← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

على أمور متعددة. وقد أهمل صاحب الكتاب ذكر الاستعمال؛ لأن الحقيقة والمجاز مشتركان في افتقارهما إليه (١). والثاني: أن الحقيقة لا تُخِلُّ بالفهم، وذلك ظاهر، والمجاز يُخِلُّ بالفهم؛ فيكون مرجوحًا. والدليل على أنه يُخِلُّ بالفهم وَجهان: أحدهما: أن اللفظ إذا تجرد عن القرينة فلا جائز أن يُحْمل على المجاز لعدم القرينة، ولا على الحقيقة وإلا لزم الترجيح بدون مرجِّح؛ إذِ الحقيقة والمجاز متساويان على هذا التقدير (٢). والثاني: أن الحمل على المجاز يتوقف على قرينة تدل على أنه المراد، وقد تَخْفى هذه القرينة على السامع، فَيَحْمِل اللفظَ على المعنى الحقيقي مع

стр. 1157

إرادة المجاز، أو يَخْتَبِط (١) عليه الحال فَيَحْمِل على المجاز (٢) الذي ليس بمراد (٣). قال: (فإنْ غلب كالطلاق تساويا، والأَوْلى الحقيقة عند أبي حنيفة، والمجاز عند أبي يوسف رحمهما الله تعالى). ما تقدم من رجحان الحقيقة على المجاز إنما هو فيما إذا لم (٤) تُعارِض أصالة الحقيقة (٥) غلبةُ المجاز، أما إذا غلب المجازُ في الاستعمال فقال أبو حنيفة: الحقيقة أولى؛ لأن الحقيقة بحسب الأصل راجحة، وكونها مرجوحة أمر عارض لا عبرة به. وقال أبو يوسف (٦): المجاز أولى؛ لكونه راجحًا في الحال.

стр. 1158

ومن الناس مَنْ قال: يحصل التعارض؛ لأن كل واحد راجح على الآخر من وجه فيتعادلان، ولا يُحمل على أحدهما إلا بالنية. وهذا ما اختاره المصنف. قال الهندي: "وعُزِي ذلك إلى الشافعي" (١). وقد مَثَّل المصنف لذلك بالطلاق، فإنه حقيقةٌ في: إزالة القيد (٢)، سواء كان عن نكاح أم ملك يمين أم غيرهما (٣). وخَصَّه العُرْف بإزالة قيد النكاح (٤)، ولذلك كان كناية في باب العتق محتاجًا إلى النية بخلاف الطلاق (٥). هذا كلام المصنف، وهو فيما اختاره في (٦) هذه المسألة وفيما مثَّل به متابعٌ للإمام في كتاب "المعالم" فإنه كذلك فَعَلَ (٧)، ثم أَوْرَد على ما ذكر في الطلاق: بأنه يلزم أن لا يُصْرف إلى المجاز الراجح (٨) إلا بالنية، وليس كذلك، بدليل أنه لو قال لزوجته: أنت طالق -

стр. 1159

طلقت من غير نية (١). وأجاب: بأن هذا غير لازم؛ لأنه إذا قال لمنكوحته: أنت طالق، فإنْ عَنِيَ بهذا اللفظ الحقيقة المرجوحة: وهو إزالة مطلق القيد - وجب أن يزول مُسَمَّى القيد، وإذا زال هذا المسمى (٢) فقد زال القيد المخصوص. وإنْ عَنِيَ به المجاز الراجح فقد زال قيد النكاح، فلما كان يفيد الزوال على التقديرين استغنى عن النية. هذا كلام الإمام في "المعالم" (٣). وقد اعترض عليه ابن التِّلِمْساني: بأن السؤال لازم؛ إذِ الكلام مفروض فيما إذا ذَكَره ولم يَنْوِ شيئًا، ولا خلاف أنه يحمل على الطلاق، فقوله: إنْ نوى وإنْ نوى - حَيْدٌ عن السؤال (٤) (٥). ولك أن تعترض على الإمام أيضًا: بأنا لا نسلم أنه إنْ عَنِي بذلك الحقيقة المرجوحة يجب زوال مسمى القيد حتى يلزم زوال القيد المخصوص، وإنما يجب ذلك أنْ لو كان المُطْلَق في سياق الإثبات للعموم

стр. 1160

الشمولي، وإنما هو عموم بدلي (١)، فإذا عَنِيَ الحقيقة المرجوحة فإنما أراد حصول مطلق الحقيقة، وهي أعم من القيد المخصوص، فلا تُحْمَل عليه إلا بدليل. واعلم أن التمثيل بالطلاق مِنْ أصله فيه نظر متوقفٌ على تحرير محل النزع في المسألة، وهو مهم، وقد حرره المتأخرون من كتب الحنفية فإن المرجع في المسألة إليهم، فنقول: قالت الحنفية: المجاز أقسام: الأول: أن يكون مرجوحًا. والثاني: أن يساوي الحقيقة في الاستعمال. فلا ريب في تقديم الحقيقة في هذين القسمين، ولا خلاف بين أبي حنيفة وأبي يوسف في ذلك، وإنْ حصل وَهَم (٢) مِنْ بعض المصنفين في نقل الخلاف عنهما في القسم الثاني فلا يُعْبأ به. والثالث: أن تُهْجر الحقيقة بالكلية بحيث لا تراد في العُرْف، فقد اتفقا على تقديم المجاز. مثل: مَن حلف لا يأكل من هذه النخلة - فإنه يحنث بثمرها لا بخشبها، وإن كان هو (٣) الحقيقة؛ لأن المجاز حينئذ إما حقيقة شرعية كالصلاة، أو عرفية كالدابة (٤).

стр. 1161

(وإذا عرفت) (١) هذا فنقول: لا يستقيم التمثيل بالطلاق؛ لأنه صار حقيقةً عرفيةً أو شرعية عامة في حَلِّ قيد النكاح، وهاتان الحقيقتان مُقَدَّمتان (٢) على الحقيقة اللغوية. الرابع: أن يكون المجاز راجحًا، والحقيقة تُتَعاهد في بعض الأوقات، نحو: والله لأشربن من هذا النهر. فإنَّ شُرْبه منه حقيقة في كَرْعه (٣) من النهر بفيه، وإذا اغترف من (٤) الكوز فشرب (٥) فهو مجاز، إذ شُرْبه إنما هو من الكوز لا من النهر، وإنما المجاز هنا راجح متبادِر إلى الفهم، وقد تراد الحقيقة فإن كثيرًا من الناس يَكْرع بفيه. فهذا هو محل النزاع (٦). خاتمة: قد علمت أن الأصل في الإطلاق الحقيقة، وقد يصرف اللفظ من حقيقته إلى مجازه لقرينة، في مثل ما لو قال: رهنتُ الخريطة (٧). ولم يتعرض

стр. 1162

لما فيها، والخريطة لا يُقصد رهنها في مثل هذا الدَّيْن، فهل يُجْعل رهنًا لما في الخريطة وإنْ كان مجازًا؛ للقرينة الحالية (١)؟ فيه وجهان (٢): قال: (السادسة: يُعدل إلى المجاز لثِقَل لفظ الحقيقة: كالخنفقيق، أو حقارة معناه: كقضاء الحاجة، أو لبلاغة لفظ المجاز، أو (عظمةِ معناه) (٣): كالمجلس العالي (٤)، أو زيادة بيان: كالأسد). هذه المسألة في السبب الداعي إلى التكلم بالمجاز، وهو وجوه:

стр. 1163

أحدها: أن لا يكون للمعنى الذي عَبَّر عنه بالمجاز لفظ حقيقي (١) (٢). وثانيها: أن لا يعرف المتكلِّم أو المخاطَبُ لفظَه الحقيقي. وثالثها: أنه (٣) قد يكون معلومًا لغيرِ المتخاطبَيْن كما هو (٤) معلوم لهما، والمجاز قد لا يكون معلومًا لغيرهما، فَيُعبَّر عنه لئلا يطلع غيرُهما على ذلك المعنى. ورابعها: أن الإخفاء وإنْ كان غير مطلوب له، لكن قد يثقل لفظ الحقيقة على اللسان، سواء أكان (٥) ذلك لمفردات حروفه، أو لتنافر تركيبٍ، أو لثقل وزنه. وقد ذَكَر في الكتاب من أمثلة هذا القسم "الخَنْفَقيق" بفتح الخاء المعجمة، وإسكان النون، وفتح الفاء بعدها، وكسر

стр. 1164

القاف، بعدها ياء آخر الحروف، ثم قاف: وهو الداهية (١). فلما كان هذا (٢) اللفظ أعني: الخنفقيق ثقيلًا على اللسان؛ لاجتماع هذه الأمور الثلاثة فيه أعني: ثقل الحروف (٣)، والوزن (٤)، وتنافر التركيب - حَسُن العدول عنه إلى المجاز، بأن نقول: وقع فلان في موت، وما أشبهه (٥). فإن قلت: إذا كان موضع الخنفقيق في اللغة الداهية (٦) - فلا يحسن العدول عنه (٧) إلى المجاز، مع وجود هذه اللفظة (٨) التي ليس فيها شيء من الأشياء الثلاثة. قلت: لعل المجاز هو العدول إلى الداهية (٩). فإن قلت: هذا ينفيه قولُ الجوهري وهو ما ذكرتموه: إن الخنفقيق هو الداهية. والداهية: ما يصيب الإنسان من نَوْب الدهر (١٠)؛ فإن مقتضى هذا

стр. 1165

أن يكون كل واحد من لفظي "الخنفقيق" و"الداهية" دالًا على النائبة (١). قلت: لمعنى الداهية لفظان: أحدهما: يدل عليها بالحقيقة وهو "الخنفقيق". والثاني: بالمجاز وهو "الداهية"، ولعل قول الجوهري: "الخنفقيق: الداهية" معناه: أن الخنفقيق هو المعنى الذي يطلق عليه "الداهية" بطريق المجاز. وخامسها: أن يستحقر لفظ الحقيقة عن أن يُتَلفظ به لحقارة معناه كما يعبر بالغائط عن الخِراءة (٢). وسادسها: أنه قد لا يصح لفظ الحقيقة للسجع والتجنيس وسائر أصناف البديع (٣)، أو لإقامة الوزن والقافية، بخلاف لفظ المجاز، وهذا مراد المصنف بقوله: "لبلاغة لفظ المجاز". وسابعها: أن التعبير بالمجاز قد يكون أدخل (في التعظيم) (٤) وأبلغ في

стр. 1166

المعنى: كالمجلس العالي، والجناب الشريف، وما أشبه هذه الألفاظ؛ فإنها أبلغ من قولك: فلان (١). وثامنها: أن يكون لزيادةِ بيانِ حالِ المذكور، مثل: رأيت أسدًا. فإنه أبلغ في الدلالة على الشجاعة لمَنْ حكمتَ عليه بها من قولك: رأيت إنسانًا كالأسد شجاعةً. وتاسعها: أن المجاز قد يكون أدخل في التحقير. وعاشرها: أن يكون المجاز أعرف من الحقيقة. ولم يذكر في الكتاب من هذه الوجوه غير الرابع، والخامس، والسادس، والسابع، والثامن (٢). قال: (السابعة: اللفظ قد لا يكون حقيقة ولا مجازًا: كما في الوضع الأول، والأعلام، وقد يكون حقيقة ومجازًا باصطلاحين: كالدابة). اللفظ قد لا يكون حقيقةً ولا مجازًا لغويًا، وقد يكون حقيقةً ومجازًا. أما الأول: فمنه اللفظ في أول الوضع قبل استعماله فيما وُضِع له أو في غيره (٣)، ليس بحقيقة ولا مجاز؛ لأن شرط تحقق كل واحدٍ من الحقيقة

стр. 1167

والمجاز الاستعمال كما تقدم في تعريفهما، فحيث انتفى الاستعمال انتفيا. ومنه الأعلام المتجددة بالنسبة إلى مسمياتها (١): فإنها أيضًا ليست (٢) بحقيقة؛ لأن مُسْتَعملها لم يستعملها فيما وضعت له (أوَّلًا، بل) (٣) إما أنه اخترعها من غير سبقِ وَضْعٍ كما في الأعلام المرتجلة (٤)، أو نقلها عما وضعت له كالمنقولة (٥)، وليست. . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1168

بمجاز (١)؛ لأنها لم تنقل لعلاقة، كما مر في المسألة الرابعة. وقد ظهر أن المراد بالأعلام هنا (٢): الأعلام المتجددة، دون الموضوعة بوضع أهل اللغة؛ فإنها حقائق لغوية لأسماء الأجناس (٣)، وعلى هذا لا فرق في ذلك بين الأعلام المنقولة والمرتجلة (٤) على خلاف ما ظن الجاربردي شارح الكتاب حيث قال: "الذي يدور في خلدي أن المراد الأعلام المنقولة" (٥). وأما الثاني: وهو أن اللفظ قد يكون حقيقة ومجازًا فذلك بالنسبة إلى معنى (واحد باعتبار اصطلاحين؛ لأن اللفظ الموضوع للمعنى العام "كالدابة الموضوعة) (٦) لكل ما دَبَّ على الأرض" إذا خصه العرف العام أو الشرع ببعض أنواعه - كان ذلك اللفظ بالنسبة إلى ذلك المعنى العام حقيقة لغوية، ومجازًا عرفيًا أو شرعيًا (٧)، وبالنسبة إلى ذلك النوع بالعكس (٨)، ومِنْ هذا يُعْرف أن الحقيقة قد تصير مجازًا وبالعكس.

стр. 1169

وأما بالنسبة إلى معنى واحد باعتبار واحدٍ (١) فذلك (٢) ممتنع؛ (لاستحالة النفي والإثبات) (٣) (٤). قال: (الثامنة: علامة الحقيقة سبق الفهم، والعراء عن القرينة) . اعلم أن الفرق بين الحقيقة والمجاز إما أن يقع بالتنصيص، أو الاستدلال. أما التنصيص فمن وجهين: أحدهما: أن يقول الواضع: هذا حقيقة، وذاك مجاز. أو تقول ذلك أئمة اللغة. قال الهندي: "لأن (٥) الظاهر أنهم لم يقولوا ذلك إلا عن ثقة (٦) " (٧). والثاني: أن يقول الواضع: هذا حقيقة، أو هذا مجاز. فيثبت (٨) بهذا أحدُهما، وهو ما نص عليه (٩).

стр. 1170

وزاد الإمام ثالثًا: وهو أن يذكروا خواصهما (١). وفيه نظر؛ فإنه يندرج في قسم الاستدلال، ولا يعد من التنصيص. وأما الاستدلال: فبالعلامات. وهذا القسم هو الذي ذَكَره المصنف، وذكر فيه لكل من الحقيقة والمجاز علامتين: العلامة الأولى: من علامتي الحقيقة: تبادر الذهن إلى فهم المعنى من غير قرينة. فإن قلت: ما ذكرتم منقوض طردًا وعكسًا (٢): أما الطرد؛ فلأن المجاز

стр. 1171

المنقول والمجاز الراجح مما يتبادر معنى كل منهما المجازي من غير قرينة دون حقيقتيهما (١). وأما العكس؛ فلأن المشترك حقيقةٌ في مدلولاته مع عدم تبادر شيء منها إلى (٢) الفهم (٣). قلت: أما المنقول فغير وارد؛ لأن المنقول إليه إنما يَتَبادر لأنه حقيقة فيه (٤)، وكونه مجازًا فيه أيضًا (٥) لا ينافي كونه حقيقة فيه، لما عرفت من أن اللفظ الواحد قد يكون حقيقة ومجازًا (٦). وأما عدم تبادر الحقيقة الأصلية (٧)؛ فلصيرورتها الآن مجازًا عرفيًا. وأما المجاز الراجح فقال صفي الدين الهندي: "هو نادر، والتبادر في الأغلب يختص بالحقيقة، وتخلف المدلولِ عن (٨) الدليل الظني لا يقدح فيه، ألا ترى أن الغيم الرَّطْب في الشتاء دليل وجود المطر وتخلفه في بعض الأوقات لا يقدح في كونه دليلًا عليه، لا سيما في المباحث اللغوية

стр. 1172

والأمارات الإعرابية" (١) (٢). وأما اللفظ المشترك فأحسن ما يجاب به عنه: أن التعريف بالعلامة لا يُشترط فيه الانعكاس (٣). والعلامة الثانية: العَرَاء عن القرينة، يعني: أنا إذا سمعنا أهل اللغة يعبِّرون عن معنى واحد بعبارتين، ويستعملون إحداهما بقرينةٍ دون الأخرى، فنعرف أن اللفظ حقيقة في المستعملة بدون (٤) القرينة؛ لأنه لولا استقرار أنفسهم على تَعَيُّن ذلك اللفظ لذلك المعنى بالوضع - لم يقتصروا عليه عادة. قال: (وعلامة المجاز الإطلاق على المستحيل، مثل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٥)، والإعمال في المنسي كالدابة للحمار). العلامة الأولى: من علامتي المجاز: إطلاق اللفظ على ما يستحيل تعلقه به؛ إذ الاستحالة تقتضي أنه غير موضوع له، فيكون مجازًا. ومَثَّل في الكتاب له بقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ أي (٦): لأنه لما عُلِم امتناع سؤال الأبنية المجتمعة المسماة "بالقرية" عُلِم أنه مجاز، والتقدير: واسأل أهل القرية، وفي هذا المثال من النظر ما قدمته.

стр. 1173

العلامة الثانية: أن يستعمل اللفظ في المعنى المنسي، بأن يكون موضوعًا لمعنى له أفراد، فَيَتْرك أهلُ العرف استعماله في بعض تلك الأفراد بحيث يصير ذلك البعض منسيًا، ثم يُستعمل اللفظ في ذلك المعنى المنسي، فيكون ذلك (١) مجازًا عرفيًا. مثال ذلك: لفظ "الدابة" فإنه موضوع لكل ما يَدِب على الأرض، فيترك (أهل بعض) (٢) البلدان استعمالها في الحمار بحيث نُسِي، فإطلاقها عليه عندهم مجاز. واعلم أن إطلاقها على غير المنسي مجاز لغوي؛ لأن قصرها على الحمار ببلاد مصر، وعلى الفَرَس بالعراق - وَضْع على غير الوضع الأول، كذا ذكروه. وقد يقال: إِن استعملها المتكلم ملاحظًا للوضع الأول كان حقيقةً وإلا مجازًا، فالوضع الثاني لا يُخْرِج الأول عما وضع له (٣) (٤).

стр. 1174

الفصل السابع: تعارض ما يخل بالفهم

стр. 1175

قال: (الفصل السابع: في تعارض ما يخل بالفهم . وهو الاشتراك، والنقل، والمجاز، والإضمار، والتخصيص. وذلك على عشرة أوجه): الأحوال اللفظية المخلة بالإفهام: الاشتراك، والنقل، والمجاز، والإضمار، والتخصيص. واعلم أن التعارض بين هذه الاحتمالات الخمسة يقع على عشرة أوجه ، فقد اشتمل كلامنا هذا على دعاوٍ: الأولى: أن هذه الخَمسة مُخِلَّةٌ بالإفهام. وبيان ذلك: أنه على تقدير الاشتراك يحتمل أن يكون المراد غير ما يُعَيِّنه (١)؛ وعلى تقدير النقل يحتمل أن يكون المراد المنقول عنه، وعلى تقدير المجاز يحتمل أن يكون المراد الحقيقة، وكذلك على تقدير الإضمار والتخصيص (٢). والثانية: أنه لا يُخل بالفهم من الألفاظ سواها. وبيانها: حصر المخلات في هذه الأقسام بالدوران، وذلك بأن يقال: كلما حصل (٣) أحد هذه الخمسة حَصَل الإخلال لما ذكرناه، وكلما انتفت الخمسة انتفى الإخلال, لأن مع زوال الاشتراك والنقل يكون اللفظ حقيقةً واحدة، ومع انتفاء المجاز والإضمار يكون المراد تلك الحقيقة، ومع زوال

стр. 1176

التخصيص يكون المراد كلها (١). هذه طريقة تدلك على الحصر (٢) ولك على ذلك طريقة أخرى وهي (٣) الترديد الدائر بين النفي والإثبات، وذلك بأن تقول: إذا لم يَتَعَيَّن المعنى من اللفظ فلا (٤) يخلو إما أن يكون لاحتمال معنى آخر داخل في مفهوم اللفظ، أو خارج عنه: إن كان الأول: فهو احتمال التخصيص. وإنْ كان الثاني: فإما أن يكون لاحتمال حقيقة أخرى أوْ لا: والأول: إنْ كان مسبوقًا بوضع آخر فهو احتمال النقل (٥)، وإلا فاحتمال الاشتراك. والثاني: إنْ كان (٦) المصير إليه (٧) لضرورة لفظية (٨) فهو احتمال الإضمار، وإلا فاحتمال المجاز.

стр. 1177

والثالثة: أن التعارض بينها (١) يقع (٢) على عشرة أوجه. وبيانها: أنه (٣) إنما يقع التعارض بين الاشتراك وبين الأربعة الباقية، ثم بين النقل وبين الثلاثة الباقية، ثم بين المجاز وبين الوجهين الباقيين، ثم بين الإضمار والتخصيص (٤)، فكان المجموع عشرة (٥). واعلم أن هذه الدعاوى غير محررة، والاعتراض عليها من وجوه: أحدها: أنه إن (٦) أُريد أنه إذا انتفت الخمسة حَصَل الظن بالمدلول لا الجزم - فليس بصحيح فإن الظن حاصلٌ مع الاحتمالات. وإنْ أُريد أن الخمسة تُخل بالجزم بالمدلول لا بظنه - فنقول: لا يلزم من انتفاء الخمسة انتفاء الاحتمال وحصول الجزم، كيف وقد ذكر الإمام أن الأدلة السمعية لا تفيد اليقين إلا بنفي عشرة احتمالات! فذكر هذه الخمسة مع التقديم، والتأخير، والناسخ، والمعارض العقلي، وتغير

стр. 1178

الإعراب (١). ومعلوم أن هذه العشرة إنما تخل باليقين لا بالظن، فكان حقه أن يَذْكُرَ ها هنا العشرةَ بعينها، فالحصر في الخمسة باطل. فإن قلت: لعل المراد أن انتفاء الخمسة يُحَصِّل غلبة الظن، وتلك رتبة متوسطة بين اليقين وأصل الظن. قلت: هذه الغلبة لا ضابط لها، وغلبة الظن لا تَخْرُج عن باب الظن، فإن الظنون تتفاوت وهي مشتركة في مَشْرَع (٢) واحد. والثاني: أنَّ ما ذَكَر مِنْ أنه إذا انتفى المجاز والإضمار بقي اللفظ مستعملًا فيما وضع له (٣) (مفهومُه أنه إذا وجد أحدهما لا يكون اللفظ مستعملًا فيما وضع له) (٤)، وليس كذلك؛ لأن الإضمار على قسمين: أحدهما: ما يوجِب مجازًا في اللفظ مثل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٥)، فإن إضمار "الأهل" هو الذي صَيَّر إسناد السؤال في الظاهر إلى القرية مجازًا. الثاني: وهو (٦) ما لا يوجب مجازًا في اللفظ، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا

стр. 1179

الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (١) الآية، فإذا أضمرنا فيها: "مُحْدِثين" لا يتجدد في اللفظ مجاز. وكذلك قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٢) فإذا أضمرنا: "فأفطرتم" لا يتجدد في اللفظ مجاز. الثالث: أن الكلام في هذه المحتَمِلات إنْ كان في مُطْلَقَاتها وأجناسها، دون أنواعها وأشخاصها - فلا ينبغي أن يُذْكر الإضمار ولا التخصيص؛ لأنهما نوعان للمجاز، فيندرجان تحت مُطَلَقِه كما اندرجت أنواع النقل تحت مطلقه. وعلى هذا تكون الاحتمالات المخلة ثلاثة فقط. وإنْ كان الكلام في أنواعها دون مطلقاتها وأجناسها - فلا ينحصر في خمسة؛ لأن أنواع المجاز متعددة كما سبق، وقد ذَكَر فيما تقدم اثني عشر نوعًا، وأنواع النقل ثلاثة فهذه خمسة عشر في (٣) اثنين منها (٤)، فَعُلم أن الحصر في الخمسة فاسد. الرابع: أنَّ مِنْ (٥) جملة الاحتمالات المخلة بالفهم النَّسْخ؛ لأن السامع إذا جَوَّز على حكم اللفظ أنه منسوخ لم يجزم بثبوته. ولم يَذْكره (٦) مع الخمسة، والإمام ذكره بعد ذلك، وزعم أنه مندرج في

стр. 1180

التخصيص (١)، فلذلك لم يُفرده بالذكر، وتبعه المصنف في ذلك. وهذا لا يستقيم لا على أصله (٢)، ولا على الحق في نفس الأمر، فإن أصله أن صيغة الأمر للقدر المشترك بين المرة والتكرار، فلا عموم في الأزمان (فلا نسخ) (٣) (٤). وأما على الحق في نفس الأمر؛ فلأنا إذا سبرنا الأوامر لا نجدها تقتضي بصيغتها فعل المأمور أبدًا، فكان الأحسن أن يعد النسخ (٥). وقد نظم بعضهم بيتين في هذه الأقسام وذكر النسخ فقال: تَجَوُّزٌ ثم إضمارٌ وبَعْدَهما ... نَقْلٌ تلاه اشتراكٌ فهو يَخْلُفُهُ وأرجح الكلِّ تخصيصٌ وآخِرُهم (٦) ... نَسْخٌ فما بَعْدَه قِسْم يُخَلَّفُهُ قال: (الأول: النقل أولى من الاشتراك لإفراده في

стр. 1181

الحالتين (١) كالزكاة). شرع في ذكر الوجوه العشرة على الترتيب المذكور، فنقول: النقل أولى من الاشتراك: لأن المنقولَ مدلوله مفرد في الحالتين، أي: قبل النقل وبعده. أما قبل النقل؛ فلأن مدلولَه المنقولُ عنه: وهو اللغوي. وأما بعده؛ فلأن مدلُولَه المنقول إليه: وهو الشرعي، أو العرفي. وإذا كان مدلوله مفردًا لم يمتنع (٢) العمل به. وأما المشترك فمدلوله متعدد في كل وقت، فيكون كالمجمل لا يعمل به إلا بقرينة، اللهم إلا أن يقال بحمله (٣) على معنييه، وما لا يمتنع العمل به (٤) أولى من عكسه (٥). مثال ذلك: لفظ "الزكاة" فإنه يحتمل أن يكون مشتركًا بين النماء والقدر المُخْرَج من النصاب، وأن يكون موضوعًا للنماء فقط (٦). ثم نقله الشرع إلى القدر المخرج من النصاب، فإذا تعارضا فالنقل أولى لما ذكرناه.

стр. 1182

ومن أمثلته: أن يقول الشافعي: الفاتحة ركن في الصلاة؛ لقوله ﷺ : "كل صلاة لم يُقرأ فيها بأم القرآن فهي خِدَاج" (١) (٢)، ولفظ الصلاة في عرف الشرع منقول إلى (٣) العبادة المخصوصة، فوجب أن تكون الفاتحة ركنًا. فيقول الحنفي: مذهب القاضي أن الشرع لم ينقل شيئًا من الألفاظ، بل الصلاة مشتركة بين الدعاء وبين التابعة، ومشه سُمِّي الثاني في حَلْبة السِّبَاق مُصَلِّيًا؛ لكونه تابعًا لِصَلَوَي (٤) الذي قبله. وسميت هذه العبادة صلاة لما فيها من المتابعة للأئمة غالبًا. وإذا كانت مشتركة كانت

стр. 1183

مجملة (١)، فيسقط (٢) الاستدلال بها حتى يُبَيِّن الخصمُ رجحان اللفظ في أحدهما. فنقول: جَعْلُها منقولةً إلى العبادة المخصوصة أولى من الاشتراك لِمَا تقرر. ومنها: أن يقول الشافعي: الكلب نجس لقوله ﷺ : "طُهُور إناء أحدكم إذا وَلَغ فيه الكلب أن يغسله سبعًا" (٣) والطهارة في عرف الشرع منقولة إلى: إزالة الحدث والخبث (٤)، ولا حدث فيتعين (٥) الخبث.

стр. 1184

فيقول المالكي: لفظ الطهارة مشترك في اللغة بين إزالة الأقذار وبين الغَسْل على وجه التقرب إلى الله تعالى؛ لأنه مستعمل فيهما حقيقةً إجماعًا، والأصل عدم التغيير، والتقرب إلى الله تعالى كان معلومًا لهم لقوله تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (١)، والمشترك مجمل فيسقط الاستدلال به حتى يُبَيِّن الخصم الرجحان. فنقول: جَعْلُه منقولًا إلى العبادة المخصوصة أولى من الاشتراك لما مر. قال: (الثاني: المجاز خير منه ؛ لكثرته، وإعمالِ اللفظ مع القرينة ودونَها كذلك). المجاز أولى من الاشتراك؛ لوجهين: أحدهما: أنه أكثر في اللغة، والأكثرية دليلُ الرجحان. والثاني: أنه على تقدير المجاز إنْ كان اللفظ مع القرينة وجب حمله على المجاز، وإنْ كان مجردًا عنها وجب حمله على الحقيقة، فهو معمول به على التقديرين، بخلاف الاشتراك فإن اللفظ المشترك إذا تجرد عن القرينة وجب التوقف على المختار عندهم، وإنْ عُمل به عند البعض احتياطًا فليس العمل للاحتياط كالعمل مع التحقق (٢). ومن أمثلة الفصل (٣) قولنا: موطوءة الماب بالزنا يحل للابن نكاحها؛ لقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٤) وهذه طابت للابن.

стр. 1185

فإن قلت: هذا معارض بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (١) والنكاح حقيقة في الوطء. قلت: بل هو حقيقة في العقد؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (٢) وغيرها من الآيات، وإذا كان حقيقة في العقد لا يكون حقيقة في الوطء وإلا يلزم الاشتراك. فإن قلت: لولا ذلك لزم المجاز (٣). قلت: المجاز خير من الاشتراك؛ لما ذكرناه. ومنها: قولنا: لا يجوز التوضؤ بالنبيذ؛ لأن الله تعالى نَصَّ على سببية الماء، فوجب حصر السبب فيه عملًا بالأصل النافي لسببية غيره. وإنما قلنا: إن الله تعالى نَصَّ على سببية الماء؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (٤) والطَّهُور: هو الذي يُتطهر به، كالحَنُوط والسَّعُوط: الذي يُتَحَنَّط به (٥)، ويُتَسَعَّط به (٦).

стр. 1186

فيقول الحنفي: الأصل في فَعُول أن يكون تابعًا لفاعلٍ في القَصْر والتعدية (١)، وطاهر (٢) قاصِرٌ فطهورٌ مثله، فلو كان ههنا للذي يُتَطهر به للزم (٣) الاشتراك (على ما نقوله) (٤) (٥)، وعلى ما يقوله تكون صيغته هنا مجازًا، فإنه لا تكرار في طاهرية ماء (٦) السماء، والمجاز أولى من الاشتراك لما مر (٧).

стр. 1187

فنقول هذا الترجيح مدفوع بقوله تعالى: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ (١) والباء للسببية؛ فيدل على أن المراد: الذي يُفعل به التطهير (٢). قال: (الثالث: الإضمار خيرٌ منه ؛ لأن احتياجه إلى القرينة في صورةٍ واحتياج الاشتراك إليها في صورتين). الإضمار أولى من الاشتراك: لأنه لا يحتاج إلى القرينة إلا في صورة واحدة: وهي صورة إرادة المعنى الإضماري، بخلاف المشترك فإنه مُفْتَقِر إلى القرينة في جميع صُوَرِه؛ إذ ليس البعض فيه أولى من البعض. وفي بعض نسخ الكتاب بعد قوله: "في صورتين" مثل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٣). أي: أن لفظ "القرية" يحتمل أن يكون مَقُولًا بالاشتراك على الأهل والأبنية، ويحتمل أن يكون حقيقةً في الأبنية فقط، والأهل مضمر.

стр. 1188

فيقول المناظر: الإضمار أولى؛ لما قلناه. ومن أمثلته: قولنا: لا يجوز للأب أن يتزوج بجارية ابنه؛ لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ (١) وجارية الابن حليلة له (٢)؛ لأن الحليلة فعيلة من الحِلِّ: وهي المرأة التي يَحِل وطؤها، (فحليلة الابن: المرأة التي يَحِل له وطؤها) (٣) والجارية المملوكة للابن كذلك فتكون حليلة له، وإذا كانت حليلةً للابن اندرجت تحت الآية؛ فتكون محرمة على الأب (٤). فيقول الحنفي: حليلة الرجل: هي المرأة التي تحل له بالنكاح، وهي الزوجة (٥). ودليله النقل، قال الجوهري: "الحليلة الزوجة" (٦). فنقول: لا نسلم أن إطلاق الحليلة على الزوجة بطريق الحقيقة. فإن قلت: الأصل في الإطلاق الحقيقة. قلت: نعم لكن لو جعلناه حقيقة فيما ذكرتم - فإما أن يكون حقيقة فيما ذكرنا أيضًا، أو مجازًا فيه. والثاني (٧) باطل؛ لأنه يلزم منه ترجيح

стр. 1189

الاستعمال في دلالته على الحقيقة على الاشتقاق في دلالته عليها (١)؛ وذلك لأن الظاهر أن الجوهري إنما أخذ أن الحليلة: هي الزوجة - من استعمال العرب، والاستعمال أعم مِنْ أن يكون على سبيل الحقيقة أو المجاز. ونحن دللنا باشتقاق لفظ "الحليلة" المُقْتَضِي لما هو أعم من الزوجة، فليكن (٢) أرجح لبعد الخطأ فيه. والأول (٣) أيضًا باطل؛ لأنه يلزم منه الاشتراك. فإن قلت: لو لم يكن مشتركًا، بل كان حقيقة فيما ذكرتم (٤) مجازًا فيما ذكرنا (٥) - لزم الإضمار؛ لأن جارية الابن لا تحرم على الأب على التأبيد بالإجماع، بل ما دامت مملوكة، والآية إنما سيقت لبيان المحرمات على التأبيد، فلا بد من إضمار ما يصح به تحريم جارية الابن لا على التأبيد؛ لجواز أن يقال: وحلائل أبنائكم بالنكاح، وبملك اليمين ما دامت حليلتهم (٦). والإضمار أيضًا خلاف الأصل، فوقع التعارض بين الاشتراك

стр. 1190

والإضمار. قلت: الإضمار أولى. ومنها: قولنا (١): الفاتحة واجبة في صلاة الجنازة، لقوله ﷺ : "كل صلاة لم يُقْرأ فيها بأم القرآن فهي خِداج" (٢) وهذه صلاة فوجبت الفاتحة فيها. فإن قال الخصم: لفظ "الصلاة" مفهومٌ مشترك في عُرْف الشرع؛ لإطلاقه على ما لا ركوع فيه ولا سجود كالجنازة، وعلى ما لا تكبير فيه ولا سلام كالطواف، وعلى ما لا قيام فيه كصلاة المريض، وليس بينها قدر مشترك نجعل اللفظ حقيقةً فيه، فيكون مشتركًا مُجْملًا يسقط (٣) الاستدلال به. قلنا: المشترك عندنا يُحمل على جميع مسمياته عند عدم القرينة، فتندرج صلاة الجنازة تحت عمومِه. فإن قلت: وجب جَعْلُ اللفظ غير منقول حذرًا من الاشتراك (٤)، ويكون ههنا (٥) إضمارٌ تقديره: كل صلاة من الصلوات

стр. 1191

الخمس (١) لم يقرأ فيها بأم القرآن. ويكون إطلاق لفظ "الصلاة" على الصلوات الخمس مجازًا لغويًا، والإضمار أولى من الاشتراك. فنقول: هذا الترجيح مدفوع بالقياس على الصلوات الخمس (٢). قال: (الرابع: التخصيص خيرٌ ؛ لأنه خير (٣) من المجاز كما سيأتي، مثل: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ (٤) فإنه مشترك أو مختص بالعقد، وخص عنه الفاسد). التخصيص خير من الاشتراك: لأن التخصيص خير من المجاز (٥)، والمجاز خير من الاشتراك (٦)، ينتج ما ادعيناه (٧). أما الصغرى (فَلِمَا سيأتي) (٨) إن شاء الله تعالى، وأما الكبرى فلما مَرَّ.

стр. 1192

مثاله: أن يقول الحنفي: موطوءة الأب بالزنا محرمةٌ على الابن؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ وهو حقيقة في الوطء. فنقول: بل هو حقيقة في العقد؛ لما قررناه (١)، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (٢)، وإذا ثبت أنه موضوع للعقد فلم يبق إلا أن يكون مشتركًا بين العقد والوطء، أو يكون مختصًا بالعقد وخُصَّ عنه الفاسد، حتى إذا نكح الأب نكاحًا فاسدًا - فللابن أن ينكح تلك الموطوءة بالوطء الفاسد (٣)، والتخصيص أولى من الاشتراك. قال: (الخامس: المجاز خير من النقل ؛ لعدم استلزامه نَسْخ الأول، كالصلاة). المجاز خير من النقل: لأن النقل يستلزم نسخ الأول (٤). مثاله: الصلاة، فإن المعتزلة ادعت أنها منقولة إلى الأفعال الخاصة، وجمهور الأصحاب قالوا: إنها مجازات لغوية اشْتَهَرت. فمذهبهم أولى؛ لأن المجاز أولى من النقل. ومن أمثلته: أن يقول المالكي: يُجْزِي رمضانُ كلُّه بنية واحدة من

стр. 1193

أوَّلِه؛ لقوله ﷺ : "لا صيام لمن لم يُبَيِّت الصيام من الليل" (١)، ووجه (٢)

стр. 1194

الاحتجاج: أن الصيام منقولٌ عن أصل الإمساك إلى الإمساك المخصوص، والمعرَّف بأل يفيد العموم واستغراق الصوم إلى الأبد، ورمضان من جملة ذلك (١) , فيكون مفهوم ذلك: أن مَنْ بيَّت كان له الصوم (٢) , وهذا قد بَيَّت (٣). فيقول الشافعي: لا نسلم أنه (٤) منقول؛ بل مجاز في إمساك جزء مِنَ

стр. 1195

الليل قبل الفجر، ويكون من مجاز التعبير بالأعم عن الأخص؛ فإن الشرع لم يصرح بتبييت النية، وإنما صرح بتبييت الصوم وما ذكرناه مَحْمل صالح له والمجاز أولى من النقل (١). قال: (السادس: الإضمار خير منه ؛ لأنه مثل المجاز، كقوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ فإن الأخذ مضمر، والربا نُقِل إلى العقد). الإضمار أولى من النقل: لأن الإضمار مساوٍ للمجاز لما سيأتي إن شاء الله تعالى، والمجاز أولى من النقل لما مَرَّ. ومثاله (٢): قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٣) فإن الربا: هو الزيادة. والزيادة بعينها (٤) لا توصف بحل ولا حرمة، فلا بد من تأويل، فأضْمَرَت
следующие страницы →