← Общие книги

Общие книги · id 147099

منهج الاعتدال

عدنان العرعور

Полный текст (254 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الاهتمام بالأخلاق: من غريب ما وقع من بعضهم: أن عابوا الاهتمام بالدعوة إلى الأخلاق، وعدّوه غلواً، ويكاد العاقل لا يصدق هذا، لولا أن رأيناه بأمِّ أعيننا، وسمعناه بآذاننا، ولا يُدرى موقف هؤلاء من الآيات العظيمة، والأحاديث الكثيرة في هذا، وقد وقع هؤلاء القوم في غفلات: الغفلة الأولى: أن للأخلاق منزلة عظيمة في الدين، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: (٤)]. وإذا كان البيت يبنى باللبن، ويشد اللبن بالملاط، فإن المجتمع يبنى بالتوحيد، ويشد أفراده بعضهم إلى بعض بالأخلاق، ولا قيام لمجتمع بتوحيد دون أخلاق، قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ... ﴾ [آل عمران: (١٥٩)] ومعنى ذلك: أنهم يتفرقون عنك ولا يجتمعون، رغم ما أنت عليه وهم من التوحيد الخاص، والإخلاص العظيم، وأن التوحيد المجرد عن الأخلاق، لا يجمع أمة، ولا يوحد صفاً. وفي مقام الأخلاق وأهميته قال ﷺ : ((إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)) [رواه أحمد (٢/ ٣٨١) والحاكم في المستدرك (٢/ ٦١٣) عن أبي هريرة، وقال صحيح على شرط مسلم، وصححه شيخنا الألباني في الصحيحة (٤٥)]. ولما سئل ﷺ عن أكثر ما يدخل الجنة، قال: ((تقوى الله وحسن الخلق)) [رواه أحمد (٢/ ٢٩١) والترمذي (٤/ ٣٤٣) ابن ماجه (٤٢٤٦) عن أبي هريرة، وصححه شيخنا الألباني في الصحيحة رقم (٩٧٧)]. وقوله ﷺ : ((أكمل المؤمنين إيماناً أحاسنهم أخلاقاً)) [رواه أحمد (٢/ ٢٥٠) وأبو داود (٤٦٨٢) والترمذي (١١٦٢) عن أبي هريرة، وصححه شيخنا الألباني في صحيح الترمذي (٩٢٨)]. وسئل رسول الله ﷺ عن امرأة تقوم الليل، وتصوم النهار، وتتصدق، وتؤذي جيرانها بلسانها، قال: ((لا خير فيها هي من أهل النار)) [رواه أحمد (٢/ ٤٤٠) والبخاري في الأدب المفرد (١١٩) والحاكم (٤/ ١٦٦) عن أبي هريرة، وصححه شيخنا الألباني في الصحيحة (١٩٠١)].

стр. 177

وقال ﷺ : ((لا يدخل الجنة قاطع رحم)) [البخاري (٥٦٣٨) ومسلم (٢٥٥٦) وأبو داود (١٦٩٦) والترمذي (١٩٠٩) عن جبير بن مطعم]. وسئل رسول الله ﷺ عن البر، فقال: ((البر حسن الخلق)) [سبق تخريجه]. إذا عقلت هذا، أدركت أهمية الأخلاق في دين الله تعالى، وأدركت أن توحيد المرء وإخلاصه غير كاف لدعوة الناس، ما لم يتوج دعوته بالأخلاق، وإلا انفضوا من حوله. وإذا كانت الأخلاق تدخل الجنة، بل أكثر ما تدخل الجنة، وكان عدمها يدخل النار، وإذا كان توحيد المرء وصلاته، وصيامه، وصدقته لا تمنعه من دخول النار لسوء خلقه، أفيقال -بعد هذا كله-: من الضلال الغلو في الدعوة إلى الأخلاق (١). الغفلة الثانية: غفل الغافلون عن أهمية الأخلاق في إصلاح واقع المسلمين المخزي، بسبب سوء الأخلاق، وما جرّ ذلك عليهم من مقاطعات وتناحرات، وخوض في الأعراض، بل وسفك للدماء، فلا تكاد تجد مركزاً، ولا مسجداً، ولا جمعية، ولا مؤسسة أهلية، أو حكومية، إلا وفيها لسوء الخلق ما فيها من المشكلات والمصائب، حتى وقف المسلمون أمام القضاة من اليهود والنصارى، ليتحاكموا إليهم في شئون دينهم، وقد أدى ذلك إلى أن أغلق النصارى بعض المساجد والجمعيات، وأعظم من هذا كله، توقُّفُ الدعوة إلى الله بسبب سوء الأخلاق، وتلصص بعضهم على بعض، وتسجيل المكالمات، وتتبع نشرها حتى في الصحف والمجلات، وعلى مسمع أعداء الإسلام، حتى رآها الأعمى، وسمعها الأصم، وكأن الله أمر

стр. 178

بالفضيحة، وحرم الستر، أليس هذا يدمي القلوب، ويفتت الأكباد! فأين هؤلاء الناس الذين يعيشون في خيالاتهم؟ وفضائح بعض الدعاة الأخلاقية تزكم الأنوف، وتقشعر منها الأبدان! . لقد فسدت أخلاق كثير من الناس، ومنهم دعاة، وفقدوا طرق استدلالهم، ووسائل التثبت، فزادت الإبالة ضغثاً، وذلك بسبب الانحراف في فهم حقيقة الإسلام عند كثير من المسلمين على اختلاف درجاتهم، واختلاف انتماءاتهم، لقد جهلوا أن الإسلام دين الأخلاق ((إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)) [سبق تخريجه]. إن المسألة لم تعد عند المسلمين بعامة: مسألة جهل بالتوحيد فحسب، بل هي مسألة أخلاق كذلك، ولم تعد عند أصحاب التوحيد، مسألة تمسك بالواجبات، وعمل بالسنن فحسب، فقد وحدوا خالقهم، ولم يشركوا به شيئاً، وعملوا بمعظم الواجبات والسنن، فلماذا -إذن- هذا الشقاق، ولماذا -إذن- هذا التنافر، وهذا التفاضح؟ ! إنها مسألة الأخلاق! إنها مسألة يجب الاهتمام بها، اهتماماً بالغاً، وليرض من يرضى، وليسخط من يسخط، إنه لا يجوز لنا أن نُعلم الناس التوحيد فحسب، ونهمل تربيتهم على الأخلاق. لقد تأكد لكثير من العقلاء: أن كثيراً من مصائبنا من سوء الأخلاق؛ لأن معظم شباب الصحوة تربوا على الأشرطة والكتب، ولم يتربوا على الأخلاق، وبعضهم تربى على الطعن بالعباد، على قاعدة (نجرح ونجرح). الغفلة الثالثة: ثمة قوم يربون الناس -دون أن يشعروا- على سوء الخلق، ويشعرونهم -بسوء تصرفاتهم وتربيتهم- بأنهم ماداموا على التوحيد والسنة، فما عليهم أن يسيئوا أخلاقهم، ويجرحوا إخوانهم، ويطعنوا بدعاة الإسلام. ولا شك أن هذا لا يتم بالتلقين المباشر، وإنما يُتلقن بالتأسي، ويؤخذ بالتقليد، فالشيخ الذي جعل جل همه الفضح والتقبيح، والتشهير والتجريح، وانصرف عن التعليم والدعوة، فإن

стр. 179

مقلديه -بلا شك- سيقتدون به وهم لا يشعرون، ولهؤلاء يقال: هل منع توحيد المرأة السيئة الأخلاق التي سُئل الرسول ﷺ عنها، هل منعها توحيدها من دخول النار؟ يا ليت هؤلاء يعقلون. الغفلة الرابعة: أن حسن الأخلاق مدعاة للتوفيق والنصر ((والله ما يخزيك الله أبداً ... )) [البخاري: (٣) بدء الوحي، ومسلم: (١٦٠) عن عائشة] هكذا قالت خديجة للرسول ﷺ مطمئنة له بتأييد الله، مبشرة له بنصره، متفرسة ذلك من حسن خلقه، وطيب معشره، عليه أفضل الصلاة وأتم السلام. هل هناك فعلاً من ينكر الاهتمام بالأخلاق ؟ قد يتساءل العاقل متعجباً، هل يعقل إنكار هؤلاء الاهتمام بالأخلاق؟ ولماذا؟ الجواب: لا عجب في ذلك، إذا وقف المرء على سجية بعض الناس، وسوء خلقهم، إذ يمكن للمرء أن يعرفهم بسيماهم من ألوف الناس، وذلك، بعبوس سحنتهم، وبذاءة لسانهم، وانشغالهم -من صباحهم إلى مسائهم- بالطعن بالعباد، وأصل مذهبهم سوء الظن، وأسسه الدخول في النيات، وعماده التعالم، وسبيله التنقيب عن العيوب، فإن عجزوا عن إيجادها، اخترعوا الاحتمالات، وألزموا الإلزامات، ظلماً وزوراً، وهذا ديدنهم مع كثير من الدعاة، لذلك لا يعيرون الأخلاق اهتماماً، بل يعيبون الاهتمام بالدعوة إليها؛ لأنهم فاقدون لها، لا يعرفونها علماً ولا عملاً، وفاقد الشيء لا يعرف حلاوته، ولا يعرفون رفقاً، ولا يحسنون حكمة، وفاقد الشيء لا يعطيه، ولا يحسنه. فكم من داعية صحيح العقيدة، كثير العلم، فاشل في دعوته؛ لسوء خلقه، وفظاظة طبعه، وكم من داعية فاسد العقيدة قليل العلم، ناجح في دعوته، لحسن خلقه، وطيب سلوكه. فهلا صحّحنا عقائدنا، وحسنا أخلاقنا.

стр. 180

وقد يتساءل العاقل، عن سر غفلة هؤلاء عن هذه العظائم، هل هو لاشتغالهم بعلم النقد والترصد، وتجريح العباد عن معرفة أحوال الناس؟ أو لاعتزالهم الناس؟ فلا يدرون حقيقة ما يجري على الساحة من البلاء بسبب سوء الأخلاق، أو لفقدانهم هم الأخلاق، أم لأمر آخر؟ ! (١) ولأجل هذا كان شيخنا يكرر: "أصيبت أمتنا الإسلامية في عقيدتها، وأصيب السلفيون في أخلاقهم".

стр. 181

الدعوة السلفية ودعاتها: الأصل في الدعوة السلفية، التي هي دعوة الإسلام، لا تزيد عنه ولا تنقص شيئاً، الأصل فيها الدعوة إلى مبادئ وأصول وقواعد (الكتاب-السنة-منهج السلف ... ). الأصل الأول: كتاب الله تلاوة وحفظاً، تدبراً وعملاً ومرجعاً. الأصل الثاني: سنة رسول الله ﷺ تصحيحاً وحفظاً، فهماً وعملاً، ومرجعاً. قال تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾. الأصل الثالث: وهو الفارق بين هذه الدعوة والدعوات الأخرى، أن يكون الأخذ بالأصلين السابقين على منهج أصحاب رسول الله ﷺ ومن تبعهم بإحسان. قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: (١٠٠)]. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: (١١٥)]. وقال ﷺ : ((وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، ... ، ما كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي)). (١) وعلى هذا فليس الأصل في هذه الدعوة، الدعوة إلى رجال، والتمحور حول الرجال مهما كانوا كأحمد، وابن تيمية، وابن عبد الوهاب، وابن باز، والألباني، رحم الله الميتين، وحفظ الأحياء. ومن أهم شعارات هذه الدعوة المباركة نعم لولاية الدليل, لا لولاية الشيخ والفقيه، أو الحزب، والتسهيل (٢).

стр. 182

فإذا ما تعارضت الدعوة يوماً ما، في ظرف ما، في مكان ما، تحت ضغط ما، مع داعية من دعاتها عند الناس، قدمت الدعوة، وسُكِتَ عن الداعية، مهما كان موقف الناس منه، إذ الغاية هداية الناس إلى الحق، وليس التعلق بزيد أو عمرو. وقد يقال: هذا خيال، إذ لا تعارض بين الدعوة ودعاتها عند الناس، قلت: نعم، هذا خيال عند من درس في الجامعات، ومارس الدعوة وراء المكاتب، وعلى السطور، ولم يمارسها في واقع الناس. ففي بعض البلدان: يكرهون الإمامين ابن تيمية، وابن عبد الوهاب، وغيرهما ﵏، أشد من كراهية اليهود والنصارى والمجوس، بل يلعنونهم على المنابر، والعياذ بالله. فليس من الحكمة -في مثل هذه الحال- أن يبدأ الداعية بالدعوة إلى الإمام ابن تيمية ومؤلفاته، أو المجدد محمد بن الوهاب وكتبه، أو الدفاع عنهما، فهذا في الغالب سيصدهم عن الحق. بل يُكتفى بالدعوة إلى الكتاب وتفسيره، والسنة وشرحها، وتنسب الطريقة أو المنهج إلى الصحابة، أو الأئمة الأربعة، أو السلف جميعاً، فيكون ذلك أوقع في نفوس المسلمين، وأدعى إلى قبول الدعوة. ومن المعلوم أن الدعوة السلفية ليست كالدعوات الأخرى، التي تعتمد على رجالها وأساليبهم وحماسهم، أو على كراماتهم ومناماتهم وكشوفاتهم، فإذا زال الرجال عندهم، زالت الدعوة. بل الدعوة السلفية: تعتمد على البرهان والاتباع، لا على التقليد والرجال؛ لأن رجالها لم يأتوا بشيء جديد، ولن يأتوا، فديننا: دين علم ودليل، لا دين رأي وتزيين. وديننا: دين أثر واتباع، لا دين هوى وابتداع، ولأن يهتدي الناس إلى الحق، ويعتقدون ما يعتقدون في ابن تيمية، وابن عبد الوهاب، خير من أن يصدوا عن الحق كله.

стр. 183

ثم إنه من البدهي بعد اهتداء الناس إلى الحق، أن يتبين لهم من هو ابن تيمية، ومن هو ابن عبد الوهاب. (١) مثال ذلك: هل من الحكمة أن نأتي إلى بلد مثل "تركية" مثلاً، وهم يعتقدون ما يعتقدون في ابن تيمية، وابن عبد الوهاب، ونبدأ معهم بدفع الشبهات عنهما، وندخل في جدالات طويلة: تضيع أوقاتنا، وتهدر طاقاتنا، ولا ثمرة لها كثمرة البدء بالتأصيل، بل إن من الحكمة والواجب الرحمة بالعباد، أن يكون البدء بالدعوة معهم بآيات توحيد الربوبية، حتى يؤمنوا إن كانوا كافرين، ثم بتوحيد الألوهية، وأحاديثها، حتى ينقذهم الله من الشرك، ثم بآيات الأسماء والصفات ومروياتها، ثم بأدلة الاتباع، ومرويات السلف، والأئمة الأربعة، حتى ينجيهم الله من الابتداع، ندعو إلى ذلك، دون أن نبدأ بالدعوة إلى أعيان هذه الدعوة المباركة ابتداء، إذ ليسوا هم المقصود من دعوتنا (٢). دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀: من أعظم الدعوات التي سارت على منهج الطائفة المنصورة، علماً وعملاً، دعوة وحكماً، وآتت ثمارها أضعافاً، هي دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀. ولقد ضُرب المثل العظيم في هذه الدعوة، بتعاون العلماء العاملين، مع الأمراء الصادقين من آل سعود -رحم الله تعالى الأموات منهم وحفظ الأحياء، وثبتهم على الحق والهدى- فكان ثمار هذا التعاون، دعوة وإيماناً، تمكيناً وأماناً.

стр. 184

لذلك كانت دعوة الشيخ ﵀ دعوة علم وعمل، وتبليغ وسلطان، وما يزال المسلمون حتى ساعتنا هذه يتفيؤون ظلالها، ويرتوون من معينها، وينهلون من بركتها. والتسمية (بالوهابية) مرفوضة، وهي تسمية من أراد الكيد بها، فالشيخ محمد بن عبد الوهاب، وذريته، وأتباعه ﵏، لم يأتوا بشيء جديد في الدين، وليس لهم طريقة خاصة، ولو فعلوا ذلك لرددناه عليهم، بل هي دعوة للرجوع إلى الكتاب والسنة على منهج سلف هذه الأمة. وهم من أقل الناس كلاماً ورأياً، وأكثرهم دليلاً واتباعاً وعملاً. ولكن أصحاب البدع والطرق لما أُسقِطَ في أيديهم، أشاعوا عن هذه الدعوة الافتراءات، ونسجوا القصص والأراجيف، ثم تناقل هذا من لا علم عندهم ولا تثبت، ولذا: وجب على المسلم أن يتقي الله في تناقل الأخبار، ولا يقذف بالتهم الأخيار، فهو موقوف معهم بين يدي الجبار. (٢)

стр. 185

المسلمون إخوة والكافرون أعداء: - المسلمون كل المسلمين إخوة، لهم حقوقها وحق الولاء، وإن كانوا يتفاوتون فيه، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: (١٠)]. وقال ﷺ : ((المسلم أخو المسلم)) وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ... ﴾ [التوبة: (٧١)]. فلم يستثن الله من المؤمنين أحداً، عاصياً كان، أو فاسقاً، أو ضالاً، ولا يتعارض هذا مع إنكار المنكر، وإبطال الباطل، وتضليل الضّال، فالمسلم أخو المسلم، وإن كان عاصياً، أو ضالاً، فالأخوة لا تبطلها معصية، ولا بدعة، إلا الشرك الأكبر، والكفر الأعظم. وتتفاوت الأخوة والمحبة بحسب دينه وخلقه، ولا يمتنع اجتماع أخوة وخصومة، ومحبة وبغض. فنؤاخيهم ونحبهم لإسلامهم، ونبغضهم لفسقهم وضلالهم. والمسلمون كلهم إخوة، لا تفرقهم أنساب، ولا ألوان، ولا قوميات، ولا حدود ما أنزل الله بها من سلطان، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: (٥٢)]. ويجب علينا نُصرة المسلم والقتال معه، أين ما كان، ما لم تُنصر بذلك بدعته، أو تتقوى على أهل السنة شوكته، لعموم قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ... ﴾ [التوبة: (٧١)]. والنصرة من الولاء؛ لقوله ﷺ : ((انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً)) (١) سبق تخريجه. ولقوله ﷺ : ((المسلمون تتكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم)) [رواه أحمد (١/ ١١٩) والنسائي (٤٧٤٦) عن علي ﵁، وصححه شيخنا الألباني في صحيح النسائي رقم (٤٤١٢)].

стр. 186

ولقوله ﷺ : ((المسلمون كرجل واحد إذا اشتكى رأسه اشتكى كله)) [رواه مسلم (٢٠٠٠) وأحمد (٤/ ٢٧١) بلفظ المؤمنون عن النعمان بن بشير]. وقد قاتل شيخ الإسلام مع المخالفين والمبتدعة والعصاة في الشام، ضد الغازين من الكفار، وكذا أفتى الشيخان بالقتال في أفغانستان وغيرها. - الكافرون كل الكافرين يجب البراءة من دينهم ومنهم، وإن كانوا يتفاوتون في عدائهم، ولا يجوز موالاتهم البتة في أي حال من الأحوال. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ... ﴾ [النساء: (١٤٤)]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [النساء (١٠١)]. ولا يتعارض عداؤهم مع: * الرفق بهم في حال الدعوة، قال تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: (٤٤)]. * العدل معهم، وقول الحق فيهم، قال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: (٨)]. * مسالمة من سالمنا منهم، حين تُحقق المصالح، وتُدرأ المفاسد ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ... ﴾ [الأنفال: (٦١)] (١). * المعاملة الحسنة مع من لم يؤذ المؤمنين، والقسط إليهم وبرهم، قال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ... ﴾ [الممتحنة: (٨)].

стр. 187

* لا يجوز الاعتداء عليهم لمجرد أنهم غير مسلمين، قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: (١٩٠)]. * يشرع الدعاء لهم بالهداية مهما كانوا عليه من العداء، أو عليهم. * يجوز التعاون معهم في بعض الصور بشروط قررها الفقهاء، منها: أن تؤمن غائلتهم، وأن لا يكون الأمر لهم، وأن لا يَتَقَوّوا بهذا التعاون على المسلمين، وأن يكون في هذا التعاون مصلحة ظاهرة للمسلمين. المسلمون خير البرية، والكافرون شرها: المسلمون كل المسلمين، على اختلاف جماعاتهم وفرقهم وأحزابهم، من فساق ومبتدعين وحزبيين وفوضويين وبغاة، كلهم خير البرية (١). وإن أقلهم ديناً، وأجهلهم علماً، وأعظمهم فسقاً، وأشدهم ابتداعاً، وأسوؤهم خلقاً، هم خير من الكافرين جميعاً. والكافرون كل الكافرين، على اختلاف أديانهم ومذاهبهم ومللهم كلهم شر البرية. ولو كان فيهم حسن خلق، وطيب معشر، وصدق معاملة. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: (٦)]. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: (٧)]. ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: (٣٥ - ٣٦)]. ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: (٢٨)].

стр. 188

وعلى هذا: فلا يحل لمسلم أن يطلق القول على طائفة من المسلمين، أنهم شر من اليهود والنصارى. إذ مهما يكن المسلم عليه من فسق أو بدعة أو ضلال، فهو في عداد الموحدين الناجين يوم القيامة، ومهما يكن الكافر على خلق، وبعد عن أذى المسلمين، بل وعونهم، فهو ملعون في الدنيا ويوم القيامة، وخالد في النار أبداً، ولا منزلة بين المنزلتين. قال شيخ الإسلام في الفتاوى (٤/ ٢١): "إذ التسوية بين المؤمن والمنافق، والمسلم والكافر، أعظم الظلم". قلت: وما صدر عن بعض العلماء من قول يخالف هذه النصوص القطعية، فيحمل على معنى خاص، كقول بعضهم: "الخوارج شر على المسلمين من اليهود والنصارى" أي: أنه أصاب المسلمين من أذى الخوارج في ذلك العهد، أكثر مما أصابهم من اليهود والنصارى، لا بمعنى أن المبتدعة: هم شر من اليهود والنصارى بإطلاق، أو هم عند الله كذلك، إذ لو كانوا شراً منهم بإطلاق لكانوا كفاراً، ولم يدخلوا الجنة، بل خلدوا في النار. ولقد نطق بمثل هذه العمومات من الألفاظ في عصرنا، من أراد الإنكار على أهل البدع، فوقع في مخالفة الشرع، وفيما هو معلوم من الدين بالضرورة (١).

стр. 189

الوسائل والغايات: تتداخل كلمة الوسائل والطرق، وتتناوب هاتان اللفظتان، مما سبب غموضاً في وصفهما، وتعارضاً في أحكامهما، ويمكن إزالة اللبس، وتوضيح الحق، بالضوابط والتعريف والتفصيل التالي (١): إن معظم الأمور المشروعة فيها: غاية وطريقة ووسيلة. فأما الغاية، فلا يختلف عليها المسلمون، وهي تحقيق العبودية لله، وطلب المثوبة والرضوان منه، وقد يختلف في بعض أجزائها، ولكن تبقى الغاية واحدة. وأما الطريقة: فهي ما شرعه الله ورسوله ﷺ من سبيل وعمل، وألزم سلوكه كالصلاة والدعوة والجهاد، لتحقيق هذه الغاية وهي توقيفية، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي ... ﴾ وقال ﷺ : ((فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي)) وأما الوسيلة: فهي ما يستعان به على الطريقة، وهي تتكون من المتبدلات في كل عصر، وتتغير بتغير الأحوال والأعيان، والزمان والمكان، والوسيلة غالباً ما تكون من الحيوان والمادة التي تصنع من التراب أو الحديد أو الخشب، كالثياب والسلاح والحجارة، أو ما شابه ذلك، وبناء على التعريف السابق فقد تُركت لاختيار العبد حسب ما يناسبه، إلا فيما فيه نص يمنعه، فالحج شعيرة يتعبد بها، وغايتها تحقيق العبودية، وتزكية النفس، وطلب العفو والرضوان. وأما طريقتها: فإحرام، فطواف، فمبيت بمنى، فوقوف بعرفة، إلخ. وهذه توقيفية، لا يحل لكائن من كان أن يبدل في ذلك شيئاً، أو يغير حسب مصلحته، أو ما يناسبه، إلا فيما أذن فيه الشرع.

стр. 190

وأما الوسيلة: فللحج وسائل كثيرة، منها: طريقة الوصول، كالطائرة والسيارة والدابة، ووسيلة السكن في بيت أو خيمة أو سيارة، وما شابه ذلك، وكل ذلك مما أباحه الشرع وأطلقه، وتركه لاختيار العبد. (١) وكذلك يقال في الجهاد والدعوة، فالطرق توقيفية، والوسائل مطلقة حسب المصالح، وما يراه المسلمون، ففي الجهاد تارة تكون الوسيلة سيفاً وخيلاً، وتارة رشاشاً وطائرة، ومن أدرك هذا التفصيل، اتضح له السبيل، والله الموفق. والوسائل بحكم مقاصدها، فمن لبس ثوباً للصلاة أو سلاحاً للجهاد أجر عليه، ومن لبسه للمعصية، أو اشترى سلاحاً للفتنة، أثم به. قال ﷺ : ((الخيل لثلاثة: لرجل وزر، ولرجل أجر، ولرجل ستر)) [البخاري ٢٣٧١، ٢٨٦٠/ مسلم ٥ - ٩٨٧].

стр. 191

سنة الله في الابتلاء، وحكمته في الافتتان: إن هذه الفتن جارية ما جرت الأنهار، ودائمة مادام الليل والنهار، وهي بين سنن كونية باقية، وسنن شرعية ماضية، تتنوع بتنوع مقاصدها، وتختلف باختلاف مواقعها، فلكل قوم فتنة، ولكل امرئ فتنة، فلا يخلو عصر من فتن، ولا ينجو مصر من محن. وهكذا مضت فتن كثيرة في عصور ما قبلنا لا يحصيها إلا الله، لاختبار العباد، وامتحان أعمالهم، فلم ينجو قوم منها، حتى الصحابة رضوان الله عليهم، فقد وقع في عهدهم فتن كثيرة، منها: فتنة تهمة عائشة، وفتنة علي ومعاوية ﵃ أجمعين، تحقيقاً لقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: (٣١)]. وكذلك سنة الله في كل قوم وعصر، ومع كل امرئ ومصر، ليبتلي الله عباده، فيعلم -علم الحجة- من يقف عند حدوده بالعلم والدليل، ويعدل بين الناس بالتثبت والحق والإنصاف، ممن يتجاوز حدوده بالهوى والتقليد، ويظلم الناس بالبغي والتعصب والحسد، وذلك كله ليحقق الله حكمته في الخلق، قال تعالى: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: (١ و ٢)] ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ ... ﴾ [البقرة: (٢١٤)]. أي: لا يكفي العبد أن يدعي بلسانه الإيمان، ولا أن يمني نفسه دخول الجنان، دون أن يمر على مقعد الامتحان، وأن يجلس على كرسي الابتلاء، فيهزه هزة بل هزات، حتى يظهر علمه وصدقه، وتنكشف حقيقته ودخيلته. إذ لا تظهر حقيقة إيمان المرء وقوة يقينه -على نفسه وعلى غيره من الناس إلا بعد أن يبتلى. فلا يعلم أيصبر على المصائب، وعلى أداء الطاعات، وعن المعاصي، إلا بعد أن يصاب بالمصيبة، ويتعرض للمعصية. ولا يعلم أيصبر على الفقر أم يتضجر؟ ! أيشكر على الغنى أم يفجر؟ ! إلا بعد أن يصبح فقيراً أو غنياً. ولا يعرف المرء أيعدل إن حكم، ويتبع أم يتعصب إن أفتى! إلا بعد أن يصبح قاضياً ومفتياً.

стр. 192

ولا يعلم أيتقي أم يفجر إن خاصم، ويؤدي الأمانة أم يخون! إلا بعد أن يخاصم ويؤتمن. ولا يعلم المرء أيكون عادلاً أو ظالماً إذا أمر، وحكيماً قديراً أم أرعناً غراً إذا تولى! إلا بعد أن يتولى ويُؤَّمر. ولا يعلم أيكذب في الأخبار، ويتثبت في الأنباء، ويغتاب العلماء، ويجرح الدعاة! إلا بعد أن يتعرض لهذا. ولذلك يتنوع الابتلاء، وتتنوع الفتن، فتارة تكون بين المسلمين وأعدائهم كما حصل في أحد وحنين ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد: (٤)]. وتارة تكون بين المسلمين أنفسهم، كما حصل في فتنة عائشة، وفتنة علي ومعاوية ﵃ أجمعين، وكذلك يحصل بين الشيوخ، وهذا ما يسميه العلماء (كلام الأقران) قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ... ﴾ [الفرقان: (٢٠)]. وتارة تكون في المال أو النفس أو الأهل، أو الدين ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: (١٨٦)]. وعلى هذا فالراشد من أدرك سر الفتن وأسبابها وأحكامها وغاياتها، فتصرف فيها كما أمر الله باتباع الدليل والوقوف عند حدوده، والإنصاف مع القريب والبعيد، ثم عصم يده ولسانه. والخاسر من اتبع هواه وعاطفته، وتصرف من غير ضوابط شرعية، فانتقم لنفسه وتعصب للشيوخ، ونافح عن الأحزاب، وحرف الكلام عن مواضعه، ونشر الفتنة بين العباد، ولم يفرق بين حق وتزيين، وبين شيخ ودليل، فأثم حينئذ وهلك ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: (٤٢)]. فكن يا عبد الله راشداً متثبتاً، وللحق طالباً متبعاً، وبين الخلق منصفاً، ولا تكن -إذا خاصمت- فاجراً، وللشيخ والبلد متعصباً، وعن الحزب أو الجمعية منافحاً، وفي الحكم

стр. 193

والفتوى متعجلاً، وللأخبار مذياعاً، قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: (٣٦)]. وعلى هذا ينبغي أن يكون التقي في الفتن حذراً من أن يزل لسانه، أو يضل موقفه، بالتعصب لرأي، أو الدفاع عن رجل أو جرحه، فوالله لتسألن يا عبد الله عن كل لفظة وفعل ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: (١٨)] ولتناقشن عن كل همزة ولمزة ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: (١)] ووالله لتحاسبن عن كل حكم وفتوى، ومن حكم حوكم، ومن نطق حوسب، ومن أمسك سلم، إلا من رحم الله من هذا كله، والله المستعان. (١)

стр. 194

حقائق كشفتها هذه الفتن: من غايات الفتن الكشف عن صدق الإيمان، ومعادن الرجال، وحقيقة الأخلاق، وما سميت الفتنة فتنة إلا لأنها تختبر الأصيل من الدخيل، وتُظهر الصادق من المداهن، وتميز الغث من السمين، وتفرق بين المخلص وصاحب المصالح. ومن أهم غايات الفتن أن تختبر المتبع الوقاف عند حدود الله في قول أو فعل، من أصحاب العاطفة والتقليد، وأتباع التعصب والهوى. قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: (٣٥)]. وذلك كله ليعلم الله الصادق من الكاذب، وأينا أحسن عملاً، قال تعالى: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: (١ - ٣)]. ولقد أدت هذه الفتن التي يمر بها المسلمون بعامة، والشباب بخاصة بعض أغراضها، فكشفت عن حقائق مذهلة، ووقائع مؤسفة، إن دلت على شيء، فإنما تدل على أننا مازلنا بحاجة إلى مزيد من التربية، ومزيد من العلم والتأصيل، ومزيد من الأخلاق والتقوى، لقد كشفت هذه الفتن عن الحقيقة التي طالما نادى بها شيخنا الألباني حفظه الله، عن حقيقة حاجتنا للتربية، لقد صدق -والله- إذ كان يكرر: "لقد سعينا في التصفية، وقصرنا في التربية" طابت كلمةً أطلقها، وقاعدة أصلها، طيب الله أثره، ورفع ذكره. ولقد أدرك الآن -وبعد تجارب كثيرة، وفتن متنوعة- كثير من الناس هذه الحقيقة، واعترفوا أنهم كانوا لها مهملين، وأنها وراء كثير من النكسات من سوء الأخلاق، وفشل العمل. ولقد كنا نظن أن أصحاب المنهج المستقيم، قد تجاوزوا كثيراً من الأخطاء في دعوتهم، وتخطوا معظم السلبيات في تصرفاتهم، وأن الفتنة إذا ما جاءتهم، كانوا أحسن عملاً، وأصدق قيلاً، فإذا بهذه الفتن تكشف الغطاء عن حقيقة كثير منا، وأنهم تغيروا في الظاهر لا في الباطن، وأننا ما زلنا بعيدين عن التأصيل واتباع الدليل، قريبين من العاطفة والتقليد، فاقدين

стр. 195

لقواعد معرفة الحق، غافلين عن الأخلاق الفاضلة، والتناصح بالمعروف، نعيب تقليد أئمة أخيار، مشهود لهم في الآفاق، ونرضى تقليد من هم دونهم بكثير في العلم والدين، والفضل والأخلاق، حتى أن بعضنا لا يبيح مناقشة قول مقلَّده.

стр. 196

أهم سلبيات هذه الفتن: تتلخص السلبيات التي أظهرتها هذه الفتن في الأمور التالية: - فقدان التأصيل عند معظم الشباب، حتى أصبح كثير منهم حيراناً، لا يعرف متى يختلف ومتى يتفق؟ ما هو الخلاف المعتبر؟ ما هو خلاف الضلال؟ ما الفرق بين الجرح الذي يقتضي المفارقة؟ وجرح الأقران الذي لا يلتفت إليه؟ لا يفرق بين الكلام العاطفي المؤثر بلا برهان، وبين النقد العلمي المدلل بسلطان. شريط يأخذه يمنة، وخبر يأخذه يسرة، لا يدرك أنه لا يخلو إنسان من الخطأ، وأن الخطأ أمر نسبي، وأنه ليس كل خطأ يُتكلم فيه، وليس كل خطأ ينشر بين الناس، وليس كل خطأ يفارق عليه، وإذا ذهبنا نفارق كل مخطئ لم نجد أحداً نتفق عليه أو معه. فقدانه قواعد معرفة الحق، فهو لا يدري أين الحق؟ وكيف يصل إليه؟ ! ما الفرق بين العاطفة والدليل، وبين البرهان والتزيين، فتجده مع المتباكي، أو مع أول شاكي. خلل في التقوى، وتجلى ذلك: في الانتقام للنفس، وفي الكذب الذي انتشر بين الناس، وما قام به بعضهم من تدليس في الأسئلة، وتحريف في القواعد، ووشاية وتحريش. كما ظهرت قلة التقوى: في إثارة الفتنة بأسلوب عجيب، أسلوب التباكي، وأسلوب المناصح، ومن أعظم ما كشفت عنه هذه الفتن، تظاهر بعضهم بالتزام كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، حتى إذا ما دعي إلى ما أمر به الكتاب والسنة من التحاكم عند الخلاف، نأى بجانبه، وأعرض عن أمر ربه. خفة في العقل، وقلة في الفهم، تجلى هذا، في الحيرة التي غشيت بعضهم، وسرعة التأثر والانقياد والانقلاب لأي خبر يرد، أو أي جرح يصدر، فهو يرى الرأي مساءً، ثم ينقلب عنه صباحاً. اتباع الهوى: وواضح هذا بظهور العصبيات بمختلف أشكالها، فظهر عند بعضهم العصبية المذهبية، وعند آخرين العنصرية البلدية، بلدنا، علماؤنا، شعبنا، وأوضح من هذا: التعصب

стр. 197

للأعيان، والغلو فيهم، مدحاً أو طعناً، يوالي على ذلك ويفارق، ويحب ويخاصم، حتى إنك لا تجد من يخطئ شيخه، أو يصوب مخالفه، كما ظهر الهوى بأبشع صوره في الاتهامات بلا بينة، والافتراءات بلا برهان. سوء الأخلاق: لقد ظهر سوء الأخلاق فيما نفثه بعضهم من حقد في ثنايا الكلام، ولؤم في صور التحريش والوشايات، لمخالفة في رأي، أو خروج عن مذهب، وصدرت ألفاظ من بعضهم لا يُتَصَوَرُ، صدورها من فساق الصبيان. كما ظهر سوء الخلق في انعدام التسامح، والكبر في الجلوس مع من يظن أنه دونه، لعصبية بلدية -أي ليس من بلده- أو لغيرها. ضعف الاتباع: بدا ذلك من خلال بحوث الناس عما لا ينفعهم، وتركهم ما ينفعهم، وعدم الاهتمام بسيرة الرسول ﷺ ، وما كان عليه في مثل هذه المواطن، كما ظهر ضعف الاتباع في انعدام التثبت، وتقليد الشيوخ بدل البحث عن الدليل. ضعف في العلم والفهم: وقد وضح هذا؛ في بحث بعضهم عن دقائق الأمور، وغلوهم فيها، وعدم قدرتهم على التمييز بين الأصول والفروع، وبين القول واللازم، وصارت الحجة لعدد الشيوخ لا للدليل من الكتاب والسنة، وظهر هذا في عدم التفريق بين الأمور القطعية، والأمور الاجتهادية، وبين التخطئة والتضليل، فتُفسر التخطئة تضليلاً ثم تحذيراً، مع خلل واضح في موازنة المصالح والمفاسد فهماً وتطبيقاً، فضلاً عن أنه لا يحسن تخريج مناط، ولا يقدر على تحقيق مناط. ومعظمهم لا يدري كيف تكون البينة على المدعي، ولا يفرق بين التهم التي تحتاج إلى إنكار، وبين غيرها، فضلاً عن فقدانه معنى البينة أصلاً، فالبينة عند كثير منهم، صراخ أو تباكي، أو ردود، أو تزكية لهذا الشيخ. سوء في التربية: وتجلى ذلك في ضياع الأوقات، وهدر الطاقات، والمخاصمة بين الإخوان، والخوض في القيل والقال، وإسقاط فلان، ورفع علان، وهم يظنون أنهم يحسنون صنعاً، كما

стр. 198

ظهر سوء التربية جلياً في انعدام التثبت، وانعدام النظر البعيد في عواقب الأمور، ومفاسدها، وسقوط في كلام الأقران، فهو يقبل كل قول لشيخه كأنه قرآن، ويرفض كل قول يقوله مخالفه كأنه شيطان، وصدق الله: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ [الفرقان: (٢٠)]. الغفلة عن حكمة الفتن: لما كانت الفتن من الله للابتلاء والتمحيص والاختبار، ولتثبيت المهتدي، وكشف الضال، كان من الضروري معرفة حدود الله في معالجتها، للوقوف عندها، ومن أهمها: ضبط اللسان، والتثبت في الأخبار، مهما كان الناقلون، والإعراض عما لا يعنيه، لذلك امتحن كثير من الشباب في هذه الفتن، وابتليت الأنفس الشّرَ، فنجى من كف يده ولسانه، وتثبت في الأخبار، واستفتى الأخيار، وخسر من تجاوز حدود الله تعالى، وتسرع في فعل أو كلمة.

стр. 199

أربع قواعد تُهدم في الفتن: وباختصار: كشفت هذه الفتن: أن كثيراً من أصحاب المنهج، قد هدموا بتصرفاتهم هذه أربع قواعد من قواعد هذه الدعوة المباركة. الأولى: البحث عن الدليل والتمسك به ، قال تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة (١١١)]. ولم يقل الله تعالى قل هاتوا شيوخكم، فصار بعضهم كالصوفيين والحزبين، يحتجون بالشيوخ في مقابل الدليل، وظهر التعصب للأعيان في وجه الدليل، بأبشع صوره، ومتى كان هذا في السلفية؟ ! الثانية: رد التنازع إلى الكتاب والسنة ، ولازمه الرد إلى من يرتضى من أهلهما. من أعظم قواعد هذه الدعوة السلفية، رد التنازع إلى الكتاب والسنة، سواء كان التنازع بين حاكم أو محكوم، حضري أو بدوي، مقيم أو غريب، غني أو فقير، كل ذلك سواء في دين الله، إلا عند أصحاب الهوى، وقد رأينا من أعرض عن ذلك، ورفض التحاكم إليهما، والعياذ بالله من الكفر، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ... ﴾ [النساء (٥٩)]. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [النور: (٤٨)]. الثالثة: التثبت والسماع من الطرف الثاني ، لقد كاد كثير من المسلمين أن ينسخوا أوامر الله بالتثبت، وإلى هجران أوامر رسول الله ﷺ بالسماع من الطرف الآخر، وحكم كثير منهم من غير بينة ولا تثبت ولا سماع من الطرف الآخر، والله يقول: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: (٣٦)]. الرابعة: وجوب الاعتصام بالإسلام بين أهل السنة والجماعة ،

стр. 200

والرجوع إلى الراسخين من علمائهم رغم وجود خلاف فيما بينهم، فإن وجود الأخطاء في أصحاب المنهج الواحد، والتأصيل الواحد، لا يجيز تفرقاً، كما ظن كثير من المسلمين، وأن أي خطأ من أي داعية يلزم منه خصام وتفرق. وما أصدق قوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ ... ﴾ (١) [الأعراف: (١٥٥)].

стр. 201

العواصم من الفتن: الأول: استشعار المسلم بأنه مفتون ، ومعرض للفتن في كل وقت، وفي كل صغيرة وكبيرة، وأن مقصود الفتن الاختبار والتمحيص، فإن الراشد إذا أدرك هذا، وأدرك سر الابتلاء كان منه على حذر، وإذا استشعر أن ما يمر به فتنة، لم يغفل، ولم يستدرج، قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: (٣٥)]. الثاني: كف اللسان واليد ما استطاع المسلم إلى ذلك سبيلاً . قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: (١٨)]. وقال ﷺ : ((كونوا أحلاس بيوتكم)) [أبو داود (٤٢٦٢) الترمذي (٢٢٠٦) صححه شيخنا الألباني في الصحيحة الجزء الرابع (ص ٤٩)]. وقال: ((الزم بيتك، واملك لسانك)) [أبو داود (٤٣٤٣) وصححه شيخنا في الجامع]. أما إذا كان الأمر يعنيه، وقد وجب في حقه حكم أو عمل فعليه: الثالث: التثبت والسماع من الطرف الثاني مهما كان الناقل، فإن الكذب يجري في الفتنة على ألسنة الناس، وكثير من الصالحين، جري الماء في الوديان، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: (٦)]. ولم يستثن الله من التثبت أحداً، فهل نحن فاعلون؟ ومن أروع ما ورد في القرآن الكريم في هذا الشأن مثلان: الأول: قوله تعالى لعيسى ابن مريم ﷺ : ﴿وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ... ﴾ [المائدة: (١١٦)]. فهل يحتاج الله إلى تثبت حتى يسأله، وهو سبحانه يعلم علم اليقين أن عيسى لم يقل هذا، ولكنها عبرة للمتعصبين الذين يقبلون أقوال شيوخهم ورؤسائهم أو أصحابهم دون تثبت ويتهمون بها العباد، فهل من معتبر لهذا. والمثل الثاني: معاتبة الله نبياً من أنبيائه، وهو داود ﷺ ؛ لأنه لم يسمع من الطرف الثاني.

стр. 202

قال تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ [ص: (٢٦)]. وعلى هذا: ألم يأن للذين يتصدرون الفتوى، أن يعوا هذا، قال ابن العربي في أحكام القرآن عند هذه الآية: "وذلك -أي الحكم دون سماع من الطرف الآخر- لا يجوز عند أحد، ولا في ملة من الملل" وعلى هذا: فإن من يتثبت ويسمع من الطرف الثاني وينصف، يعدل ويهتدي، ومن لا يتثبت ولا ينصف يظلم ويندم. - العاصم الرابع من الفتن: إعمال القواعد العظيمة في الإسلام: - كالتفريق بين القضاء والفتوى. - وبين الخبر والرأي. - وبين اليقين والاجتهاد. - وكالتفريق بين البينة والتزين. - تطبيق قاعدة: الحق مقدم على الرجال، والأحزاب والهيئات، ومن ذلك: - تقديم الحق على النفس والأقربين والشيوخ. - التجافي عن التعصب. العاصم الخامس: العمل بأدب الخلاف، وقواعد الإنصاف، والبعد عن التعصب ، فكم من خلاف لا يجوز عليه تفرق، وكم من متبوع يخطئ، وخصم يصيب. وما تعصب رجل لرجل إلا زل، وعن الحق ضل، وما أنصف رجل إلا وفق، وإلى الحق اهتدى. العاصم السادس: الوقوف عند حدود الله ،

стр. 203

ومن ذلك: معرفة حكم الله في المسألة بأدلتها، وأقوال أهل العلم فيها، ثم التصرف حيالها، لا التسرع في الأحكام، وتحكيم العواطف والحماس والهوى. - مناصحة المخطئ. - الوقوف مع المظلوم ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [الحجرات: (٩)]. وقال ﷺ : ((انصر أخاك ظالماً أو مظلوما)) [البخاري (٢٤٤٣) وغيره]. العاصم السابع: الرجوع إلى الراسخين ، والتزام فتواهم، وعدم التمحور حول رجل، أو حزب، أو هيئة، والتعصب لهم.

стр. 204

الأسلوب: أنواعه، وحكمه أسلوب البيان، وأسلوب الدعوة (١)، وأسلوب الخطاب، مطلق اجتهادي غير توقيفي، بشرطين: الأول: أن يخاطب الناس بما يعقلون، قال علي ﵁: (حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله) [البخاري معلقاً (١٢٧ - ١: ٥٩)]. أي: يخاطب كل حسب مستواه، كل حسب علمه، فلا يبحث -مثلاً- مع العامة ابتداءً بعض صفات الله التي ستفهم فهماً خاطئاً، كعدد أصابع الرحمن. الثاني: أن لا يكون فيه لبس أو إيهام. (٢) تنوع الأساليب العربية: مما هو معروف في لغة العرب، لغة البيان، ولغة الوجوه، ولغة الإعجاز، تنوع أساليب المحاورة، واختلاف وسائل الخطاب والإقناع، ومن ذلك: جواز إسقاط (هب) من التعبير، تنبيهاً للسامع، أو حكاية قول الخصم دون نسبته إليه؛ شداً للانتباه، أو إقرار المناظر على خطأ، تنزلاً للكرّ عليه ونقضه، أو تعليق أمر بمحال، بياناً لأهمية وجوبه أو حرمته، وهذه كلها أساليب عربية مبينة، ووسيلة خطاب بليغة، قد وردت في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ ، وخطابات العرب، لا ينكرها من كان عنده علم، أو تأمل.

стр. 205

إسقاط هب من التعبير . قال تعالى -حاكياً عن إبراهيم ﵇ مناظرته مع قومه-: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي ... ﴾ [الأنعام: (٧٦)]. ماذا يعني هذا؟ ! هل كان إبراهيم يعتقد ذلك؟ ! هل كان يعتقد أن الشمس والقمر والكوكب ربّه! كلا ثم كلا، فإبراهيم ﵇ ولد على الفطرة، ونشأ على الإيمان، ودعا إلى التوحيد، فكيف -إذن- جاز له أن يقول: ﴿هذا ربي﴾ ولا شك أن ظاهر هذا الكلام كفر، وهل يجوز له النطق بالكفر! كل هذه الإشكالات تزول، إذا عُلم أن إبراهيم أسقط من مناظرته كلمة (هب) أو حكى عقيدة قومه دون أن ينسبها إليهم، للكر عليها ونقضها، وكذلك فعل، إذ قال بعد ذلك: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ... ﴾ [الأنعام: (٧٩)]. والمعنى: (افرضوا، وهبوا .. ) أن هذا (النجم أو القمر أو الشمس) هو الله الخالق، فإنه يُحرَّك، ويُسيَّر، فهو مخلوق إذن لا خالق، فالله هو الذي لا يُحرَّك، ولا يُسيَّر، بل هو الذي يُحرِّك، ويسيِّر، ويخلق، وبهذا تبطل حجتهم، وتخرس ألسنتهم. ولعدم فهم هذا الأسلوب البديع، ذهب بعضهم إلى أن إبراهيم ﵇ لم يكن -يومئذ- مؤمناً، ثم انتقل بعد ذلك من الشك إلى اليقين، وهي زلة كبيرة، ونجعة بعيدة. ويبطل هذا وَصْفُ الله إبراهيم بالرشد وهو فتى. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: (٥١)]. فمن آتاه الله الرشد، لا يعتقد أن الكوكب ربه. ويؤكد هذا، قوله تعالى بعد هذه الآية: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ ... ﴾ [الأنبياء: (٦٠)].

стр. 206

فدل هذا: على أنه أوتي رشده وهو فتى، ولذلك قال معظم العلماء: كان إبراهيم مناظراً في هذا لا ناظراً. فإذا جاز أن يقال للكوكب: (هذا ربي) وظاهر هذا كفر، أفلا يجوز اتباع مثل هذا الأسلوب، والنطق بما هو دون الكفر، كقولي: "السلفية بدعة" وما أردت بذلك أن السلفية بدعة - معاذ الله من ذلك - كما لم يُرد إبراهيم ﵇، أن القمر والشمس ربه، وإنما كان مقصودي: هب أن السلفية بدعة، فهل أحزابهم المحدثة سنة، وإذا كان اتباع السلف بدعة! فهل اتباع أحزابكم وأهوائكم سنة؟ (١) تعليق الأمر بالمحال: من أساليب الخطاب البديعة: أسلوب الأمر الذي يفيد النهي، وهو أن يخرج التحذير والنهي مخرج الأمر، كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ فليس معنى الآية: أن يفعل المرء ما يشاء، بل هذا تهديد له إن فعل ما يشاء. ومن الأساليب العربية البديعة في الخطاب، والجدال، تعليق الأمر بالمحال، لإحراج الخصم، وإظهار عوار قوله، وبطلان مسلكه. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: (٨١)]. فهذا قد خرج مخرج التعليق بالمحال، بل فيه زيادة علم، وهي جواز اتباع مثل هذا الأسلوب أحياناً، إن لم يكن واجباً؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ﴾ وهذا أمر. وقال ﷺ لمعاوية بن الحكم: لما سأله عن حكم الذين يدّعون معرفة الغيب عن طريق الخط في الأرض، قال: ((إنه كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه فذاك)) [رواه مسلم: (٥٣٧) عن معاوية بن الحكم السلمي].

стр. 207

أي: كان نبي من الأنبياء يَعْلم الأمور الغيبية -بإذن من الله- بالخط، وهو نوع من الضرب بالرمل، فمن فعله من الكهان، فوافقت خطوطُ الكاهن خطوطَ النبي ذاك، فقد أصاب وجاز له ذلك، أي جازت الكهانة. ولما كان من المحال أن يصيب الكاهنُ خطوطَ النبي؛ لأنها وحي، كانت -إذن- الكهانة كذباً، وتدليساً، وحراماً. (١) حكاية قول الخصم دون نسبته إليه: وأما نقل قول الخصم في أمر معين، أو حكاية لازم قولهم، دون نطق بأنه قول الخصم، فهو تعبير بليغ، وأسلوب في المناظرة مبين، وطريق لإقامة الحجة قوي، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا﴾ [سبأ: (٢٥)]. فمتى أجرم الأنبياء حتى يقال مثل هذا؟ ! وتخريج هذا: أنه خرج مخرج حكاية قول الخصم، أي: أنتم تقولون: إننا مجرمون، فدعونا -إذن-وإجرامنا، فلن تحاسبوا عنه، وقد يتخرج -كذلك- مخرج إسقاط هب، وعلى هذا خرجت بعض أقوالي في مناظرات، أو محاضرات، منها: ((إن خالد بن الوليد وأبا عبيدة بن الجراح ﵄ أغبياء)). ((إن أحمد بن حنبل وابن تيمية وابن عبد الوهاب ﵏ كانوا مبتدعة أو لا يفهمون الدين)). ((إن أحمد بن حنبل يكفر معظم هذه الأمة)). ولكل قول مناسبة، وليس هاهنا تفصيل، فمنها في إحدى المناظرات.

стр. 208

قال المخالف: ((إن الدعوة إلى التوحيد تفرق الأمة، وهذا التوحيد الذي تدعون إليه، ليس هو التوحيد الأساس)) فقلت له: ((إن رسول الله ﷺ والصحابة -بدعوتهم إلى التوحيد- كانوا يريدون تفريق الأمة)) ((وأحمد وابن تيمية وابن عبد الوهاب كانوا مبتدعة لا يفقهون التوحيد)) أي: لازم كلامك كذلك، فلما سمع هذا بُهت، بل صعق، وما درى لهذا جواباً، ولكن الحاسدين الأغبياء، وجدوا فيه مستمسكاً. وفي قضية الأفغان لما بُينت لهم أخطاءهم، وأن خالد بن الوليد، وأبا عبيدة لم يكونا يفعلان ما تفعلونه في الجهاد، فأبوا اتباعهما. فقلت: ((خالد وأبو عبيدة كانوا أغبياء، جهلاء، وأنتم أذكياء علماء)) أو قريباً من هذا. ولا يشك عاقل منصف أن المقصود واضح، وضوح الشمس، وإلا فإن النصارى واليهود، لا يصفون خالداً وأبا عبيدة بالغباء، فضلاً عن أن يقول ذلك مسلم، بل طالب علم، ولكن اللهم اهدِ إخواننا. وكذلك خرج قولي في كتاب ((السبيل)): ((إن أنس رضى الله عنه كان يهتم بالقشور)) وعن صحابي آخر: ((إنه بدوي التفكير)) وقد قلت ذلك حاكياً لازم قول بعض الأحزاب، ساخراً منهم، وذلك لما اتهموا السلفيين ببلادة التفكير، والاهتمام بالقشور، وقد وضعت هذا الكلام بين قوسين، تنبيهاً على أنه مقولة غيري، ولكن كثيراً من الناس يتعامون. وكذلك قولي: ((التوحيد قبل كل شيء، سبحان الله؟ ! أي كلام تقول: نقف مكتوفي الأيدي، ويأتينا الشيوعيون ويذبحوننا في دارنا، ونحن نقول التوحيد، التوحيد، ... )) فكل هذا من جهة حكاية قول الخصم. بدليل قولي بعد ذلك: ((من يقول هذا))؟ ! ذلك لأن بعض الجماعات تسخر من الدعوة إلى التوحيد، وبعضها يَعُد الدعوة إلى التوحيد تثبيطاً عن الجهاد، والعياذ بالله، فأردت أن أرد عليهم بمثل هذه الأساليب الساخرة، لعلهم يرتدعون.

стр. 209

وأما قولي: ((فكيف يلام سيد ولا يلام الإمام أحمد)) فلا أذكر ذلك متى كان، ولِمَ كان، وكيف كان، فإما خرج مخرج هذا الأسلوب، وإما أخطأت في ذلك الإطلاق.

стр. 210

تجديد أسلوب الخطاب: من حكمة الداعية أن يكون خطابه للناس متجدداً، وأسلوبه متنوعاً، وليس من الحكمة أن يكون بيانه على وتيرة واحدة، وأسلوبه جامداً ذا طابع واحد، فإن ذلك يدفع إلى السآمة والملل. بل عليه أن ينوع الأسلوب، وأن يجدد العبارات، لما في ذلك من جذب الانتباه، لدفع الملل، وإفهام الناس، وهذا ما كان من سيرته ﷺ وحكمته في أسلوبه وعباراته. فمن أسلوبه المتجدد، سؤاله أصحابه عن مَثَلِ المؤمن، وتحيرهم في ذلك، ومن ذلك: سؤالهم: من أصبح منكم اليوم صائماً؟ من اتبع جنازة؟ من ... ؟ حتى قال ﷺ : ((ما اجتمع هذه الخصال في رجل في يوم إلا دخل الجنة)) [البخاري أدب (٥١٥) واللفظ له، مسلم (١٠٢٨)]. وهذا الأسلوب أفضل من أن يستمر الداعية في إلقاء المعلومات إلقاءً بعيداً عن أسلوب المشاركة، التي تدفع السامع إلى شحذ الذهن، والانتباه للقول. ومن أساليبه ﷺ الرائعة: عرضه الجدي الأسك الميت على أصحابه على طريقة البيع بالمزاد، قائلاً: ((أتحبون أن يكون لكم هذا بدرهم؟ ! )) فتعجب الصحابة من ذلك، كيف يعرض النبي ﷺ للبيع جدياً ميتاً وبدرهم! فقالوا ما نحب أنه لنا بشيء، وهم ما يزالون متعجبين مما يفعل، ويقول رسول الله ﷺ ، ثم قال ﷺ : ((فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم)) [أخرجه مسلم (٢٩٥٧)]. ومن أسلوبه ﷺ المتجدد، إتيانه بألفاظ لها معان معروفة عندهم، ثم مفاجأتهم بمعان جديدة، تهمهم في دينهم، كقوله ﷺ : ((أتدرون من المفلس)) فأجابوا بما يعرفون في عرفهم ((المفلس فينا من لا درهم له ولا دينار)) فقال -مقراً ما ذهبوا إليه غير مخطئهم- ولكنه أتى بمعنى آخر معنوي شرعي، أهم من المعنى الدنيوي المادي، أجابهم بالمعنى الحقيقي للإفلاس، قال ﷺ : ((المفلس من أمتي ... )) الحديث.

стр. 211

وكذلك قوله ﷺ : ((دب إليكم داء الأمم الحسد والبغضاء والبغضاء الحالقة؟ لا أقول تحلق الشعر بل تلحق الدين ... )) الحديث. وعلى هذا قس قوله ﷺ : ((لا حسد إلا في اثنتين)) فكأنه ﷺ يقول: إذا كان لا بد من أن تحسدوا، فاحسدوا هذين، بمعنى الغبطة، وكان رسول الله ﷺ يقدر ولا يعجز أن يقول: اغبطوا هذين، فلماذا جاء رسول الله ﷺ بقول ربما يشكل على بعض الناس؟ ! وفي الحقيقة إنه لا يشكل إلا على الجاهلين، أو المترصدين أصحاب النيات السيئة، أما أصحاب النيات الحسنة، والأصول الصحيحة، والعلم المفيد، فلا يشكل عليهم هذا. ولذا يخشى على من يعيب هذا الأسلوب بدعوى أنه مشكل، وخشية أن يسمعه العامي وغيره، أن يعيب على أسلوب القرآن، وأسلوب رسول الله ﷺ وهو لا يدري! فإن القرآن وحديث النبي ﷺ سيسمعه طبقات مختلفة من البشر، وأصحاب العقول المتفاوتة. فبهذا يتبين لك: أن ما صدر مني في هذا الشأن، هو أسلوبٌ عربي متين، وهدي نبوي مبين، ومع ذلك استغله من استغله في التشويش، من المترصدين من أغبياء أو خبثاء، فحملوه وطاروا به، كأنهم لا يعرفون لغة، ولا يفهمون أسلوباً، ولا يحسنون خلقاً، وصدَّقهم وأفتاهم المتعجلون، والذين لا يتثبتون، وتم قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ [الفرقان: (٢٠)]. لكن هل يجوز إلقاؤه على الناس: ومنهم من يقول: لاشك -بما سردت من أدلة- بصحة هذا، وأن هذا أسلوب عربي مبين، ولكن يخشى أن لا يفهم، وقد يسمع بعضهم أول كلامك ولا يسمع آخره، فيحمله على غير ما أردت. قلت: هاهنا مسألتان: الأولى: فهم الآخرين ، والثانية: دعوى الخطأ. الأولى: فهم الآخرين:

стр. 212

أما دعوى أن بعض الناس قد لا يفهمون مثل هذه الأساليب، فهذا وارد، ولكن كنت أستعمل مثل هذا الأسلوب في المناظرات، والمحاضرات الدولية. فلهؤلاء يقال: أما كان الله يقدر أن يقول: ((ليس للرحمن ولد وعليكم أن تعبدوني)) بدل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف (٨١)]. والقرآن سيتلى على الأعاجم، وعلى العوام، وعلى من لا يفهم الفعل من الفاعل إلى يوم القيامة. فلماذا إذن هذا الأسلوب؟ أما كان بوسع رسول الله ﷺ أن يجيب معاوية: الكهانة كذب وحرام، وكفى، أليس هذا أوضح -في ظن المنتقدين- من قوله ﷺ : ((فمن وافق خطه فذاك ... )) أما كان يستطيع رسول الله ﷺ أن يقول: إبراهيم مبرأ من الشك بدل قوله ﷺ : ((أنا أولى بالشك من إبراهيم)) [رواه البخاري (٣١٩٢) ومسلم (١٥١) عن أبي هريرة]. إذ قد يتبادر إلى الذهن، أن الشك وارد على النبيين محمد وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام، والأمر ليس كذلك، فلماذا -إذن- اتبع رسول الله ﷺ هذا الأسلوب، وسوف يسمعه من لا يفهمه، وعلى زعمكم، فإن النبي ﷺ يضلل الناس؛ لأنه اتبع أسلوباً لا يفهمونه، ورب قارئ يقف عند قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: (٤)]. أو ينقطع المذياع أو المسجل، فلا يسمع السامع ما بعدها، فيعتقد أن الويل للمصلين، أما كان الله قادراً على أن يقول: فويل للساهين عن صلاتهم، فلماذا -إذن- هذا الأسلوب. أو قد يسمع أحدهم قول عمر: "نعمت البدعة هذه" فيظن ذلك مدحاً للبدع، ولا يفرق بين البدعة الشرعية، والبدعة اللغوية، وقد كان ذلك، إذ احتج المبتدعة بقول عمر، فهل يلام عمر ﵁، أم يلام الذين لا يفقهون، والذين لا يتثبتون، فلماذا جاءت الآية بهذا الأسلوب، ولماذا استعمل رسول الله ﷺ هذا الأسلوب، ولماذا نطق عمر بهذا الأسلوب، ووالله لو لم يكن هذا الأسلوب نافعاً نفعاً عظيماً، لما ورد في القرآن الكريم، وعلى لسان رسول رب

стр. 213

العالمين، وعلى هذا فليتق الله الذين يعيبون هذا الأسلوب، خشية أن يقعوا في عيب أسلوب القرآن الكريم، وهم لا يشعرون، فليتدبروا الأمر وليتوبوا، لعل الله يصلح حالهم. الثانية: دعوى الخطأ . أما دعوى الخطأ فجوابها: هب أني اجتهدت وأخطأت، فهل كان هذا الخطأ في المضمون أم في الأسلوب؟ هل هذا الخطأ في الاعتقاد والجنان، أم في اللفظ واللسان؟ لا شك أن الخطأ -إن وجد- ففي الأسلوب، إذ لا يمكن لمسلم عاقل متبع أن يقول: "التوحيد يفرق الأمة، والدعوة السلفية بدعة، وخالد وأبو عبيدة ﵄ كانوا أغبياء" وإذا كان هناك خطأ في الأسلوب (١) فكان ماذا؟ ! وهل يجوز أن يكون الخلاف في الأسلوب قضية تثار، ومسألة يُشْغَلُ بها الشباب؟ ويُجرح بها الرجل في دينه وأمانته وعلمه، ويُقال فيه ((منافق، خبيث، دجال)) أَكُلُّ هذا لخطأ في الأسلوب، أم لسوء طوية في المترصد، وفساد خلق في المنتقد، وحسد يفور، وعنصرية تثور؟ إن المسألة لا تعدو -في هذه الحالة- أن أكون كالذي قال: ((اللهم أنت عبدي وأنا ربك)) أو أكون كغيري من طلاب العلم ممن وقع في أخطاء فماذا كان؟ ! . ثم يقال للمترصد: أيهما أعظم: أن ينسب الولد لله ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ [الزخرف: (٨١)] أو ينسب الإجرام للأنبياء ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا﴾ [سبأ: (٢٥)]. أو يقال عن الشمس ﴿هذا ربي﴾ أو كلام عمر الذي ظاهره مدح البدعة ((نعمت البدعة هذه)) أهذا أغرب في ظاهره، أو أن ينسب الغباء لخالد، أو البدعة للسلفية؟ فأجيبوا إن كنتم تنصفون.

стр. 214

ومن زعم أن هذا خطأ في الأسلوب والمعتقد، فقد أبعد النجعة: فالله تعالى يقول: ﴿لا جناح عليكم فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم﴾ [الأحزاب: (٥)]. وإخواننا يصرون على أنهم اطلعوا على القلب ولذلك حكموا بما حكموا به. ثم إن عدد المرات التي استخدمت فيها هذا الأسلوب خلال خمس وثلاثين سنة من الدعوة إلى الله، لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، أي: بمعدل كل سبع سنين مرة، فهل هذا الأمر يحتاج إلى كل هذه الشنشنة والدندنة، اللهم اهدنا إلى سواء السبيل، وافتح بيننا وبين إخواننا بالحق، وأنت خير الفاتحين. ومع هذا كله، أعترف أني أخطأت في تقدير عقول الناس، وفي أخلاقهم، ولو أني استقبلت من أمري، ما استدبرت ما فعلت (١). لا لأن هذا الأسلوب غير جائز، ولكن لأني ما كنت أظن أن الغباء والحقد والحسد يُعمي إلى هذه الدرجة، ويدفع إلى الكذب والافتراء، واقتطاع الكلام عن سياقه وسباقه، ولو كنت تركت هذا الأسلوب لتجنبت ترصدهم، وإثارة حقدهم وحسدهم، وإشغال الناس بثرثرتهم، ولكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ... ﴾ [الأعراف: (١٨٨)].

стр. 215

منهج الجرح والتعديل: دندن بعضهم كثيراً على قاعدة: ((الجرح مقدم على التعديل)) ثم جعلها سلّماً لجرح العباد، وتحقيق المراد، حتى أصبحت منهجاً يربى عليه الطلاب، وينشأ عليه الحدثاء، فحصل بذلك من الفساد بين العباد الشيء الكثير والكبير، وقد غفلوا عن أن هذه القاعدة ليست على إطلاقها، وأن للجرح شروطاً وأحكاماً. قال السبكي: "ضرورة نافعة، لا تراها في شيء من كتب الأصول، فإنك إذا سمعت أن الجرح مقدم على التعديل، ورأيت الجرح والتعديل، وكنت غراً بالأمور، أو فَدْماً (١) مقتصراً على منقول الأصول، حسبت أن العمل على جرحه، فإياك ثم إياك، والحذر كل الحذر من هذا الحسبان. بل الصواب عندنا: أن من ثبتت إمامته وعدالته، وكثر مادحوه ومزكوه، وندر جارحوه، وكانت هناك قرينة دالة على سبب جرح، من تعصب مذهبي أو غيره، فإنا لا نلتفت إلى الجرح فيه، ونعمل فيه بالعدالة. وإلا فلو فتحنا هذا الباب، وأخذنا تقديم الجرح على إطلاقه، لما سلم لنا أحد من الأئمة، إذ ما من إمام إلا وقد طعن فيه طاعنون، وهلك فيه هالكون. [قاعدة في الجرح والتعديل/ صـ ١٣]. - لا يقبل جرح من أحد إلا أن يكون ثابتاً مفسراً، فلا يجرح المسلم بالاجتهاد ولا باللوازم، ومعظم جراحات اليوم بالاجتهاد والظنون، وباللوازم العجيبة. اشتكى إلينا شاب من أهل السنة والجماعة هَجْر أخيه، ولما سئل أخوه، قال: قاطعته لأنه مبتدع، فقد رأيته مع غالين في التكفير، فانظر كيف جرحه وهجره بمجرد الرؤية.
следующие страницы →