← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

فإن قلت: ما (١) الجمع بين إنكاره ﷺ على هذا الخطيب مع قوله ﷺ : "ثلاثٌ مَنْ كن فيه وَجَد بهن حلاوة الإيمان: مَنْ كان الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما" (٢). وقال في حديث آخر: "فإن الله ورسوله يُصَدِّقانكم ويَعْذِرانكم" (٣)، فقد جمع بينهما في ضمير واحد؟ قلت: قد أجيب بوجهين: أحدهما: أن النبي ﷺ أنكر ذلك على الخطيب؛ لكونه عُدولًا عن الأَوْلى والأفضل، لا سيما وهو في مقام الخطابة المقتضي للتعليم. وأما النبي ﷺ فلم يفعل إلا الأَوْلى، فإنه في مقامِ تشريعٍ وتبيين، فَفِعْل الأَوْلى له بتبيينه الأَوْلى ليدل على الجواز (٤).

стр. 1227

والثاني: أن حُسْن الكلام إيجازًا وإطنابًا مما يختلف باختلاف المقام؛ فرب مقام يقتضي الإطناب وبسط العبارة، وربَّ آخَر لا يقتضي ذلك، والخطيب كان في مقام الترغيب والدعاء إلى طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ ، فناسب بَسْطَ العبارة والمبالغةَ في الإيضاح (١).

стр. 1228

الوجه الثاني: للقائلين بأن الواو للترتيب: أن الرجل إذا قال لزوجته التي لم يدخل بها: أنت طالق، وطالق - طلقت واحدةً على المذهب الصحيح (١)، ولو كانت الواو لمطلق الجمع لكان مثل قوله: أنت طالق طلقتين - حتى تقعا. أجاب: بأن قوله: "وطالق" معطوف على الإنشاء، فكان إنشاء آخر أتى به بعد تمام الأول وعَمَلُه عَمَلُه؛ لأن معاني الإنشاء مقارنةٌ لألفاظها، فيكون قوله ثانيًا: "وطالق" إنشاءً لإيقاع طلقة أخرى في غير وقتٍ قابلٍ للطلاق؛ لأنها بالأُولى بانت، إذ هي غير مدخول بها، بخلاف قوله طلقتين، أو ثلاثًا. فإنه تفسير للكلام الأول، وبيانٌ لما قصَد به، لا إنشاءٌ ثان. خاتمة: قد عرفتَ دعوى إمام الحرمين: أن المُشْتهِر من (٢) أصحاب الشافعي أن الواو للترتيب، وما قاله الماوردي، وهذا لَعَلَّهُ أُخِذ من مسألة الترتيب في الوضوء، وإنْ كان كذلك فهو لا يكفي في تسويغ النقل على هذه الصورة؛ فإنَّ للأصحاب مُسْتَنَدًا آخر غير كون الواو للترتيب. وقد قيل: إن الناقلين لكون الواو للترتيب (عن الشافعي إنما هم قوم من الحنفية من غير ثَبْت (٣)، بل بمجرد ظن من مسألة الترتيب) (٤) في الوضوء؛ ولذلك قال

стр. 1229

الأستاذ أبو منصور البغدادي: "معاذ اللهِ أن يصح هذا النقل عن الشافعي، بل الواو عنده لمُطلق الجمع". قلت: وهو اللائق بقواعد مذهبه، وعليه تدل فروعه، وقد اتفق الأصحاب قاطبة على أن قول القائل: وقفتُ على أولادي، وأولاد أولادي - (مقتضٍ للتسوية) (١) والتشريك بينهم دون الترتيب، ولا نعلم أحدًا قال بالترتيب. وإن أتى في بعض الفروع خلافٌ فمنشؤه اختيارٌ مِنْ صاحب ذلك الوجه أن الواو للترتيب. ومِنْ ذلك قول الأصحاب فيما لو قال: إنْ دخلتِ الدار وكلَّمْتِ زيدًا فأنتِ طالق - لا بد من وجودهما في وقوع الطلاق، ولا يقع بهما إلا طلقةٌ واحدة (٢)، ولا فرق بين أن يتقدم الكلام أو يتأخر. وفي "التتمة" ما يقتضي إثباتَ خلافٍ فيه (٣)؛ لأنه قال: "مَنْ جعل الواو للترتيب فلا بد عنده من أن يتقدم الدخول على الكلام"، قال الرافعي: ("ومن الأصحاب مَن جعل الواو للترتيب"، وذكر الرافعي) (٤) في آخر باب القَسْم والنشوز أنه (٥) لو قال لوكيله: خذ مالي ثمَّ طَلِّقْها - لم يجز تقديم الطلاق (٦). ولو قال: خذ مالي وطَلِّق - فهل يشترط

стр. 1230

تقديم أخذ المال، أو لا يشترط ويجوز تقديم الطلاق كما لو قال: طَلِّقها وخذ مالي؟ فيه وجهان، رجَّح صاحب "التهذيب" منهما الأول (١). قلت: وليس الوجهان في المسألة ناظرَيْن إلى ما نحن فيه من اقتضاء الواو للترتيب، وإنما القائل بوجوبِ تقديمِ المال ناظرٌ إلى أنَّ الموكِّل قَدَّمه (٢) في كلامه والوكيل يراعي المصلحة فليقدِّم أخذ المال والمخالف ناظرٌ إلى عدم اقتضاء الواو للترتيب، ويدل على هذا أنه لا خلاف أنه يجوز تقديم المال في عكسه، وهو ما إذا قال: طَلِّقها وخذ مالي. بل لو صَرَّح بـ "ثم" التي وضعت للتراخي لجاز له تقديم أخْذِ المال على الطلاق، قال الرافعي: "لأنه زيادة خير" (٣). فإن قلت: قد نقل الرافعي في التدبير عن صاحب "التهذيب" فيما إذا قال لعبده: إنْ مِتُّ ودخلتَ الدار فأنت حر - لا بد أن يقع دخولُه (٤) الدار بعد موت السيد، ولم يحك ما يخالفه، فقد جعلوها هنا للترتيب. قلت: هذا مشكل، والظاهر أنه مبنيٌ على أن الواو للترتيب، وإلا فأيُّ فرق بين هذه المسألة والمسألة التي قدمناها فيما إذا قال: إن دخلتِ الدار

стр. 1231

وكلمتِ زيدًا. ولم يقل أحدٌ ثَمَّ بالترتيب، إلا ما خَرَّجه صاحب "التتمة"، وعلى الجملة إنْ وَضَح معنىً في هذه المسألة (١) - فقد حصل الغرض من أنَّ الفرع غير مبني على اقتضاء الواو للترتيب (٢) (٣)، وإلا فما قاله الأصحاب في مسألة: إن دخلتِ الدار وكلمتِ زيدًا - يناقضها، وهو أصح (٤). قال: (الثانية: الفاء للتعقيب إجماعًا ، ولهذا رُبِط بها (٥) الجزاء إذا لم يكن فعلًا. وقوله: ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ﴾ (٦) مجاز). الفاء للتعقيب، أي: تدل على وقوع الثاني عقيب الأول من غير

стр. 1232

مُهْلة، (ولكن في (كلٍ شيء) (١) بحسبه) (٢)، كقولك: دخلتُ بغداد فالبصرة. وقولك: قمتُ فمشيتُ. فالأَول أفاد التعقيب على ما يمكن (٣)، والثاني أفاده (٤) على الأثر (٥)؛ إذ هو ممكن. واستدل في الكتاب على أنها للتعقيب: بإجماع أهل اللغة على ذلك. وقد قَلَّد في نقل هذا الإجماع الإمام (٦)، وليس بجيد، فقد ذهب الجَرْمي (٧) إلى أنها للترتيب إلا في الأماكن والمطر فلا ترتيب، تقول: عَفَا مكانُ كذا، فمكان كذا. وإنْ كان عفاهما في وقت واحد. ونزل المطر مكانَ كذا، فمكانَ كذا. وإن كان نزولهما في وقت واحد. وزعم الفراء أن ما بعد الفاء يكون سابقًا إذا كان في الكلام ما يدل عليه، وجَعَل من ذلك قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا

стр. 1233

بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ (١)، ومعلوم أن مجيء البأس سابق للهلاك (٢). وزعم الفراء أيضًا أن الفعلين إذا كان وقوعهما في وقت واحد، ويَؤُولان إلى معنى واحد - فإنك مخيَّر في عطف أيهما شئت على الآخر بالفاء تقول: أحسنت إليَّ فأعطيتني، وأعطيتني فأحسنتَ إليَّ (٣). قوله: "ولهذا" اعلم أن الإمام نَقَل أن مِنْهم مَنِ احتج على (٤) أن الفاء للتعقيب: "بأنها لو لم تكن للتعقيب (٥) - لما دخلت على الجزاء إذا لم يكن بلفظ الماضي والمضارع (٦)، لكنها تَدخل فهي للتعقيب. بيان الملازمة: أن جزاء الشرط قد يكون بلفظ الماضي كقولك: مَنْ دخل داري أكرمتُه. أو بلفظ المضارع: مَنْ دَخَل (٧) يُكْرم. وقد يكون لا بِهَاتين اللفظتين، وحينئذ (٨) لا بد من ذكر الفاء كقولك: مَنْ دخل داري فله درهم. وأما قول الشاعر: (من يفعلِ الحسناتِ اللهُ يَشْكُرُها ... والشَّرُّ بالشَّرِّ عند الله سِيَّانِ

стр. 1234

فقد أنكره المبرِّد (١)، وزعم أن الرواية الصحيحة) (٢): من يفعل الخير فالرحمن يشكره (٣). وإذا وجب دخول الفاء على الجزاء، وثبت أن الجزاء لا بد وأن يحصل عقيب الشرط - علمنا أن الفاء للتعقيب". قوله: "وقوله: لا تفتروا" جواب عن سؤال مقدر تقديره (٤) أن يقال: قد جاءت الفاء لا بمعنى التعقيب في قوله تعالى: ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا

стр. 1235

فَيُسْحِتَكُمْ (١) بِعَذَابٍ﴾ (٢) والإسحات لا يقع عقيب الافتراء، بل يتراخى إلى الآخرة. وجوابه: أن الفاء قد ثبت بما قررناه من الدليلين أنها حقيقة في التعقيب، فوجب حمل ما ذكرتموه (٣) على المجاز؛ وذلك لأن الإسحات لما كان مُتَحَقَّق الوقوع جزاءً للافتراء - نُزِّل منزلة الواقع عَقِيبه. فرع: قضية اقتضاء الفاء التعقيبَ (٤) أنه (إذا قال مثلًا: إن دخلتِ الدار فكلمتِ زيدًا فأنتِ طالق - فلا بد في وقوع الطلاق من وقوع كلامها لزيد عقيب دخولها (٥). وحكى الأصحاب وجهين فيما) (٦) إذا قال لعبده: إذا مِتُّ فشئتَ فأنت حرٌ. أصحهما عند الأكثرين اشتراط اتصال المشيئة بالموت؛ لكون (٧)

стр. 1236

الفاء تقتضي التعقيب، وهما (١) جاريان في سائر التعليقات (٢) (٣) (٤) (٥). قال: (الثالثة: "في" للظرفية ولو تقديرًا ، مثل: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (٦)، ولم يثبت مجيئها للسببية). لفظة "في" للظرفية تحقيقًا (٧) (نحو: الماء في الكوز) (٨)، أو تقديرًا مثل: قوله تعالى حكاية: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾؛ لِتَمَكُّن المصلوب على الجذع (٩) تمكن الشيء في المكان (١٠). ومن النحاة من يقول: "في" هنا

стр. 1237

بمعنى على، واختاره الشيخ جمال الدين بن مالك (١)، لكن الذي عليه الجمهور وهو مذهب سيبويه الأول (٢). وقَوْلُ المصنف: "في للظرفية ولو تقديرًا" يحتمل أمورًا: أحدها: أنها تكون حقيقةً في الظرفية المحقَّقَةِ، مجازًا في المُقَدَّرة. وهذا مذهب سيبويه، والمحققين. والثاني: أن تكون مشتركة بينهما. والثالث: وهو الأقرب إلى الصواب، أن تكون حقيقة في القدر المشترك دفعًا للاشتراك والمجاز، وحينئذ تكون مِنْ قبيل المشكِّك؛ إذ معنى الظرفية في المحققة أوضح (٣). قوله: "ولم يثبت مجيئها للسببية". اعلم أن الإمام نقل عن بعض الفقهاء أنها للسببية؛ لقوله ﵊: "في النفس المؤمنة مائةٌ من الإبل" (٤) وضَعَّفه بأن أحدًا من أهل اللغة ما ذكر ذلك، مع أن المرجع

стр. 1238

في هذه المباحث إليهم (١). وهذا الذي ذكره الإمام ضعيف مِنْ وجهين: أحدهما: أنه شهادةُ نفيٍ، وقد رَدَّ هو على ابن جني (٢) في مسألة "الباء" بذلك (٣). فكيف يَرُدُّ به هنا (٤)! والثاني: أن ذلك شائع (٥) ذائع في لسان العرب في القرآن، والسنة، وشعر العرب: أما القرآن: ففي قوله تعالى: ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ﴾ (٦)، و ﴿لَمَسَّكُمْ

стр. 1239

فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ (١). وأما السنة: فالحديث الذي أورده، (وما رُوي) (٢) أيضًا مِنْ قوله ﷺ : "دخلت امرأة النار في هرة" (٣) (٤). وأما شعر (٥) العرب: فقال الشاعر: بَكَرَتْ باللَّوْم تَلْحانا ... في بعيرٍ ضَلَّ أوحانا (٦)

стр. 1240

ومثله: لَوَى رأسَه عَنِّي ومال بِوُدِّه ... أغانيج (١) خَوْدٍ كان فينا يَزُورها أغانيج: بالغين المعجمة والنون المكسورة، والخَوْد: بفتح الخاء المعجمة، المرأة الجميلة (٢). وهذا هو الذي اختاره ابن مالك (٣). والإنصاف في لفظة "في" أنها حقيقة في الظرفية، مجازٌ في السببية. (وقد ذكر) (٤) بعضهم للفظة "في" موارد أخرى (٥). قال الشيخ

стр. 1241

أبو حيان: وتأول أصحابُنا كلَّ ذلك، وردوه إلى معنى الوعاء (١) (٢). قال: (الرابعة: "مِنْ" لابتداء الغاية ، والتبيين، والتبعيض. وهي حقيقة في التبيين دفعًا للاشتراك). لفظة "مِنْ" تَرِد لابتداء الغاية، (والتبيين، والتبعيض) (٣). فأما ورودها لابتداء الغاية: فهو إما في المكان وهو (٤) مجمع عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ (٥). وإما في الزمان، مثل: ﴿مِنْ (٦) أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ (٧) ﴿لِلَّهِ

стр. 1242

الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ (١). وفي الحديث: "فَمُطِرْنا مِنْ الجمعة إلى الجمعة" (٢). وفيه: "مِنْ نصف النهار إلى صلاة العصر". وقال النابغة: تُحُيِّرْنَ مِن أزمانِ يومِ حليمةٍ ... إلى اليومِ قَدْ جُرِّبْن كلَّ التجاربِ (٣) وقال الراجز: تنتهض الرِّعْدة في ظُهَيْري ... من لدن الظهر إلى العُصَيْرِ

стр. 1243

وهذا (١) قد أثبته الكوفيون وصححه ابن مالك وشيخنا أبو حيان، ومنعه البصريون (٢). قال شيخنا: "وتأولُّهم مجيئَها لذلك (٣) مع كثرته في لسان العرب نَثْرِها ونَظْمها كثرةً تُسَوِّغ القياسَ ليس بشيء" (٤). واعلم أن: "مِنْ" قد (٥) تدخل لابتداء الغاية في غير المكان والزمان، نحو: قرأت من أول سورة البقرة إلى آخرها. وفي الحديث: "من محمد رسول الله إلى هِرَقل عظيم الروم" (٦).

стр. 1244

وأما ورودها للتبيين فكقوله : ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ (١)، وقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ (٢) وبهذا قال ابن بابشاذ (٣) وابن النحاس (٤) وعبد الدايم القيرواني (٥) وابن مالك. قال شيخنا أبو حيان: "وقد أنكر ذلك أكثر أصحابنا، وزعموا أنها لم تُرد لهذا المعنى (٦) " (٧)، وقالوا: هي في قوله: ﴿مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ لابتداء الغاية وانتهائها؛ لأنَّ الأوثان: نحاسٌ مَصُوغ أو ذهب أو غير ذلك، فليس الرجسُ ذاتَها، ولا الجنسَ الذي صُنعت (٨) منه، وإنما وقع الاجتناب على عبادتها،

стр. 1245

وَوَصْفُ الرجسِ المعبودُ (١) منها (٢) و"مِنْ" في (٣) الآية كهي في قولك: أخذته مِنَ التابوت. ألا ترى أن اجتناب عبادة الوثن ابتداؤه وانتهاؤه. وأما ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ (٤)﴾ (٥) فنقدِّر أن الخطاب عام للمؤمنين (٦). وأما ورودها للتبعيض فنحو: أخذت من الدراهم. ومنه قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ (٧) وهو كثير. وقد زعم الأخفش الصغير (٨) والمبرد وابن السَّرَّاج (٩) والسهيلي

стр. 1246

وطائفة: أنَّ "مِنْ" لا تكون إلا لابتداء الغاية (١)، وصححه ابن عصفور (٢). ويُعرف كونها لابتداء الغاية بصحة وضع ("الابتداء" مكانها، وكونها للتبيين بصحة وضع) (٣) "الذي" مكانها، وكونها للتبعيض بصحة وضع "البعض". ثم قال المصنف تبعًا للإمام: إنها حقيقة في التبيين (٤)؛ لأنه مشترك بين المعاني المتقدمة كلها، إذ يتبين في الأول ابتداء الخروج، وفي الثاني في مثل: ﴿فَاجْتَنِبُوا (٥) الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ (٦) - تبيينُ المُجْتَنَب، وفي الثالث في مثل: أخذتُ مِنَ الدراهم - تبيينُ المأخوذ منه؛ فيكون متواطئًا حقيقة (في القدر المشترك، وإلا فإن كان حقيقة) (٧) في كل واحدٍ يلزم الاشتراك أو في البعض دون البعض يلزم المجاز، فليكن حقيقة في القدر المشترك دفعًا للاشتراك ودفعًا للمجاز. ولم يذكر المصنف المجاز ولا بد

стр. 1247

منه (١)، وقد ذكروا لمِنْ (٢) موارد أخرى لا نطيل بتَعدادها (٣). قال: (الخامسة: الباء تُعَدِّي اللازم ، وتُجَزِّئ المتعدي؛ لما نعلم من الفرق بين: مَسَحْتُ المنديل وبالمنديل. ونُقِل إنكاره عن ابن جني، ورُدَّ: بأنه شهادةُ نفي). للباء حالتان: إحداهما: أن تدخل على فعل لا يتعدى بنفسه، كقولك: كتبت بالقلم، ومررت بزيد. فلا تقتضي إلا مجرد الإلصاق. وهذه الحالة هي التي عَبَّر عنها في الكتاب بقوله: "الباء تُعَدِّي اللازم" والتعبير بالإلصاق أحسن (٤)، ولم يذكر لها سيبويه معنىً غيرَه (٥)، وأما التعبير بتعدية اللازم فليس بجيد؛ فإنها قد لا تكون كذلك كما في المثالين المذكورين، وقد تكون كذلك كما في قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ

стр. 1248

بِنُورِهِمْ﴾ (١) وكـ "ذهب بسمعهم وأبصارهم" فيصير الفاعل به مفعولًا (٢)، فتكون الباء بمعنى الهمزة في قولك: أذهَبَ. الثانية: أن تدخل على فعل يتعدَّى بنفسه، وهو مراد المصنف بقوله: "تُجَزِّئ المتعدي" أي: تقتضي التبعيض، كقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (٣) (٤)، وخالفت (٥) الحنفية في ذلك. لنا: أنا نعلم بالضرورة الفرق بين أن يقال: مسحت يدي بالمنديل، ومسحت المنديل بيدي، فإن الأول يفيد التبعيض، والثاني يفيد الشمول. وهذا الاستدلال ضعيف: أما أوَّلًا: فلأنه مناقض لما ذكره في المجمل والمبين كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وأما ثانيًا: فلأن "مَسَحَ" يتعدى إلى المفعول بنفسه، وإلى ما يُمْسَح به (٦) بالباء، فتقدير مسحتُ المنديل: مسحت المنديلَ بيدي، فالمنديل فيه

стр. 1249

ممسوح، واليد آلة. وتقدير مسحت بالمنديل: مسحت وجهي بالمنديل، فالوجه ممسوح والمنديل آلة، فلا تكون الباء فيه للتبعيض، وإنما هي للتعدية (١)، وفَهْمُ التبعيض منه إنْ سُلِّم إنما هو لكون المنديل فيه آلة، والعمل في جاري العوائد إنما يكون ببعض الآلة، كما تقول: أخذت بثوب زيد. وإنما أخذت ببعض ثوبه، ومنه: ﴿وَأَخَذَ (٢) بِرَأْسِ أَخِيهِ﴾ (٣) (٤)، وقد ذكرنا أن سيبويه لم يذكر لها معنى غير الإلصاق. قال البصريون: لا تكون إلا بمعنى الإلصاق والاختلاط حقيقةً أو مجازًا إذا لم تكن زائدة، وقد تتجرد للإلصاق، وقد ينجر معها معانٍ أُخَر، فالإلصاق حقيقة: وَصَلْتُ (٥) هذا بهذا ومجازًا: مررتُ بزيد. والتصق المرور بمكانٍ بقرب زيد. وذكروا أن المعاني التي تنجر مع الإلصاق ستةُ أنواع: النقل: ويُعَبَّر عنه بالتعدية، كما سبق في قوله: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ (٦)، ويكون الفعل قبلها (٧) لازمًا ومتعديًا نحو:

стр. 1250

صككتُ الحجرَ بالحجرِ. أصله: صك الحجرُ الحجرَ، والإلصاق في هذا واضح (١). والسببية: نحو: مات زيد بالجوع. والاستعانة: نحو: كتبت بالقلم. وأدرج ابن مالك هذا (٢) في السببية (٣). والمصاحبة: ويصلح معها "مع" نحو: ﴿جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ﴾ (٤) (٥). والحال: نحو: وهبتك الفرس بسَرْجه. أي: مُسْرجًا. والظرفية: وهي التي يصلح مكانها "في" نحو: زيد بالبصرة. والقَسَمية: نحو: بالله لأقومَنَّ. ألْصَقَتْ فعلَ القسمِ المحذوفَ بالمُقْسم به (٦). هذا كلام شيخنا في "الارتشاف". وهذه الأقسام سبعة وقد ذكر أنها ستة فما أدري ما أراد؟ وذكر ابن مالك أنها تأتي للتعليل، قال: "وهو يَحْسُن غالبًا في موضع

стр. 1251

اللام، كقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ (١) (٢). قال شيخنا أبو حيان: "ولم يذكر أصحابنا هذا (٣)، وكأنَّ السبب والتعليل عندهم واحد" (٤). وذكر ابن مالك أيضًا: أنها تكون للبدل، قال: "وهي التي يصلح مكانها "بدل" نحو قوله: فليتَ لي بِهِمُ قومًا إذا رَكِبُوا ... شَنُّوا الإغارَةَ فُرْسَانًا ورُكْبَانا" (٥) أي: بدلهم (٦). وللمقابلة: وهي الداخلة على الأثمان والأعواض، نحو: اشتريت الفرس بألف. وقد تُسَمَّى باء العِوَض. وذهب الكوفيون إلى أن "الباء" قد تأتي بمعنى "عن" وذلك بعد السؤال نحو: فإنْ تسألوني بالنساء ... فإنني خبيرٌ بأحوال النساء طبيب (٧)

стр. 1252

أي: عن النساء (١). وقال الأخفش: ومِثْلُه قوله تعالى (٢): ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ (٣). واستدل ابن مالك لهذا القول بقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ (٤) أي: عن الغمام (٥). وكان الأستاذ أبو علي يقول: اسأل بسببه خبيرًا، وبسبب النساء، أي: لتعلموا حالهن. وذهب الكوفيون أيضًا إلى أن "الباء" تكون بمعنى "على" (٦)، وهو الذي عزاه إمام الحرمين إلى الشافعي ﵁، واستدل عليه بقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ (٧) أي: علي دينار (٨). وزعم بعض النحاة أن "الباء" تدخل على الاسم حيث يراد

стр. 1253

الشبيه (١)، نحو: لقيت بزيدٍ الأسد، ورأيت به القمر. أي: لقيت بلقائي إياه الأسدَ أي: شِبْهه. والصحيح أنها للسبب، أي: بسبب لقائه، وبسبب رؤيته. وزعم أيضًا أنها تدخل على ما ظاهره أن المرادَ به غيرُ ذاتِ الفاعل (٢)، أو ما أُضيف إلى ذاتِ الفاعل، نحو: قول طفيل الغنوي (٣): إذا ما غزا لم يُسْقِطُ الروعُ رمحَه ... ولم يَشْهدِ الهَيْجَا بأَلْوَثَ مُعْصِمِ الألوث: الضعيف (٤). ويقال للرجل الذي يمسك بعُرْف فَرَسه خوفَ السقوط: مُعْصِم، بضم الميم بَعْدَها عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ ثم صاد مهملة مكسورة (٥). وقيل: المعصم: الذي يتحصن بالجبال فيمتنع فيها، فظاهره (٦) أن فاعل يشهد غير ألوث معصم، والفاعل في الحقيقة هو ألوث معصم.

стр. 1254

وتكون الباء زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ (١)، ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٢)، ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ (٣)، ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ (٤)، ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ (٥) (٦). فهذا مِنْ أجمع ما ذكره النحاة في موارد الباء. وأما وُرودها للتبعيض فقد ذكره ابن مالك (٧)، ومِنْ شواهده: شُرْبَ النَّزِيفِ ببَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ (٨)

стр. 1255

أي: مِنْ بَرْد. وقال ذلك في "التذكرة" الفارسيُّ، وهو مذهب الكوفيين تبعهم فيه الأصمعي والقُتَبيُّ (١) (٢) في قوله: شَرِبْن بماء البحر (٣). وتأوله ابن مالك على التضمين: أي رَوِين بماء البحر. وقال إمام الحرمين: ذهب بعض فقهائنا إلى أن "الباء" إذا اتصل بالكلام مع الاستغناء عنه اقتضى تبعيضًا، وزعموا أنه في قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (٤) يتضمن ذلك. وهذا خَلْف (٥)

стр. 1256

من الكلام لا حاصل له، وقد اشتد نكير ابن جني في "سر الصناعة" على مَنْ قال ذلك. فلا فرق بين أن يقول: مسحت رأسي، ومسحت برأسي. والتبعيض يُتَلَقَّى من غير الباء كما ذكرتُه في "الأساليب" (١) انتهى. قوله: "ونُقِل" أي: احتج مَنْ زعم أنها ليست للتبعيض: بأن أبا الفتح بن جني من أئمة اللغة، وقد اشتد نكيره على مَنْ قال: إنها للتبعيض، وقال: إنه (٢) شيء لا يُعْرف في اللغة. وأجاب المصنف تبعًا للإمام: بأن ما ذكره ابن جني شهادةٌ على النفي فلا تُقبل (٣). وهو حَيْدٌ عن سبيل الإنصاف؛ إذِ الواصلُ في فنٍّ إلى نهاياته، والبالغ فيه إلى أقصى غاياته - يُقْبل قوله فيه (٤) نفيًا وإثباتًا. وقد وافق ابنَ جني على ذلك صاحبُ "البسيط" (٥)، فقال: لم يذكر أحدٌ من النحويين أن الباء للتبعيض. وقال بعضهم (٦): لو كانت للتبعيض لقلت: زيد بالقوم، تريد من

стр. 1257

القوم. وقبضتُ بالدراهم، أي: منها. ثم إن المصنف تبعًا للإمام أيضًا شهد على النفي في مسألة "في" حيث قال: "ولم يثبت مجيئها للسببية" فليست شهادتهما في لغة العرب على النفي أولى بالقبول من شهادة أبي الفتح ابن جني وصاحب "البسيط"، معاذَ اللهِ أن يكون ذلك، نعم كان الطريق في الرد على ابن جني أنْ يُعْرَض عليه مواضعُ من كلامهم وَرَد ذلك فيها، كما في قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ (١) أي: منها. وقال عمر بن أبي ربيعة (٢): فلثمتُ فاها آخِذًا بقرونها ... شُرْبَ النزيف ببرد ماءِ الحَشْرَجِ وقال غيره: شَرِبَتْ بماءِ الدُّحْرُضَيْنِ فأصْبَحَتْ ... زَوْرَاءَ تَنْفِرُ عَنْ حِياضِ الدَّيْلَمِ (٣)

стр. 1258

(الدُحْرضان: بضم الدال بعدها حاء مهملة ساكنة ثم راء مهملة مضمومة ثم ضاد معجمة مفتوحة وهما ماءان يقال لأحدهما وَسِيَع، وللآخر الدُّحْرُض (١)، وهما مما غَلَب فيه أحدُ القرينين على الآخر، كالقمريْن والعُمَريْن (٢)) (٣). وقال الآخر (٤): شَرِبْن بماءِ البحرِ ثم تَرفَّعَتْ ... متى لججٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نئيج وقد ذكرنا أن الكوفيين والأصمعي والقُتَبي وابن مالك ذكروا ذلك (٥).

стр. 1259

قال: (السادسة: إنما للحصر؛ لأنَّ "إنَّ" للإثبات، و"ما" للنفي ، فيجب الجمع على ما أمكن. وقد قال الأعشى: وإنما العزَّةُ للكاثر. وقال الفرزدق: وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي وعُورِض بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (١). قلنا: المراد الكاملون). تقييد الحكم بإنما مِثْل: إنما قام زيد - هل يفيد حَصْرَ الأول في الثاني (٢)؟ بمعنى: أنها تفيد إثباتَ الحكم في المحكوم عليه ونفيَه عن غيره، فيه مذهبان: أحدهما: تفيد الحصر، وبه قالَ القاضي (٣)، وأبو إسحاق الشيرازي (٤)، والغزالي (٥)، وعليه الإمام وأتباعه (٦) منهم (٧) صاحب

стр. 1260

الكتاب. والثاني: لا، بل تفيد تأكيد الإثبات، واختاره الآمدي (١). واحتج الأولون بوجهين: أحدهما: أن كلمة "إنَّ" تقتضي الإثبات، و"ما" تقتضي النفي، فعند تركيبهما يجب بقاء كلٍّ منهما على أصله؛ لأن الأصل عدم التغيير، وحينئذ يجب الجمع بينهما بقدر الإمكان، فلا بد من إثبات شيءٍ ونَفْي آخرٍ؛ لامتناع اجتماع النفي والإثبات على شيء واحد، وحينئذ إما أن نقول كلمة "إنَّ" تقتضي ثبوت غير المذكور، وكلمة "ما" تقتضي نفي المذكور وهو باطل إجماعًا، أو نقول: كلمة "إنَّ" تقتضي ثبوت المذكور، وكلمة "ما" تقتضي نفي غير المذكور، وهذا هو الحصر وهو المراد. وقد ضُعِّف هذا الوجه بأن المعروف عند النحويين أن "ما" ليست نافية بل زائدة كافَّة مُوَطِّئة لدخول الفعل (٢).

стр. 1261

وذُكِرَ في إفادتها الحصرَ وجهٌ آخر أُسْنِد إلى علي بن عيسى الرَّبَعي (١): وهو أن كلمة "إنَّ" لِتأكيد إثبات المُسْنِد للمسند إليه، ثم لما اتصلت بها "ما" المؤكِّدة لا النافية كما (٢) ذكرنا - تَضَاعَفَ تأكيدُها، فناسَب أنْ تُضَمَّن معنى القصر؛ لأن قَصْر الشيء على الشيء ليس (٣) إلا تأكيدًا للحكم على تأكيدٍ، ألا ترى إلى قولك: (جاء زيدٌ لا عمرو، وكيف يكون (٤) جاء زيدٌ - إثباتًا للمجيء صريحًا، وقولك: ) (٥) لا عمرو - إثباتًا ثانيًا لمجيئه ضمنًا. وهذا الوجه أسدُّ (٦) من الأول، إلا أن للمعترض عليه أن يقول: وجه مناسبة إضمار معنى القصر لائحة (٧)، ولكن ذلك إنما يقال بعد ثبوت كونها للحصر، والكلام فيه (٨)، ومجرد هذه المناسبة لا يدل عليه.

стр. 1262

الوجه الثاني: من الوجهين المذكورين في الكتاب: أن العرب استعملتها في الحصر كقول الأعشى وهو عبد الله بن الأعور المازني الصحابي (١) ﵁: ولستَ بالأكْثرِ منهم حَصىً (٢) ... وإنما العزَّةُ للكاثِرِ (٣)

стр. 1263

ولستَ بفتح التاء ضبطه الجوهري. وقال الفرزدق وهو همام بن غالب التابعي (١) ﵀: أنا الذائِدُ (٢) الحامِي الذِّمَارَ (٣) وإنما يُدَافِعُ عَنْ أحسابِهِمْ أَنَا أَو مِثْلِي (٤). قوله: "وعُورِض" إشارة إلى حجة الخصم وهي (٥) قوله تعالى:

стр. 1264

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (١) قالوا: فلو أفادت (٢) الحصر لكان من لا يحصل له الوَجَل عند ذكر الله تعالى لا يكون مؤمنًا. وأجاب: بأن المراد بالمؤمنين: الكاملون في الإيمان، جمعًا بين الأدلة، وعلى هذا يكون قد أفادت الحصر كما هو المدَّعى. واعلم أن الذي نقله شيخنا أبو حيان عن البصريين المذهبَ الثاني، وكان مصمِّمًا عليه ويتغالى في الرد على من يقول بإفادتها الحصر. والذي اختاره والدي أبقاه الله الأول، وله كلام مبسوط في المسألة، اشتد فيه نكيره على الشيخ (٣) أبي حيان، وقال: إنه استمر على لَجَاج، وإنَّ اللبيبَ لا يَقْدِر أنْ يدفع عن نفسه فَهْمَ أنَّ (٤) "إنما" للحصر. ومِنْ أحسن ما وقع له في الاستدلال على أنها للحصر قولُه تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ (٥) فقال: هذه الآية مما تفيد أنَّ (٦) "إنما" للحصر، فإنها لو لم تكن للحصر لكانت بمنزلة قولك: وإن تولوا فعليك البلاغ. وهو عليه البلاغ تولوا أو لم يتولوا، وإنما الذي رتَّب على توليهم نَفْيُ غير البلاغ؛ ليكون تسلية له، ويَعْلمَ أن تَوَلِّيهم لا يضره.

стр. 1265

قال: وهكذا أمثال هذه الآية مما يَقْطع الناظرُ بفَهْم (١) الحَصْر منها، كقوله: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ﴾ (٢) ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (٣) ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ﴾ (٤) ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ (٥) ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾ (٦) ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٧) ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ﴾ (٨) ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ (٩) ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ (١٠) ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ (١١) ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ﴾ (١٢) ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (١٣) ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ (١٤) ﴿إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (١٥) قال:
следующие страницы →