← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وأما الحافظ أبو الحجاج المِزِّيُّ: فلم يكتب لفظة "شيخ الإسلام" إلا لَهُ، وللشيخ تقي الدين ابن تيمية، وللشيخ شمس الدين ابن أبي عمر (١). وقد قدمنا قول ابن فضل الله (٢): إنه مثل التابعين إن لم يكن منهم. وكان الشيخ تقي الدين أبو الفتح السبكي (٣) ﵀ يقول: إذا _________ (١) هو عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي، الجماعيلي الأصل، الصالحي، الحنبلي، الفقيه، الإمام، الزاهد الخطيب، قاضي القضاة، شيخ الإسلام، شمس الدين أبو محمد، وأبو الفرج بن الشيخ أبي عمر. ولد سنة ٥٩٧ هـ. قال النووي عنه: هذا أجل شيوخي. من مصنفاته: شرح "المقنع"، استمده من كتاب "المغني" لعمه. توفي ﵀ سنة ٦٨٢ هـ. انظر: ذيل طبقات الحنابلة ٤/ ٣٠٤، المعجم المختص ص ١٣٨. (٢) هو القاضي أحمد بن يحيى بن فضل الله بن مجلي القرشي العدوي العمري الشافعي، شهاب الدين أبو العباس، من نسل عمر بن الخطاب ﵁. ولد سنة ٧٠٠ هـ. كان يتوقد ذكاءً، مع حافظة قوية، وصورة جميلة، واقتدارٍ على النظم والنثر. من مصنفاته: "مسالك الأبصار في ممالك الأمصار" وهو كتاب جليل ما صُنِّف مثله، كذا قال ابن قاضي شهبة وابن العماد الحنبلي رحمهما الله، و"فواضل السمر في فضائل عمر"، وغيرهما. توفي شهيدًا بالطاعون يوم عرفة سنة ٧٤٩ هـ. انظر: الدرر ١/ ٣٣١، شذرات ٦/ ١٦٠، المعجم المختص للذهبي ص ٤٥، طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ١٦. (٣) محمد بن عبد اللطيف بن يحيى بن علي بن تمام السبكي، تقي الدين أبو الفتح. ولد سنة ٧٠٥ هـ، وتفقه على جده صدر الدين يحيى، وعلى قريبه وصهره تقي الدين علي السبكي، وبه تَخَرَّج في كل فنونه، وكان من أصح الناس ذهنًا، وأذكاهم فطرة. توفي سنة ٧٤٤ هـ بدمشق. انظر: الطبقات الكبرى ٩/ ١٦٧، الدرر ٤/ ٢٥.

стр. 107

رأيته فكأنما رأيت تابعيًا. وصح أن شيخه الإمام علاء الدين الباجي ﵀ أقبل عليه بعض الأمراء، وكان الشيخ الإمام إلى جانبه الأيمن، وعن جانبه الأيسر بعض أصحابه، فقعد الأمير بين الباجي والشيخ الإمام، ثم قال الأمير للباجي عن الذي عن يساره (١): هذا إمام فاضل؟ . فقال له الباجي: أتدري مَنْ هذا؟ هو إمام الأئمة. قال: مَنْ؟ قال: الذي جلستَ فوقه تقي الدين السبكي. ولعل هذا كان في سنة ثلاثَ عشرةَ وسبعمائة. وأما شيخه ابن الرفعة فكان يعامله معاملةَ الأقران، ويبالغ في تعظيمه، ويعرض عليه ما يصنفه في "المَطْلبَ". وكذلك شيخه الحافظ أبو محمد الدمياطي لم يكن عنده أحدٌ في منزلته (٢). ولو أخذتُ أعدُّ مقالة أشياخه فيه لطال الفصل. وبلغني أن ابن الرفعة حضر مرةً إلى مجلس الحافظ أبي محمد الدمياطي، فوجد الشيخَ الإمامَ الوالدَ _________ (١) هكذا في النسخة المطبوعة المحققة من "الطبقات الكبرى"، والظاهر أن الصواب حذف "عن" الأولى، فتكون الجملة: "ثم قال الأمير للباجي الذي عن يساره"، أي: الباجي عن يسار الأمير. (٢) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٠٤.

стр. 108

بين يديه، فقال: "محدِّث أيضًا"! وكان ابن الرفعة لعظمة الوالد في الفقه عنده يظن أنه لا يعرف سواه. فقال الدمياطي لابن الرفعة: كيف تقول؟ . قال: قلت للسبكي: محدِّث أيضًا! . فقال: إمام المحدثين. فقال ابن الرفعة: وإمام الفقهاء أيضًا. فبلغت شيخَه الباجي، فقال: وإمام الأصوليين. وسمعتُ صاحبَنا شمسَ الدين محمد بن عبد الخالق المقدسيّ المقرئ (١)، يقول: كنت أقرأ عليه القِراءات، وكنتُ لكثرة استحضاره فيها أتوهم أنه لا يدري سواها، وأقول: كيف يَسَع عمرُ الإنسان أكثر من هذا الاستحضار! . وسمعتُ الشيخ سيف الدين أبا بكر الحريري (٢)، مدرِّس المدرسة الظاهريّة، البَرَّانية - يقول: لم أرَ في النحو مثله، وهو عندي أنحى من أبي حَيَّان. وسمعتُ عن سيف الدين البغدادي، شيخهِ في المنطق - أنه قال: لم أرَ في العجم ولا في العرب مَنْ يعرف المعقولاتِ مثلَه. _________ (١) قال الحافظ ابن حجر ﵀: "قرأت بخط الشيخ تقي الدين السبكي: أنه كان يدري القراءات، ومات في سابع رجب سنة ٧٤٨". نظر: الدرر ٣/ ٤٩٤. (٢) لم أقف على ترجمته.

стр. 109

وسمعتُ جماعة من أرباب علم الهيئة يقولون: لم نر مثلَه فيها. وكذلك سمعتُ جماعة من أرباب علم الحساب. وعلى الجملة: لا يمارِي في أنه كان إمامَ الدنيا في كلِّ علم على الإطلاق، إلا جاهلٌ به، أو معانِد. ولقد سمعتُ الحافظ صلاح الدين خليل بن كَيْكَلَدِيَّ العلائيَّ يقول: الناس يقولون: ما جاء بعد الغزاليِّ مثلُه، وعندي أنهم يظلمونه بهذا، وما هو عندي إلا مثلُ سفيانَ الثوريِّ" (١). قال الحافظ العراقي ﵀ وهو تلميذه: "طلب الحديث في سنة ٧٠٣ هـ، ثم انتصب للإقراء، وتفقَّه به جماعة من الأئمة، وانتشر صيته وتواليفه، ولم يخلف بعده مثله" (٢). وكذا قال الحافظ الحسيني ﵀ وهو تلميذه أيضًا: "وكان رأسًا في كل علم. . . وتخرج به أئمة، وحَمَل عنه أُمم، ولم يخلف بعده مثله ﵀" (٣). وقد نقل التاج ﵀ ثناء الشيخ أبي العباس العُمَري، وأطال النقل عنه في ثنائه على التقي ﵀؛ لأن أبا العباس العمري كان بينه وبين والده شحناء فيكون ثناء أبي العباس مجردًا عن الهوى والمحاباة، وثناؤه لا يبعد عن ثناء التاج رحمهما الله تعالى، مما يُطَمْئن بأنَّ ثناء التاج ﵀ _________ (١) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٩٤ - ١٩٧. (٢) نظر: الدرر ٣/ ٧٠. (٣) انظر: ذيول العِبَر في خَبَر مَنْ غَبَر ٤/ ١٦٨.

стр. 110

لم يكن إلا بيانًا للحقيقة التي يعرفها، وربما يجهلها البعض لا سيما المتحاملون، فلا يقبلون تزكية الابن لأبيه، وما عليه ألا يقبلها أولوا الجهل والتحامل، ورحم الله القائل: ما ضَرَّ شمسَ الضُّحى في الأُفْقِ طالعةً ... أن لا يَرى ضوءَها مَن ليس ذا بَصَرِ يقول التاج ﵀ "وذكره الفاضل الأديب أبو العباس أحمد بن يحيى بن فضل الله العُمَريُّ، في كتاب "مسالك الأبصار"، فقال بعد ذِكْر نسبه: حُجَّة المذاهب، مفتي الفِرَق، قُدوة الحفَّاظ، آخر المجتهدين، قاضي القضاة، تقي الدين أبو الحسن، صاحب التصانيف، التقيُّ البَرُّ، العليُّ القَدْر. سَمِيُّ عليٍّ كَرَّم الله وجهه، الذي هو باب العلم، ولا غَرْوَ أنْ كان هذا المدخَل إلى ذلك الباب، والمستخرِج مِن دقيق ذلك الفضلِ هذا اللُّباب، والمُسْتَمِير من تلك المدينة التي ذلك البابُ بابُها، والواقف عليها من سَمِيِّه، فذاك بابها، وهذا بَوَّابُها (١). وبحرٌ لا يُعرف _________ (١) حديث: "أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها" أخرجه الحاكم في المناقب في مستدركه ٣/ ١٢٧، والطبراني في معجمه الكبير، عن مجاهد عن ابن عباس ﵃ مرفوعًا، وحَسَّن السخاوي ﵀ حديث ابن عباس ﵄. انظر: المقاصد الحسنة ص ٩٧ - ٩٨، قال ابن عراق الكناني ﵀ في "تنزيه الشريعة". "وسئل الحافظ ابن حجر عن هذا الحديث في فتيا، فكتب عليها هذا الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه، وخالف أبو الفرج بن الجوزي فذكره في الموضوعات، والصواب خلاف قولهما معًا، وأن الحديث من قسم الحسن، لا يرتقي إلى الصحة، ولا ينحط إلى الكذب، وبيان ذلك يستدعي طولًا، ولكن =

стр. 111

له عِبْر (١)، وصَدْر لا يُداخِله كِبْر، وأفقٌ لا تَقيسُه كفُّ الثريّا بِشِبْر، وأَصِيلٌ (٢) قَدْرُه أجلُّ مما يُمَوِّه به لُجَيْنَ (٣) النهار ذائبُ التِّبْر. إمامٌ ناضح عن رسول الله ﷺ بنِضالِه، وجاهد بجِدالهِ، ولم يُلَطِّخ بالدماء حَدَّ نِصَالِه. حَمَى جنابَ النبوةِ الشريفَ بقيامه في نصره، وتسديد سهامه للذبِّ عنه من كِنانة مِصْره، فلم يُخْطِ على بُعْدِ الدِّيار سهمُه الراشِق، ولم يُخْفِ مَسامَّ تلك الدَّسائس فَهْمُه الناشِق. . . . . ولله أوسٌ آخَرُونَ وخَزْرجُ (٤) . . . بَزَغ مِنْ مَطْلع الصحابة ﵃، ونزع به عِرْقُه إلى التابعين لهم بإحسان، وهو مثلهم إن لم يكن منهم. _________ = هذا هو المعتمد. وقال في "لسان الميزان": هذا الحديث له طرق كثيرة في مستدرك الحاكم أقل أحوالها أن يكون للحديث أصل، فلا ينبغي أن يُطلق عليه القول بالوضع. انتهى. وللحافظ العلائي في أجوبته عن الأحاديث التي تعقبها السراج القزويني على "مصابيح البغوي" فصلٌ طويل في الرد على ابن الجوزي وغيره ممن حكم بوضع هذا الحديث، وحاصله الحكم على الحديث بأنه حسن". انظر: تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الشنيعة الموضوعة ١/ ٣٧٨. وانظر: مجمع الزوائد ٩/ ١١٤، الكنز الثمين في أحاديث النبي الأمين للغماري ١٨٩. (١) العِبْر: بكسر العين، وقد تفتح: الشاطئ. انظر: لسان العرب ٤/ ٥٢٩، مادة (عبر). (٢) الأصيل: هو العَشِيُّ - انظر: لسان العرب ١١/ ١٦، مادة (أصل). (٣) اللُّجَيْن: الفضة. انظر: لسان العرب ١٣/ ٣٧٩، مادة (لجن). (٤) صَدْره: فيدرِكُ ثأرَ الله أنصارُ دِينهِ. وهو لابن الرومي. انظر: ديوانه ص ٤٩٧، وانظر: مقاتل الطالبيين ص ٦٥٦.

стр. 112

وبَرَّز في طلب العلم حتى أسكت لسانَ كلِّ متكلِّم، وأمات ذِكْر كلِّ متقدِّم، وأحيا إمامة الشافعيِّ بنشر مذهبِه، ونَصْرِ ذي النسب القرشيِّ في عَلْياء رُتَبِه. . . . . لا تَرِد الهِيمُ (١) إلا حياضَه، ولا يَعِدُ النسيمُ إلا رياضَه (٢)، حتى تَفَردَّ والزمانُ بعدد أهله مشحون، والعصر بمحاسن بنيه مفتون. . . . . وانتهت إليه مَشْيَخةُ دار الحديث بالاستحقاق فَوَلِيَها، وعُرِضَتْ عليه أخواتُها فما رَضِيَها. . . . . وهذا هو اليومَ - والله يُبْقيه - خيرُ مَنْ أظلَّتْه خَضْراؤُها، وصَغُرت لدى قَدْرهِ الجليلِ كبراؤُها، قد ملك قلوبَ أهلها المتباينة، وساق بعَصاه سَوَائِم شُرُدِها (٣) المتعاصِيَة، واستَوْسَق به أمرُ الشام لعليٍّ (٤)، وكان لا يُطيع إلا معاوية. انتهى (٥). _________ (١) أي: الإبل العطاش. انظر: لسان العرب ١٢/ ٦٢٧، مادة (هيم). (٢) رِيَاض: جمع رَوْضه، وهي الأرض ذات الخضرة، والبستان الحسن. انظر: لسان العرب ٧/ ١٦٢، المصباح ١/ ٢٦٣، مادة (روض) والمعنى: أن النسيم لا يأتي ولا يَرِد إلا إليه؛ لأنه لم يَعِدْ أحدًا غيرَه بالمجيء إليه. (٣) شُرُد: جمع شَرُود، مثل زَبُور وزُبُر. انظر لسان العرب ٣/ ٢٣٧، مادة (شرد). (٤) أي: اجتمع أهل الشام على طاعة علي ﵁ بسببه. انظر: لسان العرب ١٠/ ٣٨٠، مادة (وسق) وهذا والله أعلم إشارة إلى رَفْضٍ النَّصْب وإزالته عن الشام، والنَّصْب: هو بُغض علي ﵁ وآله، وكان منتشرًا بالشام. (٥) أي: كلام ابن فضل الله العُمَري، رحمه الله تعالى.

стр. 113

وذكر بعد ذلك شيئًا من حاله، وقال في آخره: وانتهت إليه رياسةُ العلم في القِراءات، والحديث، والأصلَيْن، والفقه. هذا كلامُ ابن فضل الله، ولا يَخفى ما كان بينه وبين الوالد من الشحناء" (١). وقد ذكر التاج ﵀ بعد ذلك ما قاله عن والده الشيخُ الإمام صلاحُ الدين خليل بن أيْبَك الصَّفديُّ في كتابه "أعيان العَصْر"، وهو مِنْ تلامذته، ويحكي ما شاهده لا ما نُقِل إليه، وكلامه لا يَخرج عما قاله التاج، فَرَحم الله الجميع، وحَشَرنا في زمرتهم، ولولا خشية الإطالة لنقلت ما قاله الصفدي، ولكن أكتفي بهذين البيتين اللذَيْن قالهما الصفدي ﵀: يا سَعْدَ هذا الشافعيِّ الذي ... بَلَّغهُ اللهُ تعالى رضاهْ يَكفيه يومَ الحشرِ أنْ عُدَّ في ... أصحابِه السُّبْكيُّ قاضي القضاهْ (٢) وقد وضع الأديب الفاضل بدر الدين الحسن بن محمد بن حبيب (٣) _________ (١) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٤٨ - ١٥٧. (٢) انظر: أعيان العصر ٣/ ٤١٨، الطبقات الكبرى ١٠/ ١٥٧. (٣) هكذا ورد اسمه في ترجمة ابن السبكي لوالده، والظاهر أن هذا تصحيف من الناسخ، فإن المذكور هو الحسن بن عمر بن الحسن بن عمر بن حبيب، أبو محمد بدر الدين الدمشقي الأصل الحلبي الشافعي. المسند الأديب، المنشئ المؤرخ. ولد سنة ٧١٠ هـ. قال ابن حجر: "كان فاضلًا كيسًا صحيح النقل". من مصنفاته: "درة الأسلاك في دولة الأتراك" وهو سجع كله، و"نسيم الصبا" في الأدب، و"أسنى المطالب في =

стр. 114

كتابًا في مناقب التقي ﵀، سماه "إعلام الأعلام بأحوال شيخ الإسلام والشيخ الإمام" وقد نقل منه التاج في ترجمته الخاصة بوالده، وهي غير ترجمته التي أنقل منها في "الطبقات الكبرى"، وقد أثنى ابن حبيب على التقي - رحمهما الله - بثناء عجيب، وحاصله أنه واحد زمانه علمًا وعملًا وأخلاقًا، فهو كما قال ابن حبيب: عَلَّامة العلماء والبحرُ الذي ... لا ينتهي ولكلِّ بحرٍ ساحلُ وهو كما قال ابن حبيب بعد كلام طويل في وصفه: "وبالجملة فتفصيل أحواله بعيدُ المرام، وشَرْحُ أنبائه يَعجز عن إعرابه ألسن الأقلام، وما في النفس منه لا يمكن أن يُحصر، واختصار القول أولى وأجدر: وما أنا في الثناء عليه إلا ... كمَنْ أهدَى إلى صُبحٍ شهابا والله تعالى يُحِلّه روضَ رضوانه، ويُمتِّعه بالدَّاني مِنْ جَنى جِنانه" (١). وأجد من الضروري أن أنقل كلام التاج ﵀ في بيان سعة علم والده على التفصيل، وقوة حفظه الخارق، واطلاعه العجيب على شتى العلوم؛ ليُعْلم أن ما قيل في الرجل ليس مبالغة، ولا محاباة، بل الرجل من عجائب الدهر، وفرائد الزمان، والله يُؤتي فضله من يشاء ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٢)، ولله در القائل: _________ = أشرف المناقب" وهو سجع أيضًا. توفي بحلب سنة ٧٧٩ هـ. انظر الدرر ٢/ ٢٩، طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ٨٨، شذرات ٦/ ٢٦٢. (١) انظر حاشية الطبقات الكبرى ١٠/ ١٦١ - ١٦٥. (٢) سورة البقرة: ١٠٥. وسورة آل عمران: ٧٤.

стр. 115

وليس على الله بمُستنْكَرٍ ... أن يَجْمع العالمَ في واحدِ (١) قال التاج ﵀: "قلتُ: أما أنا فأقول، والله على لسان كل قائل: كان ذهنه أصحَّ الأذهان، وأسرعها نفاذًا، وأوثقها فهمًا، وكان آية في استحضار التفسير، ومتون الأحاديث، وعَزْوِها، ومعرفة العِلل وأسماءِ الرجال، وتراجِمهم ووَفَياتهم، ومعرفةِ العالِي والنازِل، والصحيحِ والسقيم، عجيبَ الاستحضار للمغازي والسِّيَر والأنساب، والجرح والتعديل، آيةً في استحضار مذاهب الصحابة والتابعين، وفِرَق العلماء، بحيث كانت تَبْهَتُ الحنفية والمالكية والحنابلة إذا حضروه؛ لكثرة ما ينقله عن كُتُبهم التي بين أيديهم، آية في استحضار مذهب الشافعي، وشَوَارِد فروعه، بحيث يظن سامعُه أنه البحر الذي لا تغيب عنه شاردة. إذا ذُكر فَرعٌ وقال: لا يحضرني النقلُ فيه - فيعِزُّ على أبناء الزمان وُجدانُه بعد الفحص والتنقيب، وإذا سُئل عن حديث، فشَذَّ عنه - عَسُر على الحفَّاظ معرفتُه. وكان يُقال: إنه يستحضر الكتب الستة غير ما يستحضره من غيرها من المسانيد والمعاجم والأجزاء. وأنا أقول: يبعُد كلَّ البُعْد أن يقول في حديث: لا أعرف مَنْ رواه، ثم يُوجد في شيءٍ من الكتب الستة، أو المسانيد المشهورة. وأما استحضار نصوصِ الشافعي وأقوالهِ - فكان يكاد يحفظ "الأم"، _________ (١) قائل البيت أبو نواس. انظر: ديوانه ص ٤٥٤، تحقيق د/ أحمد عبد المجيد الغزالي.

стр. 116

و"مختصر المزني" (١)، وأمثالهما. وأما استحضاره في علم الكلام، والمِلَلِ والنِّحَل، وعقائد الفِرَق من بني آدم - فكان عَجَبًا عُجابا. وأما استحضاره لأبيات العرب وأمثالها ولغتها - فأمرٌ غريب، لقد كانوا يقرؤون عليه "الكشاف"، فإذا مَرَّ بهم بيتٌ من الشعر سرد القصيدة، غالِبَها أو عامَّتَها مِنْ حفظه، وعزاها إلى قائلها، وربما أخذ في نظائرها، بحيث يتعجب مَنْ يحضر. وأما استحضاره لـ "كتاب سيبويه" (٢)، وكتاب "المُقَرَّب" لابن عُصْفُور (٣) - فكان عجيبًا، ولعله درس عليهما. _________ (١) إسماعيل بن يحيى المزني المصري، أبو إبراهيم الفقيه الشافعي تلميذ الإمام الشافعي. كان زاهدًا عالمًا، مجتهدًا مناظرًا. ولد سنة ١٧٥ هـ. قال الشافعي: المزني ناصر مذهبي. وقال: لو ناظر الشيطان لغلبه. اهـ. من مصنفاته: الجامع الكبير، الجامع الصغير، الترغيب في العلم. توفي سنة ٢٦٤ هـ. انظر الأنساب ٥/ ٢٧٨، وفيات ١/ ٢١٧، سير ١٢/ ٤٩٢، الطبقات الكبرى ٢/ ٩٣، شذرات ٢/ ١٤٨. (٢) هو إمام النحو حجة العرب أبو بشر عمرو بن عثمان بن قَنْبر الفارسي ثم البصري، الملقَّب سيبويه. نشأ بالبصرة وطلب الفقه والحديث مدة، ثم أقبل على العربية فبرع وساد أهل العصر، وألف فيها كتابه الكبير الذي لا يُدْرَك شأوه فيه. توفي سنة ١٨٠ هـ، وعمره اثنتان وثلاثون سنة. انظر: وفيات ٣/ ٤٦٣، سير ٨/ ٣٥١، بغية الوعاة ٢/ ٢٣١. (٣) أبو الحسن علي بن مؤمن بن محمد بن علي بن عُصْفُور النحوي الحضرمي الإشبيلي، حامل لواء العربية في زمانه بالأندلس. ولد سنة ٥٩٧ هـ، وكان أصبر الناس على المطالعة لا يَمَلُّ مِنْ ذلك، ولم يكن عنده ما يؤخذ عنه غير النحو، ولا تأهل لغير =

стр. 117

وأما حفظه لشوارد اللغة فأمر مشهور، وكنت أنا أقرأ عليه كتاب "التلخيص" للقاضي جلال الدين (١)، في المعاني والبَيان، أنا وآخَرُ معي، ولم يكن فيما أظن وقف على "التلخيص" قبل ذلك، وإنما أقرأه لأجلي، وكنا نُحْكِم المطالعةَ قبل القراءة عليه، فيجيء فيستحضر من "مفتاح السَّكَّاكي" وغيرِه من كلام أهل المعاني والبيان، ما لم نَطَّلع عليه نحن، مع مبالغتنا في النظر قبل المجيء، ثم يُوَشِّح ذلك بتحقيقاته التي تُطْرِب العقول. وكنت أقرأ عليه "المحصول" للإمام فخر الدِّين، و"الأربعين" في الكلام له، و"المُحَصَّل" فكنت أرى أنه يحفظ الثلاث عن ظهر قلب. وأما "المُهَذَّب" و"الوسيط" فكان في الغالب ينقل عبارتَهما بالفاء والواو، كأنه درس عليهما. وأما "شرح الرافعي" الذي هو كتابنا، ونحن ندأب فيه ليلًا ونهارًا، فلو قلتُ كيف كان يستحضره - لاتَّهمني مَنْ يسمعني. _________ = ذلك. قال الصفديُّ: ولم يكن عنده ورع، وجلس في مجلس شراب، فلم يزل يرجم بالنارنج إلى أن مات. توفي سنة ٦٦٩ هـ. انظر: شذرات ٥/ ٣٣٠، الأعلام ٥/ ٢٧. (١) هو القاضي محمد بن عبد الرحمن بن عمر العجلي القزويني ثم الدمشقي، جلال الدين أبو المعالي الشافعي. ولد بالموصل سنة ٦٦٦ هـ. اشتغل في الفنون، وأتقن الأصول والعربية والمعاني والبيان. من مصنفاته: "تلخيص المفتاح" في المعاني والبيان، "والإيضاح" شرح التلخيص، وغيرهما. توفي سنة ٧٣٩. انظر: الدرر ٣/ ٤، شذرات ٦/ ١٢٣، الأعلام ٦/ ١٩٢.

стр. 118

هذا وكأنه ينظر "تعليقة" الشيخ أبي حامد (١)، والقاضي الحسين (٢)، والقاضي أبي الطيب (٣)، و"الشامل" و"التَّتِمَّة" و"النهاية" وكتب المحامِلِيّ (٤)، وغيرهم مِنْ قُدماء الأصحاب، ويتكلم لكثرة ما يستحضره منها بالعبارة. حَكَى لي الحافظ تقيُّ الدين بن رافع (٥)، قال: سَبَقنا مرةً إلى البستان، _________ (١) هو أحمد بن أبي طاهر محمد بن أحمد الإسفراييني، أبو حامد، شيخ الإسلام وشيخ الشافعية ببغداد. ولد سنة ٣٤٤ هـ. من مؤلفاته: التعليقة الكبرى، وكتاب في أصول الفقه. توفي سنة ٤٠٦ هـ. انظر: تاريخ بغداد ٤/ ٣٦٨، الطبقات الكبرى ٤/ ٦١، سير ١٧/ ١٩٣. (٢) هو الإمام الحسين بن محمد بن أحمد، أبو علي القاضي المَرْوَرُّوذِيُّ، فقيه خراسان، وحَبْر الأمة. من مصنفاته: "التعليقة" في الفقه، وغيرها. توفي سنة ٤٦٢ هـ. انظر: الطبقات الكبرى ٤/ ٣٥٦، شذرات ٣/ ٣١٠، الأعلام ٢/ ٢٥٤. (٣) هو الإمام القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر الطبري الشافعي، شيخ الإسلام، وفقيه بغداد. ولد سنة ٣٤٨. من مصنفاته: شرح مختصر المزني، التعليقة الكبرى في الفروع الشافعية، والمجرد. توفي سنة ٤٥٠ هـ. انظر: تاريخ بغداد ٩/ ٣٥٨، طبقات الفقهاء ص ١٣٥، سير ١٧/ ٦٦٨، الطبقات الكبرى ٥/ ١٢. (٤) هو أحمد بن محمد بن أحمد بن القاسم الضبي البغدادي، المحاملي، الإمام الكبير شيخ الشافعية. ولد سنة ٣٦٨ هـ. من مصنفاته: المجموع، والمقنع، واللباب، وغيرها. توفي سنة ٤١٥ هـ، أو ٤١٤ هـ. انظر تاريخ بغداد ٤/ ٣٧٢، طبقات الفقهاء ص ١٣٦، سير ١٧/ ٤٠٣، الطبقات الكبرى ٤/ ٤٨. (٥) هو محمد بن رافع بن أبي محمد هجرس السلامي تقي الدين أبو المعالي، الحوراني الأصل، المصري المولد والمنشأ ثم الدمشقي الشافعي. ولد سنة ٧٠٤ هـ. كان =

стр. 119

فجئنا بعدَه، ووجدناه نائمًا، فما أردنا التشويشَ عليه، فقام من نومه، ودخل الخَلاء على عادته، وكان يريد أن يكون دائمًا على وضوء، فلما دخل ظهرَ لنا كراس تحت رأسه، فأخذناه فإذا هو مِنْ "شرح المنهاج"، وقد كتب عن ظَهر قلب نحو عشرة أوراق، قال: فنظرها رفيقٌ كان معي، وقال: ما أَعجب لكتابته لها مِنْ حفظه، ولا مما نقله من كلام الرافعي و"الروضة"، وإنما أَعجب من نقله عن سُلَيم (١) في "المُجَرَّد"، وابن الصَّبَّاع (٢) في "الشامل" ما نَقَل، ولم يكن عنده غير "المنهاج" ودواةٍ وورقٍ أبيض، وكنا قد وجدنا فيها نقولًا عنهما. قلتُ أنا: مَن نظر "شرح المنهاج" بخطِّه عرف أنه كان يكتب من _________ = محدثًا متقنًا، معجم شيوخه يشتمل على أكثر من ألف شيخ، وكان تقي الدين السبكي يرجِّحه في معرفة اصطلاح أهل الحديث على ابن كثير. من مصنفاته: معجم شيوخه، ذيل على تاريخ بغداد لابن النجار. توفي سنة ٧٧٤ هـ بدمشق. انظر: الدرر ٣/ ٤٣٩، شذرات ٦/ ٢٣٤. (١) سُلَيْم بن أيوب بن سُلَيْم، أبو الفتح الرازي الشافعي المفسِّر، صاحب التصانيف. ولد سنة ٣٦٥ هـ. كان فقيهًا أصوليًا رأسًا في العلم والعمل. من مصنفاته: "ضياء القلوب" في التفسير، "غريب الحديث". تُوفي غريقًا سنة ٤٤٧ هـ. انظر: الطبقات الكبرى ٤/ ٣٨٨، طبقات الفقهاء ص ١٣٩، شذرات ٣/ ٢٧٥، الأعلام ٣/ ١١٦. (٢) هو الإمام العلامة الفقيه الأصولي المجتهد عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد البغدادي، أبو نصر بن الصباغ الشافعي. ولد ببغداد سنة ٤٠٠ هـ. من مصنفاته: "الكامل" في الخلاف بين الحنفية والشافعية، "تذكرة العالم والطريق السالم"، "العدة" في أصول الفقه. توفي سنة ٤٤٧ هـ. انظر: سير ١٨/ ٢٦٤، الطبقات الكبرى ٥/ ١٢٢، شذرات ٣/ ٣٥٥.

стр. 120

حفظه، ألا تراه يَعمل المَسْطَرة والورق على قَطْع الكبير، أحدَ عشَر سطرًا، وما ذلك إلا لأنه يكتب من رأس القلم، ويُريد أن ينظر ما يُلْحِقُه، فلذلك يعمل المَسْطَرة مُتَّسِعةً، ويترك بياضًا كثيرًا. قلت: وكنت أراه يكتب متن "المنهاج"، ثم يفكر، ثم يكتب، وربما كتب المتن، ثم نظر الكتب، ثم وضعها من يده، وانصرف إلى مكانٍ آخر، وجلس ففكَّر ساعة، ثم كتب. وكثير من مصنَّفاته اللِّطاف كتبها في دُرُوج ورق المُراسَلات، يأخذ الأوصال ويُثنيها طُولًا، ويجعل منها كراسًا ويكتب فيه؛ لأنه ربما لم يكن عنده ورقُ كراريس، فيكتب فيها من رأس القلم، وما ذلك إلا في مكانٍ ليس عنده فيه كتب ولا ورقُ النسخ. وأما البحث والتحقيق وحُسْنُ المناظرة - فقد كان أستاذَ زمانه، وفارسَ ميدانه، ولا يختلف اثنان في أنه البحر الذي لا يُسَاجَل في ذلك، كلُّ ذلك وهو في عَشْر الثمانين، وذِهنُه في غاية الاتقاد، واستحضاره في غاية الازدياد. ولما شَغَرت مشيخةُ دار الحديث الأشرفيَّة، بوفاة الحافظ المِزِّي - عَيَّن هو الذهبي لها، فوقع السَّعْيُ فيها للشيخ شمس الدين بن النقيب (١)، وتُكُلِّم في حق الذهبي: بأنه ليس بأشعريّ، وأن المِزِّيَّ ما وَلِيَها _________ (١) هو الإمام محمد بن أبي بكر بن إبراهيم الدمشقي القاضي شمس الدين بن النقيب الشافعي. ولد سنة ٦٦١ أو ٦٦٢ هـ. كان من أصحاب الإمام النووي ﵁، وكان من قضاة العدل وبقايا السلف. من مصنفاته: مقدمة في التفسير، عمدة السالك وعدة الناسك. توفي بدمشق سنة ٧٤٥ هـ. انظر: الدرر ٣/ ٣٩٨، الطبقات الكبرى ٩/ ٣٠٧، الأعلام ٦/ ٥٥.

стр. 121

إذ وَلِيَها إلا بعد أن كتب خطه وأشهد على نفسه: بأنه أشعريُّ العقيدة. واتسع الخَرْق في هذا، فجمع ملك الأمراء الأمير علاء الدين ألْطُنْبُغا نائبُ الشام إذ ذاك - العلماءَ، فلما استشار الشيخَ الإمام - أشار بالذهبي. فقام الصائح بين الشافعية والحنفية والمالكية، وتوقَّفوا فيه أجمعون، وكان من الحاضرين الشيخ نجم الدين القَحْفازيُّ (١) شيخ الحنفية، فقال له الشيخ الإمام: أَيْشَ تقول؟ فقال: وإليكُمُ دارُ الحديث تُسَاقُ أبْدلَ "هذا" بـ "دار". فاستحسن الجماعة هذا منه، ودار إلى مَلِك الأمراء، وقال: أعْلَمُ الناس اليوم بهذا العلمِ قاضي القضاة، والذهبيُّ، وقاضي القضاة أشعريٌّ قطعًا، وقطع الشك باليقين أولى. فَوَلِيَها الشيخ الإمام، ولم يكن مختارًا ذلك، بل كان يكرهه، وقام من وقته إلى دار الحديث، وبين يديه الذهبي وخَلْق، فروى بسنده من طرقٍ شتى منه إلى أبي مُسْهِر - حديثَ "يا عبادي"، وتكلم على رجاله ومُخَرِّجه، بحيث لم يسع المجلسُ الكلامَ على أكثرَ من رجال الحديث _________ (١) هو علي بن داود بن يحيى بن كامل الزبيري، القرشي الأسدي، من نسل عبد الله بن الزبير ﵄, ولد سنة ٦٦٨ هـ. كان شيخ أهل دمشق في عصره، خصوصًا العربية. قال الذهبي: "كان من أذكياء وقته، مع الديانة والورع". لم يصنف إلا مَنْسكًا للحج خشية من الانتقاد عليه في التصنيف. توفي سنة ٧٤٥ هـ. انظر: الدرر ٣/ ٤٧، بغية الوعاة ٢/ ١٦٦، الجواهر المضية ٤/ ٢٨٣.

стр. 122

ومُخَرِّجه، إلى أن بُهِت الحاضرون، لعلمهم أن الشيخ الإمام مِن سنين كثيرةٍ لا ينظر الأجزاءَ ولا أسماءَ الرجال، ولقد قال الذهبي: وما عَلَّمَتْنِي غيرَ ما القلبُ عالِمُهْ (١) والله كنتُ أعلم أنه فوق ذلك، ولكن ما خَطَر لي أنه مع التَّرك والاشتغال بالقضاء يَحْضُر من غير تهيئةٍ، ويُسْنِد هذا الإسناد. انتهى. وبالجملة: كان مع صحة الذهن واتِّقاده - عظيمَ الحافظة، لا يكاد يسمع شيئًا إلا حَفِظه، ولا يحفظ شيئًا فينساه، وإن طال بُعْدُه عن تذكُّره، جُمِعت له الحافظة البالغة، والفهمُ الغريب، فما كان إلا نُدْرَةً في الناس، وَوَحقِّ الحقِّ لو لم أشاهدْه، وحُكِي لي أنَّ واحدًا من العلماء احتوى على مثل هذه العلوم، وبلغ أقصى غاياتها، نقلًا وتحقيقًا، مع صحة الذهن، وجودة المناظرة، وقوة المغالبة، وحُسْنِ التصنيف، وطولِ الباع في الاستحضار، واستواءِ العلوم بأسرها في نَظَره - أحسَبُه وَهْمًا. وأقول: كيف تَفِي القُوَى البشرية بذلك، ولكن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء: وليس على الله بمُسْتنكرٍ ... أنْ يَجْمع العالَمَ في واحدِ" قال الإمام السيوطي ﵀: "وقال ابنه في "الترشيح": قال _________ (١) البيت للمتنبي من قصيدته التي يمتدح بها سيف الدولة، وهو بتمامه: وما اسْتَغْرَبَتْ عيني فِراقًا رأيتُهُ ... ولا عَلَّمَتْنِي غيرَ ما القلبُ عالِمهْ انظر: ديوانه ٣/ ٣٣٢.

стр. 123

شهاب الدين بن النقيب صاحب "مختصر الكفاية" وغيرها من المصنفات: جلستُ بمكة بين طائفةٍ من العلماء، وقعدنا نقول: لو قَدَّر الله تعالى بعد الأئمة الأربعة في هذا الزمان مجتهدًا عارفًا بمذاهبهم أجمعين يركِّب لنفسه مذهبًا من الأربعة، بعد اعتبار هذه المذاهب المختلفة كلِّها - لازدان الزمانُ به، وانقاد الناس، فاتفق رأيُنا على أنَّ هذه الرتبة لا تعدو الشيخَ تقي الدين السبكي، ولا ينتهي لها سواه" (١). وأختم بمقالة التاج التي يكسوها ثوب الإنصاف، ومعرفة عظمة بعض أقرانه مع عدم الإجحاف، يقول ﵀: "وقد عَرَّفناك أنه تفرَّد في الإقليم، وصار المشارَ إليه بالعلوم كلِّها، الملحوظَ بعَيْن التحقيق، من سنة ست عشرةَ التي مات فيها الشيخ صدر الدين بن الوكيل قرينُه (٢)، واستمر إلى وفاة الشيخين تقي الدين بن تيمية، وكمال الدين بن الزَّمْلَكاني (٣)، فلما تُوُفِّيا تَفَرَّد في العصر بأجمعه، ولا أعلم _________ (١) انظر: حسن المحاضرة ١/ ٣٢١، الرد على مَنْ أخلد إلى الأرض ص ١٦٢. (٢) هو الإمام محمد بن عمر بن مكي بن عبد الصمد، صدر الدين بن المُرَحِّل الشافعي ولد سنة ٦٦٥ هـ. كان إمامًا كبيرًا، بارعًا في المذهب والأصلين، يضرب المثل باسمه، فارسًا في البحث نَظَّارًا، مُفْرِط الذكاء، عجيبَ الحافظة، حتى قيل: إنه حفظ كتبًا وُضِع بعضها على بعض فكانت قامة. من مصنفاته: شرح الأحكام لعبد الحق، الأشباه والنظائر. توفي بمصر سنة ٧١٦ هـ. انظر: الطبقات الكبرى ٩/ ٢٥٣، الدرر ٤/ ١١٥. (٣) هو الإمام العلامة محمد بن علي بن عبد الواحد بن عبد الكريم، كمال الدين بن الزَّمْلَكَانِيّ الشافعي. ولد سنة ٦٦٧ هـ. صنف الرد على ابن تيمية في الطلاق، وفي =

стр. 124

غيره مكث سبعًا وعشرين سنة لا يختلف اثنان في أنه أعلمُ أهلِ الأرض على الإطلاق في كل علم، فإنه مكث من سنة تسع وعشرين، إلى سنة ست وخمسين، وفيها مات عالم الأرض بالإجماع" (١). ونظيرها قوله ﵀: "وولِيَ بعد وفاة الحافظ المِزّيِّ مشيخةَ دار الحديث الأشرَفِيَّة، فالذي نراه أنه ما دخلها أعلمُ منه، ولا أحفظُ من المِزِّيِّ، ولا أورعُ من النووى وابن الصلاح" (٢). ونظيرهما قوله: "لم تَرَ عينايَ أحفظَ من أبي الحجَّاج المِزِّي، وأبي عبد الله الذهبي، والوالد، ﵏. وغالبُ ظني أن المِزِّي يفوقهما في أسماء رجال الكتب الستة، والذهبي يفوقهما في أسماء رجال مَنْ بعد الستة، والتواريخِ والوَفَيات، والوالد يفوقهما في العِلَل، والمُتُونِ، والجرحِ والتعديل، مع مشاركة كلٍّ منهم لصاحِبَيْه فيما يتميَّزُ به عليه - المشاركةَ البالغة" (٣). _________ = الزيارة، وصنف كتابًا في تفضيل البشر على الملك. توفي سنة ٧٢٧ هـ. انظر: الطبقات الكبرى ٩/ ١٩٠، الدرر ٤/ ٧٤. (١) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٦٧. (٢) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٦٩. (٣) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ٢٢٠.

стр. 125

المبحث السادس: قوته في المناظرة يقول جمال الدين الإسنوي ﵀ عن شيخه التقي السبكي ﵀: "شيخنا تقي الدين أبو الحسن، علي بن عبد الكافي بن علي السبكي. كان أنظر مَنْ رأيناه مِنْ أهل العلم، ومِنْ أجمعهم للعلوم، وأحسنهم كلامًا في الأشياء الدقيقة، وأجلدهم على ذلك. إن هَطَل درُّ المقال فهو سحابُه، أو اضطرم نارُ الجدل فهو شهابُه. وكان شاعرًا أديبًا، حسن الخط، وفي غاية الإنصاف، والرجوع إلى الحق في المباحث، ولو على لسان أحد المستفيدين منه. . ." (١). يقول التاج ﵀ عن والده حينما كان بالشام في طلبه للحديث سنة ست وسبعمائة، يعني ووالده يبلغ من العمر ثلاثًا وعشرين سنة: "وحضر دروس أكثرهم، فحضر دروس قاضي القضاة نجم الدين بن صَصْرَى، وناظر بين يديه الشيخَ صدرَ الدين بن الوكيل. وحضر دروسَ الشيخ كمال الدين بن الزَّمْلكاني، بالشامية البَرانية (٢)، _________ (١) انظر: طبقات الإسنوي ١/ ٣٥٠. (٢) هذه مدرسة أنشأتها ست الشام خاتون ابنة نجم الدين أيوب بن شادي بن مروان، أخت السلطان صلاح الدين الأيوبي، وهي من أكبر المدارس وأعظمها وأكثرها فقهاء، وأكثرها أوقافًا. قال ابن كثير ﵀ عن ست الشام هذه: =

стр. 126

وناظره، وطال بهما المجلس حتى كادت الشمس تزول، والفضلاء وابن الزملكاني يقول: سَبَكنا السبكيُّ اليومَ. وحضر درسَ الشيخ صدر الدين بن المُرحِّل، في الشامية الجُوانِيَّة، وناظره" (١). ويقول التاج أيضًا: "واجتمعنا ليلة، أنا والحافظ تقيُّ الدين أبو الفتح، والأخ المرحوم جمال الدين الحُسين (٢)، والشيخ فخر الدين الأَقْفَهْسِيُّ (٣)، وغيرُهم، فقال لي بعض الحاضرين نشتهي أن نسمع _________ = "واقفة المدرستين: البرانية والجوانية، الست الجليلة المصونة خاتون ست الشام بنت أيوب بن شادي، أخت الملوك وعمة أولادهم، وأم الملوك، كان لها من الملوك المحارم خمسة وثلاثون ملكًا. . . . وكانت ست الشام من أكثر النساء صدقة وإحسانًا إلى الفقراء والمحاويج، وكانت تعمل في كل سنة في دارها بألوفٍ من الذهب أشربة وأدوية وعقاقير وغير ذلك، وتفرِّقه على الناس". البداية والنهاية ١٣/ ٩٢. وكانت شرطت في وقفها: أن لا يجمع المدرِّس بينها وبين غيرها. توفيت الخاتون سنة ٦١٦ هـ. انظر: الدارس في تاريخ المدارس ١/ ٢٧٧، دول الإسلام ٢/ ١٢٠. (١) الطبقات الكبرى ١٠/ ١٦٦. (٢) الحسين بن علي بن عبد الكافي السبكي، جمال الدين أبو الطيب القاضي. ولد سنة ٧٢٢ هـ. كان من أذكياء العالم. قال الصفدي: كان ذهنه ثاقبًا، وفهمه لإدراك المعاني مراقبًا، حفظ "التسهيل" لابن مالك. . . وحفظ "التنبيه". اهـ. توفي في شهر رمضان سنة ٧٥٥ هـ. انظر: الطبقات الكبرى ٩/ ٤١١، الدرر ٢/ ٦١، شذرات ٦/ ١٧٧. (٣) هو محمد بن عبد الوهاب بن يوسف الإِقْفَهْسِيُّ ثم الدمشقيُّ، الفقيه الشافعيّ، فخر الدين، كان فاضلًا نَقَّالًا، قويَّ الحافظَة، يُقال: إنه حفظ المُحَرَّر في ستة وثلاثين يومًا. مات شابًا في ذي القَعدة سنة ٧٤١ هـ. انظر: الدرر ٤/ ٣٧، شذرات ٦/ ١٣٢.

стр. 127

مناظرتَه، وليس فينا مَنْ يَدِلُّ عليه غيرُك. فقلت له: الجماعةُ يريدون سماعَ مناظرتك على طريق الجدل. فقال: بسم الله. وفهمتُ أنه إنما وافق على ذلك لمحبته فيَّ، وفي تعليمي. فقال: أبْصِروا مسألةً فيها أقوالٌ بقدر عَدَدِكم، وينصرُ كلٌّ منكم مقالةً يختارها من تلك الأقوال، ويجلس يَبْحث معي. فقلت أنا: مسألة الحرام. فقال: بسم الله، انصرِفُوا فلْيطالعْ كلٌّ منكم، ويحرِّرْ ما ينصرُه فقمنا وأعملَ كلُّ واحدٍ جُهدَه، ثم عُدْنا وقد كاد الليلُ ينتصف، وهو جالسٌ يتلو هو وشيخنا المسنِد أحمد بن علي الجزري الحنبلي (١) ﵀، فقال: عبد الوهَّاب هاتِ، حسين هاتِ، هكذا يخصُّني أنا وأخي بالنداء. فابتدأ واحدٌ من الجماعة، فقال له: إن شئتَ كُن مستدلًا وأنا مانعٌ، وإن شئتَ بالعكس. فحاصل القضية أن كُلًّا منا صار يستدل على مقالته، وهو يمنعه، ويبيِّن فسادَ كلامه إلى أن ينقطع، ويأخذ في الكلام مع الآخر حتى انقطع الجميع. _________ (١) هو أحمد بن علي بن الحسن الجزري ثم الصالحي أبو العباس الهكاري العابد. ولد سنة ٦٤٩ هـ. قال الذهبي: تفرد وقصده الطلبة، وكان كثير الذكر والتلاوة. قال السبكي: لم أر أجلد على العبادة منه. توفي سنة ٧٤٣ هـ. انظر: الدرر ١/ ٢٠٧.

стр. 128

فقال بعضنا: فأين الحق؟ . فقال: أنا أختار المذهب الفلاني الذي كنت يا فلان تنصره، ونصره إلى أن قلنا: هو الحق. ثم قال: بل أختار المذهب الذي كنتَ يا فلان تنصرُه. وهكذا أخذ ينصر الجميع، إلى أن قال له بعضنا: فأين الباطل؟ . فقال: الآن حصحص الحق، المختار مذهب الشافعي، وطريق الردِّ على المذهب الفلاني كذا، والمذهب الفلاني كذا، والمذهب الفلاني كذا، وقَرَّر ذلك كله، إلى أن قضينا العَجَب، وكلٌّ منا يَعرف أن أقلَّ ما يكون للشيخ الإمام عن النظر في مسألة الحرام سِنين كثيرة (١) " (٢). _________ (١) وعمر التاج آنذاك في الرابعة عشر على الأكثر؛ لأن الشيخ الأقْفَهْسِيّ مات في سنة ٧٤١ هـ، فعمر التاج حين موته أربع عشرة سنة، فالتاج حين حصول المناظرة المذكورة إما في هذا السن أو دونه. (٢) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ٢٠٣ - ٢٠٤.

стр. 129

المبحث السابع: فصاحته وبلاغته يقول الصلاح الصفدي ﵀: "وأما فنُّ الأدب فما احتاج مع أسماء كتبه وتصانيفه إلى بيان، وهي تشهد له بأدبه وذوقه. وأما الهجاء وفن الكتابة فكان ما يلحق فيه" (١). وقد ذكر ابنه التاج نماذج من شعره الذي يدل على باعه في الأدب، وقوة تمكنه في النظم، وبعضها نصائح لأبنائه، وبعضها زهد ورقائق، وما ورد في بعضها من غزل فهي على لغة الشعر التي لا تخفى، وطريقة العرب وعادتها في لغتها البليغة الفصحى، والشاعر المتمكن هو الذي يجيد كلَّ أضرب الشعر والبلاغة. ولذلك ما زال العلماء سلفًا وخلفًا ينظمون في شعر الغزل وغيره، دلالةً على براعتهم في هذا الفن لا غير، بل تصدير القصائد بالغزل عادة العرب، فهو مِنْ محسنات الشعر وطرائفه (٢). _________ (١) انظر: أعيان العصر ٣/ ٤٢٧. (٢) قال ابن حجر الهيتمي ﵀: "وقد جمع الإمام الطبراني جزءًا حافلًا في غزل التابعين وتابعيهم، وذكر هو وغيره عن جماعة كثيرين من الصحابة أنهم سمعوه ولم ينكروه. والقاضي شريح والزبير بن بكار في "روضتيهما"، وعبد الله بن المبارك في "مرثيته" من الغزل الكثير ما يُتعجب منه. وكذا الشافعي ﵁. وفي "التهذيب": إن كان التشبيب في امرأة معينة (أي: غير زوجة) أو غلامٍ معين فُسِّق، وإلا فلا. . . . =

стр. 130

فمن شعره في الغزل: قلبي مَلَكْتَ فما بِهِ ... مَرْمَىً لواشٍ أو رَقِيبْ قد حُزْتَ مِنْ أعْشارِهِ ... سَهْمَ المُعَلَّى والرَّقِيبْ (١) يُحْيِيهِ قُرْبُكَ إنْ مَنَنْـ ... ـتَ به ولَوْ مِقْدارَ قِيبْ (٢) يا مُتْلِفِي بِبعادِهِ ... عَنِّي أما خِفْتَ الرَّقِيبْ (٣) _________ = قال الأذرعيّ: الذي يجب القطع به أن تسمية مَن لا يدري مَنْ هي، وذِكْرُ محاسنها الظاهرة، والشوقُ والمحبةُ مِنْ غير فُحْشٍ ولا ريبةٍ لا يقدح في قائله، ولا يتحقَّقُ فيه خلاف، ومن ذلك تعارض الشعراء على ذكر ليلى وسَلْمى وسُعْدى والرَّباب وهند، وغير ذلك". كفَّ الرعاع عن محرّمات اللهو والسماع ص ٢٧٥ (المطبوع مع الزواجر). ثم ذكر الهيتمي ﵀ نقلًا عن النووي ﵀ أن المساجد لا يجوز فيها مطلقًا إنشاد الأشعار التي فيها صفة الخمر، أو ذكر النساء، أو المرد. يعني: ولو كانت لامرأة غير معينةٍ أو أمردٍ غير معين؛ لحرمة المساجد. انظر: كف الرعاع ص ٢٧٦. (١) سهم المُعَلَّى والرقيب سهمان لقداح المَيْسِر، فللمُعَلَّى سبعة أنصباء، وللرقيب ثلاثة، فإذا فاز الرجل بهما غلب على جَزُور (أي: جمل) الميسِر كلِّها، ولم يطمع غيرُه في شيء منها، وهي (أي: جزور الميسر) تُقْسَمِ على عشَرة أجزاء. والمعنى: أن هذا الحبيب ضَرَب بسهامه على قلبي فخرج له السهمان اللذان يحوز لهما كل أعشار القلب، فغلبني على قلبي كلِّه، وفتنَنِي فملكني. انظر: لسان العرب ٤/ ٥٧٣، مادة (عشر)، ١/ ٤٢٥، مادة (رقب). (٢) في اللسان ١/ ٦٩٣، مادة (قوب): "القاب: ما بين المَقْبِضِ والسِّيةِ، ولكل قوس قابان وهما بين المَقْبِضِ، والسِّيَة. والقاب والقيب بمعنى واحد، كما هو ظاهر كلام صاحب اللسان في الصفحة المذكورة. (٣) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٧٩.

стр. 131

ومن شعره في الغزل ما قاله في مَطْلع قصيدته في الشِّطْرَنج (١) حيث يقول ابنه التاج ﵀: "أنشدنا الشيخُ الإمام لنفسه قصيدتَه التي نظمها في الشِّطْرَنج، عند اقتراح الشيخ أبي حَيَّانَ ذلك على أهل العصر، على زِنَةٍ خاصة، ومن نبأ ذلك أن أبا حيان اقترح أن يَنْظِم الشعراء على عَرُوض قول ابن حَزْمُون (٢) وقافيةِ قولهِ: إليك إمامَ الخَلْقِ جُبْتُ المَفاوِزَا ... وخَلَّفْتُ خَلْفِي صِبْيَةً وعَجائِزَا وشَرَط أبو حَيَّان على مَنْ عارَضه أن يتغَزَّل، ثم يذكر الغرضَ ثانيًا، ثم يمدحه ثالثًا. فمَطْلَع قصيدة الشيخ الإمام: أخا العَذْلِ لا تُفْرِطْ وكُنْ مُتَجاوِزَا ... فما كُلُّ عَذْلٍ في المحبَّةِ جائِزَا ولا كُلُّ ذي وَجْدٍ يُطِيقُ احتمالَهُ (٣) ... وإن كان ذا أيدٍ (٤) شديدًا مُبَارِزَا ولا كُلُّ صَبٍّ (٥) يَحْسَبُ الغَيَّ رُشْدَهُ ... وكيف ومِثْلِي مَنْ يَفكُّ المَرامِزَا _________ (١) في المصباح ١/ ٣٣٥: "الشطرنج: مُعَرَّبٌ، بالفتح، وقيل بالكسر، وهو المختار. قال ابن الجواليقي في كتاب ما تلحن فيه العامة: ومما يكسر والعامَّةُ تفتحه أو تضمه وهو الشطرنج، بكسر الشين، قالوا: وإنما كُسِر ليكون نظير الأوزان العربية، مثل: جِرْدَحْل، إذ ليس في الأبنية العربية فَعلَل بالفتح، حتى يُحمل عليه". (٢) هو علي بن حزمون، أو الحسن. انظر: المعجب ص ٣٧٠، والمغرب ٢/ ٢١٤. (٣) الوَجْد: الحب. انظر: القاموس ١/ ٣٤٣، مادة (وجد)، والمعنى: ليس كل ذي حبٍّ يُطيق احتمال العَذْل، أي اللوم. (٤) الأَيْد: القوة. انظر القاموس ١/ ٢٧٥، مادة (آد). (٥) الصَّبابة: الشَّوْق. وقيل: رقته وحرارته. وصَبَبْتُ إليه صَبابةً فأنا صَبٌّ، أي: عاشق مشتاق. انظر لسان العرب ١/ ٥١٨.

стр. 132

أما نظمه في نصائح أبنائه فهي بديعة مفيدة، وما أحوجنا إليها، فمن ذلك قصيدته التي يخاطب بها ابنه الأكبر أبا بكرٍ محمدًا (١) ﵀، وهي طويلة، منها: أَبُنَيَّ لا تُهْمِلْ نَصِيحَتِيَ التي ... أوصيكَ واسْمَعْ مِنْ مقالي تَرْشُدِ احفظ كتاب الله والسُّنَنَ التي ... صَحَّتْ وفِقْه الشافعيِّ محمَّدِ واعلمْ أصولَ الفقه عِلْمًا مُحْكَمًا ... يَهْدِيكَ للبحثِ الصحيحِ الأيِّدِ وتَعَلَّمِ النحوَ الذي يُدْنِي الفَتَى ... من كلِّ فَهْمٍ في القُرَانِ مُسَدَّدِ واسلك سبيلَ الشافعي ومالكٍ ... وأبي حنيفة في العُلومِ وأحمدِ وطريقةَ الشيخ الجُنَيْدِ وصَحْبِهِ ... والسالكينَ طريقَهُمْ بِهِمُ اقْتَدِ واتْبَعْ طريقَ المصطفى في كلِّ ما ... تأتي به من كلِّ أمرٍ تَسْعَدِ (٢) _________ (١) يقول الشيخ محمد الصادق حسين عن محمد بن علي رحمهم الله تعالى: هو أكبر أولاد علي بن عبد الكافي، لكنه مات قبل أن يكون له شأن، ولم نقف على شيءٍ من أخباره سوى ما جاء في الطبقات الكبرى عَرَضًا في ترجمة علي بن عبد الكافي من أن محمدًا هذا كان أكبر أبناء أبيه، وإن أباه خاطبه بقصيدة فيها نصحٌ وإرشادٌ إلى ما يجب عليه من العناية بالدراسة العلمية والصوفية. . . الخ .. اهـ. انظر: البيت السبكي ص ٦٥ - ٦٦. (٢) انظر هذا البيت، لتعلم أن هذا الإمام وأمثاله من أهل التصوف السني لا البدعي، والعبرة بالحقائق لا بالأسماء، والكلام في هذا كثير طويل، وكتب التراجم لأئمة الحديث والجرح والتعديل طافحة بالثناء على جملة من المشهورين بالتصوف، ونسبتهم للسنة، وحسبك بالذهبي، وابن كثير، وابن رجب، وابن العماد الحنبلي، وغيرهم، ومَنْ شك فليراجع. يقول الإمام الذهبي ﵀ في سير أعلام النبلاء ١٥/ ٤١٠: "فإنما التصوف والتألُّه والسُّلوك والسَّيْر والمحبة ما جاء عن أصحاب =

стр. 133

واقْصِدْ بِعلمِكَ وجْهَ ربِّكَ خالصًا ... تَظفَرْ بسُبْل الصالحينَ وتَهْتَدِ واخْشَ المُهَيْمِنَ وأتِ ما يَدْعُو إليْـ ... ـه وانْتَهِ عما نَهَى وتَزَهَّدِ وارفع إلى الرحمن كُلَّ مُلِمَّةٍ ... بِضَرَاعَةٍ وتَمَسْكُنٍ وتَعَبُّدِ واقطَعْ عن الأسبابِ قلبَكَ واصْطَبِرْ ... واشكُرْ لمَنْ أَوْلاكَ خيرًا واحْمَدِ وعليكَ بالورعِ الصحيحِ ولا تَحُمْ ... حولَ الحِمَى واقْنتْ لربِّكَ واسْجُدِ وخذِ العلومَ بهمةٍ وتَفَطُّنٍ ... وقَرِيحَةٍ سَمْحاءَ ذاتِ تَوَقُّدِ _________ = محمدٍ ﷺ من الرضا عن الله، ولزومِ تقوى الله، والجهادِ في سبيل الله، والتأدبِ بآداب الشريعة من التلاوة بترتيلٍ وتدبرٍ، والقيامِ بخشيةٍ وخشوع، وصومِ وقتٍ، وإفطار وقت. . . والعالمُ إذا عَرِيَ من التصوف والتألُّه فهو فارغ، كما أن الصوفيَّ إذا عَرِيَ منْ علم السُّنة زَلَّ عن سواء السبيل". ويقول الإمام ابن رجب ﵀ في الذيل على طبقات الحنابلة ٣/ ٦٤، في ترجمة أبي إسماعيل الهرويّ: "وكان على حظٍّ تامٍّ من العربية ومعرفة الأحاديث والأنساب والتواريخ، إمامًا كاملًا في التفسير والتذكير، حسن السيرة والطريقة في التصوف ومباشرة التصوف ومعاشرة الأصحاب الصوفية، مظهر السنّة داعيًا إليها، محرِّضًا عليها". وقال عنه أيضًا: "وله كلام في التصوف والسلوك دقيق، وقد اعتنى بشرح كتابه "منازل السائرين" جماعةٌ، وهو كثير الإشارة إلى مقام الفناء في توحيد الربوبية، واضمحلال ما سوى الله تعالى في الشهود لا في الوجود". الذيل على الطبقات ٣/ ٦٧. وانظر ترجمته لعبد القادر الجيلاني في الذيل ٣/ ٢٩٠. وأئمة الصوفية السنيين ليسوا بالمعصومين، فليس معصومًا إلا محمد ﵌، وأمثاله من النبيين صلوات الله وسلامه عليهم، وحصول بعض الخطأ من بعض أئمة الصوفية لا يُخرجهم عن السنة، كما لا يُخرج بعضُ الخطأ أحمدَ والشافعيَّ ومالكًا وأبا حنيفة وغيرهم عن السنة، والتشدد لا يصدر إلا عن جاهل أو متعصِّب لرأيه، وهؤلاء لا كلام معهم، إنما الكلام مع أهل الإنصاف والاعتدال، والله المسؤول أن يظهر الحق ويبطل الباطل، إنه على ذلك قدير، وبالإجابة جدير.

стр. 134

واستنبِطِ المكنونَ من أسْرارِها ... وابحث عن المعنى الأَسَدِّ الأَرْشَدِ وعليكَ أربابَ العُلُومِ ولا تَكُنْ ... في ضَبْطِ ما يُلْقُونَهُ بمُفَنِّدِ وإذا أتَتْكَ مقالةٌ قد خَالَفَتْ ... نَصَّ الكتاب أو الحَديثِ المُسْنَدِ فاقْفُ الكتابَ ولا تَمِلْ عَنْهُ وقِفْ ... مُتَأَدِّبًا مع كل حَبْرٍ أَوْحَدِ فلُحُومُ أهلِ العلمِ سُمَّتْ للجُنَا ... ةِ عليهمُ فاحفظْ لسانَك وابْعُدِ هَذِي وصِيَّتيَ التي أُوصِيكَهَا ... أكرِمْ بها مِنْ والدٍ مُتَوَدِّدِ ومِنْ بديع شعره هذه القصيدة الغراء التي حُقَّ لطلاب العلم أن يحفظوها، لا سيما في هذا الزمان الذي استخف أهلُه بالعلم وأهله، وفُتِنُوا بالدنيا ومناصبها، وأصبح الرجل الحقير الفاسد لماله ومنصبه مبجلًا معظمًا، والعالم التقي الفقير المتواضع مهانًا مبتذلًا، فوا أسفًا ثم ألف فوا أسفا، مصابٌ جَلَلٌ، ونقصٌ في الدين وزلل، وازدراء لخلفاء النبي ﵌ وضلال وخطل، ولكن عزاء العاقلِ الحصيفِ مقولةُ الشافعي ﵁ حيث يقول: ومنزلة الفقيه مِن السفيه ... كمنزلة السفيه مِن الفقيه فهذا زاهدٌ في قُرْب هذا ... وهذا فيه أزهدُ منه فيه (١) وأين أهل هذا الزمان المفتونون بالمناصب من قول المصطفى ﵌ "إنَّ مِنْ إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وحاملِ القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرامِ ذي السلطان المقسِط" أخرجه _________ (١) انظر: المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي ص ٣٦٧.

стр. 135

أبو داود عن أبي موسى الأشعري ﵁، وإسناده حسن. انظر: فيض القدير شرح الجامع الصغير ٢/ ٥٢٩ وماذا بعد إهانة العلماء إلا سيادة الجهال، وماذا بعد سيادة الجهال إلا ضياع الملة والدين، وماذا بعد ضياع الملة والدين إلا هدم منار الأرض وهلاك الحرث والنسل، نسأل الله السلامة. وقبل أن أُورد قصيدة السبكي ﵀ أذكر سببها، فهو ظريف لطيف، وفيه كرامة تحقَّقَت للتقي ﵀. يقول التاج ﵀: "نقلتُ من خط أخي شيخنا شيخ الإسلام أبي حامدٍ أحمد (١)، سلمه الله تعالى أن الوالد أنشد هذه الأبيات حين أُخِذت منه مشيخة جامع طُولُون، في سنة تسعَ عشرةَ، وأن والدتَه الجدَّةَ ناصرِيّة أَسِفَتْ عليه، وكان ذلك بعد ولادة الأخ أبي حامد، قال فكان الوالدُ يقول لها: يا أمُّ، وما أدراكِ أن هذا الميعادَ يعود، ويكون رزقَ هذا المولود، فعاد إليه في سنة سبعٍ وعشرين، واستمر بيده إلى سنة تسعٍ وثلاثين، لما وَلِيَ قضاء الشام، واستمر باسم الأخ أبي حامد، وهو الآن بيده، جَعَله الله كلمةً باقيةً في عَقِبِه" (٢). _________ (١) هو أحمد بن علي بن عبد الكافي السبكي، أبو حامد بهاء الدين. ولد سنة ٧١٩ هـ قال الحافظ ابن حجر ﵀: "كانت له اليد الطولى في علوم اللسان العربي والمعاني والبيان، وله "عروس الأفراح شرح تلخيص المفتاح" أبان فيه عن سعة دائرةٍ في الفن. . وكان أديبًا فاضلًا متعبِّدًا كثير الصدقة والحج والمجاورة، سريع الدمعة". توفي مجاورًا بمكة سنة ٧٧٣ هـ. انظر: الدرر ١/ ٢١٠، البدر ١/ ٨٢. (٢) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٨١.

стр. 136

أما القصيدة فهي: كمالُ الفتى بالعلم لا بالمَناصِبِ ... ورُتْبَةُ أهلِ العلمِ أَسْنى المراتبِ هُمُ وَرِثُوا عِلمَ النَّبِيِّينَ فاهْتَدَى ... بِهِمْ كلُّ سارٍ في الظلامِ وسَارِبِ ولا فخرَ إلا إرثُ شِرْعَةِ أحْمَدٍ ... ولا فضلَ إلا باكتسابِ المناقِبِ وبحثٌ وتدقيقٌ وإيضاحُ مُشْكِلٍ ... وتحرير بُرهانٍ وقطْع مُغالبِ وإحكامُ آياتِ الكتاب وسُنَّةٍ ... أتَتْ عن رسولٍ من لؤيِّ بنِ غالِبِ إذا المرءُ أمسَى للعلومِ مُحالِفًا ... أضاءَ له منها جميع الغَيَاهِبِ (١) ويَنْزاحُ عَنْهُ كلُّ شَكٍّ وشُبْهَةٍ ... وتبدو له الأنوارُ من كلِّ جانِبِ هي الرتبةُ العُلْيا تَسَامَى بأهلِها ... إلى مُسْتَقَرٍّ فوقَ مَتنِ الكواكبِ فَدُونَكَها إنْ كنتَ للرشدِ طالبًا ... تنلْ خيرَ مرجُوِّ الدُّنَا والعَواقِبِ ولا تَعْدِلَنْ بالعلمِ مالًا ورفعةً ... وسمْرَ القَنَا أو مُرْهَفَاتِ القَواضِبِ (٢) وهَبْكَ انزَوَتْ دُنْيَاكَ عَنْكَ فلا تُبَلْ ... فَعَنْها لقد عُوِّضت صَفْوَ المَشارِبِ فما قَدْرُ ذي الدُّنْيا وما قَدْرُ أهلِها ... وما اللهوُ بالأولاد أو بالكَواعِبِ إذا قِسْتَ ما بين العلومِ وبينَها ... بعقلٍ صحيحٍ صادِقِ الفِكْرِ صائِبِ _________ (١) أي: الظلمات، جمع غَيْهَب. انظر: اللسان ١/ ٦٥٣، مادة (غهب). (٢) أي: لا تساوي بالعلم أيَّ شيءٍ غيره، فهو أشرف الأشياء، فهو خَلَفٌ لا خَلَفَ له، عِوَضٌ لا عِوَض له، سابِقٌ لا سابِق له، فلا يشغلنك أيها العاقل شاغل عنه: من جمع مالٍ، أو تحصيلِ رفعةٍ بمنصبٍ، أو تَلَهٍّ بسُمْر القَنَا، أي: الرماح، أو السيوف المرهفة اللطيفة الدقيقة. انظر: لسان العرب ١٥/ ٢٠٣، مادة (قنا): ١/ ٦٧٩، مادة (قضب)، ٩/ ١٢٨، مادة (رهف).

стр. 137

فما لذةٌ تَبقَى ولا عيشَ يُقْتَنَى ... سِوَى العلمِ أعلى مِنْ جميعِ المكاسِبِ (١) ومن بديع شعره قوله: لَعَمْرُكَ إن لي نَفْسًا تَسَامَى ... إلى ما لَمْ يَنَلْ دَارَا بنُ دارَا (٢) فمِنْ هذا أرى الدنيا هَباءً ... ولا أرضى سِوَى الفردوسِ دارَا (٣) والطريف في هذين البيتين أنه نظم الأول منهما في سنة ٧١٩ هـ، والثاني في سنة ٧٤٧ هـ، كما رآه الحافظ ابن حجر ﵀ بخطه، وأنه قال: "إن لكلٍّ منهما إشارة" (٤). والذي ذكره الصفدي ﵀ أنه نظم الأول سنة ٧٣٩ هـ (٥). فالله أعلم ومِنْ حِكَمه قولهُ: إن الولاية ليس فيها راحةٌ ... إلا ثلاثٌ يبتغيها العاقِلُ حُكْمٌ بحقٍّ أو إزالةُ باطلٍ ... أو نَفْعُ محتاجٍ سواها باطِلُ (٦) ومِنْ فرائد حِكَمه: إذا أتَتْكَ يَدٌ من غير ذِي مِقَةٍ (٧) ... وجَفْوةٌ مِنْ صديقٍ كنتَ تأمُلُهُ _________ (١) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٨٠. (٢) دار ابنُ دارا: مِنْ ملوك الفرس الأقدمين. انظر: تحقيق الطبقات الكبرى ١٠/ ١٧٩. (٣) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٧٩. (٤) انظر: الدرر ٣/ ٦٩. (٥) انظر: السابق ٣/ ٦٩. (٦) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٧٩. (٧) أي: محبة. وفي اللسان ١٠/ ٣٨٩، مادة (ومق): "ومِقَهُ يَمِقُه، نادر، مِقَةً ووَمْقًا: أحبه. . والتَّوَمُّق: التودُّد، والمِقَة: المحبة، والهاء عِوَض منَ الواو، وقد وَمِقه يَمِقه بالكسر فيهما، أي: أحَبَّه، فهو وامق. . . وفَرَّق بين الوِمَاق والعِشق، فقال: =

стр. 138

خُذْها من الله تنبيهًا وموعظةً ... بأنَّ ما شاء لا ما شئتَ يَفْعَلُهُ (١) _________ = الوِمَاق محبةٌ لغير ريبة، والعشق محبةٌ لريبة". أي: الوِمَاق حبٌّ لا حرام فيه، والعِشق هو الحبُّ الحرام. (١) انظر: الدرر ٣/ ٧٠، حاشية الطبقات الكبرى ١٠/ ٣٠٤.

стр. 139

المبحث الثامن: أخلاقه وعبادته قال ابن حبيب ﵀ في وصف أخلاقه: "كان قَدَّس الله روحَه جزيلَ الورع، قليل الرِّيِّ والشِّبع، يكتفي بالعُلْقة من الطعام (١)، ويقنع بالنُّغْبة (٢) من المورد العذب وإن لم يكن كثير الزِّحام. مستعينًا بالصبر والصلاة، متقربًا بحسن العمل إلى من خلق الموت والحياة. متنزهًا في رياض الأذكار، مثابرًا على التسبيح بالعشي والإبكار، مراقبًا مَن لا تُدركه الأبصار. . . . مواظبًا على تلاوة كتاب الله آناء الليل وأطراف النهار، صابرًا عند ازدحام الأخطار. . . وكانت يداه مبسوطتين، وبإسداء المعروف معروفتين، يُعطي عطاء مَن لا يخشى الفقر، ويأتَمُّ بمَنْ في أذنيه عن سماع العَذْل في البذل - وَقْر. . . راجِي نَوَاله ما لم يخطُر بباله، ولو _________ (١) أي: بالبُلْغة من الطعام. وفي اللسان ١٠/ ٢٦٣: "والعَلاقة: ما يُتَبَلَّغ به من عيش. والعُلْقةُ والعَلاقُ ما فيه بُلغةٌ من الطعام إلى وقت الغذاء. وقال اللحياني: ما يأكل فلانٌ إلا عُلْقَةً، أي: ما يمسك نفسه من الطعام. وفي الحديث: وتجتزئ بالعُلْقَةِ، أي: تكتفي بالبُلْغة من الطعام". (٢) أي: الجَرْعة. وفي اللسان ١/ ٧٦٥، مادة (نغب): "قال ابن السكيت: نَغِبْتُ من الإناء، بالكسر، نَغْبًا، أي: جَرَعْتُ منه جَرْعًا. ونَغَبَ الإنسانُ في الشُّرْب، يَنْغُبُ نَغْبًا: جَرَع، وكذلك الحمار. والنَّغْبة، والنُّغْبة بالضم: الجَرْعة، وجمعها نُغَبٌ".

стр. 140

استزاده لزاد، وأرضى العُفَاة (١) بالجود، فمن قائل هو عليٌّ الرِّضا (٢)، ومِنْ قائل هو الجَواد. . . يقوم الليل إلا قليلًا، ويُفني عمر الدُّجَى تسبيحًا وترتيلًا. . . لا ينظر إلى الدنيا ونُضْرتها، ولا يكترث بزُهرها وزَهْرتها (٣)، ولا يغترُّ بزخارفها. . . . . . ولا يتكبر بما باشره من جليل مناصبها، ولا يشرئبُّ (٤) إلى ملاذِّها وملابسها، ولا يتجمل بزينة أهلها، على أنه رأسُ رؤسائِها وأربابِ طيالِسها" (٥). _________ (١) العفاة: هم الأضياف وطُلَّاب المعروف. وفي اللسان ١٥/ ٧٤، مادة (عفا): "وعَفَوْتُ الرجل إذا طلبتَ فضلَه. والعافية والعُفَاةُ والعُفَّى: الأضياف وطُلَّاب المعروف. وقيل هم الذين يَعْفُونك، أي: يأتونك يطلبون ما عندك. . . والعافيةُ: طلَّابُ الرزق من الإنس والدَّواب والطَّيْر. . . قال أبو عبيد: الواحد من العافية عافٍ، وهو كل مَنْ جاءك يطلُب فضلًا أو رزقًا فهو عافٍ ومُعْتَفٍ، وقد عَفَاكَ يَعْفُوكَ، وجمعه عُفاة". (٢) هو الإمام علي بن الحسين بن الإمام عليٍّ بن أبي طالب بن عبد المطلب، السيد الإمام زين العابدين، الهاشمي العلويُّ المدنيّ. ولد سنة ٣٨ هـ. توفي سنة ٩٤ هـ. انظر: سير ٤/ ٣٨٦، البداية والنهاية ٩/ ١٠٩. (٣) الزُّهرة: الحُسْن والبياض. قال شِمْر: الأزهَرُ من الرجال: الأبيض العتيقُ البياض النَّيِّر الحسن، وهو أحسن البياض كأن له بريقًا ونُورًا يُزْهِرُ كما يُزهِرُ النجمُ والسراج. وزَهْرَةُ الدنيا وزَهَرَتُها: حُسْنُها وبَهْجَتها وغَضَارَتُها. انظر: لسان العرب ٤/ ٣٣٢، مادة (زهر). (٤) أي: لا يتطلع. وفي اللسان ١/ ٤٩٣، مادة (شرب): "واشْرَأَبَّ الرجلُ للشيء وإلى الشيء اشْرِئْبابًا: مَدَّ عنَقَه إليه. وقيل: هو إذا ارتفع وعَلَا، والاسم: الشُّرَأْبِيبة، بضم الشين، من اشْرَأَبَّ". (٥) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٦٢ - ١٦٣.

стр. 141

ويقول تلميذه صلاح الدين الصفدي ﵀: "وأما الأخلاق فقَلَّ أنْ رأيتُها في غيره مجموعة، أو وُجِد في أكياس الناس دينارٌ على سِكَّتها المطبوعة: فَمٌ بَسَّام، ووجه بين الجمال والجلال قَسَّام، وخُلْقٌ كأنه نَفَس السَّحَر على الزَّهَر نَسَّام. وكَفٌّ تخجَلُ الغُيُوث مِنْ ساجِمِها (١)، وتَشْهد البرامكة (٢) أن نَفَس حاتِمٍ في نقش خاتِمِها. وحِلْمٌ لا يستقيم معه الأحنف (٣)، ولا يُرى المأمونُ (٤) معه إلا _________ (١) الساجِم: السائل، مِنْ سَجَم العينُ والدمعُ الماءَ يسجم سجومًا وسجامًا إذا سال وانسجم. انظر: اللسان ١٢/ ٢٨١، مادة (سجم). والمعنى: أن الأمطار تخجل من سيل هذا الكف وصَبِّه بكل خيرٍ مدرار، وعطاءٍ جمٍّ مغزار، فالضمير في "ساجمها" يعود إلى الكف. (٢) هم أسرة فارسية كان لها شأن في عهود أبي جعفر والمهدي والرشيد العباسيين، وهم أهل كرم وجود. انظر: سير أعلام النبلاء ٩/ ٥٩. (٣) هو الضحاك بن قيس بن معاوية بن حُصَيْن، الأمير الكبير، والعالم النبيل، أبو بحر التميمي، أحد مَنْ يُضرب بحلمه وسؤدده المثل. كان من المخضرمين، أسلم في حياة النبي ﵌، ووفد على عمر ﵁. توفي ﵀ سنة ٦٧ هـ في إمرة مصعب بن الزبير على العراق. انظر: طبقات ابن سعد ٧/ ٩٣، سير ٤/ ٨٦. (٤) هو الخليفة أبو العباس عبد الله بن هارون الرشيد بن محمد المهدي العباسي. ولد سنة ١٧٠ هـ، وقرأ العلم والأدب والأخبار والعقليات وعلوم الأوائل، وأمر بتعريب كتبهم وبالغ، ودعا إلى القول بخلق القرآن وبالغ، وكان من رجال بني العباس حزمًا وعزمًا ورأيًا وعقلًا وهيبة وحلمًا، ومحاسنه كثيرة في الجملة، وكان يُعَدُّ من كبار العلماء مع تشيع فيه. وكان يقول: لو عرف الناس حبي للعفو لتقربوا إليَّ بالجرائم، وأخاف أن لا أُوجر فيه. توفي سنة ٢١٨ هـ. انظر: تاريخ بغداد ١٠/ ١٨٣، سير ١٠/ ٢٧٢، شذرات ٢/ ٣٩.

стр. 142

خائنًا عند مَنْ رَوَى أو صَنَّف، ولا يُوجد له فيه نظيرٌ ولا في غرائب أبي مِخْنَف (١)، ولا يُحْمَل عليه حِمْلٌ فإنه جاء فيه بالكيل المُكْنَف (٢). لم أره انتقم لنفسه مع القدرة، ولا شَمَت بعدوٍّ هُزِم بعد النُّصْرة، بل يعفو ويَصْفَح عمن أجرم، ويتألم لمَنْ أوقَد الدهر نارَ حربه وأَضْرَم، ورعايةُ وُد لصاحبه الذي قَدُم عهدُه، وتذكُّرٌ لمحاسنه التي كاد يمحوها بُعْدُه، وطهارة لسان لم يُسْمَع منه في غِيبةٍ بنتُ شَفَة، ولا تَسِفُّ (٣) طُيورُ الملائكة منه على سَفَه. _________ (١) هو لوط بن يحيى بن مِخْنَف بن سليمان الكوفي، صاحب تصانيف وتواريخ. قال يحيى بن معين: ليس بثقة. وقال أبو حاتم: متروك الحديث. وقال الدارقطني: أخباري ضعيف. من مصنفاته: كتاب الردة، وكتاب فتوح الشام، وفتوح العراق، وكتاب الجمل، وصفين، والنهروان، وغيرها كثير. توفي سنة ١٥٧ هـ. انظر سير ٧/ ٣٠١، معجم الأدباء ١٧/ ٤١. (٢) أي: الممتلئ؛ لأن المكنف معناه: المحاط به مِنْ جوانبه، منْ قولهم: اكتنفته أنا وصاحبي، أي: أحطنا به مِنْ جانِبَيْه. انظر: لسان العرب ٩/ ٣٠٨، مادة (كنف)، والإحاطة في الكيل لا تكون إلا بامتلائه، والمعنى: أنه لا مزيد على حلمه، فقد استوفى خلق الحلم ﵀، كما أن الكيل الممتلئ لا يمكن الحمل عليه زيادةً على ما فيه. ولا شك أن المراد بهذا المبالغة في وصفه، لا حقيقة هذا القول؛ لأن الأولياء ﵃ لا يبلغون أقل من عشر المعشار من أخلاق الأنبياء وصفاتهم صلوات الله وسلامه عليهم، لكن القصد هو بيان الدرجة العالية التي وصل فيها هذا الإمام في خلق الحلم، جعلنا الله من أهل هذا الخلق، فهو والله الخلقُ الذي إذا حصل للمرء فقد تمت سعادته، وكملت أخلاقه ومروءته، وكفى على ذلك دلالةً بشارةُ المولى تعالى لخليله بابن حليم: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [سورة الصافات: ١٠١]. (٣) أي: لا تدنوا. وفي اللسان ٩/ ١٥٣ - ١٥٤: "وأَسَفَّ الطائرُ والسحابةُ وغيرهما: دنا من الأرض. . . أسَفَّ الطائر إذا دنا من الأرض في طيرانه. . .".

стр. 143

وزهد في الدنيا وأقلامه تتصرف في الأموال، ويَفُضُّها على مَمَرِّ الأيام والجُمَع والأشهرِ والأحوال، واطِّراحٌ للمَلْبس والمأكل، وعزوفٌ عن كل لذة، وإعراضٌ عن أعراض هذه الدنيا التي خلق اللهُ النفوسَ إليها مُغِذَّة هذا ما رآه عَيَانِي، وخَتَم عليه جَنَاني. وأما ما وُصِف لي من قيام الدُّجا، والوقوفِ في مقام الخوف والرَّجا - فأمرٌ أجزم بصدقه، وأشهد بحقِّه، فإن هذا الظاهر لا يكون له باطنٌ غيرُ هذا، ولا يُرى غيرُه حتى المَعَاد مَعاذا. ثم اندفع القاضي صلاح الدين في ذِكر شيءٍ من أحواله وكراماته وأخباره، فإنه كان يُحبه، وله به خصوصية" (١). وسأذكر بعض أخلاقه على شيءٍ من التفصيل، كما ذكرها ابنه التاج رحمهما الله تعالى: ١ - إخلاصه: قال التاج: "وقد كانت الأسئلة تأتيه من شرق الأرض وغربها، فما كان منها متعلِّقًا بعلوم الظاهر نَقِف عليه، ونبحث عنه، وما كان منها متعلِّقًا بعلم الباطن قَلَّ أن يُوقفنا عليه، أو يُعَرِّفَنا سائلَه، وكان يكتم أحوال مَنْ يعرفه مِن الأولياء" (٢). ٢ - تواضعه: قال التاج ﵀: "وكتب بخطه على ترجمته التي أنشأتُها في كتاب "الطبقات الوسطى"، وقد كانت "الطبقات الوسطى" تُعجبه، ويضعها _________ (١) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٥٩ - ١٦١، أعيان العصر ٣/ ٤١٩ - ٤٢٠. (٢) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٨٦.

стр. 144

غالبًا بين يديه ينظر فيها، رأيتُه كتب بخطه على ترجمته، وهو عندي الآن، ما نَصُّه: عبدَ الوهَّابِ نَظَرْتَ إلى ... وَرَمٍ بادٍ يَحْكِي سِمَنَا (١) وشَغَافٌ بي يدعوكَ إلى ... حُسْبانِكَ في حالي حَسَنَا يا رب اغفِرْ لابْنِي فيما ... قد خَطَّ وقال هوىً وجَنَا والله إني في نفسي أحقرُ من أن أُنْسَب إلى غِلمان واحدٍ من المذكورين، ومَنْ أنا في الغابرين! أسأل اللهَ خاتمةً حسنةً بمنِّه وكرمه، وبمحمدٍ ﷺ . كتبه عليٌّ السبكي في يوم السبت، مُسْتَهلَّ جُمادَى الآخرة، سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة بظاهر دمشق. هذا صورة خطِّه على حاشية كتاب "الطبقات الوسطى" لي (٢). ٣ - عزة نفسه: يقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣)، فمنشأ العزة من الله تعالى، وهو يُعِزُّ رسولَه ﵌؛ لأنه أكرم الخلق عليه تعالى، ويعِز عباده المؤمنين على قدر إيمانهم؛ لأن لهم شرفًا وقدرًا عنده بذلك الإيمان، كلٌّ بحسب إيمانه، اللهم اجعل حظنا من الإيمان وافرًا كاملًا. _________ (١) يعني بالورم نفسَه ﵀، وسِمَن الورم مرضٌ لا عافية، فشبَّه حاله بذلك تواضعًا. (٢) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٩١ - ١٩٢. (٣) سورة المنافقون: ٨.

стр. 145

فعزة المؤمن ليست من جنس الكبر واحتقار الناس، أو رؤية تميز النفس عن الغير، بل عزته شعوره بأنه عبدٌ لعزيز، قويٌّ قادر قاهر لا يُغلب، وهو يدافع عن أوليائه. أبي الإسلام لا أبَّ لي سواه ... إذا افتخروا بقيسٍ أو تميمِ نقل الحافظ ابن حجر ﵀ كلامًا للتقي ﵀، يدل على كراهته لسؤال الناس، وعزوف نفسه عن ذلك، لما في السؤال من المذلة والهوان، وشعور المُسْدِي للمعروف غالبًا بالتفضل والمِنَّة على السائل، وأن له يدًا عليه لا بد من مكافأتها، وهذه عبودية لا يرتضيها المؤمن الصادق، فوجهه وقلبه لا يذل إلا لخالقه، والأحرارُ من الرجال الذي يرون المعروفَ والفضلَ لمن سألهم - قليلٌ، وأقل من القليل. ٤ - حياؤه: قال التاج ﵀: "وكان كثير الحياء جدًا، لا يُحب أن يُخْجِل أحدًا، وإذا ذكر الطالبُ بين يديه اليسيرَ من الفائدة استعظمها، وأوهمه أنه لم يكن يَعْرِفُها، لقد قال له مرةً بعض الطَّلَبة بحضوري: حكى ابنُ الرِّفعة عن مُجلِّي (١) وجهين في الطلاق، في قول القائل بعدَ يمينه: إن شاء الله تعالى، هل هو رافعٌ لليمين، فكأنها لم تُوجَد، أو نقول: إنها انعقدت على شرط؟. _________ (١) هو مجَلِّي بن جُمَيْع بن نجا المخزومي، قاضي القضاة، أبو المعالي. كان من أئمة الشافعية، وكبار الفقهاء، وإليه تَرجِع الفتيا بديار مصر. من مصنفاته: الذخائر، إثبات الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، الكلام على مسألة الدَّوْر. توفي سنة ٥٥٠ هـ. انظر: الطبقات الكبرى ٧/ ٢٧٧، سير ٢٠/ ٣٢٥، شذرات ٤/ ١٥٧.
следующие страницы →