← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

قال: (والمشابهة: كالأسد للشجاع والمنقوشِ، وتسمى الاستعارة). العلاقة الثالثة: المشابهة: وهي تسمية الشيء باسم شبيهه (١)، إما في صفة ظاهرة خاصة بمحل الحقيقة، كإطلاق اسم الأسد (على الشجاع، والحمار على البليد. وإما في الصورة كإطلاق اسم الأسد) (٢)، أو الفرس مثلًا على المنقوش المصوَّر في الحائط بصورته. قوله: "وتسمى الاستعارة"، هذا يحتمل أن يعود إلى المنقوشِ وحدَه أي: ويُخَصُّ المنقوشُ الذي هو أحد قسمي المشابهة (بتسميته بالاستعارة) (٣)، وهذا لم نر أحدًا ذكره. ويحتمل أن يعود إلى أصل المشابهة أي: أن مجاز المشابهة مسمى بالمستعار (٤). وأما الإمام فإنه قال: إن المسمى بالاستعارة ليس إلا المُشَابِه المعنوي (٥)

стр. 1122

كتسمية الشجاع أسدًا (١). وتبعه عليه صفي الدين الهندي (٢). وعلى كل حال فالاستعارة بهذا الاصطلاح أخص من المجاز؛ لأنها مختصة ببعض أنواعه. وقيل: هما متساويان؛ لمان اللفظ إذا وضع لمعنى يستحقه ذلك المعنى بسبب الوضع، فيكون استعماله في غيره على وجه العارية. قال: (والمضادة مثل: جزاء سيئةٍ سيئةٌ مثلها). العلاقة الرابعة: المضادة: وهي تسمية الشيء باسم ضده. مثل قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٣) أطلق على الجزاء سيئة مع أنه ليس بسيئة، و (٤) مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٥). قال الإمام: ويمكن جعل هذا (٦) من مجاز المشابهة؛ لأن جزاء السيئة يشبهها (٧) في كونها (٨) سيئة بالنسبة إلى مَنْ وَصَل إليه ذلك الجزاء.

стр. 1123

ومن أمثلة الفصل (١): تسميتهم البَرِّيَّة المُهْلِكة بالمفازة تفاؤلًا، واستعمالهم صيغة الدعاء على الإنسان بمعنى الدعاء له (٢) مثل قولهم: قاتله الله ما أحسن ما قال. ومِنْ هذا قوله ﷺ : "عليك بذات الدين تربت يداك" (٣) عند مَنْ يقول الممَصود بها الدعاء له (٤) وبعضهم يقول: إن لم تظفر بذات الدين سُلِبْتَ البركةَ؛ (فافتقرتَ بذلك) (٥). كذا حكاه الروياني في أوائل كتاب النكاح من البحر، وحكى عن ابن شهاب الزهري (٦) قولًا ثالثًا: وهو جعل اللفظ على حقيقته (٧)، وأنه إنما

стр. 1124

قال له (١) ذلك لأنه رأى الفقر خيرًا له من الغنى (٢). قال: (والكلية كالقرآن لبعضه). العلاقة الخامسة: الكلية: وهي إطلاق اسم الكل على الجزء. ومَثَّل له الإمام بإطلاق لفظ العام وإرادة الخاص (٣)، وفيه نظر؛ لأن دلالة العموم من باب الكلية لا من باب الكل، والفرد منه (٤) من باب الجزئية لا (من باب) (٥) الجزء، وتحقيق هذا يُتَلَّقى مِنْ فاتحة كتاب العموم والخصوص من هذا الشرح، وسننتهي إليه إن شاء الله تعالى. والمصنف مَثَّل له بإطلاق لفظ القرآن على بعضه، وليس بجيد أيضًا؛ لأن القرآن من الألفاظ المتواطئة يطلق بالحقيقة على كله، وعلى بعضه عند التجرد من الألف واللام، وعند الاقتران بها إذا أريد بها (٦) مطلق الماهية (٧). ويطلق على ما يُراد منه إذا اقترن بالألف واللام وأريد بها

стр. 1125

معهودٌ إما كله وإما بعضه (١)، فإن اقترن بالألف واللام (ولا أريد بها معهود) (٢)، ولا أريد مطلق الماهية - كانت الألف واللام للعموم، فيحمل على جميع القرآن؛ لأنه جميع ما يصلح له اللفظ (٣)؛ لأن لفظ القرآن لم يطلق على غير الكتاب العزيز (٤) بالحقيقة. فإن قلت: لو كان لفظ القرآن من الألفاظ المتواطئة - لحنث الحالف على أن لا يقرأ القرآن بقراءة بعضه، كالحالف على أن لا يشرب الماء والعسل يحنث بقليله وكثيره، وقد ذكرتم في الحقيقة الشرعية أن المذهب المنصوص يقتضي (٥) خلاف ذلك. قلت: ليس هذا (كالحالف على أن) (٦) لا يشرب الماء والعسل وغير ذلك من الألفاظ المتواطئة، حيث يحنث فيها بالبعض؛ لأن تلك الحقائق أفرادها كثيرة لا تتناهى فلا يمكن الحمل فيها على العموم، بخلاف لفظ القرآن فإن أفراده سور القرآن وآياته، والحَمْل على العموم فيها ممكن؛ فوجب المصير إليه عند عدم العهد؛ لما قدمنا من أنه لم يطلق على غير

стр. 1126

الكتاب العزيز. وإذا تقرر هذا فنقول: كان الأحسن أن يُمَثِّل لهذا النوع من المجاز بقوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ (١) أي: أناملهم (٢). قال: (والجزئية: كالأسْود للزنجي، والأول أقوى للاستلزام). العلاقة السادسة: الجزئية: وهي إطلاق الجزء وإرادة الكل. كقولهم للزنجي أسود وليس كله أسود، ألا ترى إلى بياض عينيه وأسنانه، فيكون إطلاق الأسود على المجموع المركب من أعضائه ومن الجِلد وغيره - مِنْ باب إطلاق اسم الجزء على الكل. (هكذا مَثَّل) (٣) به في الكتاب تبعًا للإمام (٤). ولقائل أن يقول: إطلاق الأسود على الزنجي إنما يكون مجازًا أن لو كان المراد به وصفُ جميع أعضائه بالسواد، وليس كذلك، بل مفهوم الأسود مَنْ قام السواد بظاهر جلده فقط، لا جميع أعضائه حتى العينين والأسنان؛ لأن ما ثبت له المشتق شيء له المشتق منه (٥)،

стр. 1127

وذلك (١) أعم من كونه ثابتًا لكله أو بعضه، كما نقول لمكسور إحدى (٢) الرجلين: أعرج. والأَوْلى أن يُمَثِّل لهذا النوع بقولهم: فلان يملك كذا رأسًا من الغنم، أو ذَبَح كذا رأسًا من البقر (٣). قوله: "والأول" أي: إذا تعارض القسم الخامس والسادس فالأول الذي هو الخامس أولى من السادس؛ لأن الكل مستلزم للجزء (٤)، والجزء لا يستلزم الكل، فكانت دلالة الأول أقوى لذلك. قال: (والاستعداد: كالمسكر للخمر في الدَنِّ).

стр. 1128

العلاقة السابعة: الاستعداد . وهي تسمية الشيء المُسْتَعِدِّ لأمرٍ باسم ذلك الأمر. مثل: تسمية الخمر حال كونه في الدَّنِّ بالمُسْكِر (١). ولقائل أن يقول: إذا كان الخمر اسمًا لما يخامر (٢) العقل - فلا يصدق حقيقةً إلا حال (٣) مخامرته للعقل وهي حالة الإسكار؛ فيكون إطلاق الخمر على عصير العنب المودع في الدن مجازَ استعدادٍ، ويكون التمثيل بإطلاق الخمر (على هذا العصير لا بإطلاق المسكر على الخمر) (٤) (٥)، وقد يمثل

стр. 1129

لهذا (١) أيضًا بإطلاق الكاتب على العارف بالكتابة عند عدم (٢) مباشرته لها، وكذا استعمال كل مشتق باعتبار الاستقبال (٣). قال: (والمجاوَرَة: كالراوية للقربة). العلاقة الثامنة: المجاورة: وهي تسمية الشيء باسم ما يجاوره. كإطلاق لفظ "الراوية" على "القربة" التي هي ظرف للماء، فإن الراوية في اللغة: اسم للجَمَل والبغل والحمار الذي يُستقى عليه، كما قاله (٤) الجوهري وأنشد لأبي النجم (٥): تمشي من الرِّدَّة مَشْي الحُفَّلِ ... مشْي الروايا بالمزاد الأثْقَلِ (٦)

стр. 1130

ثم إنه (١) أُطلق على القربة لمجاورتها له. قال: (وتسمية الشيء باسم ما كان عليه: كالعبد). هذه العلاقة وهي التاسعة ساقطة من (٢) كثير من النسخ؛ لتقدمها في كلام المصنف في فصل الاشتقاق. وحاصلها: أن من المجازات تسمية الشيء باعتبار ما كان عليه كتسمية العبد الذي عَتَق بالعبد (٣)، وتسمية مَنْ ضَرَب بعد انقضاء الضرب بالضارب على ما تقدم البحث فيه (٤). قال: (والزيادة والنقصان: مثل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٥) (﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٦)) (٧)).

стр. 1131

العلاقة العاشرة: الزيادة . وهو (١) أن يكون الكلام ينتظم بإسقاط شيء منه، فيحكم بزيادة ذلك الشيء. (ومثاله) (٢): قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٣))، فإن الكاف زائدة والتقدير: ليس مثله شيء (٤)، والدليل على أنها زائدة أنها لو لم تكن كذلك لكان التقدير: ليس مِثْلُ مِثْله شيء إذ الكاف بمعنى: مثل، فيكون له تعالى مِثْلٌ وهو محال، والغرض بالكلام نفيه. وقد اعترض الناس على هذا التمثيل بأن الكاف في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ غير زائدة، وأجابوا عما ذُكِر بأجوبةٍ عدة، استحسن الأذكياء منها جوابَ مَنْ قال: لا نسلم أن قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ المراد منه (٥) نفي

стр. 1132

المثل، بل هو محمول على حقيقته: وهو نفي مِثْلِ مِثْله، ويلزم مِنْ نفي مِثْل المِثْل نَفْيُ المِثْلِ ضرورةَ أنَّ مِثْلَ المِثْلِ مِثْلٌ؛ إذ المماثلة لا تتحقق إلا من الجانبين (١)، فمتى كان زيدٌ مِثْلًا لعمروٍ - كان عمروٌ مِثْلًا له (٢)، وقد نفى المثل (٣). وأُورد على هذا الجواب وجهان: أحدهما: أنه يلزم أن لا يكون النص مفيدًا لنفي المثل ما لم يُضَم إليه هذه المقدمة (٤)، والأُمَّة قد عَقَلَتْ منه (٥) نفيَ المثل بدونها. وأجاب عنه صفي الدين الهندي: "بمنع أن الأُمّة بأسرها قد (٦) عقلت منه ذلك من غير اعتبار تلك المقدمة، قال: وكيف يقال ذلك وفي الأمة مَنْ يُنْكِر أن يكون في كلام الله تعالى مجاز! ومنهم مَنْ ينكر أن يكون فيه زيادة لا معنى لها، ولا يمكن حمل الآية على نفي المثل إلا بعد الاعتراف بهذين الأصلين (٧)، (بل القائلون بهذين الأصلين) (٨) جاز أن يفهموا منه نفي المثل

стр. 1133

على سبيل الاستقلال، وجاز أن يفهموا ذلك منه بواسطة ما ذكرنا من المقدمة" (١). والثاني: أنه إذا (٢) كان قد نَفَى مِثْل المِثْل والذات من جملة مِثْل المثل - لزم أن تكون الذات منفية، وهو أقوى الإيرادين. وأجاب بعضهم عن هذا: بأن الذات لما كانت ثابتةً قطعًا بالبرهان القاطع الخارجي بقي ما عداها منفيًا. وذكر القرافي في الجواب: أنه (٣) إنما يلزم نفي الذات من جهة أنها مِثْلٌ، فإنها بقيد المثلية أخصُّ منها من حيث هي هي، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم، فهذا النفي حق ولا يلزم نفي واجب الوجود (٤). ثم إن القرافي اعترض على هذا الجواب بما لا نطيل بذكره (٥) (٦).

стр. 1134

والتحقيق أن الجوابين خارجان عن صَوْب (١) التحقيق، وإنما الجواب الدقيق الذي ليس بعده شيء ما قرره لنا (٢) غيرَ مرةٍ والدي أطال الله بقاه فقال: تقدير الكلام: ليس شيءٌ كمثله، فشيء اسم ليس وهو المبتدأ، وكمثله الخبر، فالشيء الذي هو موضوع، قد نُفِيَ عنه المثل الذي هو محمول، فهو (٣) منفي عنه لا منفيٌ؛ فيكون (٤) ثابتًا، فلا (٥) يلزم أن تكون الذات المقدسة منفية (٦)، وإنما المنفيُّ مِثْلُ مِثْلِها، ولازمه نفي مثلها، وكلاهما منفي عنها (٧). والله أعلم. العلاقة الحادية عشر: النقصان: أي: المجاز بالنقصان في اللفظ (٨). مثل: قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٩) تقديره: واسأل أهل القرية، إذ القرية عبارة عن الأبنية وهي لا

стр. 1135

تُسأل. ولقائل أن يقول: يحتمل أن يكون (١) الله خلق في القرية قدرة الكلام، ويكون ذلك معجزة لذلك النبي، ويبقى اللفظ على حقيقته. لا يقال: الأصل عدم هذا الاحتمال؛ لأنا نقول: هذا مُعَارَض بأن الأصل عدم المجاز، على أن هذا كله (٢) مُفَرَّع على أن القرية السم للأبنية المجتمعة، أما إنْ قلنا: إنها مُشْتَركة بينها وبين الناس المجتمعين، إما باشتراك لفظي أو معنوي - فالاستدلال ساقط بالكلية. ثم الذي يدل على أن القرية حقيقة في الناس المجتمعين أيضًا قوله تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ (٣) ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ (٤) ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ (٥) (٦)؛ ولأن القرية مشتقة من "القَرْء": وهو الجمع

стр. 1136

ومنه: قرأت الماء في الحوض، أي: جمعته (١)، ومنه: القِرا (٢): وهو الضيافة لاجتماع الناس لها. وهذا كله حَرَكة البحث والنظر. والأول هو المُرْتَضى أعني: أن المراد سؤال أهل القرية، كيف والشافعي ﵁ قد نص عليه في "الرسالة"، ونَقَله عن أهل العلم باللسان وسَمَّى هذه الآية وأمثالها بالصنف (٣) الذي يدل لفظه على باطنه دون ظاهره، فقال ما نصه: "باب الصنف الذي يدل لفظه على باطنه دون ظاهره (٤) " (٥). قال الشافعي: "قال الله جل ثناؤه وهو يحكي قول إخوة يوسف لأبيهم: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (٨١) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ (٦) فهذه الآية

стр. 1137

في معنى الآيات قبلها لا يختلف أهل العلم باللسان أنهم إنما يخاطِبون أباهم بمسألة أهل القرية وأهل العير؛ لأن القرية والعير لا يُنْبئان عن صدقهم" (١). انتهى. وهنا (٢) مباحثتان: إحداهما: أن (٣) العادّين لهذين النوعين (٤): العاشر والحادي عشر - ذكروه في المجاز الإفرادي، وكيف يكون ذلك (٥) في مجاز النقصان، والمجاز في المفرد: هو اللفظ المستعمل في غير موضوعه الأول، والمحذوف لم يستعمل البتة (٦)، والمجاز بالزيادة كذلك؛ لأن الزائد لم يستعمل البتة في شيء (٧)؟ وهذا السؤال قد شاع وذاع، وأجاب عنه والدي أحسن الله إليه: بأن هذا (٨) لفظ (٩) مستعمل في غير ما وضع له، فصدق عليه تعريف المجاز

стр. 1138

الإفرادي. قال: وذلك دان قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ موضوع لسؤالها، مستعمل في سؤال أهلها فكان مجازًا (١). وليس هو مجاز في التركيب، فإن مجاز التركيب مثل قولك: أنبتَ الربيعُ البقلَ، لفظ مستعملٌ في موضوعه مقتضاه إسناد الإنبات إلى البقل (٢)، ولكنا عَلِمنا بالعقل أنه ليس كذلك، وإنما هو من الله تعالى، فقلنا: إنه مجاز عقلي. ولم نُرد بقولنا: المجاز بالزيادة والنقصان - أن اللفظة الزائدة وحدها، أو الناقصة وحدها مجاز. قال: ومن تأمَّل قول الإمام في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ وفي قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٣) فَهِم ذلك (٤)، ولا يقال: إنه حينئذ يصير مجازًا في التركيب؛ لأنا لا نعني بمجاز التركيب إلا إسناد الفِعْل إلى الفاعل وهو الذي يكون الإسناد فيه من جهة الموضوع اللغوي صحيحًا، وإنما جاء المجاز من جهة العقل (٥)، حتى لو فرض هذا الكلام من كافر يعتقد حقيقته لم يكن مجازًا (٦). وهذا جواب نفيس.

стр. 1139

الثانية: أن الإمام عدَّ المجاز بالزيادة والمجاز بالنقصان مع تغايرهما وتقابلهما نوعًا واحدًا (١)، وبه أشعرت عبارة الكتاب، وعليه جرى سائر أتباع الإمام إلا الشيخ صفي الدين الهندي فإنه عَدَّهما نوعين كسائر المحققين (٢)، وقد يعتذر عن الإمام بأنه لما كان مدار الأمر في هذين المجازين على شيء واحد: وهو أن تستفيد الكلمةُ حركةً لأجل إثبات مزيدٍ مستغنى عنه (٣)، أو حذف شيء لا بد منه (٤) - جُعِلا نوعًا واحدًا؛ لأن الكلمة نقلت عن حكمٍ كان لها إلى حكم آخر لم يكن لها في الأصل، وذلك كافٍ في وصفها بالمجاز، كما أنها توصف بالمجاز لنقلها عن معناها الأصلي إلى معنى آخر. وبيان انتقالها عما كان لها من الحكم إلى غيره أن "المِثْل" في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ اكتسى الجر بزيادة الكاف، وكان حكمه في الأصل النصب، فالجر فيه مجاز. والقرية في قوله:

стр. 1140

﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ اكتسيت (١) النصب؛ لأجل حذف المضاف وإقامتها مقامه، وكان واجبها في الأصل الجر، فالنصب (٢) مجاز. وقد يلوح من هذا التقرير وجهُ عَدِّ هذين النوعين من مجاز الإفراد (٣)، ويقال: المجاز إنما وقع في الجر والنصب لِسبب (٤) الزيادة والنقصان، ولكن هذا بعيد (٥). ومع الجواب التقدم لا يحتاج إلى الشنيع (٦) بمثل هذه التخيلات. قال: (والتعلق: كالخلق للمخلوق). العلاقة الثانية عشر: التعلق: التعلق الحاصل بين المصدر واسم المفعول، أو اسم الفاعل. ويدخل فيه أقسام: أحدها: إطلاق اسم المصدر على المفعول كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ (٧) أي: مخلوقًا آخر. ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ (٨) أي: مخلوق الله.

стр. 1141

﴿كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ (١) أي: مكتوب. وعلى ذِكْر هذا القسم اقتصر في الكتاب. وثانيها: عكسه، ومنه قوله تعالى: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ (٢) أي: الفتنة. وهذا على رأي مَنْ يقدِّر المصدر، وأما مَنْ يقول الباء زائدة والتقدير: أيكم المفتون، فلا يصح له التمثيل بها (٣). وثالثها: إطلاق اسم الفاعل على المفعول نحو ﴿مِنْ (٤) مَاءٍ دَافِقٍ﴾ (٥) أي: مدفوق. و ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ (٦) أي: مرضية. ورابعها: عكسه مثل قوله تعالى: ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ (٧) أي: ساترًا. وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ (٨) أي: آتيًا. وخامسها: إطلاق المصدر على اسم الفاعل نحو قولهم: رجل عَدْل، أي: عادل. وصَوْم، أي: صائم. ومنهم مَنْ يقول: التقدير: ذو عدل وذو صوم، فعلى هذا يكون مِنْ مجاز الحذف لا مما نحن فيه.

стр. 1142

وسادسها: عكسه مثل: قم قائمًا، أي: قيامًا. واسكت ساكتًا، أي: سكوتًا. وقد نجز شَرْح ما أورده المصنف من العلاقات، وهي وإن كانت (اثنتي عشرة) (١) علاقة فهي أيضًا في الحقيقة اثنان وعشرون قسمًا؛ لأن العلاقة السببية مشتملة على أربعة أقسام، والمشابَهة على قسمين كما تقدم، والاستعداد أيضًا على قسمين؛ لأن المستعد للشيء تارة يكون ذلك الشيء قريبًا منه كالإسكار بالنسبة إلى العُقَار في الدَّنِّ، وتارة يكون بعيدًا كتسمية الطفل بالكاتب والعالم، ولا يخفى أن القريب أولى من البعيد عند التعارض. والتعلق على ستة أقسام، وأنت قريب العَهْد به. ولنُوصِل الأقسام إلى ستةٍ وثلاثين فنقول: الثالث والعشرون: اسم اللازم على الملزوم كالمس على الجماع. الرابع (٢) والعشرون: عكسه، كقوله تعالى: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ (٣) أي: يدل، والدلالة لازم من لوازم الكلام (٤). الخامس والعشرون: تسمية الحال باسم المحل، كتسمية الخارج المستقذَر بالغائط، ومنه: لا فُضَّ فُوك، أي: أسنانُك (٥).

стр. 1143

السادس والعشرون: عكسه، كقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١) أي: في الجنة لأنها محل رحمته (٢). السابع والعشرون: تسمية البدل باسم المبدل، مثل: يأكلن كلَّ ليلةٍ إِكافًا (٣). أي: ثمن إكاف (٤). الثامن والعشرون: عكسه، كتسمية الأداء بالقضاء في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ (٥) أي: أديتم (٦). التاسع والعشرون: إطلاق المُنَكَّر وإرادة المُعَيَّن، مثل: ﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (٧) عند مَنْ يقول: كانت معيَّنة (٨).

стр. 1144

الثلاثون: عكسه، مثل: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ (١) عند مَنْ زعم (٢) أن المأمور به دخولُ أيِّ بابٍ كان (٣). الحادي والثلاثون: إطلاق النكرة وإرادة الجنس، مثل: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ (٤) مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ (٥). الثاني والثلاثون: إطلاق المُعَرَّف باللام وإرادة الجنس مثل: الرجل خير من المرأة (٦). والدينار خير من الدرهم. الثالث والثلاثون: إطلاق اسم المقيَّد على المطلق، كقول (شريح القاضي) (٧): "أصبحتُ ونصفُ الناس عليَّ غضبان". فإنه أراد بالنصف البعض المطلق، لا المقيد بالتعديل والتسوية (٨)، ومنه قول الشاعر: إذا مِتُّ كان الناس نصفين (٩) شامتٌ ... وآخرُ مُثْنٍ بالذي كنت أصنعُ (١٠)

стр. 1145

الرابع والثلاثون: عكسه: كقوله تعالى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (١) عند مَن يقول: المراد بها رقبة مؤمنة. وهذا غير إطلاق المنكَّر وإرادة المعرَّف؛ لأن المطلق غير المنكَّر (٢)، نعم قد يقال: إن المطلق من حيث كونُه جزءًا للمقيَّد مذكور فيما تقدم من إطلاق الجزء على الكل (٣). الخامس والثلاثون: إطلاق اسم آلة الشيء على الشيء، كإطلاق اللسان على الكلام أو الذكر، كما في قوله تعالى: ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ (٥) فِي الْآخِرِينَ﴾ (٦).

стр. 1146

وكما يقال: كتب القلم (١) كَيْت (٢) وكَيْت. وقد يقال برجوع (٣) ذلك إلى إطلاق اسم المحل على الحال، والتحقيق أنه غيره؛ لأن آلة الشيء (قد تكون مَحَلًا له وقد لا تكون (٤). السادس والثلاثون: تسمية الشيء باسم ما يؤول إليه) (٥)، كتسمية المريض ميتًا في قوله ﷺ : "اقرءوا على موتاكم يس" (٦). ومنه: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ (٧) (٨)، وهذا غير القسم الذي تقدم في كلام

стр. 1147

المصنف، أعني: مجاز الاستعداد؛ لأن المستعد للشيء قد لا يؤول إليه، بل هو مستعد له ولغيره، كما أن العصير قد لا يؤول إلى الخمرية وإن كان مستعدًا لها ولغيرها (١). وابن الحاجب عَبَّر عن مجاز الاستعداد بتسمية الشيء باسم ما يؤول إليه؛ بدليل أنه مثَّل بالخمر (٢)، وذلك يوهم اتحاد القسمين (٣)، وكذلك الإمام فإنه عَبَّر بتسمية إمكان الشيء باسم

стр. 1148

وجوده (١)، والحق افتراقُ القسمين. والناظر إذا أمعن نظرَه في جزئيات هذه الأقسام، ونَظَر إلى تفاوتها حصل على عدد كثير، وفيما ذكرناه كفاية (٢). قال: (الرابعة: المجاز بالذات لا يكون في الحرف ؛ لعدم الإفادة. والفعلِ و (المشتقِّ؛ لأنهما يتبعان الأصول. والعَلَمِ؛ لأنه لم يُنقل لعلاقة). المجاز الواقع في الكلام قد يكون بالذات، أي: بالأصالة، وقد يكون بالتبعية. فالمجاز بالذات لا يدخل في أشياء: أحدها: الحرف؛ وذلك لأن مفهومه غير مستقل بنفسه، بل (٣) (ولا بد أن) (٤) يُضم إلى شيء آخر لتحصل الفائدة (٥).

стр. 1149

قال الإمام: "فإن ضُمَّ إلى ما ينبغي ضمه إليه كان حقيقة (١)، وإلا فهو مجاز في التركيب لا في المفرد" (٢) (٣). وقد اعترض عليه النقشواني (٤): "بأن الحرف له (٥) مسمى في الجملة،

стр. 1150

إذ ما ليس له مسمى فهو مهمل، والكلام في اللفظ الموضوع، وإذا كان له مسمى، واستعمل في موضوعه الأصلي - كان حقيقة، سواء أكان (١) الاستعمال عند ضمه إلى غيره أو عند عدم الضم، فإن الاستعمال أعم منهما، وقد ذَكَر في حد الحقيقة هذا القدر فكان حقيقة (٢). وأما إذا استعمله في غير موضوعه لعلاقة كان مجازًا من غير تفاوت". قال: "وأقرب مثال لذلك قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (٣) فإن الصلب مستعملٌ في موضوعه الأصلي، وكذلك جذوع النخل، ولم يقع المجاز إلا في حرف "في" فإنها للظرفية في الأصل، وقد استعملت هنا لغير الظرفية" (٤). قال: "وأيضًا لو لم يدخل المجاز في الحرف بالذات - لما دخلت فيه الحقيقة بالذات (٥)، ولو كان كذلك لما

стр. 1151

صح ما ذكره في باب تفسير الحروف، وبيان الملازمة أنه لو تعذر دخول المجاز لكون الحرف غير مستقل، فهو كما لا يفيد المعنى المجازي بالاستقلال، لا يفيد المعنى الحقيقي بالاستقلال، فإذا أوجب ذلك عدم دخول المجاز في الحرف وحده - أوجب عدم دخول الحقيقة". قال: "ثم نقول: ما الدليل على أنه إن ضُمَّ إلى ما لا ينبغي ضمه إليه يكون مجازًا في التركيب لا في المفرد! بل الحق أن هذا الضم قرينة على مجاز الإفراد، وهذا كما تقول في لفظ الأسد إذا ضم إلى ما ينبغي ضمه إليه بأن تقول: رأيت أسدًا يثب، فهذا حقيقة. وإن ضم إلى ما لا ينبغي بأن تقول: رأيت أسدًا يرمي بالنشاهب - صار ذلك قرينة دالة على أنه أراد بلفظ الأسد معناه المجازي، وهذا مجاز في المفرد دون التركيب". هذا آخر كلام النقشواني، وكله مُنْقَدِح حَسَن (١). الثاني: الأفعال والمشتقات؛ لأنهما يتبعان أصولهما، وأصل كل منهما المصدر (فإن كان حقيقةً كانا كذلك، وإلا فلا. هذا كلام المصنف تبعًا للإمام (٢)) (٣). وقد اعترض عليه النقشواني: "بأن قولكم هنا: لا يدخل المجاز في الفعل إلا بواسطة دخوله في المصدر (٤) - يناقض قولكم: استعمال المشتق

стр. 1152

بعد زوال المشتق منه مجاز. فإذا قال القائل (١): إن زيدًا ضرب عمرًا، بعد انقضاء الضَّرْب - كان هذا مجازًا (٢)، وليس المجاز في الأسامي إذ كل واحد منهما (٣) مستعمل في موضوعه، ولا في المصدر (٤)؛ لأن المصدر لم يستعمل ههنا أصلًا (٥)، وما لم يستعمل أصلًا يمتنع أن يقال: استعمل مجازًا أو حقيقة. وليس أيضًا مجازًا في التركيب (٦)، فتعين المجاز ههنا في الفعل، فقد دخل (٧) في الفعل من غير دخوله في المصدر". قال: "وهكذا يرد هذا النقض على (٨) المشتقات" (٩). هذا اعتراضه. ولقائل أن يقول: إنما صح: إنَّ زيدًا ضرب عمرًا - مجازًا والحالة هذه؛ لأنه يصح أن يقال (١٠): زيد ذو ضَرْب لعمرو - مجازًا، فما يجوز في الفعل

стр. 1153

إلا وقد صح إطلاق المصدر مجازًا. وقوله: إن المصدر لم يُسْتَعمل، ولا يُوصف بحقيقة ولا مجاز. قلنا: صحة استعماله كافية في صحة (١) دخول المجاز في الفعل؛ وليس المدعى غيرَ ذلك. أعني: أن المجاز لا يدخل في الفعل إلا بواسطة صحة دخوله في المصدر، لا بواسطة وقوع دخوله. الثالث: العَلَم؛ لأن الأعلام لم تُنْقل لعلاقة، وشرط المجاز العلاقة، وهذا فيما إذا كان العَلَم مُرْتَجَلًا أو منقولًا لغير علاقة، وإنْ نقل لعلاقة كمن سمى ولده بـ "المبارك" لِمَا ظَنَّه فيه من البركة فكذلك، بدليل أنه لو كان مجازًا لصح (٢) إطلاقه عند زوال العلاقة (٣). وبهذا التقرير يُعْلم أن قول المصنف: "لأنه لم ينقل لعلاقة" غير كاف في الدليل على مطلوبه، بل كان الأحسن أن يقول: لأنه إنْ كان مرتجلًا أو

стр. 1154

منقولًا لغير علاقة فواضح (١)، وإلا فَلِصِدْقه عليه مع زوالها (٢). وقد (٣) قال الغزالي: "إنَّ المجاز يدخل في الأعلام الموضوعة للصفة، كالأسْوَدِ والحارث (٤)، دون الأعلام التي لم توضع إلا للفرق بين الذوات" (٥). واعترض النقشواني على قولهم: إن المجاز لا يدخل في الأعلام - بأن القائل يقول: جاءني تميم أو قيس، وهو يريد طائفة من (٦) بني تميم، وهذا مجازٌ لا حقيقة. وتميم اسم عَلَم فقد تطرق المجاز إلى العَلَم لِمَا بين هؤلاء وبين المسمَّى بذلك العَلَم (٧) من التعلق. وفي هذا الاعتراض نظر (٨) (٩).

стр. 1155

قال: (الخامسة: المجاز خلاف الأصل ؛ لاحتياجه إلى الوضع الأول، والمناسبة، والنقل، ولإخلاله بالفهم). الأصل تارة يُطْلق ويراد به: الغالب، وتارة يراد به: الدليل. وقد ادعى المصنف أن المجاز خلافُ الأصل: إما بمعنى خلاف الغالب، والخلاف في ذلك مع ابن جني، حيث ادَّعى أن المجاز غالب على اللغات (١). أو بالمعنى الثاني. والغرض: أن الأصل الحقيقة (٢)، والمجاز على خلاف الأصل، فإذا دار اللفظ بين احتمال المجاز واحتمال الحقيقة - فاحتمال الحقيقة أرجح لوجهين: أحدهما: أن المجاز يحتاج إلى الوضع الأول، وإلى العلاقة يعني: المناسبة بين المعنيين، وإلى النقل إلى المعنى الثاني. والحقيقة محتاجة إلى الوضع الأول فقط، وما يَتَوَقَّفُ على أمرٍ (٣) واحدٍ كان راجحًا بالنسبة إلى ما هو متوقف

стр. 1156

على أمور متعددة. وقد أهمل صاحب الكتاب ذكر الاستعمال؛ لأن الحقيقة والمجاز مشتركان في افتقارهما إليه (١). والثاني: أن الحقيقة لا تُخِلُّ بالفهم، وذلك ظاهر، والمجاز يُخِلُّ بالفهم؛ فيكون مرجوحًا. والدليل على أنه يُخِلُّ بالفهم وَجهان: أحدهما: أن اللفظ إذا تجرد عن القرينة فلا جائز أن يُحْمل على المجاز لعدم القرينة، ولا على الحقيقة وإلا لزم الترجيح بدون مرجِّح؛ إذِ الحقيقة والمجاز متساويان على هذا التقدير (٢). والثاني: أن الحمل على المجاز يتوقف على قرينة تدل على أنه المراد، وقد تَخْفى هذه القرينة على السامع، فَيَحْمِل اللفظَ على المعنى الحقيقي مع

стр. 1157

إرادة المجاز، أو يَخْتَبِط (١) عليه الحال فَيَحْمِل على المجاز (٢) الذي ليس بمراد (٣). قال: (فإنْ غلب كالطلاق تساويا، والأَوْلى الحقيقة عند أبي حنيفة، والمجاز عند أبي يوسف رحمهما الله تعالى). ما تقدم من رجحان الحقيقة على المجاز إنما هو فيما إذا لم (٤) تُعارِض أصالة الحقيقة (٥) غلبةُ المجاز، أما إذا غلب المجازُ في الاستعمال فقال أبو حنيفة: الحقيقة أولى؛ لأن الحقيقة بحسب الأصل راجحة، وكونها مرجوحة أمر عارض لا عبرة به. وقال أبو يوسف (٦): المجاز أولى؛ لكونه راجحًا في الحال.

стр. 1158

ومن الناس مَنْ قال: يحصل التعارض؛ لأن كل واحد راجح على الآخر من وجه فيتعادلان، ولا يُحمل على أحدهما إلا بالنية. وهذا ما اختاره المصنف. قال الهندي: "وعُزِي ذلك إلى الشافعي" (١). وقد مَثَّل المصنف لذلك بالطلاق، فإنه حقيقةٌ في: إزالة القيد (٢)، سواء كان عن نكاح أم ملك يمين أم غيرهما (٣). وخَصَّه العُرْف بإزالة قيد النكاح (٤)، ولذلك كان كناية في باب العتق محتاجًا إلى النية بخلاف الطلاق (٥). هذا كلام المصنف، وهو فيما اختاره في (٦) هذه المسألة وفيما مثَّل به متابعٌ للإمام في كتاب "المعالم" فإنه كذلك فَعَلَ (٧)، ثم أَوْرَد على ما ذكر في الطلاق: بأنه يلزم أن لا يُصْرف إلى المجاز الراجح (٨) إلا بالنية، وليس كذلك، بدليل أنه لو قال لزوجته: أنت طالق -

стр. 1159

طلقت من غير نية (١). وأجاب: بأن هذا غير لازم؛ لأنه إذا قال لمنكوحته: أنت طالق، فإنْ عَنِيَ بهذا اللفظ الحقيقة المرجوحة: وهو إزالة مطلق القيد - وجب أن يزول مُسَمَّى القيد، وإذا زال هذا المسمى (٢) فقد زال القيد المخصوص. وإنْ عَنِيَ به المجاز الراجح فقد زال قيد النكاح، فلما كان يفيد الزوال على التقديرين استغنى عن النية. هذا كلام الإمام في "المعالم" (٣). وقد اعترض عليه ابن التِّلِمْساني: بأن السؤال لازم؛ إذِ الكلام مفروض فيما إذا ذَكَره ولم يَنْوِ شيئًا، ولا خلاف أنه يحمل على الطلاق، فقوله: إنْ نوى وإنْ نوى - حَيْدٌ عن السؤال (٤) (٥). ولك أن تعترض على الإمام أيضًا: بأنا لا نسلم أنه إنْ عَنِي بذلك الحقيقة المرجوحة يجب زوال مسمى القيد حتى يلزم زوال القيد المخصوص، وإنما يجب ذلك أنْ لو كان المُطْلَق في سياق الإثبات للعموم

стр. 1160

الشمولي، وإنما هو عموم بدلي (١)، فإذا عَنِيَ الحقيقة المرجوحة فإنما أراد حصول مطلق الحقيقة، وهي أعم من القيد المخصوص، فلا تُحْمَل عليه إلا بدليل. واعلم أن التمثيل بالطلاق مِنْ أصله فيه نظر متوقفٌ على تحرير محل النزع في المسألة، وهو مهم، وقد حرره المتأخرون من كتب الحنفية فإن المرجع في المسألة إليهم، فنقول: قالت الحنفية: المجاز أقسام: الأول: أن يكون مرجوحًا. والثاني: أن يساوي الحقيقة في الاستعمال. فلا ريب في تقديم الحقيقة في هذين القسمين، ولا خلاف بين أبي حنيفة وأبي يوسف في ذلك، وإنْ حصل وَهَم (٢) مِنْ بعض المصنفين في نقل الخلاف عنهما في القسم الثاني فلا يُعْبأ به. والثالث: أن تُهْجر الحقيقة بالكلية بحيث لا تراد في العُرْف، فقد اتفقا على تقديم المجاز. مثل: مَن حلف لا يأكل من هذه النخلة - فإنه يحنث بثمرها لا بخشبها، وإن كان هو (٣) الحقيقة؛ لأن المجاز حينئذ إما حقيقة شرعية كالصلاة، أو عرفية كالدابة (٤).
следующие страницы →