← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

وقد ذكر النحاة (١) مَنْ شواهده قولَ الشاعر: أيا مَنْ لستُ أقْلاهُ (٢) ... ولا في البُعْدِ أنْساهُ لك اللهُ على ذاكَ ... لك اللهُ لك اللهُ هذا شرح ما ذكره (٣) المصنف في اللفظي. وقد قال النحويون: إن إعادةَ اللفظِ بعينه على ضربين: الأول: أن يكون ذلك في الجمل: وهو إما مقرون بعاطفٍ كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ (٥). وإما مُجَرَّدٌ منه كالبيت الذي ذكرناه. والضرب الثاني: أن يكون في المفردات: وهو إما أن يكون اسمًا كقولك: قام زيد زيد. وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ (٦).

стр. 982

أو فعلًا، والأكثر أن يكون مع المؤكِّد فاعلُ الأول (١)، أو ضميرُه، نحو: قام زيد قام زيد (٢). (أو قام زيد قام) (٣) (٤). وقد يكون فاعل المؤكِّد والمؤكَّد ضميرين، كقولك: صِلْ صِلِ الصديقَ. وقد يُسْتغنى بفاعل أحدهما، وقد اجتمع الأمران (٥) في قول الشاعر: (فأينَ إلى أينَ النجاةُ ببغلتي ... أتاكِ أتاكِ اللاحقون احْبِسِ احْبِسِ (٦) أو حرفًا، كقول الشاعر) (٧): فلا واللهِ لا يُلْفَى لِمَا بِي ... ولا لِلِمَا (٨) بِهِمْ أبدًا دَوَاءُ (٩)

стр. 983

الثاني (١): التأكيد المعنوي: وهو بغير ذلك اللفظ الأول، وذلك قسمان: أحدهما: أن يكون مؤكِّدًا للمفرد: فإما أن يكون مؤكِّدًا للواحد مثل: جاء زيد نفسه، ومحمد عينه. أو للمثنى مثل: جاء الزيدان كلاهما، أو المرأتان كلتاهما. أو للجمع مثل: جاء القوم كلهم، أو أجمعون. قال الله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ (٢)، ومن ذلك أخوات أجمعين: كأكتعين، وأبْصَعين، وأبْتَعين (٣).

стр. 984

والثاني: أن يكون مؤكِّدًا للجملة: كإنَّ، نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ (١)، ولام الابتداء، والجملة القَسَمية (٢). قال: (وجوازه ضروري ووقوعه في اللغات معلوم). أنكر بعض الملاحدة التوكيد والخلاف معه: إما في الجواز وهو ضروري، أو في الوقوع. ومَن استقرأ لغةَ العرب وجدها مشحونة به, وله فوائد تُعْرف مِنْ تتبع خواصِّ تراكيب الكلام، وأدناها بُعْدُ احتمال المجاز أو نفيُه، فإنك إذا قلت: قام زيدٌ - احتمل أن تريدَ غلامَه مجازًا، فإذا قلت: نَفْسُه - فإن لم يقتض ذلك انتفاءَ احتمال المجاز فلا أقلَّ من اقتضائه صيرورة (٣) هذا الاحتمال (٤) مرجوحًا ضعيفًا؛ ولذلك نقول: زيد قائم لمن يكتفي بهذا الخبر. فإذا أردت أن تُقَرِّر عنده ذلك لم تجد بُدًّا من التأكيد بإنَّ، فتقول: إن زيدًا قائم. فإذا توهمت منه نكيرًا لم تَلْفَ غِنىً عن زيادة اللام فتقول: إن زيدًا لقائمٌ. ولذلك قال بعض أصحابنا: إذا قال: استأجرتك لكذا، أو لتفعل (٥) كذا - لم يكن الحاصل به إجارةُ عينٍ بل ذمة، وإن اقتضى ذلك الإضافةَ إلى المخاطَب (٦)، وأنه لا

стр. 985

يحصل إجارة العين إلا إذا قال: استأجرت عينك، أو نفسك، أو لتعمل بنفسك كذا (١). فائدتان: إحداهما: عن شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام ﵁ أنه (٢) قال: "اتفق الأدباء على أن التأكيد في لسان العرب إذا وقع بالتكرار لا يزيد على ثلاث مرات". قال: "وأما قوله تعالى في سورة المرسلات: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (٣)، (في جميع السورة - فذلك ليس تأكيدًا، بل كل آية قِيل فيها: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ في هذه السورة) (٤) فالمراد المكذبون بما تقدم ذِكْرُه قُبَيْل هذا القول (٥)، ثم يَذْكُر اللهُ تعالى معنى آخر، ويقول: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أي: بهذا، فلا يجتمعان على معنى واحد، فلا تأكيد (٦). وكذلك ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (٧) في سورة

стр. 986

الرحمن" (١). الثانية: سأل (٢) بعض الفضلاء فيما إذا قال الزوج: أنت طالق، أنت طالق. وقصد بالثانية التأكيد - فإنه لا يقع إلا واحدةٌ والحالة هذه؟ فقال: الجملة الثانية لا جائز أن تكون خبرية؛ لأن الجملة الخبرية غير الإنشائية، وشَرْط التأكيد أن يكون مِنْ جنس الأول (٣). ولا أن تكون إنشائية وإلا وقع طلقتان (٤). ويمكن أن يجاب باختيار أنها إنشائية ولا يلزم ما ذكر (٥)؛ فإنها إنشاءٌ للتأكيد، ولا يقع بإنشاء التأكيد شيءٌ، وليست بإنشاء الإيقاع، فاشتركت مع الأولى في أصل الإنشاء، وافترقتا (٦) فيما أنشأتاه (٧) (٨).

стр. 987

الفصل الخامس: الاشتراك

стр. 988

قال: (الفصل الخامس: في الاشتراك) . المشترك: هو اللفظ الواحد الدال على معنيين مختَلِفَيْن أو أكثر دلالةً على السواء عند أهل تلك اللغة. (سواء أكانت (١) الدلالتان مستفادتين من الوضع الأول، أو من كثرة الاستعمال) (٢)، أو كانت إحداهما مستفادة من الوضع و (٣) الأخرى من كثرة الاستعمال. وفي (٤) قولنا: "الواحد" احتراز عن الأسماء المتباينة، والمترادفة (٥). وقولنا: "على معنيين مختلفين" احتراز عن الأسماء المفردة، وعن اللفظ المتواطئ، فإنه يتناول الماهية وهي معنى واحد وإن اختلفت محالُّها. وقولنا: "عند أهل تلك اللغة" إلى آخره - إشارة إلى أن المشترك قد يكون بين (٦) حقيقتين لغويتين، أو عرفيتين، أو عرفية ولغوية. والمصنف قدّم حَدّ الاشتراك في تقسيم الألفاظ فلم يحتج إلى إعادته

стр. 989

هنا (١) (٢). قال (وفيه مسائل: الأولى: في إثباته . أوجبه قومٌ لوجهين: أحدهما: أن المعاني غير متناهية (٣)، والألفاظ متناهية (٤)، فإذا وُزِّع (٥) لزم الاشتراك. ورُدَّ بَعْدَ تسليم المقدمتين: بأن المقصود بالوضع مُتَنَاهٍ. والثاني: أن الوجود يطلق على الواجب والممكن، ووجود الشيء عينُه. ورُدَّ: بأن الوجود زائد مُشْتَرك (٦)، وإن سُلِّم فوقوعه (٧) لا يقتضي وجوبَه (٨). وأحاله (٩) آخرون؛ لأنه لا يُفْهم الغَرَض فيكون مَفْسَدةً. ونوقض

стр. 990

بأسماء الأجناس). اختلف الناس في اللفظ المشترك هل هو واجبٌ أم لا؟ وبتقدير أن لا يكون واجبًا فهل هو ممتنع أو (١) ممكن؟ وبتقدير إمكانه فهل هو واقع؟ فهذه احتمالات أربعة بِحَسْب الانقسام العقلي، وقد صار إلى كل منها صائر. واحتج من قال بالوجوب بشيئين: أحدهما: أن المعاني غيرُ متناهية، وهذا واضح، فإن منها الأعداد وهي لا تصل إلى نهاية، والألفاظ متناهية؛ لأنها مركبة من الحروف المتناهية، والمركب من المتناهي متناه. وحينئذ فإذا وزَّعنا الألفاظ على المعاني فلا بد وأن تستوعبَها، وإلا يلزم خُلُوُّ بعضِ المعاني المقصودة عن الألفاظ، ومتى كانت مستوعبة لها لَزِم الاشتراك؛ لأنه لا بد حينئذ من لفظٍ واحدٍ بإزاء معانٍ كثيرة وهو الاشتراك. وأجاب المصنف أولًا: بمنع المقدمتين، أي: لا نسلم أن المعاني غير متناهية، ولا أنَّ الألفاظ متناهية. وسند المنع الأول: أن حصول ما لا نهاية له في الوجود محال (٢). وأما قوله: "الأعداد غير متناهية" فمسلَّم لكن بمعنى: أنه لا مَرْتَبة من مراتبه إلا ويمكن أن يوجد بعدها مَرْتبةٌ أخرى، مع أن المراتب الداخلة في الوجود منه

стр. 991

أبدًا تكون متناهية (١)، لا بمعنى أن الحاصل منه في الوجود غير متناه (٢). ولا يلزم من كون الأعداد غير متناهية بالمعنى الذي تقدم ذِكْرُه أن تكون المعاني الموجودة غير متناهية. وأيضًا فأصولها متناهية وهي: الآحاد، والعشرات، والمئون، والألوف (٣)، والوضع للمفردات لا للمركبات (٤) (٥). وسند المنع الثاني: وهو قولهم: "الألفاظ متناهية، والمركب من المتناهي متناه" - أن كونها مركبة من الحروف المتناهية لا يقتضي أن تكون متناهية، كما أن أسماء الأعداد غير متناهية، وأصولها متناهية. وأجاب ثانيًا: بأن المقصود بالوضع متناه، أي: ولئن سلمنا صحة المقدمتين فلا يلزم ما ذكرتم؛ لأن المعاني التي يَقْصِدُها الواضع بالتسمية متناهيةٌ، إذ الوضع للمعاني فرع تصورها، وتصور ما لا يتناهى محال. ويمكن أن يُقَرَّر على وجه آخر فيقال: إنما يلزم الاشتراك أن لو حصل استيعابُ جميع المعاني بالوضع، ونحن نقول: الوضع إنما هو لما تشتد الحاجة

стр. 992

إليه وهو متناه، وليس الوضع لكل معنى، بل جاز خلو بَعْضِ المعاني عن الوضع، ألا ترى أنَّا لا (١) نجد لكثير من المعاني، كأنواع الروائح أسماءً مستقلةً: لا مشتركة، ولا مفردة، بعد الاستقراء والبحث التام. الثاني: أن الوجود يطلق على وجود الواجب ، ووجود الممكن، بطريق الحقيقة فيهما. ووجودُ كل شيءٍ عينُ ماهيته، كما تقرر في علم الكلام وهو مذهب أبي الحسن (٢)، ولا ريب في مخالفة حقيقة الواجب لحقيقة الممكن، فيكون إطلاق الوجود (٣) عليهما بطريق الاشتراك. وأجاب أولًا: بأنا لا نسلم أن وجود كل شيء عينُ ماهيته، بل هو زائد عليها، وذلك الزائد معنى واحد يشترك فيه (٤) الواجب والممكن، فيكون متواطئًا لا مشتركًا (٥). وهذا المنع منه مَبْنِيٌّ على اختياره وقد نقله في كتابه "الطوالع" عن الجمهور، والحق مذهب الشيخ وليس هذا موضع تقريره.

стр. 993

وأجاب ثانيًا: بأنا سلمنا أن وجود كلِّ شيء عينُ ماهيته، ولا يلزم مطلُوبكم؛ إذ لا يقتضي ذلك غيرَ وقوعِ الاشتراك، ووقوعه لا يقتضي وجوبَه، وأنتم ادعيتم وجوبه (١). قوله: "وأحاله آخرون" إلى آخره. احتج مَنْ أحاله وهم فرقة قليلون، ومنهم: ثعلب، وأبو زيد البلخي (٢)، والأبهري (٣)، على ما حكاه ابن العارض المعتزلي في كتابه

стр. 994

"النكت": بأن وقوعه يقتضي المفسدة؛ لأن المقصود من الألفاظ ووضْعِها إنما هو التفاهم، حالة التخاطب، والمشترك لو وقع وسَمِعَه السامعُ لم يحصل له الفهم؛ لأن المشترك متساوي الدلالة بالنسبة إلى معانيه، فلو فُهِم منه المعنى الذي هو غرض المتكلم دون غيره - لزِم ترجيح أحد المتساويين على الآخر من غير مرجِّح، ولو فُهِم غيرُه لأدَّى إلى وقوع المفسدة بفعلِ ما لم يُطْلب منه، وربما كان ممنوعًا منه. وأجاب: بالنقض بأسماء الأجناس، وتقريره: أنه إنْ أردتم أنه لا يُفْهِم الغرض على جهة التفصيل فمسلَّم، لكن هذا لا يوجب عدم وضع المشترك؛ فإن أسماء الأجناس أيضًا لا تُفْهِم الغرضَ على وجه التفصيل مع كونها موضوعة. وإنْ أردتم أنه لا يُفْهِم الغرضَ أصلًا فممنوع؛ فإن المشترك يفيد فهمَ الغرضِ على سبيل الإجمال، وذلك مطلوب ليستعد السامع للامتثال قبل البيان. فإن قلت: اسمُ الجنس (موضوعٌ للقدر المشترك وهو مفهومٌ من اللفظ، بخلاف المشترك إذ المقصود منه فرد معيَّن وهو غير معلوم من اللفظ) (١). قلت: اسم الجنس، وإنْ دل على القدر المشترك، إلا أنه لا دلالة له على خصوصية الافراد، فساوى المشترك في عدم الدلالة التفصيلية.

стр. 995

قال: (والمختار إمكانه؛ لجواز أن يقع (١) مِنْ واضعين، أو واحدٍ لغرض الإبهام حيث يُجْعل التصريح سببًا لمفسدة). المذهب الثالث: وهو ما اختاره الأكثرون منهم المصنف، أنه ممكن الوقوع؛ لجواز أن يقع إما مِنْ واضعَيْن بأن وضع (٢) أحدهما لفظًا لمعنى، ثم وضعه الآخر لمعنى آخر، ثم اشْتَهر ذلك اللفظ ما بين الطائفتين في إفادته المعنيين. ولا يخفى عليك أن هذا إنما يجيء إذا قلنا: اللغات غير توقيفية. وإما مِنْ واضعٍ واحد (٣) (٤) لغرض الإبهام على السامع حيث يكون التصريح سببًا للمفسدة، كما روي عن أبي بكر الصديق ﵁ وقد سأله رجل عن النبي ﷺ وقت ذهابهما إلى الغار: مَنْ هذا؟ قال: هذا رجل (٥) يهديني السبيل (٦).

стр. 996

قال: (ووقوعه للتردد في المراد من القرء ونحوه، ووقع في القرآن مثل: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (١)، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ (٢)). قوله: "ووقوعه" عطف على قوله: "والمختار إمكانه". وهذا هو المذهب الرابع: أنه واقع، والخلاف فيه مع مَنْ سَلَّم إمكان المشترك وَمَنَع وقوعه. لنا: أنا نتردد في الراد من "القرء" ونحوه عند السماع بغلار قرينة بين الطهر والحيض على السواء، فلو كان حقيقة في أحدهما فقط، أو في القدر المشترك لما كان ذلك. وما يقال: لعل التردد حَصَل بسبب عُرْفٍ طارئٍ؛ لكثرة الاستعمال في المجاز - فهو وإنْ كان مُحْتَمَلًا لكنه على خلاف الأصل، إذِ الأصل عدم التغيير، ولأن التردد حاصلٌ في مفهوماتِ ألفاظٍ قَلَّ ما يستعملها أهلُ العرف كما في: عسعس الليل (٣)، فإنا لا نفهم منه الإقبال والإدبار على التعيين إلا بقرينة، ولا يجوز إحالته إلى استعمال أهل العرف. ثم إذا ثبت وقوعه فهل وقع في القرآن؟ منهم مَنْ منع، والمختار خلافُه بدليل قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ

стр. 997

قُرُوءٍ﴾ (١) عند مَنْ يجعل القرء مشتركًا بينهما، كما هو مقتضى اللغة وهو الصحيح. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ أي: أقبل وأدبر. وإنما أتى المصنف بهَذين المثالين لأن الأول من الأسماء، والثاني من الأفعال؛ وديان أحدهما مفردٌ والآخر جمع، ليُفْهَم بذلك وقوع النوعين في القرآن، وأنه مشحون بالمشترك على اختلاف أنواعه. واحتج مَنْ منع وقوعه في القرآن: بأنه (٢) إنْ وَقَع مبيَّنًا بذكر قرينة كان تطويلًا من غير فائدة؛ إذ يمكن التعبير عن المراد بلفظ مفردٍ وُضِع له فقط. وإنْ وقع غيرَ مبيَّن كان غيرَ مفيد، وذلك عيب. والجواب: أنا نقول: لا يذكر معه قرينة، ولا نُسَلِّم أن غيرَ المبيَّن غير مفيد (٣) مطلقًا، بل هو مفيد لفهْمِ المعنى على سبيل الإجمال، والفهم الاجمالي أيضًا مقصودٌ في فهم الألفاظ؛ لاشتماله على فوائد: منها استعداد المكلَّف للبيان وغيرِ ذلك. وأيضًا فإنه كأسماء الأجناس. واعلم أن المانع من وقوعه في كلام الله تعالى هو المانع مِنْ وقوعه في كلام الرسول ﷺ ، وعلَّتُه المذكورة شاملة لذلك (٤)، وإنما لم يذكر المصنف أن الخصمَ مانعٌ في المكانَيْن بل اكتفى بذِكْر أحدهما لأنه لا قائل بالفصل (٥)

стр. 998

كما صرح به صفي الدين الهندي (١) وغيره (٢). قال: (الثانية: إنه خلاف (٣) الأصل وإلا لم يُفْهم ما لم يُسْتَفْسَر ؛ ولامتنع الاستدلال بالنصوص؛ ولأنه أقلُّ بالاستقراء؛ ويتضمن مفسدةَ السامعِ؛ لأنه ربما (٤) لم يَفْهم، وهاب استفساره أو استنكف، أو فهم غيرَ مراده وحكى لغيره، فيؤدي إلى جهل عظيم. واللافظِ (٥)؛ لأنه قد (٦) يُحوجه إلى الإفراد (٧) أيضًا (٨)، ويؤدي (٩) إلى الإضرار، أو (١٠) يعتمد فهمَه، فيضيع غرضُه فيكون مرجوحًا).

стр. 999

هذه المسألة في تبيين أن الاشتراك على خلاف الأصل (١)، والمعنى به أن اللفظ إذا دار بين أن يكون مُشْتَركًا أوْ لا يكون كذلك - كان ظنُّ عدمِ الاشتراكِ أغلبَ، ويدل عليه وجوه: أحدها: أنه لو كان احتمال الاشتراك مساويًا لاحتمال الانفراد (٢) - لما حصل التفاهم بين أرباب اللسان حال التخاطب في أغلب الأحوال مِنْ غير استفسار واستكشاف عما أراده المتكلم. وقد علمنا حصول ذلك؛ فإن الفهم يحصل. بمجرد إطلاق اللفظ، فكان الغالب على الظن حصولُ الانفراد. الثاني: لو تساوى الاحتمالان لامتنع الاستدلال بالنصوص على إفادة الظن فضلًا عن اليقين؛ لاحتمال أن تَكون الألفاظ مشتركة بين ما ظهر لنا وبين غيره، وعلى هذا التقدير يحتمل أن يكون المراد غير ما ظهر لنا، فلا يبقى التمسك بالأخبار والآثار مفيدًا ظنًا فضلًا عن يقين. الثالث: أنَّ الاستقراء دلَّ على أن الألفاظ في الأكثر مفردةٌ لا مشتركةٌ، والكثرةُ تفيد ظَنَّ الرجحان. الرابع: أن المشترك يتضمن مفسدةَ السامعِ واللافظ، ومتضمن (المفسدة على خلاف الأصل؛ لأن الأصل عدمها. والدليل على أنه يتضمن) (٣) مفسدةَ السامع: أنه ربما لم يَفْهَمِ المقصودَ

стр. 1000

وهابَ استفسار اللافظ، لكون اللافظِ مَهيبًا، أو استنكف أي: تعاظم السامعُ عن استفساره، وحينئذ فربما يفهم من اللفظ غير مراد اللافظ ويَحْكي لغيرِه، ويحكي ذلك الغير لآخر وهكذا؛ فيؤدي إلى وقوع جمعٍ كثيرٍ في الغلط وذلك جهل عظيم. والدليل على أنه يتضمن مفسدة اللافظ: أنه قد يحتاج في تفسير اللفظ المشترك إلى اللفظ المنفرد فيكون المشترك ضائعًا. وأيضًا فإنه يؤدي إلى إضراره إذ يصير دائمًا مفتقرًا إلى التفسير. وأيضًا فربما ظَنَّ اللافظُ أنَّ السامع فهمَ المعنى الذي أراده، فيعتمد على ذلك فيضيع غرضه، أي: غرض اللافظ. قوله: "فيكون مرجوحًا" (أي: إذا ثبت هذا كله كان المشترك مرجوحًا) (١) أي: على خلاف الأصل (٢). قال: (الثالثة: مفهوما المشترك إما أن يتباينا كالقرء للطهر والحيض ، أو يتواصلا فيكون أحدهما (جزءًا للآخر) (٣) كالممكن (٤) للعام والخاص، أَوْ لازِمَه (٥) كالشمس للكوكب وضوئِه).

стр. 1001

المشترك لا بد له مِنْ مفهومين فصاعدًا: فمفهوماه إما أن يتباينا، أو يتواصلا. القسم الأول: أن يتباينا، أي: لا يمكن اجتماعهما في الصدق على شيء واحد كالحيض والطهر، فإنهما مدلولا القرء ولا يجوز اجتماعهما لواحدٍ في زمنٍ واحد. والثاني: أن يتواصلا فإما أن يكون أحد المعنيين جزءًا للآخرِ أو لازمًا له، والأول كالإمكان العام مع الإمكان الخاص، فإن لفظ الإمكان (١) موضوع لهما، والإمكان العام جزء للإمكان الخاص؛ لأن الإمكان العام: سلب الضرورة (٢) المطلقة عن الطرف المخالف للحكم. والإمكان الخاص: سلب الضرورة المطلقة عن الطرفين الموافق للحكم والمخالف له. فإذا قلنا: كل ج ب بالإمكان العام - يكون معناه: أن سلب المحمول الذي هو، "كل ج" عن الموضوع الذي هو "ب" (٣) غير ضروري. وإذا قلنا: كل ج ب بالإمكان الخاص (فمعناه أن ثبوت المحمول

стр. 1002

للموضوع وسلبه عنه غير ضروري (١). وإذا عرفت ذلك علمت أن الإمكان العام جزء من الإمكان الخاص) (٢) بالضرورة؛ لأن سلب الضرورة من أحد الطرفين جزء من سلب الضرورة عن الطرَفين جميعًا. والثاني: أن يكون لازمًا له، ومَثَّل له في الكتاب بلفظ: الشمس، فإنه موضوع لجِرْم الكوكب ولضوئه، وضوء الكوكب لازم لجرمه (٣). ومن أمثلته أيضًا: الكلام، فإنه عند المحققين مشترك بين النفساني واللساني، مع أن اللساني دليل على النفساني (٤)، والدليل يستلزم المدلول،

стр. 1003

فيصدق أنه مشترك بين الشيء ولازمه (١) (٢). قال: (الرابعة: جَوَّز الشافعي ﵀، والقاضيان، وأبو علي - إعمالَ المشترك في جميع مفهوماته الغير المتضادة . ومنعه أبو هاشم، والكرخي، والبصري، والإمام). اختلف أهل العلم في صحة إطلاق اللفظة الواحدة، من متكلم واحد، في وقت واحد، إذا كانت مُشْتَرَكة (٣) بين معنيين على المعنيين معًا: فذهب الشافعي (٤) ﵁، والقاضيان أبو بكر الباقلاني، وعبد الجبار بن أحمد (٥)، وأبو علي الجبائي - إلى صحة ذلك بطريق الحقيقة، بشرط أن لا يمتنع الجمع لأمرٍ خارج كما في الضدين، والنقيضين (٦). وإلى هذا أشار

стр. 1004

المصنف بقوله: "الغير المتضادة" أي: أنه ليس محل الخلاف في المتضادة. وإدخال الألف واللام على "غير" ليس بشائع (١) (٢). ولم يتعرض المصنف للنقيضين (٣)؛ لأن الإمام زعم أنه لا يجوز أن يكون اللفظ مشتركًا بين الشيء ونقيضه (٤). (والحق جوازه) (٥)، وقد مُثِّل لذلك بلفظة "إلى" على رأي مَنْ زعم (٦) أنها مشتركة بين إدخال الغاية وعدمه. وما استدل به المانع من أنَّ اللفظ المشترك لا يفيد إلا التردد بين مفهومَيْه، والتردد حاصل قبل وضع اللفظ له وسماعه، فيكون وضع اللفظ لهما عبثًا (٧) - ضعيف؛ لأنا نمنع حَصْر الفائدة فيما ذكره من التردد، وهذا

стр. 1005

لأنه كما يفيد التردد بين مفهوميه، يفيد أيضًا إخراج ما عداهما عن أن يكون مرادَ المتكلم، ألا ترى أن قوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (١) كما يفيد التردد بين دخول المرفق وعدمه على تقدير أن يكون مشتركًا بينهما يفيد أيضًا إخراج العضد عن الأمر بالغَسْل، فدعوى أن الوضع لهما (٢) عبث عَرِيةٌ عن التحقيق. ولو سلمنا انحصار الفائدة فيما ذكره لكن يحصل بعد الوضع من الفائدة ما لا يحصل قبله، وهو تَعَيُّن أحدِهما بأدنى قرينةٍ حاليةٍ أو مقالية، بخلاف ما قَبْل الوضع فإنه لا يزول التردد بذلك (٣). سلمنا صحة الدليل (٤) لكن إنْ كان الواضع الله تعالى فلا يُعَلَّل (٥)، ولعل فيه فائدة لم نَطَّلِع (٦) على غامض سرها. وإنْ كان العِبَادَ فالدليل إنما ينفي ما يكون مشتركًا بينهما بوضعِ قبيلةٍ واحدة، لا ما يحصل بوضع

стр. 1006

قبيلتين (١). وأما المتضادة فَمَثَّل بعضهم لها "بالقرء" وهو فاسد؛ لأن الشارع إذا قال: اعْتَدِّي بقرء لم يمتنع أن تعتد بالطهر والحيضة، وإنْ كانا ضدين في نفسهما. والمثال الصحيح لذلك صيغة: افعل، عند مَنْ يجعلها حقيقةً في الطلب، وفي التهديد، فإنها مشتركة إذَنْ بين معنيين متضادين لا يمكن الجمع بينهما، ولا الحمل عليهما. وقد يُمَثَّل له بما إذا قال: اعتدي بقرء في خمسة عشر يومًا (٢). هذا أحد المذاهب في المسألة، أعني: أنه (٣) يجوز استعمال اللفظ المشترك في معنييه، بشرط أن لا يكونا ضدين ولا نقيضين. وهو المختار عند المصنف. وذهب أبو هاشم، والكرخي، وأبو الحسين البصري، والإمام فخر الدين، وغيرهم إلى امتناع ذلك (٤).

стр. 1007

ثم اختلف المانعون في سبب المنع، فمِنْ قائلٍ: سبب المنع أمر يرجع إلى القصد، أي: لا يصح أن يُقصد باللفظ المشترك جميع مفهوماته من حيث اللغة لا حقيقة ولا مجازًا، ولكنه يمكن أن يُقْصَد باللفظ الدلالة على المعنيين جميعًا بالمرة الواحدة، ويكون قد خالف الوضع اللغوي وابتدأ بوضع جديد، ولكل أحدٍ أنْ يُطلِق لفظًا ويريدَ به ما شاء (١). وهذا ما ذهب إليه الغزالي (٢)، وأبو الحسين البصري (٣). ومِنْ قائلٍ سببه (٤) الوضع الحقيقي [واختاره الإمام] (٥) أي: أن

стр. 1008

الواضع لم يضع اللفظ المشترك على الجميع (١) بل على البدل، فلا يصح إطلاقه بطريق الحقيقة على الجميع، ولكن يجوز أن يُرَاد به جميع محامله على جهة المجاز إذا اتصل بقرينة مشعرةٍ بذلك، وهذا ما اختاره ابنُ الحاجب (٢).

стр. 1009

وقال إمام الحرمَيْن ما نصه: "الذي أراه في اللفظ المشترك إذا ورد مطلقًا لم يُحْمل في مُوجِب الإطلاق على المحامل، فإنه صالح لإفادة آحاد المعاني على البدل، ولم يُوضَع وَضْعًا مُشْعِرًا بالاحتواء عليها، وادعاء إشعاره بالجميع بعيد عن التحصيل، وهذا القول يجري في الحقائق وجِهات المجاز (١). فإن قيل: أيجوز أن يراد به جميع محامله؟ قلنا: (لا يمتنع) (٢) ذلك مع قرينة متصلة مشعرة بذلك، مثل: أن يذكر الذاكر محامل "العَيْن" فيذكر بعضُ الحاضرين لفظ "العين" ويتبيَّن مِنْ حاله أنه يريد تطبيقه (على ما جرى) (٣) ". انتهى (٤). وهو مُحْتَمِل لكل من المقالتين (٥) المتقدمتين، وسياقه إلى اختيار الغزالي وأبي الحسين أقرب (٦) (٧).

стр. 1010

ومنهم: مَنْ منع من ذلك مطلقًا، وقال: لا يجوز أن يُرَاد باللفظ المشترك أكثر من معنى واحد في حالة واحدة، لا لغة ولا وضعًا جديدًا. ثم عند المجوِّزين لا فرق بين المفرد والمجموع، والمُثبَت والمنفي. ومنهم من فرَّق، وسيأتي في كلام المصنف في آخر المسألة إن شاء الله تعالى. وهنا كلامان نَذْكُرهما قبل الخوض في الحِجاج: أحدهما: أن هذا الخلاف في استعمال اللفظ المشترك في معنييه جارٍ في استعماله في مجازَيْه مثل أن يقول: والله لا أشتري. ويريد السوم، وشراء الوكيل (١)، كما صرح به الإمام أبو المظفر بن السمعاني (٢) في "القواطع" (٣) وغيرُه. وفي حقيقته ومجازه مثل: أن يُطْلِق النكاح ويريد به العقد والوطء جميعًا، وقد جرى الشافعي ﵁ على منوالٍ واحدٍ فجوَّز

стр. 1011

استعمال اللفظ في حقيقتيه، وفي حقيقته ومجازه، وحَمْله (١) عند الإطلاق عليهما، وأخرج ابن الرفعة نصه على ذلك من "الأم" عند الكلام، فيما إذا عُقِد لرجلين على امرأة ولم يُعْلم السابق منهما، ذَكر ذلك في باب الوصية من "المَطْلب" (٢). وأما القاضي ﵀ فَعَظُم نكيره على مَنْ يرى الحمل على الحقيقة والمجاز جميعًا، وقال في تحقيق إنكاره: "اللفظة إنما تكون حقيقة إذا انطبقت على ما وضعت له في أصل (٣) اللسان، وإنما تصير مَجَازًا إذا تُجُوِّز بها عَنْ مقتضى الوضع، وتَخَيُّلُ (٤) الجمع بين الحقيقة والمجاز محاولة (٥) الجمع بين النقيضين" (٦)، وهذا من القاضي تصريح بأنه لا يجوز أن يراد باللفظ الواحد حقيقته ومجازه معًا؛ لما يلزم منه من الجمع بين النقيضين (٧).

стр. 1012

الثاني: أن محل الخلاف في استعمال اللفظ في كل معانيه إنما هو في الكلي العددي، أي: في كل فردٍ فردٍ، وذلك بأن يَجْعَله يدل على كلٍ منهما على حدتِه بالمطابقة في الحالة التي يدل على المعنى الآخر بها، وليس المراد الكلي المجموعي أي: يَجْعَل مجموع المعنيين مدلولًا مطابقيًا (١) (كدلالة الخمسة على آحادها، ولا الكلي البدلي أي: يجعل كل واحد مدلولًا مطابقيًا) (٢) على البدل، ذكره صاحب "التحصيل" (٣).

стр. 1013

وقال الأصفهاني في "شرح المحصول" إنه رأى في تصنيفٍ آخرَ لصاحب "التحصيل" أن الأظهر من كلام الأئمة أن الخلاف في الكلي المجموعي، فإن أكثرهم صَرَّحُوا بأن المشترك عند الشافعي كالعام كما سيأتي إن شاء الله تعالى (١). قال: (لنا: الوقوع في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ (٢) والصلاة (٣) من الله مغفرة، ومن غيره استغفار. قيل: الضمير (٤) متعَدِّد فيتعدد الفعل. قلنا: مَعْنًى لا لفظًا، وهو المدعى). استدل على جواز استعمال اللفظ المشترك (٥) في معنييه بوقوعه (٦) في آيتين: إحداهما: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ فإن الصلاة من الله تعالى المغفرة بالاتفاق (٧)، ومن الملائكة

стр. 1014

الاستغفار (١)، وهما مفهومان متغايران؛ فيكون لفظ الصلاة مشتركًا بينهما، وقد أُطْلِق عليهما دفعة واحدة، فإنه أسندها إلى الله تعالى، وإلى الملائكة. فإن قلت: لو كان معنى الصلاةِ المغفرةَ والاستغفارَ - لم يُعَدَّ بعَلَى؛ لأنهما لا يُعَدَّيان إلا باللام، تقول: غفرتُ لزيد، واستغفرت له. ولا تقول: غفرت عليه، واستغفرت عليه. قلت: لما وقعت موقع التعطف والتحنن حسن تعديتها بعلى. واعلم أنه وقع في بعض نسخ المنهاج: "والصلاة من الله تعالى مغفرة" كما أوردناه، وهو الذي أورده الغزالي (٢)، وفي بعضها "رحمة" وكذلك ذكر (٣) الإمام (٤)، والتعبير "بمغفرة" أحسن؛ لأن الصلاة في اللغة: الدعاء بخير (٥)، وهو محال من الله تعالى، فَحُمِل على المغفرة. وأما حَمْله على الرحمة فغير ممكن؛ لأن حقيقة الرحمة: رقة القلب،

стр. 1015

وهى مستحيلة في حق الله تعالى ولا تطلق عليه إلا مجازًا، ومَنْ فَسَّر الصلاة بالرحمة فرارًا من تفسيرها بالدعاء وقع في هذا العظيم، وصار كمن فسر قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (١) بمعنى: جلس، فإنه فسر شيئًا ظاهره محال بالمحال (٢) (٣). ولقائل أن يقول: إذا كانت حقيقة الصلاة الدعاء - فاستعمالها في المغفرة والرحمة مجاز، فيكون الموجود في الآية استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، لا في حقيقتيه، والمحتجون بالآية إنما ساقوها لاستعمال المشترك في معنييه، نعم يلزم من جوازه في حقيقته ومجازه جوازُه في حقيقتيه. واعترض المانعون على هذا الاحتجاج بأن قوله: ﴿يُصَلُّونَ﴾ (٤) فيه ضميران: أحدهما: عائد إلى (٥) الله تعالى. والثاني: عائد إلى الملائكة، وتعدد الضمائر بمنزلة تعدد الأفعال، فكأنه قال: إن الله يصلي وملائكته (٦) يصلون. فلا يكون حينئذ اسْتَعْمل (٧) اللفظ الواحد في معنييه، بل استعمل

стр. 1016

لفظين في معنيين، وليس النزع فيه. وأجاب في الكتاب: بأن الفعل (١) لم يتعدد في اللفظ قطعًا، وإنما تعدد في المعنى، فاللفظ واحد والمعنى متعدد، وذلك عين الدعوى. واعترض الغزالي على هذا الاحتجاج: بجواز أن تكون الصلاة استعملت في قدر مشترك بين المغفرة والاستغفار: وهو الاعتناء، وإظهار الشرف، فقال: "الأظهر عندنا أن هذا (٢) إنما أُطلق على المعنيين بإزاء معنى واحد مشترك بين المعنيين: وهو العناية بأمر النبي ﷺ ، لشرفه، وحرمتِه والعنايةُ من الله تعالى مغفرة، ومن الملائكة استغفار ودعاء". قال: "وكذلك العذر عن السجود" (٣) يعني: في الآية الثانية التي سنذكرها إن شاء الله تعالى. وقد أجيب عن هذا الاعتراض: بأن إطلاق الصلاة على الاعتناء (٤) مجاز؛ لعدم تبادر الذهن إليه، والأصل عدم المجاز. فإن قلت: لو لم نَحمله على الاعتناء لزم إما الاشتراك أو المجاز (٥)، وإذا دار اللفظ بين التواطؤ وبين الاشتراك والمجاز فحَمْله على التواطؤ أولى.

стр. 1017

قلت: إنما يكون التواطؤ أولى إذا دار اللفظ بين الثلاثة، من غير دليل مقتضٍ لأحدها بخصوصه، أما إذا دل دليل على الاشتراك أو المجاز بخصوصه فيتعين، وقد دل الدليل هنا على أن الصلاة مشتركة بين المغفرة والاستغفار؛ لتبادر الذهن إليه عند الإطلاق (١). فإن قلت: سَلَّمنا أنه غير موضوع للاعتناء بإظهار الشرف، وأن استعماله فيه إنما هو بطريق المجاز، ولكن المجاز أولى من الاشتراك، فليُحمل عليه. قلت: هذه مغالطة فإن الحمل على الاعتناء لم يدفع الاشتراك؛ إذ الاشتراك ثابت فيه لما بيناه، سواء أحملناه (٢) على الاعتناء أم لم نحمله. نعم لو حملناه عليه لزم حمل اللفظ المشترك على مفهومه المجازي (٣). واعْتُرِض على الاحتجاج بالآية أيضًا: بأنه يجوز أن يكون قد حُذف الخبر للقرينة، كقوله: نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راضٍ، والرأي مختلف (٤)

стр. 1018

ويكون أصله: إن الله يصلي وملائكتُه يصلون (١). وأجيب: بأن الإضمار خلاف الأصل. وهذا الجواب لا يَحْسن ممن يقول: الحمل على الجميع بطريق المجاز (٢)؛ فإنه يُعْترض عليه بأن الحمل على المجموع مجاز، وهذا مجاز فلِمَ رَجَّح أحدَ المجازين على الآخر! قال: (وفي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ﴾ (٣) الآية. قيل: حرف (٤) العطف بمثابة العامل. قلنا: إنْ (٥) سُلِّم فبمثابته (في العمل) (٦) بعينه).

стр. 1019

الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ (١). وجه الاحتجاج: أنه أسند السجود إلى هؤلاء المذكورين، والسجود مشترك بين وضع الجبهة والخضوع (٢)، فإما أن يراد به معنى غيرهما، أو وَضْع الجبهة وحده، أو الخضوع وحده، (أو يرادا) (٣) معًا. والكل باطل سوى القسم الرابع، فالأول: لكونه خلاف الأصل، إذ الأصل عدمه (٤)، والثاني كذلك؛ لامتناع إسناده إلى كل واحد، والثالث كذلك؛ لأنه حينئذ لا يبقى لتخصيص كثيرٍ من الناس (٥) بالذكر فائدة؛ إذ الخضوع شامل لجميع المخلوقات، فإنها خاضعة بلسان الحال لما فيها من الدلالة على الصانع والوحدانية؛ فتعين الرابع، وحينئذ يكون اللفظ الواحد مستعملًا في مدلولَيْه المختلِفَيْن دفعة واحدة، وهو المدَّعى. واعْتُرِض على الاحتجاج بهذا: بأنَّا (٦) لا نسلم أن هذا استعمال

стр. 1020

للفظ (١) الواحد (٢) في معانِيه، إنما هو استعمال ألفاظٍ متعددة؛ لأن حرف العطف بمثابة تكرار العامل، فيكون التقدير: أن الله يسجد له من في السموات، ويسجد له من في الأرض، إلى آخره. ولا نزاع في جواز ذلك (٣). وأجاب عنه المصنف: بأنا أولًا لا نسلم أن حرف العطف بمثابة العامل، ولئن سلمنا أن العاطف بمثابة العامل - فيلزم على هذا التقدير أن يكون بمثابة العامل الأول بعينه (٤)، وهو هنا (٥) باطل؛ لأنه يلزم أن يكون المراد من سجود الشمس والقمر والجبال والشجر هو وضع الجبهة؛ لأنه مدلول الأول (٦). وفي بعض النسخ: "فبمثابته في العمل" أي: يقوم مقامه في الإعراب لا في المعنى (٧).
следующие страницы →