← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

لفظين في معنيين، وليس النزع فيه. وأجاب في الكتاب: بأن الفعل (١) لم يتعدد في اللفظ قطعًا، وإنما تعدد في المعنى، فاللفظ واحد والمعنى متعدد، وذلك عين الدعوى. واعترض الغزالي على هذا الاحتجاج: بجواز أن تكون الصلاة استعملت في قدر مشترك بين المغفرة والاستغفار: وهو الاعتناء، وإظهار الشرف، فقال: "الأظهر عندنا أن هذا (٢) إنما أُطلق على المعنيين بإزاء معنى واحد مشترك بين المعنيين: وهو العناية بأمر النبي ﷺ ، لشرفه، وحرمتِه والعنايةُ من الله تعالى مغفرة، ومن الملائكة استغفار ودعاء". قال: "وكذلك العذر عن السجود" (٣) يعني: في الآية الثانية التي سنذكرها إن شاء الله تعالى. وقد أجيب عن هذا الاعتراض: بأن إطلاق الصلاة على الاعتناء (٤) مجاز؛ لعدم تبادر الذهن إليه، والأصل عدم المجاز. فإن قلت: لو لم نَحمله على الاعتناء لزم إما الاشتراك أو المجاز (٥)، وإذا دار اللفظ بين التواطؤ وبين الاشتراك والمجاز فحَمْله على التواطؤ أولى.

стр. 1017

قلت: إنما يكون التواطؤ أولى إذا دار اللفظ بين الثلاثة، من غير دليل مقتضٍ لأحدها بخصوصه، أما إذا دل دليل على الاشتراك أو المجاز بخصوصه فيتعين، وقد دل الدليل هنا على أن الصلاة مشتركة بين المغفرة والاستغفار؛ لتبادر الذهن إليه عند الإطلاق (١). فإن قلت: سَلَّمنا أنه غير موضوع للاعتناء بإظهار الشرف، وأن استعماله فيه إنما هو بطريق المجاز، ولكن المجاز أولى من الاشتراك، فليُحمل عليه. قلت: هذه مغالطة فإن الحمل على الاعتناء لم يدفع الاشتراك؛ إذ الاشتراك ثابت فيه لما بيناه، سواء أحملناه (٢) على الاعتناء أم لم نحمله. نعم لو حملناه عليه لزم حمل اللفظ المشترك على مفهومه المجازي (٣). واعْتُرِض على الاحتجاج بالآية أيضًا: بأنه يجوز أن يكون قد حُذف الخبر للقرينة، كقوله: نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راضٍ، والرأي مختلف (٤)

стр. 1018

ويكون أصله: إن الله يصلي وملائكتُه يصلون (١). وأجيب: بأن الإضمار خلاف الأصل. وهذا الجواب لا يَحْسن ممن يقول: الحمل على الجميع بطريق المجاز (٢)؛ فإنه يُعْترض عليه بأن الحمل على المجموع مجاز، وهذا مجاز فلِمَ رَجَّح أحدَ المجازين على الآخر! قال: (وفي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ﴾ (٣) الآية. قيل: حرف (٤) العطف بمثابة العامل. قلنا: إنْ (٥) سُلِّم فبمثابته (في العمل) (٦) بعينه).

стр. 1019

الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ (١). وجه الاحتجاج: أنه أسند السجود إلى هؤلاء المذكورين، والسجود مشترك بين وضع الجبهة والخضوع (٢)، فإما أن يراد به معنى غيرهما، أو وَضْع الجبهة وحده، أو الخضوع وحده، (أو يرادا) (٣) معًا. والكل باطل سوى القسم الرابع، فالأول: لكونه خلاف الأصل، إذ الأصل عدمه (٤)، والثاني كذلك؛ لامتناع إسناده إلى كل واحد، والثالث كذلك؛ لأنه حينئذ لا يبقى لتخصيص كثيرٍ من الناس (٥) بالذكر فائدة؛ إذ الخضوع شامل لجميع المخلوقات، فإنها خاضعة بلسان الحال لما فيها من الدلالة على الصانع والوحدانية؛ فتعين الرابع، وحينئذ يكون اللفظ الواحد مستعملًا في مدلولَيْه المختلِفَيْن دفعة واحدة، وهو المدَّعى. واعْتُرِض على الاحتجاج بهذا: بأنَّا (٦) لا نسلم أن هذا استعمال

стр. 1020

للفظ (١) الواحد (٢) في معانِيه، إنما هو استعمال ألفاظٍ متعددة؛ لأن حرف العطف بمثابة تكرار العامل، فيكون التقدير: أن الله يسجد له من في السموات، ويسجد له من في الأرض، إلى آخره. ولا نزاع في جواز ذلك (٣). وأجاب عنه المصنف: بأنا أولًا لا نسلم أن حرف العطف بمثابة العامل، ولئن سلمنا أن العاطف بمثابة العامل - فيلزم على هذا التقدير أن يكون بمثابة العامل الأول بعينه (٤)، وهو هنا (٥) باطل؛ لأنه يلزم أن يكون المراد من سجود الشمس والقمر والجبال والشجر هو وضع الجبهة؛ لأنه مدلول الأول (٦). وفي بعض النسخ: "فبمثابته في العمل" أي: يقوم مقامه في الإعراب لا في المعنى (٧).

стр. 1021

قال: (قيل: يحتمل وضعه للمجموع أيضًا فالأعمال في البعض. قلنا: فيكون المجموع مستندًا (١) إلى كل واحدٍ وهو باطل). هذا اعتراض على الاحتجاج بالآيتين المذكورتين، ووجهه: أنه لا حجة فيما استدللتم به (٢)؛ لأنه يَحْتَمِل أن يكون استعمال الصلاة والسجود في المجموع إنما هو لكون اللفظ قد وُضَع له (٣) أيضًا، كما وضع للإفراد بل نقول: لا بد من هذا، وإلا فيكون اللفظ قد استعمل في غير ما وضع له، وحينئذ فيكون السجود موضوعًا لثلاث معان: للخضوع منفردًا (٤). ولوضع الجبهة منفردًا، ولمجموعهما. وعلى هذا التقدير يكون إعمال اللفظ في المجموع إعمالًا له في بعض ما وُضع له، وهو خلاف المدعى. وأجاب: بأنه لو كان كذلك (٥) للزم أن تكون المغفرة والاستغفار مُسْنَدًا (٦) إلى كل واحدٍ من الله تعالى والملائكة، وهو واضح البطلان.

стр. 1022

ويلزم أيضًا أن يكون معنى السجود: الذي هو وضع الجبهة على الأرض، والخضوع مُسْنَدًا (١) إلى الذواتِ (٢) وهو باطل أيضًا. وفيه نظر، فإن هذا الذي ذكره إنما يلزم أن لو أُسْنِد المجموع (٣) إلى واحد فقط، أما إذا اسْتُعْمِل في بعض المعاني مع اتحاد المسند إليه مثل: الطير يسجد، بمعنى يخشع أو في المجموع مع تعدد المسند إليه ليرجع كل واحد (إلى واحد) (٤) (٥) فلا يلزم هذا المحذور، والدليلان المذكوران من هذا القبيل، فالأولى في الجواب أن يَمْنَع وَضْعَه للمجموع، وسَنَدُ المنع أنه خلاف الأصل؛ إذ يلزم منه الاشتراك؛ لأنه يكون موضوعًا لكل فردٍ و (٦) للمجموع، والاشتراك على

стр. 1023

خلاف الأصل. قال: (احتج المانع: بأن الواضع إن لم يضع للمجموع (١) لم يجز استعماله فيه. قلنا: لِمَ لا يكفي الوضع لكل واحد للاستعمال في الجميع). احتج مَنْ منع (٢) استعمال اللفظ في حقيقتيه معًا: بأن اللفظ الموضوع لهما إما أن يكون موضوعًا لمجموع المعنيين معًا أيضًا (٣) أوْ لا. إنْ كان الأول فاستعمال اللفظ في المجموع لا يكون استعمالًا له في جميع ما وضع له بل في البعض؛ لأن مدلول اللفظ حينئذ (هذا وحده) (٤) (وهذا وَحْده) (٥)، ومجموعهما من حيث هو كذلك، فالمجموع من حيث هو مجموع بعضُ ما وُضع له. وإنْ كان الثاني (٦) لم يجز استعماله فيه؛ لأنه حينئذ يكون استعمالًا للفظ في غير ما وضع له. وأجاب في الكتاب: بأنا لا نسلم أنه لو لم يكن موضوعًا للمجموع لم يجز استعماله فيه، بل يكون الوضع لكل واحدٍ كافيًا في الاستعمال في

стр. 1024

المجموع مجازًا. ولكن في هذا الجواب التزام أن استعمال المشترك في معنييه من باب المجاز، فلا يحسن ممن يجعله (١) حقيقة. ويمكن تقرير الجواب على وجه آخر، فيقال: الوضع لكل واحدٍ كافٍ لاستعماله في الجميع، ويكون ذلك الاستعمالُ استعمالًا له (٢) فيما وضع له؛ لأن كل واحد من تلك المعاني قد وضع له ذلك اللفظ، ولا يلزم من استعماله في المجموع اشتراط الوضع للمجموع، وإنما يُشْترط ذلك أن لو كان المراد أنه (٣) يكون مستعملًا في المجموع بحيث يكون المجموع مدلولًا مطابَقِيًا واحدًا، كدلالة الخمسة على آحادها (٤)، ولكن ليس ذلك المدعى (٥). وهذا التقرير بناء على ما قاله صاحب "التحصيل" مِنْ حصر الخلاف في الكلي العددي (٦). قال: (ومن المانعين مَنْ جَوَّز في الجمع (٧) والسلب، والفرق ضعيف). ليس كل مَنْ منع استعمال المشترك (٨) في معنييه مَنَع مطلقًا، بل منهم

стр. 1025

من أطلق مَنْعَه، وقد تقدم البحث معه. ومنهم مَنْ فَرَّق، وافترق هؤلاء إلى فرقتين: الفرقة الأولى: فَرَّقت بين النفي والإثبات، فقالت (١): يجوز استعمال المشترك في معنييه في السلب دون الإثبات. واحتجوا: بأن النكرة في سياق النفي تعم؛ فيجوز أن يُراد به مدلولاته المختلفة. وأجيب: بأن هذا الفرق ضعيف؛ لأن السلب لا يرفع إلا ما هو مُقْتَضى الإثبات، ومُقْتَضى الإثبات عند هذا القائل أحد المدلولات المختلفة فقط فحينئذ (لا يعم السلبُ الجميع) (٢). فإنْ أردتم بعمومه أنه يعم مدلولات اللفظ ففاسد لما ذكرناه. وإنْ أردتم أنه (٣) يعم في أفراد مدلول واحدٍ، لا في أفراد المدلولات المختلفة - فمسلَّم، ولا يُجْديكم شيئًا (٤).

стр. 1026

الفرقة الثانية: قالت بجوازه في الجمع دون المفرد. واحتجوا: بأن الجمع في حكم تعديد الأفراد، فقولك: (ثلاث عيون) (١) - في قوة قولك: عين، وعين، وعين. فكما يجوز أن تُريد بالأولى (٢) الجارية مثلًا، وبالثانية الباصرة، وبالثالثة عين الشمس - فكذا في الجمع. وأجاب: بأن هذا الفرق ضعيف؛ لأنا لا نسلم أن الجمع في حكم تعديد الأفراد، ولو سلمناه (٣) لكنه في حكم تعديد أفراد نوعٍ واحد، كما علم من استقراء اللغة. فكما لا يجوز استعمال تلك المفردات في المعاني المختلفة، فكذلك استعمال الجمع (٤). واعلم أن التثنية عند هذا المفصِّل مُلْحَقة بالجمع، والله أعلم. قال: (ونُقل عن الشافعي والقاضي الوجوب حيث لا قرينة احتياطًا).

стр. 1027

الفرق بين الوضع والاستعمال والحمل بَيِّن، وذلك أن الوضع يقال بالاشتراك: على جعل اللفظ دليلًا على المعنى، كتسمية الولد زيدًا. وهذا هو الوضع اللغوي، وعلى غلبة استعمال اللفظ في المعنى حتى (١) يصير فيه أشْهَرَ من غيره، وهذا هو وضع المنقولات الثلاثة: الشرعي (٢)، والعرفيين الخاص والعام. والاستعمال: إطلاق اللفظ وإرادة مسماه بالحكم (٣)، وهو الحقيقة. أو غير مسماه لعلاقة وهو المجاز. والحَمْل: اعتقاد السامع مرادَ المتكلم من لفظه، أو ما اشتمل على مراده (٤). فالمراد (٥): كاعتقاد الشافعي أن الله تعالى أراد بالقرء الطهر، واعتقاد أبي حنيفة أنه تعالى أراد به (٦) الحيض والمُشْتَمِل (٧) نحو: حَمْلُ مَن يَحْمل المشترك على معانيه إذا تجرد عن القرائن؛ لاشتماله على مراد المتكلم احتياطًا. إذا عرفت ذلك فالوضع أمرٌ راجع إلى الواضع، وقد

стр. 1028

سلف الكلام في وضع المشترك، والاستعمال من صفات المتكلم وهو الذي انتهينا من كلامه، والحمل من صفات السامع وها نحن نتكلم فيه فنقول: اختلف مستعملو المشترك في معنيَيْه أنه هل يجب حمله على ذلك (١) إذا تجرد عن قرينة صارفة؟ فَنُقِل عن (٢) الشافعي والقاضي وجوبُ ذلك (٣)، ونقله الإمام في

стр. 1029

"مناقب الشافعي" عن القاضي عبد الجبار أيضًا (١)، والمصنف في باب العموم في الكلام على الجمع المُنَكَّر (٢) عن الجبائي، فافهم ذلك. وحجتهم أنه لو لم يجب (٣) فإما أن لا يُحْمَل على واحدٍ منها، ويلزم تعطيل النص أو يُحْمل على واحدٍ، وهو ترجيح بدون مرجح. وقال بعضهم: لا يجب الحمل ويكون مُجْملًا، وبه قال الإمام تفريعًا على القول بجواز الاستعمال (٤).

стр. 1030

واحتج عليه: "بأنه إن (١) لم يكن موضوعًا للمجموع لم يجز استعماله فيه. وإنْ كان موضوعًا له فهو أيضًا موضوعٌ لكلٍ من الأفراد، فاللفظ (٢) دائرٌ بين كل واحدٍ من الفردين وبين المجموع، فيكون (٣) الجزم بإفادته للمجموع دون كل واحد من الفردين ترجيحًا من غير مرجح. فإن قلت: حَمْلُه على المجموع أحوط فيجب الأخذ به. قلت: الأخذ بالاحتياط سنتكلم عليه" (٤) هذا كلام الإمام. واعترض عليه صاحب "التحصيل": بأن هذا ينفي جواز الاسنعمال (٥) فالتمسك به على نفي الوجوب تفريعًا على الجواز لا يستقيم (٦). بقي في المسألة أن وجوب الحمل عند القائل به (هل هو للاحتياط) (٧) أوْ لأنه عنده من باب العموم؟

стр. 1031

اضطرب النقل فيه: فمِنْ ناقلٍ أنه من باب الاحتياط، وعليه جَرَى في الكتاب. ومِنْ ناقلٍ أنه عندهم من باب العموم، وبه يُشْعر إيراد إمام الحرمين، فإنه صَدَّر كلامه بقوله: "ذهب ذاهبون من أصحاب العموم إلى أنه محمولٌ على حميع معانيه" (١)، وعليه جرى الغزالي فقال: "الاسم المشترك بين مسميَيْن لا يمكن دعوى العموم فيه عندنا، خلافًا للشافعي والقاضي" (٢)، وتَبِعه الآمدي (٣)، وقد قَدَّمنا أن القاضي فَصَل بين الحقيقة والمجاز، فلم يقل بالحمل [فيهما] (٤) وبين المشترك، فقال بالحمل فيه (٥). ويحصل بهذا التفصيل في الحملِ مذاهب: أحدُها: حمل اللفظ على معنييه سواء أكان (٦) أحدهما مجازًا، أم كانا حقيقتين، وهو رأي الشافعي. والثاني عكسه. والثالث: التفصيل، وهو رأي القاضي (٧).

стр. 1032

وهل هو (١) للاحتياط أو للعموم؟ فيه هذا الخلاف (٢). والمختار عندنا أنه (٣) للاحتياط، وكيف يكون من باب العموم ومسمى العموم واحد، والمشترك مسمياته متعددة! وأيضًا فالمشترك يجب أن يكون أفراده متناهية، ولا كذلك العام (٤). وأما ما يقال: كيف يحسن من القاضي جَعْل الحَمْل (٥) من باب العموم وهو مِنْ منكري صيغ العموم (٦)؟ ! فجوابه: أنه إنما يُنْكِر وَضْعها للعموم، ولا ينكر استعمالها (٧). والله أعلم (٨).

стр. 1033

ونختم المسألة بفوائد: إحداها: (١) قد علمتَ نَقْلَ الناقلين عن الشافعي في استعمال اللفظ في معنييه، وحَمْلِه عند الإطلاق (٢) عليهما. وقد قال الرافعي في باب التدبير: "الأشبه أن اللفظ المشترك لا يُراد به جميع معانيه، ولا يحمل عند الإطلاق على جميعها" (٣) ذكره في مسألة: إنْ رأيتَ عَيْنًا فأنتَ حرٌّ (٤). وقال في أوائل الباب الثاني في أحكام الوصية الصحيحة من (٥) كتاب الوصايا في مسألة الوصايا بالعُوْد: "في المسألة يعني: هذه نظرٌ للأصوليين" (٦) فسياق كلامه لا يقتضي أن الشافعي يرى (٧) ذلك، وكيف وقد جعل الأشبه خلاف ذلك (٨)! واعلم أن الخلاف في المسألة مشهور بين أصحابنا، وقد حكى الماوردي في "الحاوي" في أوائل كتاب الأشربة في

стр. 1034

المسألة أوجهًا: ثالثها التفرقة بين الجمع والسلب (١). وقد قدمنا أن الفقيه في "المطلب" أخرج نص الشافعي على الحقيقة والمجاز، فليكن المشترك كذلك بطريق أولى (٢). الثانية: استدل الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد في "شرح الإلمام" لاستعمال اللفظ في حقيقته ومجازه بحديث الأعرابي الذي بال في طائفة (٣) المسجد، فزجره الناس، فنهاهم النبي ﷺ ، فلما قضى بوله أمر النبي ﷺ بذَنوبٍ (٤) من ماء فأهريق عليه، وذلك بالرواية التي جاء فيها: "صبوا عليه ذنوبًا من ماء" (٥) ووجهه: بأن صيغة الأمر توجهت إلى صَبِّ الذنوب،

стр. 1035

والقدر الذي يغمر النجاسة واجب في إزالتها، فتناوُلُ الصيغة له (١) استعمالُ (٢) اللفظِ في حقيقته وهو الوجوب. والزائد على ذلك مستحب، فتناوُلُ الصيغة لهُ استعمالٌ (٣) لها في الندب، وهو مجاز فيه على الصحيح. فقد اسْتُعْملت (٤) صيغة الأمر في حقيقتها ومجازها، وهذا بناء على زيادة الذنوب على القدر الواجب (٥). الثالثة: أطلق الأصوليون الخلاف في الحمل على الحقيقة والمجاز من غير تبيينٍ لمحله، واعلم أن المتكلم إذا ذكر لفظًا له حقيقةٌ ومجازٌ فتارة يقصد الحقيقة فقط، فيُحْمل على الحقيقة وحدها بلا نزاع، وتارة (يقصد المجاز) (٦) فقط، فيحمل عليه وحده بلا خلاف أيضًا. وكل هذا يظهر بدلائل تقوم عليه من قرائن وألفاظ. وتارةً يقصد المجاز ويسكت عن الحقيقة، أو يقصدهما معًا، فهذا هو محل النزاع. وقد أفهم كلام بعضهم أن الخلاف جارٍ وإن لم يقصد المجاز ولم ينفه، وهو في غاية البعد؛ فإن اللفظ لا يُحْمل على المجاز إلا بقرينة (٧) (٨).

стр. 1036

الرابعة: يُضاهي الخلافَ الأصوليَّ في حمل المشترك على (١) معنييه في الفقه صورٌ (٢): منها: لو وقف على مواليه، وله موالٍ مِنْ أعلى وموالٍ من أسفل. فأوجهٌ: أرجحها: عند الغزالي بطلانه، وهو منقدح (٣) على رأي مَنْ يمنع (٤) استعمال المشترك في معنييه. والثاني: يصح (٥) ويُصرف إلى الموالي من أعلى. والثالث: يصح ويقسم بينهم، وهو الأصح عند الشيخ أبي إسحاق (٦)، وشيخه القاضي (٧) أبي الطيب (٨)، وفقًا لقاعدة الشافعي (٩).

стр. 1037

والرابع: يُصْرف إلى الموالي من أسفل لاطراد العادة بالاحسان إلى العتقاء. والخامس: الوقف إلى حين يصطلحوا، وهو متجه على رأي مَنْ يُجَوِّز الاستعمال ويمنع الحمل. ووجه مضاهاة هذا الفرع للمسألة التي انتهينا منها أن لفظ "الموالي" مشترك بين الموالي من أعلى والموالي من أسفل. فإنْ قيل بما قاله بعض الأصحاب: بأنّ صِدْقَه عليهما من قبيل التواطؤ: وهو الموالاة والمناصرة - زالت المضاهاة (١) ومنها: قال الإمام في باب التدبير من "النهاية" ونقله الرافعي عنه: "الرجل إذا قال لعبده: إن رأيتَ عينًا فأنتَ حر. والعين اسم مشترك بين الباصرة (٢)، وعين الماء، والدينار (٣)، وأحد الإخوة من الأب والأم (٤)، ولم ينو المعلِّق شيئًا - فهل يعتق العبد إذا رأى شيئًا منها؟ فيه تردد". قال: "والوجه، الحكم بأنه يعتق به" (٥). فإن قلت: هلا قلنا: لا يعتق إلا برؤية الجميع جَزْمًا؛ لأنَّ رأيَ صاحب المذهب حمل المشترك على معانيه؟ قلت: كان السبب في عدم الحمل على

стр. 1038

جميع معانيه أن الصفة في التعليق تتحقق بأول الأفراد فيقع العتق، كما لو قال: إنْ دخلتَ الدار فأنت حر - يعتق بأول الدخول في بعضها، وإن لم يدخل الجميع (١). ومنها: إذا أوصى بعُودٍ من عِيدانه، والعود مشترك بين الخشب، والذي يُضرب به، والذي يُتَبَخَّر به (٢) - فهل يحمل على الجميع؟ بناه الرافعي على الخلاف الأصولي، والمسألة تحتاج مزيد بسط، ومحل ذلك كتابنا "الأشباه والنظائر". الخامسة: قال الأصحاب: إذا قال لها: أنتِ طالق في كل قُرءٍ طلقةً. طَلُقت في كل طهر طلقة، وأصح الوجهين عندهم أن القرءَ حقيقةٌ في الطهر والحيض. والثاني: أنه (٣) مجاز في الحيض حقيقة في الطهر، فقد يقال: لِمَ لا طلقت في الطهر واحدة وفي الحيض أخرى، وفاءً بالأصل المتقدم في حمل اللفظ المطلق على حقيقتيه، أو على حقيقته ومجازه؟ ويمكن أن يقال في جوابه: إنه غلب استعماله في الطهر، فلم يستعمل في الحيض إلا في قليل، مثل: قوله ﵇: "دعي الصلاة أيامَ أقرائك" (٤) فلم يكن

стр. 1039

اللفظ مع هذا الاستعمال الغالب مطلقًا (١). والله أعلم. قال: (الخامسة: المشترك إنْ تَجَرَّدَ عن القرينة فمجمل ، وإنْ قُرِن به ما يوجب اعتبار واحدٍ تَعَيَّن، أو أكثرَ فكذا عند مَنْ يجوِّز الإعمال في معنيين، وعند المانع مجملٌ، أو إلغاء البعض فينحصر المراد (٢) في الباقي، أو الكل (٣) فَيُحْمل على المجاز. فإنْ تعارضت (٤) حُمِل على الراجح: هو أو أصله. فإنْ تساويا، أو ترجَّح أحَدُهما وأصل الآخر (٥) - فمجمل). اللفظ المشترك على قِسْمين: الأول: (أن يتجرد) (٦) عن القرينة فقال المصنف: إنه مُجْمل. وهذا واضح على رأي مَنْ يمنع حمل المشترك على معنييه، وعليه نبهَ الإمام بقوله: "فهو مجمل لما بيّنّا من امتناع حمله على الكل" (٧). وأما مَنْ يَرَى الحمل

стр. 1040

فإنْ جَعَله من باب (العموم لم يكن عنده مجملًا، بل محمولًا على المعاني التي لا تتضاد، وإنْ جَعَله من باب) (١) الاحتياط فقد يقال: لا ينافي الحملُ على معنيين لأجل الاحتياط - كونَه مجملًا بالنسبة إلى الواحد المُعَيَّن، ويكون وجوب العمل به في الجميع؛ لأجل الإتيان بذلك المُعَيَّن، وهذا هو عين الاحتياط. والغرض مِنْ هذا أنه لا يُؤْخذ من كلام المصنف هنا أنه لا يختار الحمل. القسم الثاني: أن تقترن به قرينة، فهو على أربعة أضرب: الأول: أن تُوجب تلك القرينةُ اعتبارَ واحدٍ معينٍ، مثل: إنْ رأيت عينًا باصرة (٢). فيتعيَّن حمل ذلك اللفظ على ذلك الواحد قطعًا، وهذا يناظر ما قاله الأصحاب فيما إذا قال: أعطوه رقيقًا. فإنه لا يتعين العبد ولا الأمة، ويجزي كل منهما. فلو قال: رقيقًا يقاتل أو يخدم (٣) في السفر تعين العبد، أو رقيقًا يُسْتمتع به، أو يَحْضن ولده تعينت الأمة. الثاني: أنْ تُوجِبَ اعتبارَ أكثرَ مِنْ واحدٍ، فَيَتَعَيَّن ذلك الأكثر عند مَنْ يجوِّز إعمالَ المشترك في معنييه وإن لم يُوجب الحمل؛ لأن القرينة هنا توجب الحمل قطعًا عند مَنْ يجوزه، والخلاف (٤) في أنه هل يُحْمل إنما هو

стр. 1041

إذا تجرد عن القرينة. ويكون مجملًا (١) عند من لا يجوزه (٢). ومثاله: إن رأيتَ عينًا صافية. فإنَّ الصفاء مشترك بين الباصرة، والجارية، والشمس، والنقد. الثالث: أن توجب تلك القرينة إلغاء البعض فينحصر المراد في الباقي، أي: يتعين ذلك الباقي إنْ كان واحدًا، مثل: "دعي الصلاة أيام أقرائك" فإن الأمر بتركها قرينة تلغي الطهر، وتوجب الحمل على الحيض. وكذا إنْ كان أكثرَ عند مَنْ يجوِّز الإعمال في مَعْنيين، وأما عند المانع فمُجْمل. الرابع: وإليه الإشارة بقوله: "أو الكل" (أي: أنْ تُوجب) (٣) القرينة إلغاء الكل فيحمل على مجازه، فإنْ كان ذا مجازاتٍ كثيرة وتعارضت فهي إما متساوية، أو بعضها راجح. فإنْ كان بعضها راجحًا، فالحقائق إما متساوية أو بعضها أجلى (٤): فإنْ كانت متساوية (٥) حُمِل على المجازِ الراجح. وإليه أشار (٦) بقوله:

стр. 1042

"حُمِل على الراجح هو أو أصله" ومثال هذا: القرء، فإنه حقيقة لغوية متساوية بالنسبة إلى مدلولَيْه اللذين هما الطهر والحيض، والحيض لغة: دم يسيل (١) من رحم المرأة من غير ولادة (٢). والطهر ضده (٣). وفي الاصطلاح: الحيض: دم يسيل من الرحم بعد تسع سنين أقله يوم وليلة وأكثره خمسةَ عشر يومًا. وإطلاقه على ما عدا ذلك (٤) مجازٌ عن المعنى الاصطلاحي. والطهر: هو النقاء المُحْتَوَش بدمَيْن. وإطلاقه على الصغيرة والآيسة مجاز عن هذا (٥). فظهر أن إطلاق الحيض والطهر بالحقيقة اللغوية أعمُّ منه بالاصطلاحية، فلو قال لها: أنتِ طالق في قرء، وليس هو القرء الاصطلاحي - انقدح أن يقال: تطلق الآيسة والصغيرة (٦)، دون المستحاضة ومَنْ رأت دمًا دون يوم وليلة؛ لغلبة إطلاق الطاهر عليهما (٧) وكثرته، وقلة إطلاق الحائض (٨) على المستحاضة، ومَنْ رأت دمًا دون يوم وليلة،

стр. 1043

والمجاز يُرَجَّح على نظيره بمثل هذا (١). وإن لم تكن الحقائق متساوية بل كان بعضها أجلى، فالأجلى إنْ كان حقيقةَ ذلك المجاز الراجح حُمِل عليه (٢). وهذا أيضًا يُفْهم من قول المصنف: "حمل على الراجح هو" أو مِنْ قوله: "أو أصله" ومثاله: ما ذكرناه من القرء إذا قلنا بأنه أجلى بالنسبة إلى الطهر ولم نقل بأنهما متساويان (٣)، فإنه إذا قال: أنتِ طالق في قرء ليس بطهر ولا حيض بالحقيقة الاصطلاحية - يقع التعارض بين مَجَازَي الحقيقتين (٤)، فَيُحْمل على مجاز الطهر الاصطلاحي؛ لرجحان أصله (٥). وإن لم يكن الأجلى حقيقة ذلك الراجح (٦) - فهو مجمل؛ لاختصاص كلِ واحدٍ من المجازين بجهةٍ تُرَجِّحه؛ إذْ أحدهما راجح وأصله غير جلي،

стр. 1044

والآخر بالعكس. وإلى هذا القسم أشار بقوله: "أو ترجح أحدهما وأصل الآخر فمجملٌ" ومثاله: لا يخفى مما تقدم، وهذا على تقدير أن يكون بعض المجازات راجحًا. وأما إن تساوت المجازات فإن كان بعض الحقائق أجلى حُمِل عليه (١)، وإن لم يكن بعضها أجلى فمجمل. وأشار إلى هذا بقوله: "فإن تساويا" (٢).

стр. 1045

الفصل السادس: الحقيقة والمجاز

стр. 1046

قال: (الفصل السادس: في الحقيقة والمجاز . الحقيقة: فعيلة من الحق بمعنى الثابت، أو المُثْبَت، نُقِل إلى العَقْد المطابِق، ثم إلى القول المطابِق، ثم إلى اللفظ المستعمل فيما وضع له في اصطلاح التخاطب. والتاء لنقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية). قَدَّم على الكلام في مسائل الفصل مقدمةً في الكلام على لَفْظَي الحقيقة والمجاز، ومعناهما لغة واصطلاحًا. والمقصد الأعظم أن إطلاق لفظ الحقيقة والمجاز على المعنى المصطلح بين الأصوليين إنما هو على سبيل المجاز (١). فأما الحقيقة: فوزنها فعيلة، اشْتُقت من الحق: إما بمعنى الفاعل من حَقَّ الشيءُ يَحُقُّ بالضم والكسر إذا وجب وثبت، فمعناها: الثابت. وإما بمعنى المفعول من حَقَّقتُ الشيءَ أَحُقُّهُ إذا أَثْبَتُّهُ، فمعناها (٢) المثبَت (٣). ثم إن الحقيقة نُقِلت من معنى الثابت أو المثبَت إلى: الاعتقاد المطابق للواقع، والعلاقة ثبوته وتَقَرُّره. ثم نقلت من الاعتقاد المطابق إلى: اللفظ المستعمل فيما وضع له (في اصطلاح التخاطب (٤).

стр. 1047

قال الإمام: لأن في استعماله فيما وضع له) (١) تحقيقًا لذلك الوضع. قال: "فظهر أن إطلاق لفظ الحقيقة على هذا المعنى المعروف ليس حقيقة لغوية، بل مجازًا واقعًا في الرتبة الثالثة، نعم هو حقيقة عرفية" (٢). ولقائل أن يقول: الحق في اللغة موضوع للقدر المشترك بين الجميع: وهو الثبوت، قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (٣) أي: ثبتت. وهو من أسمائه تعالى بهذا الاعتبار؛ لأنه الثابت أزلًا وأبدًا لذاته، بخلاف غيره من الموجودات. ويقال الحق لما يقابل الباطل؛ لأنه جدير بالثبوت، كما أن الباطل جدير بالزهوق. وإذا كان موضوعًا للقدر المشترك فهو موجودٌ في الجميع. سَلَّمنا أنه ليس موضوعًا للقدر المشترك، لكنا (٤) لا نسلم أن كل مجازٍ مأخوذ مما قبله حتى يكون مجازًا واقعًا في المرتبة (٥) الثالثة، بل كلٌّ مأخوذٌ من الحقيقة بعلاقةٍ معتبرة.

стр. 1048

وقد علمت تعريف الحقيقة، فقوله (١): "اللفظ" جنسٌ، وقد قلنا غير مرة: إنه جنسٌ بعيد، وأن الأحسن أن يأتي بالقول. وقوله: "المستعمل" يخرج به اللفظ الموضوع قبل الاستعمال؛ فإنه ليس بحقيقة (ولا مجاز) (٢)، كما ستعرفه إن شاء الله تعالى. ويخرج به (٣) أيضًا المهمل. وقوله: "فيما وضع له" يخرج به المجاز؛ فإنه مستعمل في غير ما وضع له. ولك أن تقول: المجاز موضوع فلا يخرج بهذا الفصل، وإنما يخرج لو قال: وَضْعًا أوَّلًا، وهو لا يمكنه أن يزيد هذا القيد مخافة أن يُورد عليه الحقيقة الشرعية والعرفية؛ لأنهما من غير وضعٍ أول (٤) (٥). وقوله: "في اصطلاح التخاطب" يُدْخِل الحقيقتين الشرعية والعرفية. ولقائل أن يقول: إن الفصول لا تكون للإدخال (٦)، وإنَّ الحدَّ غير مانع لصدقه على العَلَم (٧) مع أنه ليس بحقيقة ولا مجاز، ولدخول المجاز فيه كما

стр. 1049

عرفت. قوله: "والتاء" إلى آخره، هذا جوابٌ عَنْ سؤالٍ مقدَّر وتقديرُه (١) أن يقال: إذا كانت الحقيقة بمعنى المثبَت فينبغي أن تكون مجردة عن تاء التأنيث؛ لأن فعيلًا إذا كان بمعنى مفعول فقياسه أن يُسوَّى فيه بين المذكَّر والمؤنث، تقول: رجل جريح، وامرأة جريح، ورجل قتيل وامرأة قتيل. وجوابه: أن الحقيقة وإن كانت صفة في الأصل إلا أن الاسمية غلبت عليها وتُرِكت وصْفيتها، ألا ترى أنك تقول: كلمة حقيقة، ولفظة حقيقة، فإنما جيء بالتاء لذلك (٢). وفعيل إنما يُسَوَّى (٣) فيه بين المذكر والمؤنث إذا كان باقيًا على وصفيته، مستعملًا مع موصوفه، استغناء بتأنيث الموصوف عن تأنيثه (٤). وأما إذا غلبت عليها الاسمية وقُطِعَت عن الموصوف - فقياسه أن تدخل التاء فيه إذا قُصِد به المُؤَنث، كما يقال: أكيلة، ونطيحة (٥). ويجوز أن يقال: دخول التاء فيه علامة لنقل اللفظ مِنَ الوصفية

стр. 1050

إلى الاسمية. وهو أقرب إلى لفظ الكتاب، إلا أنه مدخول (١)؛ فإنه (٢) لا دلالة للتاء على النقل. قال: (والمجاز: مَفْعَل من الجواز بمعنى العبور وهو المصدر أو المكان، نُقِل إلى الفاعل، ثم إلى اللفظ المستعمل في معنى (غير موضوع له) (٣) يناسب المصطلح). إطلاق لفظ المجاز على المعنى الصطلح عليه بين الأئمة مجاز لغوي، حقيقة عرفية، وذلك لأن المجاز مشتق من الجواز، والجواز معناه: التعدي والعبور، تقول: جُزْت الدار أي: عبرتها. ووزن المجاز مَفْعَلٌ؛ لأن أصله مَجْوَز فقلبت واوه ألفًا بعد نقل حركتها إلى الجيم، والمَفْعَل (٤) يستعمل حقيقة في الزمان والمكان والمصدر، تقول: قعدتُ مَقْعَد زيد. وتريد قعوده، أو زمان قعوده، أو مكان قعوده. فيكون لفظ المجاز في الأصل (٥) حقيقةً إما في المصدر الذي هو الجواز، وإما في مكان التجوز أو زمانه. ونُقِل لفظ المجاز من ذلك (٦) إلى الفاعل وهو الجائز أعني المُنْتَقِل (٧) لما بينهما من العلاقة. والعلاقة إنْ نُقِل من المصدر: هي الجزئية؛ لأن المشتق منه جزء من

стр. 1051

المشتق (١). كقولك (٢): هذا رجل عدل. أي: عادل. وإنْ نُقل من المجاز المستعمل في المكان - فهي إطلاق اسم المحل وإرادة الحال (٣)، مثل: سال الوادي (٤). وأما المجاز المستعمل في الزمان فقد تَرَك المصنف ذِكْره كأنه للجزم بأن الجائز غير مأخوذ منه؛ إذْ لا علاقة معتبرةً بينهما. ثم الجائز حقيقةً إنما يطلق على الأجسام؛ إذ الجواز: الانتقال مِنْ حَيِّز إلى حيز. وأما اللفظ فَعَرضٌ يمتنع عليه الانتقال، فَنُقِل لفظ المجاز من معنى الجائز إلى المعنى المصطلح (٥). قال صاحب الكتاب: وهو اللفظ المستعمل في معنى غير موضوعٍ له يُنَاسب المصطلح. وإطلاقه على هذا المعنى على سبيل التشبيه، فإن تعدية اللفظِ مِنْ معنى إلى معْنَىً، كالجائز يتعدي من مكان إلى مكان، فيكون إطلاق لفظ المجاز على المعنى المصطلح مجازًا في المرتبة (٦) الثانية (٧)، حقيقة عرفية (٨).

стр. 1052

وقوله: "اللفظ المستعمل"، قد عرفت شرحهما فيما سبق. وقوله: "في معنى غير موضوع له" يُخْرِج الحقيقة، ويقتضي أن المجاز غير موضوع، فكان (١) الأحسن أن يزيد "بوضعٍ أول". وقوله: "يناسب المصطلح" أشار به إلى فوائد: إحداها: أن يشمل الحدُّ كلَّ مجاز: من شرعي، وعرفي عام، وخاص، ولغوي. فإن الاصطلاح أعم من أن يكون بالشرع، أو العرف، أو اللغة. والثانية: أن ينبه على اشتراط العلاقة في المجاز (٢). والثالثة: أن يحترز عن العَلَم المنقول مثل: بكر، وكَلْب؛ فإنه ليس بمجاز؛ لأنه لم ينقل لعلاقة. والله أعلم (٣). قال: (وفيه مسائل: الأولى: الحقيقة اللغوية موجودة. وكذا العرفية العامة: كالدابة ونحوها. والخاصة: كالقلب، والنقض، (والفرق، والجمع) (٤).

стр. 1053

الحقيقة متعددة بلا خلاف، وإلى ما تتعدد؟ فيه اختلاف: فقال قائلون: إلى ثلاثة: اللغوية، والعرفية بنوعيها، والشرعية. وقال آخرون: إلى (١) الأُولَيَيْن (٢) فقط. وقد علمت مِنْ هذا الاتفاق على إمكان اللغوية والعرفية، وأما الوجود (٣) فلا نزاع في وجود اللغوية، وكيف ولا شك في وجود ألفاظٍ مستعملة في معان، وذلك إنْ كان بالوضع فقد حَصَل الغرض، وإلا فيلزم أن يكون مجازًا فيها (٤)، وهو باطل؛ لأن شرط المجاز حصول المناسبة الخاصة بين الموضوع الأصلي والمعنى المجازي، وذلك لا يمكن إلا بعد ثبوت الموضوع الأصلي. وأما العرفية: فاعلم أولًا أن اللفظة العرفية: هي التي نُقِلت عن موضوعها الأصلي إلى غيره بعرف الاستعمال. وهي منقسمة إلى: خاصة، وعامة بحسب الناقلين. فإن كان الناقل طائفةً مخصوصة سميت خاصةً، وإنْ كانت عامة الناس سميت عامة. وقد ذهب الأكثرون إلى وقوع العرفية العامة، وهي على قسمين: أحدهما: أن يكون الاسم قد وضع لمعنى عام ثم (٥) يُخصص بالعرف

стр. 1054

العام ببعض أنواعه، كلفظ الدابة، فإنه موضوع لكل ما يَدِبُّ على وجه الأرض، وخصصها العرف العام بذات الحوافر (١). وثانيهما: أن يكون الاسم في أصل اللغة قد وضع لمعنى، ثم كثر استعماله فيما له به (٢) نوعُ مناسبة وملابسة بحيث لا يُفهم المعنى الأول، كالغائط فإنه (موضوع في الماصل: للمكان المطمئن من الأرض (٣) التي تُقْضَى فيها الحاجة غالبًا. وأطلقه) (٤) العرف على الخارِج المستقذَر من الإنسان، كناية عنه باسم محله؛ لنفرة الطباع عن التصريح به (٥). وأما الخاصة (٦): فلا نزاع في وقوعها، إذْ هو معلوم بالضرورة بعد استقراء كلامِ الطوائفِ من ذوي العلوم والصناعات التي لا يعرفها أهل اللغة، كالقلب، والنقض والجمع، والفرق، في اصطلاح النُّظَّار. وستعرف معاني هذه الأمور في كتاب القياس إن شاء الله تعالى (٧).

стр. 1055

قال: (واختلف في الشرعية: فمنع القاضي، وأثبت المعتزلة مطلقًا، والحق أنها مجازات لغوية اشْتَهَرت، لا موضوعات مُبْتدأةٌ، وإلا لم تكن عربية؛ فلا يكون القرآن عربيًا، وهو باطل؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ (١) قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (٢) ونحوه). الحقيقة الشرعية: هي اللفظة التي استفيد وضعها للمعنى من جهة الشرع. وأقسامها الممكنة أربعة: الأول: أن يكون اللفظ والمعنى معلومَيْن لأهل اللغة، لكنهم لم يضعوا ذلك الاسم لذلك المعنى. الثاني (٣): أن يكونا غير معلومين لهم. الثالث: أن يكون اللفظ معلومًا لهم والمعنى غير معلوم. الرابع: عكسه.
следующие страницы →