← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ويقول تلميذه صلاح الدين الصفدي ﵀: "وأما الأخلاق فقَلَّ أنْ رأيتُها في غيره مجموعة، أو وُجِد في أكياس الناس دينارٌ على سِكَّتها المطبوعة: فَمٌ بَسَّام، ووجه بين الجمال والجلال قَسَّام، وخُلْقٌ كأنه نَفَس السَّحَر على الزَّهَر نَسَّام. وكَفٌّ تخجَلُ الغُيُوث مِنْ ساجِمِها (١)، وتَشْهد البرامكة (٢) أن نَفَس حاتِمٍ في نقش خاتِمِها. وحِلْمٌ لا يستقيم معه الأحنف (٣)، ولا يُرى المأمونُ (٤) معه إلا _________ (١) الساجِم: السائل، مِنْ سَجَم العينُ والدمعُ الماءَ يسجم سجومًا وسجامًا إذا سال وانسجم. انظر: اللسان ١٢/ ٢٨١، مادة (سجم). والمعنى: أن الأمطار تخجل من سيل هذا الكف وصَبِّه بكل خيرٍ مدرار، وعطاءٍ جمٍّ مغزار، فالضمير في "ساجمها" يعود إلى الكف. (٢) هم أسرة فارسية كان لها شأن في عهود أبي جعفر والمهدي والرشيد العباسيين، وهم أهل كرم وجود. انظر: سير أعلام النبلاء ٩/ ٥٩. (٣) هو الضحاك بن قيس بن معاوية بن حُصَيْن، الأمير الكبير، والعالم النبيل، أبو بحر التميمي، أحد مَنْ يُضرب بحلمه وسؤدده المثل. كان من المخضرمين، أسلم في حياة النبي ﵌، ووفد على عمر ﵁. توفي ﵀ سنة ٦٧ هـ في إمرة مصعب بن الزبير على العراق. انظر: طبقات ابن سعد ٧/ ٩٣، سير ٤/ ٨٦. (٤) هو الخليفة أبو العباس عبد الله بن هارون الرشيد بن محمد المهدي العباسي. ولد سنة ١٧٠ هـ، وقرأ العلم والأدب والأخبار والعقليات وعلوم الأوائل، وأمر بتعريب كتبهم وبالغ، ودعا إلى القول بخلق القرآن وبالغ، وكان من رجال بني العباس حزمًا وعزمًا ورأيًا وعقلًا وهيبة وحلمًا، ومحاسنه كثيرة في الجملة، وكان يُعَدُّ من كبار العلماء مع تشيع فيه. وكان يقول: لو عرف الناس حبي للعفو لتقربوا إليَّ بالجرائم، وأخاف أن لا أُوجر فيه. توفي سنة ٢١٨ هـ. انظر: تاريخ بغداد ١٠/ ١٨٣، سير ١٠/ ٢٧٢، شذرات ٢/ ٣٩.

стр. 142

خائنًا عند مَنْ رَوَى أو صَنَّف، ولا يُوجد له فيه نظيرٌ ولا في غرائب أبي مِخْنَف (١)، ولا يُحْمَل عليه حِمْلٌ فإنه جاء فيه بالكيل المُكْنَف (٢). لم أره انتقم لنفسه مع القدرة، ولا شَمَت بعدوٍّ هُزِم بعد النُّصْرة، بل يعفو ويَصْفَح عمن أجرم، ويتألم لمَنْ أوقَد الدهر نارَ حربه وأَضْرَم، ورعايةُ وُد لصاحبه الذي قَدُم عهدُه، وتذكُّرٌ لمحاسنه التي كاد يمحوها بُعْدُه، وطهارة لسان لم يُسْمَع منه في غِيبةٍ بنتُ شَفَة، ولا تَسِفُّ (٣) طُيورُ الملائكة منه على سَفَه. _________ (١) هو لوط بن يحيى بن مِخْنَف بن سليمان الكوفي، صاحب تصانيف وتواريخ. قال يحيى بن معين: ليس بثقة. وقال أبو حاتم: متروك الحديث. وقال الدارقطني: أخباري ضعيف. من مصنفاته: كتاب الردة، وكتاب فتوح الشام، وفتوح العراق، وكتاب الجمل، وصفين، والنهروان، وغيرها كثير. توفي سنة ١٥٧ هـ. انظر سير ٧/ ٣٠١، معجم الأدباء ١٧/ ٤١. (٢) أي: الممتلئ؛ لأن المكنف معناه: المحاط به مِنْ جوانبه، منْ قولهم: اكتنفته أنا وصاحبي، أي: أحطنا به مِنْ جانِبَيْه. انظر: لسان العرب ٩/ ٣٠٨، مادة (كنف)، والإحاطة في الكيل لا تكون إلا بامتلائه، والمعنى: أنه لا مزيد على حلمه، فقد استوفى خلق الحلم ﵀، كما أن الكيل الممتلئ لا يمكن الحمل عليه زيادةً على ما فيه. ولا شك أن المراد بهذا المبالغة في وصفه، لا حقيقة هذا القول؛ لأن الأولياء ﵃ لا يبلغون أقل من عشر المعشار من أخلاق الأنبياء وصفاتهم صلوات الله وسلامه عليهم، لكن القصد هو بيان الدرجة العالية التي وصل فيها هذا الإمام في خلق الحلم، جعلنا الله من أهل هذا الخلق، فهو والله الخلقُ الذي إذا حصل للمرء فقد تمت سعادته، وكملت أخلاقه ومروءته، وكفى على ذلك دلالةً بشارةُ المولى تعالى لخليله بابن حليم: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [سورة الصافات: ١٠١]. (٣) أي: لا تدنوا. وفي اللسان ٩/ ١٥٣ - ١٥٤: "وأَسَفَّ الطائرُ والسحابةُ وغيرهما: دنا من الأرض. . . أسَفَّ الطائر إذا دنا من الأرض في طيرانه. . .".

стр. 143

وزهد في الدنيا وأقلامه تتصرف في الأموال، ويَفُضُّها على مَمَرِّ الأيام والجُمَع والأشهرِ والأحوال، واطِّراحٌ للمَلْبس والمأكل، وعزوفٌ عن كل لذة، وإعراضٌ عن أعراض هذه الدنيا التي خلق اللهُ النفوسَ إليها مُغِذَّة هذا ما رآه عَيَانِي، وخَتَم عليه جَنَاني. وأما ما وُصِف لي من قيام الدُّجا، والوقوفِ في مقام الخوف والرَّجا - فأمرٌ أجزم بصدقه، وأشهد بحقِّه، فإن هذا الظاهر لا يكون له باطنٌ غيرُ هذا، ولا يُرى غيرُه حتى المَعَاد مَعاذا. ثم اندفع القاضي صلاح الدين في ذِكر شيءٍ من أحواله وكراماته وأخباره، فإنه كان يُحبه، وله به خصوصية" (١). وسأذكر بعض أخلاقه على شيءٍ من التفصيل، كما ذكرها ابنه التاج رحمهما الله تعالى: ١ - إخلاصه: قال التاج: "وقد كانت الأسئلة تأتيه من شرق الأرض وغربها، فما كان منها متعلِّقًا بعلوم الظاهر نَقِف عليه، ونبحث عنه، وما كان منها متعلِّقًا بعلم الباطن قَلَّ أن يُوقفنا عليه، أو يُعَرِّفَنا سائلَه، وكان يكتم أحوال مَنْ يعرفه مِن الأولياء" (٢). ٢ - تواضعه: قال التاج ﵀: "وكتب بخطه على ترجمته التي أنشأتُها في كتاب "الطبقات الوسطى"، وقد كانت "الطبقات الوسطى" تُعجبه، ويضعها _________ (١) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٥٩ - ١٦١، أعيان العصر ٣/ ٤١٩ - ٤٢٠. (٢) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٨٦.

стр. 144

غالبًا بين يديه ينظر فيها، رأيتُه كتب بخطه على ترجمته، وهو عندي الآن، ما نَصُّه: عبدَ الوهَّابِ نَظَرْتَ إلى ... وَرَمٍ بادٍ يَحْكِي سِمَنَا (١) وشَغَافٌ بي يدعوكَ إلى ... حُسْبانِكَ في حالي حَسَنَا يا رب اغفِرْ لابْنِي فيما ... قد خَطَّ وقال هوىً وجَنَا والله إني في نفسي أحقرُ من أن أُنْسَب إلى غِلمان واحدٍ من المذكورين، ومَنْ أنا في الغابرين! أسأل اللهَ خاتمةً حسنةً بمنِّه وكرمه، وبمحمدٍ ﷺ . كتبه عليٌّ السبكي في يوم السبت، مُسْتَهلَّ جُمادَى الآخرة، سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة بظاهر دمشق. هذا صورة خطِّه على حاشية كتاب "الطبقات الوسطى" لي (٢). ٣ - عزة نفسه: يقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣)، فمنشأ العزة من الله تعالى، وهو يُعِزُّ رسولَه ﵌؛ لأنه أكرم الخلق عليه تعالى، ويعِز عباده المؤمنين على قدر إيمانهم؛ لأن لهم شرفًا وقدرًا عنده بذلك الإيمان، كلٌّ بحسب إيمانه، اللهم اجعل حظنا من الإيمان وافرًا كاملًا. _________ (١) يعني بالورم نفسَه ﵀، وسِمَن الورم مرضٌ لا عافية، فشبَّه حاله بذلك تواضعًا. (٢) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٩١ - ١٩٢. (٣) سورة المنافقون: ٨.

стр. 145

فعزة المؤمن ليست من جنس الكبر واحتقار الناس، أو رؤية تميز النفس عن الغير، بل عزته شعوره بأنه عبدٌ لعزيز، قويٌّ قادر قاهر لا يُغلب، وهو يدافع عن أوليائه. أبي الإسلام لا أبَّ لي سواه ... إذا افتخروا بقيسٍ أو تميمِ نقل الحافظ ابن حجر ﵀ كلامًا للتقي ﵀، يدل على كراهته لسؤال الناس، وعزوف نفسه عن ذلك، لما في السؤال من المذلة والهوان، وشعور المُسْدِي للمعروف غالبًا بالتفضل والمِنَّة على السائل، وأن له يدًا عليه لا بد من مكافأتها، وهذه عبودية لا يرتضيها المؤمن الصادق، فوجهه وقلبه لا يذل إلا لخالقه، والأحرارُ من الرجال الذي يرون المعروفَ والفضلَ لمن سألهم - قليلٌ، وأقل من القليل. ٤ - حياؤه: قال التاج ﵀: "وكان كثير الحياء جدًا، لا يُحب أن يُخْجِل أحدًا، وإذا ذكر الطالبُ بين يديه اليسيرَ من الفائدة استعظمها، وأوهمه أنه لم يكن يَعْرِفُها، لقد قال له مرةً بعض الطَّلَبة بحضوري: حكى ابنُ الرِّفعة عن مُجلِّي (١) وجهين في الطلاق، في قول القائل بعدَ يمينه: إن شاء الله تعالى، هل هو رافعٌ لليمين، فكأنها لم تُوجَد، أو نقول: إنها انعقدت على شرط؟. _________ (١) هو مجَلِّي بن جُمَيْع بن نجا المخزومي، قاضي القضاة، أبو المعالي. كان من أئمة الشافعية، وكبار الفقهاء، وإليه تَرجِع الفتيا بديار مصر. من مصنفاته: الذخائر، إثبات الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، الكلام على مسألة الدَّوْر. توفي سنة ٥٥٠ هـ. انظر: الطبقات الكبرى ٧/ ٢٧٧، سير ٢٠/ ٣٢٥، شذرات ٤/ ١٥٧.

стр. 146

فقلتُ أنا: هذا في الرافعيّ (١)، أيُّ حاجةٍ إلى نقله عن ابن الرفعة عن مُجَلِّي (٢)! . فقال لي الشيخ الإمام: اسكُت مِنْ أين لك؟ هاتِ النَّقْل وانزعج. فقمتُ وأحضرتُ الجزءَ من الرافعيّ، وكان ذلك الطالب قد قام، فوالله حين أقبلتُ به قبل أن أتكلم قال: الذي ذكرتَه في أوائل كتاب الإيمان من الرافعيّ، وأنا أعرف هذا، ولكنْ فقيهٌ مسكينٌ طالبُ علمٍ، يريد أن يُظهر لي أنه استحضر مسألةً غريبة، تُريد أنت أن تُخْجِلَه، هذا ما هو مَليح. وكان يتفق له مثل هذا كثيرًا، يَنقل عنده طالبٌ شيئًا على سبيل الاستغراب، فلا يُبَكِّتُه، بل يستحسنه، وهو يستحضره مِنْ أماكن كثيرة، بحيث يَخْرج الطالبُ وهو يتعجب منه؛ لأنه يظنه أنه لم يكن مستحضرًا له، وما يدري المسكين أنه كان أعرفَ الناس به، ولكنه أراد جَبْره" (٣). _________ (١) هو أبو القاسم عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم القَزْويني الرافعي، نسبة إلى رافع بن خَدِيج الأنصاري ﵁. ولد سنة ٥٥٥ هـ. كان ﵀ متضلعًا من علوم الشريعة تفسيرًا وحديثًا وأصولًا، وأما الفقه فهو فيه عمدة المحقِّقين، وأستاذ المصنِّفين. قال النووي: "هو من الصالحين المتمكنين، كانت له كرامات كثيرة ظاهرة". من مصنفاته: "الفتح العزيز في شرح الوجيز" وكفى به شرفًا، شرح مسند الشافعي، المحرَّر. تُوفي سنة ٦٢٤ هـ قاله ابن الصلاح، وجزم الذهبي أنه توفي سنة ٦٢٣ هـ. انظر: سير ٢٢/ ٢٥٢، الطبقات الكبرى ٨/ ٢٨١، طبقات الإسنوي ١/ ٢٨١. (٢) أي: ما الحاجة إلى نقل المسألة عن ابن الرفعة وهو متأخِّر، وهي موجودة عند الرافعي، وهو متقدِّم، وإنما يُنقل عن المتأخِّر ما لم يذكره المتقدم. (٣) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ٢١٩ - ٢٢٠.

стр. 147

٥ - صرامته في الحق وصدعه به، وعدم محاباته فيه: قال التاج: "كان لا يُحابي في الحقِّ أحدًا، وأخباره في هذا الباب عجيبة. حكم مرةً في واقعةٍ جرت، وصمم فيها، وعانده أرغُون الكامليُّ نائبُ الشام (١)، وكاد الأمر يَطْلَخِمُّ (٢)، شامًا ومصرًا، فذكر القاضي صلاح الدين الصَّفَدي أنه عَبَر إليه، وقال: يا مولانا، قد أَعْذَرْتَ، ووفَّيْتَ ما عليك، وهؤلاء ما يُطيعون الحقَّ، فلِمَ تُلْقِي بنفسك إلى التَّهْلكة وتُعاديهم!. قال: فتأمَّل فِيَّ مليًّا ثم قال: وليتَ الذي بيني وبينك عامرٌ ... وبيني وبينَ العالمين خرابُ (٣) والله لا أُرضي غيرَ الله. قال: فخرجتُ مِنْ عندِه، وعرفتُ أنه لا يرجع عن الحقِّ بزخارفَ مِن القول. _________ (١) هو أرغون الصغير الكاملي. كان أحد مماليك الصالح إسماعيل، وكان جميلًا جدًا، وَلِي نيابة حلب، ثم وَلِي نيابة دمشق، ثم اعتقل بالإسكندرية، ثم أُفرج عنه، وأقام بالقدس بَطَّالًا لإلى أن كانت وفاته بها سنة ٧٥٨ هـ. انظر: البداية والنهاية ١٤/ ٢٧٠، شذرات ٦/ ١٨٤. (٢) أي: يشتد. وفي اللسان ١٢/ ٣٦٩، مادة (طلخم): "اطْلَخَمَّ الليلُ والسحابُ: أظلم وتراكم مثل: اطْرَخَمَّ. . . وأمورٌ مُطْلَخِمَّاتٌ: شِدادٌ". (٣) البيت لأبي فراس الحمداني. انظر: ديوانه ١/ ٢٤.

стр. 148

٦ - زهده في الدنيا وجوده: قال التاج ﵀: "وأما الدنيا فلم تكن عنده بشيء، ولا يستكثرها في أحدٍ، يَهَبُ الجزيل، ولا يرى أنه فَعَل شيئًا، ويعجبني قول الشيخ جمالِ الدين بن نُبَاتة شاعرِ العصر فيه، من قصيدة امتدحه بها: مُغْنِي الأنامِ فما تَعَطَّل عِندَهْ ... في الحكمِ غيرُ مَحاضِرِ الإفْلاسِ ومُعَجِّل الجَدْوَى جُزافًا (١) لا كَمَنْ ... هو ضارِبُ الأخماسِ في الأَسْداسِ" (٢) يقول الحافظ ابن حجر ﵀: "وكان متقشِّفًا في أموره، متقلِّلًا في الملابس، حتى كانت ثيابه في غير الموكب تُقَوَّم بدون الثلاثين درهمًا. وكان لا يستكثر على أحدٍ شيئًا، حتى إنه لما مات وجدوا عليه اثنين وثلاثين ألف درهم دَينًا، فالتزم ولداه تاج الدين وبهاء الدين بوفائها" (٣). ويقول التاج ﵀ أيضًا: "وكان لا يَصْبِر إذا طلعت الشمس إلى أن يستويَ طعامُ البيت، بل يأكل من السوق، وما ذلك إلا لسهره بالليل، مع حِدَّة ذهنه، فيجوع مِنْ طلوع الشمس، ولا يُطيق الصبرَ، ثم إذا أكل اجتزأ بالعُلْقة من الطعام، واليسيرِ من الغذاء. وأما مأكله ومَلْبَسُه ومَلاذُّه الدنيوية - فأمرٌ يسير جدًا لا ينظر إلى شيء _________ (١) الجدوى: العطية. انظر: اللسان ١٤/ ١٣٤، مادة (جدا). جزافًا: بضم الجيم وكسرها، أي: بلا كيل ولا وزن، والمعنى: يعطي العطية الكثيرة بلا حساب ولا تقدير. انظر: لسان العرب ٩/ ٢٧، مادة (جزف)، وهي فارسية مُعَرَّبة. (٢) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ٢٠٦. (٣) انظر: الدرر ٣/ ٦٤.

стр. 149

من ذلك، بل يجتزئ بيسير المأكل، ونَزْر المَلْبَس" (١). ٧ - عبادته وتقواه: يقول التاج ﵀: "وأما باب العبادة والمراقبة: فوالله ما رأتْ عينايَ مثلَه، كان دائمَ التلاوة والذكر، وقيامِ الليل، جميعُ نومه بالنهار، وأكثرُ ليله التلاوة، وكانت تلاوتُه أكثرَ مِنْ صلاته، ويتهجد بالليل، ويقرأ جهرًا في النوافل، ولا تراه في النهار جالسًا إلا وهو يتلو، ولو كان راكبًا، ولا يتلو إلا جَهْرًا، وكان يتلو في الحمَّام وفي المَسْلَخ. وأما باب الغيبة: فوالله لم أسمعه اغتاب أحدًا قط، لا من الأعداء، ولا مِنْ غيرهم، ومِنْ عجيب أمره أنه كان إذا مات شخصٌ مِنْ أعدائه يَظْهَرُ عليه من التألُّم والتأسُّف شيءٌ كثير. ولما مات الشيخ فخر الدين المصري رثاه بأبياتِ شِعر، وتأسَّف عليه. وكذلك لما مات القاضي شهابُ الدين بن فضل الله - الذي سُقنا كلامه فيه فيما مضى - ولا يخفى ما كان بينهما، ومن الغريب أنه قرأ طائفةً من القرآن ثم أهداها له، فقلتُ له: لِمَ هذا! أنت لم تظلمه قَطُّ، وهو كان يظلمك فما هذا!. فقال: "لَعَلِّي كرهتُه بقلبي في وقتٍ لحظٍّ دنيوي". فانظر إلى هذه المراقبة. _________ (١) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ٢٠٧.

стр. 150

٨ - صبره: قال التاج ﵀: "وكانت أموره في حال مرضه في غاية العجب، وقاسَ الشدائدَ، ولم يسمعه أحدٌ يقول: آه، ولا يطلُب العافيةَ، بل غايةُ ما يطلُب ولايتي، ورؤيةُ الأخ (١)، والوصول إلى مصرَ قبل الوفاة، وقُضِيت له الحاجات الثلاث. ولم أره قَطُّ بَرَح (٢) بألمٍ يعترضه، ولا بأذىً يحصُل له، بل يصبر عند الحادثات، ويحتسب ﵁" (٣). ٩ - كراماته: إن أعظم كرامة هي التوفيق لفعل الطاعات، وترك المنكرات، والاستقامة على فعل الخيرات. أما خَرْق العادات فهذا تارة يكون كرامة للعبد الصالح المستقيم، وتارة يكون استدراجًا للطالح اللعين، وتارة بسبب الجن والشياطين. فخرق العادة كرامة للعبد الصالح المستقيم، ولكن التوفيق للطاعة هو الكرامة العظمى، وهو الأصل لخرق العادات؛ لأن خرق العادة تأييد من المولى لعبده وتثبيت، وإظهار لشرفه وقدره بين العبيد، فيزداد صاحب الكرامة إيمانًا ويقينًا بصحة الطريق، ويزداد في فعل الخيرات، والإكثار من القربات، _________ (١) وهو أبو حامد أحمد؛ لأنه كان غائبًا عنه. (٢) أي: أظهر. وفي اللسان ٢/ ٤٠٩ مادة (برح): "والبَرَاح: الظهور والبيان. وبَرِح الخفاءُ وبَرَحَ، الأخيرة عن ابن الأعرابي: ظَهَر". (٣) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ٢١٨ - ٢١٩.

стр. 151

ويقتدي الآخرون به في ذلك. وكل كرامة لولي فهي معجزة للنبي ﵌؛ لأنها إنما حصلت ببركة متابعته والاقتداء به ﵌. وينبغي لمن ظهرت على يديه الكرامة أن يكتمها، وأن يحمد الله تعالى عليها، ويسأله المزيد من فضله، وأن لا يغتر ولا يُعجب بنفسه، فالعبرة بالخواتِم والعواقِب. يقول التقي ﵀ في كتابه "قضاء الأَرَب في أسئلة حلب" مبيِّنًا وجوب كتمان الكرامة: "وأما أن الكرامات ينبغي كتمانُها - فذلك مما لا خلاف فيه بين أهل الطريق، بل لا يجوز إظهارُها إلا لحاجة، أو قصدٍ صحيح، لما في إظهارها مِنَ الخطر مِنْ وجوه: منها: رؤية النفس، فيظن أن ذلك إنما ظهر عليه لصلاحه وعلوِّ منزلته عند الله، ورَفْعِه على أبناء جنسِه، واختصاصِه بحُسْن السابقة والخاتمة، وقد يكون الأمر بضد ذلك كلِّه، لما يحتمل أن يكون استدراجًا، وأنه بعيدٌ عن عَيْن الله تعالى، فالواجب عليه أن لا يغتر بذلك، وأن يحتقر نفسه، ويَوَدُّ لو كان نسيًا منسيًا.

стр. 152

المبحث التاسع: مُصَنَّفاته قد ذكر التاج ﵀ (١٢٩) مصنفًا تقريبًا، ولم أَجْزم بالعدد بناءً على أن هناك شكًا في بعض الأسماء، هل هي مكررة مع أسماء أخرى مشابهة، ويكون التكرار مِنْ سهو النساخ، أو غير ذلك، والله أعلم (١). قال السيوطي ﵀ عن مؤلفات التقي ﵀: "وصنَّف نحو مائة وخمسينَ كتابًا مطوَّلًا ومختصرًا، والمختصر منها لا بد وأن يشتمل على ما لا يُوجد في غيره، من تحقيقٍ وتحريرٍ لقاعدة، واستنباطٍ دقيق" (٢). وقال أيضًا: "وله من المصنفات الجليلة الفائقة التي حَقُّها أن تُكتب بماء الذهب؛ لما فيها من النفائس البديعة، والتدقيقات النفيسة" (٣). وقال ابن حجر ﵀: "وكان لا يقع له مسألة مستغربة أو مشكِلة إلا ويعمل فيها تصنيفًا يجمع فيه شتاتها، طالَ أو قصر، وذلك يبين في _________ (١) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ٣٠٧ - ٣١٥، حسن المحاضرة ١/ ٣٢٢، ٣٢٣، مقدمة محقِّق كتاب "قضاء الأرب في أسئلة حلب" ص ٦٨ - ٨١. (٢) انظر: بغية الوعاة ٢/ ١٧٧. (٣) انظر: حسن المحاضرة ١/ ٣٢٢.

стр. 153

تصانيفه" (١). وقال الحافظ الحسيني ﵀: "وهو ممن طبَّق الممالكَ ذِكْرُه، وسارت بتصانيفه وفتاويه الركبان في أقطار البلدان" (٢). وقال الذهبي ﵀: "وصَنَّف التصانيف المتقنة" (٣). يقول التاج ﵀: "اعلم أن باب مباحثِه بحرٌ لا ساحل له، بحيث سمعتُ بعض الفضلاء يقول: أنا أعتقد أن كلَّ بحثٍ يقع اليوم على وجه الأرض فهو له، أو مُستَمدٌّ من كلامه وتقريراته التي طَبَّقت طَبَقَ الأرض" (٤). ويقول أيضًا: "ومما أعتقد به عظمة الشيخ الإمام ﵀ أنَّ عامة تصانيفه اللِّطاف في مسائلَ نادرةِ الوقوع، مُوَلَّدةِ الاستخراج، لم يَسْبِقْ فيها للسابقين كلام، وإنْ تكلم في آية أو حديث أو مسألة سُبق إلى الكلام فيها اقْتصَر على ذِكرْ ما عنده مما استخرجته فِكْرتُه السليمة، ووقعت عليه أعماله القويمة، غير جامعٍ كلمات السابقين، كحاطب ليلٍ يُحِبُّ التَّشَبُّعَ بما لم يُعْطَ، حَظُّه من التصانيف جمعُ كلام مَن مَضَى، فإنْ ترقَتْ رتبتُه، وتعالتْ همَّتُه - لَخَّص ذلك الكلام، وإنْ ضَمَّ إلى التلخيص أَدْنى بحثٍ أو استدراك - فذاك عند أهل الزمان الحَبْرُ المقدَّم، والفارس المبجَّل. وعندنا أنه _________ (١) انظر: الدرر ٣/ ٦٤. (٢) انظر: ذيول العِبَر في خبر مَنْ غبرَ ٤/ ١٦٨. (٣) انظر: المعجم المختص ص ١٦٦. (٤) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ٢٦٦.

стр. 154

مُنْحازٌ عن مراتب العلماء البُزَّل (١)، والأذكياء المَهَرة، إنما الحَبْر مَنْ يُملي عليه قلبهُ ودماغُه، ويُبرز (٢) التحقيقات التي تشهد الفِطَرُ السليمة بأنها في أقصى غاياتِ النظر، مشحونةً باستحضار مقالاتِ العلماء، مشارًا فيها إلى ما يستند الكلام إليه من أدلة المنقول والمعقول، يرمز إلى ذلك رَمْزَ الفارغ منه، الذي هو عنده مُقَرَّرٌ واضح، لا تفيده إعادته إلا السآمة والملالة، ولا يُعيده إعادة الحاشِدِ الجَمَّاعة، الولَّاجِ الخرَّاج، المُحِبِّ أن يُحمد بما لم يَفْعل" (٣). _________ (١) البُزَّل: الكُمَّل؛ لأنهم يقولون: رجل بازِلُ، يعنون به كماله في عقله وتَجْربته. انظر: لسان العرب ١١/ ٥٢، مادة (بزل). (٢) في الأصل: "وتبرز"، وهو غير مناسب؛ لأنه معطوف على قوله: "مَنْ يُملي. . .". (٣) انظر الطبقات الكبرى ١/ ٩٩ - ١٠٠.

стр. 155

المبحث العاشر: وفاته والرؤى التي رُئيت له قال التاج ﵀: "ابتدأ به الضعف في ذي القَعدة، سنة خمس وخمسين وسبعمائة، واستمر عليلًا إلا أنه لم يُحَمَّ قط. وسمعته يقول: كنت أقرأ سيرة النبي ﷺ لابن هشام، في سنة ست وسبعمائة، فَعَرضتْ لي حُمَّى في بعض الأيام، وجاء وقتُ الميعاد، فأتى كاتب الأسماء وقال وأنا محمومٌ: "قد اجتمعت الناس". فكِدتُ أُبَطِّل، ثم قلتُ: لا والله لا بَطَلَّتُ مجلسًا تُذكر فيه سيرة النبي ﷺ ، فتحاملتُ وأنا محمومٌ، وقرأتُ الميعادَ، ووقع في نفسي أني لا أُحَمُّ أبدًا، فما حصلت لي حُمَّى بعدها. واستمر بدمشق عليلًا إلى أن وَلِيتُ أنا القضاء، ومكث بعد ذلك نحو شمهر، وسافر إلى الديار المصرية، وكان يذكر أنه لا يموت إلا بها، فاستمر بها عليلًا يُوَيْماتٍ يسيرةً، ثم تُوفيَ ليلة الاثنين المُسْفِرة عن ثالث جُمادى الآخرة، سنة ست وخمسين وسبعمائة بظاهر القاهرة، ودُفِن بباب النَّصر، تغمده الله برحمته ورضوانه، وأسكنه فسيح جِنانِه. والأطباء متفقون على أنه مسموم، وحكى لي الأخ الشيخ الإمام بهاء الدين: أنه قبل وفاته بيومين أسَرَّ إلى بعض أصحابه: إني مسموم، وأعرف مَنْ سَمَّني ولا أذكره، وأنه أوصاه أن لا يُعَرِّف أولاده بشيء من ذلك؛

стр. 156

لئلا يُشَوِّش عليهم، فلم يَذكر ذلك إلا بعد وفاته. وأجمع مَنْ شاهد جِنازتَه (١) على أنه لم يَرَ جِنازةً أكثرَ جمعًا منها. قالوا (٢): إنه لما مات ليلًا بالجزيرة ما انفلق الفجر إلا وقد ملأ الخلقُ ما بين الجزيرة (٣) إلى باب النَّصْر، ونادت المنادِية: مات آخِرُ المجتهدين، مات حجةُ الله في الأرض، مات عالم الزمان، وهكذا، ثم حَمَل العلماء نَعشَه، وازدحم الخلق بحيث كان أولهم على باب منزل وفاته، وآخرهم في باب النصر. وقيل: لم يُحاكِ ما يُقال عن جِنازة الإمام أحمد بن حنبل سوى جنازة الشيخ الإمام، في كثرة اجتماع الناس، تغمَّده الله برحمته" (٤). وأما المنامات التي رؤيت له: فقد قال التاج ﵀: _________ (١) في المصباح المنير ١/ ١٢١، مادة (جنز): "الجنازة وهي بالفتح والكسر، والكسر أفصح، وقال الأصمعي وابن الأعرابي: بالكسر: الميت نفسه، وبالفتح: السرير. وروى أبو عمر الزاهد عن ثعلب عكس هذا، فقال: بالكسر السرير، وبالفتح الميت نفسه". (٢) هذا يدل على أن التاج ﵀ لم يحضر جنازة والده؛ لأنه كان بالشام. (٣) هي جزيرة الفيل وهي بلد كبير، وبها مائة وخمسون بستانًا إلى سنة وفاة الناصر محمد بن قلاوون وهو معاصر للتقي ﵀. وهي الآن الأرض الواقعة بين محطة القاهرة وشبرا، وهي من جملة البقاع التي كان النيل يمر فيها، ثم صارت جُزُرًا نتيجة تحول النيل إلى الغرب في القرنين الثاني عشر، والثالث عشر بعد الميلاد. انظر: البيت السبكي ص ٥٩. (٤) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ٣١٥ - ٣١٦، مع زيادة ما في الهامش؛ لأنه ورد في بعض نسخ الطبقات الكبرى.

стр. 157

"حَكَى لي الشيخ الإمام العالم الصالح فخر الدين الضرير قال: لم أكن اجتمعتُ بالشيخ الإمام، وليلةَ موتِه قلت: هذا شيخ المسلمين، فأقوم للصلاة عليه، وشُهودِ جنازته، خالصًا لله فإني لا أعرفه، ولا أعرف أحدًا من أولاده، ولا مِنْ خَواصِّه. قال: ولم أكن أعرف أحدًا منكم. قال: ففعلتُ ذلك، ثم نِمتُ ليلتي تلك، فرأيتُه في المنام في مكانٍ مرتفعٍ وهو يقول: بلغني صَنِيعُك. وتكاثرت المناماتُ عقب وفاته من الصالحين وغيرهم، بما هو الظَّنُّ به عند ربه، ولو حكيناها لطال الشرح.

стр. 158

المبحث الحادي عشر: مراثيه قال التاج ﵀: "أما المدائح فتربوا على مُجلَّدات، فلا معنى للتطويل بها، وأما المراثي فنذكر منها ما حَضَرنا" (١). وقد ذكر جملةً من المراثي، وقد افتتحها بمرثية شاعر الوقت ابن نُباتة وهي غاية في الجودة، ومنها قوله: أَضْحَى لسُبْكَ بجُزْءٍ مِن مَناقِبِه ... على العِراق فَخَارٌ غيرُ مُنْتَقِبِ لَهْفِي لِعِلْمَيْنِ مَرْوِيٍّ ومُجْتَهَدٍ ... لَهْفي لفَضْلَينِ مُورُوثٍ ومُكْتَسَبِ آهًا لِمُرْتَحِلٍ عنا وأنْعُمُهُ ... مِلءُ الحقائبِ للطلَّاب والحِقَبِ (٢) (٣) ومِن مراثيه أيضًا مَرْثِيَّةُ ابنه التاج ﵀، وقد أجاد فيها وأبدع، _________ (١) انظر: الطبقات ١٠/ ٣١٧. (٢) الحقائب: جمع حقيبة: وهي ما يُجعل فيه المتاع والزاد. انظر: لسان العرب ١/ ٣٢٥، والمعجم الوسيط ١/ ١٨٧، مادة (حقب). والحِقَب: جمع حِقْبة: وهي السنة. انظر: لسان العرب ١/ ٣٢٦، المعجم الوسيط ١/ ١٨٧، مادة (حقب). والمعنى: وا أسفًا ووا ألمًا على فراق هذا المرتَّحِل، الذي رحل عنا وآثار إحسانه ونعمائه على الطلاب باقية ملأ حقائبهم، وملأ السنين، فنعماؤه باقية لا تبليها الأيام ولا السنون. (٣) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ٣٢٠.

стр. 159

وحَرَّك المشاعرَ وأسال المَدْمع. يقول التاج: "وقلتُ أنا من أبيات: هي المنيَّةُ للأرواح تَخْتَرِمُ ... وهيَ الحوادثُ أمضَى أمرَها القِدَمُ (١) وهْيَ السِّهام نُصِبْنا نحوَها غَرَضًا ... تُصْمَى بها وتُشَاكُ العُرْبُ والعَجَمُ (٢) وهو القضاء من الرحمن يَحْمَدُهُ ... حمدًا كثيرًا عليه الحاذِقُ الفَهِمُ (٣) ما ثَمَّ إلا الرِّضا والصبرَ فادَّرِعِ الصَّـ ... ـبْرَ الجميلَ لِبَاسًا كلُّه ألمُ حاز الثوابَ الذي يرضَى القضاءَ وفا ... ز الصابرون فهمُ مُذْ سَلَّمُوا سَلِمُوا _________ (١) أي: الأمر القديم، وهو القضاء الأزلي القديم. وفي المعجم الوسيط ٢/ ٧١٩: "قَدُمَ الشيء قِدَمًا وقَدامةً: مضى على وجوده زمنٌ طويل، فهو قديم". وانظر: اللسان ١٢/ ٤٦٥، مادة (قدم). (٢) تُصْمَى: تُصَاب وتُقتل. انظر: اللسان ١٤/ ٤٦٩، وانظر: لسان العرب ١٠/ ٤٥٣، مادة (شوك)، وانظر: المعجم الوسيط ١/ ٥٠٠. والمعنى والله أعلم: أن سهام القضاء والقدر قد نُصِبنا نحوها غَرَضًا، فلا يفوتُها أحدٌ منا، فمنا مَنْ كانت إصابته قاتلة وقضى نَحبه فورًا، ومنا مَنْ تَشُوكه وتُصيبه إصابةً غير قاتلة، إلى أن يأتي الموعد المحدَّد لذلك. (٣) وهو المؤمن؛ لأنه هو الذي فهم وأيقن بأن الخير كله فيما قضى الرحمن، فَيُثمر له هذا اليقينُ حمدَ المولى تعالى في كل حال.

стр. 160

الفصل الثالث: التعريف بالشيخ تاج الدين السبكي

стр. 161

المبحث الأول: اسمه ونسبه هو تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي الخزرجي الأنصاري. وتتمة بقية نسبه قد سبق ذِكْرها في ترجمة والده، فأغنى ذلك عن إعادتها. وقد سبق بيان صحة نسبتهم إلى الأنصار، وأن عدم تصريح والده بذلك نوع من الورع عما لم يقم عليه دليل قاطع. وقد سبق ذِكْر أنَّ التاج ﵀ نَقَل مِنْ خط جده عبد الكافي نسبتَهم إلى الأنصار. ولذلك لم يتحرج التاج ﵀ أن ينسب والده إلى الأنصار في ترجمته فقال: "ما ساد أحدٌ ناوأه ولا كان ذا استبصار. . . ولا ساخ قدمُ فتى قام بنصرته وقال: أنصر بقيةَ الأنصار" (١). _________ (١) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٤٤.

стр. 162

المبحث الثاني: ولادته ونشأته اختلف المؤرخون في مولد التاج السبكي رحمه الله تعالى، فذكر كثيرون منهم أن ولادته كانت في عام ٧٢٧ هـ، وهو الذي ذكره الحافظ ابن حجر ﵀، وتبعه على ذلك الشوكاني (١)، وذكره أيضًا ابن قاضي شهبة (٢)، وتبعه عليه ابن العماد الحنبلي (٣) (٤)، ﵏ جميعًا، وغيرهم (٥). وقد ذكر الذهبي في "المعجم المختص" أن مولده عام ٧٢٨ هـ (٦)، _________ (١) انظر: الدرر ٢/ ٤٢٥، البدر ١/ ٤١٠. (٢) هو أبو بكر بن أحمد بن محمد الدمشقي الشافعي، ويُعرف بابن قاضي شهبة، تقي الدين، أبو الصدق. فقيه مؤرِّخ مفسِّر. وُلد سنة ٧٧٩ هـ. من مصنفاته: "طبقات الشافعية"، و"شرح منهاج الطالبين" للنووي. توفي سنة ٨٥١ هـ. انظر: شذرات ٧/ ٢٦٩، معجم المؤلفين ٣/ ٥٧. (٣) انظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ١٠٤، شذرات ٦/ ٢٢١. (٤) عبد الحي بن أحمد بن محمد بن العماد العكري الحنبلي، أبو الفلاح. مؤرِّخ فقيه أديب. ولد سنة ١٠٣٢ هـ. من تصانيفه: "شذرات الذهب في أخبار مَنْ ذهب". توفي سنة ١٠٨٩ هـ. انظر: معجم المؤلفين ٥/ ١٠٧، الأعلام ٣/ ٢٩٠. (٥) انظر: الفتح المبين ٢/ ١٨٦، ورجَّحه محمد الصادق حسين في "البيت السبكي" ص ١٤. (٦) المعجم المختص ص ١٥٢.

стр. 163

ووافقه على ذلك غير واحد (١). وقد ذكر السيوطي أنه ولد عام ٧٢٩ هـ، ووافقه على ذلك الزبيدي (٢) (٣). وأما نشأته ﵀ فقد وُلد بالقاهرة، ثم انتقل منها مع والده حين تولى والده منصب قاضي قضاة الشام، فرحل معه إلى دمشق، وقَدِمها في جمادى الآخرة سنة تسع وثلاثين وسبعمائة. وقد استفاد من البلدين، إلا أن استفادته من دمشق كانت أكثر؛ إذ بها كبار شيوخه، وأقطاب زمانه، إضافة إلى مناسبة سِنِّه في دمشق للتحصيل والتلقي، والبروز في العلوم والفنون، كلُّ ذلك في رعاية والده، وتحت كنفه وتوجيهاته، وهو شيخه الأول، ومعلِّمه المفضَّل المبجَّل. _________ (١) انظر: مقدمة تحقيق الطبقات الكبرى ١/ ٢. (٢) انظر: حسن المحاضرة ١/ ٣٢٨، تاج العروس ١٣/ ٥٧٨. (٣) محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرزاق الحسيني الزَّبيدي، أبو الفيض، الملقَّب بمُرْتَضَى. علَّامة باللغة والحديث والرجال والأنساب، ومن كبار المصنِّفين، أصله من واسط في العراق، ومولده بالهند في بلجرام، ومنشأه في زبيد باليمن. ولد عام ١١٤٥ هـ، ومن تصانيفه: "تاج العروس في شرح القاموس"، و"إتحاف السادة المتقين في شرح إحياء علوم الدين"، و"ألفية السنَد" في الحديث وشرحها، وغيرها. تُوفي سنة ١٢٠٥ هـ. انظر: الأعلام ٧/ ٧٠.

стр. 164

المبحث الثالث: طلبه العلم وشيوخه قد نشأ التاج - رحمه الله تعالى - في بيت علم وفضل ودين، بيت التَّقِيِّ الإمام العَلَم، وهذا من فضل الله تعالى على التاج وإخوانه، أن ينشأوا في بيت العلم والفضل؛ فإنَّ مما يساعد على مزيد الفائدة أن يجتمع حُنُوُّ الأب مع حُنُوِّ المعلِّم وحرصِه على التعليم، فلا يبقى إلا حرصُ المتعلِّم واستعدادُه. وقد كان التقي ﵀ يغرس في أبنائه حبَّ العلم، ويحثهم على الجد والاجتهاد في تحصيله، ولا يألو جهده في نصحهم وإرشادهم، مع الثناء عليهم في بعض أعمالهم العلمية، تشجيعًا وترغيبًا. وقد سبق ذِكْر قصيدته التي وجَّهها لابنه الأكبر محمد ﵀، ناصحًا له، وحاثًّا على حيازة العلم والعمل، والدين والأخلاق، والاقتداء بسِيَر الأعلام النبلاء: أبُنَيَّ لا تُهْمِلْ نصيحتيَ التي ... أُوصيكَ واسْمَعْ مِنْ مقالي تَرشُدِ (١) ولما وقف على كتاب "المناقضات" لابنه الشيخ الإمام العلامة بهاء الدين أبي حامد أحمد - رحمه الله تعالى - قال مادحًا له: أبو حامدٍ في العلمِ أمثالُ أنْجُمِ ... وفي النَّقْدِ كالإبريزِ أُخْلِصَ بالسَّبكِ فأوَّلُهُمْ مِنْ إسْفَرايِنَ نَشْؤْه ... وثانيهُمُ الطُّوسِيُّ والثالثُ السُّبْكي _________ (١) انظرها في الطبقات الكبرى ١٠/ ١٧٧.

стр. 165

يقول التاج ﵀ عن هذا المدِيح لأخيه: "وهذه منقبة للأخ، سلَّمه الله، فأيُّ مرتبة أعلى مِنْ تَشبيه والده - وهو مَنْ هو، عِلْمًا ودينًا وتحرزًا في المقال - له بالغزاليّ، وأبي حامدٍ الإسفرايينيّ (١). وقال التاج أيضًا: "وأنشدنا لنفسه، وكتب بهما على "الجزء" الذي خرَّجتُه في الكلام على حديث المتبايعين بالخيار (٢): عبدُ الوهَّاب مُخَرِّجُهُ ... مِن فَضْلِ الله عليَّ نَشَا يا ربِّ قِهِ ما يحذَرُهُ ... واقدُرْ فيه الخيراتِ وَشَا" (٣) وسيأتي - إن شاء الله تعالى - مزيدُ تمثيلٍ لهذا التشجيع الأبوي الصادق الذي له تأثير وأيُّ تأثير، وترغيبٌ وأيُّ ترغيب، فلا جرم أن كان أبناء التقي ﵏ أئمة أعلامًا، بمثل هذه التوجيهات المباركات، والنصائح والدعوات، والثناء الذي يزيد بسببه العطاء، وتَسْتحكم به عُرَى الحب والإخاء، والإجلال والوفاء. _________ (١) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٩٠. (٢) أخرجه البخاري ٢/ ٧٤٢ - ٧٤٤، في كتاب البيوع، باب كم يجوز الخيار، حديث رقم ٢٠٠١، وفي باب إذا لم يوقِّت في الخيار هل يجوز البيع، حديث رقم ٢٠٠٣، وفي باب البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا، حديث رقم ٢٠٠٥، وفي باب إذا خيَّر أحدهما صاحبه بعد البيع فقد وجب البيع، رقم ٢٠٠٦، من حديث ابن عمر ﵄. وأخرجه من حديث حكيم بن حزام، رقم ٢٠٠٢، ٢٠٠٤، ٢٠٠٨. وأخرجه مسلم ٣/ ١١٦٣، في البيوع، باب ثبوت خيار المجلس للمتبايعين، رقم ١٥٣١، من حديث ابن عمر ﵄، وفي ٣/ ١١٦٤، في باب الصدق في البيع والبيان، رقم ١٥٣٢، من حديث حكيم بن حزام ﵁. (٣) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٩١.

стр. 166

ومن عجيب عناية هذا الوالد بأبنائه أنه كان لا يَدَع أحدًا من أسرته ينام بعد منتصف الليل، فغاية النوم إلى المنتصف، وما بعده فهو للجد والعمل في طلب العلم، أو في العبادة والمناجاة وقضاء الليل تسبيحًا وتهليلًا وتلاوة للقرآن. يقول التاج ﵀: "وكان ينهانا عن نوم النصف الثاني من الليل، ويقول لي: يا بنيَّ تَعَوَّدِ السهرَ ولو أنك تَلْعَب، والويل كلُّ الويل لمَنْ يراه نائمًا وقد انتصف الليل" (١). أما شيوخ التاج ﵀ الذين أخذ عنهم واستفاد منهم فهم كثير ومُقَدَّمهم ورئيسهم والده ﵀، فبه تخرج في أكثر العلوم، وكان ذلك بلا شك من سعادته وتيسير الله له أسباب النبوغ والعلم والتمكن، أن يكون والده إمامه، وشيخه ومعلِّمه، ومربيه ومهذِّبه، مع ما تميز به الابن من مواهب ربانية، وعطايا رحمانية، فها هو الابن عبد الوهاب وهو لا يزال فتىً غضًا تلتفت إليه الأنظار، وتنعقد عليه الآمال، ويتوسم فيه أشياخه النبوغ والوصول، ولا غرابة فهذا الشبل من ذاك الأسد، وهذا الشهاب من ذلك الكوكب، ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ (٢). ولم يكتف بتتلمذه على والده، بل تتلمذ على مشاهير عصره، ولازمهم، ووالده من وراء ذلك يشجعه ويدفعه، ويسأله عما استفاد في دروسه وجلوسه مع شيوخه. استمع معي إلى حكايته لحاله في الطلب في أثناء ترجمته لشيخه المِزِّيِّ عليه الرحمة والرضوان: _________ (١) انظر: الطبقات ١٠/ ٢٠٣. (٢) سورة آل عمران: ٣٤.

стр. 167

"وكنت أنا كثيرَ الملازمة للذهبيّ، أمضي إليه في كل يومٍ مرتين، بكرةً والعصرَ، وأما المِزِّيُّ فما كنت أمضي إليه غيرَ مرتين في الأسبوع، وكان سببَ ذلك أن الذهبيَّ كان كثير الملاطفة لي، والمحبةِ فِيَّ، بحيث يَعْرف مَنْ عرف حالي معه أنه لم يكن يحبُّ أحدًا كمحبته فيَّ، وكنتُ أنا شابًّا، فيقع ذلك مني موقعًا عظيمًا. وأما المزي فكان رجلًا عَبُوسًا مَهِيبًا. وكان الوالد يحب لو كان أمري على العكس، أعني يحبُّ أن ألازم المِزِّيَّ أكثرَ من ملازمة الذهبي؛ لعظمة المزي عنده. وكنت إذا جئتُ غالبًا من عند شيخٍ - يقول: هاتِ ما استفدتَ، ما قرأتَ، ما سمعتَ. فأحكي له مجلسي معه، فكنتُ إذا جئتُ من عند الذهبي يقول: جئتَ من عند شيخِك. وإذا جئتُ من عند الشيخ نجم الدين القَحْفَازِيّ يقول: جئتَ مِنْ جامع تِنْكُز؛ لأن الشيخ نجم الدين كان يَشْغَلُنا فيه. وإذا جئتُ من عند الشيخ شمس الدين ابن النقيب يقول: جئتَ من الشاميَّة؛ لأني كنتُ أقرأ عليه فيها. وإذا جئتُ من عند الشيخ أبي العباس الأنْدَرَشِيّ (١) يقول: جئتَ من الجامع؛ لأني كنت أقرأ عليه فيه، وهكذا. وأما إذا جئتُ من عند المِزِّيِّ فيقول: جئتَ من عند الشَّيخ، ويُفْصِح بلفظ الشيخ، ويرفع بها صوتَه. وأنا جازمٌ بأنه إنما كان يفعل ذلك ليُثَبِّت في قلبي _________ (١) هو أبو العباس أحمد بن سعد بن عبد الله العسكريّ الأنْدَرَشِيّ الصوفيّ. شيخ العربية بدمشق في زمانه، مشارك في الفضائل، وكان منجمعًا عن الناس اختصر تهذيب الكمال، وشرع في تفسير كبير. مولده بعد التسعين وستمائة، وتوفي سنة ٧٥٠ هـ. انظر: الدرر ١/ ١٣٥، شذرات ٦/ ١٦٦.

стр. 168

عظمتَه، ويَحُثَّني على ملازمته" (١). يقول الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - ذاكرًا بعض شيوخه الذين أَخَذ عنهم أو أجازوه وهو في طفولته بمصر: "وأجاز له ابن الشحنة (٢) ويونس الدَّبُّوسي (٣)، وأُسْمِع على يحيى بن المصري (٤)، وعبد المحسن الصابوني (٥)، وابن سيد الناس (٦)، وصالح بن مختار (٧)، وعبد القادر بن _________ (١) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ٣٩٨ - ٣٩٩. (٢) هو مُسْند الدنيا شهاب الدين أحمد بن أبي طالب بن نعمة بن حسن الصالحي الحجَّار بن الشحنة، أبو العباس. ولد سنة ٦٢٣ هـ، وانفرد بالرواية عن الحسين الزبيدي، وبين سماعه للصحيح وموته مائة سنة، وحدَّث بالصحيح أكثر من سبعين مرة، ولما مات نزل الناس بموته درجة. توفي سنة ٧٣٠ هـ. انظر: الدرر ١/ ١٤٢، شذرات ٦/ ٩٣. (٣) هو يونس بن إبراهيم بن عبد القوي الكناني العسقلاني، فتح الدين، أبو النون الدبابيسي، ويقال أيضًا الدَّبُّوسي. عالم بالحديث، مُسْنِد مُعَمَّر. له "معجم". ولد سنة ٦٣٥ هـ، وتوفي بالقاهرة سنة ٧٢٩ هـ. انظر: الدرر ٤/ ٤٨٤، الأعلام ٨/ ٢٦٠. (٤) لم أقف على ترجمته. (٥) عبد المحسن بن أحمد بن محمد بن علي بن الصابوني، أمين الدين، أبو الفضل، حفيد الحافظ أبي حامد بن الصابوني. ولد في سنة ٦٥٧ هـ، وتوفي في سنة ٧٣٦ هـ. انظر: الدرر ٢/ ٤١١. (٦) هو محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن سيد الناس أبو الفتح اليَعْمُري الشافعي. الحافظ العلامة الأديب المشهور، ولد بالقاهرة سنة ٦٧١ هـ، وأصله من إشبيلية. من تصانيفه: "عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسِّيَر"، و"بشرى اللبيب في ذكرى الحبيب" قصيدة، و"النفح الشَّذِي في شرح جامع الترمذي"، وغيرها. توفي بالقاهرة سنة ٧٣٤ هـ. انظر: الدرر ٤/ ٢٠٨، الطبقات الكبرى ٩/ ٢٦٨، الأعلام ٧/ ٣٤. (٧) صالح بن مختار بن صالح بن أبي الفوارس، تقي الدين أبو التقي وأبو الخير الأشنهي =

стр. 169

الملوك (١)، وغيرهم" (٢). وأما تلقيه بدمشق فيقول عنه: "ثم قدم مع والده دمشق سنة ٣٩، فسمع بها من زينب بنت الكمال (٣)، وابن أبي اليسر (٤)، وغيرهما. وقرأ بنفسه على المزي، ولازم الذهبي، وتخرج بتقي الدين بن رافع، وأمعن في طلب الحديث، وكَتَب الأجزاء والطباق مع ملازمة الاشتغال بالفقه والأصول والعربية، حتى مَهَر وهو شاب، وخَرَّج له ابن سعد (٥) مشيخةً حَدَّث بها، وأجاد في الخط والنظم والنثر" (٦). والظاهر أن الحافظ ابن حجر ﵀ يقصد بقوله: "وتخرج بتقي الدين بن رافع" أنه استفاد منه، لا أنه تَخَرَّج في صناعة الحديث به؛ لأن _________ = العجمي الأصل العزايزي المولد المصري. ولد سنة ٦٤٢ هـ. كان صالحًا مباركًا. وتوفي سنة ٧٣٨ هـ. انظر: الدرر ٢/ ٢٠٤، أعيان العصر ٢/ ٥٥٠. (١) لم أجد ترجمته. (٢) انظر: الدرر ٢/ ٤٢٥. (٣) زينب بنت أحمد بن عبد الرحيم المقدسية، المعروفة ببنت الكمال. ولدت سنة ٦٤٦ هـ. قال الذهبي: "تفردت بقدر وقر بعير من الأجزاء بالإجازة، وكانت ديِّنةً خَيِّرة، روت الكثير، وتزاحم عليها الطَّلَبة، وقرأوا عليها الكتب الكبار". قال: "وكانت قانعة متعفِّفة كريمة النفس طيبة الخُلُق، وأصيبت عينُها برمدٍ في صِغَرها ولم تتزوج قطَّ". ماتت سنة ٧٤٠ هـ، وقد جاوزت التسعين، ونزل الناس بموتها درجة في شيءٍ كثير من الحديث حمل بعير. انظر: الدرر ٢/ ١١٧ - شذرات ٦/ ١٢٦. (٤) لم أقف على ترجمته. (٥) لم أقف على ترجمته. (٦) انظر: الدرر ٢/ ٤٢٥، ٤٢٦.

стр. 170

التاج يصرِّح بنفسه أن الذي أدخله في هذا العلم وجَعَله من أهله العارفين هو شيخه الإمام الذهبي ﵀ ورضي عنه، إذ يقول عنه في ترجمته: "وهو الذي خَرَّجنا في هذه الصناعة، وأدخلنا في عِدَاد الجماعة، جزاه الله عنا أفضل الجزاء، وجَعَل حَظَّه في غُرُفات الجِنان مُوَفَّر الإجزاء" (١). ويقول أيضًا قبل ذلك في مطلع الترجمة: "اشتمل عصرنا على أربعةٍ من الحفَّاظ، بينهم عُمومٌ وخصوص: المِزِّيُّ، والبِرْزَاليُّ، والذهبيُّ، والشيخ الإمام الوالد، لا خامس لهؤلاء في عَصْرهم" (٢) فتبيَّن بهذين النقلين أن الحافظ ابن رافع ﵀ على جلالة قدره في الحديث لم يبلغ مبالغ هؤلاء الأربعة، ولم يكن هو الذي تخرج به التاج في صناعة الحديث، غاية ما في الأمر حصول الفائدة وهذا ليس بمدفوع. وذكر ابن قاضي شهبة - رحمه الله تعالى - شيوخ التاج، ومما قال: "واشتغل على والده وعلى غيره، وقرأ على الحافظ المزي، ولازم الذهبي وتخرج به، وطلب بنفسه ودأب" (٣). وهذا هو المناسب من قوله: "ولازم الذهبي" أن يكون هو الذي تخرج به لا غيره. فالله أعلم هل في نسخةِ "الدرر" تحريف؟ ومن مشايخه البارزين: أثير الدين محمد بن يوسف بن علي بن يوسف الغرناطي أبو حيان الأندلسي، الذي قال عنه التاج رحمهما الله تعالى: _________ (١) انظر: الطبقات ٩/ ١٠١. (٢) انظر: الطبقات ٩/ ١٠٠. (٣) انظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ١٠٤.

стр. 171

"شيخنا وأستاذنا أبو حيان، شيخُ النحاة العَلَم الفَرْد، والبحرُ الذي لم يَعْرِف الجزرَ بل المدّ، سِيبَوَيْه الزمان، والمبرِّدُ إذا حَمَى الوطيس بتشاجر الأقران. وإمامُ النحو الذي لقاصده منه ما يشاء، ولسانُ العرب الذي لكل سمعٍ لديه الإصغاء. كعبةُ عِلْمٍ تُحَجُّ ولا تَحُجّ، ويُقصد مِن كل فَجّ. تَضْرِبُ إليه الإبلُ آباطها، وتَفِد عليه كلُّ طائفةٍ، سفرًا لا يعرف إلا نمارِقُ البيد بساطَها" (١). إلى أن قال: "سمع عليه الجمُّ الغفير، وأخذ عنه غالبُ مَشْيختِنا وأقرانِنا، منهم الشيخ الإمام الوالد، وناهيك بها لأبي حَيَّان منقبةً، وكان يُعظمه كثيرًا، وتصانيفه مشحونةٌ بالنقل عنه. ولما توجَّهنا مِنْ دمشقَ إلى القاهرةَ، في سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، ثم أمرنا السلطان بالعود إلى الشام؛ لانقضاء ما كنا توجهنا لأجله - استمهله الوالدُ أيامًا لأجلي، فمكث حتى أكملتُ على أبي حيان ما كنت أقرؤه عليه، وقال: با بُنَيَّ هو غنيمةٌ، ولعلك لا تَجِدُه في سفرةٍ أخرى. وكان كذلك" (٢). ومن الطريف أن أبا حيان ﵀ امتدح التاج وهو ابن ثلاث سنين فقال: _________ (١) انظر: الطبقات الكبرى ٩/ ٢٧٦. (٢) انظر: الطبقات ٩/ ٢٧٨. قلت: تأمل - رحمك الله - إلى مدى حرص الأب على عدم فوات هذه الفرصة العلمية الثمينة على ابنه، ثم تأمل نبوغ هذا الفتى الذى يستفيد من أبي حيان ﵀ دقائق النحو وهو في سن الرابعة عشرة من عمره؛ لتعلم حقًا كيف الرجال تُبنى، بل كيف الأمة تُحيا، وراية الدين تُبْقى، وسنة محمد ﵌ تُعْلى.

стр. 172

ألا إنَّ تاجَ الدين تاجُ معارِفٍ ... وبَدْرُ هُدىً تُجْلى به ظُلَمُ الدَّهْرِ سليلُ إمامٍ قَلَّ في الناسِ مِثْلُهُ ... فضائِلُه تَرْبُو على الزُّهْرِ والزَّهْرِ (١) ومن كبار مشايخه الذين تَلَقَّى عنهم في طفولتهم بمصر: محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة، قاضي القضاة، بدر الدين أبو عبد الله الكِنانيُّ الحمويّ، حاكم الإقليمين مصر والشام، مولده في سنة ٦٣٩ بحماة، ومات بمصر سنة ٧٣٣ هـ، يعني كان عمر التاج حين موته ست سنوات، ومع ذلك يقول عنه: "وسمعنا الكثير عليه" (٢)، بل وينُصُّ التاج ﵀ أنه سمع عليه وهو ابن ثلاث سنين، يقول ﵀: "أخبرنا شيخُنا قاضي القضاة بدر الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن جماعة، قراءة عليه وأنا حاضِرٌ في الثالثة" ثم ساق بقية السند (٣). فلله دَرُّ هذا الإدراك والنبوغ. ومن مشايخه في الفقه: الشيخ عمر بن محمد بن عبد الحاكم، أبو حفص البلفيائيّ، جبلٌ من جبال الفقه، وقال عنه التاج ﵀: "وقد خَرَّجتُ له أيام تَفَقُّهي عليه أجزاء من مَرْويَّاته، حَدَّث بها". وتوفي بصَفَد بمصر سنة ٧٤٩ هـ (٤). ومن مشايخه أيضًا: شمس الدين أبو الثناء محمود بن أبي القاسم _________ (١) انظر: الطبقات ٩/ ٢٨٧. (٢) انظر: الطبقات الكبرى ٩/ ١٤٠. (٣) انظر: الطبقات الكبرى ٩/ ١٤٠. (٤) انظر: الطبقات ١٠/ ٣٧٢ - ٣٧٣.

стр. 173

عبد الرحمن بن أحمد بن محمد الأصبهانيّ، المولود بأصبهان سنة ٦٧٤ هـ. قال عنه التاج: "وله التصانيف الكثيرة: شرح مختصر ابن الحاجب، وشرح الطواله، وشرح الطوالع، وناظر العين، وغيرها، وشَرَع في تفسير كبير لم يُتمه، أوقفني على بعضه" (١) توفي سنة ٧٤٩ هـ، بطاعون مصر. _________ (١) انظر: الطبقات ١٠/ ٣٨٤.

стр. 174

المبحث الرابع: تلامذته قد ذكر الأخ الفاضل الدكتور سعيد الحميري في ترجمته للتاج ﵀ مبحث تلاميذه، وذكر منهم ستة وهم: الإمام ابن الجزري (١)، والشيرازي (٢)، والحموي (٣)، _________ (١) هو محمد بن محمد بن محمد بن علي الدمشقي ثم الشيرازي، الحافظ المُقرئ الشافعي، المعروف بابن الجزري نسبةً إلى جزيرة ابن عمر قرب الموصل. ولد سنة ٧٥١ هـ بدمشق، تفقَّه ولهج بطلب الحديث والقراءات وبَرَّز فيهما. من مصنفاته: "النشر في القراءات العشر"، و"إعانة المهرة في الزيادة على العشرة"، ونظم "طيبة النشر في القراءات العشر"، وغيرها. توفي سنة ٨٣٣ هـ. انظر: شذرات ٧/ ٢٠٤، الدرر ٢/ ٢٥٧. (٢) قال عنه ابن السبكي: ". . . من أصحابي الشيخ الإمام العَلَّامة نور الدين محمد بن أبي الطيِّب الشيرازيُّ الشافعيّ، وهو رجلٌ مقيمٌ في بلاد كِيلان، ورد علينا دمشق في سنة سبع وخمسين وسبعمائة، وأقام يلازم حَلْقتي نحو عامٍ ونصف عام، ولم أَرَ فيمن جاء من العَجَم في هذا الزمان أفضل منه، ولا أدين". الطبقات الكبرى ٣/ ٣٧٩. (٣) هو أحمد بن عمر بن محمد بن أبي الرِّضى، شهاب الدين أبو الحسين الحموي الأصل، الشافعي. تفقه بدمشق على التاج السبكي وغيره، ومَهَر وتقدَّم ودَرَّس. قال ابن حجر: وكان فاضلًا عالمًا كثير الاستحضار، عارفًا بالقراءات وله فيها نظم سَمَّاه "عقد البكر"، وله نظم في أشياء متعددة، وكانت دروسه حافلة، والثناء عليه وافرًا. اهـ. قُتل في سنة ٧٩١ هـ. انظر: الدرر ١/ ٢٢٧، شذرات ٦/ ٣١٤.

стр. 175

واللخمي (١)، والسلمي (٢)، والكناني (٣). ولا شك أن التاج ﵀ له تلامذة آخرون كثيرون؛ إذ قد درَّس في معظم مدارس دمشق، يقول ﵀: "فما في دمشق مدرسة مرموقة بعين التعظيم إلا وقد ولِيت تدريسها بحمد الله إلا اليسير من المدارس" (٤). أضف إلى أنه ﵀ خطيب الجامع الأُموي بدمشق، فلا شك أن طلابه كثيرون، ورُوَّادَه وفيرون، ولكن لعل السبب في عدم ذكرهم مع ترجمته أن المؤرخين لم يعتنوا بهذا في غير رواة الحديث؛ إذ معرفة الشيوخ والتلاميذ في رواة الحديث مهمَّةٌ لمعرفة الأسانيد، أما غيرهم من العلماء فلا حاجة ضرورية لذكر التلاميذ مع الترجمة، فيكتفون ببيان المكانة العلمية التي تدل غالبًا على كثرة التلاميذ أو قلتهم، ويذكرون شيوخه لبيان طلبه للعلم ومكانته أيضًا. _________ (١) هو محمد بن موسى بن محمد بن سند، الحافظ شمس الدين أبو العباس اللخمي المصري الأصل، الدمشقي الشافعي، المعروف بابن سند. ولد في سنة ٧٢٩ هـ. توفي سنة ٧٩٢ هـ. انظر: الدرر ٤/ ٢٧٠، شذرات ٦/ ٣٢٦. (٢) هو الحافظ أبو المعالي نصر الدين محمد بن علي بن عبد الواحد السلمي. ولد سنة ٧٤٢ هـ. توفي ﵀ سنة ٧٨٩. انظر: تاريخ ابن حجر ٤/ ٨٥، طبقات الحفاظ للسيوطي ص ٥٤٠، الضوء اللامع ٦/ ٦٣. (٣) هو عمران بن إدريس بن مُعَمَّر الزين أبو موسى الكناني الجلجولي المقدسيُّ الدمشقيُّ الشافعيُّ المقرئ. ولد سنة ٧٣٤ هـ بجلجولي، ولازم التاج السبكيَّ وغيره في الفقه، وأخذ القراءات عن ابن اللبان وابن السلار وتميَّز فيها وأقرأ. مات سنة ٨٠٣ هـ. انظر: الضوء اللامع ٦/ ٦٣. (٤) انظر: الأشباه والنظائر لابن السبكي ٢/ ٣٤٩.

стр. 176

يقول الحافظ الحسيني ﵀ عن تزاحم الطلبة على دروس التاج السبكي ﵀ مدة إقامته بمصر ثمانية أشهر، وذلك في عام ٧٦٤ هـ: "وقد كان - أيده الله تعالى - في مدة إقامته بمصر على حالٍ شهيرة من التعظيم والتبجيل، يعتقده الخاص والعام، ويتبرك بمجالسته ذووا السيوف والأقلام، ويزدحم طلبةُ فنون العلم على أبوابه" (١). وقد تتلمذ له بعض أقرانه كصلاح الدين الصفدي، وشمس الدين الغزي (٢). يقول في "الطبقات" عن الصلاح ﵀: "وكانت له همة عالية في التحصيل، فما صَنَّفَ كتابًا إلا وسألني فيه عما يحتاج إليه من فقه وحديث وأصول ونحو، لا سيما "أعيان العصر"، فأنا أشرت عليه بعمله، ثم استعان بي في أكثره، ولما أخرجتُ مختصري في الأصلَيْن المسمَّى "جمع الجوامع" كتبه بخطّه، وصار يحضر الحَلْقة، وهو يقرأ عليَّ ويَلَذُّ له التقرير، وسمعه كلَّه عليَّ، وربما شارك في فهم بعضه رحمه الله تعالى" (٣). _________ (١) انظر: ذيول العبر في خبر مَنْ غَبرَ ٤/ ٢٠٠. (٢) هو محمد بن خلف بن كامل، القاضي شمس الدِّين الغَزِّيّ، يقول عنه التاج رحمهما الله: "رفيقي في الطلب، مولده سنة ست عشرة وسبعمائة بغزَّة، وقدم دمشق فاشتغل بها، ثم رحل إلى قاضي حماة شرف الدين البارزيّ، فتفقه عليه، وأذن له بالفُتيا، ثم عاد إلى دمشق وجَدَّ واجتهد. صَحِبتُه ورَافقته في الاشتغال من سنة تسع وثلاثين وسبعمائة، سنة مَقْدَمِنا دمشق، إلى أن توفي وهو على الجدِّ البالغ في الاشتغال. أما الفقه فلم يكن في عصره أحفظُ منه لمذهب الشافعي، يكاد يأتي على الرافعيّ وغالب "المطلب" لابن الرفعة استحضارًا، وله مع ذلك مشاركة جيدة في الأصول والنحو والحديث". الطبقات الكبرى ٩/ ١٥٥، وانظر: الدرر ٣/ ٤٣٢. (٣) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ٦.

стр. 177

ويقول عن رفيقه في الطَّلبِ شمس الدين الغزيّ: "وجمع كتابًا نفيسًا على الرافعي، يذكر فيه مناقب الرافعيِّ بأجمعها وما يمكن الجواب عنه منها بتنبيهات مهمات في الرافعيّ، ويستوعب على ذلك كلامَ ابن الرفعة والوالد رحمهما الله، ويذكر مِنْ قِبَله شيئًا كثيرًا، وفوائد مهمة، ولم يبرح يعمل في هذا الكتاب إلى أن مات، فجاء في نحو خمس مجلَّدات، أنا سميته "ميدان الفرسان"، فإنه سألني أن أسميه له، وكان يقرأ عليَّ غالب ما يكتبه فيه، ويسألني عَمَّا يُشكل عليه، فلي في كتابه هذا كثيرٌ من العمل" (١). _________ (١) انظر: الطبقات الكبرى ٩/ ١٥٥.

стр. 178

المبحث الخامس: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه قد تَفرَّس شيوخ التاج ﵏ فيه النبوغ، وأمَّلوا فيه التميز، فها هو الإمام الذهبي ﵀ يُدرجه في "المعجم المختص" ويقول عنه: "عبد الوهاب بن شيخ الإسلام تقي الدين علي بن عبد الكافي، الولد القاضي تاج الدين أبو نصر السبكي الشافعي. ولد في سنة ثمانٍ وعشرين، وأجاز له الحجَّار وطائفة، وأسمعه أبوه من جماعة. كتب عني أجزاءً ونَسَخَها، وأرجو أن يتميزَّ في العلم، ثم دَرَّس وأفتى" (١). وها هو شيخه الإمام المزي ﵀ يُدرجه في الطبقة العليا من المحدثين، في قصةٍ يحكيها التاج رحمه الله تعالى فيقول: "وشَغَر مرةً مكانٌ بدار الحديث الأشرفيَّة، فَنَزَّلني فيه، فعجبت من ذلك؛ فإنه كان لا يرى تنزيل أولاده في المدارس، وها أنا لم ألِ في عمري فِقاهةً في غير دار الحديث، ولا إعادةً إلا عند الشيخ الوالد، وإنما كان يُؤخِّرنا إلى وقت استحقاق التدريس، على هذا ربَّانًا، ﵀، فسألته فقال: ليقال إنَّك كنتَ فقيهًا عند المِزِّيّ. ولما بلغ المِزِّيَّ ذلك - أَمَرَهم أن يكتبوا اسمي في الطبقة العليا. فبلغ ذلك _________ (١) انظر: المعجم المختص ص ١٥٢.

стр. 179

الوالدَ، فانزعج، وقال: خرجنا من الجدِّ إلى اللعب، لا والله، عبد الوهَّاب شابٌّ ولا يستحق الآن هذه الطبقة، اكتبوا اسمه مع المبتدئين، فقال له شيخنا الذهبي: والله هو فوق هذه الدرجة، وهو محدِّث جَيِّد. هذه عبارة الذهبي، فضحك الوالد، وقال: يكون مع المتوسِّطين" (١). وهذا شيخه شمس الدين ابن النقيب - رحمه الله تعالى - يُجيزه بالإفتاء والتدريس وهو لم يبلغ الثامنة عشر من عمره. يقول الحافظ شهاب الدين ابن حجي (٢): أخبرني أن الشيخ شمسَ الدين بن النقيب أجازه بالإفتاء والتدريس. ولما مات ابن النقيب كان عمر القاضي تاج الدين ثمان عشرة سنة (٣). وقال الحافظ ابن حجي ﵀: "خرَّج له ابن سعد مشيخةً، ومات قبل تكميلها، وحَصَّل فنونًا من العلم من الفقه والأصول، وكان ماهرًا فيه، والحديث والأدب، وبرع وشارك في العربية، وكان له يدٌ في النظم والنثر، جَيِّدَ البديهة، ذا بلاغةٍ وطلاقةِ لسان، وجراءة جَنَان، وذكاءٍ مُفْرط، وذهن وقَّاد، وكان له قدرة على المناظرة" (٤). _________ (١) انظر: الطبقات ١٠/ ٣٩٩. (٢) أحمد بن حجي بن موسى السعدي الحسباني، الإمام العالم العلَّامة، الحافظ المحقِّق، شيخ الشافعية شهاب الدين أبو العباس. ولد سنة ٧٥١ هـ، سمع الحديث من خلائق، وتتلمذ للتاج السبكي. من تصانيفه: "جمع المفترق"، "الدارس من أخبار المدارس". توفي سنة ٨١٦ هـ. انظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٤/ ١٢. (٣) انظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ١٠٤ - ١٠٥. (٤) انظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ١٠٥ - ١٠٦.

стр. 180

وهذا الإمام الأديب، الناظم الناثر، أديب العصر خليل بن أيبك الصفدي ﵀، الذي كتب أزيد من ستمائة مجلّدٍ تصنيفًا، وهو في طبقة شيوخ التاج - رحمهما الله - يقول عنه التاج: "وكانت له همةٌ عاليةٌ في التحصيل، فما صَنَّف كتابًا إلا وسألني فيه عما يحتاج إليه من فقه وحديث وأصولٍ ونحوٍ، لا سيما "أعيان العصر" فأنا أشرتُ عليه بعمله، ثم استعان بي في أكثره، ولما أخرجت مُخْتَصري في الأصلَيْن المسمَّى "جمع الجوامع" كتبه بخطِّه، وصار يحضر الحلقة، وهو يقرأ عليَّ ويَلَذُّ له التقرير، وسَمِعه كلَّه عليَّ، وربما شارك في فهم بعضه، رحمه الله تعالى" (١). وهذا والده رحمه الله تعالى يصفه بمفتي الإسلام في قصةٍ يذكرها التاج رحمه الله تعالى فيقول: "وكتب إليَّ، وقد جَمَع لي بين نيابته في الحكم، وتوقيعِ الدَّسْت (٢)، وكانت قد وَرَدت عليه فُتْيا في لعب الشِّطرْنج: أجِبْنا أيُّها الإمام، أحلالٌ هو أم حرام؟ ونحن قد عَرَفْنا مذهب الشافعيّ، ولكنا نريد أن نعرف رأيَك واجتهادَك. فألقاها إليَّ، وقال: اكتُبْ عليها مَبْسُوطًا مستدِلًا، ثم اعرِضْها. فكتبتُ كتابةً مطوَّلة جامعةً للدلائل، ونصَرْتُ مذهب الشافعي، فكتب إلى جانبها: _________ (١) انظر: الطبقات ١٠/ ٦. (٢) توقيع الدَّسْت: هو توقيع مجلس الوزارة. قال الزبيدي في تاج العروس ٣/ ٥٠، مادة (دست): "واستعمله المتأخرون بمعنى: الديوان، ومجلس الوزارة، والرآسة". وانظر: المعجم الوسيط ١/ ٢٨٢.
следующие страницы →