← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

مقروء عليه، وأفعل التفضيل نحو: أفضل من عمرو. وسَمَّوْا (١) هذا القِسْمَ بـ "الدينية" تفرقة بينه وبين الأول، وإن اشترك الكلُّ عندهم في كونه شرعيًا. هكذا نقل الإمام (٢)، وتبعه صاحب الكتاب. وفيه نظر، فإن المنقول عن المعتزلة أن "الدينية": هي الأسماء المنقولة شرعًا إلى أصل الدين، كالإيمان والكفر. وأما "الشرعية" فكالصلاة والصوم (٣). كذا عَزَاه إليهم طائفة منهم القاضي (٤) وإمام الحرمين والغزالي (٥)، فقال إمام الحرمين: "قالت المعتزلة. (الألفاظ تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أحدها) (٦): الألفاظ الدينية: وهي الإيمان، والكفر، والفسق. فهي عندهم منقولةٌ إلى قضايا في الدين. فالإيمان في اللسان: التصديق. والكفر: من الكَفْر وهو السَّتْر. والفسق: الخروج. وهذا الذي ذكروه على قواعدهم في أن مرتكب الكبيرة ليس مؤمنًا دينًا، وليس كافرًا أيضًا، وإنما هو فاسق. والقسم الثاني: الألفاظ اللغوية: وهي القارَّةُ على قوانين اللسان.

стр. 1087

والقسم الثالث: الألفاظ الشرعية: وهي الصلاة، والصوم، وأخواتها فهي مستعملة في فروع الشرع" (١). هذا لفظه في "البرهان" وهو الذي ذكره في كتاب "التلخيص" (٢) الذي اختصره من "التقريب والإرشاد" للقاضي، وكذلك (٣) أورده الغزالي، وهذا هو التحقيق في نَقْل مذهب القوم. قال: ((والحرف لم يُوجد) (٤)، والفعل وُجد (٥) بالتبع). تقدم الكلام في الاسم، وأما الحرف فلم يوجد. واستدل عليه الإمام بالاستقراء. وأما الفعل فلم يوجد بطريق الأصالة للاستقراء، ووجد بطريق التبعية؛ لأن الفعل صيغة تدل على صدور المصدر من الفاعل، فالمصدر إنْ كان شرعيًا كالصلاة (٦) كان الفعل أيضًا كذلك كصَلَّى. وإنْ كان لغويًا كان مثلَه (٧). فيكون (٨) الفعلُ شرعيًا أمْرٌ حصل بالعَرَض لا بالأصالة.

стр. 1088

وكلام المصنف مُصَرِّح بأن الحرف لم يوجد لا بطريق الأصالة ولا بطريق التبعية، والحق مساواته للفعلِ، فإنَّ نَقْلَ مُتعلَّقِ معانيَ الحروفِ من المعاني اللغوية إلى المعاني الشرعية مستلزِمٌ لنقلها أيضًا، فلا فرق في ذلك بين الفعل والحرف كما في أنواع المجاز. فائدة: قد تقرر أن الألفاظ المستعملة من الشارع: إما الأسماء وهي على قسمين: منها ما وضعه بإزاء الماهيات الجَعْلية (١)، وذلك معروف كالصلاة وأمثالها. ومنها الأسماء المتصلة بالأفعال، وسنذكرها إن شاء الله مع الفعل. وإما الفعل والحرف: فقد علمت أن التحقيق فيهما أنهما مستويان (٢). والفعل ينقسم إلى: ماضٍ، وأمرٍ، ومضارع. والأسماء المتصلة بالأفعال (٣) ثمانية: المصدر (٤)، واسم الفاعل، واسم المفعولِ، والصفة المشبهة، وأفعل التفضيل، واسم الزمان، واسم المكان،

стр. 1089

واسم الآلة. أما الفعل المضارع فلم يُستعمل في الشرعية في شيء أصلًا إلا لفظة "أشهد" في الشهادة، فإنها تعيَّنت ولم يقم غيرها مقامَها، وكذا في اللعان سواء قلنا: إنه يمين، أو شهادة، أو فيه شائبتان (١). ويجوز في اليمين (٢) في: أقسم بالله، وأشهد، ولا يتعين (٣). ولا مدخل له (٤) في الإنشاءات. وأما الفعل الماضي: فيُعْمل به (٥) في الإنشاءات خلا الشهادة واللعان، فمن الإنشاءات التي يُعمل به فيها العقود كلها، والطلاق. وأما فعل الأمر: فهو مسألة الإيجاب والاستيجاب (٦) في العقود

стр. 1090

والطلاق وفي الوكالة، لو أتى بصيغة أمر نحو: بع واشتر. قال بعض الأصحاب: هنا (١) لا يشترط القبول، بخلاف ما إذا أتى بصيغة عقد (٢) نحو: وكّلتك. والصحيح لا فرق، (وفِعْلُ الأمر يُعْمل به في كل موضع يُعمل فيه بالماضي) (٣) على الصحيح. وأما اسم الفاعل: ففي الطلاق في قوله: أنتِ طالق. ويُعمل به في الضمان. وأما اسم (٤) المفعول: فيستعمل في الطلاق، والعتق، والوكالة. ويقرب من هذا: أنتِ حرام. وأنتَ حر. وأنتِ عليَّ كظهر أمي (٥). وأما المصدر: فقد استعمل في الطلاق (في قوله: أنتِ الطلاق) (٦). وهل هو صريح أو كناية؟ فيه خلاف، ولا يبعد جريان مثل ذلك في العتق. والنظر في هذا الفصل طويل، ولعلنا نستوعبه في كتابنا

стр. 1091

"الأشباه والنظائر" (١)، فإن الشيخ صدر الدين ابن المرحل رحمه الله تعالى ذكر هذا في كتابه "الأشباه والنظائر" (٢)، وكتابنا كالتهذيب لكتابه أتمه الله تعالى. قال: (الثالث (٣): صيغ العقود كبعت - إنشاء؛ إذ لو كان إخبارًا و (٤) كان ماضيًا أو حالًا لم يقبل التعليق (٥) وإلا لم يقع. وأيضًا إنْ كَذَبَتْ لم تُعْتبر وإن صَدَقَتْ فصِدْقُها إما بها فيدور، أو (٦) بغيرها وهو باطل إجماعًا. وأيضًا لو قال للرجعية: طلقتك - لم يقع، كما لو نوى الإخبار). صيغ العقود والفسوخ مثل: بعتُ، واشتريتُ، وتزوجت، وطلقت، وفسختُ، ونحو ذلك (لا مرية) (٧) في أنها إخبارات عن أمورٍ واقعة في الزمن الماضي، وقد تستعمل في الشرع أيضًا للإخبار كما لو صدر البيع من إنسان ثم قال: بعت، مريدًا الإخبار عما صدر منه في الزمان (٨) الماضي. أما إذا استعملت هذه الألفاظ لإحداث أحكام لم تكن قبلها فهل هي إخبارات باقية على وضعها اللغوي، أم إنشاءات نقلها الشارع إلى

стр. 1092

الإنشاءاتِ المخصوصة؟ ذهب الأكثرون إلى الثاني، وهو ما قطع به المصنف. وقالت (١) الحنفية: إنها (٢) إخبارات عن ثبوت الأحكام. فمعنى قولك: "بعتُ" الإخبار عما في قلبك، فإن أصل البيع هو التراضي، ووضعت لفظة "بعت" للدلالة على الرضا، فكأنه أخبر بها عما في ضميره؛ فيقدر وجودها قبيل (٣) اللفظ للضرورة (٤)، وغاية ذلك أن يكون مجازًا وهو (٥) أولى من النقل (٦). هذا تحرير مذهبهم فافهمه. واستدل الأصحاب على كونه إنشاءً بدلائل: أحدها: أن اللفظ (٧) لو كان إخبارًا لكان إما عن ماضٍ, أو حال، أو مستقبل. والأوَّلان باطلان، وإلا يلزم أن لا يَقْبل الطلاق التعليق؛ لأن التعليق: توقُّفُ وجودِ شيءٍ على شيء آخر. والماضي والحال قد وُجِدا فلا يَقْبَله، لكن اللازم منتف؛ لقبوله التعليق إجماعًا (٨). وإنْ كان عن

стр. 1093

مُسْتَقبل (١) لم يقع؛ لأن قوله: طلقتكِ إذن، بمنزلةِ قوله: ستصيرين طالقًا، والطلاق لا يقع بذلك. وثانيها: لو كانت هذه الصيغ، إخبارات لكانت إما كاذبة أو صادقة: فإن كانت كاذبة فلا اعتبار بها. وإن كانت صادقة فصِدْقها إما أن يحصل بنفسها (٢)، أي: يتوقف حصوله (٣) على حصول الصيغة، أو يَحْصُلَ بغيرها: إنْ كان الأول لزم الدور؛ لأن كون الخبر صدقًا: وهو بعتك مثلًا - موقوفٌ على وجود المخبَر عنه (٤): وهو وقوع البيع، فلو توقف المخبَر عنه: وهو الوقوع، على الخبر: وهو بعتك - لزم الدور (٥).

стр. 1094

وإنْ كان الثاني وهو أن يحصل الصدق بغيرها - فهو باطل بالإجماع منا ومنهم على عدم الوقوع عند عدم هذه الصيغة. وثالثها: أن الزوج لو قال لرجعيته في عدتها: طلقتك، ونوى الإخبار عما مضى لم يقع قطعًا. وإن لم ينوِ شيئًا أو نوى الإنشاء وقع بالاتفاق، فلو كان إخبارًا (١) لم يقع كما لو نوى به الإخبار (٢). فائدتان: إحداهما: قال القرافي في "الفروق": "الإنشاء ينقسم إلى متفق عليه، ومختلف فيه. فالمجمع عليه أربعة أقسام: الأول: نحو قولنا: أُقسم بالله لقد قَدِم زيد، ونحوه، فإن مقتضى هذه الصيغة - أنه أخبر بالفعل المضارع - سيكون منه قَسَم في المستقبل، فكان ينبغي أن لا يلزمه كفارة بهذا القول؛ لأنه وَعْدٌ بالقسم لا قسم، كقول القائل: سأعطيك درهمًا. لكن لما وقع الاتفاق على أنه بهذا اللفظ أقْسَمَ، وأن موجَب القَسَم يلزمه - دلَّ ذلك على أنه أنْشَأ به القَسَم، لا أنَّه أَخْبَرَ عن وقوعه في المستقبل. وهذا أمرٌ اتُّفِقَ عليه في الجاهلية والإسلام؛ ولذلك

стр. 1095

لا يحتمل التصديق (والتكذيب) (١)، ولا يدخله شيء من لوازم الخبر". قال: "ولذلك يقول (٢) فيه مَنْ أحاط به من فضلاء النحاة: القَسَم (٣) جملة إنشائية يؤكَّد بها جملة خبرية. الثاني: الأوامر والنواهي (٤). الثالث: (الترجي والتمني) (٥) (٦)، والعَرْض مثل: ألا تنزل عندنا فتصيب خيرًا. والتحضيض، وصِيَغُه أَرْبَع: هَلَّا وألَّا ولوما ولولا (٧).

стр. 1096

الرابع: النداء نحو: يا زيد، اختلف النحاة فيه هل فيه فعل مضمر تقديره: أنادي زيدًا، أو الحرف وحده مفيد للنداء؟ " (١). قلت: وقد خَطَّأ الإمام في "التفسير الكبير" في أوائل البقرة مَنْ فَسَّر قولنا: "يا زيد": بأنادي زيدًا - من وجوه: منها: أنَّ "أنادي زيدًا" خبر يحتمل التصديق والتكذيب، و"يا زيد" لا يحتملهما. ومنها: أن قولنا: يا زيد - يقتضي صيرورة زيدٍ مخاطبًا منادَىً في الحال، بخلاف أنادي زيدًا (٢). (ومنها: أنَّ "يا زيد" يقتضي صيرورة زيد مخاطبًا بهذا الخطاب، بخلاف: أنادي زيدًا) (٣)، فإنه لا يمتنع أن يُخْبِر إنسانًا آخرُ: بأني أنادي زيدًا (٤). ومنها: أنَّ "أنادي زيدًا" إخبارٌ عن النداء، والإخبار عن النداء (غير

стр. 1097

النداء، والنداء هو) (١) قولنا: يا زيد، فإذًا هو غيره (٢) " (٣). ولقائل أن يقول: حاصل هذه الأوجه يرجع إلى أن "يا زيد" إنشاء، وقولنا: "أنادي زيدًا" خبرٌ، ونحن نمنع أن قولنا: "أنادي زيدًا" الذي هو بمعنى "يا زيد" خبرٌ، وإنما هو إنشاء، نعم الخبر: "أنادي زيدًا" الذي ليس هو بهذا المعنى (٤). قال القرافي: "وأما المختلف فيه هل هو إنشاء أو خبر - فهو صيغ العقود، كما تقدم" (٥) (٦). الثانية: ذكر القرافي في التفرقة بين الإنشاء والإخبار وجوهًا: أحدها: أن الخبر يقبل التصديق والتكذيب، ولا كذلك الإِنشاء. والثاني: أن الخبر تابع لثبوت مُخْبَره في زمانِه كيفما كان: ماضيًا، أو

стр. 1098

حالًا، أو مستقبلًا. والإنشاء متبوع لمتعلَّقه فيترتب (١) بعده (٢). والثالث: أن الإنشاء سبب لثبوت متعلَّقه (٣) الذي هو مسبَّبه عقيبَ آخِرِ حرفٍ، أو مع آخِر حرف (٤) إلا أن يمنع مانعٌ، وليس الخبر سببًا ولا متعلِّقًا بمُخْبَره، وإنما هو مُظهِر فقط (٥) (٦).

стр. 1099

خاتمة: قال القرافي في "الفروق": "مما يُتوهم أنه إنشاء وليس كذلك - الظهار في قول القائل لامرأته: أنت عليَّ كظهر أمي. يعتقد الفقهاء أنه إنشاء للظهار، كقوله: أنت طالق. وأنَّ البابينِ سواء في الإنشاء" (١). قال: "وليس كذلك" (٢)، ثم أطال في الدلالة على أنه خبر، واستند إلى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ (٣) (٤) فكذَّبهم الله تعالى في ثلاثة مواطن بقوله: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾، وأنَّ قولهم منكر، وأنه زور (٥)، والإنشاء لا يدخله التصديق والتكذيب. واعتضد أيضًا بالإجماع على تحريم الظهار. قال: ولا سبب لتحريمه إلا أنه كذب، وإنما يكون الكذب في الأخبار. وأورد على نفسه الطلاق الثلاث حيث كان إنشاءً مع كونه محرمًا (٦).

стр. 1100

وأجاب: بأن المحرم إنما هو الجمع بين الطلقات الثلاث لا لفظ الطلاق (١) (٢). وأمْعن الكلامَ فيما حاوله، والذي نقوله في ذلك: إنَّ قول القائل: أنتِ عليَّ كظهر أمي - يحتمل أن يريد به الخبرَ المحض، ويحتمل أن يريد به أنه يجعلها كذلك، والظاهر أن المراد الثاني وهو الإنشاء ولكن الشرع ألغى حُكْمه، ولما ألغاه وكان مقصودُ الناطق به تحقيقَ معناه الخبري - سَمَّاه الشرع زورًا (٣). ويناظِرُ هذا مِنْ بعض الوجوه قولُه: أنتِ عليَّ حرام - قَصْدُه به إنشاء التحريم، والشرع لم يرتب مقتضاه من الحرمة (٤)، فهذان الإنشاءان لم يرتب الشرع عليهما مقتضاهما الذي قصده المتكلم (٥)، بل جعل المرتَّب على الأول (٦): أنه إنْ عاد وجبت

стр. 1101

الكفارة، وحرم الوطء حتى يكفِّر، والمرتَّب على الثاني: حكم اليمين من التكفير (١). وغير هذين الإنشائين: من الطلاق، والبيع، والنكاح، ونحو ذلك إذا أنشأه المكلف رتَّب الشرع عليه المقتضى الذي اقتضاه كلام المكلَّف. فصارت الإنشاءات على قسمين: أحدهما: ما اعتبره الشرع وأذن فيه فينفذ (٢) كما أراده المُنْشئ، ويترتب عليه حكمه. والثاني: ما لم يأذن فيه الشرع ولم يعتبره، ولكن رتَّب عليه حكمًا آخر، وهو الظهار والتحريم. قال والدي أيده الله تعالى: وينبغي أن يُسَمَّى هذا الإنشاء الثاني باطلًا، وأما الإنشاء الأول فإنْ وقع بشروطه الشرعية فصحيح، وإلا فهو باطل أو فاسد. والباطل لا يترتب عليه أثر أصلًا، بخلاف الباطل في القسم الثاني وهو الظهار والتحريم حيث يترتب (٣) عليهما حكم شرعي؛ لأن البطلان فيهما لإلغاء الشارع إياهما، لا لفوات شرطٍ أو وجود مُفْسِدٍ، والبطلان في البيع والنكاح وغيرهما إما لفوات شرط، أو لوجود مُفْسِد. قال: (الثانية: المجاز إما في المفرد، مثل: الأسد للشجاع. أو في (٤)

стр. 1102

المركب، مثل: أشاب الصغيرَ وأفنى الكبيـ ... ـر كَرُّ (١) الغَداة ومَرُّ العشي أو فيهما، مثل (٢): أحياني اكتحالي بطلعتك). لما تناهى القول في الحقيقة شرع في المجاز، والشرح: أن المجاز إما أن يقع في مفرداتِ الألفاظ فقط، أو في تركيبها فقط (٣) أو فيهما جميعًا: والأول: كإطلاق الأسد على الشجاع. والثاني: كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (٤)، ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ (٥)، ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ (٦)، ويسمى هذا النوع بالمجاز المركب، والإسنادي، والعقلي (٧)،

стр. 1103

ومَثَّل له في الكتاب بقول الشاعر (١): أشاب الصغيرَ وأفنى الكبيـ ... ـر كَرُّ الغَداة ومَرُّ العَشي (٢) فإنَّ مفردات هذا النوع من المجاز كلها مستعملة في موضوعاتها، وإنما التجوز في إسناد بعضها إلى بعض، وذلك حكم عقلي، ألا ترى أن "أشاب" و"الصغيرَ" مستعملان في موضوعيهما، وكذلك: "أفنى" و"الكبير"، لكن إسناد "أشاب" و"أفنى" إلى "كر الغداة ومر العشي" هو الذي وقع فيه التجوز؛ لكونهما مسندَيْن إلى الله تعالى في نفس الأمر. ومثْلُه: أنبت الربيعُ البقلَ. والضابط فيه: أنك متى نَسَبْتَ إلى ما ليس بمنسوب إليه لذاته (٣)، بضَرْبٍ من الملاحظة بين الإسنادين (٤) - كان ذلك مجازًا في التركيب. وخرج بهذا القيد الأخير (٥) قولُ الدهري: أنبت الربيعُ البقلَ؛ إذ ذاك (٦) ليس عنده لضرب من الملابسة، بل هو أصليٌّ عنده،

стр. 1104

منتسِبٌ إلى مَنْ ينتسب إليه حقيقة (١). ولهذا اخترنا التمثيل لهذا النوع بآي الكتاب العزيز، فإن الأبيات التي تذكر، والأمثلة التي تُورد جاز أن يكون قائلها (٢) دهريًا، على أن البيت المذكور في الكتاب للصَّلَتان العبدي وهو مسلم وفي قصيدته التي هذا البيت منها ما يدل على ذلك، وبهذا القيد ينفصل عنه الكذب أيضًا؛ لأن الكاذب لم يُسْنِد الأثر إلى ما أسنده لمشابهة ذلك الإسنادِ إسنادًا آخر الذي هو أصلي، بل إما لأنه أصلي عنده (٣)، أو وإن لم يكن كذلك إلا أنه لم (٤) يلاحظ الملاحظة. والملاحظة قد تكون بأن يَخْتَصَّ الشيءُ بأثرٍ، بأن يوجد الأثر عند وجوده، وينعدم عند عدمه، وهو غير صادر عنه (٥)، لكن الله تعالى أجرى العادة بأنْ يُوجِده عند وجوده، ويُعْدِمه عند عدمه، كنبات البقل مع الربيع. أو بأن يُوجَد عند وجوده، وإن لم ينعدم عند عدمه، كالهلاك مع أكل السم في قولهم: أهلكه السم (٦). أو بأن يكون الشيءُ سببَ السبب، كقولهم: كسا الخليفةُ الكعبة (٧)،

стр. 1105

وما أشبه ذلك. وذهب ابن الحاجب إلى إنكار المجاز في التركيب وهو شاذ (١). والثالث: وهو أن يقع المجاز فيهما جميعًا، كقول القائل لمَنْ سَرَّته رؤيتُه: أحياني اكتحالي بطلعتك. فإنه اسْتَعْمَلَ الإحياء في السرور، والاكتحال في الرؤية، وذلك مجاز (٢)، ثم أسْنَد الإحياء إلى الاكتحال مع أن المحيي هو الله تعالى (٣). هذا شرح ما في الكتاب، ولك هنا مناقشات: إحداها: على التمثيل بالبيت الذي ذكره من جهة أنه إنما يصلح مثالًا للقسم الثالث؛ لأن المراد بالصغير مَنْ تقدم له الصِّغَر. وثانيها: أن هذا التقسيم إنما يصح عند مَنْ يقول: إنَّ المركبات موضوعة (٤)، وقد اضطرب رأي المصنف في ذلك في هذا الكتاب.

стр. 1106

وثالثها: في تعبيره بالمركب، فإن الصواب التعبير بالتركيب؛ وذلك لأنك إذا قلت: هلك الأسد. تريد (١) أن الشجاع مَرِض مرضًا شديدًا، فهذا (٢) مجاز واقع في المركب لا في النسبة، وليس هذا هو المراد (٣)، بل كل مجاز في غير النسبة فهو في مركب، فإن "الأسد" مع قولك: ("رأيت"، في قولك) (٤): رأيت الأسد - مركب؛ لانضمام غيره إليه. وهذا الإيراد إذا انقدح على التعبير بالمركب لدخوله فيه، وَرَد على التعبير بالمفرد لخروجه منه (٥) (٦).

стр. 1107

قال: (ومنعه ابن داود في القرآن والحديث. لنا: قوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ (١). قال: فيه إلباس. قلنا: لا إلباس مع القرينة. قال: لا يقال لله تعالى: إنه (٢) متجوِّز. قلنا: لعدم الإذن، أو لإيهامه الاتساع فيما لا ينبغي). اختلف أهل العلم في وقوع المجاز في اللغة على مذاهب: أحدها: وهو المنسوب إلى الأستاذ أبي إسحاق الإسفرايني، المنع مطلقًا. قال إمام الحرمين في "التلخيص" الذي اختصره من "التقريب والإرشاد" للقاضي: "والظن بالأستاذ أنه لا يصح عنه" (٣).

стр. 1108

وفيما عَلَّقته (١) من خط ابن الصلاح: أن أبا القاسم بن كج حكى عن أبي علي الفارسي (٢) إنكار المجاز، كما هو المحكي عن الأستاذ (٣). والثاني: أنه غير واقع في القرآن، (وواقع في غيره) (٤). وإليه ذهب بعض الحنابلة، وطائفة من الرافضة، وحُكِي عن بعض المالكية. وأما أبو بكر بن داود الأصفهاني (٥) الظاهري فالمشهور عنه أنه منع

стр. 1109

وقوعه في القرآن خاصة كما هو رأي هؤلاء، وحَكَى عنه الإمامُ وشيعتُه منهم المصنف اختيارَ المنع في القرآن والحديث (١). وعلى هذا في المسألة أقوال أربعة: المنع مطلقًا، المنع في القرآن وحده، المنع في القرآن والحديث دون ما عداهما، والرابع: أنه واقع مطلقًا في القرآن والحديث وغيرهما، وعليه جماهير العلماء سلفًا وخلفًا. والمصنف استدل على وقوعه في القرآن ليدل على ما عداه بطريقٍ أولى. وقد وقع المجاز في مواضعَ عديدةٍ من الكتاب العزيز، وصنف شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام في ذلك مصنفًا حافلًا (٢). اكتفى (٣) المصنف بذكرِ قوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ (٤) ووجه الحجة: أن الإرادة: هي الميل مع الشعور، وهي (٥) ممتنعة في الجدار لكونه جمادًا، وقد أضافها إليه وأراد بذلك الإشرافَ على الوقوع وهو مجاز. فإن قلت: لا نسلم امتناع قيام الإرادة بالجدار؛ لقدرةِ الله تعالى على

стр. 1110

خلق العلم والقدرة فيه. قلتُ: هذا مِنْ خرق العادات التي لا تكون إلا في زمن النبوة لقصد التحدي لا في عموم الأوقات، وهذا لم يكن للتحدي. قال الشيخ أبو إسحاق في "شرح اللمع": "واستدل أبو العباس بن سريج على أبي بكر بن داود بقوله تعالى: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ﴾ (١) فقال: الصلوات لا تُهْدم وإنما أراد به مواضع الصلوات، وعَبَّر بالصلوات عنها على سبيل المجاز، فَحَذَف المضاف وأقام المضاف إليه مقامَه" (٢)، قال: "فلم يكن له عنه جواب" (٣). ومَنْ أنصف من نفسه، ونفى العصبية عن كلامه، أقر بأن القرآن مشحون بالمجاز، وكيف لا وهو من توابع الفصاحة، وبدائع كلمات

стр. 1111

العرب، ولا يخلو القرآن عن ذلك (١). وقد قال القاضي في "مختصر التقريب": يلزم من إثبات المجاز في اللغة إثباته في القرآن (٢). واحتج ابن داود رحمهما الله على مذهبه بوجهين: أحدهما: أن المجاز لا يدل بمجرده لعدم وضعه له، فلو ورد (٣) في القرآن لأدى إلى الإلباس، وهو لا يقع من الله تعالى. وأجاب في الكتاب: بأن الإلباس ينتفي (٤) مع القرينة. فإن قلت: إذا كان مع القرينة ففيه تطويل. قلت: التطويل لا يَنْفِي إلا كونه على خلاف الأصل، ونحن مقرون بذلك. نعم لقائلٍ أن يقول: هذا الجواب يقتضي أن المجاز لا يقع في القرآن إلا (٥) مع القرينة. وثانيهما: أنه لو جاز وقوع المجاز في القرآن لجاز أن يُطْلق على الله أنه مُتَجَوِّز؛ لأن المتجوِّز مَنْ يتكلم بالمجاز. وأجاب بوجهين:

стр. 1112

أحدهما: أن أسماء الله تعالى توقيفية عندنا، لا بد في إطلاقها مِنْ ورود الإذن، وهذا لم يَرِد به إذن فلا نطلقه عليه. والثاني: سلمنا أن أسماءه تعالى دائرة مع المعنى، لكن شرطه أن لا يُوهم نقصًا، وما نحن فيه يوهم النقص؛ لأن التجوز يُوهم تعاطي ما لا ينبغي؛ لأنه مشتق من الجواز وهو التعدي. وأما مَنْ أنكر المجاز في اللغة مطلقًا: فليس مراده أن العرب لم تنطق بمثل قولك للشجاع: إنه أسد، فإن ذلك مكابرة وعناد، ولكن هو دائر بين أمرين: أحدهما: أن يدعى أن جميع الألفاظ حقائق (١)، ويُكْتَفى في كونها حقائق بالاستعمال في جميعها (٢). وهذا مسلَّم ويرجع البحث لفظيًا؛ فإنه حينئذ يُطْلِق الحقيقةَ على المُسْتَعْمَل، وإن لم يكن بأصل الوضع (٣)، ونحن لا نُطْلِق ذلك (٤).

стр. 1113

وإن أراد بذلك استواء الكل في أصل الوضع (١)، قال القاضي في "مختصر التقريب": "فهذه مُرَاغمة الحقائق (٢)، فإنا نعلم أن العرب ما وضعت اسم الحمار للبليد، ولو قيل: البليد حمار على الحقيقة، كالدابة المعهودة، وأنَّ تناول الاسم لهما متساوٍ في الوضع - فهذا دُنُّوٌ مِنْ جحد الضرورة". قال: "وكذلك مَنْ زعم أن الجدار له إرادة حقيقةً تمسكًا بقوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ (٣) عُدَّ ذلك مِنْ مُسْتشنع الكلام" (٤) (٥). قال: (الثالثة: شَرْط المجاز العلاقة المعتبرُ نوعُها ، نحو: السببية القابلية، مثل: سال الوادي. والصورية كتسميته اليد قدرة. والفاعلية مثل: نزل السحاب. والفائية كتسمية العنب خمرًا). لا بد في التجوز من لفظ الحقيقة إلى المجاز مِنْ علاقة بينهما. (ولا

стр. 1114

يُكْتَفى بمجرد) (١) الاشتراك في أمر ما من الأمور، وإلا لجاز إطلاق اسم (٢) كل شيء على كل (٣) ما عداه؛ لأنه ما من شيء إلا ويشارك كل (٤) ما عداه في أمر من الأمور، بل لا بد من المناسبة والمشاركة في أمر (خاصٍ ظاهر) (٥). وهل يَكْفي وجود تلك العلاقة في التجوز، أم لا بد من اعتبار العرب لها، أي (٦): بأن تستعملها فيه؟ اختلفوا فيه (٧) على مذهبين: اختار الإمام والمصنف أنه لا بد من ذلك (٨)، وهذا ما أشار إليه بقوله: "المعتبر نوعها". وصحح ابن الحاجب أنه لا يشترط ذلك (٩) (١٠). والخلاف إنما هو في الأنواع، لا في جزئيات النوع الواحد وإنْ أوهمه كلام بعضهم، فالقائل بالاشتراط يقول: لا بد وأن تتجوز العرب بالسبب عن المسبب مثلًا. وخصمه يقول: يكفي وجود العلاقة (١١). وهذا معنى

стр. 1115

قول المصنف: "نوعها" (١). ومما ننبه عليه قبل الخوض في تعدادها: أنا إذا أوردنا مثالًا لجهة من جهات التجوز - فلسنا قاضين عليه بأنه لا يشتمل على جهة أخرى من جهات التجوز، بل يجوز فيه (٢) اجتماع جهتين وثلاثة، فلا يُفْهم من قولنا: مثال الجهة الفلانية كذا - الاختصاصُ بتلك الجهة، بل شَرْطه أن يشتمل على تلك الجهة مع قطع النظر عن غيرها من الجهات، وإن كان مشتملًا على جهة أخرى فإنما (لم ننبه) (٣) عليها؛ لأنا نذكر لها مثالًا آخر. الجهة الأولى: السببية: وهي إطلاق اسم السبب على المسبب، وإن شئت قلت: اسم (٤) العلة على المعلول. وهي أربعة أقسام: قابليةٌ. وقد يقال لهذا القسم: مادة وعنصرًا، وصوريةٌ، وفاعليةٌ، وغائية. واعلم أن كل مُتَكَوَّن في الوجود لا بد له من هذه الأسباب الأربعة، نحو: السرير: مادته الخشب والحديد، وفاعله النجار، وصورته الانسطاح،

стр. 1116

وغايته الاضطجاع عليه. فسميت الثلاثة الأُوَل أسبابًا؛ لتأثيرها في الاضطجاع، فلولا الخشب والحديد ما تماسك، ولولا الفاعل ما ترتب (١)، ولولا الانسطاح لما (٢) تأتى عليه (٣) الاضطجاع. وسمى الرابع سببًا؛ لأنه الباعث على هذه الثلاثة، فلولا استشعار النفس راحة الاضطجاع لما وقع في الوجود هذه الثلاثة، وهو معنى قولهم: أول الفكر آخر العمل. ومعنى قولهم: العلة الغائية عِلةُ العِلل الثلاثةِ في الأذهان، ومعلولة العِلل الثلاثة في الأعيان (٤). فإن قلت: ما وجه انحصار الأسباب (٥) في هذه الأربعة؟ قلت: لما كان السبب هنا: ما يتوقف عليه وجودُ الشيء - انحصرت في هذه الأقسام؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون داخلًا في ذلك الشيء أو خارجًا، والأول إما أن يكون الشيء معه بالقوة: وهو القابل، أو بالفعل: وهو الصورة العارضة له بعد التركيب. والثاني: إما أن يكون مؤثرًا في وجود ذلك الشيء: وهو الفاعل كالنجار، أو لا يكون: وهو الغاية الحاملة للمؤثِّر على التأثير، أي: الجلوس على السرير. مثال الأول: وهو تسمية الشيء باسم سببه القابلي (٦) - قولُهم: سال

стр. 1117

الوادي. أي: ماء الوادي، فعبروا عن الماء السائل بالوادي؛ لأن الوادي سبب قابل له، إطلاقًا لاسم السبب على المسبب. هكذا مَثَّل به الإمام وأتباعه (١) منهم المصنف. وفيه نظر؛ فإن الوادي ليس جزءًا للماء فلا يكون سببًا قابلًا له، والمادي (٢) في اصطلاحهم: جنسُ ماهيةِ الشيء. كما عرفت في الخشب مع السرير (٣). مثال الثاني: وهو تسمية الشيء باسم سببه الصوري - إطلاق اليد على القدرة كما في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (٤) أي: قدرة الله فوق قدرتهم (٥)، فإن اليد صورةٌ خاصة يتأتى بها الاقتدار

стр. 1118

على الشيء (١)، فَشَكْلها (٢) مع الاقتدار كشكل السرير مع الاضطجاع، وهو (٣) سبب صوري، فتكون اليد كذلك (٤)، فإطلاقها على القدرة إطلاق لاسم السبب الصوري على المسبَّب. وإذا تأملت هذا فاعلم أن المثال انعكس على الإمام وأتباعه إلا الشيخ صفي الدين الهندي، فقالوا ومنهم المصنف: "كتسمية اليد قدرة" (٥) والصواب: كتسمية القدرة يدًا (٦). وكذا وقع في الآية الكريمة (٧). مثال الثالث: وهو تسمية الشيء باسم سببه الفاعلي (٨) - قولهم: نزل السحاب. أي: المطر، فإن السحاب في العُرْف سببٌ فاعلي في المطر (٩)، كما تقول: النار تحرق الثوب.

стр. 1119

مثال الرابع: وهو تسمية الشيء باسم سببه الغائي - تسميتهم العنب بالخمر، كما في قوله تعالى حكايةً: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ (١) فأطلق العنب على الخمر (٢)؛ لأن الخمرَ غايةٌ مقصودة من زراعة العنب وعصره عند بعض الناس. قال: (والمسببية: كتسمية المرض المُهْلِك بالموت، والأول (٣) أولى للاستلزام (٤) على التعيين. ومنها: الغائية؛ لأنها علة في الذهن ومعلولة في الخارج). العلاقة الثانية: المسببية: وهي إطلاق اسم المسبب على السبب، مثل: تسميتهم المرض المُهْلِك موتًا؛ لأن الله تعالى جعل المرض الشديد في العادة سببًا للموت، وهنا بحثان أشار إليهما في الكتاب: أحدهما: أن التجوز بلفظ السبب عن المسبب أولى من العكس؛ لأن السبب المعيَّن يستدعي مسبَّبًا معيَّنًا، والمسبب المعيَّن لا يستدعي سببًا معيَّنًا بل سببًا ما، ألا ترى أن اللمس يدل على انتقاض الوضوء (٥)، وانتقاض

стр. 1120

الوضوء لا يدل على اللمس؛ لجواز أن يكون بمسٍّ أو بول أو غيرهما. فلما كان فهمُ المسبَّب من السبب أسرع - كان التجوز به (١) في حالة الإطلاق (٢) أولى. ولقائل أن يقول: هذا (٣) واضح على رأي مَنْ يجوِّز تعليلَ المعلولين المتماثلين بعلتين مختلفتين (٤)؛ لأن العلم بالمعلول حينئذ لا يستلزم العلمَ بالعلة، وأما العلم بالعلة المعيَّنة فإنه يستلزم العلم بالمعلول المعيَّن، وأما من لم يجوز ذلك فقد يمنع هذا. البحث الثاني: قد عرفت انقسام العلة الأولى إلى أربع علل، وأوْلاها (٥) العلة الغائية، وهذا معنى قول المصنف: "ومنها الغائية" أي: وأَوْلى منها الغائية؛ لأنها حال كونها ذهنية علة العلل، وحال كونها خارجية معلول العلل (٦)، فقد حصل لها علاقتا العلية والمعلولية، وكل واحدة منهما علة تُحَسِّنُ التجوز (٧).

стр. 1121

قال: (والمشابهة: كالأسد للشجاع والمنقوشِ، وتسمى الاستعارة). العلاقة الثالثة: المشابهة: وهي تسمية الشيء باسم شبيهه (١)، إما في صفة ظاهرة خاصة بمحل الحقيقة، كإطلاق اسم الأسد (على الشجاع، والحمار على البليد. وإما في الصورة كإطلاق اسم الأسد) (٢)، أو الفرس مثلًا على المنقوش المصوَّر في الحائط بصورته. قوله: "وتسمى الاستعارة"، هذا يحتمل أن يعود إلى المنقوشِ وحدَه أي: ويُخَصُّ المنقوشُ الذي هو أحد قسمي المشابهة (بتسميته بالاستعارة) (٣)، وهذا لم نر أحدًا ذكره. ويحتمل أن يعود إلى أصل المشابهة أي: أن مجاز المشابهة مسمى بالمستعار (٤). وأما الإمام فإنه قال: إن المسمى بالاستعارة ليس إلا المُشَابِه المعنوي (٥)

стр. 1122

كتسمية الشجاع أسدًا (١). وتبعه عليه صفي الدين الهندي (٢). وعلى كل حال فالاستعارة بهذا الاصطلاح أخص من المجاز؛ لأنها مختصة ببعض أنواعه. وقيل: هما متساويان؛ لمان اللفظ إذا وضع لمعنى يستحقه ذلك المعنى بسبب الوضع، فيكون استعماله في غيره على وجه العارية. قال: (والمضادة مثل: جزاء سيئةٍ سيئةٌ مثلها). العلاقة الرابعة: المضادة: وهي تسمية الشيء باسم ضده. مثل قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٣) أطلق على الجزاء سيئة مع أنه ليس بسيئة، و (٤) مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٥). قال الإمام: ويمكن جعل هذا (٦) من مجاز المشابهة؛ لأن جزاء السيئة يشبهها (٧) في كونها (٨) سيئة بالنسبة إلى مَنْ وَصَل إليه ذلك الجزاء.

стр. 1123

ومن أمثلة الفصل (١): تسميتهم البَرِّيَّة المُهْلِكة بالمفازة تفاؤلًا، واستعمالهم صيغة الدعاء على الإنسان بمعنى الدعاء له (٢) مثل قولهم: قاتله الله ما أحسن ما قال. ومِنْ هذا قوله ﷺ : "عليك بذات الدين تربت يداك" (٣) عند مَنْ يقول الممَصود بها الدعاء له (٤) وبعضهم يقول: إن لم تظفر بذات الدين سُلِبْتَ البركةَ؛ (فافتقرتَ بذلك) (٥). كذا حكاه الروياني في أوائل كتاب النكاح من البحر، وحكى عن ابن شهاب الزهري (٦) قولًا ثالثًا: وهو جعل اللفظ على حقيقته (٧)، وأنه إنما

стр. 1124

قال له (١) ذلك لأنه رأى الفقر خيرًا له من الغنى (٢). قال: (والكلية كالقرآن لبعضه). العلاقة الخامسة: الكلية: وهي إطلاق اسم الكل على الجزء. ومَثَّل له الإمام بإطلاق لفظ العام وإرادة الخاص (٣)، وفيه نظر؛ لأن دلالة العموم من باب الكلية لا من باب الكل، والفرد منه (٤) من باب الجزئية لا (من باب) (٥) الجزء، وتحقيق هذا يُتَلَّقى مِنْ فاتحة كتاب العموم والخصوص من هذا الشرح، وسننتهي إليه إن شاء الله تعالى. والمصنف مَثَّل له بإطلاق لفظ القرآن على بعضه، وليس بجيد أيضًا؛ لأن القرآن من الألفاظ المتواطئة يطلق بالحقيقة على كله، وعلى بعضه عند التجرد من الألف واللام، وعند الاقتران بها إذا أريد بها (٦) مطلق الماهية (٧). ويطلق على ما يُراد منه إذا اقترن بالألف واللام وأريد بها

стр. 1125

معهودٌ إما كله وإما بعضه (١)، فإن اقترن بالألف واللام (ولا أريد بها معهود) (٢)، ولا أريد مطلق الماهية - كانت الألف واللام للعموم، فيحمل على جميع القرآن؛ لأنه جميع ما يصلح له اللفظ (٣)؛ لأن لفظ القرآن لم يطلق على غير الكتاب العزيز (٤) بالحقيقة. فإن قلت: لو كان لفظ القرآن من الألفاظ المتواطئة - لحنث الحالف على أن لا يقرأ القرآن بقراءة بعضه، كالحالف على أن لا يشرب الماء والعسل يحنث بقليله وكثيره، وقد ذكرتم في الحقيقة الشرعية أن المذهب المنصوص يقتضي (٥) خلاف ذلك. قلت: ليس هذا (كالحالف على أن) (٦) لا يشرب الماء والعسل وغير ذلك من الألفاظ المتواطئة، حيث يحنث فيها بالبعض؛ لأن تلك الحقائق أفرادها كثيرة لا تتناهى فلا يمكن الحمل فيها على العموم، بخلاف لفظ القرآن فإن أفراده سور القرآن وآياته، والحَمْل على العموم فيها ممكن؛ فوجب المصير إليه عند عدم العهد؛ لما قدمنا من أنه لم يطلق على غير
следующие страницы →