← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

المشتق (١). كقولك (٢): هذا رجل عدل. أي: عادل. وإنْ نُقل من المجاز المستعمل في المكان - فهي إطلاق اسم المحل وإرادة الحال (٣)، مثل: سال الوادي (٤). وأما المجاز المستعمل في الزمان فقد تَرَك المصنف ذِكْره كأنه للجزم بأن الجائز غير مأخوذ منه؛ إذْ لا علاقة معتبرةً بينهما. ثم الجائز حقيقةً إنما يطلق على الأجسام؛ إذ الجواز: الانتقال مِنْ حَيِّز إلى حيز. وأما اللفظ فَعَرضٌ يمتنع عليه الانتقال، فَنُقِل لفظ المجاز من معنى الجائز إلى المعنى المصطلح (٥). قال صاحب الكتاب: وهو اللفظ المستعمل في معنى غير موضوعٍ له يُنَاسب المصطلح. وإطلاقه على هذا المعنى على سبيل التشبيه، فإن تعدية اللفظِ مِنْ معنى إلى معْنَىً، كالجائز يتعدي من مكان إلى مكان، فيكون إطلاق لفظ المجاز على المعنى المصطلح مجازًا في المرتبة (٦) الثانية (٧)، حقيقة عرفية (٨).

стр. 1052

وقوله: "اللفظ المستعمل"، قد عرفت شرحهما فيما سبق. وقوله: "في معنى غير موضوع له" يُخْرِج الحقيقة، ويقتضي أن المجاز غير موضوع، فكان (١) الأحسن أن يزيد "بوضعٍ أول". وقوله: "يناسب المصطلح" أشار به إلى فوائد: إحداها: أن يشمل الحدُّ كلَّ مجاز: من شرعي، وعرفي عام، وخاص، ولغوي. فإن الاصطلاح أعم من أن يكون بالشرع، أو العرف، أو اللغة. والثانية: أن ينبه على اشتراط العلاقة في المجاز (٢). والثالثة: أن يحترز عن العَلَم المنقول مثل: بكر، وكَلْب؛ فإنه ليس بمجاز؛ لأنه لم ينقل لعلاقة. والله أعلم (٣). قال: (وفيه مسائل: الأولى: الحقيقة اللغوية موجودة. وكذا العرفية العامة: كالدابة ونحوها. والخاصة: كالقلب، والنقض، (والفرق، والجمع) (٤).

стр. 1053

الحقيقة متعددة بلا خلاف، وإلى ما تتعدد؟ فيه اختلاف: فقال قائلون: إلى ثلاثة: اللغوية، والعرفية بنوعيها، والشرعية. وقال آخرون: إلى (١) الأُولَيَيْن (٢) فقط. وقد علمت مِنْ هذا الاتفاق على إمكان اللغوية والعرفية، وأما الوجود (٣) فلا نزاع في وجود اللغوية، وكيف ولا شك في وجود ألفاظٍ مستعملة في معان، وذلك إنْ كان بالوضع فقد حَصَل الغرض، وإلا فيلزم أن يكون مجازًا فيها (٤)، وهو باطل؛ لأن شرط المجاز حصول المناسبة الخاصة بين الموضوع الأصلي والمعنى المجازي، وذلك لا يمكن إلا بعد ثبوت الموضوع الأصلي. وأما العرفية: فاعلم أولًا أن اللفظة العرفية: هي التي نُقِلت عن موضوعها الأصلي إلى غيره بعرف الاستعمال. وهي منقسمة إلى: خاصة، وعامة بحسب الناقلين. فإن كان الناقل طائفةً مخصوصة سميت خاصةً، وإنْ كانت عامة الناس سميت عامة. وقد ذهب الأكثرون إلى وقوع العرفية العامة، وهي على قسمين: أحدهما: أن يكون الاسم قد وضع لمعنى عام ثم (٥) يُخصص بالعرف

стр. 1054

العام ببعض أنواعه، كلفظ الدابة، فإنه موضوع لكل ما يَدِبُّ على وجه الأرض، وخصصها العرف العام بذات الحوافر (١). وثانيهما: أن يكون الاسم في أصل اللغة قد وضع لمعنى، ثم كثر استعماله فيما له به (٢) نوعُ مناسبة وملابسة بحيث لا يُفهم المعنى الأول، كالغائط فإنه (موضوع في الماصل: للمكان المطمئن من الأرض (٣) التي تُقْضَى فيها الحاجة غالبًا. وأطلقه) (٤) العرف على الخارِج المستقذَر من الإنسان، كناية عنه باسم محله؛ لنفرة الطباع عن التصريح به (٥). وأما الخاصة (٦): فلا نزاع في وقوعها، إذْ هو معلوم بالضرورة بعد استقراء كلامِ الطوائفِ من ذوي العلوم والصناعات التي لا يعرفها أهل اللغة، كالقلب، والنقض والجمع، والفرق، في اصطلاح النُّظَّار. وستعرف معاني هذه الأمور في كتاب القياس إن شاء الله تعالى (٧).

стр. 1055

قال: (واختلف في الشرعية: فمنع القاضي، وأثبت المعتزلة مطلقًا، والحق أنها مجازات لغوية اشْتَهَرت، لا موضوعات مُبْتدأةٌ، وإلا لم تكن عربية؛ فلا يكون القرآن عربيًا، وهو باطل؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ (١) قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (٢) ونحوه). الحقيقة الشرعية: هي اللفظة التي استفيد وضعها للمعنى من جهة الشرع. وأقسامها الممكنة أربعة: الأول: أن يكون اللفظ والمعنى معلومَيْن لأهل اللغة، لكنهم لم يضعوا ذلك الاسم لذلك المعنى. الثاني (٣): أن يكونا غير معلومين لهم. الثالث: أن يكون اللفظ معلومًا لهم والمعنى غير معلوم. الرابع: عكسه.

стр. 1056

والمنقولة الشرعية: (من هذه الأقسام إنما هي الأول والثالث، فالمنقولة (١) الشرعية) (٢) أخص من الحقيقة الشرعية (٣). ثم مِنَ المنقولة ما نُقِل إلى الدين وأصوله، كالإيمان، والإسلام، والكفر والفسق، ويُخَصُّ (٤) بالدينية؛ فهي (٥) إذن أخص من المنقولة الشرعية. فإن قلت: فهذه الأقسام المكنة هل هي واقعة كلها تفريعًا على القول بالحقيقة الشرعية؟ قلت: قال صفي الدين الهندي: "الأشبه وقوعُها. أما الأول فهو كلفظ: "الرحمن" لله، فإن هذا اللفظ كان معلومًا لهم (وكذا (٦) "صانع العالم" كان معلومًا لهم) (٧) بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (٨) لكن لم يضعوه لله تعالى، ولذلك (٩) قالوا: ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة حين نزل قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا

стр. 1057

اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ (١) (٢). وأما الثاني (٣): فهو كأوائل السور عند مَنْ يجعلها أسماء لها أو (٤) للقرآن، فإنها ما كانت معلومة لهم (٥) على هذا الترتيب، ولا القرآن، ولا السور.

стр. 1058

وأما الثالث (١): فكلفظ: الصلاة، والصوم، وأمثالِهما، فإن هذه الألفاظ كانت معلومة لهم، ومستعملة عندهم في معانيها المعلومة، ومعانيها الشرعية ما كانت معلومة لهم. وأما الرابع (٢): فهو كلفظ: الأبِّ، فإنه قيل: إنَّ هذه الكلمة لم تعرفها العرب، ولذلك قال عمر ﵁ لما نزل قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ (٣) (٤) هذه الفاكهة فما الأبّ؟ (٥) ومعناه كان معلومًا لهم بدليل أن له اسمًا آخر

стр. 1059

عندهم نحو: العشب (١) (٢) هذا كلام صفي الدين الهندي (٣). إذا عرفتَ الحقيقة الشرعية فنقول: أما إمكانها (٤) فقد نقل جماعة الاتفاق عليه (٥)، وأبو الحسين البصري لما حكى في "المعتمد" عن قومٍ من المرجئة أنهم نفوا الحقائق الشرعية - قال: "وبعض (٦) عِلَلِهِم تدل (٧) على أنهم أحالوا ذلك" (٨). وأما وقوعها فذهبت المعتزلة والخوارج وطائفة (٩) من الفقهاء إليه

стр. 1060

مطلقًا، وقالوا: نقل الشارع هذه الألفاظ من "الصلاة" و"الصيام" وغيرهما عن (١) مسمياتها اللغوية، وابتدأ وَضْعَها لهذه المعاني، فليست حقائق لغوية، ولا مجازات عنها. وأنكره القاضي أبو بكر مطلقًا، وزعم أن لفظ "الصلاة" و"الصوم" وغيرهما في الشرع مستعمل في المعنى اللغوي: وهو الدعاء، والإمساك، لكن الشارع شرط في الاعتداد بهما أمورًا أُخَر نحو: الركوع والسجود، والكف عن الجماع والنية، فهو (٢) مُنْصَرِف بوضع الشرط لا بتغير (٣) الوضع (٤)، وشدد النكير على مخالفيه، وقال: "قد تبعهم شرذمة من الفقهاء الحائدين عن التحقيق، وما راموا مَرَامهم، بَيْد أنهم زَلُّوا (٥) عن سواء الطريق" (٦). وذهب إمام الحرمين والغزالي والإمام وأتباعه - منهم صاحب الكتاب - إلى التفصيل: فأثبتوا من (٧) المنقولات الشرعية ما كان مجازًا لغويًا كما في الحقائق العرفية، دون ما ليس كذلك، بل كان منقولًا عنها

стр. 1061

بالكلية (١) (٢)، وهذا معنى قول المصنف: "مجازات لغوية اشْتَهَرت لا موضوعات مبتدأة" أي: لم تستعمل في المعنى اللغوي، ولم يقطع النظر عنه حالة الاستعمال، بل اسْتُعملت في هذه المعاني لما بينها وبين المعاني اللغوية من العلاقة، فالصلاة مثلًا لما كانت في اللغة عبارة عن: الدعاء بخير، قال الشاعر: تقول بنتي وقد قَرَّبْتُ مُرْتَحَلًا ... يا رب جَنِّب أبي الأوصاب والوَجَعا عليكِ مثلُ الذي صليتِ فاغتمضي ... نومًا فإن لجنبِ المرء مُضْطَجعا (٣) - كانت بالمعنى اللغوي جزءًا منها بالمعنى الشرعي؛ لاشتمال ذات الأركان على الدعاء، فكان إطلاقها على المعنى الشرعي من باب تسمية

стр. 1062

الشيء باسم بعضه، وهو مجاز لغوي اشْتَهَر، وصار بالاشتهار حقيقةً شرعية. وكذلك الصوم فإنه في اللغة: الإمساك (١)، قال الشاعر: خَيْلٌ صِيامٌ وَخيلٌ غير صائمة ... تحت العَجاج وأخرى تعلُكُ اللُّجُما (٢) وفي الشرع: اسم للإمساك، عن الطعام والشراب مع انضمام أمورٍ أُخَر إليه (٣). وكذا (٤) الحج فإنه في اللغة: القصد (٥)، قال الشاعر: وأشْهَدَ مِنْ عَوفٍ حُلُولًا كثيرةً ... يَحُجُّونَ سِبَّ الزِّبْرِقانِ المُزَعْفَرا (٦)

стр. 1063

قال ابن السكيت (١): "يقول: يُكثرون الاختلاف إليه" (٢)، وهو في الشرع اسم للمناسك المعروفة ومن جملتها القصد. وكذلك سائر الأسماء الشرعية.

стр. 1064

وذهب الآمدي إلط التوقف في المسألة (١). فائدة: قال الشيخ أبو إسحاق: "هذه أول مسألة نشأت في الاعتزال، وقالت المعتزلة بالمنزلة (٢) بين المنزلتين، أي: جعلوا الفسق منزلةً متوسطة بين الكفران والإيمان لما علموا أن الإيمان في اللغة: التصديق، (والفاسق موحِّد مصدق (٣)، فقالوا: هذه (٤) حقيقة الايمان في اللغة) (٥)، ونُقِل في الشرع إلى من لم يرتكب شيئًا من المعاصي، فمن ارتكب شيئًا منها خرج عن الإيمان ولم يبلغ الكفر" (٦). ثم اختار الشيخ أبو إسحاق أن الإيمان مُبْقى على موضوعه في اللغة، وأن الألفاظ التي ذكرناها من الصلاة والصيام والحج وغير ذلك منقولة (٧). قال: "وليس من ضرورة النقل أن يكون في جميع الألفاظ، وإنما يكون على حسب ما يقوم عليه الدليل" (٨).

стр. 1065

ورأيت في كتاب "تعظيم قدر الصلاة" للإمام الجليل محمد بن نصر (١) عن أبي عبيد (٢) أنه استدل على أن الشارع نَقَل الإيمان عن معناه اللغوي إلى الشرعي: بأنه نقل الصلاة والحج ونحوهما إلى معانٍ أخر، قال: فما بال الإيمان! وهذا يدل على تخصيص محل الخلاف بالإيمان وهو الذي وقع فيه النزاع في مبدأ (٣) ظهور الاعتزال. قوله: "وإلا لم تكن عربية" استدل على ما اختاره: بأنه لو كانت تلك الألفاظ موضوعات مبتدأة (٤) - لم تكن عربية (٥). والملازمة ظاهرة (٦).

стр. 1066

وإذا كانت غير عربية يلزم أن يكون القرآن غير عربي؛ لوقوعها فيه، وذلك باطل؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (١) (٢) ونحوه، كقوله تعالى: ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ (٣) فدل على أنها عربية أعني: الصلاة والصيام والحج ونظائرها. وهذا فيه نظر؛ لأنه لا يُبْطِل إلا مذهب المعتزلة فقط. وقد رَدَّ إمام الحرمين على القاضي: "بأن حَمَلَة الشريعة مجمعون على أن الركوع والسجود من الصلاة، وسياق (٤) ما ذكره أن المسمى بالصلاة الدعاء فحسب، وليس الأمر كذلك (٥) ". قال: (قيل: المراد بعضه، فإن الحالف على أن لا يقرأ القرآن يحنث بقراءة البعض (٦). قلنا: معارض بما يقال: إنه بعضه. قيل: تلك كلمات قلائل فلا تخرجه عن كونه عربيًا، (كقصيدة فارسية فيها ألفاظ عربية) (٧). قلنا: تُخْرجه وإلا لما صح الاستثناء. قيل: يكفي في عربيتها استعمالها في لغتهم. قلنا: تخصيص الألفاظ (٨) باللغات بحسب الدلالة. قيل: منقوض بالمشكاة،

стр. 1067

والقسطاس، والإستبرق، والسجيل. قلنا: وَضْع العرب فيها وافق لغة أخرى). اعترضت المعتزلة على الدليل (١) الذي أورده في الكتاب بأربعة أوجه: الأول: أن الآية لا تدل على أن القرآن كله عربي، بل على (٢) أن بعضه عربي؛ لأن "القرآن" يطلق على مجموعه، وعلى كل جزء من أجزائه، ويصدق صِدْق المتواطئ (٣) على جزئياته، ويدل على هذا أن الحالف على أن لا يقرأ القرآن يحنث بقراءة بعضه. وأجاب: بأن ما استدللتم به من صورةِ الحلف وإنْ دلَّ على أن المراد بالقرآن البعض فهو (٤) معارض بقولنا (للآية والسورة) (٥): بعض القرآن، فإنه لو أطلق القرآن على ذلك حقيقة لم يكن لإدخال البعض معنى (٦). وأيضًا فبعض الشيء غير الشيء (٧)، وإذا تعارضا تساقطا وسَلِم ما ذكرنا من الدليل (٨).

стр. 1068

واعلم أن ما ذكره المصنف من الحنث في هذه الصورة تَبِع فيه الإمام (١)، وليس كما ذكرا (٢)، فالذي نص عليه الشافعي ﵁ في "الأم"، ونقله الرافعي عنه خلاف ذلك، وقد رأيتُ نصه في "الأم" في الجزء السابع في (٣) باب جامع التدبير (٤)، قال ﵁ ما نصه: "ولو قال رجل لعبدٍ له: متى مِتُّ وأنت بمكة فأنت حر، ومتى مِتُّ وقد قرأتَ القرآن فأنت حر. فمات السيد والعبد بمكة وقد قرأ القرآن كله (كان حرًّا، وإن مات وليس العبد بمكة أو مات ولم يقرأ القرآن كله) (٥) لم يعتق" (٦). هذا لفظه. وقال الشيخ أبو حامد في "التعليقة": "إذا قال لعبده إذا قرأت القرآن فأنت حر - لم يعتق إلا بقراءة الجميع". وكذا قال المحاملي في "التجريد". هذا هو المذهب في المسألة ولا يُعْرف (٧) ما يخالفه (٨). الوجه الثاني: أنا لا نسلم أنه يلزم من كون تلك الألفاظ غير عربية أن لا يكون القرآن عربيًا، فإن تلك كلماتٌ قلائل فلا يَخْرج القرآن عن

стр. 1069

كونه عربيًا، كما أن الألفاظ العربية القليلة إذا وقعت في قصيدة فارسية لا تُخرجها عن كونها فارسية. وأجاب: بأنها تُخْرجه (عن كونه عربيًا، والكلمات القلائل تخرج القصيدة عن أن تكون فارسية) (١)، والدليل على ذلك صحة الاستثناء، إذْ لَكَ أن تقول: القصيدة فارسية إلا موضع كذا منها. الوجه الثالث: أنه يكفي في كون هذه الألفاظ عربية استعمال العرب لها من حيث الجملة، وحينئذ فاستعمال الشارع لها في غير المعنى اللغوي لا يخرجها عن ذلك (٢). وأجاب: بأن هذا (٣) المقدار غير كاف في كونها عربية؛ لأن تخصيص الألفاظ باللغات بحسب دلالتها على معانيها، فإن كانت دلالتها من جهة لغة العرب كانت عربية وإلا فلا، ولا شك أن تلك الألفاظ لا تدل على معانيها من تلك الحيثية. واعلم أن المصنف لم يرتب هذه الاعتراضات الثلاث على الوجه اللائق؛ فإن مقتضى النظم الطبيعي تقديم هذا الثالث، ثم الإتيان بالثاني، ثم بالأول، فيقال: لا نسلم أنها غير عربية بل يكفي استعمالها عندهم. سلمنا لكن لا تُخْرج القرآنَ عن كونه عربيًا؛ لقلتها. سلمنا ولكن ذلك غير ممتنع؛ لأن المراد من (٤) قوله تعالى: ﴿قُرْآنًا

стр. 1070

عَرَبِيًّا﴾ (١) هو البعض. الوجه الرابع: أنه لو صح ما ذكرتم لَزِم أن لا يشتمل القرآن على لفظ غير عربي، وليس كذلك، فإن "المشكاة" فيه وهي عجمية، وكذا "القسطاس"، و"الإستبرق"، و"السجيل". والمشكاة: الكُوَّة التي لا (٢) تَنْفُذ. والقِسْطاس بالرومية: الميزان. والإستبرق بالفارسية: الديباج الغليظ. والسجيل بالفارسية (٣): الحجر من الطين. وأجاب: بأنا لا نسلم أن هذه الألفاظ غير عربية، بل غايته: أنْ وَضْع العرب فيها وافق لغة أخرى، كالصابون والتنور فإن اللغات فيهما متفقة (٤). تنبيه: عرفت من هذا أن المصنف يختار أن المُعَرَّب (٥) لم يقع في القرآن، وقد تبع الإمامَ في ذلك (٦)، وهو الذىِ نصره القاضي في كتاب "التقريب" (٧)، ونص عليه الشافعي ﵁ في "الرسالة" في باب البيان الخامس فقال ما نصه: "وقد تكلم في العلم مَنْ لو أمسك عن بعضِ ما تكلَّم فيه منه لكان

стр. 1071

الإمساك أولى به (وأقرب إلى السلامة) (١)، فقال منهم قائل: إن في القرآن عربيًا وأعجميًا. والقرآن يدل على أنه ليس من كتاب الله شيءٌ إلا بلسان العرب. وَوَجَدْنا قائلَ هذا القول ومَنْ قَبِل ذلك منه تقليدًا له، وتَرْكًا للمسألة له عن حُجَّته ومسألة غيره ممنْ خالفه. وبالتقليد أغفل مَنْ أغْفل منهم، والله يغفر لنا ولهم" (٢). هذا نصه. ونُقِل عن ابن عباس وعكرمة (٣) وقوعه (٤)، وهو الذي اختاره ابن الحاجب (٥)، واستدل عليه بإجماع النحاة على أن "إبراهيم" لا ينصرف للعَلَمية والعُجْمة. وذلك لا يُجديه (٦) شيئًا إذا كان محل الخلاف مقصورًا على أسماء الأجناس، غير شامل للأعلام. قال صفي الدين الهندي: "وهو الذي يجب أن يكون" (٧). قال: (وعُورض: بأن الشارع اخترع معاني فلا بُدَّ لها من ألفاظ.

стр. 1072

قلنا: كفى التجوز). قد عَرَفْتَ ما طَعَنت به المعتزلة في مقدمات الدليل الذي احتج به المصنف، وما أجيبوا به، وقد انتقلوا الآن إلى المعارضة بوجهين: أحدهما: وهو إجمالي أن الشارع اخترع معانيَ لم تكن مُتعقَّلة (١) قبل الشَّرْع، بل حَدَث تعقلها (٢) بعده، فوجب أن يُوضع لها اسم؛ لأنها من جملة المعاني التي تَمَسُّ الحاجة إلى التعبير عنها، وهذه الأسامي التي تطلق عليها (٣) كالصلاة والحج - لا مَدْخَل للعرب في إطلاقها عليها؛ إذْ وضع الألفاظ مسبوق بتعقل المعاني، وهم لم (٤) يتعقلوها قبل الشرع، ولا خطرت لهم ببال. وأجاب: بأنه إنْ عَنَيْتُم بقولكم: "ما تعقلوها ولا خطرت لهم" لا من حيث المجموع، ولا من حيث الجزء (٥) - فممنوعٌ؛ فإنهم تعقلوها من حيث

стр. 1073

الجزء كما في الصلاة. وإن عنيتم: أنه لم يخطر لهم من حيث المجموع - فمسلمٌ، ولكن لا نسلم لا أنه مَدْخل للعرب حينئذٍ فيها، فإنه يكون من باب إطلاق الجزء على الكل، وهو أحد أنواع المجاز، والتجوز كافٍ هنا لحصول المقصود الذي هو الإفهام به (١). قال: (وبأن الإيمان لغة: هو (٢) التصديق، وفي الشرع: فعلُ الواجب (٣)؛ لأنه الإسلام وإلا لم يُقبل مِنْ مبتغيه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (٤) ولم يجز استثناء المسلم من المؤمن، وقد قال الله (٥) تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٦) (٧) والإسلام: هو الدين؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٨) والدين: فعل الواجبات؛ لقوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (٩). قلنا: في الشرع: تصديق خاص، وهو غير

стр. 1074

الإسلام والدين؛ فإنهما الانقياد والعمل الظاهر، ولهذا قال الله (١) تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (٢) وإنما جاز الاستثناء لصِدْق المؤمن على المسلم؛ بسبب أن التصديق شرط صحة الإسلام). الوجه الثاني: مِنْ وَجْهَيْ المعارضة: وهو تفصيلي، وتقريره: أن الإيمان في اللغة: هو التصديق (٣). وفي الشرع: فعل الواجبات. فتكون الحقيقة الشرعية بمعنى: أنها حقائق مبتدأة واقعة، وهو المُدَّعى. أما المقدمة الأولى: فبالنقل عن أئمة اللغة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ (٤) أي: بمصدقٍ لنا. وأما الثانية: فلأن الإيمان هو الإسلام، (والإسلام هو الدين، والدين: هو فعل الواجبات. فالإيمان: فعل الواجبات. إنما قلنا: إن الإيمان هو الإسلام) (٥)؛ لوجهين: أحدهما: أنه لو لم يكن كذلك لم يكن مقبولًا من مُبْتغيه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾. والثاني: أنه تعالى استثنى بعض المسلمين من المؤمنين في قوله تعالى (٦): ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ

стр. 1075

بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١)، ولولا الاتحاد لما صح الاستثناء؛ لأن الاستثناء إخراج بعض الأول. فإن قلت: أين الاستثناء وليس هنا إلا لفظة "غيرَ"، وهي ظاهرة في الوصفية (٢). قلت: هي هنا بمعنى "إلا"؛ لأنها لو كانت على ظاهرها (٣) لكان التقدير: فما وجدنا فيها المغاير لبيت المؤمنين فيكون المنفي إذ ذاك بيوت الكفار وهو باطل؛ لأنه قد وُجِد فيها بيوتُهم، فتقرر أنه استثناء، ثم إنه استثناء مُفَرَّغ فَيَحْتاج إلى تقدير شيءٍ عام منفي يكون هو المستثنى منه (٤)، ولا بد من تقييد ذلك العام بكونه من المؤمنين، وإلا يلزم انتفاء بيوت (٥) الكفار، وقد عرفت بطلانه، فيكون تقدير الآية والله أعلم: فما وجدنا فيها أحدًا من المؤمنين إلا أهلَ بيت من المسلمين، أي: منهم. ويكون قد أوقع الظاهر موقع المضمر (٦).

стр. 1076

وإنما قلنا: إن الإسلام هو الدين، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، وإنما قلنا: الدين فعل الواجبات؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ أي: دين الملة المستقيمة. وقوله: "وذلك" عائد إلى جميع ما تقدم ذِكْرُه، فوجب أن يكون الكل مُسَمَّى بالدين. قوله: "قلنا في الشرع" (١) إلى آخره - هذا هو الجواب عن هذا الوجه الثاني (٢)، وتقريره: أن يقال: لا نسلم أن الإيمان في الشرع هو الإسلام، وإنما الإيمان في الشرع عبارة عن: تصديقٍ خاص، وهو تصديق الرسول ﷺ في جميع ما عُلم مجيئه به بالضرورة. وهو (٣) بهذا الاعتبار غير الإسلام، وغير الدين، فإنهما في اللغة: الانقياد. وفي الشرع: العمل الظاهر. وهذا هو التحقيق في انفصال الإسلام عن الإيمان، وإنْ كان كلٌّ منهما شَرَطَه الشارع في الاعتبار بالآخر، فإن الإسلام عبارة عن التلفظ، ولا يعتبر به ما لم يساعده القلب بالاعتقاد. والإيمان عبارة عن التصديق بالقلب، ولا يكفي ما لم يتلفظ بالشهادتين إذا أمكنه ذلك. ويدل على انفصال الإسلام عن الإيمان صريحُ قوله تعالى في حق المنافقين: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (٤) أي والله أعلم: إن الذي وقع منكم ليس

стр. 1077

بإيمان حتى تقولوا: نحن مؤمنون. وإنما هو إسلام؛ لأنه فعلٌ ظاهرٌ من غير تصديق بالقلب، فلا تقولوا: آمنا، بل قولوا: أسلمنا؛ لأنه هو الذي وقع منكم. فإن قلت: وهل وقع من المنافقين إسلام؟ قلت: وقع منهم الإسلام باللسان الذي هو غير معتبر شرعًا، ويجوز أن يقال: لم يقع منهم إسلام، ويُجْعل تصديق القلب ركنًا في الإسلام شَرْعًا لا شرطًا (١)، ولكن يَعْضُدُ الأول قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (٢). قوله: "وإنما جاز الاستثناء" جواب عن قولهم: لو غاير الإيمانُ الإسلامَ - لم يجز استثناء المسلم من المؤمن، وتوجيهه أن يقال: استثناؤه منه (٣) لا يدل على أنه هو، وإنما يدل على أنه يصدق عليه، كقول القائل: ملكت الحيوان إلا الفرس. فالحيوان غير الفرس؛ لأنه أعم، والأعم من حيث هو مغاير للأخص، ومع ذلك فقد اسْتُثني منه لصدق (٤) الحيوان. إذا عرفت هذا فالصدق حاصل في المؤمن مع المسلم؛ لأنَّ شرط صحة الإسلام

стр. 1078

الذي هو العمل الظاهر وجود الإيمان الذي هو التصديق، وهذا مسوغ لاستثناء المسلم من المؤمن؛ لأنه كلما صدق المسلم صدق المؤمن لكونه شرطه، ولا ينعكس (١)، بدليل مَنْ كان مؤمنًا تاركًا للأفعال الظاهرة، فصحة الاستثناء ثابتة (٢)؛ لصدق المؤمن على المسلم (٣)، ولا يلزم من كون المسلم مؤمنًا أن يكون الإسلام هو الإيمان، فإن الكاتب ضاحك، والكتابة غير الضحك، والنزاع إنما هو في الإسلام مع الإيمان، لا في المسلم مع المؤمن (٤). ولقائل أن يقول: الإيمان على هذا التقرير شَرْطُ صحةِ الإسلام والاعتداد به، لا شرط وجود الإسلام، فلا يلزم أن ينتفي الإسلام بانتفاء الإيمان، إلا أن يجعلوا الإيمان شرطًا في صدق الإسلام لا في صحته، أو ركنًا في الإسلام، وما دلَّلْتم على شيء منهما (٥). وقد نجز القول في

стр. 1079

المسألة. ولم يذكر المصنف مُتَمَسَّك القاضي أبي بكر، ومِنْ مُتَمَسَّكَاته: أن القرآن مشتمل على هذه الألفاظ، فلو كانت حقائق شرعية لكانت غير عربية؛ لفقدان وضعِ العرب إياها لهذه المعاني؛ فيلزم خروج القرآن عن كونه عربيًا بكليته، وقد قررتم بطلانَه. وجواب هذا يُعْلم مما سبق. ومنها: أنه (١) لو كانت حقائق شرعية لفَهَّمناها الشارعُ قبل تكليفنا بها، وإلا يلزم أن يكون كلفنا بما لا نفهمه، ولا آحاد تدل على وقوع ذلك (٢) فضلًا عن التواتر. وأجيب عن هذا: بأنه لا يلزم من تفهيم الشارع أن يُنْقَل بتواتر (أو آحاد) (٣)؛ لجواز حصولِ التفهيم بالقرائن. والله أعلم.

стр. 1080

وقد علمت بما (١) سبق أن الإيمان في الاصطلاح عبارة عن: تصديق الرسول ﵊ بكل ما جاء به. وهذا مذهب الشيخ أبي الحسن رضوان الله عليه (٢). وقال أكثر السلف وعليه بعض المعتزلة والخوارج: إنه تصديق بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان. وفيه مذاهب أخر كثيرة ليس هذا محلها (٣)، ورام السهيلي التفرقة (٤) بين الإيمان والتصديق من وجهين قررهما: أحدهما: أن التصديق لا بد وأن يكون في مقابلةِ خبرٍ صادقٍ، وقد

стр. 1081

يكون عن نظر وفكر، فإذا نظرت في الصَّنْعة وعرفت بها الصانع آمنت به، ولم تكن به مصدقًا بخبرٍ، إذ لا خبر هناك، فإذا جاء الخبر بما آمنت به وأقررت به صدَّقت الخبر. ونحن نقول في جواب هذا: إنّ الصنعة لما عَرَّفتنا الصانع كانت مُخْبِرةً بلسان الحال، فلم يكن التصديق إلا في مقابلة خبرٍ واقعٍ بلسان الحال. فإن قال (١): التصديق لا يكون إلا في مقابلة خبرٍ بلسان المقال. قلنا (٢): من أين لك هذا التقييد! الثاني: أن التصديق قد يكون بالقلب وأنت ساكت، تقول: سمعت الحديث فصدقته، والإيمان لا بد من اجتماع اللفظ مع العَقْد لغةً وشرعًا لِتَعَدِّيه بالباء (٣) ونحو ذلك. ونحن نجيب عن هذا: بأن اللفظ شرطٌ في صحة الإيمان لا ركن منه كما علمت فيما تقدم، ويدل عليه مع قوله تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (٤) إجماعُ الأمة على أن من عرف الله تعالى بقلبه وعجز عن التلفظ بالشهادتين كان مؤمنًا فائزًا، وبالله التوفيق (٥).

стр. 1082

قال: (فروعٌ: الأول: النقلُ خلافُ الأصل؛ إذ الأصلُ بقاء الأول؛ ولأنه يتوقف على الأول، ونَسْخِه، ووضعٍ ثان، فيكون مرجوحًا). هذه مسائل مفرعة على جواز النقل: الأول: أنه على خلاف الأصل، بمعنى: أنه إذا دار اللفظ بين احتمال النقل واحتمال عدمه - كان احتمال عدمه أرجح لوجهين: أحدهما: أنَّ الأصلَ في الوضعِ الأولِ المنقولِ عنه - البقاءُ (١)؛ إذ الأصل بقاءُ ما كان على ما كان. والثاني: أن النقلَ يتوقف على ثلاثة أشياء: الوضع الأصلي؛ ثم نَسْخُه، ثم وضعٌ ثانٍ. وعَدَمُ النقل لا يتوقف إلا على وضعٍ واحد، وما كان متوقفًا على أمورٍ كان مرجوحًا بالنسبة إلى المتوقِّف على أمرٍ واحد. قال: (الثاني: الأسماء الشرعية موجودة: المتواطئة كالحج، والمشتركة (٢) كالصلاة الصادقةِ على ذاتِ الأركان، وصلاة المصلوب، والجنازة. والمعتزلة سَمَّوْا أسماءَ الذوات دينيةً كالمؤمن والفاسق). هذا الفرع في أنَّ الشارع هل نَقَلَ الأسماء والأفعال والحروف، أم نقل البعض دون البعض؟

стр. 1083

فنقول: أما الأسماء فَقَد وُجِد النقل فيها، وقد قدمنا انقسامَها إلى متباينة، ومترادفة، ومتواطئة، ومشترَكة، ومُشَكِّكَة. فلْيُنظر في واحدٍ واحد (١). أما المتباينة: فقد وجدت كالصوم والصلاة، وأهمل في الكتاب ذكر هذا القسم لوضوحه. وأما المترادفة: وقد (٢) أهمل ذِكْرَها أيضًا، فقال الإمام: "الأظهر أنها لم توجد (٣)؛ لأنها ثبتت (٤) على خلاف الأصل، فتتقدر بقدر الحاجة" (٥) وتابعه صاحب "التحصيل" (٦)، وقال صفي الدين الهندي: "الأظهر أنها وجدت" (٧). وهذا هو الصحيح لِوُجْدان "الواجب" و"الفرض" وهما مترادفان عند الشافعي ﵁، والإمام يُوافق على ذلك، و"الإنكاح" و"التزويج" عند الشافعي أيضًا. وأما المتواطئة: فموجودة أيضًا، ومَثَّل لها المصنف بالحج، فإنه يطلق على الإفراد، والتمتع، والقران. وهذه الثلاثة مشتركة في الماهية: وهي الإحرام، والطواف، والوقوف، والسعي.

стр. 1084

وأما المُشتركة (١): فاختلفوا في وقوعها، وجزم المصنف بوقوعها. قال الإمام: "وهو الحق؛ لأن لفظَ الصلاة مستعمل في معاني شرعية لا يَجمعها جامع, لأن لفظها يتناول ما لا قراءة فيها: كصلاة الأخرس، وما لا (٢) سجود فيه ولا ركوع: كصلاة الجنازة، وما لا قيام فيه: كصلاة القاعد، والصلاة بالإيماء على مذهب الشافعي ﵁ (وهي التي عَبَّر عنها في الكتاب بصلاة المصلوب) (٣) فإنه لا شيء من ذلك فيها، وليس بين هذه الأشياء قدر مشترك" (٤). (هذا كلام الإمام) (٥). قال الهندي: "وهو ضعيف؛ لأن كون الفعل واقعًا بالتحرم والتحلل قدر مشترك بين تلك الصلوات، فلِمَ لا يجوز أن يكون مدلولَها (٦)! " قال: "والأقرب أنها متواطئة بالنسبة إلى الكل؛ إذ التواطؤ خير من

стр. 1085

الاشتراك" (١)، ثم ذكر الهندي أن الأشبه وقوع المُشْتَرَكة. ومَثَّل لها بإطلاق الطَّهُور على الماء، والتراب، وعلى ما يُدْبغ به. فإن (٢) ذلك ليس باشتراك معنوي؛ إذ ليس بينها معنى مشترك (٣) يصلح أن يكون مدلول اللفظ (٤). ولقائل أن يقول: لِمَ اكتفيت بالتحلل والتحرم في الصلاة قدرًا مشتركًا، ولم تكتف باشتراك الماء والتراب وآلة الدباغ في إزالة المانع قدرًا مشتركًا! وأما المشكِّكة: فالظاهر وقوعها أيضًا، وقد أهملها المصنف (٥) في الكتاب، وهي كالفاسق بالنسبة إلى مَنْ فعل الكبيرة الواحدة، ومَنْ فعل الكبائر العديدة، فإن تناوله للثاني بطريق أولى. قوله: "والمعتزلة" أي: أن المعتزلة لما أثبتوا الحقائق الشرعية قَسَّموها إلى: أسماء الأفعال، وأسماء الذوات المشتقة من تلك الأفعال. فالأول: كالصوم والصلاة. والثاني: كاسم الفاعل مثل: زيد مؤمن، واسم المفعول مثل (٦): زيد

стр. 1086

مقروء عليه، وأفعل التفضيل نحو: أفضل من عمرو. وسَمَّوْا (١) هذا القِسْمَ بـ "الدينية" تفرقة بينه وبين الأول، وإن اشترك الكلُّ عندهم في كونه شرعيًا. هكذا نقل الإمام (٢)، وتبعه صاحب الكتاب. وفيه نظر، فإن المنقول عن المعتزلة أن "الدينية": هي الأسماء المنقولة شرعًا إلى أصل الدين، كالإيمان والكفر. وأما "الشرعية" فكالصلاة والصوم (٣). كذا عَزَاه إليهم طائفة منهم القاضي (٤) وإمام الحرمين والغزالي (٥)، فقال إمام الحرمين: "قالت المعتزلة. (الألفاظ تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أحدها) (٦): الألفاظ الدينية: وهي الإيمان، والكفر، والفسق. فهي عندهم منقولةٌ إلى قضايا في الدين. فالإيمان في اللسان: التصديق. والكفر: من الكَفْر وهو السَّتْر. والفسق: الخروج. وهذا الذي ذكروه على قواعدهم في أن مرتكب الكبيرة ليس مؤمنًا دينًا، وليس كافرًا أيضًا، وإنما هو فاسق. والقسم الثاني: الألفاظ اللغوية: وهي القارَّةُ على قوانين اللسان.

стр. 1087

والقسم الثالث: الألفاظ الشرعية: وهي الصلاة، والصوم، وأخواتها فهي مستعملة في فروع الشرع" (١). هذا لفظه في "البرهان" وهو الذي ذكره في كتاب "التلخيص" (٢) الذي اختصره من "التقريب والإرشاد" للقاضي، وكذلك (٣) أورده الغزالي، وهذا هو التحقيق في نَقْل مذهب القوم. قال: ((والحرف لم يُوجد) (٤)، والفعل وُجد (٥) بالتبع). تقدم الكلام في الاسم، وأما الحرف فلم يوجد. واستدل عليه الإمام بالاستقراء. وأما الفعل فلم يوجد بطريق الأصالة للاستقراء، ووجد بطريق التبعية؛ لأن الفعل صيغة تدل على صدور المصدر من الفاعل، فالمصدر إنْ كان شرعيًا كالصلاة (٦) كان الفعل أيضًا كذلك كصَلَّى. وإنْ كان لغويًا كان مثلَه (٧). فيكون (٨) الفعلُ شرعيًا أمْرٌ حصل بالعَرَض لا بالأصالة.

стр. 1088

وكلام المصنف مُصَرِّح بأن الحرف لم يوجد لا بطريق الأصالة ولا بطريق التبعية، والحق مساواته للفعلِ، فإنَّ نَقْلَ مُتعلَّقِ معانيَ الحروفِ من المعاني اللغوية إلى المعاني الشرعية مستلزِمٌ لنقلها أيضًا، فلا فرق في ذلك بين الفعل والحرف كما في أنواع المجاز. فائدة: قد تقرر أن الألفاظ المستعملة من الشارع: إما الأسماء وهي على قسمين: منها ما وضعه بإزاء الماهيات الجَعْلية (١)، وذلك معروف كالصلاة وأمثالها. ومنها الأسماء المتصلة بالأفعال، وسنذكرها إن شاء الله مع الفعل. وإما الفعل والحرف: فقد علمت أن التحقيق فيهما أنهما مستويان (٢). والفعل ينقسم إلى: ماضٍ، وأمرٍ، ومضارع. والأسماء المتصلة بالأفعال (٣) ثمانية: المصدر (٤)، واسم الفاعل، واسم المفعولِ، والصفة المشبهة، وأفعل التفضيل، واسم الزمان، واسم المكان،

стр. 1089

واسم الآلة. أما الفعل المضارع فلم يُستعمل في الشرعية في شيء أصلًا إلا لفظة "أشهد" في الشهادة، فإنها تعيَّنت ولم يقم غيرها مقامَها، وكذا في اللعان سواء قلنا: إنه يمين، أو شهادة، أو فيه شائبتان (١). ويجوز في اليمين (٢) في: أقسم بالله، وأشهد، ولا يتعين (٣). ولا مدخل له (٤) في الإنشاءات. وأما الفعل الماضي: فيُعْمل به (٥) في الإنشاءات خلا الشهادة واللعان، فمن الإنشاءات التي يُعمل به فيها العقود كلها، والطلاق. وأما فعل الأمر: فهو مسألة الإيجاب والاستيجاب (٦) في العقود

стр. 1090

والطلاق وفي الوكالة، لو أتى بصيغة أمر نحو: بع واشتر. قال بعض الأصحاب: هنا (١) لا يشترط القبول، بخلاف ما إذا أتى بصيغة عقد (٢) نحو: وكّلتك. والصحيح لا فرق، (وفِعْلُ الأمر يُعْمل به في كل موضع يُعمل فيه بالماضي) (٣) على الصحيح. وأما اسم الفاعل: ففي الطلاق في قوله: أنتِ طالق. ويُعمل به في الضمان. وأما اسم (٤) المفعول: فيستعمل في الطلاق، والعتق، والوكالة. ويقرب من هذا: أنتِ حرام. وأنتَ حر. وأنتِ عليَّ كظهر أمي (٥). وأما المصدر: فقد استعمل في الطلاق (في قوله: أنتِ الطلاق) (٦). وهل هو صريح أو كناية؟ فيه خلاف، ولا يبعد جريان مثل ذلك في العتق. والنظر في هذا الفصل طويل، ولعلنا نستوعبه في كتابنا
следующие страницы →