← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

ورابعها: أنا سلمنا صحة ما ذكرتم من المقدمتين، إلا أن قوله تعالى: ﴿عَنْ أَمْرِهِ﴾ في الآية المذكورة - لفظٌ مفرد، فيفيد أن أمرًا واحدًا للوجوب، لا أن كل أمر للوجوب. أجاب: بأنه عام؛ لجواز الاستثناء، إذ يصح أن يقال: ليحذر الذين يخالفون عن أمره إلا في الأمر الفلاني. ومعيار العموم جواز الاستثناء، كما ستعرفه إن شاء الله تعالى. هذا شرح ما في الكتاب. وقد اعترض النقشواني على الاحتجاج بالآية فقال: "الأمر" هنا بمعنى الشأن: وهو الاجتماع على محاربة الكفار؛ لأنه مذكورٌ (١) معرَّفٌ بالإضافة إلى النبي ﷺ ، وقد ذُكِر قبل هذا مُنَكَّرًا في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ (٢)، وذلك الأمر هو الشأن: وهو الاجتماع على المحاربة، وهو الذي دعاهم النبي ﷺ إليه (٣)، وكان بعضهم يتسلل لواذًا، فأراد بالمخالفة ههنا: الانحراف وهو التسلل لواذًا في المعنى، وإذا كان ذلك (٤) محمولًا على الانحراف (٥) استقام دخول "عن" فيه، فيقال: انحرف عن كذا. ولا يقال: ترك عن كذا. فإذا كان الأمر محمولًا على الشأن، والمخالفة على الانحراف - لم يبق

стр. 1402

في الآية احتجاج على المقصود. والإنصاف يُوجب حَمْلَ الأمر والمخالفة على ما ذكرنا؛ اتساقًا للكلام، ورعايةً على أصول العربية. قال: (الرابع: تارك الأمور به عاصٍ؛ لقوله تعالى: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ (١)، ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ (٢). والعاصي يستحق النار؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ (٣). قيل: لو كان العصيانُ تركَ الأمر - لتكرر قوله: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٤) قلنا: الأول ماض أو حال، والثاني مستقبل. قيل: المراد الكفار بقرينة الخلود. قلنا: الخلود المكث الطويل). الدليل الرابع: تارك المأمور به عاصٍ، وكل عاصٍ يستحق العقاب، فتارك المأمور به (٥) يستحق العقاب. ولا معنى للوجوب إلا ذلك. بيان الأول: بقوله تعالى: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾، وقوله: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾، وكذا قوله: ﴿وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ (٦)، وما قدمناه من شعر العرب.

стр. 1403

وبيان الثاني: بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، ومَنْ مِنْ صِيَغ العموم. واعلم أن المصنف جعل الكبرى مهملةً (١) إذ قال: "والعاصي يستحق النار"، فلم يُسَوِّرها (٢) بكل، وشَرْطها أن تكون كلية (٣)، فالصواب في مصطلح القوم أن يقول: وكل عاص. كما أوردناه، وبه عَبَّر الإمام (٤). واعترض الخصم بوجهين: أحدهما: أنا لا نسلم الصغرى: وهي أنَّ تارك المأمور به عاصٍ، وبيانه قوله تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٥)، فلو كان العصيان عبارة عن ترك المأمور به - لكان قوله تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُم﴾ معناه: أنهم

стр. 1404

يفعلون ما يؤمرون، وكان (١) قوله: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ تكريرًا. أجاب عنه: بأن التكرار إنما (يلزم أن لو) (٢) كان: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ بالنسبة إلى زمان واحد (٣)، وليس كذلك، بل لا يعصون للزمان الماضي والحال؛ لقرينة قوله: ﴿مَا أَمَرَهُمْ﴾، ﴿وَيَفْعَلُونَ﴾ للمستقبل؛ لقرينة قوله: ﴿مَا يُؤْمَرُونَ﴾، فتقدير الآية: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ في الماضي والحال، ويفعلون ما يأمرهم به في المستقبل. هذا تقرير الاعتراض وجوابه. وهنا مناقشتان: إحداهما: في قوله: "لو كان العصيانُ تَرْكَ الأمر"؛ وذلك لأن (٤) النزاع إنما هو في أن تارك الأمر عاصٍ أمْ لا؟ لا في أن العصيان هل هو ترك الأمر أم لا؟ وكيف يقال ذلك والعصيان قد يقع بترك الفعل الذي يجب اتباعه (٥)! فكان الصواب أن يقول: قيل: لو كان تارك الأمر عاصيًا. والثانية: قوله: معنى الآية: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ (٦) في الماضي،

стр. 1405

قال القرافي: "بعيدٌ من جهة أن النحاة نَصُّوا على أن "لا" لنفي المستقبل، واستعمالها بمعنى "لم" قليل مجازٌ (١)، فيجتمع المجاز في الفعل المضارع وفي "لا" أيضًا (٢)، فكان الأحسن في الجواب أن يقال: لا نسلم التكرار، بل قال بعض العلماء: إن قوله تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ إخبار عن الواقع منهم، أي: عدم المعصية دائمًا. وقوله تعالى: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ إخبار عن سجياتهم التي طُبعوا عليها، يعني: أن سجيتهم الطاعة (٣)، فيكون أحدهما خبرًا عن الواقع منهم، والآخر خبر (٤) عن السجية التي فطروا عليها فلا تكرار، والفعل المضارع قد كثر استعماله في الحالة المستمرة (٥)، كقولهم: زيدٌ يُعْطِي ويَمْنع، ويَصِل ويقطع. وقول خديجة ﵂ للنبي ﷺ : "إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَل، وتُعين على نوائب الدهر" (٦). أي: ذلك شأنك في كل وقت. وهو مجاز واحد

стр. 1406

في المضارع مشهور، فيكون أولى من مجازَيْن في الفعل والحرف، وأحدهما قليل جدًا (١) " (٢). الوجه الثاني: أنا لا نسلم كلية المقدمة الثانية، ونقول: ليس المراد بقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ (٣) كلَّ عاصٍ، بل الكفار فقط، ويدل على ذلك قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، فإن غير الكافي لا يخلد في النار. أجاب عنه: بأن الخلود في اللغة: المكث الطويل الصادق على الدائم وغيره، وليس هو الدائم فقط، بل هو (٤) حقيقة في القدر المشترك حذرًا من الاشتراك والمجاز (٥). فإن قلت: فما تفعل في قوله: ﴿أَبَدًا﴾؟ . قلت: لا ينافي ذلك؛ إذ قد يُطلق ويراد به المدة الطويلة، كما في قوله: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ (٦)، والكفار يتمنون الموت في جهنم، ألا ترى إلى قولهم فيها: ﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ (٧).

стр. 1407

ولقائل أن يقول: أما تفسير الخلود بالمكث الطويلِ - فخلاف (١) الغالب من استعمال الشرع، وحَمْلُ اللفظ على الغالب أولى (٢)، لا سيما وقد أردفه بقوله: ﴿أَبَدًا﴾ وقولكم: إن ﴿أَبَدًا﴾ قد يستعمل في الزمن الطويل. قلنا: صحيح، ولكن قرينة اجتماعها معِ الخلود ينفي ذلك هنا، وإلا فكأنه قال: قاطنين فيها مكثًا طويلًا، زمنًا طويلًا. فيكون قد كرر اللفظ لمجرد (٣) التأكيد الذي هو غير محتاج إليه هنا. فإن قلت: التأكيد لا بد منه على التقديرين؛ لأنه إنْ أراد بالخلودِ الدائمَ، كما ذكرتم - فما أتى بقوله: ﴿أَبَدًا﴾ إلا للتأكيد. قلت: التأكيد على تقدير إرادة الدائم - مناسبٌ (٤) مناسبة شديدة؛ لأن المحكومَ به أولًا أعني: المكث الدائم - شيءٌ عظيمٌ يليق بخَطْبه التأكيد، فكان التأكيد دليلًا على ما قلناه: من أن المراد بالخلودِ: الدائمُ؛ للاحتياج إلى التأكيد والحالةُ هذه. ويدل على ذلك أيضًا من الآية قوله (٥): ﴿فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ (٦)، ولم يقل: فإنه يدخل نار جهنم، بل أتىِ بلام الاختصاص (٧)

стр. 1408

والمِلْكِ الموضوعِ للدوام والبقاء، وصَدَّر الجزاء "بإنَّ" المؤكّدة للجزاء (١)، حيث قال: ﴿فَإِنَّ لَهُ﴾، ولم يقل: فله. ثم أكَّد ثانيًا عند ختام ذِكْر الجزاء بقوله: ﴿أَبَدًا﴾، ولم يبق علينا إلا أن الدائم لا يستحقه غير الكافر، والآية في العاصي (٢) وهو أعم، إلا أن يكون هذا العام قد أريد به الخاص (٣). وأما النقشواني فقال: ليس العصيان عبارة عن ترك الأمر فقط، بل عن ذلك مع زعم بطلان مقتضاه - وهو ترجيح جانب الفعل على الترك - أو عدم الإيمان بمقتضاه. (وهو معنى قوله تعالى في الملائكة: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ (٤) أي: يجزمون بمقتضاه) (٥) ويمتثلون، ويمتنع منهم عدم الإتيان بمقتضاه. قال: وكذلك في قوله تعالى: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ (٦) معناه: ما ذكرنا؛ لأن موسى ﵇ يقول: أزعمت أن ما أشرتُ به عليك، وأمرتك به باطل غير سديد حتى تركته، وأراد أن يعاقبه. فكان جوابُ هارون ﵇: بأن تركي لم يكن بناءً على زَعْم البطلان، بل بناءً على مصلحةٍ أخرى. ثم إن موسى ﵇ لما سمع ذلك

стр. 1409

قَبِل معذرته، وعلم أنه ليس بعاصٍ ما أمره به (١) مع (٢) أنه كان تاركًا لما أمره. قال: ولو كان العصيان باقيًا لكان سبب (٣) العقاب باقيًا، ولَمَا كان يَمْتنع عن عقابه بالعُذْر (٤) الذي ذكره. قال: وبهذا استحق العاصي الخلود في النار بهذه الآية، وكان ضالًا ضلالًا مبينًا، بدليل قوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (٥)، وتَرْك المأمور به مع زعم صحة مقتضاه لا يوجب ذلك (٦). هذا كلامه، وهو مدخول: أما قوله: العصيان: ترك الأمر مع زعم بطلان مقتضاه. قلنا: هذا خلاف الشائع الذائع في اللغة العربية، ويلزم على هذا أن لا يطلق على مَنْ خالف أوامر الله ورسوله أنه عاص ما لم ينضم إلى ذلك هذا القَيْد، وهو واضح البطلان. وأما قوله: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ (٧) فليس معناه إلا أنهم يمتثلون أوامره. وأما قضية هارون ﵇: فهو لم يعص أخاه موسى ﵇، وإنما موسى استفهمه لما رآه لم يفعل ما

стр. 1410

أشار به كأنه يقول: ما كان (١) يمنعك من ذلك، هل عصيت أمري؟ فقال هارون: لا, ولكن المانع أني خشيت أن تقول: فرقت بين بني إسرائيل. فقبل موسى ﵇ عُذْره، وعَلِم أنه لم يعصه لا باعتقاد بطلان مقتضى أمره، ولا بالمخالفة؛ لأن أمره لم يكن مطلقًا، بل مقيدًا بعدم المانع، وإن لم يكن التقييد موجودًا في اللفظ، كما تقول لوكيلك: اشترِ اللحم. ثم تقول: ما منعك من شرائه، هل عصيت أمري؟ فيقول لك: لا، بل كان السوق غيرَ قائم (٢)، أو اللحم (٣) غير موجود. والله أعلم. قال: (الخامس: أنه ﵇ احتج لذم أبي سعيد الخدري على ترك استجابته وهو يصلي - بقوله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ (٤)).

стр. 1411

الدليل الخامس: ما رواه البخاري من أن النبي ﷺ دعا أبا سعيد وهو في الصلاة فلم يجبه، فقال: ما منعك أن تجيب وقد سمعت الله يقول: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ (١)، وهذا الاستفهام ليس على حقيقته؛ لأنه ﵊ كان يعلم أنه في الصلاة، فدلَّ على أنه لمجرد الذم والتوبيخ، ولولا اقتضاء الأمر للوجوب لما كان ذلك. وقد وقع في الكتاب أن أبا سعيد هذا هو الخدري، وكذا (٢) وقع في "المحصول" وغيره من كتب الأصول (٣) ظنًا من مصنفيها (٤) أنه لا أبو سعيدٍ في الصحابة إلا الخدريُّ، وهذا الظن نشأ لهم من شهرة (أبي سعيد) (٥) الخدري وعدم طروق ذِكْر غيره على أسماعهم، وأبو سعيدٍ هذا إنما هو ابن المعلى (٦) وليس هو بخدري، والقرافي ﵀ نبه على ذلك،

стр. 1412

ومن كتبه استفدناه (١)، وهو صحيح. وقد سألت شيخنا الحافظ الذهبي ﵀: هل رُوي هذا الحديث من طريق الخدري في شيء من الكتب والأجزاء؟ فقال: لا. ووقع الحديث في بعض الكتب منسوبًا إلى أُبيِّ بن كعب، وليس بجيد أيضًا (٢). وقد نجزت الدلائل الخمس، وهي إنما تفيد عند (٣) ثبوتها أن

стр. 1413

الأوامر الصادرة من (١) الشارع للوجوب، لا أنها حقيقة في الوجوب بأصل الوضع، كما هو المدعى، فلا بد من إقامة الدليل على أنها في اللغة كذلك، لكن لما كان الغرض المهم معرفة مدلولات أوامر الشارع - خُصَّ الاستدلال بها. وقد قدمنا أن المختار عندنا ما ذهب إليه إمام الحرمين، وليس الشَرْحُ موضعَ تقريره والذبِّ عنه. قال: (احتج المخالف بأن الفارق بين السؤال والندب هو (٢) الرتبة، والسؤال للندب فكذا الأمر. قلت: السؤال إيجاب وإن لم يتحقق). ذكر المصنف لبعض المخالفين دلائل، أولها لأبي هاشم القائل: بأن الأمر للندب لا جرم أن في (٣) بعض النسخ: "احتج أبو هاشم"، لكن ذلك غير مستقيم؛ لأن الثالث والثاني على أحد التقريرين (٤) - كما سيأتي إن شاء الله تعالى - لا تعلق لها بأبي (٥) هاشم (٦).

стр. 1414

وتقرير ما احتج به أبو هاشم: أنه لا فارق بين السؤال والأمر إلا الرتبة، فإن رتبة الآمِر أعلى مِنْ رتبة السائل، والسؤال للندب فكذلك (١) الأمر؛ لأن الأمر لو دل على شيء غير الندب من إيجاب أو غيره - لكان بينهما فرقا آخر، وهو خلاف ما نقلوه. هذا تقرير الاحتجاج وقد يعبِّر بعض الشارحين: بأن الأمر لو دل على الإيجاب (٢). وهي عبارة صحيحة في الرد على القائلين بالوجوب، إلا أن أبا هاشم لم يأت بهذا الوجه لإبطال مذهب الوجوب، بل لتقرير مذهبه، فكان الأحسن أن يقال: بأن الأمر لو دل على شيء غير الندب، كما أوردناه، ولا يَخُصُّ الوجوب بالذكر. وأجاب المصنف: بأن (٣) السؤال من (٤) حيث الوضع يدل على الإيجاب أيضًا؛ لأن صيغةَ "افعل" عند القائل بأنها للإيجاب - موضوعةٌ لوجوب الفعل مع المنع من الترك، وقد استعملها السائل، لكن لا يلزم من السؤال الوجوب؛ إذِ الوجوب حُكْم شرعي يستدعي إيجاب الشرع (٥)، ولذا لا يلزم المسؤول القبول. فإنْ قلت: إذا دلَّ السؤال على الإيجاب لزم افتراقهما من وجه آخر؛ إذ إيجاب الأمر يدل على الوجوب بخلاف إيجاب السؤال.

стр. 1415

قلت: إيجاب الأمر أيضًا غير مستلزمٍ للوجوب؛ لجواز أن يوجد بدون الوجوب، كما إذا أمر السيدُ عبده بما لا يقدر عليه حسًا أو شرعًا (١). وقد أجاب الإسفراييني أحد شراح هذا (٢) الكتاب عن السؤال: بأن المَعْنى بكون الفارق بينهما هو (٣) الرتبة: هو كون إيجاب الأمر يقتضي الوجوب بخلاف السؤال. وهذا فيه نظر، إذ هما مدلولان متغايران (٤). على أنَّ هذه المباحث كلَّها إنما هي على تقدير ثبوت اعتبار الرتبة حتى تكون فارقة، لكنها عند المصنف غير معتبرة؛ إذ العلو والاستعلاء لا يُعْتبران كما تقدم، فالذي أجاب به المصنف على تسليم ثبوت الفرق (٥)، نعم الفرق بين السؤال والأمر عنده فَرْقُ ما بين العام والخاص، فإن السؤال أمرٌ

стр. 1416

صادر بتذلل، والأمر أعم (١). وأما قول بعض الشارحين: قد يترتب الوجوب على السؤال، كسؤال المضطر (٢)، وقد لا يترتب. وقد يترتب على الأمر وهو ما إذا كان صادرًا ممن هُوَ له (٣)، و (٤) كان مقدورًا للمكلف، وقد لا يترتب (٥) ففي (٦) تمثيله لترتب الوجوب على السؤال بحالة الاضطرار - نظر؛ لأن وجوبَ إطعام المضطر ليس لسؤاله، بل لكونه مضطرًا، حتى لو لم يَسْأل وعُرِف أنه مضطرٌ وَجَب إطعامُه مِنْ غير سؤال. قال: (وبأن الصيغة لما استعملت فيهما، والاشتراك والمجاز خلاف الأصل - فيكون حقيقةً في القدر المشترك. قلنا: يجب المصير إلى المجاز؛ لِمَا بَيَّنا من الدليل). احتج مَنْ ذهب إلى أن الصيغة موضوعةٌ للقدر المشترك بين الوجوب

стр. 1417

والندب: بأنها وردت للوجوب تارة، وللندب أخرى، فوجب أن تكون حقيقةً في القدر المشترك بينهما: وهو رجحان الفعل على الترك، وإلا فإن كان حقيقة فيهما لزم الاشتراك، أو في أحدهما (لزم المجاز، وهما) (١) على خلاف الأصل. ويمكن أن يُقَرَّر هذا الدليل على وجه آخر، يصير به دليلًا لأبي هاشم على أنه (٢) حقيقة في الندب، وذلك بأن تزيد على ما ذكرنا: أن هذه الصيغة (٣) دالةٌ على أصل الرجحان، وجواز الترك ثابت بمقتضى البراءة الأصلية التي لم يوجد ما يزيلها، فرجحان وجود الفعل مع جواز الترك ثابت حينئذ، ولا نعني بالندب إلا ذلك (٤). والجواب: أنا قد بَيَّنَّا أن الأمرَ حقيقةٌ في الوجوب، كما سبق، فالمصير (٥) إلى كونه مجازًا في الندب وغيره من الموارد واجب؛ لئلا يلزم

стр. 1418

الاشتراك، والمجاز أولى منه. واعلم أن التقرير الأول هو الأقرب إلى كلام صاحب الكتاب، والثاني هو ما أورده الإمام وفيه نظر (١)؛ لأن كوننا لا نحكم عليه (بالوجوب للبراءة الأصلية غير جَعْلنا إياه حقيقة في الندب، وحُكْمنا عليه) بعدم (٢) الوجوب لا يقتضي أنه حقيقةٌ في الندب (٣). قال: (وبأن تَعَرُّفَ مفهومِها لا يكون بالعقل، ولا بالنقل؛ لأنه لم يتواتر، والآحاد لا تفيد القطع. قلنا: المسألة وسيلة إلى العمل فيكفي فيها الظن، وأيضًا يتَعَرَّف بتركيب عقلي من مقدمات نقلية كما سبق). احتج مَنْ ذهب إلى التوقف (٤): بأنه لو ثبت في أحدها (٥) لثبت بدليلٍ؛ لامتناع (٦) إثبات اللغة بالتشهي، وذلك الدليل إما عقلي، أو نقلي. والأول: لا يمكن؛ إذ لا مجال للعقل في اللغة. والثاني: إما متواتر وهو منتف، وإلا لكان ضروريًا

стр. 1419

حاصلًا لكل أحد من هذه الطوائف، وكان النزاع يرتفع (١) من بينهم. وإما آحاد وهي لا تفيد القطع، إنما تفيد الظن، وهو في المسائل العلمية غير كاف، والمسألة علمية؛ إذ هي من قواعد أصول الفقه، ولم يُجِز الشارع العمل بالظن في أصول الفقه، كما نقله عن العلماء قاطبة الأبياري (٢) شارح "البرهان"، حكاه عنه القرافي (٣)، وإنما ذلك للاهتمام بالقواعد، وإذا انتفت طرق المعرفة تَعَيَّن الوقف. وهذا الذي نقله الأبياري رأيته في كلام القاضي في "مختصر التقريب والإرشاد" في غير موضع (٤). أجاب بوجهين: أحدهما: أن هذه المسألة وسيلة إلى العمل فيكفي فيها حصول الظن،

стр. 1420

كما يكفي حصول الظن في مقاصدها، أعني: العمليات. وحاصل هذا الجواب: مَنْعُ كون المسألة علمية (١). (وقد اختلف الأصوليون في أن (٢) هذه المسألة ظنية أو يقينية) (٣) (٤). والثاني: أنَّ هذا الحصر ممنوعٌ، وسند المنع أنه يجوز أن يُعْرف بدليلٍ مركب من العقلي والنقلي، كما سبق في الدليل الرابع: أن تارك المأمور به عاص، وكل عاصٍ يستحق النار. يُنتج العقلُ من هاتين المقدمتين النقليتين (٥): أن تارك المأمور به يستحق النار (٦)، ولا معنى للوجوب إلا ذلك. وكما سبق أيضًا في الدليل الثالث: وهو أن (٧) تارك المأمور به مخالفٌ، وكل مخالف معذب، فتارك المأمور به معذب. وكما سبق في باب اللغات: الجمع (٨) المحلَّى بالألف واللام (٩) يدخله

стр. 1421

الاستثناء، والاستثناء إخراج ما لولاه لدخل، فيدل على أن الجمع المحلى للعموم. فقول المصنف: "كما سبق" يحتمل عَوْدُه إلى كل واحدٍ من هذه الثلاث. وقد أجيب عن هذا الدليل بجواب ثالث: وهو التزام حصوله بالتواتر، ولا يلزم منه رفع الخلاف؛ لأنه إنما يلزم ذلك أن لو كان العقلي هنا ضروريًا، لكنه نظري، فيحتمل أن يصل إلى بعضهم بكثرة المطالعة في كلامهم وتواريخهم، ولا يصل إلى الآخَر لعدمِ أو قلةِ اشتغاله بذلك. وأجاب بعضهم: بأن ما ذكره المتوقف من الدليل لازمٌ عليه؛ وذلك لأن العقل لا يقتضي الوقف، والنقل القطعي غير متحقِّقٍ، والظني لا يفيد (١)، فما كان جوابه فهو جوابنا (٢). لكن في هذا نظر؛ إذِ المتوقف لم يحكم بشيء فلا دليل عليه. واعلم أن المنع الثاني الذي ذكره المصنف (٣) قَدَّمه الإمام على الأول (٤)، وهو أولى على قاعدة أهل النظر مما فعله المصنف، فكان ينبغي أن يقول: لا نسلِّم الحصر، سَلَّمنا نختار معرفته بالآحاد.

стр. 1422

والجدليون يعلِّلون مثل ذلك بأن الثاني هنا (١) مثلًا: فيه تسليم للحصر، فلا يحسن منعه بعد ذلك (٢). والله أعلم. قال: (الثالثة: الأمر بعد التحريم للوجوب . وقيل: للإباحة. لنا: أن الأمر يفيده، ووروده بعد الحرمة لا يدفعه. قيل: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (٣). قلنا: معارض بقوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾) (٤). هذه المسألة مُفَرَّعة على ثبوت أن صيغة "افعل" تقتضي الوجوب، فاختلف القائلون بذلك فيما إذا وردت بعد الحظر: هل هي باقية على دلالتها، أو ورودها بعد الحظر قرينة للإباحة، أم كيف الحال؟ على أربعة مذاهب: الأول: أنها على حالها في اقتضاء الوجوب. وهو اختيار الإمام وأتباعه (٥) منهم المصنف، وبه قالت المعتزلة (٦)، وصححه الشيخ أبو إسحاق

стр. 1423

الشيرازي في "شرح اللمع" (١)، والإمام أبو المظفر بن السمعاني في "القواطع" (٢)، ونقله ابن الصباغ في "عُدَّة العالِم" عن اختيار القاضي أبي الطيب، ونقله ابن برهان في "الوجيز" عن القاضي (٣)، لكن لم يقل بذلك مطلقًا، وإنما الذي قاله - كما حكاه عنه إمام الحرمين في "البرهان" -: "لو كنت من القائلين بالصيغة لقطعت بأن الصيغة المطلقة بعد الحظر مُجْراةٌ على الوجوب" (٤). وكذا قال في "مختصر التقريب": الذي نختاره: أن الأمر بعد سبق الحظر (كالأمر من غير سبقه، وإنْ فرضنا الكلام في العبارة فهي بعد الحظر) (٥) كهي من غير حظر يَسْبِق، وقد فَرَط (٦) مِنْ أصلنا المصيرُ إلى الوقف، وها نحن عليه في صورة التنازع كما ارتضيناه في صورة الإطلاق من غير تقدم حظر (٧). انتهى. والثاني: أنها تكون للإباحة ورجَّحه ابن الحاجب (٨)، ونقله ابن

стр. 1424

برهان في "وجيزه" عن أكثر الفقهاء والمتكلمين (١)، وابن التِّلِمْساني في "شرح المعالم" عن نص الشافعي، وكذا (٢) نقله عن نصه عبد العزيز بن عبد الجبار الكوفي كما نقله الأصفهاني (٣) في "شرح المحصول" (٤). وقال القاضي في "مختصر التقريب": "إنه أظهر أجوبة الشافعي" (٥). وحكاه الشيخ أبو حامد الإسفراييني في باب الكتابة من "تعليقته" (٦) عن الشافعي. وقال الشيخ أبو إسحاق: "للشافعي كلام يدل عليه" (٧). وقال ابن السمعاني: "عليه دل ظاهر قول الشافعي في أحكام القرآن" (٨). والثالث: اختاره الغزالي، وهو أنه (٩) إنْ كان الحظر السابق عارضًا بعلة (١٠) (١١)، وعلق صيغة "افعل" بزواله مثل: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ

стр. 1425

فَاصْطَادُوا﴾ (١) (٢) - فعُرْف الاستعمال يدل على أنه لرفع الذم فقط، حتى يرجع حكمه إلى ما قبله، وإن احتمل أن يكون رَفْعُ هذا الحظر بندب أو إيجاب، لكن هذا هو الأغلب (٣)، كقوله ﵊: "كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فادخروا" (٤). وأما إذا لم يكن الحظر عارضًا بعلة (٥)، ولا صيغةُ "افعل" عُلِّق بزوالها - فيبقى مُوجَبُ الصيغة (٦) على أصل التردد بين الإيجاب والندب، ويزيد ههنا احتمال الإباحة، وتكون هذه (٧) قرينة تُرَوِّج هذا الاحتمال (٨) وإن لم تعيِّنه (٩). وأما إذا لم تَرِد صيغة "افعل" ولكن قال: إذا حللتم فأنتم مأمورون بالاصطياد - فهذا يحتمل الوجوب والندب، ولا يحتمل

стр. 1426

الإباحة (١). قال: "وقوله: أمرتكم بكذا يضاهي قوله: افعل، في جميع المواضع، إلا في هذه الصورة (٢) وما يقاربها" (٣). وهذا المذهب أخذه الغزالي مما حكاه إمامه في "البرهان" وفي "التلخيص" عن بعضهم: "إنه إنْ ورد الحظر مؤقتًا، وكان منتهاه صيغةً في الاقتضاء (٤) فهي للإباحة". قال: "والغرض من مساق الكلام ردُّ الحظر إلى غايةٍ وهي كقوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (٥) " (٦). ثم زاد الغزالي ما ذكره. وقد قال في "التلخيص" عن هذا المذهب: إنه أسدُّ مذهب لهؤلاء" (٧). والرابع: الوقف. وهو مذهب إمام الحرمين (٨)، واختاره

стр. 1427

جماعة (١) (٢). واستدل المصنف على ما اختاره: بأن الأمر يفيد الوجوب؛ إذِ التفريع على القول بذلك (٣)، ووروده بعد الحرمة غير صالح لأن يكون معارضًا، فإنه كما لا يمتنع الانتقال من التحريم إلى الإباحة، لا يمتنع الانتقال (منه إلى الوجوب؛ لمنافاة كل واحد منهما (٤) للتحريم، فإذا جاز الانتقال) (٥) إلى أحد المتنافيين جاز الانتقال إلى الآخر. واحتج القائل بالإباحة: بأنها وردت لذلك، مثل: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (٦)، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ (٧)، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ (٨).

стр. 1428

وفي الحديث: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" (١) , "كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فكلوا وادخروا" (٢). وأجاب في الكتاب: بأن هذه الأدلة معارَضةٌ بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾، فإنه يفيد الوجوب؛ لأن الجهاد واجب. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (٣)، وحَلْق الرأس نُسُكٌ وليس بمباح محض. كذا ذكره الإمام (٤). وكذلك قوله ﵊: "فإذا أدبرت الحيضة فاغسلي

стр. 1429

عنك الدم وصلي". وإذا تعارضا (١) من هذه الجهة بقي دليلنا على أصله. ولمن يقول بالإباحة: أن يمنع استفادة الوجوب في هذه الصور من الصيغة الواردة بعد الحظر، ويقول: إنَّ الوجوب مستفاد من خارج، فإن قتال المشركين واجب، وكذلك الصلاة بالنسبة إلى المرأة، ثم (٢) لما مُنِعَ منه حصل الإحجام عنه، فكان ورود الأمر مفيدًا أَنَّ سَبَب الإحجام زائل، وأن هذا الأمر صار مباحًا، ومتى صار مباحًا لزم أن يعود إلى ما كان عليه من الوجوب (٣). فائدة (٤): قد (٥) عرفت الخلافَ في الأمر الوارد بعد الحظر هل يدل على الوجوب أو الإباحة؟ ويضاهيه مسائل: منها: الكتابة، فهي مستحبة وإنْ كانت واردةً بعد حظر (٦). وعن

стр. 1430

صاحب "التقريب" حكايةُ قولٍ: أنها (١) تجب بطلب العبد (٢). ومنها: النظر إلى المخطوبة بعد العزم على نكاحها مستحب، وفي وَجْهٍ هو مباح مجرد. والأمر به في قوله ﷺ للمغيرة بن شعبة (٣): "انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما" (٤) أي: يُجْعلُ بينكما المودة - واردٌ بعد الحظر: وهو تحريم النظر إلى الأجنبيات عند خوف الفتنة (٥).

стр. 1431

ومنها: إذا قال لعبده: اتَّجِرْ - صار مأذونًا، ويجب عليه امتثال أمر سيده، وهو أمر وارد بعد حظر: وهو الحجر على العبد في التصرف في مال سيده. والله أعلم. تنبيه: صَرَّح الإمام هنا: بأن حكم (الأمر بعد الاستئذان حُكْمُه بعد التحريم، حتى يقع فيه الخلاف) (١) في إفادة الوجوب (٢). ومثال ذلك: أن يَسْتأذن على فعل شيء فيقول: افْعَلْه. وهذا حسن متجه ينفع في الاستدلال على وجوب التشهد بقوله ﷺ إذ سألوه: "كيف نصلي عليك؟ قال: قولوا" الحديث (٣). قال: (واختلف القائلون بالإباحة في النهي بعد الوجوب). الذين قالوا: بأن الأمر الوارد بعد الحظر يفيد الوجوب - جزموا القول: بأن (٤) النهي بعد الوجوب يفيد التحريم (٥). وأما الذين قالوا هناك: بأنه (٦) يفيد الإباحة - فاختلفوا في النهي الوارد بعد

стр. 1432

الوجوب، فمنهم مَنْ طَرَد فيه الخلاف، وحكم بالإباحة. ومنهم مَنْ قال: لا تأثير ههنا للوجوب المتقدم بل النهي يفيد التحريم، وبه قال الأستاذ، وقال: لا ينتهض الوجوب السابق قرينةً في حمل النهي على رفع الوجوب (١). وادَّعى الوِفَاق في ذلك. وفي "التلخيص" مختصر "التقريب والإرشاد" للقاضي دعوى الوفاق كما ذكر الأستاذ، فإنه قال في أثناء الحِجَاج: "لو صَحَّ ما قلتموه (٢) للزم أن تقولوا: إذا فرط الإيجاب وسبق التحتم ثم تعقبته لفظةٌ تقتضي تحريمًا لو قُدِّرت مطلقة (٣) - أنها لا تُحْمل على التحريم، وقد قلتم جميعًا: إنها محمولةٌ على التحريم (٤). انتهى. ولكن الخلاف ثابت مُصَرَّح به، وقال إمام الحرمين: "أما أنا فساحبٌ ذيلَ الوقف عليه، كما قدمته في صيغة الأمر بعد الحظر" (٥). وقد فرق القائلون: بأن النهي بعد الوجوب للتحريم، مع قولهم: بأن الأمر بعد الحظر للإباحة - بوجوه: أحدها: أن النهي لدفع المفاسد المتعلِّقة بالمَنْهي، والأمرَ لتحصيل

стр. 1433

المصالح المتعلقة بالمأمور، واعتناءُ الشارع بدفع المفاسد أشدُّ من اعتنائه بجلب المصالح. والثاني: أن النهي عن الشيء موافقٌ للأصل الذي هو عدم الفعل، ولا كذلك الأمر لاقتضائه الفعل (١) (٢). والثالث: أن القائل بالإباحة ثَمَّ إنما دعاه إليها ورود الصيغة كثيرًا في الآيات والأخبار بمعنى الإباحة، كما سبق، بخلاف النهي بعد الوجوب. والرابع: أنَّ دلالة النهي على التحريم أقوى من دلالة الأمر على الوجوب؛ لأنه إذا اجتمع الحلال والحرام غُلِّب الحرام (٣). والله أعلم. فائدة: تقدم ما ذكره الإمام (في الأمر) (٤) عقيب الاستئذان، وأما النهي عَقِيب الاستئذان مثل: قوله ﷺ لسعد (٥)

стр. 1434

(وقد) (١) قال له: "أُوصِي بمالي كلِّه. قال: لا" (٢)، ومِثْلُ: "أَيُسَلِّم بعضُنا على بعض قال: نعم"، "أيصافح بعضُنا بعضًا. قال: نعم. قال (٣): أينحني بعضنا لبعض. قال: لا" (٤)، ووقع في السنة كثير من ذلك. فهذا الاستفهام الأصل فيه أنه استفهام عن الخبر كأنه يقول: أيَقَعُ هذا أوْ لا؟ وجوابه في الأصل خبرٌ أيضًا، يقول: يقع أوْ لا. كقولك: يقوم زيد؟ فيجيب: نعم أوْ لا. ثم قد تأتي قرينة تدل على أن المراد بذلك الاستفهام عن الحكم الشرعي، كما في هذين الحديثين وأشباههما، فإن القرينة تدل على أن المراد الاستفهامُ عن (٥) الحكم الشرعي: إما

стр. 1435

الوجوب، أو الجواز، أو الاستحباب. وقد يكون استرشادًا أيضًا، فيكون الجواب: بلا أو نعم - واردًا على ما فُهِم من السؤال. والظاهرُ في الحديث الثاني: أن المراد الاستفهام عن الجواز؛ ولذلك كان الانحناء حرامًا. وقوله: "نعم" في السلام، والمصافحة - فيه جواز ذلك خاصةً، واستحبابه من دليلٍ آخر، (ولا نُقَدِّرُه) (١) أمرًا بل خبرًا. وكذا في حديث سعدٍ الظاهرُ فيه أنه استفهام عن الجواز، وكذلك (٢) في الثلث، قال: "الثلث، والثلث كثير" (فإنَّ نعم (٣) مقدرة فيه (٤)، ولا نقدره أمرًا؛ لأنه ليس مستحبًا (٥)؛ لقوله: إنه كثير) (٦)، وليس بنا (٧) ضرورةٌ إلى تقديره أمرًا وصَرْفِه عن ظاهره، فهذا هو القاعدة في ذلك، قررها والدي أطال الله بقاه (٨)،

стр. 1436

(وينبني (١) عليها مباحث في مواضع كثيرة فافهمها) (٢) (٣). قال: (الرابعة: الأمر المطلق لا يفيد التكرار ولا يدفعه . وقيل: للتكرار. وقيل: للمرة. وقيل: بالتوقف للاشتراك، أو للجهل بالحقيقة). الأمر إما أن يَرِدَ مُقَيَّدًا وهو نوعان: أحدهما: أن يَرِد مقيَّدًا (بالمرة، أو بالتكرار، فَيُحْمل عليه (٤) قطعًا. والثاني: أن يرد مقيَّدًا) (٥) بصفة، أو شرط، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله. وإما أن يرد مطلقًا عاريًا عن القيود، وهو (٦) مسألة الكتاب، وفيه مذاهب:

стр. 1437

أحدها: أنه لا يدل بذاته لا على التكرار ولا على المرة، وإنما يفيد طلب الماهية من غير إشعار بالوَحْدة والكثرة. نعم لا يمكن إدخال الماهية في الوجود بأقل من مرةٍ، فصارت المرة من ضروريات الإتيان بالمأمور به (١)، لا أن الأمر يدل عليها بذاته، واختاره الإمام وأتباعه (٢) منهم المصنف، والآمدي (٣)، وابن الحاجب (٤)، ونَصَّ على اختيار القول به القاضي في "التلخيص" (٥) لإمام الحرمين. وقد عَبَّر المصنف عن المرة بقوله: "ولا يدفعه" (٦)، فإنه إذا لم يدفع التكرار لا يكون للمرة؛ فإنه لو كان للمرة دفع التكرار، إذْ هما متقابلان. والثاني: أنه يدل على التكرار المستوعِب لزمان العُمُر. ونقله الشيخ أبو إسحاق في "شرح اللمع" عن شيخه أبي حاتم (٧) القزويني (٨)، وعن

стр. 1438

القاضي أبي بكر (١)، وهو مذهب الأستاذ وجماعة من الفقهاء والمتكلمين (٢). وذكر الأصفهاني (٣) أن العالِمي نقله عن أكثر (أصحاب

стр. 1439

الشافعي (١)) (٢)، لكن شَرْط هذا القول الإمكانُ، دون أزمنة قضاء الحاجة والنوم وضروريات الإنسان، كما صَرَّح به أكثر الأصوليين، منهم الشيخ أبو إسحاق، وإمام الحرمين، وابن الصباغ في "عُدَّة العالِم"، والآمدي، وغيرهم (٣). قال صفي الدين الهندي: "ثم لا يخفى عليك أنه ليس المراد من التكرار هنا معناه الحقيقي: وهو إعادة الفعل الأول، فإن ذلك غير ممكن من المكَلَّف، (وإنما المراد مثله) (٤) ". ولك أن تقول: ما تريد بقولك: ليس المراد إعادة ذلك الفعل الأول؟ أتريد الماهيةَ مع قيد التشخص في الأول، أم الماهية وحدها؟ الأول مسلَّم (٥)، والثاني ممنوع؛ لأن الماهية الموجودة في الأول موجودة في الثاني بعينها. والثالث: أنه يدل على المَرَّة ولا يحتمل التكرار، وإنما يُحْمل عليه بدليل. ونقله الشيخ أبو إسحاق عن أكثر أصحابنا، وأبي حنيفة (٦)، وأكثر الفقهاء، وعن اختيار شيخه القاضي أبي الطيب، والشيخ أبي حامد (٧).

стр. 1440

ونقل بعض الشارحين تبعًا للأصفهاني في "شرح المحصول" عن الآمدي أنه قال: وإليه ميل إمام الحرمين (والواقفية. ثم خَطَّأ هذا الشارحُ الآمديَّ: بأن إمام الحرمين) (١) إنما يرى الوقف، ولا يَقْضي في الزيادة بنفي ولا إثبات (٢). واعلم أن الآمدي لم ينقل في "الإحكام" عن إمام الحرمين إلا الوقف (٣)، كما هو الواقع، وهذه عبارة الآمدي:
следующие страницы →