← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

وذُكِرَ في إفادتها الحصرَ وجهٌ آخر أُسْنِد إلى علي بن عيسى الرَّبَعي (١): وهو أن كلمة "إنَّ" لِتأكيد إثبات المُسْنِد للمسند إليه، ثم لما اتصلت بها "ما" المؤكِّدة لا النافية كما (٢) ذكرنا - تَضَاعَفَ تأكيدُها، فناسَب أنْ تُضَمَّن معنى القصر؛ لأن قَصْر الشيء على الشيء ليس (٣) إلا تأكيدًا للحكم على تأكيدٍ، ألا ترى إلى قولك: (جاء زيدٌ لا عمرو، وكيف يكون (٤) جاء زيدٌ - إثباتًا للمجيء صريحًا، وقولك: ) (٥) لا عمرو - إثباتًا ثانيًا لمجيئه ضمنًا. وهذا الوجه أسدُّ (٦) من الأول، إلا أن للمعترض عليه أن يقول: وجه مناسبة إضمار معنى القصر لائحة (٧)، ولكن ذلك إنما يقال بعد ثبوت كونها للحصر، والكلام فيه (٨)، ومجرد هذه المناسبة لا يدل عليه.

стр. 1262

الوجه الثاني: من الوجهين المذكورين في الكتاب: أن العرب استعملتها في الحصر كقول الأعشى وهو عبد الله بن الأعور المازني الصحابي (١) ﵁: ولستَ بالأكْثرِ منهم حَصىً (٢) ... وإنما العزَّةُ للكاثِرِ (٣)

стр. 1263

ولستَ بفتح التاء ضبطه الجوهري. وقال الفرزدق وهو همام بن غالب التابعي (١) ﵀: أنا الذائِدُ (٢) الحامِي الذِّمَارَ (٣) وإنما يُدَافِعُ عَنْ أحسابِهِمْ أَنَا أَو مِثْلِي (٤). قوله: "وعُورِض" إشارة إلى حجة الخصم وهي (٥) قوله تعالى:

стр. 1264

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (١) قالوا: فلو أفادت (٢) الحصر لكان من لا يحصل له الوَجَل عند ذكر الله تعالى لا يكون مؤمنًا. وأجاب: بأن المراد بالمؤمنين: الكاملون في الإيمان، جمعًا بين الأدلة، وعلى هذا يكون قد أفادت الحصر كما هو المدَّعى. واعلم أن الذي نقله شيخنا أبو حيان عن البصريين المذهبَ الثاني، وكان مصمِّمًا عليه ويتغالى في الرد على من يقول بإفادتها الحصر. والذي اختاره والدي أبقاه الله الأول، وله كلام مبسوط في المسألة، اشتد فيه نكيره على الشيخ (٣) أبي حيان، وقال: إنه استمر على لَجَاج، وإنَّ اللبيبَ لا يَقْدِر أنْ يدفع عن نفسه فَهْمَ أنَّ (٤) "إنما" للحصر. ومِنْ أحسن ما وقع له في الاستدلال على أنها للحصر قولُه تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ (٥) فقال: هذه الآية مما تفيد أنَّ (٦) "إنما" للحصر، فإنها لو لم تكن للحصر لكانت بمنزلة قولك: وإن تولوا فعليك البلاغ. وهو عليه البلاغ تولوا أو لم يتولوا، وإنما الذي رتَّب على توليهم نَفْيُ غير البلاغ؛ ليكون تسلية له، ويَعْلمَ أن تَوَلِّيهم لا يضره.

стр. 1265

قال: وهكذا أمثال هذه الآية مما يَقْطع الناظرُ بفَهْم (١) الحَصْر منها، كقوله: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ﴾ (٢) ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (٣) ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ﴾ (٤) ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ (٥) ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾ (٦) ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٧) ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ﴾ (٨) ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ (٩) ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ (١٠) ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ (١١) ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ﴾ (١٢) ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (١٣) ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ (١٤) ﴿إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (١٥) قال:

стр. 1266

فيكادُ فَهْمُ الحصر من جميع هذه الآيات يسبق إلى القلب قبل السمع، لا يُرْتاب فيه ولا يُتَمارى. فائدة: إذا قلنا: إنما للحصر - فهل ذلك بالمنطوق أو بالمفهوم؟ فيه مذهبان، والأول (١) هو قضية كلام مَنِ استدل على ذلك بالوجه المركب من العقل (والنقل) (٢)، الذي تقدم ذِكْره، ومنهم صاحب الكتاب. والله أعلم (٣).

стр. 1267

الفصل التاسع: كيفية الاستدلال بالألفاظ

стр. 1268

قال: (الفصل التاسع: في كيفية الاستدلال بالألفاظ . وفيه مسائل: الأولى: لا يخاطبنا الله بالمهمل؛ لأنه هذيان . احتجت الحشوية بأوائل السور. قلنا: أسماؤها (١). وبأن الوقف على قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٢) واجبٌ وإلا يتخصص المعطوفُ بالحال. قلنا: يجوز حيث لا لَبْس، مثل: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ (٣). وبقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ (٤). قلنا: مَثَلٌ في الاستقباح). هذا الفصل معقود لبيان كيفية الاستدلال بخطاب الله تعالى، وخطاب رسوله ﷺ على الأحكام، وفيه مسائل: الأولى والثانية منها يجريان مجرى المبادئ للمقصود. أما الأولى: فنقول: لا يجوز أن يخاطبنا الله تعالى بالمهمل، أي: بما ليس له معنى؛ لأنه نقص، والنقص محال على الله تعالى (٥). هذا كلام المصنف. وأما الإمام ففي عبارته قلق، وذلك أنه قال: "لا يجوز أن يتكلم الله بشيء ولا يعني به شيئًا، والخلاف فيه مع الحشوية. لنا وجهان:

стр. 1269

أحدهما: إن التكلم بما لا يفيد شيئًا هذيان، وهو نقص، والنقص محال على الله تعالى. والثاني: أن الله تعالى وصف القرآن بكونه هدىً وشفاءً وبيانًا، وذلك لا يحصل فيما (١) لا يفهم معناه" (٢). انتهى. ووجه القلق: أن أول كلامه يدل على أن الخلاف في جواز التكلم بشيء لا يَعْني به شيئًا، وإنْ كان ذلك الذي تكلم به له معنى يُفْهم منه. وثانيه وثالثه - وهما دليلاه - يدلان على أن الخلاف في جواز التكلم بما لا يفيد شيئًا. وعبارة المصنف توافق ما أدته عبارة الإمام ثانيًا وثالثًا لا ما اقتضته أولًا، وبها صَرَّح الآمدي، إذ قال: "لا يُتَصَوَّر اشتمال القرآن الكريم على ما لا معنى له أصلًا" (٣). وقد عرفت أن الخلاف في المسألة مع الحشوية: وهم طائفة ضلوا عن سواء السبيل، وعَمِيَت أبصارهم يُجرون آيات الصفات على ظاهرها (٤)،

стр. 1270

ويعتقدون أنه المراد. سُمُّوا بذلك؛ لأنهم كانوا في حلقة الحسن البصري (١) رحمه الله تعالى، فوجدهم يتكلمونَ كلامًا ساقطًا، فقال: ردوا هؤلاء إلى حشا الحلقة. وقيل: سموا بذلك لأنَّ منهم المجسِّمة، أوْ هم هم. والجسم مَحْشُو، فعلى هذا القياسُ فيه الحَشْوية بسكون الشين؛ إذِ النسبةُ إلى الحَشْو. وقيل: المرادَ بالحشوية: الطائفة الذين لا يرون البحث في آيات الصفات التي يتعذر إجراؤها على ظاهرها، بل يؤمنون بما أراده الله مع جَزْمهم المُعْتَقَد بأن (٢) الظاهر غيرُ مراد، ولكنهم

стр. 1271

يفوضون التأويل إلى الله (١). وعلى هذا فإطلاق الحشوية عليهم غير مستحسن؛ لعدم مناسبته لمعتقدهم؛ ولأن ذلك مذهب طوائف السلف من أهل السنة ﵃. إذا عرفتَ ذلك فقد استدل المصنف على امتناع ذلك: بأنه هذيان. قال الجاربردي شارح الكتاب: وهو مصادرة على المطلوب؛ لأن الهذيان: هو اللفظ المركب المهمل، وهو الذي ادّعَى امتناعه (٢). وهذا اعتراض منقدح، ولكن المصنف أخذ هذا الدليل من الإمام (٣)، والإمام إنما استدل (٤) به على ما صَدَّر به المسألة من قوله: لا يتكلم الله بشيء، و (٥) لا يعني به شيئًا (٦). وقد بينا أن هذه الدعوى في الحقيقة غير دعوى المصنف، فليس استدلال الإمام بكونه هذيانًا مصادرة على المطلوب. نعم هو ضعيف من جهة أنه قد يقال: لا نسلم أن الكلام المفيد بالوضع الذي فاه به الناطق إذا لم يَعْن به شيئًا - هذيانٌ، وإنما يكون هذيانًا إذا لم يكن له مدلول في نفسه. وقد يقال: إنَّ قَصْد

стр. 1272

المتكلم بالكلام معناه - شَرْطٌ في كونه كلامًا مفيدًا، وقد سبق البحث في هذا. واحتجت الحشوية على ما ذهبوا إليه بثلاثة أوجه: الأول: زعموا أنه ورد في القرآن في قوله تعالى: ﴿الم﴾ (١) ﴿المص﴾ (٢) ﴿كهيعص﴾ (٣) ﴿طه﴾ (٤) ﴿حم﴾ (٥) وأمثالها، فإنا لا نفهم لها معنى. والجواب: أن أقوال أئمة التفسير في ذلك كثيرة مشهورة، قال الإمام: "والحق أنها أسماء للسور" (٦)، وتبعه المصنف، وهو ما عليه جماعةٌ من المفسرين (٧).

стр. 1273

الثاني: قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (١). وجه الاحتجاج: أن الوقف على قوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ واجبٌ، وحينئذ فـ ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ مبتدأ و ﴿يَقُولُونَ﴾ خبر عنه. والدليل على أنه يجب الوقف على ذلك: أنه لو لم يجب لكان الراسخون معطوفًا عليه، وحينئذ يتعين أن يكون قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ﴾ جملة حالية، والمعنى: قائلين. وإذا كانت حاليةً فإما أن تكون حالًا من المعطوف (٢) والمعطوف عليه، أو من المعطوف فقط. والأول: باطل؛ لامتناع أن يقول الله تعالى: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾. والثاني: خلاف الأصل؛ لأن الأصل اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في المتعلَّقات، وإذا انتفى هذا تَعَيَّن ما ادعيناه مِنْ وجوب الوقف على قوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾، وإذا وجب الوقف على ذلك لَزِم أنه تكلم بما لا يَعْلم تأويله إلا هو، وهو المدَّعى. واعلم أن هذا الدليل لا يوافق دعوى المصنف؛ لأنه يقتضي أن الخلاف

стр. 1274

في الخطاب بلفظٍ له معنى لا نفهمه، ودعواه فإما ليس له معنى مطلقًا. ثم إنَّ هذا - أعني: كَون (١) القرآن يشتمل على ما لا يُقدر على فَهْمه - مما لا ينازع فيه، فالناس في كتاب الله تعالى على مراتب ودرجات، بحسب تفاوتهم في الأفهام والتضلع من العلوم، فرُبَّ مكانٍ يشترك في فهمه الخاصُّ والعام؛ وآخر لا يفهمه إلا الراسخون، ويتفاوت العلماء إلى ما لا نهاية له، على حسب استعدادهم وأقدارهم، إلى أن يصل الأمر إلى (ما لا يفهمه أحدٌ غير) (٢) النبي ﷺ الذي وقع معه الخطاب، فهو يَفْهم ما خوطب به لا يَخفى عليه منه خافية. وقد أجاب المصنف عن هذا الوجه: بأنه إنما يمتنع (٣) تخصيص المعطوف بالحال إذا لم تقم قرينةٌ تدل عليه، وأما عند قيام القرينة الدافعة لِلَّبْس فلا يمتنع (٤) حينئذ، وذلك كقوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ فإن ﴿نَافِلَةً﴾ حال مِنْ ﴿وَيَعْقُوبَ﴾ فقط؛ لأن النافلة ولد الولد وما نحن فيه كذلك (٥)؛ إذ العقل قاض بأنه لا يقول آمنا به. الثالث: قوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ (٦) فإن العرب

стр. 1275

لا تعلم ما هي رؤوس الشياطين. وأجاب: بأنا لا نسلم أنه مهمل، وإنما هو مَثَل كانت العرب العرباء تُمَثِّل (١) به في الاستقباح، وهو مفيد بهذا الاعتبار (٢). قال: (الثانية: لا يُعْنَى خلاف الظاهر من غير بيان ؛ لأن اللفظ بالنسبة إليه مهمل. قالت المرجئة: يفيد إحجامًا. قلنا: فيرتفع الوثوق عن قوله تعالى). قَدْ يُريد الله تعالى بكلامه خلافَ ظاهره إذا كانت هناك قرينة يَحْصُل بها البيان، ولا يمكن أن يَعْني بكلامه خلافَ ظاهره من غير بيان. والخلاف في المسألة مع المرجئة قومٌ جوزوا ذلك، وقالوا: المراد بظواهر الآيات، والأخبار الدالةِ على عقاب الفاسقين، ووعيدِ العصاة والمذنبين: الترهيبُ فقط؛ كيلا يختل نظام العالم، بناءً على مُعْتَقَدهم أن المعصية لا تضر مع الإيمان, كما أن الطاعة لا تنفع مع الكفر. وإنما سُمُّوا مرجئةً؛ لأنهم يرجئون العمل أي: يؤخِّرونه ويُسْقطونه عن الاعتبار، والإرجاء: التأخير (٣)، قال الله تعالى: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ (٤).

стр. 1276

وقد احتج المصنف: بأن اللفظ بالنسبة إلى المعنى الذي لا يُفهم مهملٌ؛ لعدم إفادته له مِنْ غير بيان، وقد تبين أن الخطاب بالمهمل ممتنع. وقالت المرجئة: لا نسلم أنه بالنسبة إليه مهمل؛ إذِ المهمل: ما (١) لا يفيد شيئًا (٢)، وهذا ليس كذلك؛ لأنه يفيد الإحجام عن المعاصي، والإقدام على الطاعات (٣). وأجاب: بأنا لو فتحنا هذا الباب لارتفع الوثوق عن جميع أخبار الله تعالى، وأخبار رسوله (٤) ﷺ ؛ لأنه لا خبر إلا ويحتمل أن يكون المقصود منه أمرًا وراء الأفهام، ومعلوم أنَّ ذلك ظاهر الفساد (٥). قال: (الثالثة: الخطاب إما أن يدل على الحكم بمنطوقه: فَيُحْمل على الشرعي، ثم العرفي، ثم اللغوي، ثم المجازي). هذه المسألة في بيان كيفية دلالة الخطاب على الحكم الشرعي، وأقسام دلالته عليه. فالخطاب الدال على الحكم إما أن يدل عليه بمنطوقه أي:

стр. 1277

بصيغته، أو بمفهومه: الحالة الأولى: أن يدل عليه بمنطوقه، فإما أن يكون له مسمَّى شرعي أَوْ لا: الأول: يُحمل على المسمَّى الشرعي ما لم يَصْرِف عنه صارف؛ لأنَّ عُرْف الشارع يُعَرِّف المعاني الشرعية لا اللغوية؛ ولأنه مبعوثٌ لبيان الشرعيات. وقيل: إذا دار بين الشرعي واللغوي فهو مجمل؛ لصلاحيته لكل منهما. وقال الغزالي: إنْ ورد في الإثبات (١) حُمِل على الشرعي، كقوله ﷺ : "إني إذن أصوم" (٢) فإنه إذا حُمِل على الشرعي يدل على صحة الصوم بنيته من النهار (٣). وإنْ ورد في النهي كان مجملًا، وذلك مِثْل نَهْيه ﷺ عن صوم يوم النحر (٤)، فإنه لا يمكن حَمْلُه على الشرعي وإلا كان دالًا على

стр. 1278

صحته؛ لأن يستحيل النهي عما لا يُتَصور وقوعه (١). وقال الآمدي: في الإثبات يُحْمل على الشرعي، وفي النهي على اللغوي (٢). والصحيح الذي عليه الجمهور ما ذهب إليه المصنف، وقولُ الغزالي والآمدي: إن النهي يستلزم (٣) الصحة - غير صحيح. والثاني: وهو الذي ليس له مُسَمَّى شرعي، إما أن يكون له مُسَمَّى عرفي أَوْ لا: والأول: يُحمل على العرفي إنْ عُلِم اطِّرَاد ذلك العرف في زمن ورود الخطاب؛ لأن الظاهر مِنْ حال الخطاب أن يكون بما (٤) يتبادر إلى أذهان المخاطبين. والثاني: يُحْمل على اللغوي الحقيقي؛ لتعينه حينئذ، وكذا إن كان له مسمى عرفي ولم يمكن حمله عليه لمانع (٥). وإن لم يمكن حَمْلُه على اللغوي

стр. 1279

لقرينة صارفة عنه - فيتعين حينئذ حمله على المعنى المجازي (١)، ويكون الترتيب المذكور في الحقائق جاريًا في مجازاتها. واعلم أن من القواعد المشتهرة على ألسنة الفقهاء: أنَّ ما ليس له حد في الشرع ولا في اللغة يُرْجع فيه إلى العرف. قال والدي في "شرح المهذب": وليس هذا مخالفًا لما يقوله الأصوليون من (٢) أن لفظ الشارع يُحْمل على المعنى الشرعي، ثم العرفي، ثم اللغوي. قال: والجمع بين الكلامين أن مراد الأصوليين: إذا تعارض معناه في العرف ومعناه في اللغة قدَّمنا العرف. ومراد الفقهاء: إذا لم يُعْرف (٣) حَدُّه في اللغة فإنا نرجع فيه إلى العرف، ولهذا قالوا: كل ما ليس له حدٌّ في اللغة، ولم يقولوا: ليس له معنى. فالمراد أن معناه في اللغة لم يَنُصُّوا على حَدِّه بما يُبَيِّنه، فَيُسْتدل بالعرف عليه (٤). فائدة: تنزيل اللفظ على المعنى الشرعي قبل العرفي في مسائل: منها: لو حلف لا يبيع الخمر أو المُسْتَوْلَدَة (٥)، فإنْ أراد أنه لا يتلفظ

стр. 1280

بلفظ العقد مضافًا إليها (١) - فإذا باعه حَنَث (٢)، (وإنْ أطلق (٣) لم يحنث؛ لأن البيع الشرعي لا يُتصور فيها (٤). وفيه وجه: أنه يحنث) (٥)، قال به المزني (٦). قال الرافعي هنا: "وسيأتي خلاف في أنه: هل (٧) يتعين حمل لفظ العبادات: كالصوم والصلاة - على الصحيح منها" (٨)؟ وهذا الخلاف الذي (وعد بذكره) (٩) لم أره حكاه بَعْدُ، ولا خلافَ أنه لو حلف: لا يحج يحنث بالفاسد؛ لأنه منعقدٌ يجب المُضِيُّ فيه كالصحيح. ومنها: لو حلف: لا يركب دابةَ عبدِ زيدٍ - لا يحنث بالدابة المجعولة باسمه إلا أن يريد (١٠). فإن مَلَّكه السيدُ دابةً فالصحيح أنه يتخرج على أنه هل يملك؟ وقال

стр. 1281

ابن كج (١): لا يحنث وإنْ قلنا يملك؛ لأن مِلْكه ناقص والسيد متمكن من إزالته. وأما الرجوع إلى العُرْف ففي مسائل تخرج عن حد الحصر، وقد أتينا في كتابنا (٢) "الأشباه والنظائر" منها بالعدد الكثير (٣). قال: (أو بمفهومه: وهو إما أن يلزم عن مُفْرد تَوَقَّف (٤) عليه عقلًا، أو شرعًا. مثل: ارْم، واعتِقْ عبدَك عَنِّي، ويسمى اقتضاء. أو مركبٍ موافِق (٥) وهو فحوى الخطاب، كدلالة تحريم التأفيف على تحريم الضرب، وجواز المباشرة إلى الصبح على جواز الصوم جنبًا. أو مخالفٍ (٦) كلزوم نفي الحكم عما عدا المذكور، ويسمى ذلك (٧) دليلَ الخطاب). الحالة الثانية: أن يدل الخطاب على الحكم بمفهومه: فإما أن يكون ما

стр. 1282

دل عليه بالمفهوم لازمًا عن مفرد، أو عن مركب. واللازم عن المفرد: قد يكون المقْتَضِي لكونه لازمًا هو العقل، وقد يكون الشرعُ. واللازم عن المركَّب: قد يكون موافقًا للمنطوق فيما اقتضاه من الحكم، وقد يكون مخالفًا. فهذه أقسام: الأول: اللازم عن المفرد الذي اقتضى العقلُ كونه لازمًا عن المفرد، بأن يكون شرطًا للمعنى المدلول عليه بالمطابقة، مثل قولك: ارم. فإنه يدل بمفهومه على لزوم تحصيل القوسِ والمَرْمِي (١)؛ لتوقف الرمي الذي هو مفردٌ عليهما عقلًا؛ إذ يُحيل العقلُ الرميَّ بدونهما. الثاني: اللازم عن المفرد باقتضاء الشرع كونه لازمًا، كقولك لمالك العبد: أعْتِق عَبْدَك عني. فإنه يدل على استدعاء تمليك العبد إياه (٢)؛ لأن العتق شرعًا لا يكون إلا في مملوك. وهذان القسام اللازمان عن المفرد يسميان في اصطلاح الأصوليين بدلالة الاقتضاء (٣). وإليه أشار بقوله: "ويسمى اقتضاءً". ومِنَ الأصوليين مَنْ جعل: دلالة اللفظ على مُقَدَّرٍ يتوقف عليه صِدْق الكلام - داخلًا في قسم "الاقتضاء" أيضًا (٤)، كدلالة قوله ﷺ : "رفع عن

стр. 1283

أمتي الخطأ والنسيان" (١) على رفع الإثم، وعبارة الكتاب لا تنافي ذلك ولا تقتضيه؛ لأنها لا تقتضي انحصار الاقتضاء في المذكور فيه. نعم تقتضي أن يكون ذلك من قبيل ما دل عليه اللفظ بمنطوقه؛ لأنه لم يَعُدَّه في أقسام المفهوم بل في المنطوق، والغزالي عدَّ الاقتضاء بجملة أقسامه من المفهوم (٢). الثالث: اللازم عن اللفظ المركَّب وهو موافق لمدلول ذلك المركب في الحكم، ويُسمى "فحوى الخطاب"؛ لأن فحوى الكلام ما يُفْهم منه قطعًا، وهذا كذلك. ويسمى أيضًا "لحن الخطاب"؛ لأن لحن الكلام عبارة عن: معناه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْل﴾ (٣) أي: معناه (٤). وربما سماه الشافعي ﵁ بالجَليّ. واختلفوا في (٥)

стр. 1284

دلالة النص عليه هل هي لفظية أم قياسية؟ والذي عليه الجمهور أنها قياسية، قال الشيخ أبو إسحاق في "شرح اللمع": "وهو الصحيح؛ لأن الشافعي سماه القياس الجَلِيّ" (١). وهذا الثالث أعني: مفهوم الموافقة - تارة يكون أولى بالحكم من المنطوق، كدلالة تحريم التأفيف من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ (٢) على تحريم الضرب وسائر أنواع الأذى الذي هو أبلغ من التأفيف. وتارةً يكون مساويًا له، كدلالة جواز المباشرة من قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (٣) على جواز أن يصبح الرجل صائمًا جنبًا؛ لأنه لو لم يجز ذلك لما جاز للصائم مَدُّ المباشرة إلى طلوعِ الفجر، بل كان يجب قَطْعُها مقدارَ ما يَسَع فيه الغسلُ قبلَ طلوع الفجر. وإنما ذَكَر المصنف مثالين ليُعْلم أنَّ مفهوم الموافقة قد يكون أولى بالحكم كالمثال الأول، وقد يكون مساويًا كالثاني، وهذا هو الصحيح (٤) المختار. ومنهم من اشترط الأولوية في مفهوم الموافقة، وهو قضية ما نقله إمام الحرمين عن كلام الشافعي ﵁ في "الرسالة" حيث قال في "البرهان": "نحن نَسْرِد معاني كلامِه في الرسالة" ثم قال: "أما مفهوم

стр. 1285

الموافقة فهو ما يدل على أن الحكم في المسكوت عنه موافق للحكم في المنطوق مِنْ جهة الأَوْلى" (١) انتهى. وهو مقتضى كلام الشيخ أبي إسحاق في "شرح اللمع" وغَيْرِه (٢)، وعليه جرى ابن الحاجب (٣)، لكنه قال بعد ذلك في مفهوم المخالفة: "شَرْطه أن لا تظهر أولويةٌ ولا مساواة في المسكوت عنه فيكون موافقة" (٤) فاضطرب كلامه. الرابع: اللازم عن المركب وهو مخالف لمدلول المركب في الحكم، وهذا هو (٥) مفهوم المخالفة، ويسمى "دليل الخطاب"، وهو أصنافٌ ذَكَر المصنفُ منها أربعةً. وذهب أبو حنيفة إلى نفي القول بمفهوم المخالفة مطلقًا، ووافقه جَمْع من الأصوليين، قال إمام الحرمين: "وأما منكرو الصيغ لما يتطرق إليها من تقابل (٦) الظنون - فلا شك أنهم ينكرون المفهوم، فإنَّ تقابل الظنون فيه أوضح، فهو بالتوقف (٧) أولى. وشيخنا أبو الحسن مُقَدَّمُ الواقفية وقد نقل النَّقَلَةُ عنه رَدَّ الصيغةِ والمفهوم، وفي كلامه (ما يدل) (٨) على المفهوم

стр. 1286

والقول به، فإنه تعلق في مسألة الرؤية بقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (١). وقال: لما ذكر الحجاب في إذلال الأشقياء - أشعر ذلك بنقيضه في السعداء. وقد تحققتُ على طول بحثي عن كلام أبي الحسن أنه ليس من منكري الصِّيَغ على ما اعْتَقَده معظمُ النقلة، ولكنه قال في معارضاته (٢) مع أصحاب الوعيد بإنكار الصيغ، وآل سِرُّ مذهبه إلى إنكار التعلق بالظواهر فيما ينبغي (٣) القطع فيه، ولا نرى له المنع من العمل بقضايا الظواهر في مظان الظنون. وقد باح القاضي ﵁ بجَحْد الصيغ، وَصَرَّح بنفي المفهوم" (٤) (٥). قال: (الرابعة: تعليق الحكم بالاسم لا يدل على نفيه عن غيره ، وإلا لما جاز القياس، خلافًا (لأبي بكر) (٦) الدقاق).

стр. 1287

هذه المسألة في مفهوم الاسم ومفهوم الصفة اللذين هما من جملة أصناف دليل الخطاب. أما مفهوم الاسم فنقول: تقييد الحكم أو الخبر بالاسم عَلَمًا كان أو اسمَ جنس، مثل قولك: قام زيد، أو قام الناس لا يدل على نفي الحكم عما عداه، خلافًا لأبي بكر الدقاق (١) والحنابلة (٢).

стр. 1288

وقد سَفَّه علماء الأصول الدَّقَّاق ومَنْ قال بمقالته وقالوا: هذا خروج عن حكم اللسان، وانسلال عن مفاوضات الكلام، فإنَّ مَنْ قال: رأيت زيدًا - لم يقتض ذلك أنه لم ير غيره قطعًا. قال إمام الحرمين: "وعندي أن المبالغة في الرد عليه سَرَفٌ؛ لأنه لا يُظَنُّ بذي العقل الذي لا ينحرف كلامُه عن سَنَن الصواب - أن يُخَصِّص بالذكْر مُلَقَّبًا مِنْ غير غَرَض" (١) (٢). وحاصل ما اختاره إمام الحرمين أن التخصيص يتضمن غرضًا مبهمًا، ولا يتعيَّن انتفاءُ غيرِ المذكور (٣). ثم قال: "وأنا أقول وراء ذلك: لا يجوز أن يكون مِنْ غرض المتكلم في التخصيص نَفْيُ ما عدا المسمَّى بلقبه، فإن الإنسان لا يقول: رأيت زيدًا، وهو يريد الإشعار بأنه لم يرَ غيره، فإنْ هو أراد ذلك قال: إنما رأيت زيدًا، أو ما رأيت إلا زيدًا" (٤) هذا كلامه. وحكى ابن بَرْهان في كتابه في أثناء المسألة مذهبًا ثالثًا عن بعض علمائنا: وهو التفرقة بين أسماء الأنواع وأسماء الأشخاص، فقال: "إنْ تَخَصَّص (٥) اسمُ النوع بالذِّكْر دَلَّ على نَفْي الحكم عن غيره". ومَثَّل له ابن

стр. 1289

برهان بما إذا قال: في السود من الغنم زكاة (١) (٢). وإنْ تَخَصَّص اسمُ الشخص مثل: قام زيدٌ - فلا يدل. ثم قال ابن برهان: "وهذا ليس بصحيح؛ لأن أسماء الأنواع نازلة في الدلالة منزلة أسماء الأشخاص، إلا أنَّ مدلول أسماء الأنواع أكثر (٣)، وهما في الدلالة متساويان" (٤) (٥). إذا عرفت هذا فقد استدل في الكتاب على مذهب الجمهور: بأن تعليق الحكم على الاسم لو دل على نفيه عن (٦) غيره - لما جاز القياس. واللازم (٧) باطل، وبيان الملازمة: أنه لو دلَّ لكان الدليلُ الدال على ثبوت الحكم في الأصل المقيس عليه "كالنص الدال على أن البُرَّ رِبَويٌّ مثلًا" دالًا على نفي الحكم عن الفرع المقيس "كالأرز في مثالنا"، والفرض أن القياس قاضٍ بإلحاقه، فمتى عَمِل بالمفهوم بَطَل القياس (٨).

стр. 1290

وقد ضُعِّف هذا الدليل: بأن التعارض بين مفهوم اللقب والقياس غير متصور؛ لأن من شرط القياس مساواةُ الفرع للأصل، وشَرْط مفهوم المخالفة أن لا يكون المسكوت عنه أولى ولا مساويًا (١)، فلا مفهوم إذًا مع المساواة، ولا قياسَ مع عدم المساواة. وأبدى والدي - أطال الله بقاه - في تضعيفه وجهًا أحسن مِنْ هذا لا مزيد على بلاغته فقال: للدقاق أن يقول: المفهوم يدل على الإباحة فيما عدا البر، والقياس إنما يدل على التحريم فيما شارك البر في المعنى كالأرز والحمص، دون ما لم يشاركه من الرصاص والنحاس وغيرهما. فغاية ما يفعل القياس حينئذ أن يُخَصِّص المفهوم، (ولا بِدْع في تخصيص المفهوم) (٢) بالقياس، بل ولا في تخصيص المنطوق. فائدة: رأيت (٣) في كتاب الأستاذ أبي إسحاق في أصول الفقه: أنَّ شيخه ابن الدقاق هذا ادَّعى في بعض مجالس النظر ببغداد صحةَ ما قاله مِنْ مفهوم اللقب، فأُلْزم وجوبَ الصلاة (٤) فإن الباري تعالى أوجب الصلاة، فهل له

стр. 1291

دليلٌ يدل على نفي وجوبِ الزكاة والصوم وغيرهما؟ قال: فبان له غلطه، وتوقف فيه (١). قال: (وبإحدى صفتي الذات مثل: "في سائمة الغنم زكاةٌ" يدل ما لم يظهر للتخصيص فائدة أخرى، خلافًا لأبي حنيفة، وابن سريج، والقاضي، وإمام الحرمين، والغزالي). هذا (٢) مفهوم الصفة وهو مُقَدَّم المفاهيم (ورأسها، وقد قال إمام الحرمين: "ولو عَبَّر معبِّر عن جميع المفاهيم) (٣) بالصفة لكان ذلك منقدحًا، فإن المعدودَ والمحدودَ موصوفان بعددهما وحَدِّهما، وكذا سائر المفاهيم" (٤). وقول المصنف: "وبإحدى" هو معطوف على قوله: "تعليق الحكم بالاسم" أي: وتعليق الحكم بإحدى صفتي الذات، أوْ أحد أوصافها - يدل على نفي الحكم عن الصفة الأخرى. مثال مفهوم الصفة: قوله ﷺ : "في سائمة الغنم زكاة" (٥) وهو

стр. 1292

حديث معناه ثابت في الصحيح، فإن الغنم ذاتٌ، والسَّوْمَ والعَلَفَ وصفان يَعْتَوِرانها (١)، وقد عُلِّق الحكم بأحدهما وهو السَّوْم. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٢) (٣). وقد اختلفوا في هذا المفهوم: فذهب الجماهير (٤) وكبيرهم الشافعي، وأبو الحسن، وأبو عبيدة مَعْمر بن المثنى (٥)، وجَمْعٌ كثير من الفقهاء

стр. 1293

والمتكلمين: إلى أنه يدل على النفي (١)، واختاره المصنف. ثم اختلف هؤلاء في أنه هل يدل على نفي الحكم عما عداه مطلقًا سواء أكان (٢) من جنس (٣) المثبت فيه، أم (٤) لم يكن، أو يختص بما إذا كان من جنسه؟ مثاله: إذا قلنا (٥): "في الغنم السائمة زكاة" هل يدل على نفي الزكاة عن المعلوفة مطلقًا، سواء أكانت (٦) معلوفةَ الغنمِ، أم (٧) (الإبل، أم البقر) (٨)، أو (٩) يختص بالنفي عن معلوفة الغنم؟ وهذا الخلاف حكاه الشيخ أبو حامد في كتابه في أصول الفقه عن أصحابنا. وقال: الصحيح تخصيصه بالنفي عن معلوفة الغنم فحسب. وَذَهَب أبو حنيفة، والقاضي أبو بكر، وأبو العباس بن سريج إمام

стр. 1294

أصحابنا، والقفال الشاشي، والغزالي، وجماعةٌ: إلى أنه لا يدل، واختاره الآمدي (١). وفرق أبو عبد الله البصري (٢) فقال بالمفهوم في الخطاب الوارد لبيان المجمل كقوله ﵊: "زكوا عن سائمة الغنم" فإنه ورد بيانًا لقوله: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٣)، والوارد للتعليم كقوله ﵊: "إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة" (٤) الحديث، والوارد فيما انتفى عنه الصفة إذا كان داخلًا تحت المُتَّصِفِ بها نحو: الحكم بالشاهدَيْن، والشاهد الواحد؛ فإن الشاهد الواحد داخل تحت الشاهدين (٥).

стр. 1295

وفَرَّقَ إمام الحرمين بين الوصف المناسب وغير المناسب، فقال بمفهوم الأول دون الثاني (١). وقد أطلق في الكتاب تَبَعًا للإمام النقلَ عنه (٢) في إنكار مفهوم الصفة (٣)، وليس بجيد. وقال الإمام: "إنه لا يدل على النفي بحَسَب وضع اللغة، لكنه يدل عليه بحَسَب العرف العام" (٤). هذا تحرير الخلاف في المسألة.

стр. 1296

وأما محل النزاع فهو كما أشار إليه المصنف بقوله: "ما لم يظهر" أي: إنما يدل - عند القائلين به - إذا لم يظهر لتعليق (١) الحكم بالصفة المذكورة فائدةٌ أخرى مغايرةٌ لنفي الحكم عما عداها، ككونه جوابًا عن سؤالِ سائلٍ عن حكم إحدى الصفتين، أو خارجًا مخرج الغالب، أو غير ذلك. مثل قوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) فإنَّ قوله: ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لا مفهوم له؛ لأن النهي عن موالاة الكافرين عامٌ (٣) فيمَنْ والَى المؤمنين ومَنْ لم يُوَالهم، وإنما معنى قوله: ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أنَّ لكم في موالاة المؤمنين (٤) مندوحة عن موالاة الكافرين، فلا تؤثروهم عليهم. ففي هذه الأشياء لا يدل على نفي الحكم عما عدا الصفة المذكورة، كما نقله المتأخرون من الأصوليين. وقد نازع إمام الحرمين فيما إذا خَرَج مَخْرج الغالب بعد أن نقل عن الشافعي ما قلناه من أنه لا مفهوم حينئذٍ وأطال الكلام فيه (٥)، والشيخ عز الدين بن عبد السلام قال: القاعدة تقتضي العكس، وهو أن الوصف إذا خرج مَخْرج الغالب يكون له مفهومٌ بخلاف ما إذا لم يكن غالبًا، وذلك لأن الوصف الغالب على الحقيقة تدل العادة على ثبوته لتلك الحقيقة، فالمتكلم يكتفي بدلالة العادة على ثبوته لها عن ذكر اسمه (٦)، فإذا

стр. 1297

أتى بها (١) مع أن العادة كافية فيها - دلَّ على أنه إنما أتى بها لتدل على سلب الحكم عما عداه (٢)؛ لانحصار غرضه فيه. (وأما إذا لم يكن عادة فقد يقال: إنَّ غرض المتكلم بتلك) (٣) الصفة أن يُفْهِم السامع أن هذه الصفة ثابتة لهذه الحقيقة (٤). وقد أجاب القرافي عن هذا: بأن الوصف إذا كان غالبًا يكون لازمًا لتلك الحقيقة في الذهن بسبب (٥) الشهرة والغلبة، فذِكْره إياه مع الحقيقة عند الحكم عليها (لَعَلَّه لحضوره) (٦) في ذهنه لا لتخصيص الحكم به، وأما إذا لم يكن غالبًا فالظاهر أنه لا يُذْكر مع الحقيقة إلا لتقييد الحكم به؛ لعدم مقارنته للحقيقة في الذهن حينئذ، فاستحضارُه معه واستجلابه لذكْره (عند الحقيقة عند الحكم) (٧) إنما يكون لفائدة، والفَرْض عدم ظهور فائدة أخرى، فيتعين (٨) التخصيص (٩) (١٠). وهذا الجواب صحيح.

стр. 1298

فإنْ قلت: هذا لا يتضح بالنسبة إلى كلام الله تعالى؛ لعِلْمِه بالغالب وغير الغالب على حد سواء. قلتُ: هذا السؤال أورده الشيخ صدر الدين بن المرحل في كتابه "الأشباه والنظائر". وقد ذكر اختلاف الأصوليين في أن العام هل يشمل الصورة النادرة فقال: "هذا الخلاف لا يبين لي جريانه في كلام الله تعالى؛ لأنه لا يخفى عليه خافية فهو يعلم ذلك النادر" قال (١): "وإنما يتبين (٢) لي دخوله في كلام الآدميين" (٣). وقد أجبت عنه في كتابي "الأشباه والنظائر" بما لو عُرِض على ذوي التحقيق لتلقوه بالقبول. فقلت: الخلاف جار في كلام الله تعالى لا للمعنى الذي ذكره ابن المرحل؛ بل لأن كلام الله منزَّلٌ على لسان العرب وقانونهم وأسلوبهم، فإذا جاء فيه لفظٌ عام تحته صورة نادرة، وعادةُ العرب إذا أَطْلَقَتْ ذلك اللفظ لا تمر تلك الصورة ببالها - نقول: هذه الصورة ليست داخلة في مراد الله تعالى من هذا اللفظ، وإن كان عالمًا بها؛ لأن هذا اللفظ يطلق عند العرب ولا يراد هذه الصورة، كما يجيء في القرآن ألفاظ كثيرةٌ يستحيل وقوع معانيها من الله تعالى: كالترجي والتمني، وألفاظ التشكيك، وكل ذلك منتف في جانبه تعالى، وإنما تجيء لِكَوْن (٤) القرآن على أسلوب كلام العرب (٥).

стр. 1299

قال: (لنا: أنه المتبادر من قوله ﷺ : "مطل الغنيِّ ظلم" ومن قولهم: "الميت اليهودي لا يُبْصر" وأن ظاهر التخصيص يستدعي فائدة، وتخصيصُ الحكم فائدةٌ، وغيرها منتف بالأصل فيتعين (١). وأن (٢) الترتيب يشعر بالعلِّية كما ستعرفه، والأصل ينفي علةً أخرى فينتفي بانتفائها. قيل: لو دلَّ لدلَّ إما مطابقة أو التزامًا. قلت: التزامًا لما ثبت أن الترتيب يدلُّ على العلية، وانتفاء العلة يستلزم انتفاء معلولها المساوي. قيل: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ ليس كذلك. قلت: غير المدعى). استدل على أن مفهوم الصفة حجة بثلاثة أوجه: الأول: أنه يتبادر إلى الفهم حيث كان، كما أن مَنْ سمع ما رواه البخاري (ومسلم) (٣) من قوله ﷺ : "مَطل الغني ظلم" (٤) - فَهِم أنَّ مَطْل

стр. 1300

من ليس بغني ليس ظلمًا. وقد فَهِم ذلك من الحديث أبو عبيدة وهو من أئمة اللغة، وكذلك الشافعي وهو إمام اللغة وابن بَجْدتها (١)، والتمسك بقول الشافعي وأبي عبيدة أولى من التمسك بقول أعرابي جِلْفٍ. وكذلك أهل العرف يتبادر إلى فهمهم مِنْ قول القائل: الميت اليهودي لا يُبْصِر: أن الميتَ الذي ليس هو (٢) بيهودي يُبْصِر، بدليل أنهم يسخرون من هذا الكلام ويضحكون منه. وإنما ذكر المصنف هذين المثالين لِيُبَيِّن (٣) أنه المتبادر إلى الفهم في الأول عند أهل اللغة، وفي الثاني عند أهل العرف، فيجتمع التبادر من الجهتين، وهذا من محاسنه. وقد اعترض إمام الحرمين على التمسك بفهم الشافعي وأبي عبيدة فقال: هذا المسلك فيه نظر؛ فإن الأئمة قد يحكمون على اللسان عن نظر واستنباط، وهم في مسالكهم في محلِّ النزاع مطالبون بالدليل. والأعرابي الجِلف منطقه طَبْعُه، فيغع التمسك بمنظومه ومنثوره. الوجه الثاني: أن ظاهر تخصيصِ الحكمِ بالصفة يستدعي فائدةً صَوْنًا للكلام عن اللغو، وتلك الفائدة ليست إلا نَفْي الحكم عما عداه؛ لأن غيرها منتفٍ بالأصل، فتتعين هي؛ ولأن الكلام فيما إذا لم يظهر للتخصيص بالذكر فائدةٌ أخرى.
следующие страницы →