← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

الخمس (١) لم يقرأ فيها بأم القرآن. ويكون إطلاق لفظ "الصلاة" على الصلوات الخمس مجازًا لغويًا، والإضمار أولى من الاشتراك. فنقول: هذا الترجيح مدفوع بالقياس على الصلوات الخمس (٢). قال: (الرابع: التخصيص خيرٌ ؛ لأنه خير (٣) من المجاز كما سيأتي، مثل: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ (٤) فإنه مشترك أو مختص بالعقد، وخص عنه الفاسد). التخصيص خير من الاشتراك: لأن التخصيص خير من المجاز (٥)، والمجاز خير من الاشتراك (٦)، ينتج ما ادعيناه (٧). أما الصغرى (فَلِمَا سيأتي) (٨) إن شاء الله تعالى، وأما الكبرى فلما مَرَّ.

стр. 1192

مثاله: أن يقول الحنفي: موطوءة الأب بالزنا محرمةٌ على الابن؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ وهو حقيقة في الوطء. فنقول: بل هو حقيقة في العقد؛ لما قررناه (١)، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (٢)، وإذا ثبت أنه موضوع للعقد فلم يبق إلا أن يكون مشتركًا بين العقد والوطء، أو يكون مختصًا بالعقد وخُصَّ عنه الفاسد، حتى إذا نكح الأب نكاحًا فاسدًا - فللابن أن ينكح تلك الموطوءة بالوطء الفاسد (٣)، والتخصيص أولى من الاشتراك. قال: (الخامس: المجاز خير من النقل ؛ لعدم استلزامه نَسْخ الأول، كالصلاة). المجاز خير من النقل: لأن النقل يستلزم نسخ الأول (٤). مثاله: الصلاة، فإن المعتزلة ادعت أنها منقولة إلى الأفعال الخاصة، وجمهور الأصحاب قالوا: إنها مجازات لغوية اشْتَهَرت. فمذهبهم أولى؛ لأن المجاز أولى من النقل. ومن أمثلته: أن يقول المالكي: يُجْزِي رمضانُ كلُّه بنية واحدة من

стр. 1193

أوَّلِه؛ لقوله ﷺ : "لا صيام لمن لم يُبَيِّت الصيام من الليل" (١)، ووجه (٢)

стр. 1194

الاحتجاج: أن الصيام منقولٌ عن أصل الإمساك إلى الإمساك المخصوص، والمعرَّف بأل يفيد العموم واستغراق الصوم إلى الأبد، ورمضان من جملة ذلك (١) , فيكون مفهوم ذلك: أن مَنْ بيَّت كان له الصوم (٢) , وهذا قد بَيَّت (٣). فيقول الشافعي: لا نسلم أنه (٤) منقول؛ بل مجاز في إمساك جزء مِنَ

стр. 1195

الليل قبل الفجر، ويكون من مجاز التعبير بالأعم عن الأخص؛ فإن الشرع لم يصرح بتبييت النية، وإنما صرح بتبييت الصوم وما ذكرناه مَحْمل صالح له والمجاز أولى من النقل (١). قال: (السادس: الإضمار خير منه ؛ لأنه مثل المجاز، كقوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ فإن الأخذ مضمر، والربا نُقِل إلى العقد). الإضمار أولى من النقل: لأن الإضمار مساوٍ للمجاز لما سيأتي إن شاء الله تعالى، والمجاز أولى من النقل لما مَرَّ. ومثاله (٢): قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٣) فإن الربا: هو الزيادة. والزيادة بعينها (٤) لا توصف بحل ولا حرمة، فلا بد من تأويل، فأضْمَرَت

стр. 1196

طائفةٌ الأخذ، (وقالت: التقدير: حَرَّم أخذ الربا، فإذا توافق البائع والمشتري على إسقاط الزيادة صح) (١). وقالت طائفة: الربا نُقِل إلى العقد المشتمل على الزيادة (٢)، وذلك لقرينةِ قولِه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٣) فإذن (٤) المنهي عنه نفس العقد سواء اتفقا على حطِّ الزيادة أم لا، فالأول أولى (٥)؛ (لأن الإضمار أولى) (٦) من النقل. قال: (السابع: التخصيص أولى لما تقدم ، مثل: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ فإنه: المبادلة مطلقًا، وخُصَّ الفاسد، أو نُقِل إلى المُسْتَجْمِع لشرائط الصحة). التخصيص أولى من النقل: لأن التخصيص خيرٌ من المجاز لما سيأتي إن شاء الله، والمجاز خَيْرٌ من النقل لما مر، والخيرُ من الخيرِ خيرٌ. مثاله: قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ فمِنْ قائِلٍ: البيع موضوع

стр. 1197

للمبادلة مطلقًا (١)، وخُصَّ عنه الفاسد؛ لكونه غيرَ حلال. ومِن قائل: بل نُقِل إلى المعاوضة المُشْتَمِل على الأركان والشرائط. فالأول أولى؛ لأن التخصيص أولى. ومن أمثلته: أن يقول المالكي: يلزم الظهار من الأمة وأمِّ الولد؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ (٢) الآية، وهما من جملة النساء. فإنْ قال الشافعي: لفظ "النساء" صار منقولًا في العرف للحرائر (٣)، فوجب أن لا يتناول محل النزاع (٤)، ولو لم يكن منقولًا للزم أن يكون مخصوصًا (٥) بذوات المحارم؛ فإنهن من نسائهم ولا يلزمهم فيهن ظهار (٦) - كان للمالكي أن يقول: إذا تعارض النقل والتخصيص فالتخصيص أولى (٧).

стр. 1198

قال: (الثامن: الإضمار مثل المجاز ، لاستوائهما في القرينة. مثل: هذا ابني). الإضمار مثل المجاز: فلا يترجح أحدهما على الآخر إلا بدليل مِنْ خارج، وإنما قلنا: إنهما سِيَّان؛ لاستوائهما في الاحتياج إلى القرينة، واحتمال خفائها. وهذا ما جزم به في الكتاب تبعًا للإمام في "المحصول" (١). وقال الإمام في "المعالم": "يترجح المجاز لكثرته" (٢). وهذا ما اختاره صفي الدين الهندي (٣). وقيل: بالعكس. قوله: "مثل: هذا ابني". اعلم أن هذا المثال لم يذكره الإمام ولا صاحب "الحاصل" (٤)، والذي عندي في تقريره: أن القائل لعبده: هذا ابني، والعبد لا يمكن أن يكون ابنه، إما لكونه مشهور النسب من غيره، أو لكونه أكبر سنًا منه. فهنا (٥) قد انتفت الحقيقة (٦)، وبقي اللفظ دائرًا بين مجازَي الإضمار والمجاز؛ إذ يحتمل أن يكون المراد: مثل ابني في الحُنُو، أو أنه ابني مجازًا لذلك (٧) (٨).

стр. 1199

وأما أنه هل يترتب على هذا عِتْقٌ أو لا يترتب - فليس من وظيفة الأصولي التعرض له، ولا أراده المصنف. وقد حكى الأصحاب وجهين فيما إذا كان مشهور النسب مِنْ غيره واستلحقه (١) هل يعتق؛ لكونه أقر بالبنوة التي لازمها العتق (٢)، فيؤاخذ باللازم وإن لم (٣) يثبت الملزوم؟ ولكن ليس مأخذ الوجهين الإضمار والمجاز، كيف وهو إنما أراد باللفظ حقيقته (٤)، ولكن لم تُسْمع (٥) منه (٦). وكذا لو قال أحد الوارثين: فلانة (٧) بنت أبينا، هل يحكم بعتقها؟ وجهان، وليس مأخذهما مجاز الإضمار والتخصيص، بل شيء غيره (٨). وقد نبهنا على ذلك لئلا يغتر به مُغْتَرٌّ (٩)، وأما ما ذكره الرافعي في

стр. 1200

الركن الأول من الباب الثاني في أركان الطلاق عن فتاوي القَفَّال من أنه لو قال لامرأته: يا بنتي - وقعت الفرقة بينهما عند احتمال السن (١)، كما لو قال لعبده أو أمته (٢). واختار النووي (٣) أنه لا يعتق بمجرد ذلك؛ لأنه يُذكر في العادة للاستيناس والتحنُّن. فهذه المسألة غير المسألة التي نحن فيها، وهي قوله: هذا ابني. والفرق واضح بينهما، وهو ما ذكره النووي (٤) من أن "يا بنتي" تُذكر (٥) في العادة للاستيناس والتحنن، و"هذا ابني" ليس كذلك (٦)، فقد وضح أن مسألة "هذا ابني" على الوجه المذكور (٧) غير معروفة في المذهب فافهم ذلك. ونظيرها ما لو قال: أوصيت لزيد بنصيب ابني. وقد اختلف الأصحاب في أن الوصية هل تبطل أو تُحمل على مثل

стр. 1201

نصيب ابنه (١)؟ ومن أمثلة تعارض المجاز والإضمار أن يقول الشافعي: يجوز قتل الرهبان في الحرب؛ لدخولهم في عموم قوله تعالى: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢) (٣). فإنْ قال المالكي: يلزم على ما ذكرته: أن يكون لفظ "المشرك" مجازًا؛ إذ المشرك مَنْ جَعَل الشريك، وهذا يصدق على شركاء الزرع والعقار، ويكون قد عبر بلفظ "المشرك" عن (٤) الكافر بالشرك تعبيرًا عن الأخص بلفظ الاعم (٥)، بل ينبغي أن يكون في الآية إضمار تقديره: اقتلوا مُحَارِبَة المشركين، صَوْنًا له عن المجاز، ولا تندرج صورة النزاع (٦) حينئذٍ (٧) - كان للشافعي (٨) أن يقول: المجاز أولى، ويتجاذبان أطراف الكلام.

стр. 1202

ومنها: أن يقول الشافعي: النية شرط في الوضوء للصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (١) الآية. وجه التمسك: أنه تعالى أمر بغَسْل الأعضاء المذكورة لأجل الصلاة؛ (لأنه أَمَر بالغسل لأجل إرادة الصلاة؛ لأن المراد من القيام إلى الصلاة إرادة الصلاة) (٢) باتفاق المفسرين (٣)، والأمر بالفعل بشَرْط إرادة فعلٍ آخر - يكون أمرًا بالفعل لأجل الفعل الآخر، كما في قولهم: إذا دخلت على الخليفة فتأدب، أي: لأجل الدخول عليه (٤). ومنه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ (٥) أي: لأجل نجواكم. فَعُلِم أنه أَمَر بغسل الأعضاء لأجل الصلاة وجوبًا، ولا يُعْنى باشتراط النية سوى وجوب غسل الأعضاء الأربعة لأجل الصلاة. (فإن قال الحنفي: لِمَ قلت: إن المراد هنا الوجوب (٦)؟ قلنا: ظاهر الأمر الوجوب) (٧).

стр. 1203

فإن قال (١): نعم، ولكن لو حملناه على الوجوب لزم إضمار الحدث؛ لأن الوضوء لا يجب إلا على المحدِث، ولو حملناه على الندب لم يلزم الإضمار، وإنما يلزم المجاز في لفظ الأمر (٢). قلنا: الإضمار أولى، وهو منقول هنا عن عكرمة وابن مسعود (٣) , ويقع النظر بينهما (٤). ومنها: إذا تحقق الرجل من امرأته النشوز، ولكنه لم يتكرر، ولم يظهر إصرارها عليه - فله مع الوعظ أن يهجرها في المضجع، وفي ضربها وجهان: رجَّح الشيخ أبو حامد والمحاملي أنه لا يجوز، ومال ابن الصباغ والشيخ أبو إسحاق الشيرازي إلى الجواز واختاره النووي (٥) (٦). والمأخذ

стр. 1204

قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ (١). (فمن قال بالأول (٢) قال: في الآية) (٣) إضمار، والمعنى: واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن، فإنْ نشزن (٤) فاهجروهن في المضاجع، فإنْ أصررن فاضربوهن. ومن قال بالثاني (٥) قال: الخوف بمعنى العلم مجازًا، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفً﴾ (٦) أي: عَلِم، فتعارض المجاز والإضمار. قال: (التاسع: التخصيص خير ؛ لأن الباقي متعيِّن، والمجاز ربما لم (٧) يتعيَّن. مثل: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٨) فإن المراد التلفظ، وخُصَّ النسيان أو الذبح).

стр. 1205

التخصيص أولى من المجاز: لأن الباقي من أفراد العام بعد التخصيص متعيِّن؛ بخلاف المجاز فإنه ربما (لا يتعين) (١)؛ لأن اللفظ وضع ليدل على المعنى الحقيقي، فإذا انتفى بقرينة افتقر (٢) صَرْفُ اللفظ إلى المجاز إلى تأمل؛ لاحتمال تعدد المجازات. ولا (٣) يقال: اللفظ لا يصرف عن الحقيقة إلا بقرينة، وتلك القرينة تَهْدي إلى المجاز، فأين التأمل بعد القرينة! ؛ لأنا نقول: قد تجيء القرينة لِصرف (٤) اللفظ عن ظاهره من غير تعرض إلى تبيين (٥) المقصود. مثال تعارض التخصيص والمجاز: قولُ الحنفي: متروك التسمية عَمْدًا لا يَحِلُّ؛ لقوله (٦) تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ أي: ولا تأكلوا مِما لم يُتلفظ عليه باسم الله. وقول الشافعي: المراد بذكر الله تعالى هو الذبح مجازًا؛ لأن الذبح غالبًا لا يخلو عن التسمية، فيكون نهيًا عن أكل غير المذبوح؛ لأنه لولا ذلك وأَوَّلنا كما قلتم - للزم تخصيص اللفظ؛ إذْ سلمتم أن ذبيحة الناسي حلال. فللحنفي أن يقول: التخصيص خيرٌ من المجاز.

стр. 1206

ومن أمثلته أيضًا: أن يقول الشافعي: العمرة فرض؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (١) و (٢) ظاهر الأمر الوجوب. فيقول المالكي: تخصيص النص بالحج والعمرة المشروع فيهما؛ لأن استعمال الإتمام في الابتداء مجاز (٣)، والتخصيص أولى من المجاز وللشافعي بعد هذا أن يقول: هذا الترجيح معارَض بأنهما قد استويا في السياق (٤)، فوجب أن يستويا في الحكم، والحج واجب إجماعًا؛ فيجب الآخر عملًا بالأصل (٥) المُسَوِّي بينهما. قال: (العاشر: التخصيص خير من الإضمار ؛ (لما مر) (٦)، مثل: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾) (٧). التخصيص خيرٌ من الإضمار: لأن التخصيص خير من المجاز لما مر (٨)، والمجاز مساوٍ للإضمار،

стр. 1207

والأَوْلى من المساوي أوْلى. مثاله: قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾، فإنَّ الأئمة اختلفوا فيه فقال منهم قائل: الخطاب عام اختص بالورثة؛ لأنهم إذا اقتصوا حصلت لهم الحياة بدفع شر هذا القاتل الذي صار عدوًا لهم. وقال قائل: بل (١) هو عام، و"المشروعية" مضمرةٌ، أي: ولكم في مشروعية القصاص حياة. وذلك لأن الناس إذا علموا أن القصاص مشروع كان أدعى لاندفاع القتل (فيما بينهم) (٢)؛ لأن مَنْ هَمَّ بالقتل واستحضر أنه يُقْتص منه انكف عن القتل غالبًا. واعلم أن هذا التأويل الثاني هو الصحيح (٣) وإن كان الأول مترجِّحًا من جهة أولوية التخصيص، وكذلك كل (٤) ما أوردناه (في هذا الفصل من الأمثلة) (٥) فإنا غير حاكمين عليه بالترجيح إلا من جهة ما أوردناه له مثالًا، ولا يشترط أن يكون مرجوحًا (٦) من وجه آخر هو أقوى أو مساو،

стр. 1208

و (١) لذلك ذكرنا في بعض الأمثلة أن الترجيح يندفع بالأمر الفلاني تنبيهًا على ما أشرنا إليه الآن. ومن أمثلة هذا الوجه العاشر: أن يقول المالكي: الكلب طاهر؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ (٢) والضمير في ﴿أَمْسَكْنَ﴾ عام في جملة الجوارح، فيندرج فيه الكلب، فيجوز أكل موضع فَمِه عملًا بالظاهر (٣)؛ فيكون طاهرًا. فيقول الشافعي: يلزم على (٤) ما ذكرتموه جواز أكل ما أمسك بعد القدرة عليه من غير ذكاة، وليس كذلك (٥)، فيلزم التخصيص (٦)، بل ههنا إضمارٌ تقديره: كلوا مِنْ حلال ما أمسكن عليكم. وكون موضع فَمِه من الحلال مَحَلَّ النزاع (٧).

стр. 1209

فللمالكي أن يقول: على (١) ما ذكرناه يلزم التخصيص، وعلى ما ذكرتموه يلزم الإضمار، والتخصيص أولى. ومنها: قولنا: لا يصح صوم رمضان إلا بنية الفرض، خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: يصح بمطلق النية وبنية النفل، ونيةِ واجبٍ آخر (٢). لنا: "إنما الأعمال بالنيات" (٣) يقتضي توقف ذاتِ الأعمال على نياتها، كما يقال: إنما الكتابة بالقلم. ويلزم من توقف ذوات الأعمال توقف صحتها؛ لاستحالة وجود الصحة بدون الذات. والمراد بالنيات نيات الأعمال، فاقتضى توقفَ صحةِ كلِ عملٍ على (٤) نيته؛ فيتوقف (٥) الفرض على نية الفرض. فإن قلت: "الكمال" مضمر في الحديث؛ إذ لو لم يُضْمَر لزم التخصيص بالأعمال التي لا تتوقف على النية، كرد الودائع والغصوب (٦).

стр. 1210

قلت: التخصيص أولى. قال: (تنبيه: الاشتراك خير من النسخ؛ لأنه لا يُبْطِل). التخصيص الذي سبق ترجيحه على الاشتراك وغيره - هو التخصيص في الأعيان، لا التخصيص في الأزمان الذي هو النسخ، فإن الاشتراك خير منه؛ وذلك لأن الاشتراك لا إبطال فيه, بل غايته التوقف إلى القرينةِ عند مَن لا يحمله على معنيَيْه، بخلاف النسخ فإنه يُبْطِل الحكم السابق بالكلية. مثاله (١): التبييت (٢) شرطٌ في صحة صوم رمضان، خلافًا لأبي حنيفة، وقياسًا عندنا على القضاء والنذر، فنقيس محل النزاع على محل الوفاق. فإن عارض بما رُوي: أنه ﵊ قدم المدينة يوم عاشوراء، فرأى اليهود صائمين، فسأل ﵇ عن صومهم يومَهم فقيل: هذا يومٌ أنجى الله تعالى فيه موسى ﵇، وأهلك عدوه فرعون، وكان موسى ﵇ يصومه شكرًا، ونحن نصومه اتباعًا له. فقال ﵊: "نحن أحق بموسى منهم" (٣) , ثم أمر مناديًا

стр. 1211

ينادي: "ألا مَنْ أكل فلْيُمْسك بقيةَ النهارِ، ومَنْ لم يأكل فليصم"، أمر بالصوم في أثناء النهار، ومن المعلوم أن الصوم في أثناء النهار لا يكون إلا بنية من النهار. قلنا: لا نسلم وجوب صوم ذلك اليوم. فإن قال: ظاهر الأمر الوجوب - كان لمن يعتقد أن الأمر مشترك بين الوجوب والندب أن يقول: كما هو حقيقة في الوجوب، فكذلك في الندب، وإذا كان حقيقةً فيهما لا يُحمل على الوجوب إلا بقرينة زائدة، وعندنا صوم النفل يصح بنيةٍ من النهار (١). فإن قلت (٢): الاشتراك خلاف الأصل. قلت: لو لم يكن مشتركًا لزم النسخ، فإن صوم يوم عاشوراء غير ثابت، والاشتراك خير من النسخ (٣). قال: (والاشتراك بين عَلَمين خيرٌ منه بين عَلَم ومعنى، وهو خيرٌ منه بين معنيين). هذان فرعان: الأول: أنه إذا تعارض المشترك بين عَلَمين، والمشترك بين عَلَم ومعنى -

стр. 1212

فالمشترك بين عَلَمين أولى؛ لأن الأعلام إنما تُطلق على الأشخاص المخصوصة: كزيدٍ وعَمْرو؛ إذِ المراد العلم الشخصي لا الجنسي (١). وهذا بخلاف أسماء المعاني (٢)؛ إذ تتناول المسمَّى في أي ذات كان، فكان اختلالُ الفهم يحعله مشتَركًا بين علمين - أقلَّ (٣). الفرع الثاني: وإليه أشار بقوله: "وهو" أي: المشترك بين علم ومعنى أولى من المشترك بين معنيين؛ لأن الاختلال الحاصل عند الاشتراك في (٤) الأول أقل من الثاني (٥). هذا ما ذكره المصنف تبعًا للإمام في هذين الفرعين (٦).

стр. 1213

وأنتَ إذا نظرت إلى قولهما: "المشترك بين علمين وبين علم ومعنى" وعلمت أن المشترك لا بد وأن يكون حقيقة في أفراده، وتذكرت ما قالاه قبل ذلك: من أنَّ العَلَم ليس بحقيقة ولا مجاز - علمت أن الغفلة تطرقت إليهما في ذلك (١) (٢). وبالله التوفيق.

стр. 1214

الفصل الثامن: تفسير حروف يحتاج إليها

стр. 1215

قال ﵀: (الفصل الثامن (١): في تفسير حروف يُحتاج إليها . وفيه مسائل: الأولى: الواو للجمع المطلق بإجماع النحاة ؛ ولأنها تستعمل حيث يمتنع الترتيب، مثل: تقاتَل زيد وعمرو، وجاء زيد وعمرٌو قبله؛ ولأنها كالجمع والتثنية وهما لا يُوجِبان الترتيب). هذا الفصل معقودٌ لتفسير حروفٍ تشتد حاجة الفقيه إلى معرفتها؛ لكثرة وقوعها في الدلائل، وقد أودعه مسائل: الأولى: في حكم الواو العاطفة وبدأ بها؛ لأنها أصل الباب، وفيها مذاهب: أحدها: أنها للترتيب، وهو الذي اشْتَهر من أصحاب الشافعي، كما (٢) قال إمام الحرمين (٣)، وهو قضية كلام الماوردي حيث استدل على الترتيب في الوضوء بآية الوضوء، وقال: "قد عُطِف بحرف الواو وذلك موجِب للترتيب لغةً وشرعًا" (٤). والثاني: أنها للمعية، وعليه الحنفية، كما قال إمام الحرمين (٥) ثم قال:

стр. 1216

"وقد زل الفريقان" يعني: القائلين بالترتيب والمعية. والثالث: وهو المختار، أنها لمطلق الجمع لا تدل على ترتيب ولا معية. فإذا قلت: جاء زيد وعمرو فقد أشركت بينهما في الحكم، من غير تعرض لمجيئهما (معًا، أو لمجيء) (١) أحدهما بعد الآخر، فهي للقدر المشترك بين الترتيب والمعية (٢). (وهذا ما نقله القاضي أبو الطيب في "شرح الكفاية" عن أكثر أصحابنا) (٣).

стр. 1217

ونُقل عن الفراء أنها للترتيب حيث يمتنع الجمع، مثل: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (١)، ويشبه أن لا يكون هذا مذهبًا رابعًا مُفَصِّلًا؛ لأنَّ الموضوع للقدر المشترك بين معنيين (٢) إذا تعذر حمله على أحدهما يُحْمل على الآخر، ولا يكون حمله عليه لكونه (٣) موضوعًا له، بل لتعذر الحمل على صاحبه، وانحصار الأمر فيه (٤). ونقل بعضهم عن الفراء أنها للترتيب (٥). وقد استدل في الكتاب على المذهب المختار بثلاثة أوجه: أحدها: إجماع النحاة، قال أبو علي الفارسي: "أجمع نحاة البصرة والكوفة على أنها للجمع المطلق"، وذكر سيبويه في سبعة عشر موضعًا من "كتابه" أنها للجمع المطلق (٦). الثاني: أنها تستعمل حيث يمتنع الترتيب، فإنك تقول: تقاتَل زيدٌ وعمرو. والتفاعل يقتضي صدور الفعل من الجانبين معًا وذلك

стр. 1218

ينافي الترتيب (١). وتقول: جاء زيد وعمرو قبله. ويمتنع هنا أن تكون الواو للترتيب، وإلا لزم التناقض (٢)، وإذا استعملت في غير الترتيب وجب أن لا تكون حقيقةً في الترتيب دفعًا للاشتراك. وهذا الدليل لا يُثْبِت المُدَّعى وإنما ينفي كونها للترتيب. والثالث: أن النحاة قالوا: واو العطف في المختَلِفات بمثابة واو الجمع وياء التثنية في المتفقات؛ ولذلك أنهم لما لم يتمكنوا من جمع الأسماء المختلفة وتثنيتها (٣) - استعملوا واو العطف، ثم إن واو الجمع والتثنية لا يُوجبان الترتيب، فكذلك واو العطف. وهذا الدليل كالذي قبله لا ينفي القول بالمعية. وهنا أمور: أحدها: أنه أطلق الواو، والصواب تقييده بواو العطف؛ لتخرج واو "مع"، وواو الحال. مثل: سرت والنيل، فإنهما يدلان على المعية بلا شك. وثانيها: حكايته الإجماع قلَّد فيه الإمام (٤)، والإمام حكاه عن الفارسي، وكذلك نقله السيرافي (٥) والسهيلي. وفيه نظر، فإن الخلاف

стр. 1219

موجود عند النحويين في ذلك (١)، كما هو عند غيرهم، وقد سبق النقلُ عن الفراء، ولذلك (٢) قال شيخنا أبو حيان في "الارتشاف": "ما نقله السهيلي والسيرافي من إجماع النحويين بصريهم وكوفيهم على ذلك غير صحيح" (٣). وثالثها: وهو المقصود الأعظم والمهم الأكبر، ذكر الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في شرح "الإلمام" عن بعض المُبَاحِثين المتعلِّقين بعلم المعقول: أنه فَرَّق بين مطلق الماء، والماء المطلق بما حاصله: أن الحكم المعلَّق بمطلق الماء يترتب على حصول الحقيقة من غير قيد، والمرتب على الماء المطلق مرتب على الحقيقة بقيد الإطلاق، ولا يلزم من توقف الحكم على مطلق الحقيقة توقُّفُه على الحقيقة المقيدة بقيد الإطلاق (٤).

стр. 1220

قلت: و (١) قد جرى البحث (مع والدي) (٢) أطال الله بقاه في قاعدة: مطلق الشيء، والشيء المطلق. ولا شك أنه إذا أُخذ المطلق قيدًا في الشيء كان المراد بالأول: حقيقة الماهية، وبالثاني: هي بقيد الإطلاق. فالأول: لا بقيد (٣)، والثاني: بقيد "لا" (٤)، وقولنا: "بقيد لا" يفيد التجرد عن جميع القيود إلا قيدَ "لا"، وقد لا يراد ذلك بل يراد التجرد عن قيود معروفة. ولذلك أمثلةٌ: منها: مطلق الماء، والماء المطلق. فالأول: ينقسم إلى: الطهور، والطاهر غير الطهور، والنجس. وكل من الطاهر غير الطهور، والنجس، ينقسم بحسب ما يتغير به، ويُخرجه ذلك عن أن يُطلق عليه اسم الماء. والثاني: وهو الماء المطلق لا ينقسم إلى هذه الأقسام، وإنما يصدق على أحدها وهو الطهور؛ وذلك لأنه أُخِذ فيه قيد الإطلاق: وهو التجرد عن القيود اللازمة التي يمتنع بها أن يقال له ماءً إلا مقيَّدًا، كقولنا: ماءٌ متغيِّر بزعفران، أو أشنان، أو نحوه (٥). وماء اللحم، وماء الباقلاء، وما أشبه

стр. 1221

ذلك (١). ومنها: اسم الرقبة، وحقيقتها (٢) تصدق على السليمة والمعيبة، والمطلقة (٣) لا تصدق إلا على السليمة، فلا يجزي في العتق عن الكفارة إلا رقبة سليمة لإطلاق الشارع إياها (٤)، والرقبة المطلقة مقيدةٌ بالإطلاق، بخلاف مطلق الرقبة. ومنها: الدرهم المذكور في العقود قد يُقيَّد بالناقص والكامل، وحقيقته (٥) منقسمة إليهما، وإذا أُطلق (٦) يتقيد بالكامل المتعارف في الرواج بين الناس. ومنها: الثمن، والأجرة، والصداق، ونحوها من الأعواض (٧) المجعولة في الذمة ينقسم إلى: الحال، والمؤجل. وإذا أطلقت إنما تحمل على الحال،

стр. 1222

فالإطلاق قيد اقتضى ذلك (١). ومنها: حقيقة القرابة يدخل فيها الأب والابن وغيرهما من القرابات، وعند الإطلاق لا يدخل فيها (الأب والابن) (٢)؛ لأنهما أَعْلا مِنْ أن يُطْلق فيهما لفظ القرابة؛ لما لهما من الخصوصية المقتضية لمزيدٍ على بقية القرائب، فيقال: إنهما أقرب الأقارب. وأفعل التفضيل يستدعي المشاركة، فلولا ما قلناه من تحقق معنى القرابة فيهما - لما صدق عليهما أنهما أقرب الأقارب، وإنما امتنع إطلاق القرابة عليهما لما يقتضيه الإطلاق من التقييد بالقرابة العامة التي لا مزيد فيها على مجرد القرابة. هذا ما حرره والدي أيده الله تعالى حال البحث، وكان أصل البحث في مسألة القرابة فلذلك أوردناها، وقد أوردت عليه إذ ذاك سؤالات وألف مختصرًا لطيفًا في ذلك، وأجاب عنها، فلنذكرها على وجه السؤال والجواب: فإن قلت: اللفظ إنما وضع لمطلق الحقيقة، لا للحقيقة المطلقة، فتقييدكم إياه عند الإطلاق بالحقيقة المطلقة من أين؟ قلت: مِنْ جهة إطلاق المتكلم، فصار إطلاقه قيدًا في اللفظ. فإن قلت: من المعلوم أنه ليس في اللفظ (٣)، فهل

стр. 1223

يقولون: إنَّ ذلك قرينةٌ حالية أو لفظية؟ . قلت: هي من قبيل القرائن اللفظية، وهي متوسطة بين القرائن الملفوظ بها والقرائن الحالية، وهي هيأةٌ صادرة من المتكلم عند كلامه، وذلك أنَّ (١) الكلام قد يخرج عن كونه كلامًا بالزيادة والنقصان، وقد لا يخرج عن كونه كلامًا، ولكن يتغير معناه بالتقييد، فإنك إذا قلت: قام الناس - كان كلامًا يقتضي إخبارك بقيام جميع الناس. (فإذا قلت: إن قام الناس - خرج عن كونه كلامًا بالكلية) (٢). فإذا قلت: قام الناس إلا زيدًا - لم يخرج عن كونه كلامًا، ولكن خرج عن اقتضاء قيام جميعهم إلى قيام ما عدا زيدًا (٣). وقد علمتَ أنَّ لإفادة "قام الناسُ" الإخبار (٤) بقيام جميعهم شرطين: أحدهما: أن لا يبتدئه بما يخالفه (٥). والثاني: أن لا يختمه بما يخالفه (٦) وله شرط ثالث أيضًا: وهو أن يكون صادرًا عن قصدٍ، فلا عبرة بكلام الساهي والنائم، فهذه ثلاثة شروط.

стр. 1224

فإن قلت: من أين لنا اشتراط ذلك، واللفظ وحده كافٍ في الإفادة؛ لأن الواضع وضعه لذلك. قلت: وَضْع الواضع له معناه: أنه جَعَله متهيئًا (١) لأن يفيد ذلك المعنى عند استعمال المتكلم له (٢) على الوجه المخصوص. والمفيد (٣) في الحقيقة إنما هو المتكلم، واللفظ كالآلة الموضوعة لذلك. فإن قلت: لو سمعنا: "قام الناس"، ولم نعلم مِنْ قائله هل قَصَده؟ وهل ابتدأه أو ختمه بما يغيِّره؟ - هل لنا أن نُخْبِر عنه بأنه قال: قام الناس؟ قلت: قد تقدم الجواب عن هذا في أول باب اللغات، وكذلك ما قبله وبالله التوفيق. وإنما دعا إلى ذكر هذا البحث جميعِهِ الاعتراضُ على قول المصنف: "الجمع المطلق"، وأنَّه كان الأسَدُّ أن يقول: مطلقُ الجمع. فساق النظرُ إلى ذكر هذه المباحث الجليلة. قال: (قيل: أنكر "ومن عصاهما" مُلَقِّنًا: "و (٤) من عصى الله ورسوله". قلت: ذلك لأن الإفراد أشد تعظيمًا. قيل: لو قال لغير المدخول بها: أنت طالق، وطالق - طلقت واحدة، بخلاف: أنت طالق طلقتين. قلنا: الإنشاءات مترتبة بترتيب اللفظ، وقوله: طلقتين - تفسير لطالق).

стр. 1225

احتج القائلون بأن الواو للترتيب بوجهين: الأول: ما رَوَى مسلمٌ في صحيحه، أن رجلًا خطب عند النبي ﷺ فقال: "من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما (١) فقد غوى". فقال له رسول الله ﷺ : "بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله" (٢). وهذا يدل على أنها (٣) للترتيب؛ (إذ لو كانت) (٤) للجمع لما حسن الذم. أجاب: بأن ذلك ليس لأنها للترتيب؛ بل لأن الإفراد بالذكر أشد في التعظيم، ومما يدل على هذا أنه لا ترتيب بين عصيان الله وعصيان نبيه ﷺ ، بل معصيةُ الله هي (٥) معصيةُ الرسول ﷺ ؛ لتلازمهما (٦).

стр. 1226

فإن قلت: ما (١) الجمع بين إنكاره ﷺ على هذا الخطيب مع قوله ﷺ : "ثلاثٌ مَنْ كن فيه وَجَد بهن حلاوة الإيمان: مَنْ كان الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما" (٢). وقال في حديث آخر: "فإن الله ورسوله يُصَدِّقانكم ويَعْذِرانكم" (٣)، فقد جمع بينهما في ضمير واحد؟ قلت: قد أجيب بوجهين: أحدهما: أن النبي ﷺ أنكر ذلك على الخطيب؛ لكونه عُدولًا عن الأَوْلى والأفضل، لا سيما وهو في مقام الخطابة المقتضي للتعليم. وأما النبي ﷺ فلم يفعل إلا الأَوْلى، فإنه في مقامِ تشريعٍ وتبيين، فَفِعْل الأَوْلى له بتبيينه الأَوْلى ليدل على الجواز (٤).

стр. 1227

والثاني: أن حُسْن الكلام إيجازًا وإطنابًا مما يختلف باختلاف المقام؛ فرب مقام يقتضي الإطناب وبسط العبارة، وربَّ آخَر لا يقتضي ذلك، والخطيب كان في مقام الترغيب والدعاء إلى طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ ، فناسب بَسْطَ العبارة والمبالغةَ في الإيضاح (١).

стр. 1228

الوجه الثاني: للقائلين بأن الواو للترتيب: أن الرجل إذا قال لزوجته التي لم يدخل بها: أنت طالق، وطالق - طلقت واحدةً على المذهب الصحيح (١)، ولو كانت الواو لمطلق الجمع لكان مثل قوله: أنت طالق طلقتين - حتى تقعا. أجاب: بأن قوله: "وطالق" معطوف على الإنشاء، فكان إنشاء آخر أتى به بعد تمام الأول وعَمَلُه عَمَلُه؛ لأن معاني الإنشاء مقارنةٌ لألفاظها، فيكون قوله ثانيًا: "وطالق" إنشاءً لإيقاع طلقة أخرى في غير وقتٍ قابلٍ للطلاق؛ لأنها بالأُولى بانت، إذ هي غير مدخول بها، بخلاف قوله طلقتين، أو ثلاثًا. فإنه تفسير للكلام الأول، وبيانٌ لما قصَد به، لا إنشاءٌ ثان. خاتمة: قد عرفتَ دعوى إمام الحرمين: أن المُشْتهِر من (٢) أصحاب الشافعي أن الواو للترتيب، وما قاله الماوردي، وهذا لَعَلَّهُ أُخِذ من مسألة الترتيب في الوضوء، وإنْ كان كذلك فهو لا يكفي في تسويغ النقل على هذه الصورة؛ فإنَّ للأصحاب مُسْتَنَدًا آخر غير كون الواو للترتيب. وقد قيل: إن الناقلين لكون الواو للترتيب (عن الشافعي إنما هم قوم من الحنفية من غير ثَبْت (٣)، بل بمجرد ظن من مسألة الترتيب) (٤) في الوضوء؛ ولذلك قال

стр. 1229

الأستاذ أبو منصور البغدادي: "معاذ اللهِ أن يصح هذا النقل عن الشافعي، بل الواو عنده لمُطلق الجمع". قلت: وهو اللائق بقواعد مذهبه، وعليه تدل فروعه، وقد اتفق الأصحاب قاطبة على أن قول القائل: وقفتُ على أولادي، وأولاد أولادي - (مقتضٍ للتسوية) (١) والتشريك بينهم دون الترتيب، ولا نعلم أحدًا قال بالترتيب. وإن أتى في بعض الفروع خلافٌ فمنشؤه اختيارٌ مِنْ صاحب ذلك الوجه أن الواو للترتيب. ومِنْ ذلك قول الأصحاب فيما لو قال: إنْ دخلتِ الدار وكلَّمْتِ زيدًا فأنتِ طالق - لا بد من وجودهما في وقوع الطلاق، ولا يقع بهما إلا طلقةٌ واحدة (٢)، ولا فرق بين أن يتقدم الكلام أو يتأخر. وفي "التتمة" ما يقتضي إثباتَ خلافٍ فيه (٣)؛ لأنه قال: "مَنْ جعل الواو للترتيب فلا بد عنده من أن يتقدم الدخول على الكلام"، قال الرافعي: ("ومن الأصحاب مَن جعل الواو للترتيب"، وذكر الرافعي) (٤) في آخر باب القَسْم والنشوز أنه (٥) لو قال لوكيله: خذ مالي ثمَّ طَلِّقْها - لم يجز تقديم الطلاق (٦). ولو قال: خذ مالي وطَلِّق - فهل يشترط

стр. 1230

تقديم أخذ المال، أو لا يشترط ويجوز تقديم الطلاق كما لو قال: طَلِّقها وخذ مالي؟ فيه وجهان، رجَّح صاحب "التهذيب" منهما الأول (١). قلت: وليس الوجهان في المسألة ناظرَيْن إلى ما نحن فيه من اقتضاء الواو للترتيب، وإنما القائل بوجوبِ تقديمِ المال ناظرٌ إلى أنَّ الموكِّل قَدَّمه (٢) في كلامه والوكيل يراعي المصلحة فليقدِّم أخذ المال والمخالف ناظرٌ إلى عدم اقتضاء الواو للترتيب، ويدل على هذا أنه لا خلاف أنه يجوز تقديم المال في عكسه، وهو ما إذا قال: طَلِّقها وخذ مالي. بل لو صَرَّح بـ "ثم" التي وضعت للتراخي لجاز له تقديم أخْذِ المال على الطلاق، قال الرافعي: "لأنه زيادة خير" (٣). فإن قلت: قد نقل الرافعي في التدبير عن صاحب "التهذيب" فيما إذا قال لعبده: إنْ مِتُّ ودخلتَ الدار فأنت حر - لا بد أن يقع دخولُه (٤) الدار بعد موت السيد، ولم يحك ما يخالفه، فقد جعلوها هنا للترتيب. قلت: هذا مشكل، والظاهر أنه مبنيٌ على أن الواو للترتيب، وإلا فأيُّ فرق بين هذه المسألة والمسألة التي قدمناها فيما إذا قال: إن دخلتِ الدار
следующие страницы →