واعلم أن صيغة "افعل" حقيقة في الوجوب، مجاز في غيرها، على الصحيح، كما ستعرفه إن شاء الله تعالى، والعلاقة التي بين الواجب والمندوب والإرشاد حتى أُطلقت عليهما (١) صيغة "افعل" هي المشابهة المعنوية (٢).
الرابع: الإباحة، كقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ (٣)(٤).
الخامس: التهديد، (كقوله تعالى) (٥): ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ (٦)، ومن التهديد الإنذار، كقوله تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ (٧)، وقد جعله (٨) جماعة قسمًا آخر، ولا شك في ثبوت الفرق بينهما، إذِ
стр. 1367
التهديد: هو التخويف (١)، والإنذار: هو الإبلاغ، لكن لا يكون إلا في التخويف (٢). فقوله تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا﴾ أمرٌ بإبلاغ هذا الكلام المَخُوف الذي عبَّر عنه بالأمر (٣).
وقال صفي الدين الهندي وغيره: "الفرق بينهما أن الإنذار يجب أن يكون مقرونًا بالوعيد، كما في الآية المذكورة، والتهديد لا يجب فيه ذلك، بل قد يكون مقرونًا وقد لا يكون" (٤).
وقيل في الفرق بينهما: إن التهديد في العرف أبلغ في (٥) الوعيد والغضبُ من (٦) الإنذار. وكلها فروق صحيحة (٧).
والعلاقة بين (التهديد والوجوب) (٨) المضادة؛ لأن المهدَّد عليه إما حرام أو مكروه، كذا قيل (٩). وعندي أن المُهَدَّد عليه لا يكون إلا حرامًا،
стр. 1368
وكذلك الإنذار (١)، وكيف وهو مقترن بالوعيد! بل قد ذهب قوم إلى أن الكبائر: هي المُتَوَعَّدُ عليها (٢).
السادس: الامتنان: ﴿كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ (٣)، والفرق بينه وبين الإباحة أن الإباحة مجرد إذن، وأنه لا بد من اقتران الامتنان بذكر احتياج الخلق إليه، وعدم قدرتهم عليه، ونحو ذلك (٤)، كالتعرض في هذه الآية إلى أن الله تعالى هو الذي رزقه. والعلاقة بين الامتنان والوجوب المشابهة في الإذن؛ إذِ الممنون لا يكون إلا مأذونًا فيه (٥).
السابع: الإكرام: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ (٦)، فإن قرينة قوله: ﴿بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ يدل عليه (٧). والعلاقة أيضًا الإذن.
стр. 1369
الثامن: التسخير (١)، مثل: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ (٢) والفرق بينه وبين التكوين أن التكوين: سرعة الوجود عن (٣) العلم، وليس فيه (٤) انتقال إلى حالة ممتهنة، بخلاف التسخير فإنه لغة: الذِّلة والامتهان في العمل.
والعلاقة فيه وفي التكوين المشابهة المعنوية وهي تَحَتُّمُ الوقوع.
وقد سمى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي وإمام الحرمين هذا النوع (٥) بالتكوين (٦).
стр. 1370
التاسع: التعجيز (١): ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ (٢)، والعلاقة فيه المضادة؛ إذ لا يكون التعجيز إلا في الممتنع.
العاشر: الإهانة: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ (٣)(٤).
الحادي عشر: التسوية (٥): ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ (٦)(٧).
الثاني عشر: الدعاء، مثل قول (٨) القائل: اللهم اغفر لي. وقوله تعالى:
стр. 1371
﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا﴾ (١)(٢).
الثالث عشر: التمني، مثل قول امرئ القيس (٣):
ألا أيها الليلُ الطويلُ ألا انجلي ... (بصبح وما الإصباحُ فيك بأمثلِ) (٤)(٥)
وقد يقال: لِمَ جعل المصنف هذا الشاعر متمنيًا ولم يجعله مترجّيًا، مع أن التمنّي مختصّ بالمستحيل، وانجلاء الليل غير مستحيل؟
والجواب: أن المحب ينزل ليلَه لِطُوله منزلةَ ما يستحيل انجلاؤه، ولهذا قال الشاعر:
وليل المحب بلا آخر (٦)
стр. 1372
الرابع عشر: الاحتقار، كقوله تعالى حكايةً عن موسى ﵇ يخاطب السحرة: ﴿أَلْقُوا﴾ (١)، يعني: أن السحر وإنْ عَظُم ففي مقابلة ما أتى به موسى ﵇ حقير.
والفرق بينه وبين الإهانة أن الإهانة: إنما تكون بالقول أو الفعل، أو بتركهما (٢) دون مجرد الاعتقاد. والاحتقار: إما مختص بمجرد الاعتقاد (٣)، أو لا بد فيه من الاعتقاد (٤)، بدليل أنَّ من اعتقد في شيء أنه لا يُعبأ به ولا يُلتفت إليه يقال: إنه احتقره (٥)، ولا يقال: إنه (٦) أهانه، ما
стр. 1373
لم يصدر منه قول أو فعل يُنبئ عن ذلك (١).
الخامس عشر: التكوين: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٢)، وقد سمَّى الغزالي هذا القسم بكمال القدرة، وتبعه الآمدي (٣).
السادس عشر: الحجر، مثل قوله ﷺ : "إذا لم تستح فاصنع ما شئت" (٤) أي: صنعت ما شئت (٥). وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: هو (إما تهكم، أو) (٦) معناه: اعرضه على نفسك، فإن
стр. 1374
استحييت (١) منه لو اطُّلِع عليه فلا تفعله، وإن لم تستح فاصنع ما شئت مِنْ هذا الجنس (٢). وعلى هذا التفسير يحتاج هذا القِسْم إلى مثال (٣)، وأمثلته كثيرة (٤).
قوله: "وعكسه"، أي: قد يستعمل الخبر ويراد به الأمر، مثل قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ (٥)، المعنى والله أعلم: ليرضع الوالدات أولادهن. وهذا (٦) أبلغ من عكسه (٧)؛ لأن الناطق بالخبر مريدًا به
стр. 1375
الأمر كأنه نزَّل المأمور به منزلة الواقع (١)(٢).
قوله: "لا تُنْكِحُ المرأةُ المرأةَ"، يعني: أن الخبر قد يأتي مرادًا به النهي كما قد يأتي (٣) مرادًا به الأمر، وذلك أعني مجيئه مرادًا به النهي كما في الحديث الذي رواه ابن ماجه بإسناد جيد أن رسول الله ﷺ قال: "لا تزوجُ المرأةُ المرأةَ ولا تزوجُ المرأةُ نفسَها" (٤)، فإن صيغته صيغةُ خبر لوروده مضموم الجيم، ولو كان نهيًا لكان مجزومًا مكسورًا؛ لالتقاء الساكنين، والمراد به النهي (٥).
فهذا شرح الأقسام الستة عشر التي في الكتاب، وهي في الحقيقة أكثر؛ لاشتمال بعض أقسامها على نوعين، كما عرفت.
стр. 1376
وقد زاد إمام الحرمين في "البرهان" الأمر بمعنى الإنعام، كقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (١)، قال: "وهذا وإن كان فيه معنى الإباحة، فإن الظاهر منه تذكير النعمة" (٢).
وزاد أيضًا الأمر بمعنى التفويض (٣)، كقوله: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ (٤)(٥).
وزاد صفي الدين الهندي تاسع عشر: وهو التعجب، ومَثَّل له بقوله تعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ (٦)(٧)، وهذا المثال جعله الآمدي وابن برهان من قسم التعجيز (٨).
ورأيت في "طبقات الفقهاء" لأبي عاصم العَبَّادي (٩) في ترجمة
стр. 1377
أبي إسحاق إبراهيم بن محمد الفارسي زيادات أخر:
منها: التعجب، (كما قال صفي الدين الهندي) (١)، لكن مَثَّل له بقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ (٢)(٣).
ومنها: الأمر بمعنى التكذيب، مثل: قوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٤)(٥)، وقوله: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا﴾ (٦)(٧).
ومنها: الأمر بمعنى المشورة، مثل: ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ (٨)(٩).
وزاد أبو عاصم أيضًا في غير هذه الترجمة: الأمر بمعنى الاعتبار، مثل: قوله تعالى: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَر﴾ (١٠)(١١). والأمر بمعنى
стр. 1378
التسليم (١) مثل: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ (٢)(٣)، وهذا قد تقدم عن إمام الحرمين.
وقد وصلت الأقسام بزيادات أبي عاصم وإمام الحرمين والقسم الذي ذكره الهندي إلى اثنين وعشرين (٤).
قال: (الثانية: أنها حقيقة في الوجوب مجاز في البواقي . وقال أبو هاشم: إنه للندب. وقيل: للإباحة. وقيل: مشترك بين الوجوب والندب. وقيل: للقدر المشترك بينهما. وقيل: لأحدهما ولا نعرفه، وهو قول الحجة. وقيل: مشترك بين الثلاثة. وقيل: بين الخمسة).
أجمعوا على أن صيغة "افعل" ليست حقيقةً في جميع المعاني التي أوردناها، وإنما الخلاف في بعضها، وقد اختلفوا فيه على مذاهب:
أحدها: أنها (٥) حقيقة في الوجوب فقط، مجاز في البواقي. وهو المحكي عن الشافعي ﵁، وقال إمام الحرمين في "التلخيص" المختصر من التقريب
стр. 1379
والإرشاد: أما الشافعي فقد ادعى كلٌ مِنْ أهل المذاهب أنه على وِفَاقه، وتمسكوا بعبارات متفرقة له في كتبه، حتى اعتصم القاضي بألفاظٍ له من كتبه، واستنبط منها مصيره إلى الوقف. وهذا عدول عن سَنَن الإنصاف، فإن الظاهر والمأثور من مذهبه حمل مطلق الأمر على الوجوب (١). انتهى. ونقله الشيخ أبو إسحاق في "شرح اللمع" وابن برهان في "الوجيز" عن الفقهاء (٢)، واختاره الإمام وأتباعه (٣) منهم المصنف. قال الشيخ أبو إسحاق: "وهو الذي أملاه الشيخ أبو الحسن على أصحاب أبي إسحاق يعني المروزي (٤) ببغداد" (٥). ثم اختلف القائلون بهذا المذهب (في أنَّ اقتضاءها الوجوب (٦) هو بوضع اللغة أم بالشرع؟ على مذهبين) (٧)، وصحح الشيخ أبو إسحاق أنه بوضع اللغة (٨)، ونقله إمام
стр. 1380
الحرمين عن الشافعي (١).
والثاني (٢): أنها حقيقة في الندب. قال الغزالي: "ومنهم مَنْ نقله عن الشافعي" (٣)، وقد نقله في الكتاب عن أبي, هاشم، والغزالي نقله عن كثير من المتكلمين دهماؤهم المعتزلة (٤)، أي: دهماء الكثير من المتكلمين، وجماعة من الفقهاء (٥). قال الشيخ أبو إسحاق في "شرح اللمع" الذي يَحْكى الفقهاء عن المعتزلة أنها تقتضي الندب، وليس هذا مذهبهم على الإطلاق، بل ذلك بواسطة أن الأمر عندهم يقتضي الإرادة، والحكيم (٦) لا يريد إلا الحسن، والحسن ينقسم إلى واجب ومندوب، فيحمل على المحقَّق من الاسم وهو الندب. فليست الصيغة عندهم مقتضية للندب إلا على هذا التقدير (٧)(٨).
стр. 1381
قلت: ويلزمهم أو أكثرهم -على هذا التقدير - القولُ بالإباحة؛ وإن المباح عند أكثرهم حسن، كما سبق في أوائل الكتاب.
الثالث: أنها حقيقة في الإباحة التي هي أدنى المراتب.
الرابع: أنها مشتركة بالاشتراك اللفظي بين الوجوب والندب. وهو المَحْكي عن المرتضى من الشيعة، وقال الغزالي: "صَرَّح الشافعي في كتاب "أحكام القرآن" بتردد الأمر بين الوجوب والندب" (١).
الخامس: أنها حقيقة في القدر المشترك بينهما وهو الطلب، فيكون متواطئًا (٢). وهو رأي الإمام أبي منصور الماتريدي (٣)(٤).
стр. 1382
السادس: حقيقه إما في الوجوب، وإما في الندب، وإما فيهما جميعًا بالاشتراك اللفظي، لكنا لا ندري ما هو الواقع من هذه الأقسام الثلاثة، ويُعْرف أن لا رابع وهذا محكي عن طائفةٍ من الواقفية كالشيخ والقاضي (١)، واختاره الغزالي والآمدي (٢).
هذا هو تحرير هذا المذهب، وقول المصنف في حكايته: "وقيل: لأحدهما ولا نعرفه" غير مرضي لوجهين:
أحدهما: تصريحه بتردد هذا المذهب بين شيئين، وليس كذلك، بل بين ثلاثة كما سقناه.
وثانيهما: أنه على تقدير صحة هذا، بأن يكون بعض الناس ذهب إلى تردده بين شيئين، فليس قولَ الغزالي، إنما اختار الغزالي ما أوردناه، وهذه عبارة المستصفى: وقد ذهب ذاهبون إلى أن وضعه للوجوب. وقال قوم: بل للندب. وقال قوم: يتوقف فيه. ثم منهم من قال: هو مشترك كلفظ
стр. 1383
العين. ومنهم من قال: لا ندري أيضًا أنه مشترك أو وضع لأحدهما، واسْتُعْمل في الثاني مجازًا. والمختار أنه يُتوقف فيه (١). انتهى.
وقد حكى الشيخ صفي الدين (٢) الهندي عن الشيخ والقاضي وإمام الحرمين والغزالي: التوقفَ في أنه حقيقة في الوجوب فقط، أو الندب فقط، أو فيهما بالاشتراك اللفظي، أو المعنوي (٣)(٤). وهذا مغاير لهذا الذي سقناه عن الغزالي لتردده بين أربعة لا ثلاثة، والذي في المستصفى ما رأيته، (وأما الشيخ والقاضي) (٥) فقد ذكرنا النقل عنهما في أول هذا الفصل من كلام إمام الحرمين، وأما إمام الحرمين فالذي صرح باختياره ما نصه: "مَنْ أنكر أن العرب ما فصلت بين قول القائل: افعل، وبين قوله: لا تفعل - فليس من التحقيق في شيء؛ فإنا على اضطرار نَعْلم الفصل في ذلك (٦)، كما نعلم الفصل بين قول القائل: فعل، وبين قوله: ما فعل، ولا معنى لبسط ذلك مع وضوحه. (فإذا سقط هذا) (٧)(٨) رَدَدْنا القول إلى الإباحة التي هي تخييرٌ، ولا اقتضاءَ فيها ولا طلب،
стр. 1384
(وقلنا) (١): لا شك في فَصْلِ العرب بين قول من يقول: لا حرج عليك فعلتَ أو تركتَ، وبين قوله: افعل؛ فإن الصيغة الأخيرة مقتضاها طلب لا محالة، وليس في الإباحة من الطلب شيء. فقد لاح سقوط الإباحة عن متضمَّن الصيغة، ولم يبق إلا الندب، والندب من ضرورةِ معناه التخييرُ في الترك، وليس في قول القائل: افعل - تخييرٌ في الترك أصلًا.
وقد تعين الآن أن نبوح بالغرض الحق، ونقول: "افعل" طلبٌ محضٌ لا مساغ له لتقدير الترك، فهذا مقتضى اللفظ المجرد عن القرائن.
فإن قيل: فهذا مذهب الشافعي ﵁ وأتباعه، وهو المصير إلى اقتضاء اللفظ إيجابًا.
قلنا: ليس كذلك؛ فإن الوجوب عندنا لا يعقل دون التقييد بالوعيد على الترك، وليس ذلك مقتضى تمحيض الطلب. فإذًا الصيغة لتمحيض الطلب، والوجوب مستدرك (٢) من الوعيد (٣). هذا لفظه ثم قال: "وأنا أبني على منتهى الكلام شيئًا يُقَرِّبُ ما اخترتُه من مذهب الشافعي، فأقول: ثبت في موضوع الشرع أن التمحض (٤) في الطلب مُتَوَعَّد (٥) على تركه، وكلما يكون كذلك فلا يكون إلا واجبًا" (٦) انتهى.
стр. 1385
وحاصل هذا الذي اختاره حَمْلُ الصيغة على الاقتضاء والطلب، وقصار المستفاد منها من جهة اللسان الطلب الجازم، وكون هذا الطلب مُوَعَّدًا عليه شيءٌ آخر ثابتٌ في أوامر الشرع بالدليل الخارجي، فالوجوب مستفاد بهذا التركيب من (١) اللغة والشرع. فقد وافق القائلين بالوجوب، وإنْ كان قد خالفهم في هذا التركيب. ونقل المازَري (٢) في "شرح البرهان" هذا الذي اختاره إمام الحرمين عن الشيخ أبي حامد الإسفراييني وقال (٣): "إنه صَرَّح به وسبقه إلى اختياره، فأشار إلى أن الأمر يقتضي حصر المأمور على الفعل، فاقتضاه منه اقتضاءً جزمًا، ولكن إذا ثبت هذا مِنْ جهة اللسان ثبت بعده الوعيد".
وهذا الذي اختاره الشيخ أبو حامد وإمام الحرمين هو المختار عندنا (٤)، فإن الوعيد لا يستفاد من اللفظ بل هو أمر (٥) خارجي عنه،
стр. 1386
ولكنا نقول: المنقول عن الشافعي أن الصيغة تقتضي الوجوب، ومراده الصيغة الواردة في الشرع؛ إذْ لا غرض له في الكلام في شيءٍ غيرها, ولم يصرح الشافعي بأن اقتضاءها للوجوب مستفادٌ منها، فلعله يرتضي هذا التركيب ويقول به، ويكون ما ذهب إليه الشيخ أبو حامد وإمام الحرمين هو الذي ذهب (١) إليه إمامهما ﵁.
واعلم أن هذا المذهب المختار مغايرٌ للمذهبين اللذين حكيناهما عند حكاية القول بالوجوب: في أن ذلك هل هو بالشرع أو اللغة؟ فتصير المذاهب أربعة: الوجوب بالشرع، والوجوب باللغة، والوجوب بضم الشرع إلى اللغة، وعدمُ الوجوب.
فإن قلت: كيف يقال: بأن الوجوب مستفاد مِنْ وضع اللغة؟
قلت: هو بعيد، كما أشرنا إليه، ولكنه هو مذهب مُصَرَّح به، كما عرفت. وممن ذكره الشيخ أبو إسحاق (٢)، والقاضي أبو بكر في "مختصر التقريب" لإمام الحرمين وقال: "إن الأكثرين من القائلين بأن الصيغة تقتضي الوجوب عليه، وأنه كذلك بأصل الوضع؛ لأنه قد ثبت في إطلاق أهل اللغة تسمية مَنْ خالف مطلق الأمر عاصيًا، وتقريعه وتوبيخه بالعصيان عند مجرد ذِكْر الأمر، ولا يستوجب التوبيخ إلا بترك واجب، فاقتضى ذلك دلالة الأمر المطلقِ على الوجوب" (٣).
стр. 1387
وقال المازَري: "صَرَّح بعض أصحابنا بأن الوعيد مستفاد من اللفظ، كما يستفاد منه الاقتضاء الجازم"، فقد ثبت هذا المذهب إلا أنه عندنا ساقط.
قال القاضي في "مختصر التقريب": "ولسنا نسلم أن (١) في إطلاق اللغة ما يقتضي أن مخالف الصيغة المطلقة المُعَرَّاة عن القرائن يُسَمَّى عاصيًا، ويستوجب التوبيخ. ونقول لهم: بمَ تنكرون على مَنْ يزعم أنهم وإن وَبَّخوا تارك الامتثال بسمة العصيان، فإنما وبخوه عند تركه امتثالَ أمرٍ شاهِدُ قرائنِ أحوالِ الأمر به - دالةٌ على اقتضاء الوجوب. فليس يمكنكم أن تزعموا أنهم يوبخون بالعصيان في الأمر المجرد عن القرائن". قال: "واسم الأمر يصدق على المجرد والمقتَرِن، فمن أين لكم أنَّ ما أطلقوه ينصَرف إلى الصيغة المطلقة؟ " (٢). قال: "ثم نقول على وجه التنزل: لسنا نسلِّم أن تثبيت (٣) سمةِ العصيانِ وصفُ ذمٍ على الإطلاق؛ إذ قد يرد ذلك (٤) في غير موضع استحقاق الذم، فإنك تقول: أشرتُ على فلانٍ بكذا فعصاني، وعصى مشورتي، و (إن لم تكن بمشورتك) (٥) موجِبًا على من أشرت عليه" (٦).
стр. 1388
المذْهب السابع: أنها مشتركة بين الثلاثة، أعني: الوجوب، والندب، والإباحة. واختلف القائلون به: فقالت طائفة: بالاشتراك اللفظي، وقال آخرون: بالمعنوي، وكلام المصنف محتمل للأمرين.
الثامن: أنها مشتركة بين (١) الخمسة، أعني: الوجوب، والندب، والإباحة، والكراهة، والتحريم. وهو المشار إليه بقول المصنف: "وقيل: بين الخمسة" ومراده الأحكام الخمسة، فإن الإمام في "المحصول" هكذا حكاه (٢). هذه المذاهب المذكورة في الكتاب.
والتاسع: أنه (٣) مشترك بين (٤) الوجوب، والندب، والإباحة، والإرشاد، والتهديد. حكاه الغزالي (٥).
стр. 1389
والعاشر (١): أن أمر الله تعالى للوجوب، وأمر النبي ﷺ للندب، إلا ما كان موافقًا لنصٍّ، أو مبينًا لمجمل. حكاه القاضي عبد الوهاب (٢) في "الملخص" عن شيخه أبي بكر الأبهري، وكذلك حكاه عنه المازَري في "شرح البرهان"، وقال: "إن النقل اخْتَلَف عنه، فَرُوي عنه هذا، ورُوِي
стр. 1390
عنه موافقة مَنْ قال: إنه للندب على الإطلاق".
هذا ما حضرنا من المذاهب في هذه المسألة، وقد ادعى الإمام - إذ حكى الاتفاقَ على أن صيغة "افعل" ليست حقيقة في جميع المحامل المتقدمة - أن الخلافَ إنما وقع في أمور خمسة: الوجوب، والندب، والإباحة، والتنزيه، والتحريم (١).
وأنت إذا تأملت ما حكيناه من المذاهب علمتَ أنَّ حَصْر الخلافِ في ذلك ليس بجيد.
قال: (لنا وجوه: الأول: قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾، ذُمَّ على ترك المأمور فيكون واجبًا).
استدل على ما ذهب إليه مِنْ أنَّ صيغة "افعل" حقيقةٌ في الوجوب بوجوه خمسة (٢):
الأول: قوله تعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ (٣) ووجه الحجة منه: أن الصيغة وإنْ كانت صيغة استفهام، لكن الاستفهام غير مراد منها؛ لاستحالته على مَنْ يستحيل عليه الجهل، بل المراد منها الذم والتوبيخ، وأنه لا عذر له، في الإخلال بالسجود بَعْدَ ورود الأمر به، ولو لم يكن الأمر للوجوب لما حسن الذم والتوبيخ.
стр. 1391
ورَدَّ الآمدي هذا الدليل: بأنه لا يلزم من كون هذا الأمر اقتضى الوجوب، أن يكون كلُ أمرٍ كذلك.
والجواب: أنه لا قائل بالفصل.
واعلم أن الشيخ أبا إسحاق في "شرح اللمع" أورد من جهة المعتزلة: أن ما ذكرتموه من الآيات يدل على أن أوامر الله ورسوله يدلان على الوجوب، ونحن لا ننازع في ذلك، إنما ننازع في مقتضى اللفظ لغةً.
وأجاب: بأنهم متى سَلَّموا ذلك حصل المقصود؛ إذِ المطلوب معرفةُ مقتضى أوامر الله وأوامر الرسول ﷺ .
وغرضنا من إيراد هذا السؤال: أنه قد يؤخذ منه أن المعتزلة، أو أن الشيخ أبا إسحاق اعتقد أنهم لا يخالفون في أن (١) أوامر الله وأوامر رسوله ﵊ تقتضي الوجوب، وذلك عجيب؛ فإن النقل [عنهم] (٢) بخلاف ذلك مُشْتَهر.
стр. 1392
قال: (الثاني: ﴿ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾. قيل: ذَمَّ على التكذيب. قلنا: (الظاهر أنه) (١) للترك، والويل للتكذيب. قيل: لعل قرينةً أوجبت. قلنا: رَتَّب الذمَّ على تَرْكِ مجرد افعل).
الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ (٢)، ووجه التمسك: أنه تعالى ذَمَّ أقوامًا على تَرْك ما قيل لهم فيه: "افعلوا"؛ إذ الآية بسياقها تدل على الذم، فلو لم تكن الصيغة للوجوب لما حَسُن ذلك.
وإنما قلنا: إن سياق الآية يدل على الذم؛ لأنه ليس المراد من قوله: ﴿لَا يَرْكَعُونَ﴾ الإعلام والإخبار؛ لأن ترك الركوع من المكذبين معلومٌ لكل أحد (٣)، فيكون ذمًا لهم.
واعتُرض عليه بوجهين:
أحدهما: أنا لا نسلم أن الذم على ترك مقتضي الأمر، بل على تكذيب الرسل، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (٤).
стр. 1393
أجاب عنه: بأن الظاهر أن الذم على ترك مقتضي الأمر؛ إذْ رتَّب (الذم على الترك، والترتيب يشعر بالعِلِّيَّة، والويل على التكذيب، فحينئذٍ إما) (١) أن يكون المكذبون هم التاركين - فلهم الويل بسبب التكذيب، ولهم العقاب بترك المأمور به؛ إذ الكفار مأمورون بالفروع. وإما أن يكونوا غيرهم - فيجوز أن يستحق قوم الويل بسبب التكذيب، وآخرون العقاب بسبب ترك المأمور به. هذا تقرير (٢) الجواب.
واعترض النقشواني على الاستدلال بالآية من وجه آخر، فقال: لا نسلم أنه ذمهم على ترك الركوع فقط، بل ذمهم على كونهم بحيث لو قيل لهم: ﴿ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾، والمراد به أنهم غير قابلين للإنذار ونُصْحِ الأنبياء، وغير ملتفتين إلى دعوتهم، قد انطوت جِبِلَّتُهم على ما يمنعهم من ذلك، والرجل قد يتصف بهذه السجية قبل أن يقال له: اركع، فلا يركع، ونحن معترفون بأن هذه المَلَكة مما يوجب (٣) العذاب.
هذا اعتراضه، وهو ضعيف، وجوابه: ما ذكرناه من أن الظاهر أن الذم على ترك مقتضى (٤) مدلول قوله: ﴿ارْكَعُوا﴾، وما ذكره خروج عن حقيقة اللفظ مِنْ غير دليل.
стр. 1394
والوجه الثاني: (وهو يتوجَّه) (١) على الدليلين المذكورين، هذا الذي نحن فيه، والذي تقدم، وتوجيهه: سَلَّمنا أن الذم على الترك، لكن لعل الأمر اقترنت به قرينة تقتضي إيجابه، فإن الصيغة إذا اقترنت بها قرينة صرفتها إلى ما دلت عليه إجماعًا.
أجاب عنه: بأنه رتَّب الذم على مجرد ترك المأمور به، وترتيب الحكم على الوصف يشعر بالعِلِّيَّة، فيكون نفس الترك علةً (٢)، وما ادعيتم من القرينة - الأصلُ عَدَمُه.
فإن قلت: هذا الاحتمال وإنْ كان على خلاف الأصل - فهو قادح في القطع (٣)، والمسألة قطعية (٤).
قلت: أما مَنْ قال: إن المسألة ظنية كأبي الحسين البصري وغيره (٥) - فيجيب بمنع كونها قطعية. وأما مَنْ قال: بأنها قطعيةٌ - فيجيبُ بأن كل واحد مما يُذْكر من الأدلة وإنْ كان لا يفيد القطع، لكن المجموع يفيده.
قال: (الثالث: تارك المأمور به مخالفٌ له، كما أن الآتي به موافق، والمخالف على صدد العذاب؛ لقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٦). قيل:
стр. 1395
الموافقة: اعتقاد حَقِّيَّة (١) الأمر، والمخالفة: اعتقاد فساده. قلنا: ذلك لدليل الأمر لا له. قيل: الفاعل ضمير، و ﴿الَّذِينَ﴾ مفعول. قلنا: الإضمار خلاف الأصل، ومع هذا فلا بد له (٢) من مرجع قيل: ﴿الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ﴾ (٣). قلنا: هم المخالفون، فكيف يؤمرون بالحذر عن أنفسهم! وإنْ سُلِّم فيضيع قوله: ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ﴾. قيل: ﴿فَلْيَحْذَرِ﴾ لا يوجب. قلنا: يحسن وهو دليل قيام المقتضِي. قيل: ﴿عَنْ أَمْرِهِ﴾ لا يعم. قلنا: عام لجواز الاستثناء).
الدليل الثالث: أن تارك المأمور به مخالف لذلك الأمر، ومخالفُ ذلك الأمر على صدد العذاب، فتارك المأمور به (٤) على صدد العذاب.
إنما قلنا: تارك المأمور به مخالف للأمر؛ لأن موافقة الأمر هي الإتيان (٥) بمقتضى الأمر. والمخالفة ضد الموافقة، فكانت مخالفة الأمر عبارة عن الإخلال بمقتضاه. فثبت أن تارك المأمور به مخالف.
وإنما قلنا: مخالف الأمر على صدد العذاب؛ لقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أَمَر
стр. 1396
مخالفَ الأمرِ بالحذر عن العذاب، والحذر عنه إنما يكون بعد قيام المقتضِي لوقوعه، بدليل أنه يقبح (١) الأمر بالحذر عن الشيء بدون وجود المقتضي له، ألا ترى أنه يقبح أن يقال لمَنْ جلس تحت سقفٍ قوي غيرِ مائلٍ: احذر أن يقع عليك. ولا يقبح أن يقال ذلك لمَنْ جلس تحت سقف مائلٍ في مَعْرِض الوقوع؛ وما ذلك إلا لأن المقتضِي للوقوع قائم فيه. فلو لم يكن تَرْك المأمور به مقتضيًا لوقوع العذاب - لما حسن الأمر بالحذر عن العقاب. ولا معنى لقولنا: إن الأمر يقتضي الوجوب إلا ذلك. وفي هذا التقرير نظر سيأتي إن شاء الله تعالى.
واعترض الخصم بأربعة أوجه:
أحدها: مَنْع المقدمة الأولى، أي: لا نسلم أن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه وإنما هي اعتقاد حَقِّيَّته. يعني: كونه حقًا، مستوجبَ القبول. فالمخالفة: هي إنكار حقيته، يعني: اعتقاد أنه فاسد.
قلنا: هذا ليس موافقة للأمر (٢)، بل موافقة للدليل الدال على حقية ذلك الأمر، وهو المعجزة الدالة على صدق الرسول، فاعتقاد (٣) حقية الأمر موافقة الدليل، لا موافقة الأمر، فإن موافقة الشيء: عبارة عما يستلزم تقرير مقتضاه. فإذا دل الدليل على حقية الأمر كان الاعتراف بحقيته مستلزمًا لتقرير مقتضى ذلك الدليل والأمر لما اقتضى دخول
стр. 1397
فعل المأمور به في الوجود - (كانت موافقته عبارة عما يُقَرِّر دخولَه، وإدخاله في الوجود) (١)(٢) يقرِّر دخولَه، فكانت موافقة الأمر عبارة عن: فعل مقتضاه.
وثانيها: مَنْع المقدمة الثانية، وتقريره: لا نُسَلِّم أنه تعالى أمر المخالِف بالحذر، بل أمر بالحذر عن المخالِف، فيكون فاعل: ﴿فَلْيَحْذَرِ﴾ ضميرًا، و ﴿الَّذِينَ﴾ في محل النصب بأنه مفعوله (٣).
أجاب عنه بوجهين:
أحدهما: أن الإضمار خلاف الأصل.
والثاني: أن الضمير لا بد له من اسمٍ ظاهر يعود إليه، وهو مفقود هنا.
قال الخصم: لِمَ لا يعود على ﴿الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ﴾! والتقدير: فليحذر الذين يتسللون منكم لِواذًا عن الذين يخالفون عن أمره.
أجاب (المصنف عنه) (٤) بوجهين:
أحدهما: أن الذين يتسللون هم المخالفون، وذلك أن المخالفين لما ثقل عليهم المقامُ في المسجد وسماعُ الخطة لاذوا بمَنْ يستأذن للخروج، حتى إذا أُذِن له خرجوا معه من غير إذْن، فنزل قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ
стр. 1398
مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ (١)، وإذا كان كذلك - فلو أُمِر المتسللون بالحذر عن المخالفين لكانوا قد أُمِروا بالحذر عن أنفسهم، وذلك غير ممكن.
الثاني: أنا لو سلمنا أن مرجع (الضمير: ﴿الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ﴾) (٢)، كما ادعوه - لكان أمرًا للمتسللين بالحذر عن المخالفين، ويصير تقدير الآية حينئذ: فليحذر الذين يتسللون منكم لواذًا الذين يخالفون عن أمره (٣)، فيضيع إذ ذاك قوله: ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾؛ لأن فاعل ﴿فَلْيَحْذَرِ﴾ حينئذ الضمير، والذين مفعوله، والحذر لا يتعدى إلى مفعولين حتى يكون ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ﴾ مفعولًا ثانيًا له (٤)، فيصير حينئذ ضائعًا لا تَعَلُّقَ له بما قبله ولا بما بعده (٥).
стр. 1399
فإن قلت: لم لا يكون مفعولًا (١) لأجله؛ إذ الحذر لأجل إصابة الفتنة، أو العذاب الأليم؟ ! (٢)
قلت: لو كان كذلك لكان مجامعًا للحذر؛ لأن الفعل يجب أن يجامع علته (٣)، واجتماعهما محال (٤). كذا أجاب به الشيرازي شارح الكتاب.
وقد قال الجاربردي الشارح أيضًا: يمكن أن يجاب عن قولهم أولًا: إن الفاعل ضمير يعود على المتسللين - بأنه لو كان كذلك لوجب إظهاره فيقال: فليحذروا؛ لأنه عائد على جمع (٥).
وثالثها: وهو اعتراض على المقدمة الثانية أيضًا، وتقريره: سلمنا أن
стр. 1400
قوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ﴾ أَمْر للمخالفين (١) بالحذر، وأنه لا ضمير في الآية، لكن لِمَ قلتم: إنه يوجب الحذر، وهل غاية ذلك إلا ورود الأمر به، واقتضاء الأمر الوجوب هو محل النزاع, فالاستدلال (٢) بما ذكرتموه مصادرة على المطلوب (٣).
أجاب: بأنا لا ندعي وجوب الحذر من قوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ﴾، وإنما ندعي أنه يفيد حُسْنَ الحذر عن مخالفة الأمر، وحُسْن الحذر دليل على قيام المقتضي للوقوع في المحذور (٤)، وإلا (٥) لكان الحذر عبثًا (٦).
ولقائل أن يقول: قد يحسن الحذر مع التردد في قيام المقتضي؛ لمجرد ذلك التردد، عملًا بالأحوط، كالدائر بين أمرين يتردد في اقتضاء أحدهما وقوع الضرر، ولا يتوقع ضررًا من الآخر، فإنه يحسن أن يحذر من الأول. والأمر متردد بين الوجوب وعدمه، فيحسن التحذير منه، ولو لمجرد (٧) التنازع في مقتضاه (٨).
стр. 1401
ورابعها: أنا سلمنا صحة ما ذكرتم من المقدمتين، إلا أن قوله تعالى: ﴿عَنْ أَمْرِهِ﴾ في الآية المذكورة - لفظٌ مفرد، فيفيد أن أمرًا واحدًا للوجوب، لا أن كل أمر للوجوب.
أجاب: بأنه عام؛ لجواز الاستثناء، إذ يصح أن يقال: ليحذر الذين يخالفون عن أمره إلا في الأمر الفلاني. ومعيار العموم جواز الاستثناء، كما ستعرفه إن شاء الله تعالى. هذا شرح ما في الكتاب.
وقد اعترض النقشواني على الاحتجاج بالآية فقال: "الأمر" هنا بمعنى الشأن: وهو الاجتماع على محاربة الكفار؛ لأنه مذكورٌ (١) معرَّفٌ بالإضافة إلى النبي ﷺ ، وقد ذُكِر قبل هذا مُنَكَّرًا في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ (٢)، وذلك الأمر هو الشأن: وهو الاجتماع على المحاربة، وهو الذي دعاهم النبي ﷺ إليه (٣)، وكان بعضهم يتسلل لواذًا، فأراد بالمخالفة ههنا: الانحراف وهو التسلل لواذًا في المعنى، وإذا كان ذلك (٤) محمولًا على الانحراف (٥) استقام دخول "عن" فيه، فيقال: انحرف عن كذا. ولا يقال: ترك عن كذا. فإذا كان الأمر محمولًا على الشأن، والمخالفة على الانحراف - لم يبق
стр. 1402
في الآية احتجاج على المقصود.
والإنصاف يُوجب حَمْلَ الأمر والمخالفة على ما ذكرنا؛ اتساقًا للكلام، ورعايةً على أصول العربية.
قال: (الرابع: تارك الأمور به عاصٍ؛ لقوله تعالى: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ (١)، ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ (٢). والعاصي يستحق النار؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ (٣). قيل: لو كان العصيانُ تركَ الأمر - لتكرر قوله: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٤) قلنا: الأول ماض أو حال، والثاني مستقبل. قيل: المراد الكفار بقرينة الخلود. قلنا: الخلود المكث الطويل).
الدليل الرابع: تارك المأمور به عاصٍ، وكل عاصٍ يستحق العقاب، فتارك المأمور به (٥) يستحق العقاب. ولا معنى للوجوب إلا ذلك.
بيان الأول: بقوله تعالى: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾، وقوله: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾، وكذا قوله: ﴿وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ (٦)، وما قدمناه من شعر العرب.
стр. 1403
وبيان الثاني: بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، ومَنْ مِنْ صِيَغ العموم.
واعلم أن المصنف جعل الكبرى مهملةً (١) إذ قال: "والعاصي يستحق النار"، فلم يُسَوِّرها (٢) بكل، وشَرْطها أن تكون كلية (٣)، فالصواب في مصطلح القوم أن يقول: وكل عاص. كما أوردناه، وبه عَبَّر الإمام (٤).
واعترض الخصم بوجهين: أحدهما: أنا لا نسلم الصغرى: وهي أنَّ تارك المأمور به عاصٍ، وبيانه قوله تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٥)، فلو كان العصيان عبارة عن ترك المأمور به - لكان قوله تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُم﴾ معناه: أنهم
стр. 1404
يفعلون ما يؤمرون، وكان (١) قوله: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ تكريرًا.
أجاب عنه: بأن التكرار إنما (يلزم أن لو) (٢) كان: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ بالنسبة إلى زمان واحد (٣)، وليس كذلك، بل لا يعصون للزمان الماضي والحال؛ لقرينة قوله: ﴿مَا أَمَرَهُمْ﴾، ﴿وَيَفْعَلُونَ﴾ للمستقبل؛ لقرينة قوله: ﴿مَا يُؤْمَرُونَ﴾، فتقدير الآية: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ في الماضي والحال، ويفعلون ما يأمرهم به في المستقبل. هذا تقرير الاعتراض وجوابه.
وهنا مناقشتان:
إحداهما: في قوله: "لو كان العصيانُ تَرْكَ الأمر"؛ وذلك لأن (٤) النزاع إنما هو في أن تارك الأمر عاصٍ أمْ لا؟ لا في أن العصيان هل هو ترك الأمر أم لا؟ وكيف يقال ذلك والعصيان قد يقع بترك الفعل الذي يجب اتباعه (٥)! فكان الصواب أن يقول: قيل: لو كان تارك الأمر عاصيًا.
والثانية: قوله: معنى الآية: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ (٦) في الماضي،
стр. 1405
قال القرافي: "بعيدٌ من جهة أن النحاة نَصُّوا على أن "لا" لنفي المستقبل، واستعمالها بمعنى "لم" قليل مجازٌ (١)، فيجتمع المجاز في الفعل المضارع وفي "لا" أيضًا (٢)، فكان الأحسن في الجواب أن يقال: لا نسلم التكرار، بل قال بعض العلماء: إن قوله تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ إخبار عن الواقع منهم، أي: عدم المعصية دائمًا. وقوله تعالى: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ إخبار عن سجياتهم التي طُبعوا عليها، يعني: أن سجيتهم الطاعة (٣)، فيكون أحدهما خبرًا عن الواقع منهم، والآخر خبر (٤) عن السجية التي فطروا عليها فلا تكرار، والفعل المضارع قد كثر استعماله في الحالة المستمرة (٥)، كقولهم: زيدٌ يُعْطِي ويَمْنع، ويَصِل ويقطع. وقول خديجة ﵂ للنبي ﷺ : "إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَل، وتُعين على نوائب الدهر" (٦). أي: ذلك شأنك في كل وقت. وهو مجاز واحد