← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

في الدين. وكانت رقابة المحتسِب أشدَّ ما تكون على الأطعمة والمشروبات التي تباع في الأسواق والطرقات؛ للتأكد مِنْ سلامتها ونظافتها، حرصًا على صحة الناس، فإذا وجد بعضها فاسدًا أخذ البائع بالشدة (١). وبعد هذه الدراسة الموجزة عن الحياة الاقتصادية في عصر المماليك نتكلم عن الأحوال الداخلية للمجتمع. بناء المجتمع: كان المجتمع في عصر المماليك مجتمعًا طبقيًا، بمعنى أنه تألف من عدة طبقات متميزة بعضها عن بعض في خصائصها وصفاتها ومظاهرها، فضلًا عن نظرة الدولة لها ومقدار ما تتمتع به من حقوق أو تنهض به من واجبات. وفي ظل مثل هذا التنظيم الطبقي يبدو الفارق كبيرًا بين الحكام والمحكومين، وبخاصة إذا كان الحكام أغرابًا عن البلاد وأهلها، لم تربطهم بأبناء مصر والشام رابطة الدم أو الأصل والجنس، مما جعل المماليك لا يشعرون في كثير من الحالات بروح التجاوب مع الأهالي، والعطف على مصالحهم، والعمل من أجل رفاهيتهم. والواقع أن المماليك حكموا البلاد دائمًا بوصفهم طبقة عسكرية ممتازة، استأثروا بالحكم وبشؤون الحرب، ونظروا إلى الأهالي على أنهم أقلُّ منهم درجة أو درجات، لا ينبغي لهم أن يشاركوا في الحياة الحربية، _________ (١) انظر: العصر المماليكي في مصر والشام ص ٣٠٨ - ٣١٠.

стр. 72

وإذا سمح لبعضهم بالمشاركة في شؤون الحكم فبالقدر المحدود الذي تخوِّله صلاحيتهم. وتشير الشواهد التاريخية إلى أن المماليك لم يكونوا جميعًا من أصل واحد، بل كان منهم التركي والجركسي والمغولي والصيني والأسباني والألماني واليوناني والسلافي وغير ذلك من الجنسيات العديدة التي حملها تجار الرقيق إلى مصر. وقد شجع التجارَ على مزاولة تلك التجارة الأرباحُ الطائلة التي كانوا يحصلون عليها من وراء الاشتغال بها، إذ لم يضن سلاطين المماليك وأمراؤهم بالمال في شراء مزيد من المماليك يكونوا لهم سندًا ودعامة تقوِّي مركزَهم داخلَ البلاد وخارجَها. وبقدر ما في الملوك من مزايا وصفات طيبة ومواهب بقدر ما يرتفع ثمنه، وبالعكس بقدر ما قد يكون فيه من عيوب بقدر ما ينحط سعره، ولعل هذا هو السر في أن مملوكًا مثل قلاوون عُرف بالألفي؛ لأنه اشْتُرِي بألف دينار، وهو مبلغ كبير يستحق الفخر؛ لأنه يشير إلى عِظَم مواهبه وحُسْن صورته. وقد عُني سلاطين المماليك عنايةً فائقة بمماليكهم، وحرصوا على تربيتهم تربية سليمة، فإذا اشترى السلطان عددًا من المماليك أرسلهم أولًا لفحصهم للتأكد من سلامة أبدانهم، وبعد ذلك يُنزل كلًا منهم في طبقة جنسه بحيث لا يقيم في طبقةٍ من الطباق المخصَّصة للمماليك بالقلعة إلا المماليك ذوي الأصل المشترك أو المجلوبين من بلدٍ واحد. ويقوم بتربية المماليك في الطباق مجموعة من الطواشية الخِصْيان، فَضلًا عن الفقهاء الذين كانوا يترددون على الطباق لتعليم المماليك القرآن والخط وأحكام الدين الإسلامي، ثم إن الأساتذة - من سلاطين وأمراء - لم يضنوا على مماليكهم

стр. 73

بالأرزاق والأموال، وإنما نظروا إليهم نظرة أبوة مشبعة بالعطف والحنان، فخصصوا لهم أشهر الأطعمة وصرفوا لهم الكسوات الفاخرة. فإذا شب المملوك وأدرك سن البلوغ بدأ تعليمه فنونَ الحرب والفروسية، حتى إذا انتهت هذه المرحلة التعليمية خرج من الطباق وانتقل في أدوار الخدمة السلطانية رتبةً بعد أخرى حتى يُصبح من الأمراء، وعندما يغادر المملوك الطباق تُعطى له جامكية (١) أو مصروف يبلغ ستة دنانير في المتوسط، ولكنه سرعان ما ينتقل من الجامكيات إلى الإقطاعات وإلى إمرة العشرات (٢) ثم الطبلخانات (٣)، وعندئذٍ يصبح الأمير سلطانًا مختصرًا. وإلى جانب طبقة المماليك - وهم حكام البلاد - وجدت جماعة المُعَمَّمِين أو أهل العمامة، وهذه الطبقة كانت تشمل أرباب الوظائف الديوانية والفقهاء والعلماء والأدباء والكتاب. والملاحظ أن هذه الفئة امتازت طول عصر المماليك بمميزات معيَّنة على الرغم مما تعرض له أفرادها من الامتحان أحيانًا. ويبدو أن المماليك أحسوا دائمًا بأنهم غرباء عن البلاد _________ (١) الجامكية: وجمعها جوامك، الراتب المربوط لشهر أو أكثر. انظر: العصر المماليكي في مصر والشام ص ٤٢٦. (٢) إمرة العشرات: هى درجة من درجات الإمارة، وعدة كل إمرة عشرة فوارس. انظر: صبح الأعشى ٤/ ١٥. (٣) أمراء الطبلخاناه: هم أعلى رتبةً من أمراء العشرات؛ لأن عدة كلٍّ منهم في الغالب أربعون فارسًا، وقد يزيد بعضهم إلى سبعين أو ثمانين فارسًا. ومن أمراء الطبلخاناه تكون الرتبة الثانية من أرباب الوظائف والكُشَّاف بالأعمال، وأكابر الولاة. انظر: صبح الأعشى ٤/ ١٥.

стр. 74

وأهلها، وبأنهم في حاجة إلى دعامة يستندون إليها في حكمهم، ويستعينون بها على إرضاء الشعب، فلم يجدوا أمامهم سوى فئة العلماء، بحكم ما للدين ورجاله من قوةٍ وأثر. فالمماليك احترموا العلماء ورجال الدين؛ لأنهم قوة لها خطرها في اكتساب الرأي العام في البلاد، ولأن بهم عرفوا دين الإسلام وفي بركتهم يعيشون. ومن جهةٍ أخرى فإن المُعَمَّمين اعتدوا بمكانتهم في عصر المماليك فعمدوا أحيانًا إلى معارضة السلاطين في الحق، حتى حكى ابن بطوطة (١) عن السلطان الناصر محمد بن قلاوون أنه قال: إني لا أخاف أحدًا إلا شمس الدين الحريريَّ (٢) قاضي قضاة الحنفية. على أن هذه المكانة الكبرى التي _________ (١) هو محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم اللواتي الطنجي، أبو عبد الله ابن بطوطة. رحَّالة، مؤرخ. ولد ونشأ في طنجة بالمغرب الأقصى سنة ٧٠٣ هـ. وخرج منها سنة ٧٢٥ هـ ورحل إلى الشرق فطاف بالبلدان، ولقي من الملوك والمشايخ خلقًا كثيرًا. ثم رجع إلى المغرب الأقصى فانقطع إلى السلطان أبي عنان (من ملوك بني مرين) فأقام في بلاده، وأملى أخبار رحلته على محمد بن جزيِّ الكلبي بمدينة فاس سنة ٧٥٦ هـ، وسماها "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار". ترجمت إلى اللغات البرتغالية والفرنسية والإنجليزية، ونشرت بها، وترجمت فصول منها إلى الألمانية ونشرت أيضًا. واستغرقت رحلته ٢٧ سنة. ومات في مراكش سنة ٧٧٩ هـ. انظر: الدرر ٣/ ٤٨٠، الأعلام ٦/ ٢٣٥، معجم المؤلفين ١٠/ ٢٣٥. (٢) هو محمد بن عثمان بن أبي الحسن بن عبد الوهاب الأنصاري القاضي شمس الدين بن صفي الدين الحريري الحنفي، كان أبوه يتجر في الحرير. ولد سنة ٦٥٣ هـ. ولي قضاء دمشق، ثم طُلب إلى مصر فولي القضاء بها سنة ٧١٠ هـ. له شرح على الهداية، ومصنف في منع استبدال الوقف. توفي سنة ٧٢٨ هـ. انظر: الدرر ٤/ ٣٩، الجواهر المضية ٣/ ٢٥٠، معجم المؤلفين ١٠/ ٢٨٢.

стр. 75

وصل إليها العلماء في عصر المماليك لم تمنع بعض السلاطين والأمراء من التعرض لهم بالنقد والتهكم. ولم يرض المماليك أن تشاركهم فئةٌ من السكان في ركوب الخيل، فاشترطوا على السلاطين حرمان المتعممين من ركوبها، وكثيرًا ما انسابت جموع المماليك في شوارع القاهرة للاعتداء على الفقهاء والمعممين وإنزالهم عن خيولهم وسلبهم إياها. أما التجار فكانوا يؤلفون طبقة مقربة أحيانًا إلى سلاطين المماليك؛ لأنهم أحسوا بأن التجار دون غيرهم هم المصدر الأساسي الذي يمدهم بالمال في ساعات الحرج والشدة، وتدل جميع الشواهد على أن التجار تمتعوا في عصر المماليك بثروات طائلة، وهذا أمر طبيعي في عصرٍ كانت مصر حلقة النشاط التجاري بين الشرق والغرب. على أن كثرة الثروة في أيدي التجار جعلتهم دائمًا مطمع سلاطين المماليك، فأكثروا من مصادرتهم بين حينٍ وآخر، فضلًا عن إثقالهم بالرسوم الباهظة، لذلك لم يطمئن التجار في عصر المماليك على أموالهم وتجارتهم، بل كانوا يدعون على أنفسهم أحيانًا أن يغرقهم الله حتى يستريحوا مما هم فيه من الغرامات والخسارات وتحكُّم الظلمة فيهم (١). _________ (١) انظر: العصر المماليكي في مصر والشام ص ٣٢٠ - ٣٢٤.

стр. 76

المبحث الثالث: الحياة العلمية والدينية الحق أن مصر أصبحت على عصر سلاطين المماليك ميدانًا لنشاط علمي واسع، يدل عليه ذلك التراث الضخم من موسوعات أدبية، وكتب تاريخية، ومؤلفات في العلوم الدينية تركها علماء ذلك العصر. ويربط السيوطي بين هذا النشاط العلمي الواسع في مصر بالذات على عصر المماليك، وبين إحياء الخلافة العباسية في القاهرة بعد أن سقطت في بغداد، ويقول إنه منذ إحياء الخلافة العباسية في مصر غدت هذه البلاد محل سكن العلماء ومحط رحال الفضلاء. والواقع أنه ما كان لهذا النشاط العلمي أن يزدهر في مصر في عصر المماليك لولا تشجيع بعض سلاطين المماليك للعلم والعلماء، وقد وصف أبو المحاسن (١) السلطانَ الظاهرَ بيبرس بأنه كان يميل إلى التاريخ وأهله ميلًا _________ (١) هو يوسف بن تغري بردي بن عبد الله الظاهري الحنفي، أبو المحاسن جمال الدين. مؤرخ بحّاثة. ولد بالقاهرة سنة ٨١٣ هـ. تفقّه وقرأ الحديث وأُولع بالتاريخ وبرع في فنون الفروسية، وصنف كتبًا نفيسةً منها: "النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة"، "المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي"، "نزهة الرائي". توفي سنة ٨٧٤ هـ. انظر: الضوء اللامع ١٠/ ٣٠٥، شذرات ٧/ ٣١٧، الأعلام ٨/ ٢٢٢، معجم المؤلفين ١٣/ ٢٨٢.

стр. 77

زائدًا، ويقول: "سماع التاريخ أعظم من التجارب". وهكذا عاد الجامع الأزهر في عهد الظاهر بيبرس إلى سابق عهده قَصَبةً لطلاب العلم في مختلف أنحاء العالم الإسلامي. وكذلك وجد من سلاطين الماليك - كالسلطان الغوري (١) - مَنْ حرص على عقد المجالس العلمية والدينية بالقلعة مرةً أو مرتين أو أكثر كل أسبوع، وقد بُحثت في تلك المجالس مختلف المسائل والمشاكل العلمية والدينية التي تناقش فيها الحاضرون من كبار العلماء والفقهاء. كذلك نسمع عن بعض أمراء الماليك وأبنائهم في مصر أنهم اشتغلوا بالتاريخ والفقه والحديث واللغة العربية، بل تصدى بعضهم لإقراء الطلبة والتدريس لهم (٢). المدارس والمكتبات: ولا أدل على رعاية سلاطين المماليك للنشاط العلمي من حرصهم على إنشاء كثير من المدارس، فضلًا عن المؤسسات الأخرى التي قامت أحيانًا بوظيفة المدارس مثل المساجد. _________ (١) هو قانصوه بن عبد الله الظاهري الأشرفي (نسبة إلى الأشرف قايتباي) الغوري أبو النصر، سيف الدين الملقب بالملك الأشرف، جركسي الأصل. بُويع بالسلطنة سنة ٩٠٥ هـ، وكان عظيم الدهاء قوي التدبير، فثبَّت قدمه في السلطنة ثباتًا عظيمًا، مات قهرًا، وضاعت جثته تحت سنابك الخيل في معركة مرج دابق، وذلك في سنة ٩٢٢ هـ. انظر: الأعلام ٥/ ١٨٧، البدر الطالع ٢/ ٥٥، العصر المماليكي ص ١٨٥. (٢) انظر: العصر المماليكي في مصر والشام ص ٣٤١ - ٣٤٢.

стр. 78

ومن المدارس العديدة التي أسسها سلاطين المماليك المدرسة الظاهرية نسبةً إلى السلطان الظاهر بيبرس الذي وضع أساسها سنة ١٢٦١ م، والمدرسة الناصرية التي شيدها السلطان الناصر محمد ١٣٠٣ م، ومدرسة السلطان برقوق (١) التي أنشأها بين القصرين بالقاهرة سنة ١٣٨٦ م. ولم تكن جميع المدارس التي شيَّدها سلاطين المماليك في المدن الكبرى، وإنما شُيِّد في القرى والريف مثل مدرسة سَرْياقَوْس (٢) التي أنشأها السلطان برسباي (٣). ومن جهة أخرى فإن سلاطين المماليك لم يقتصروا في إنشاء المدارس على مصر، وإنما أقاموا كثيرًا منها في مختلف أنحاء دولتهم الواسعة، ومن ذلك ما نسمعه عن أن السلطان قايتباي (٤) أنشأ مدارس عديدة في مصر _________ (١) هو الملك الظاهر برقوق بن أنس بن عبد الله الجركسي. كان اسمه الطنبغا فسماه سيده يلبغا الكبير برقوقًا لنتوءٍ في عينيه. تولى الملك سنة ٧٨٤ هـ. كان شهمًا شجاعًا ذكيًا خبيرًا بالأمور. توفي سنة ٨٠١ هـ. انظر: شذرات ٧/ ٦، الجوهر الثمين ص ٤٥٧، العصر المماليكي ص ١٦٠. (٢) سَرْياقَوْس: بُليدة في نواحي القاهرة بمصر. انظر: معجم البلدان ٣/ ٢١٨. (٣) هو الملك الأشرف برسباي بن عبد الله أبو النصر الدقماقي الظاهر الجركسي، سلطان الديار المصرية والبلاد الشامية والأقطار الحجازية، الثاني والثلاثون من ملوك الترك، والثامن مِنْ ملوك الجراكسة. بُويع بالسلطنة سنة ٨٢٥ هـ فساس الملك أحسن سياسة. توفي سنة ٨٤١ هـ. انظر: شذرات ٧/ ٢٣٨، الضوء اللامع ٣/ ٨، الأعلام ٢/ ٤٨. (٤) هو السلطان قايتباي المحمودي الأشرفي ثم الظاهري، أبو النصر سيف الدين الجركسي. ولد سنة ٨١٥ هـ، وتسلطن سنة ٨٧٢ هـ. كان مقبلًا على أفعال الخير، مقرِّبًا للعلماء والصلحاء، محبًا للفقراء. دامت مدة ملكه تسعة وعشرين سنة. توفي سنة ٩٠١ هـ. انظر: الضوء اللامع ٦/ ٢٠١، البدر الطالع ٢/ ٥٥، الأعلام ٥/ ١٨٨، العصر المماليكي ص ١٨٢.

стр. 79

والشام والحجاز، كما أنشأ السلطان الغوري مدرسة في مكة. وجرت العادة عند الفراغ من إنشاء مدرسة في عصر المماليك أن يُحتفل بافتتاحها احتفالًا كبيرًا يحضره السلطان والأمراء والفقهاء والقضاة والأعيان، ويُمَدُّ سِماطٌ فاخر في صحن المدرسة به ألوان الأطعمة والحلوى والفواكه، وبعد أن يخلع السلطان على كل من أسهم في بناء المدرسة من المعلِّمين والبنَّائين والمهندسين، يعيِّن للمدرسة موظَّفيها من المدرسين والفقهاء والمؤذنين والقراء والفَرَّاشين وغيرهم. وكانت وظيفة التدريس بالمدرسة جليلة القدر، يخلع السلطان على صاحبها (١) ويكتب له توقيعًا من ديوان الإنشاء يختلف باختلاف المادة التي يُدَرِّسها المدرِّس تفسيرًا كانت أو حديثًا. وفي هذا التوقيع يقدِّم السلطان النصح للمدرس بأن يظهر مكنون علمه للطلاب، ويقبل على الدرس وهو طَلْق الوجه منشرح الصدر؛ ليستميل إليه طلبته ويربيهم كما يربي الوالد ولده. كذلك يطلب من المدرِّس أن ينظر في طلبته ويحثهم كل وقت على الاشتغال. وجرت العادة على تعيين معيد أو أكثر لكل مدرِّس؛ ليعيد للطلبة ما ألقاه عليهم المدرِّس ليفهموه ويحسنوه، كما يشرح لهم ما يحتاج إلى الشرح. أما الطلبة فقد تمتعوا بحرية اختيار المواد التي يدرسونها، بحيث لا يمنع فقيه أو مستفيد من الطلبة ما يختاره من أنواع العلوم الشرعية. وكثيرًا ما _________ (١) أي: يُنعم عليه بملابس فاخرة. انظر: صبح الأعشى ٤/ ٥٣.

стр. 80

اعتمد هذا الاختيار على مكانة المدرِّس وشهرته العلمية، بحيث ينتقل طالب العلم من بلد بعيدٍ ليتتلمذ على فقيه أو محدث مشهور. فإذا أتم الطالب دراسته وتأهل للفتيا والتدريس أجاز له شيخه ذلك، وكتب له إجازة يذكر فيها اسم الطالب وشيخه ومذهبه وتاريخ الإجازة وغير ذلك. ولا شك في أن قيمة هذه الإجازة كانت تتوقف على سمعة الشيخ الذي صدرت عنه ومكانته العلمية. والواقع أن المدارس في عصر المماليك تمتعت بدخل مالي ثابت مكَّنها من أداء رسالتها وتدعيم نظامها. أما هذا الدخل فكان مصدره الأوقاف: من أراضٍ وبيوتٍ وأسواقٍ ومعاصرَ وغيرها، وهي أوقاف كان يُنفق مِنْ ريعها على المدرسة ومَنْ فيها مِنْ مدرسين وطلاب علمٍ وموظفين (١). المكتبات: وإذا كانت الحياة العلمية قد نشطت في عصر المماليك - فإنه يلاحظ أن الركن الأول للنشاط العلمي في أي زمان ومكان هو الكتب والمكتبات. فبدون الكتب والمكتبات لا تستطيع المدارس أن تؤدي مهمتها، ولا يستطيع المتعلِّمون والمعلِّمون أن يواصلوا رسالتهم. لذلك لا عجب إذا شهد عصر المماليك نشاطًا منقطع النظير في التأليف من ناجية، وفي جمع الكتب وإنشاء المكتبات والعناية بها من ناحية ثانية. وكان سلاطين المماليك أنفسهم أول مَنْ قدَّر أهمية الكتب فاحتفظوا في قلعة الجبل بخزانة كتب _________ (١) انظر: العصر المماليكي ص ٣٤٢ - ٣٤٥.

стр. 81

جليلة القدر، حوت مجموعة ضخمة من الكتب الدينية وغير الدينية. وقد ظلت هذه المكتبة عامرة بالكتب محتفظة بأهميتها، رغم الحريق الذي تعرضت له سنة ١٢٩٢ م على عهد السلطان الأشرف خليل بن قلاوون (١). أما مكتبات المدارس والجوامع في عصر المماليك فكانت على درجة فائقة من الإعداد والغنى. فإذا كان السلطان الظاهر بيبرس قد أنشأ المدرسة الظاهرية، فإن المراجع تشير إلى أنه ألحق بتلك المدرسة خزانة كتب جليلة تشتمل على مجموعة ضخمة من المراجع في مختلف العلوم. وكذلك حرص السلطان المنصور قلاوون على أن يزوّد مكتبة المدرسة المنصورية بالكثير من كتب التفسير، والحديث، والفقه، واللغة، والطب، والأدبيات، ودواوين الشعراء. وكذلك المدرسة الناصرية التي أقامها السلطان الناصر محمد، إذ أنشأ بها خزانة كتب جليلة. ولم يَقِلَّ سلاطينُ المماليك الجراكسة عنايةً بالكتب عن سلاطين دولة المماليك الأولى أو الأتراك، فنسمع عن خزائن الكتب العامرة التي ألحقها سلاطين الجراكسة مثل الظاهر برقوق والمؤيد شيخ (٢) والأشرف قايتباي _________ (١) هو خليل بن قلاوون الصالحي، الملك الأشرف صلاح الدين ابن السلطان الملك المنصور. ولد سنة ٦٦٦ هـ. ولي بعد وفاة أبيه سنة ٦٨٩ هـ، واستفتح الملك بالجهاد. قتل غيلة بمصر سنة ٦٩٣ هـ. انظر: البداية والنهاية ١٣/ ٣٥٤، شذرات ٥/ ٤٢٢، الأعلام ٢/ ٣٢١. (٢) هو شيخ بن عبد الله المحموديُّ الظاهريّ، أبو النصر الجركسيُّ الأصل. ولد سنة ٧٧٠ هـ تقريبًا. أصله. تولى السلطنة في سنة ٨١٥ هـ. توفي سنة ٨٢٤ هـ. انظر: الضوء اللامع ٣/ ٣٠٨، الأعلام ٣/ ١٨٢، العصر المماليكي ص ١٦٨.

стр. 82

والأشرف قانصوه الغوري بمدارسهم، هذا مع ملاحظة أن خزانات الكتب في عصر المماليك لم تلحق بالمدارس فحسب وإنما ألحقت أيضًا بالخانقاوات (١) والجوامع، وذلك تحقيقًا وتعميمًا للفائدة العلمية المرجوة. وفي جميع الحالات قام بالإشراف على خزانة الكتب "خازن الكتب" ومهمته ترتيب الكتب وتنظيمها وحفظها وحبكها وترميمها بين حين وآخر، فضلًا عن إرشاد القراء إلى ما يلزمهم من مراجع، لذلك كان يُختار لخزانة الكتب عادة فقيهٌ أو عالمٌ يراعى فيه سعة العلم والأمانة. وكانت عملية تغذية المكتبات بالكتب مستمرة، فبالإضافة إلى مجموعة الكتب التي يحبسها صاحب المدرسة على خزنتها، استمرت المكتبات تحصل على جديد من الكتب إما عن طريق الهدايا والهبات وإما عن طريق النسخ وإما عن طريق الشراء. ولعل صعوبة نسخ الكتب والحصول عليها في ذلك العصر هي التي تطلبت تحريم إعارة الكتب خارجيًا تحريمًا باتًّا إلا في حالات نادرة خاصة. ومعنى ذلك أن الاستفادة من الكتب اقتصرت على الاطلاع الداخلي وفق شروط خاصة تضمن المحافظة على الكتب وعدم استهلاكها (٢). المكاتب: وإذا كانت المدارس في عصر المماليك تمثل المعاهد العليا أو الجامعات - فإن المكاتب نهضت عندئذ بالمرحلة الأولى من مراحل التعليم. ويبدو أن _________ (١) الخانقاوات جمع خانقاه: وهو بيت ينقطع فيه الصوفية للعبادة والذكر. انظر: العصر المماليكي ص ٤٣٣. (٢) انظر: العصر المماليكي ص ٣٤٥ - ٣٤٧.

стр. 83

الهدف الأساسي من إنشاء معظم المكاتب كان تعليم أيتام المسلمين، ولذلك أقبل الخيِّرون على إقامتها وحبسِ الأوقاف عليها رغبةً في الثواب. وكان يقوم بتعليم الأطفال في المكتب "المؤدِّب" الذي أطلق عليه أحيانًا اسم "الفقيه"، واشترط فيه أن يكون: خيِّرًا ديِّنًا أمينًا على أطفال المسلمين، متين الخلق عَفًّا متزوجًا عارفًا بصناعته صالحًا للتعليم. وساعد المؤدب في عمله "العريف" وهو أشبه بالمعيد في المدارس، إذ كان يعاون المتخلِّفين من الأطفال، ويعرضون عليه ألواحهم في غيبة المؤدِّب. وربما كان في المكتب الواحد أكثر من مؤدِّب وعريف إذا تطلبت كثرة الأطفال ذلك، بحيث يكون لكل مؤدب عدد معين من الأطفال يقوم بالإشراف عليهم وتعليمهم. وقد ذكر النويري (١) كيف أن السلطان المنصور قلاوون رتب في مكتب السبيل الذي أنشأه فقيهين يعلِّمان مَنْ كان صغيرًا من أيتام المسلمين كتاب الله تعالى، ورتَّب لهما جامكية في كل شهر وجراية في كل يوم: وهي لكل منهما في كل شهر ثلاثون درهمًا، وفي كل يوم من الخبز ثلاثة أرطال، وكسوة في الشتاء وكسوة في الصيف. ورتب للأيتام لكل منهم في كل يوم رطلان خبزًا، وكسوة في الشتاء وكسوة في الصيف. _________ (١) هو أحمد بن عبد الوهاب بن محمد بن عبد الدائم القرشيُّ التيميُّ البكريّ، شهاب الدين النويري. نسبته إلى نُويرة: قرية من قرى بني سويف بمصر، ومولده ومنشأه بقوص. ولد سنة ٦٧٧ هـ. كان عالمًا بحَّاثًا غزير الاطلاع، ويكفيه أنه مصنِّف "نهاية الأرب في فنون الأدب" كبير جدًا، وهو أشبه بدائرة معارف لما وصل إليه العلم عند العرب في عصره. توفي سنة ٧٣٣ هـ. انظر: الدرر ١/ ١٩٧، الأعلام ١/ ١٦٥، معجم المؤلفين ١/ ٣٠٦.

стр. 84

وكانت مناهج التعليم في هذه المكاتب تدور حول القراءة والكتابة وتعليم القرآن والحديث وآداب الدين، فضلًا عن مبادئ الحساب وقواعد اللغة وبعض الشعر. ويبدأ الأطفال بالكتابة في ألواح ثم ينتقلون بعد ذلك إلى الكتابة بالمداد، فإذا بلغ الطفل الحلم وزالت عنه صفة اليتم - صُرِف من المكتب ليحل محله مستحقٌ آخر. وقد أُوصي المؤدِّب بأن يحسن معاملة الأطفال ولا يقسو عليهم ولا يضربهم، إلا إذا أساء صبي منهم الأدب وعندئذ يضربه المؤدب ضربًا وسطًا يؤلم ولا يؤذي. النشاط الديني: أما عن الحياة الدينية - فالملاحظ أن مصر شهدت في عصر المماليك نشاطًا دينيًا منقطع النظير، وقد يكون السِّرُّ في هذا النشاط الديني الكبير هو شعور المماليك أنفسِهم بأنهم أغرابٌ عن البلاد وأهلها، مغتصبون للحكم والعرش من أصحابه الشرعيين، ولذلك أرادوا أن يتخذوا من الدين ورجاله ستارًا يُخفي هذه الحقائق عن أعين المحكومين، ويقرِّبهم إلى قلوب الشعب، وما دام المماليك مسلمين، يؤمنون بالله ورسوله، ويحرصون على إقامة شعائر الدين وإحياء سنن الأولين، ويَعْمُرون مساجدَ يُذكر فيها اسم الله كثيرًا - فهم إذًا حكامٌ صالحون، ولا داع للتفكير كثيرًا في أصلهم وطريقة وصولهم إلى الحكم. وثَمَّة ملاحظةٍ أخرى؛ هي أن جزءًا كبيرًا من النشاط الديني في عصر المماليك كان مُوَجَّهًا لخدمة المذهب السنيِّ ومحاربة المذهب الشيعيّ، ذلك أنه على الرغم من الجهود الكبيرة التي بذلها صلاح الدين الأيوبي ومَنْ

стр. 85

خلفه من سلاطين بني أيوب لمحاربة الشيعة والتشيع في مصر، إلا أن الكثير من آثار المذهب الشيعي ظلت قائمةً في عصر المماليك. وقد لجأ سلاطين المماليك إلى استخدام العنف أحيانًا لكبت الشيعة، حتى أن الناس في ذلك العصر كانوا إذا أرادوا أن يكيدوا لشخصٍ دَسُّوا عليه مَنْ رماه بالتشيع، فتصادر أملاكه، وتنهال عليه العقوبات والإهانات، حتى يُظْهِر التوبة من الرفض. وفي الوقت نفسِه حارب سلاطين المماليك ظاهرةَ التشيع عن طريقٍ غير مباشر، فأمر السلطان الظاهر بيبرس ١٢٦٧ م (٦٦٥ هـ) باتباع المذاهب السنية الأربعة وتحريم ما عداها، كما أمر بألا يُولى قاضٍ ولا تُقبل شهادةُ أحدٍ ولا يرشَّح لإحدى وظائف الخطابة أو الإمامة أو التدريس ما لم يكن مقلِّدًا لأحد هذه المذاهب. وثمة وسيلة اتخذها سلاطين بني أيوب، واتبعهم فيها سلاطين المماليك؛ لمحاربة المذهب الشيعي والحد من انتشاره في البلاد: هي إنشاء المدارس. وقد سبق أن تكلمنا عن أهمية المدرسة من الناحية العلمية، ولكن الحقيقة الكبرى التي لا ينبغي أن تغيب عن أذهاننا هي أن صلاح الدين عندما أنشأ أُولى المدارس في مصر، إنما استهدف أن تكون المدرسة - قبل أي اعتبار آخر - مركزًا لتدعيم الفقه السني. وقد راعى هذا المبدأ خلفاء صلاح الدين، فأقاموا المدارس واشترطوا أن تكون كلٌّ منها خاصةً بتدريس مذهبٍ أو مذهبين من مذاهب السنّة الأربعة، حتى كانت المدرسة التي أنشأها السلطان الصالح نجم الدين أيوب (١) سنة ١٢٤٢ (٦٤٠ هـ)، _________ (١) هو الملك الصالح أيوب بن محمد بن أبي بكر بن أيوب، أبو الفتوح نجم الدين، =

стр. 86

وهي أول مدرسة بُنيت في القاهرة على المذاهب الأربعة - الشافعي والمالكي والحنفي والحنبلي - واستمرت هذه المدرسة تؤدي رسالتها في خدمة السنّة حتى القرن التاسع الهجري - الخامس عشر الميلادي - على أيام المؤرخ تقي الدين المقريزي. وهكذا سار المماليك على سُنَّة الأيوبيين في إنشاء المدارس، فحرصوا على أن يجعلوا منها أداةً لخدمة السنّة ومذاهبها. من ذلك ما أورده النويري من وصفٍ للمدرسة الناصرية التي أقامها السلطان الناصر محمد بن قلاوون، إذ يقول إنه كان بها أربعة أواوين كل منها خاص بأحد مدرسي المذاهب الأربعة، فالمدرّس المالكي اختص بالإيوان القبلي، والشافعي بالإيوان البحري، والحنفي بالإيوان الشرقي، والحنبلي بالإيوان الغربي. ولم تكن المدارس هي المؤسسات الدينية الوحيدة التي أكسبت عصر المماليك طابعه الديني الخاص، بل شهد ذلك العصر إقامة مؤسسات أخرى عديدة مثل المساجد والزوايا وغيرها. والملاحظ أن كلًّا من المدرسة والجامع في ذلك العصر قامت بدور مزدوج في خدمة الدين والعلم، ولكن الفارق بين الحالتين هو أن المدرسة - كما يتضح من اسمها - استهدفت أولًا خدمة العلم وجاء نشاطها الديني ضمنيًا عن طريق تدريس العلوم الدينية مثلًا، وبالعكس كان الهدف الأول من الجامع أو المسجد خدمة الدين _________ = من كبار الملوك الأيوبيين بمصر. ولد بالقاهرة سنة ٦٠٣ هـ. ولي بعد خلع أخيه العادل سنة ٦٣٧ هـ، وضبط الدولة بحزم، وكان شجاعًا مهيبًا عفيفًا صموتًا. مات بناحية المنصورة، ونقل إلى القاهرة، سنة ٦٤٧ هـ. من آثاره: قلعة الروضة بالقاهرة. انظر: الأعلام ٢/ ٣٨، السلوك لمعرفة دول الملوك ١/ ٤٣٥ - ٤٤٣.

стр. 87

وإحياء شعائره، وبعد ذلك جاء استخدام بعض المساجد في التدريس ليحقِّق غرضًا آخر ثانويًا؛ لأن العلوم الدينية - من فقه وحديث وتفسير - احتلت مكان الصدارة في دراسات ذلك العصر. والواقع أن النشاط الديني في عصر المماليك تطلب إقامة ما لا يكاد يُحصى من المساجد، وبخاصة في مصر والشام. وقد قَدَّر المقريزيُّ عدد المساجد التي تُقام بها الجمعة بمصر والقاهرة بمائة وثلاثين مسجدًا، في حين قَدَّرها خليل بن شاهين الظاهري (١) بأكثرَ مِنْ ألفِ مسجد. وفي عهد السلطان الناصر محمد، شَيَّد السلطان الناصر وأمراؤه ثمانيةً وعشرين مسجدًا، وكان إذا تم بناء جامعٍ أو مسجدٍ رُتِّب له خطيبٌ وخَدَمٌ واحتُفِل بافتتاحه في حفلٍ كبير (٢). _________ (١) هو خليل بن شاهين الظاهريّ، غرس الدين، يعرف بابن شاهين. أميرٌ من المماليك، اشتهر بمصر، نسبته إلى الظاهر برقوق، وكان أبوه شاهين من مماليكه. ولد ببيت المقدس سنة ٨١٣ هـ. كان من المولَعين بالبحث، وله تصانيف ونظم. من مصنفاته: زبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك، والإشارات إلى علم العبارات، والمواهب في اختلاف المذاهب. توفي سنة ٨٧٣ هـ. انظر: الضوء اللامع ٣/ ١٩٥، الأعلام ٢/ ٣١٨. (٢) انظر: العصر المماليكي في مصر والشام ص ٣٤٨ - ٣٥١.

стр. 88

الفصل الثاني: التعريف بالشيخ تقي الدين السبكي

стр. 89

المبحث الأول: اسمه ونسبه هو الشيخ الإمام علي بن عبد الكافي بن علي بن تَمَّام بن يوسف بن موسى بن تَمَّام بن حامد بن يحيى بن عمر بن عثمان بن علي بن مِسْوَار بن سَوَّار بن سُلَيم السُّبْكي، الخزرجي الأنصاري، ﵏ جميعًا. يقول تاج الدين السبكي ﵀: "نقلت من خط الجد (١) ﵀ نِسْبتنا معاشرَ السبكية إلى الأنصار. وقد رأيت الحافظ النَّسَّابة شرف الدين الدمياطي (٢) ﵀ يكتب بخطه للشيخ الإمام الوالد ﵀: الأنصاري الخزرجي" (٣) فهم من قبيلة أسْلم، وأسلم من خُزاعة، وقيل لهم: خُزاعة؛ _________ (١) أي: عبد الكافي، أبو محمد. ولد سنة ٦٦٠ هـ تقريبًا. ولي قضاء الشرقية وأعمالها، والغربية وأعمالها، من الديار المصرية. كان من أعيان نُوَّاب الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد. توفي سنة ٧٣٥ هـ بالمحلَّة. انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ٨٩، الدرر ٢/ ٣٩٦. (٢) هو عبد المؤمن بن خلف بن أبي الحسن بن شرف التُّوني الدمياطي الشافعي، الحافظ شرف الدين، من أهل تونه: قرية من عمل دمياط. ولد سنة ٦١٣ هـ. قال الذهبي: ومعجم شيوخه يبلغون ألفًا وثلاثمائة إنسان. من مؤلفاته: قبائل الخزرج وقبائل الأوس، والعقد المثمن في مَن اسمه عبد المؤمن، والسيرة النبوية، وغيرها. توفي سنة ٧٠٥ هـ. انظر: تذكرة ٤/ ١٤٧٧، الطبقات الكبرى ١٠/ ١٠٢، الدرر ٢/ ٤١٦. (٣) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ٩١.

стр. 90

لأنهم تَخَزَّعوا عن الأزْد، والتَّخَزُّع: التَّقَاسُم (١). وقال النبي ﵌: "أسلم سَالَمها الله، وغِفَار غَفَر الله لها، وعُصَيَّة عَصَت اللهَ ورسوله" (٢). إلا أن التقي السبكي ﵀ كان لكمال ورعه ومزيد تقواه لا يكتب هذه النسبة، يقول ابنه التاج ﵀: "ولم يكتب الشيخ الإمام ﵀ بخطه لنفسه: الأنصاريَّ، قَطُّ، وإن كان شيخه الدمياطيُّ يكتبها له، وإنما كان يترك الشيخ الإمام كتابةَ ذلك؛ لوفور عقله، ومزيد ورعه، فلا يرى أن يطرق نحوه طعن من المنكِرين، ولا أن يكتبها مع احتمال عدم الصحة، خشية أن يكون قد دعا نفسه إلى قومٍ وليس منهم. وقد كانت الشعراء يمدحونه، ولا يُخْلون قصائدهم من ذكر نسبته إلى الأنصار، وهو لا ينكر ذلك عليهم، وكان ﵀ أورع وأتقى لله من أن يسكت على ما يعرفه باطلًا. وقد قرأ عليه شاعر العصر ابنُ نُباتة (٣) غالب قصائده التي امتدحه بها، وفيها ذِكْرُ نسبته إلى الأنصار، والشيخ الإمام يُقِرُّه. . . _________ (١) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ٩١. (٢) أخره بلفظه أحمد في المسند ٢/ ٢٠، ٥٠، ١٢٦، والحاكم بنحوه في المستدرك ٤/ ٨٢، وصححه ووافقه الذهبي. (٣) هو محمد بن محمد بن محمد بن الحسن بن نُباتة، بضم النون على الأشهر، ويجوز فتحها في قول، الشيخ جمال الدين أبو الفضائل، وأبو الفتح، وأبو بكر وهي أشهر. ولد بالقاهرة سنة ٦٨٦ هـ. كان ﵀ أديب عصره، وحامل لواء الشعر في زمانه. توفي ﵀ بالقاهرة سنة ٧٦٨ هـ. انظر: الطبقات الكبرى ٩/ ٢٧٣، الدرر ٤/ ٢١٦.

стр. 91

وكذلك حضر الشيخ الإمام عَقْدَ بنات بعض الأكابر، وكان الصَّداق صناعة القاضي شهاب الدين بن فضل الله، فلما قُرئ وجاء ذِكْر الشيخ الإمام - أنشد القاضي شهابُ الدين لنفسه ما كتبه في الصَّداق، والشيخ الإمام يسمع: قاضي القضاةِ بعلمه وَضَح الهُدَى ... وبجوده ووجوده فاض النَّدَى من آلِ يَعْرُبَ في ذَوائبها العُلَى ... جاز السماءَ عُلًا وجاز الفَرْقَدا من كلِّ أبيضَ باسمٍ يومَ الوغى ... يَجْتابُ من ليل الهلال الأسْوَدا نَصَر النبيَّ محمدًا بِجِدالِهِ ... وجُدُودُه نَصَروا النبيَّ محمدا فلما انفصل المجلس، وجاء الصَّداق إلى المثسيخ ليكتب عليه اسمه - كتب عليه وعلَّق عليه من خطِّه في مجاميعه هذه الأبيات، ومن خطِّه نقلتُها، ولولا أنه رأى ذلك حقًا ما كتبه بخطه؛ لما أعلمه من ورعه وشدته في ذلك" (١). _________ (١) انظر: الطبقات ١٠/ ٩٢ - ٩٤.

стр. 92

المبحث الثاني: ولادته ونشأته ولد في ثالث صفر سنة ثلاث وثمانين وستمائة، بسُبْك من أعمال المنوفية. وفي مصر قريتان تسميان بسُبْك وهما: سُبْك الضَّحَّاك، وسُبْك العَبِيد، وهي التي منها تقي الدين السبكي ﵀ (١)، وكلاهما من أعمال المنوفية، وتسمى سُبْك الضحاك بسبك الثلاثاء أيضًا، وتسمى سبك العَبِيد بسبك الأحد، وبسُبْك العويضات، وهذا الاسم الأخير هو الباقي إلى الآن، لا الاسمَيْن الآخَرَيْن (٢). وكانت نشأته الأولى بها، وبها طلب العلم إلى أن حَصَّل قدرًا كثيرًا ثم انتقل إلى القاهرة لملاقاة شيوخها وعلمائها. _________ (١) انظر: القاموس المحيط ٣/ ٣٠٦، مادة (سبك). (٢) انظر البيت السبكي ص ٩٠ - ٩١، لمحمد الصادق حسين.

стр. 93

المبحث الثالث: طلبه للعلم وشيوخه قال التاج السبكي ﵀: "وتفقه في صغره على والده، وكان من الاشتغال على جانب عظيم، بحيث يستغرق غالب ليله وجميع نهاره، وحَكى لي أنه لم يأكل لحم الغنم إلا بعد العشرين من عمره؛ لحدة ذهنه، وأنه كان إذا شَمَّ رائحته حصل له شَرَى (١)، وإنما كان يخرج من البيت صلاة الصبح، فيشتغل على المشايخ إلى أن يعود قريب الظهر، فيجدَ أهل البيت قد عملوا له فروجًا، فيأكله ويعود إلى الاشتغال إلى المغرب، فيأكل شيئًا حُلْوًا لطيفًا، ثم يشتغل بالليل، وهكذا لا يعرف غير ذلك، حتى ذكر لي أن والده قال لأمه: هذا الشاب ما يطلب قط درهمًا ولا شيئًا، فلعله يرى شيئًا يريد أن يأكله، فضعي في مِنْدِيله درهمًا أو درهمين، فوضعتْ نصف درهم. قالت الجدة فاستمر نحو جمعتين وهو يعود والمنديلُ معه، والنصفُ فيه، إلى أن رمى به إليَّ وقال: أَيْش أعملُ بهذا! خذوه عني. وكان الله تعالى قد أقام والده ووالدته للقيام بأمره، فلا يدري شيئًا من حال نفسه. _________ (١) أي: اضطراب. انظر اللسان ١٤/ ٤٣٠، مادة "شري".

стр. 94

ثم زوَّجه والدُه بابنة عمه، وعُمْره خمسَ عشرةَ سنة، وألزمها أن لا تحدِّثه في شيءٍ من أمر نفسها، وكذلك ألزمه والدها، وهو عمه الشيخ صدر الدين (١)، فاستمرت معه، ووالده ووالدها يقومان بأمرهما، وهو لا يراها إلا وقت النوم، وصَحِبَتْه مدة، ثم إن والدها بلَغه أنها طالبته بشيءٍ من أمر الدنيا، فطلبه وحلف عليه بالطلاق ليُطلِّقَها، فطلَّقها. فانظر إلى اعتناء والده وعمِّه بأمره، وكان ذلك خوفًا منهما أن يشتغل بالُه بشيءٍ غير العلم. ثم إنه دخل القاهرة مع والده، وعَرَض محافيظ حفظها: "التنبيه"، وغيره - على ابن بنت الأَعَزّ (٢) وغيره. وقيل: إن والده دخل به إلى شيخ الإسلام تقي الدين بن دقيق العيد، وعرض عليه "التنبيه"، وإن الشيخ تقي الدين قال لوالده ﵀: رُدَّ به إلى البر، إلى أن يصير فاضلًا عُدْ به إلى القاهرة، فردَّ به إلى البر. قال الوالد ﵀: فلم أَعُد إلا بعد وفاة الشيخ تقي الدين، ففاتني مجالسته في العلم. _________ (١) هو يحيى بن علي بن تمام بن يوسف السبكي، القاضي صدر الدين أبو زكريا. برع في الفقه وأصوله، وتولى قضاء بعض البلاد المصرية، ثم دَرَّس بالمدرسة السَّيْفِيَّة بالقاهرة، واستمر بها إلى حين وفاته. توفي سنة ٧٢٥ هـ، ودفن بالقرافة. انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ٣٩١، الدرر ٤/ ٤٢٢. (٢) هو أحمد بن عبد الوهاب بن خَلَف العَلامِيُّ البَصْريُّ، علاء الدين بن بنت الأعز. كان فقيهًا أديبًا، رئيسًا، وله شعر كثير. توفي سنة ٦٩٩ هـ. انظر: الطبقات الكبرى ٨/ ٢٣، شذرات ٥/ ٤٤٤.

стр. 95

وسمعت الوالد يقول: أنا ما أتحقق الشيخ تقي الدين، ولكني أذكر أني دخلت دار الحديث الكاملية (١) بالقاهرة، ورأيت شيخًا هيئته كهيئة الشيخ تقي الدين الموصوفة لنا، لعله هو، وسمعت الحافظ تقي الدين أبا الفتح (٢) ابن العم ﵀ يقول: هو الشيخ تقي الدين. ولكن الشيخ الإمام لورعه لا يجزم مع أدنى احتمال. ثم لما دخل القاهرة بعد أن صار فاضلًا - تفقَّه على شافعي الزمان الفقيه نجم الدين بن الرِّفْعة (٣)، وقرأ الأصلين وسائر المعقولات على الإمام النظار علاء الدين الباجي (٤)، والمنطق _________ (١) هي دار الحديث بمصر، بناها الملك الكامل ناصر الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب، وكملت عمارتها في سنة إحدى وعشرين وستمائة، وكان الإمام ابن دقيق العيد ﵀ ممن وَلِيها. انظر: حسن المحاضرة ٢/ ٢٦٢، مقدمة تحقيق مختصر تيسير الوصول إلى منهاج الأصول ١/ ٦١. (٢) هو محمد بن عبد اللطيف بن يحيى بن علي بن تَمَّام السبكي، الفقيه المحدث، الأديب المتقن. تفقه على جده الشيخ صدر الدين يحيى، وعلى الشيخ تقي الدين السبكي وبه تخرج في كل فنونه، وهو صهره. توفي سنة ٧٠٥ هـ. انظر: الطبقات الكبرى ٩/ ١٦٧، الدرر ٤/ ٢٥، شذرات ٦/ ١٤١. (٣) هو الإمام نجم الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن علي بن مُرْتَفِع بن الرِّفْعة، المصري الشافعي. ولد سنة ٦٤٥ هـ. كان شافعي زمانه، وإمام أوانه، شيخ الإسلام، أعجوبة في معرفة النصوص والتخريج. من تصانيفه: "المطلب" في شرح الوسيط، و"الكفاية" في شرح التنبيه، و"النفائس في هدم الكنائس". وغيرها. توفي ﵀ سنة ٧١٠ هـ. انظر الطبقات الكبرى ٩/ ٢٤، الدرر ١/ ٢٨٤، شذرات ٦/ ٢٤. (٤) هو علي بن محمد بن عبد الرحمن بن خَطَّاب الباجي، الشيخ الإمام علاء الدين، إمام الأصوليين في زمانه، وله الباع الواسع في المناظرة. ولد سنة ٦٣١ هـ. كان أعلم أهل الأرض بمذهب الأشعري في علم الكلام. من مصنفاته: الرد على اليهود =

стр. 96

والخلاف على سيف الدين البغدادي (١)، والتفسير على الشيخ علم الدين العراقي (٢)، والقراءاتِ على الشيخ تقي الدين بن الصائغ (٣)، والفرائض على الشيخ عبد الله الغِماري المالكي (٤). وأخذ الحديث عن الحافظ شرف الدين الدمياطي، ولازمه كثيرًا، ثم لازم بعده وهو كبير: إمامَ الفن الحافظَ سعد الدين الحارثي (٥). _________ = والنصارى، وله مختصرات عدة. توفي سنة ٧٢٤ هـ. انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ٣٣٩، شذرات ٦/ ٣٤. (١) هو عيسى بن داود البغدادي الحنفي المنطقي. ولد في حدود سنة ٦٣٠ هـ. برع في المنطق، وتخرج وفاق الأقران. كان سليم الباطن متواضعًا سمحًا. توفي سنة ٧٠٥ هـ. انظر: الدرر ٣/ ٢٠٣. (٢) عبد الكريم بن علي بن عمر الأنصاري، الشيخ علم الدين العراقي الضرير. ولد سنة ٦٢٣ هـ. كان عالمًا فاضلًا في فنون كثيرة خصوصًا التفسير، فله فيه يد باسطة، وصنف فيه "الإنصاف في مسائل الخلاف" بين الزمخشري وابن المُنَيِّر. توفي بالقاهرة سنة ٧٠٤ هـ. انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ٩٥، الدرر ٢/ ٣٩٩، طبقات المفسرين ١/ ٣٣٤. (٣) هو محمد بن أحمد بن عبد الخالق بن علي بن سالم بن مكي، الشيخ تقي الدين، أبو عبد الله بن الصائغ، المصري الشافعي. ولد سنة ٦٣٦ هـ. كان مُسْنِد عصره، ورُحَلةَ وقته، شيخ القراء، فقيهًا مشاركًا في عدة فنون. توفي بمصر سنة ٧٢٥ هـ. انظر غاية النهاية ٢/ ٦٥، الدرر ٣/ ٣٢٠. (٤) لم أعثر على ترجمته مع كثرة البحث في كتب التراجم: المالكية، وغيرها. (٥) هو الشيخ الإمام الفقيه الحافظ المتقن قاضي القضاة سعد الدين مسعود بن أحمد بن مسعود بن زيد الحارثي، العراقي المصري الحنبلي، أبو محمد. ولد سنة ٦٥٢ هـ. كان قوي المعرفة بالمتون والأسانيد، صَيِّنًا. توفي سنة ٧١١ هـ. انظر: تذكرة ٤/ ١٤٩٥، الدرر ٤/ ٣٤٧، شذرات ٦/ ٢٨.

стр. 97

وأخذ النحو عن الشيخ أبي حيان (١)، وصحب في التصوف الشيخ تاج الدين بن عطاء الله" (٢) ثم عَدَّد التاج مشايخ أبيه بالإسكندرية والقاهرة ودمشق وبغداد إلى أن قال: "وجمع "معجمُه" الجمَّ الغفير، والعدد الكثير، وكتب بخطه، وقرأ الكثير بنفسه، وحَصَّل الأجزاء الأصول والفروع، وسمع الكتب والمسانيد، وخَرَّج وانتقى (٣) على كثير من شيوخه، وحَدَّث بالقاهرة ودمشق" (٤). _________ (١) هو محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حَيَّان النَّفْريّ الأندلُسي الجَيَّاني الأصل، الغِرْناطي المولد والمنشأ، المصري الدار، الظاهري الشافعي. ولد سنة ٦٥٤ هـ. شيخ النحاة، وسيبويه الزمان. من مصنفاته "البحر المحيط" في التفسير، شرح التسهيل، الارتشاف. توفي سنة ٧٤٥ هـ. انظر: الطبقات الكبرى ٩/ ٢٧٦، الدرر ٤/ ٣٠٢، بغية ١/ ٢٨٠. (٢) أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عطاء الله، تاج الدين أبو الفضل الإسكندراني، المالكي، الشاذلي، صحب الشيخ أبا العباس المرسي صاحب الشاذلي، وصنف مناقبه، ومناقب شيخه، وكان المتكلم على لسان الصوفية في زمانه. توفي سنة ٧٠٩ هـ. انظر: الدرر ١/ ٢٧٣، شذرات ٦/ ١٩ البدر ١/ ١٠٧. (٣) الانتقاء: هو أن يختار الطالب بعض أحاديث الشيخ، ويكتفي بها في الرواية عنه؛ إما لأن الشيخ كثير المرويات عَسِرٌ في الرواية عنه؛ أو لأن الطالب لا يمكنه طول الإقامة عند الشيخ. انظر: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي: ٢/ ١٥٩. (٤) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٤٧.

стр. 98

المبحث الرابع: تلاميذه أما حصرهم فهذا صعب؛ لعدم وجود كتاب يحصرهم، أو يحصي أكثرهم، وهم كثير جدًا بلا شك فقد تخرج به أئمة، وحمل عنه أمم (١)، ولكن نذكر البعض القليل، حسبما يحضرنا، وفيهم دلالة على قدر الرجل ﵀. قال التاج ﵀: "سمع منه الحفَّاظ: أبو الحجَّاج المِزِّي (٢) وأبو عبد الله الذهبي، وأبو محمد البِرْزالي (٣)، وغيرهم" (٤)، وهؤلاء كلهم أقران _________ (١) انظر: ذيول العِبَر في خَبر مَنْ غَبَر ٤/ ١٦٨. (٢) هو واحد عصره، وشيخ زمانه، يوسف بن الزكي عبد الرحمن بن يوسف الكَلْبيّ القُضَاعِيّ الدِّمشقي، جمال الدين أبو الحجاج. ولد سنة ٦٥٤ هـ. صنف كتاب "تهذيب الكمال". توفي ﵀ شهيدًا بالطاعون سنة ٧٤٢ هـ. انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ٣٩٥، الدرر ٤/ ٤٥٧. (٣) هو الحافظ الكبير والمؤرخ القاسم بن محمد بن يوسف البِرْزالي، علم الدين أبو محمد الإشبيلي. ولد سنة ٦٦٥ هـ. بلغ عدد مشايخه بالسماع ألفي نفس، وبالإجازة أكثر من ألف. كان وافر العقل جدًا بحيث إنه كان يصحب المتعاديَيْن فلا يكتم واحدٌ منهما سره لوثوقه به. مات ذاهبًا إلى مكة محرمًا للحج سنة ٧٣٩ هـ، ودفن بخليص. انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ٣٨١، الدرر ٣/ ٢٣٧. (٤) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٤٧.

стр. 99

له أيضًا، بل كلهم أكبر منه سنًا، والمزي في طبقة شيوخه. وقال أيضًا "وجلس للتحديث بالكَلَّاسة (١)، فقرأ عليه الحافظ تقي الدين أبو الفتح محمد بن عبد اللطيف السبكي جميع "معجمه" الذي خَرَّجه له الحافظ شهاب الدين أبو العباس أحمد بن أَيْبَك الحُسامِيّ الدِّمْياطي (٢) ﵀، وسمعه عليه خلائق، منهم الحافظ الكبير أبو الحجاج يوسفى بن الزكي المِزي، والحافظ الكبير أبو عبد الله محمد بن أحمد الذهبي" (٣). ومن تلاميذه صلاح الدين الصفدي، والحافظ العلائي (٤)، _________ (١) هي مدرسة كانت لصيق الجامع الأُمويّ من شمال، ولها بابٌ إليه. عَمَّرها نور الدين الشهيد في سنة ٥٥٥ هـ، وسُمِّيت هذا الاسم لأنها كانت موضع عمل الكِلْس أيام بناء الجامع، وجُعِلت زيادةً لما ضاق الجامع بالناس. انظر: الدارس في تاريخ المدارس ١/ ٤٤٧ - ٤٤٨. (٢) هو أحمد بن أيبك بن عبد الله الحسامي الدمياطي، أبو الحسين. ولد سنة ٧٠٠ هـ. قال عنه الذهبي: "المحدث الحافظ المفيد، محدِّث مصر". من مصنفاته: "المستفاد من ذيل تاريخ بغداد"، "تخريج أحاديث الرافعي" لم يكمله. توفي في طاعون مصر سنة ٧٤٩ هـ. انظر: الدرر ١/ ١٠٨، الأعلام ١/ ١٠٢. (٣) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٦٩، الدارس في تاريخ المدارس ١/ ٤٥٠ - ٤٥١. (٤) هو حافظ المشرق والمغرب خليل بن كيكلدي بن عبد الله العلائي، صلاح الدين أبو سعيد الشافعي. ولد سنة ٦٩٤ هـ. بلغ عدد شيوخه بالسماع سبعمائة، ومصنفاته تنبئ عن إمامته في كل فن، ولم يخلف بعده مثله. صنف كتبًا كثيرة جدًا، وهي "سائرة مشهورة نافعة متقنة محررة"، كذا قال ابن حجر ﵀، منها: تحفة الرائض بعلوم آيات الفرائض، الأربعين في أعمال المتقين، وغيرهما. توفي بالقدس سنة ٧٦١ هـ. انظر الطبقات الكبرى ١٠/ ٣٥، الدرر ٢/ ٩٠، شذرات ٦/ ١٩٠.

стр. 100

والإسنوي، والحافظ العراقي (١)، والحافظ الحسيني (٢)، ومجد الدين الفيروزابادي (٣) صاحب "القاموس المحيط"، وأبو البقاء السبكي (٤)، _________ (١) هو الحافظ عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن، زين الدين أبو الفضل، الكردي الأصل الشافعي. من مؤلفاته: ألفية الحديث وشرحها، طرح التثريب في شرح التقريب، النكت على مقدمة ابن الصلاح. توفي سنة ٨٠٦ هـ. انظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٤/ ٢٩، شذرات ٧/ ٥٥، البدر ١/ ٣٥٤، الأعلام ٣/ ٣٤٤. (٢) هو محمد بن علي بن الحسن بن حمزة، شمس الدين الحسيني، المؤرخ، المحدث، الحافظ، الفقيه. ولد بدمشق سنة ٧١٥ هـ. ولما سئل العراقي عن أربعة تعاصروا أيهم أحفظ: مغلطاي، وابن كثير، وابن رافع، والحسيني؟ قال: أعرفهم بالشيوخ المعاصرين وبالتخريج الحسيني، وهو أدونهم في الحفظ. من مصنفاته: "التذكرة في رجال العشرة"، "ذيل تذكرة الحفاظ"، "مجمع الأحباب" اختصار الحلية. توفي سنة ٧٦٥ هـ. انظر: الدرر ٤/ ٦١، البداية والنهاية ١٤/ ٣٢٢، البدر ٢/ ٢٠٩، مقدمة كتاب "الإكمال" ص ٢٠ م - ٢٨ م، شذرات ٦/ ٢٠٥. (٣) هو محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم الشيرازيّ الفَيروزاباديّ، مجد الدين أبو طاهر، الشافعي، الإمام الكبير الماهر في اللغة وغيرها من الفنون. ولد سنة ٧٢٩ هـ. كان يقول: ما كنت أنام حتى أحفظ مائتي سطر، من مصنفاته: الوجيز في لطائف الكتاب العزيز، الإصعاد إلى رتبة الاجتهاد، طبقات الحنفية، وغيرها. توفي سنة ٨١٧ انظر: بغية الوعاة ١/ ٢٧٣، البدر ٢/ ٢٨٠، الأعلام ٧/ ١٤٦. (٤) هو شيخ الإسلام محمد بن عبد البر بن يحيى بن علي بن تمام السبكي، بهاء الدين أبو البقاء. ولد سنة ٧٠٧ هـ. قال الذهبي عنه: "إمام متبحر، مناظر بصير بالعلم، محكم العربية، مع الدين والتصوف". وكان الإسنوي يقدمه ويفضله على أهل عصره، وكان يحفظ الروضة. كتب على الروضة، وعلى مختصر ابن الحاجب، وعلى المطلب لابن الرفعة. توفي سنة ٧٧٧ هـ. انظر: الدرر ٣/ ٤٩٠، بغية ١/ ١٥٢، شذرات ٦/ ٢٥٣.

стр. 101

وأبناؤه (١)، وغيرهم كثير. _________ (١) وهم محمد، وأحمد، والحسين، وعبد الوهاب، ﵏ جميعًا، وستأتي تراجمهم، وعبد الوهاب ستأتي ترجمته مستقلة بعد الانتهاء من ترجمة والده رحمه الله تعالى.

стр. 102

المبحث الخامس: مكانته العلمية، وثناء العلماء عليه يقول ابنه التاج ﵀ عن والده: "الشيخ الإمام الفقيه المحدِّث الحافظ المفسِّر المقرئ الأصولي المتكلِّم النحوي اللغوي الأديب الحكيم المِنْطِيقيُّ الجدليُّ الخلافيُّ النَّظَّار، شيخ الإسلام، قاضي القضاة، تقي الدين أبو الحسن: شيخ المسلمين في زمانه، والداعي إلى الله في سرِّه وإعلانه، والمناضل عن الدين الحنيفيّ، شافعيُّ الزمان، وحجة الإسلام المنصوبُ من طُرق الجنَان، والمرجع إذا دَجَتْ مشكلةٌ وغابت عن العِيان. عُبَابٌ (١) لا تكدِّره الدِّلاء، وسحابٌ تتقاصر عنه الأنواء، وبابٌ للعلم في عصره، وكيف لا وهو عليٌّ الذي تَمَّتْ به النعماء: وكان من العلوم بحيث يُقضى ... له من كلِّ علمٍ بالجميع _________ (١) هو الماء الكثير، وهو السيل أيضًا. وكلاهما مناسبان هنا. انظر: لسان العرب ١/ ٥٧٣، المعجم الوسيط ٢/ ٥٧٩.

стр. 103

وكان من الورع والدين وسلوك سبيل الأقدمين على سَنَن ويقين، إن الله مع المتقين. صادع بالحق لا يخاف لومة لائم، صادق في النية لا يخشى بطشة ظالم، صابر وإن ازدحمت الضَّرَاغم. . . شيخ الوقت حالًا وعلمًا، وإمام التحقيق حقيقةً ورَسْمًا، وعَلَم الأعلام فِعْلًا واسمًا: إذا تَغلغل فِكْرُ المرء في طَرَفٍ ... مِن مجده غَرِقَتْ فيه خَواطِرُهُ (١) لا يرى الدنيا إلا هباءً منثورًا، ولا يدري كيف يجلب الدرهمُ فرحًا، والدينارُ سرورًا، ولا ينفك يتلو القرآن، قائمًا وقاعدًا، راكبًا وماشيًا، ولو كان مريضًا معذورًا. وكانت دعوته تخترق السبع الطِّبَاق، وتَفْترِق بركاتُها فتملأ الآفاق، وتَسْترقُ خبرَ السماء، وكيف لا، وقد رفعت على يد وليٍّ لله، تُفتح له أبوابُها ذوات الإغلاق. وكانت يداه بالكرم مبسوطتين، لا يُقاس إلا بحاتم، ولا يُنشد إلا: على قدر أهل العزم تأتي العزائم ولا يعرف إلا العطاء الجَزْل: وتأتي على قدر الكرام المكارم (٢) _________ (١) البيت لأبي الطيب المتنبي: انظر ديوانه بشرح أبي البقاء العَكبري ٢/ ١٢٠. (٢) هذا والذي قبيله لأبي الطيب المتنبي. انظر: ديوانه ٣/ ٣٧٨.

стр. 104

يواظب على القرآن سرًا وجهرًا، لا يَقْرُنُ خِتام ختمةٍ إلا بالشروع في أخرى، ولا يفتتح بعد الفاتحة إلا سورًا تترى. مع تقشف لا يتدرع معه غير ثوب العفاف، ولا يتطلع إلى ما فوق مقدار الكفاف، ولا يتنوَّع إلا في أصناف هذه الأوصاف. يقطع الليل تسبيحًا وقرآنًا، وقيامًا لله لا يفارقه أحيانًا، وبكاءً يفيض من خشية الله ألوانًا. أقسم بالله إنه لفوقَ ما وصفتُه، وإني لناطقٌ بهذا وغالب ظني أني ما أنصفتُه، وإن الغبيَّ سيظن فيَّ أمرًا ما تصورتُه (١): وما زال في علمٍ يرفعه، وتصنيفٍ يَضَعُه، وشتاتِ تحقيقٍ يجمعه، إلى أن سار إلى دار القرار. وما ساد أحدٌ ناوأه، ولا كان ذا استبصار، ولا ساءَ مَنْ والاه، بل عَمَّه بالفضل المدرار. . ." (٢). قال الإمام الذهبي ﵀ عن التقي: "القاضي الإمام العلامة الفقيه المحدث الحافظ فخر العلماء، تقي الدين أبو الحسن السبكي، ثم المصري الشافعي وَلَد القاضي الكبير زين الدين. . . وكان صادقًا متثبتًا، خَيِّرًا دينًا متواضعًا حسن السمت، من أوعية العلم، يَدْرِي الفقه ويُقَرِّره، _________ (١) قال التاج ﵀ في طبقاته الوسطى: "ولو عددت ما شاهدت، وحكيت ما عاينت - لطال الفصل، وقال الغبيُّ النذل: ولدٌ يشهد لأبيه". انظر: تحقيق الطبقات الكبرى ١٠/ ١٤٣. (٢) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٣٩ - ١٤٤.

стр. 105

وعلمَ الحديث ويُحَرِّره، والأصولَ ويُقْرئها، والعربية ويحقِّقها، ثم قرأ بالروايات على تقي الدين الصائغ، وصنف التصانيف المتقنة. وقد بقي في زمانه الملحوظ إليه بالتحقيق والفضل. . ." (١). وقال عنه أيضًا: انتهى إليه الحفظُ ومعرفة الأثر بالديار المصرية (٢). وقال أيضًا حين وَلِي التقيُّ السبكي خَطابة الجامع الأُموي: إنه ما صَعَد هذا المنبرَ بعدَ ابن عبد السلام أعظمُ منه (٣). ونظم في ذلك أبياتًا فقال: لِيَهْنِ المنبرَ الأُمَوِيَّ لَمَّا ... عَلَاهُ الحاكمُ البحرُ التقيُّ شيوخُ العصرِ أحفظُهم جميعًا ... وأخطبُهُمْ وأقضاهُمْ عليُّ (٤) قال التاج ﵀: "وصح مِنْ طرقٍ شتى عن الشيخ تقي الدين ابن تيمية: أنه كان لا يعظِّم أحدًا من أهل العصر كتعظيمه له، وأنه كان كثير الثناء على تصنيفه في الرد عليه. وفي كتاب ابن تيمية الذي ألفه في الرد على الشيخ الإمام في ردِّه عليه في مسألة الطلاق: لقد بَرَّز هذا على أقرانه. وهذا الرد الذي لابن تيمية على الوالد لم يَقِفْ عليه، ولكن سمع به، وأنا وقفتُ منه على مجلَّد. _________ (١) انظر: المعجم المختص ص ١٦٦. (٢) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٩٤. (٣) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٩٤. (٤) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٩٤.

стр. 106

وأما الحافظ أبو الحجاج المِزِّيُّ: فلم يكتب لفظة "شيخ الإسلام" إلا لَهُ، وللشيخ تقي الدين ابن تيمية، وللشيخ شمس الدين ابن أبي عمر (١). وقد قدمنا قول ابن فضل الله (٢): إنه مثل التابعين إن لم يكن منهم. وكان الشيخ تقي الدين أبو الفتح السبكي (٣) ﵀ يقول: إذا _________ (١) هو عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي، الجماعيلي الأصل، الصالحي، الحنبلي، الفقيه، الإمام، الزاهد الخطيب، قاضي القضاة، شيخ الإسلام، شمس الدين أبو محمد، وأبو الفرج بن الشيخ أبي عمر. ولد سنة ٥٩٧ هـ. قال النووي عنه: هذا أجل شيوخي. من مصنفاته: شرح "المقنع"، استمده من كتاب "المغني" لعمه. توفي ﵀ سنة ٦٨٢ هـ. انظر: ذيل طبقات الحنابلة ٤/ ٣٠٤، المعجم المختص ص ١٣٨. (٢) هو القاضي أحمد بن يحيى بن فضل الله بن مجلي القرشي العدوي العمري الشافعي، شهاب الدين أبو العباس، من نسل عمر بن الخطاب ﵁. ولد سنة ٧٠٠ هـ. كان يتوقد ذكاءً، مع حافظة قوية، وصورة جميلة، واقتدارٍ على النظم والنثر. من مصنفاته: "مسالك الأبصار في ممالك الأمصار" وهو كتاب جليل ما صُنِّف مثله، كذا قال ابن قاضي شهبة وابن العماد الحنبلي رحمهما الله، و"فواضل السمر في فضائل عمر"، وغيرهما. توفي شهيدًا بالطاعون يوم عرفة سنة ٧٤٩ هـ. انظر: الدرر ١/ ٣٣١، شذرات ٦/ ١٦٠، المعجم المختص للذهبي ص ٤٥، طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ١٦. (٣) محمد بن عبد اللطيف بن يحيى بن علي بن تمام السبكي، تقي الدين أبو الفتح. ولد سنة ٧٠٥ هـ، وتفقه على جده صدر الدين يحيى، وعلى قريبه وصهره تقي الدين علي السبكي، وبه تَخَرَّج في كل فنونه، وكان من أصح الناس ذهنًا، وأذكاهم فطرة. توفي سنة ٧٤٤ هـ بدمشق. انظر: الطبقات الكبرى ٩/ ١٦٧، الدرر ٤/ ٢٥.

стр. 107

رأيته فكأنما رأيت تابعيًا. وصح أن شيخه الإمام علاء الدين الباجي ﵀ أقبل عليه بعض الأمراء، وكان الشيخ الإمام إلى جانبه الأيمن، وعن جانبه الأيسر بعض أصحابه، فقعد الأمير بين الباجي والشيخ الإمام، ثم قال الأمير للباجي عن الذي عن يساره (١): هذا إمام فاضل؟ . فقال له الباجي: أتدري مَنْ هذا؟ هو إمام الأئمة. قال: مَنْ؟ قال: الذي جلستَ فوقه تقي الدين السبكي. ولعل هذا كان في سنة ثلاثَ عشرةَ وسبعمائة. وأما شيخه ابن الرفعة فكان يعامله معاملةَ الأقران، ويبالغ في تعظيمه، ويعرض عليه ما يصنفه في "المَطْلبَ". وكذلك شيخه الحافظ أبو محمد الدمياطي لم يكن عنده أحدٌ في منزلته (٢). ولو أخذتُ أعدُّ مقالة أشياخه فيه لطال الفصل. وبلغني أن ابن الرفعة حضر مرةً إلى مجلس الحافظ أبي محمد الدمياطي، فوجد الشيخَ الإمامَ الوالدَ _________ (١) هكذا في النسخة المطبوعة المحققة من "الطبقات الكبرى"، والظاهر أن الصواب حذف "عن" الأولى، فتكون الجملة: "ثم قال الأمير للباجي الذي عن يساره"، أي: الباجي عن يسار الأمير. (٢) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٠٤.

стр. 108

بين يديه، فقال: "محدِّث أيضًا"! وكان ابن الرفعة لعظمة الوالد في الفقه عنده يظن أنه لا يعرف سواه. فقال الدمياطي لابن الرفعة: كيف تقول؟ . قال: قلت للسبكي: محدِّث أيضًا! . فقال: إمام المحدثين. فقال ابن الرفعة: وإمام الفقهاء أيضًا. فبلغت شيخَه الباجي، فقال: وإمام الأصوليين. وسمعتُ صاحبَنا شمسَ الدين محمد بن عبد الخالق المقدسيّ المقرئ (١)، يقول: كنت أقرأ عليه القِراءات، وكنتُ لكثرة استحضاره فيها أتوهم أنه لا يدري سواها، وأقول: كيف يَسَع عمرُ الإنسان أكثر من هذا الاستحضار! . وسمعتُ الشيخ سيف الدين أبا بكر الحريري (٢)، مدرِّس المدرسة الظاهريّة، البَرَّانية - يقول: لم أرَ في النحو مثله، وهو عندي أنحى من أبي حَيَّان. وسمعتُ عن سيف الدين البغدادي، شيخهِ في المنطق - أنه قال: لم أرَ في العجم ولا في العرب مَنْ يعرف المعقولاتِ مثلَه. _________ (١) قال الحافظ ابن حجر ﵀: "قرأت بخط الشيخ تقي الدين السبكي: أنه كان يدري القراءات، ومات في سابع رجب سنة ٧٤٨". نظر: الدرر ٣/ ٤٩٤. (٢) لم أقف على ترجمته.

стр. 109

وسمعتُ جماعة من أرباب علم الهيئة يقولون: لم نر مثلَه فيها. وكذلك سمعتُ جماعة من أرباب علم الحساب. وعلى الجملة: لا يمارِي في أنه كان إمامَ الدنيا في كلِّ علم على الإطلاق، إلا جاهلٌ به، أو معانِد. ولقد سمعتُ الحافظ صلاح الدين خليل بن كَيْكَلَدِيَّ العلائيَّ يقول: الناس يقولون: ما جاء بعد الغزاليِّ مثلُه، وعندي أنهم يظلمونه بهذا، وما هو عندي إلا مثلُ سفيانَ الثوريِّ" (١). قال الحافظ العراقي ﵀ وهو تلميذه: "طلب الحديث في سنة ٧٠٣ هـ، ثم انتصب للإقراء، وتفقَّه به جماعة من الأئمة، وانتشر صيته وتواليفه، ولم يخلف بعده مثله" (٢). وكذا قال الحافظ الحسيني ﵀ وهو تلميذه أيضًا: "وكان رأسًا في كل علم. . . وتخرج به أئمة، وحَمَل عنه أُمم، ولم يخلف بعده مثله ﵀" (٣). وقد نقل التاج ﵀ ثناء الشيخ أبي العباس العُمَري، وأطال النقل عنه في ثنائه على التقي ﵀؛ لأن أبا العباس العمري كان بينه وبين والده شحناء فيكون ثناء أبي العباس مجردًا عن الهوى والمحاباة، وثناؤه لا يبعد عن ثناء التاج رحمهما الله تعالى، مما يُطَمْئن بأنَّ ثناء التاج ﵀ _________ (١) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٩٤ - ١٩٧. (٢) نظر: الدرر ٣/ ٧٠. (٣) انظر: ذيول العِبَر في خَبَر مَنْ غَبَر ٤/ ١٦٨.

стр. 110

لم يكن إلا بيانًا للحقيقة التي يعرفها، وربما يجهلها البعض لا سيما المتحاملون، فلا يقبلون تزكية الابن لأبيه، وما عليه ألا يقبلها أولوا الجهل والتحامل، ورحم الله القائل: ما ضَرَّ شمسَ الضُّحى في الأُفْقِ طالعةً ... أن لا يَرى ضوءَها مَن ليس ذا بَصَرِ يقول التاج ﵀ "وذكره الفاضل الأديب أبو العباس أحمد بن يحيى بن فضل الله العُمَريُّ، في كتاب "مسالك الأبصار"، فقال بعد ذِكْر نسبه: حُجَّة المذاهب، مفتي الفِرَق، قُدوة الحفَّاظ، آخر المجتهدين، قاضي القضاة، تقي الدين أبو الحسن، صاحب التصانيف، التقيُّ البَرُّ، العليُّ القَدْر. سَمِيُّ عليٍّ كَرَّم الله وجهه، الذي هو باب العلم، ولا غَرْوَ أنْ كان هذا المدخَل إلى ذلك الباب، والمستخرِج مِن دقيق ذلك الفضلِ هذا اللُّباب، والمُسْتَمِير من تلك المدينة التي ذلك البابُ بابُها، والواقف عليها من سَمِيِّه، فذاك بابها، وهذا بَوَّابُها (١). وبحرٌ لا يُعرف _________ (١) حديث: "أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها" أخرجه الحاكم في المناقب في مستدركه ٣/ ١٢٧، والطبراني في معجمه الكبير، عن مجاهد عن ابن عباس ﵃ مرفوعًا، وحَسَّن السخاوي ﵀ حديث ابن عباس ﵄. انظر: المقاصد الحسنة ص ٩٧ - ٩٨، قال ابن عراق الكناني ﵀ في "تنزيه الشريعة". "وسئل الحافظ ابن حجر عن هذا الحديث في فتيا، فكتب عليها هذا الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه، وخالف أبو الفرج بن الجوزي فذكره في الموضوعات، والصواب خلاف قولهما معًا، وأن الحديث من قسم الحسن، لا يرتقي إلى الصحة، ولا ينحط إلى الكذب، وبيان ذلك يستدعي طولًا، ولكن =
следующие страницы →