← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

وأما محل النزاع فهو كما أشار إليه المصنف بقوله: "ما لم يظهر" أي: إنما يدل - عند القائلين به - إذا لم يظهر لتعليق (١) الحكم بالصفة المذكورة فائدةٌ أخرى مغايرةٌ لنفي الحكم عما عداها، ككونه جوابًا عن سؤالِ سائلٍ عن حكم إحدى الصفتين، أو خارجًا مخرج الغالب، أو غير ذلك. مثل قوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) فإنَّ قوله: ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لا مفهوم له؛ لأن النهي عن موالاة الكافرين عامٌ (٣) فيمَنْ والَى المؤمنين ومَنْ لم يُوَالهم، وإنما معنى قوله: ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أنَّ لكم في موالاة المؤمنين (٤) مندوحة عن موالاة الكافرين، فلا تؤثروهم عليهم. ففي هذه الأشياء لا يدل على نفي الحكم عما عدا الصفة المذكورة، كما نقله المتأخرون من الأصوليين. وقد نازع إمام الحرمين فيما إذا خَرَج مَخْرج الغالب بعد أن نقل عن الشافعي ما قلناه من أنه لا مفهوم حينئذٍ وأطال الكلام فيه (٥)، والشيخ عز الدين بن عبد السلام قال: القاعدة تقتضي العكس، وهو أن الوصف إذا خرج مَخْرج الغالب يكون له مفهومٌ بخلاف ما إذا لم يكن غالبًا، وذلك لأن الوصف الغالب على الحقيقة تدل العادة على ثبوته لتلك الحقيقة، فالمتكلم يكتفي بدلالة العادة على ثبوته لها عن ذكر اسمه (٦)، فإذا

стр. 1297

أتى بها (١) مع أن العادة كافية فيها - دلَّ على أنه إنما أتى بها لتدل على سلب الحكم عما عداه (٢)؛ لانحصار غرضه فيه. (وأما إذا لم يكن عادة فقد يقال: إنَّ غرض المتكلم بتلك) (٣) الصفة أن يُفْهِم السامع أن هذه الصفة ثابتة لهذه الحقيقة (٤). وقد أجاب القرافي عن هذا: بأن الوصف إذا كان غالبًا يكون لازمًا لتلك الحقيقة في الذهن بسبب (٥) الشهرة والغلبة، فذِكْره إياه مع الحقيقة عند الحكم عليها (لَعَلَّه لحضوره) (٦) في ذهنه لا لتخصيص الحكم به، وأما إذا لم يكن غالبًا فالظاهر أنه لا يُذْكر مع الحقيقة إلا لتقييد الحكم به؛ لعدم مقارنته للحقيقة في الذهن حينئذ، فاستحضارُه معه واستجلابه لذكْره (عند الحقيقة عند الحكم) (٧) إنما يكون لفائدة، والفَرْض عدم ظهور فائدة أخرى، فيتعين (٨) التخصيص (٩) (١٠). وهذا الجواب صحيح.

стр. 1298

فإنْ قلت: هذا لا يتضح بالنسبة إلى كلام الله تعالى؛ لعِلْمِه بالغالب وغير الغالب على حد سواء. قلتُ: هذا السؤال أورده الشيخ صدر الدين بن المرحل في كتابه "الأشباه والنظائر". وقد ذكر اختلاف الأصوليين في أن العام هل يشمل الصورة النادرة فقال: "هذا الخلاف لا يبين لي جريانه في كلام الله تعالى؛ لأنه لا يخفى عليه خافية فهو يعلم ذلك النادر" قال (١): "وإنما يتبين (٢) لي دخوله في كلام الآدميين" (٣). وقد أجبت عنه في كتابي "الأشباه والنظائر" بما لو عُرِض على ذوي التحقيق لتلقوه بالقبول. فقلت: الخلاف جار في كلام الله تعالى لا للمعنى الذي ذكره ابن المرحل؛ بل لأن كلام الله منزَّلٌ على لسان العرب وقانونهم وأسلوبهم، فإذا جاء فيه لفظٌ عام تحته صورة نادرة، وعادةُ العرب إذا أَطْلَقَتْ ذلك اللفظ لا تمر تلك الصورة ببالها - نقول: هذه الصورة ليست داخلة في مراد الله تعالى من هذا اللفظ، وإن كان عالمًا بها؛ لأن هذا اللفظ يطلق عند العرب ولا يراد هذه الصورة، كما يجيء في القرآن ألفاظ كثيرةٌ يستحيل وقوع معانيها من الله تعالى: كالترجي والتمني، وألفاظ التشكيك، وكل ذلك منتف في جانبه تعالى، وإنما تجيء لِكَوْن (٤) القرآن على أسلوب كلام العرب (٥).

стр. 1299

قال: (لنا: أنه المتبادر من قوله ﷺ : "مطل الغنيِّ ظلم" ومن قولهم: "الميت اليهودي لا يُبْصر" وأن ظاهر التخصيص يستدعي فائدة، وتخصيصُ الحكم فائدةٌ، وغيرها منتف بالأصل فيتعين (١). وأن (٢) الترتيب يشعر بالعلِّية كما ستعرفه، والأصل ينفي علةً أخرى فينتفي بانتفائها. قيل: لو دلَّ لدلَّ إما مطابقة أو التزامًا. قلت: التزامًا لما ثبت أن الترتيب يدلُّ على العلية، وانتفاء العلة يستلزم انتفاء معلولها المساوي. قيل: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ ليس كذلك. قلت: غير المدعى). استدل على أن مفهوم الصفة حجة بثلاثة أوجه: الأول: أنه يتبادر إلى الفهم حيث كان، كما أن مَنْ سمع ما رواه البخاري (ومسلم) (٣) من قوله ﷺ : "مَطل الغني ظلم" (٤) - فَهِم أنَّ مَطْل

стр. 1300

من ليس بغني ليس ظلمًا. وقد فَهِم ذلك من الحديث أبو عبيدة وهو من أئمة اللغة، وكذلك الشافعي وهو إمام اللغة وابن بَجْدتها (١)، والتمسك بقول الشافعي وأبي عبيدة أولى من التمسك بقول أعرابي جِلْفٍ. وكذلك أهل العرف يتبادر إلى فهمهم مِنْ قول القائل: الميت اليهودي لا يُبْصِر: أن الميتَ الذي ليس هو (٢) بيهودي يُبْصِر، بدليل أنهم يسخرون من هذا الكلام ويضحكون منه. وإنما ذكر المصنف هذين المثالين لِيُبَيِّن (٣) أنه المتبادر إلى الفهم في الأول عند أهل اللغة، وفي الثاني عند أهل العرف، فيجتمع التبادر من الجهتين، وهذا من محاسنه. وقد اعترض إمام الحرمين على التمسك بفهم الشافعي وأبي عبيدة فقال: هذا المسلك فيه نظر؛ فإن الأئمة قد يحكمون على اللسان عن نظر واستنباط، وهم في مسالكهم في محلِّ النزاع مطالبون بالدليل. والأعرابي الجِلف منطقه طَبْعُه، فيغع التمسك بمنظومه ومنثوره. الوجه الثاني: أن ظاهر تخصيصِ الحكمِ بالصفة يستدعي فائدةً صَوْنًا للكلام عن اللغو، وتلك الفائدة ليست إلا نَفْي الحكم عما عداه؛ لأن غيرها منتفٍ بالأصل، فتتعين هي؛ ولأن الكلام فيما إذا لم يظهر للتخصيص بالذكر فائدةٌ أخرى.

стр. 1301

فإن قلت: هذا يلزمكم في مفهوم اللقب. قلت: اللقب له فائدةُ تصحيحِ الكلامِ؛ إذ الكلام بدونه غير مفيدٍ بخلاف الصفة. الثالث: أنَّ الحكم المرتب على الخطاب المقيَّد بالصفة معلولُ تلك الصفة، كما ستعرفه إن شاء الله تعالى في كتاب القياس من أن ترتيب الحكم على الوصف يُشْعر بالعلية (١)، والأصل عدم علةٍ أخرى (٢)؛ لأنا إنْ جَوَّزنا التعليل بعلتين فلا شك أن الأصَل عدمه، وإذا لم يكن له علة غير الوصف لزم انتفاء الحكم فيما انتفى عنه الوصف؛ لأن انتفاء العلة يستلزم انتفاء المعلول. قوله: "قيل" أي: احتج الخصم بوجهين: أحدهما: أنه لو دل تخصيص الحكم بإحدى الصفتين على نفيه عما عداها - لدل عليه إما بالمطابقة أو بالالتزام؛ ضرورةَ انحصارِ الدلالة فيهما، فإن المراد بدلالة الالتزام هنا دلالة اللفظ على لازم مسماه، واللازم أعم من الجزء والوصف (٣) فيشمل (٤) دلالةَ التضمن، لكنه لا يدل (لا بالمطابقة ولا بالالتزام، إنما قلنا: إنه لا يدل بالمطابقة) (٥)؛ لأن ثبوت الحكم في إحدى

стр. 1302

الصفتين ليس عين ثبوته في الأخرى؛ لأن قوله: "زكوا عن الغنم السائمة" غير موضوع لنفي الزكاة عن المعلوفة، فالدال على أحدهما بالمطابقة لا يدل على الآخر بها. وإنما قلنا: إنه لا يدل بالالتزام؛ لأنه (١) إنْ كان التضمن (٢) فواضح؛ لأن نَفْي الحكم عما عدا المذكور ليس جزءًا لثبوته في المذكور (٣). وإن كان الالتزام المُعَرَّف في تقسيم الألفاظ فلأن شَرْطه سبقُ الذهن من المسمى إليه (٤)، والسامع قد يتصور وجوبَ الزكاة في السائمة ويَغْفل في تلك الحالة عن استحضار الحكم على المعلوفة بنفيٍ أو إثبات، بل قد يغفل عن تصور المعلوفة. وأجاب في الكتاب: بأنه يدل عليه بالالتزام؛ لما ثبت من أن (٥) ترتيب الحكم على الوصف مُشْعِرٌ (٦) بالعلية، وأن الأصل عدمُ علةٍ أخرى، فانتفاء الحكم عما عدا تلك الصفة (من لوازم ثبوته لها؛ لأن انتفاء العلة يستلزم انتفاء معلولها المساوي (٧)، فالدال) (٨) على ثبوت الحكم للصفة المخصوصة

стр. 1303

بالذّكر مطابقةً - يدل على نفيه عما عداها التزامًا. وقوله (١): "المساوي" أراد به أن لا يكون له علةٌ أخرى، احترازًا عما يكون له علة أخرى، كالحرارة فإنها معلولةٌ للنار، وللشمس (٢). فلو كانت له (٣) علةٌ أخرى لم يلزم من انتفاء هذه العلة انتفاء المعلول؛ لجواز ثبوته بالعلة الأخرى. هذا تقرير الجواب. ولقائل أن يقول: إنما يتأتى هذا (٤) عند مَنْ لا يشترط في دلالة الالتزام اللزوم البيِّن (٥)، ويكتفي باللازم الخارجي (٦) سواء أكان (٧) لزومه بواسطة أم بغير واسطة.

стр. 1304

الوجه الثاني: أنه لو دلَّ لما كان حكم المنطوق به ثابتًا مع عدم الصفة، لكنه ثابت (١)، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ (٢) فإنَّ قتل الأولاد محرم في الحالتين (٣). وأجاب: بأن هذا غير المدَّعَى؛ لأنا لم ندَّعِ أن مفهوم الصفة حجة إلا فيما إذا لم يظهر له فائدة أخرى كما تقدم، وهنا قد ظهرت له فائدة وهي خروجه مَخْرَج الغالب؛ لأن غالب أحوالهم أنهم لا يقتلون أولادهم إلا عند خشية الفقر. هذا جواب المصنف. والحق أن هذا ليس مما نحن فيه؛ لأن دلالته على حرمة القتل عند انتفاء خشية الإملاق من باب الأولى، فهو من فحوى الخطاب لا من دليله (٤). فإن قلت: هَبْ أن هذه الآية لا تدل لما ذكرناه، ولكن ثَمَّ آية أخرى مؤيدة له (٥) وهي قوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ (٦) فلو كان مفهوم الصفة حجة للزمكم القول بأنَّ لهم شفيعًا لا يطاع. قلت: هذه الصفة لها فائدة أخرى غير التخصيص فلا تكون (٧) من محل

стр. 1305

النزاع، وقد ذكر والدي أيده الله تعالى في تفسير هذه الآية ست فوائد لهذه الصفة: إحداها: أنها الذي تتشوف إليه نفوسُ مَنْ يَقْصُد أن يُشْفع فيه (١)، فكان التصريح بنفيها نفيًا قطعًا لأطماع الظالمين وفطمًا لهم، ليقطعوا إياسهم؛ لأن مَنْ كان متشوفًا إلى شيء فَصُرِّح له بأنه لا يبلغه - كان أنكى له من أن يُدَلَّ عليه بلفظ عام شامل له أو مستلزم إياه (٢)، فلم يُقْصَد بهذه الصفة التخصيص، وإنما قُصد ما ذكرناه. الثانية: أنَّ من الشفعاء من لا تُقبل شفاعته، فلا غرض فيه أصلًا. ومنهم مقبول الشفاعة وهو المقصود، فَنَصَّ عليه تحقيقًا لمَنْ قَصدَ نَفْيه، وهي صفة مُخَصِّصة، وقَدَّم هذا الغَرَض (٣) على ما يقتضيه مفهومُ الصفة من وجود غيره؛ لقيام الدليل على عدمه (٤). وهذه الفائدة مغايرة للأولى؛ لأن هذه في آحاد الشفعاء وتلك في صفة شفاعتهم (٥).

стр. 1306

الثالثة: ما يدل عليه مادة ﴿يُطَاعُ﴾ والغالب في الشفاعة استعمال لفظ القبول والنفع وما أشبههما، أما الطاعة فإنما تقال في الأمر (١)، فكان ذكرها ههنا (٢) لنكتة بديعة: وهي أنه لما ذكر الظالمين، وشأنُ الظالمين في الدنيا القوة، والمتكلَّم لهم بمنزلة مَنْ يأمر فيطاع - نفى عنهم ذلك في الآخرة تبكيتًا وحسرة، فإن النفس إذا ذُكّرت ما كانت عليه وزال عنها وخوطبت به - كان أشد عليها (٣). الرابعة: أنه إشارة إلى هولِ ذلك اليوم العصيب، وأن شدته بلغت مبلغًا لا ينفع فيه إلا شفيع له قوة ورتبة أن يطاع لو وجد وهو لا يوجد. وهذه قريبة من التي قبلها إلا أنها بحسب الحاضر، وتلك بحسب الماضي (٤).

стр. 1307

الخامسة: التنبيه على ما قُصِد (١) الشفيعُ لأجله (٢)، يقول المغلوب الذي ليس عنده أحد: ما عندي أحد ينصرني، تنبيهًا على أن مقصوده النصرة (٣) (٤). السادسة: فائدةٌ ذكرها الزمخشري، وفَهْمها يتوقف على تحرير كلامه، وفيه نظر طويلٌ، وقد تكلَّم عليه الشيخ الإمام والدي أبلغ كلام وأحسنه، ولولا خشية التطويل والخروج عن مقصد الشرح لاستوعبنا ذكره، فإنه مما (٥) يشح به اللبيب، ويُغبط به ذو الذهن السليم (٦). قاعدة: أصلُ وضع الصفة أن تجيء إما للتخصيص، أو للتوضيح: ويكثر مجيئها للتخصيص في النكرات، وللتوضيح في المعارف، نحو: مررتُ برجلٍ عاقلٍ، وبزيدٍ العالم (٧).

стр. 1308

وقد تجيء لمجرد الثناء كصفات الله تعالى، أو لمجرد الذم نحو: الشيطان الرجيم. أو للتوكيد مثل: ﴿نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾. أو للتحنن مثل: زيد المسكين. وهذه الأقسام (١) لا مفهوم لها. وقد يُعَبَّر عن التخصيص بالشرط، وعن التوضيح بالتعريف، والمعنى واحد. ولما احتمل كون كل منهما مرادًا - وقع في مواضع كثيرة من الكتاب والسنة أماكنُ اختلف فيها العلماء، وفي الحكم المرتب عليها؛ لأجل اختلافهم فيها. فمن ذلك قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ (٢)، فقوله: ﴿لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ متردد (٣) بين أن يكون للتوضيح أو للتخصيص، فإن كان الأول كان (٤) فيه دلالة لمذهب الشافعي ﵁ أن العبد لا يملك شيئًا، ويكون معنى الآية: أن هذا شأن العبد كما في قوله: "مملوكًا" قبل ذلك، فإنه للتوضيح لا محالة. وإنْ كان قوله: ﴿لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ للتخصيص - كان فيه دلالة لمذهب مالك والقديمِ عندنا أن العبد يملك بالتمليك (٥)؛ (لأن معنى الآية: أن العبد قد يملك) (٦) وقد لا يملك، والوصفُ خَصَّص المثال (٧) بمن لا يملك شيئًا،

стр. 1309

ولا يقدر عليه (١) (٢). ومنها: قوله ﷺ لصفوانَ بنِ أمية (٣) لما استعار منه: "بل عارية

стр. 1310

مضمونة" (١) (فإن قوله: "مضمونة") (٢) (إنْ كان للتوضيح كان فيه دليل لمذهب الشافعي أن العارية) (٣) مضمونة، وأن هذا شأنها. وإن كان للتخصيص كان مُسْتَندًا لأبي حنيفة في أنها غير مضمونة ما لم يَشْترط (٤) (٥). ومنها: إذا قال لزوجته: إذا تظاهرتُ من فلانة الأجنبية فأنتِ عليَّ كظهر أمي. ثم تزوجها فَظَاهر (٦) منها فهل يصير مظاهرًا من الزوجة الأولى؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه يصير مظاهرًا (ويُجْعل الوصف بالأجنبية توضيحًا،

стр. 1311

والثاني: (وهو الأصح عند الرافعي) (١) أنه لا يصير مظاهرًا) (٢) ويكون لفظ "الأجنبية" للشرط وهو التخصيص، فكأنه علَّق ظهاره من الزوجة على ظهاره من تلك في حال كونها أجنبية، وذلك تعليق على ما لا يكون ظهارًا شرعيًا، فلا يصح ظهاره من الأولى (٣). ومنها: إذا حلف لا يأكل من لحم هذا الجمل، فصار كبشًا فأكله، ففيه خلاف، منهم مَنْ خَرَّجه على هذه القاعدة (٤)، ومنهم من خَرَّجه على تغليب الإشارة والعبارة (٥). ومن هنا ينعرج القول إلى مسائل الإشارة والعبارة، وقد ذكرنا في كتابنا "الأشباه والنظائر" عند ذكر هذه القاعدة من مسائلها ما تَقَرُّ به عين ناظره (٦). والله أعلم.

стр. 1312

قال: (الخامسة: التخصيص بالشرط مثل: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ (١) فإنّه ينتفي المشروط بانتفائه. قيل: تسمية "إنْ" حرفُ شرطٍ (٢) اصطلاح. قلنا: الأصل عدم النقل. قيل: يلزم ذلك لو لم يكن للشرط بدل. قلنا: حينئذ يكون أحدهما وهو غير المدعى. قيل: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ (٣) ليس كذلك. قلنا: لا نسلم بل انتفاء الحرمة لامتناع الإكراه). هذا مفهوم الشرط وهو أقوى من مفهوم الصفة، ولذلك قال به بعض مَن لا يقول بمفهوم الصفة كابن سريج، وبالغ إمام الحرمين في الرد على منكريه (٤). وأما الغزالي فإنه صمم على إنكاره فقال (٥): "الصحيح عندنا ما ذهب إليه القاضي من إنكاره" (٦). واعلم أنَّ محل الخلاف في مفهوم الشرط فيما إذا قال: مَنْ جاءني أكرمتُه، وأمثالها مِنْ صيَغ الشرط نحو: متى، وإذا: أنَّ هذه الصيغة الدالة بمنطوقها على إكرام مَنْ يجيء، هل هي دالة بمفهومها على عدم إكرام من لم يجئ؟ هذا محل النزاع، وكذلك في مفهوم الصفة وغيره، فالخلاف إنما هو في دلالة حرف الشرط على العلم عند العلم (٧)، لا على أصل العلم عند

стр. 1313

العدم (١)، فإن ذلك ثابت بالأصل قبل أن ينطق الناطق بكلامه، وكذا في سائر المفاهيم. مثال مفهوم الشرط: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ (٢) دلَّ بالمنطوق على وجوب النفقة على أولات الأحمال، فهل يدل بالمفهوم على العلم عند العلم، حتى يُسْتدل به على منع وجوب النفقة للمعتدة الحائل (٣)؟ والذي اختاره المصنف تبعًا للإمام (٤) والجماهير وهو مذهب الشافعي ﵁: أنه يدل. ودليله: أن النحويين قالوا: إنَّ كلمة "إنْ" حرف شرطٍ، ويلزم من انتفاء الشرط انتفاء المشروط. واعترض الخصم (على هذا الدليل) (٥) بثلاثة أوجه: أحدها: أنَّ تسمية "إنْ" حرفُ شرطٍ من الاصطلاحات المجازية، كتسميتهم الحركات المخصوصة بالرفع والجر والنصب، وإن لم تكن هذه الأسماء موجودةً في أصل اللغة.

стр. 1314

وأجاب: بأن الأصل أن تكون تسميتُهم له حرفَ شرطٍ مطابِقةً للوضع اللغوي، وإلا يلزم النقل، وهو خلاف الأصل. وهذا الجواب ذكره الإمام وغيره (١)، وفي النفس منه شيء، فإن المنصف (٢) لا يكابر في أن هذه الاصطلاحات حادثة بعد أصل الوضع، ولكن سبيل الانفصال عن السؤال أن يقال: نحن إنما كلامنا في المعلَّق على شيء بأداة تَفهم منها العرب ما يُطْلِق عليه المصطلحون الشرط، وهذا الذي يُفْهم من الشرط ليس مكتسبًا من تسميته شرطًا. والحاصل أنَّ المصطلح إنما هو التسمية للمعنى السابق المفهوم عند العرب، والخلافُ في مفهوم الشرط إنما هو في ذلك المعنى الذي كانت العرب إذا أطلقت أداةَ الشرط تفهمه: هل هو الحصول عند الحصول والعدمُ عند العدم، أو مجرد الحصول عند الحصول (٣)؟ (٤). الاعتراض الثاني: أنا لا نسلم أنه يلزم من انتفاء الشرط انتفاء المشروط على الإطلاق، وإنما يلزم ذلك إذا لم يكن للشرط

стр. 1315

بدل يقوم مقامه، أما إذا كان ذا بدل فلا يلزم ذلك، كالوضوء، فإنه شرط في الصلاة، ولا يلزم من انتفائه انتفاؤها لجواز أن توجد بالتيمم. وأجاب: بأن المدَّعى أن الشرط يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم. وما ذكرتموه لا ينقض هذه الدعوى؛ لأن الشرط في الحالة التي ذكرتموها وهي الصلاة أحدُ الأمرين (١)، وأحد الأمرين لا ينتفي إلا بانتفائهما جميعًا، وما لم ينتفيا لا ينتفي الشرط؛ لأن مسمى أحدهما باقٍ؛ وهذا غير مُدَّعانا؛ إذِ المدَّعى فيما هو شرط بعينه (٢). ويمكن أن يقال: وهذا عَيْنُ (٣) مُدَّعانا أي: أن الشرط يلزم من انتفائه انتفاء (٤) المشروط؛ لأن الشرط والحالة هذه أحدهما ولم ينتف، ولو انتفى لم تصح الصلاة. وهذا أحسن من تقريره على لفظة "غير" ونُسَخ الكتاب مختلفة؛ لأن "غيرًا" تُصَحَّف بعين (٥). الاعتراض الثالث: أنه لو كان مفهوم الشرط حجةً لكان قوله تعالى:

стр. 1316

﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ (١) دالًا على أنهن إذا لم يُردن التحصن يجوز إكراههن على البغاء. وأجاب: بأنا لا نسلم أنه ليس كذلك، أي: لا نسلم عدم انتفاء الحرمة عند عدم إرادة (التحصن (٢)، بل حُرمة الإكراه عند عدم إرادة التحصن) (٣) منتفيةٌ لامتناع تصور الإكراه حينئذ، فإن الإكراه إنما يتصور على ما لا يريده الإنسان المُكْرَه؛ لأنه حَمْل الشخص على مقابل مراده، فإذا لم يتصور الإكراه جاز أن يقول: ليس بحرام؛ لأنه ليس بمتصور، والحرمة فرع كونه متصوَّرًا (٤). فإن قلت: ما فائدة قوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ حينئذ؟ قلت: لعل المراد التنصيص على قبيح (٥) فعلهم، والنداء بشنيع (٦) أمرهم (٧).

стр. 1317

واعلم أن الشرط قد يأتي ولا مفهوم له، وهو فيما إذا ظهرت له فائدة (غير تخصيص الحكم، كما قلنا في مفهوم الصفة، وكما في قوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ فإنَّ له فائدة) (١) وهي ما أشرنا إليه، وكما في قوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (٢)، وقول القائل لابنه: أطعني إنْ كنت ابني. والمراد التنبيه على السبب الباعث للمأمور به، لا تقييد الحكم، فكل هذا ليس من محل النزاع (٣). قال: (السادسة: التخصيص بالعدد لا يدل على الزائد والناقص) . اختلفوا في أنَّ تعليق الحكم بعددٍ مخصوصٍ هل يدل على انتفاء الحكم فيما عدا ذلك العدد زائدًا كان أو ناقصًا؟. فذهب طوائف إلى أنه يدل، وهو المنقول عن الشافعي ﵁، ممن نقله الماوردي في باب بيع الطعام قبل أن يُسْتوفى (٤)، وإمام الحرمين (٥)،

стр. 1318

والغزالي (١). وقال آخرون: إنه لا يدل، وهو رأي القاضي وإمام الحرمين (٢) , وبه قطع المصنف. وأما الإمام فاختار أنَّ الحكم المقيَّد بعددٍ إنْ كان معلولَ ذلك العدد (٣) ثَبَت في الزائد؛ لوجوده فيه (٤)، كما لو (٥) حَرَّم جَلْد مائة، أو حكم بأن القلتين يدفعان حكم النجاسة (٦)، وإلا لم (٧) يلزم كما لو (٨) أوجب جلد مائة (٩). والناقص عن ذلك العدد إن كان داخلًا فيه وكان الحكم إيجابًا أو إباحة ثبت فيه (١٠)، كما لو أوجب أو أباح جلد مائة (١١)، وإن كان تحريمًا

стр. 1319

فلا يلزم (١). وإن لم يكن داخلًا فيه (٢) كالحكم بشهادة شاهد واحد، فإنه لا يدخل في الحكم بشهادة شاهدين - فالتحريم قد ثبت فيه بطريق الأَوْلى، والإيجاب والإباحة لا يلزمان (٣). قال: "فثبت أنَّ قَصْر الحكم على العدد لا يدل على نفيه عما زاد أو نقص إلا بدليل منفصل" (٤). ومِنْ حُجَج القائلين بهذا المفهوم أنَّه لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ (٥) قال النبي ﷺ : "والله لأزيدن على السبعين" (٦) فقد فهم سيدُ العرب العرباء من الآية: أن حكم ما زاد على

стр. 1320

السبعين بخلافه. ومن الناس من أجاب عن هذا: بأن العدد كما لا يدل على نَفْي الحكم عما عداه لا يدل على إثباته، بل هو (١) مسكوت عنه، فلعل النبي ﷺ قال ذلك رجاءً لحصول الغفران لهم، بناءً على حكم الأصل؛ إذْ كان جواز المغفرة ثابتًا قبل نزول هذه الآية. (وقال الغزالي: الأظهر أن هذا (٢) الخبر غير صحيح؛ لأنه ﷺ أعرف الخلق بمعاني الكلام، ولفظ: "السبعين" إنما جرى مبالغةً في اليأس وقطعًا للطمع عن الغفران؛ فإن العرب تستعمله في ذلك كقول القائل: اشفع أو لا تشفع لو شفعت سبعين مرة لما أفاد) (٣) (٤) وقول الغزالي:

стр. 1321

إنَّ (١) الأظهر أنَّ هذا الخبر غير صحيح مُتَلَقَّى من إمام الحرمين، فإنه قال: "هذا لم يصححه أهل الحديث" (٢) وإمام الحرمين تلقى ذلك من القاضي أبي بكر فإنه قال في "مختصر التقريب": "هذا الحديث ضعيف غير مدون في الصحاح" (٣) وهذا باطل، فإن الحديث ثابت صحيح مدون في البخاري ومسلم. وقول الغزالي: "السبعين للمبالغة في قطع اليأس" مُتَلَقَّى من القاضي أيضًا فإنه قال: "مَنْ شَدَا طَرْفًا من العربية لم يَخْفَ عليه أن المقصود منه قطع موارد الرجاء، دون التعليق على السبعين، وكيف يَخْفَى مَدْرك هذا - وهو مقطوع به - عن أفصح مَن نطق بالضاد" (٤). والحق أنَّ (٥) الجواب الأول أسَدُّ من هذا، وقد ذكره القاضي أيضًا في "مختصر التقريب". وأما ما تعلق به القاضي في إنكار الحديث فغير مُعْتَصم؛ لأن السبعين وإنْ نطقت (العرب بها) (٦) للمبالغة تارةً فقد نطقت بها للتقييد بالعدد المخصوص أخرى، بل العددُ المخصوص هو حقيقتها. وقول القاضي: "المقصود قطع مواردِ الرجاء دون التعليق على السبعين".

стр. 1322

لا يصح مع ثبوت الحديث. خاتمة: قال والدي أطال الله بقاه: التحقيق عندي أن مفهوم العدد إنما يكون حجة عند القائل به عند ذكر نفس العدد كاثنين (١)، وعشرة. أما المعدود فلا يكون مفهومه حجة كقوله ﷺ : "أحلت لنا ميتتان ودمان" (٢) فلا يكون عدم تحريم ميتة ثالثة مأخوذًا من مفهوم العدد، لكن الناس يمثلون لمفهوم العدد بقوله ﷺ : "إذا بلغ الماء قلتين" (٣) والذي لا يتجه غيره هو ما

стр. 1323

ذكرناه؛ وذلك لأن العدد شبه الصفة؛ لأن قولك: "في خمس من الإبل" في قوة قولك: "في إبل خمس" بجعل الخمس (صفة للإبل، وهي إحدى صفتي الذات؛ لأن الإبل قد تكون خمسًا وقد تكون أقل) (١) أو أكثر، فلما قُيِّدت وجوبُ الشاة بالخمس فُهِم أن غيرها بخلافه، فإذا قَدَّمت لفظ العدد كان الحكم كذلك. والمعدود لم يُذكر معه أمر زايد يُفْهم منه انتفاء الحكم عما عداه فصار كاللقب (٢)، واللقب لا فرق فيه بين (٣) أن يكون واحدًا أو مثنى، ألا ترى أنك لو قلتَ: رجالٌ لم يتوهم أن صيغة الجمع عدد (٤)، ولا يُفْهم منها ما يُفْهم من التخصيص بالعدد، فكذلك المثنى؛ لأنه اسم موضوع لاثنين، كما أن الرجال اسمٌ موضوع لما زاد، فمِنْ ثَمَّ لم يكن قوله:

стр. 1324

"ميتتان" يدل على نفي حل (١) ميتة ثالثة (٢)، كما أنه لو قال: أحلت لنا ميتة لم يدل على عدم حل ميتة أخرى. نعم هنا بحث ينشأ منه تفصيل: وهو أن المُثَنَّى مِنْ جنسٍ تارةً يراد به ذلك الجنس، ويكون جانب العدد مغمورًا معه (٣). وتارةً يراد العدد من ذلك الجنس، ويظهر هذا بأنك إذا أردتَ الأول تقول: جاءني رجلان لا امرأتان (٤). فلا ينافي ذلك أن يكون جاءه رجال ثلاثة. وإذا أردت الثاني تقول: جاءني رجلان لا ثلاثة. فلا ينافي ذلك أنه جاءه نسوة. وكذلك المفرد تقول: جاءني رجلٌ لا امرأة. أو جاءني رجل لا رجلان. فإنْ (٥) كان في الكلام قرينة لفظية أو حالية تبيِّن المراد اتُّبِعت وعُمِل بحسبها، وإلا فلا دليل فيه لواحد منهما. وقوله: "أحلت لنا ميتتان" سيق لبيان حِل هاتين الميتتين، وليس فيه إشعار لحكم ما سوى ذلك.

стр. 1325

وقوله: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث" (١) فيه شرط (٢) يُسْتَغنى به (٣) عن التمسك بمفهوم العدد، لكن الإمام وغيره مَثَّلوا به في العدد، وكأنه لِمَا ذكرته من البحث (٤)؛ لأن قرينة الكلام بقوله: "إذا بلغ" تقتضي أنه أراد التقييد بهذا القدر المخصوص، فكانت صفة العدد فيه هي المقصودة؛ فلذلك صح التمسك به (٥). قال: (السابعة: النص إما أن يستقل ىإفادة الحكم أوْ لا ، والمقارِن له إما نَصٌّ آخر مثل: دلالةِ قوله: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ (٦) مع دلالة (٧): ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ (٨) على أن تارك الأمر يستحق العقاب. ودلالة قوله: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (٩)

стр. 1326

مع قوله: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (١) على أن أقل مدة الحمل ستة أشْهر. أو إجماع كدلالة ما دلَّ على أن الخال بمثابة الخالة في إرثها إذا دلَّ نص عليه). النص المُسْتَدَلُّ به على حكم قد يدل بمنطوقه، وقد يدل بمفهومه. وهذان القسمان تقدما، وهما داخلان تحت قول المصنف: "يستقيل بإفادة الحكم"، وذلك كقوله: "زكوا عن الغنم السائمة" فإن منطوقه مستقل بإيجاب زكاتها، ومفهومه مستقل بعدم إيجاب زكاة المعلوفة. وقد يَدُلُّ لا بمنطوقه ولا بمفهومه، بل بانضمامه إلى آخر، وهذا هو الذي لا يستقل بل يحتاج إلى مقارن، فنقول: ذلك الآخر المقارِن إما أن يكون نصًا، أو إجماعًا، أو قياسًا، أو قرينة حال المتكلم. واقتصر في الكتاب على ذكر القسمين الأولَيْن، أعني: النَّصَّ، والإجماع. الأول: النص وهو على وجهين: أحدهما: أن يدل أحدُ النصين على مقدمةٍ مِنْ مقدمتي الدليل، والآخر على مقدمة أخرى منه، فيتم بهما الدليل. مثاله: قوله تعالى: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ فإنه يدل على أن تارك الأمر عاص، فإذا ضمه المستدل إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ فإن هذا يدل على أن العاصي يستحق العقاب، وقد دلت الأُولى على أن تارك المأمور به عاص، فيحصل من مجموعهما دليل على أن

стр. 1327

تارك المأمور به يستحق العقاب. وثانيهما: أن يدل أحدهما على ثبوت حكمٍ لشيئين، والآخر على ثبوت بعض ذلك الحكم (١) لأحدهما على التعيين، فيتعين الباقي للآخر. مثاله: قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (٢) مع قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ يدل على أن مدة الفصال حولان (٣)، فيتعين أن يكون الباقي وهو ستة أشهر مدة الحمل، فَعُلِم من مجموع النصين أن أقلَّ مدةِ الحمل ستة أشهرٍ. الثاني: الإجماع كدلالة ما رُوي مِن قوله ﷺ : "الخال وارث من لا وارثُ له" (٤) على أن الخال يرث في بعض الأحوال، وانعقد الإجماع على

стр. 1328

أن الخالة بمثابته في الإرث والحرمان (١)، فيدل هذا النص بواسطة انضمام الإجماع إليه - على أن الخالة أيضًا ترث في حالةِ يرث الخال (٢). الثالث: القياس كإثبات الربا في الأرز بواسطة ثبوته بالنص في البر. الرابع: شهادة حال المتكلم، كما إذا جاء في الشرع لفظٌ تردد بين الشرعي وغيره - فإنا نحمله على الشرعي؛ لأن النبي ﷺ بُعِث لبيان الشرعيات. مثل: ما روي مِنْ قوله ﷺ : "الاثنان فما فوقهما جماعة" (٣)

стр. 1329

فإنه يُحْمل على جماعةِ الصلاة، لا على أقل الجمع؛ لأن الأول أمرٌ شرعيٌ، وهذا لغوي، وقرائن حاله ﷺ ترجِّح الحملَ على الشرعي؛ لما ذكرناه من كونه مبعوثًا لبيان الشرعيات. والله أعلم (وبه التوفيق) (١) (٢).

стр. 1330

دَولة الإمَارَات العَربيّة المتّحدة حُكومَة دُبي سلسلة الدّراسَات الأصولية "١٧" الإِبهَاجُ فِي شَرح المِنْهَاجِ شرح عَلى مِنْهَاجِ الوُصُولِ إلى عِلمِ الأصُولِ للِقاضِي البَيْضَاويّ المُتَوَفى سنة ٦٨٥ هـ تَأليفُ شيخ الإسلام علي بن عبد الكافي السبكي المتوفى ٧٥٦ هـ وولده تاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي المتوفى ٧٧١ هـ درَاسَة وَتحقيق الدكتور أحمَد جَمال الزَمْزَمي الدكتور نُورُ الدين عَبد الجَبَّارِ صَغِيري الجزء الرّابع دَار البحُوث للدِّرَاسَات الإسْلَاميّة وَإِحْياء التّراث

стр. 1331

الباب الثاني: في الأوامر والنواهي الفصل الأول: الأوامر

стр. 1332

قال: (الباب الثاني: في الأوامر والنواهي . وفيه فصول: الأول: في لفظ الأمر وفيه مسألتان: الأولى: أنه حقيقة في القول الطالب للفعل ، واعتبر المعتزلة العلُوَّ، وأبو الحسين الاستعلاء، ويُفسدهما قولُه تعالى حكاية عن فرعون: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ (١)). الكلام عند أصحابنا يطلق على اللساني والنفساني، واختلفوا هل هو حقيقة فيهما أو في أحدهما؟ على مذاهب: قيل: في (٢) اللساني فقط، وذهب المحققون منا كما نقله الإمام في أول اللغات إلى أنه مشترك بينهما (٣)، وذهب آخرون إلى أنه حقيقة في النفساني فقط، وكلا القولين منقول عن الشيخ، ويدل على أنه حقيقة في النفساني قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ (٥) (٦).

стр. 1333

وقال عمر يوم السقيفة: كنت زَوَّرت (١) في نفسي كلامًا (٢). وقال الأخطل (٣): إنَّ الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جُعِل اللسان على الفؤاد دليلا (٤)

стр. 1334

قال أصحابنا: ولسنا نستدل بهذه الأدلة على إثبات الكلام النفسي، فإنَّ هذه الأدلة قابلة للتأويل، ولكنا لما دلَّلنا بالبراهين القاطعة المُودَعة في الكتب الكلامية على إثبات (معنى في النفس) (١) يزيد على العلوم، والقُدَر (٢)، والإرادات (٣)، دللنا بهذه الألفاظ على أنه سُمِّي (٤) كلامًا، فهي أدلة على إثبات التسمية لا على إثبات الحقيقة (٥). وأما قول الإمام هنا: المختار أنه حقيقة في اللساني فقط (٦) - فغير مُغَايِر لما نقله في "اللغات" عن المحققين؛ لأنه قال هناك: "الكلام بالمعنى القائم في النفس مما لا حاجة في أصول الفقه إلى البحث عنه، وإنما الذي يبحث عنه اللساني"، وقوله هنا: فقط، أي: ولا يكون حقيقة في الشيء والقصة (٧) والشأن والطريق (٨)، كما ذهب إليه

стр. 1335

أبو الحسين (١). وحاصل الأمر أن الكلام هنا ليس إلا في اللساني. قوله: "في لفظ الأمر" أي: لفظ "أم ر" (٢) لا في مدلولها (٣) الذي هو "افعل"، ولا في نفس الطلب (٤)، وهذا اللفظ يطلق مجازًا على الفعل وغيره مما سيأتي إن شاء الله تعالى. فمسمى الأمر: لفظ وهو صيغة "افعل" (٥). ومسمى صيغة "افعل": هو الوجوب أو غيره على الاختلاف فيه. فقوله: "القول" جنس يدخل فيه الأمر وغيره نفسانيًا كان أو غيره، ويستفاد من هذه العبارة أن الطلب بالإشارة والقرائن المفهمة لا يكون أمرًا حقيقة. وقوله: "الطالب" فصل يخرج به الخبر وشبهه (٦).
следующие страницы →