((لا يدخل الجنة قاطع رحم)) [البخاري (٥٦٣٨) ومسلم (٢٥٥٦) وأبو داود (١٦٩٦) والترمذي (١٩٠٩) عن جبير بن مطعم].
وسئل رسول الله ﷺ عن البر، فقال: ((البر حسن الخلق)) [سبق تخريجه].
إذا عقلت هذا، أدركت أهمية الأخلاق في دين الله تعالى، وأدركت أن توحيد المرء وإخلاصه غير كاف لدعوة الناس، ما لم يتوج دعوته بالأخلاق، وإلا انفضوا من حوله.
وإذا كانت الأخلاق تدخل الجنة، بل أكثر ما تدخل الجنة، وكان عدمها يدخل النار، وإذا كان توحيد المرء وصلاته، وصيامه، وصدقته لا تمنعه من دخول النار لسوء خلقه، أفيقال -بعد هذا كله-: من الضلال الغلو في الدعوة إلى الأخلاق (١).
الغفلة الثانية: غفل الغافلون عن أهمية الأخلاق في إصلاح واقع المسلمين المخزي، بسبب سوء الأخلاق، وما جرّ ذلك عليهم من مقاطعات وتناحرات، وخوض في الأعراض، بل وسفك للدماء، فلا تكاد تجد مركزاً، ولا مسجداً، ولا جمعية، ولا مؤسسة أهلية، أو حكومية، إلا وفيها لسوء الخلق ما فيها من المشكلات والمصائب، حتى وقف المسلمون أمام القضاة من اليهود والنصارى، ليتحاكموا إليهم في شئون دينهم، وقد أدى ذلك إلى أن أغلق النصارى بعض المساجد والجمعيات، وأعظم من هذا كله، توقُّفُ الدعوة إلى الله بسبب سوء الأخلاق، وتلصص بعضهم على بعض، وتسجيل المكالمات، وتتبع نشرها حتى في الصحف والمجلات، وعلى مسمع أعداء الإسلام، حتى رآها الأعمى، وسمعها الأصم، وكأن الله أمر
стр. 178
بالفضيحة، وحرم الستر، أليس هذا يدمي القلوب، ويفتت الأكباد! فأين هؤلاء الناس الذين يعيشون في خيالاتهم؟ وفضائح بعض الدعاة الأخلاقية تزكم الأنوف، وتقشعر منها الأبدان! .
لقد فسدت أخلاق كثير من الناس، ومنهم دعاة، وفقدوا طرق استدلالهم، ووسائل التثبت، فزادت الإبالة ضغثاً، وذلك بسبب الانحراف في فهم حقيقة الإسلام عند كثير من المسلمين على اختلاف درجاتهم، واختلاف انتماءاتهم، لقد جهلوا أن الإسلام دين الأخلاق ((إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)) [سبق تخريجه].
إن المسألة لم تعد عند المسلمين بعامة: مسألة جهل بالتوحيد فحسب، بل هي مسألة أخلاق كذلك، ولم تعد عند أصحاب التوحيد، مسألة تمسك بالواجبات، وعمل بالسنن فحسب، فقد وحدوا خالقهم، ولم يشركوا به شيئاً، وعملوا بمعظم الواجبات والسنن، فلماذا -إذن- هذا الشقاق، ولماذا -إذن- هذا التنافر، وهذا التفاضح؟ !
إنها مسألة الأخلاق! إنها مسألة يجب الاهتمام بها، اهتماماً بالغاً، وليرض من يرضى، وليسخط من يسخط، إنه لا يجوز لنا أن نُعلم الناس التوحيد فحسب، ونهمل تربيتهم على الأخلاق.
لقد تأكد لكثير من العقلاء: أن كثيراً من مصائبنا من سوء الأخلاق؛ لأن معظم شباب الصحوة تربوا على الأشرطة والكتب، ولم يتربوا على الأخلاق، وبعضهم تربى على الطعن بالعباد، على قاعدة (نجرح ونجرح).
الغفلة الثالثة: ثمة قوم يربون الناس -دون أن يشعروا- على سوء الخلق، ويشعرونهم -بسوء تصرفاتهم وتربيتهم- بأنهم ماداموا على التوحيد والسنة، فما عليهم أن يسيئوا أخلاقهم، ويجرحوا إخوانهم، ويطعنوا بدعاة الإسلام.
ولا شك أن هذا لا يتم بالتلقين المباشر، وإنما يُتلقن بالتأسي، ويؤخذ بالتقليد، فالشيخ الذي جعل جل همه الفضح والتقبيح، والتشهير والتجريح، وانصرف عن التعليم والدعوة، فإن
стр. 179
مقلديه -بلا شك- سيقتدون به وهم لا يشعرون، ولهؤلاء يقال: هل منع توحيد المرأة السيئة الأخلاق التي سُئل الرسول ﷺ عنها، هل منعها توحيدها من دخول النار؟ يا ليت هؤلاء يعقلون.
الغفلة الرابعة: أن حسن الأخلاق مدعاة للتوفيق والنصر ((والله ما يخزيك الله أبداً ... )) [البخاري: (٣) بدء الوحي، ومسلم: (١٦٠) عن عائشة] هكذا قالت خديجة للرسول ﷺ مطمئنة له بتأييد الله، مبشرة له بنصره، متفرسة ذلك من حسن خلقه، وطيب معشره، عليه أفضل الصلاة وأتم السلام.
هل هناك فعلاً من ينكر الاهتمام بالأخلاق ؟
قد يتساءل العاقل متعجباً، هل يعقل إنكار هؤلاء الاهتمام بالأخلاق؟ ولماذا؟
الجواب: لا عجب في ذلك، إذا وقف المرء على سجية بعض الناس، وسوء خلقهم، إذ يمكن للمرء أن يعرفهم بسيماهم من ألوف الناس، وذلك، بعبوس سحنتهم، وبذاءة لسانهم، وانشغالهم -من صباحهم إلى مسائهم- بالطعن بالعباد، وأصل مذهبهم سوء الظن، وأسسه الدخول في النيات، وعماده التعالم، وسبيله التنقيب عن العيوب، فإن عجزوا عن إيجادها، اخترعوا الاحتمالات، وألزموا الإلزامات، ظلماً وزوراً، وهذا ديدنهم مع كثير من الدعاة، لذلك لا يعيرون الأخلاق اهتماماً، بل يعيبون الاهتمام بالدعوة إليها؛ لأنهم فاقدون لها، لا يعرفونها علماً ولا عملاً، وفاقد الشيء لا يعرف حلاوته، ولا يعرفون رفقاً، ولا يحسنون حكمة، وفاقد الشيء لا يعطيه، ولا يحسنه.
فكم من داعية صحيح العقيدة، كثير العلم، فاشل في دعوته؛ لسوء خلقه، وفظاظة طبعه، وكم من داعية فاسد العقيدة قليل العلم، ناجح في دعوته، لحسن خلقه، وطيب سلوكه.
فهلا صحّحنا عقائدنا، وحسنا أخلاقنا.
стр. 180
وقد يتساءل العاقل، عن سر غفلة هؤلاء عن هذه العظائم، هل هو لاشتغالهم بعلم النقد والترصد، وتجريح العباد عن معرفة أحوال الناس؟ أو لاعتزالهم الناس؟ فلا يدرون حقيقة ما يجري على الساحة من البلاء بسبب سوء الأخلاق، أو لفقدانهم هم الأخلاق، أم لأمر آخر؟ ! (١)
ولأجل هذا كان شيخنا يكرر: "أصيبت أمتنا الإسلامية في عقيدتها، وأصيب السلفيون في أخلاقهم".