← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

يقول الحافظ الحسيني ﵀ عن تزاحم الطلبة على دروس التاج السبكي ﵀ مدة إقامته بمصر ثمانية أشهر، وذلك في عام ٧٦٤ هـ: "وقد كان - أيده الله تعالى - في مدة إقامته بمصر على حالٍ شهيرة من التعظيم والتبجيل، يعتقده الخاص والعام، ويتبرك بمجالسته ذووا السيوف والأقلام، ويزدحم طلبةُ فنون العلم على أبوابه" (١). وقد تتلمذ له بعض أقرانه كصلاح الدين الصفدي، وشمس الدين الغزي (٢). يقول في "الطبقات" عن الصلاح ﵀: "وكانت له همة عالية في التحصيل، فما صَنَّفَ كتابًا إلا وسألني فيه عما يحتاج إليه من فقه وحديث وأصول ونحو، لا سيما "أعيان العصر"، فأنا أشرت عليه بعمله، ثم استعان بي في أكثره، ولما أخرجتُ مختصري في الأصلَيْن المسمَّى "جمع الجوامع" كتبه بخطّه، وصار يحضر الحَلْقة، وهو يقرأ عليَّ ويَلَذُّ له التقرير، وسمعه كلَّه عليَّ، وربما شارك في فهم بعضه رحمه الله تعالى" (٣). _________ (١) انظر: ذيول العبر في خبر مَنْ غَبرَ ٤/ ٢٠٠. (٢) هو محمد بن خلف بن كامل، القاضي شمس الدِّين الغَزِّيّ، يقول عنه التاج رحمهما الله: "رفيقي في الطلب، مولده سنة ست عشرة وسبعمائة بغزَّة، وقدم دمشق فاشتغل بها، ثم رحل إلى قاضي حماة شرف الدين البارزيّ، فتفقه عليه، وأذن له بالفُتيا، ثم عاد إلى دمشق وجَدَّ واجتهد. صَحِبتُه ورَافقته في الاشتغال من سنة تسع وثلاثين وسبعمائة، سنة مَقْدَمِنا دمشق، إلى أن توفي وهو على الجدِّ البالغ في الاشتغال. أما الفقه فلم يكن في عصره أحفظُ منه لمذهب الشافعي، يكاد يأتي على الرافعيّ وغالب "المطلب" لابن الرفعة استحضارًا، وله مع ذلك مشاركة جيدة في الأصول والنحو والحديث". الطبقات الكبرى ٩/ ١٥٥، وانظر: الدرر ٣/ ٤٣٢. (٣) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ٦.

стр. 177

ويقول عن رفيقه في الطَّلبِ شمس الدين الغزيّ: "وجمع كتابًا نفيسًا على الرافعي، يذكر فيه مناقب الرافعيِّ بأجمعها وما يمكن الجواب عنه منها بتنبيهات مهمات في الرافعيّ، ويستوعب على ذلك كلامَ ابن الرفعة والوالد رحمهما الله، ويذكر مِنْ قِبَله شيئًا كثيرًا، وفوائد مهمة، ولم يبرح يعمل في هذا الكتاب إلى أن مات، فجاء في نحو خمس مجلَّدات، أنا سميته "ميدان الفرسان"، فإنه سألني أن أسميه له، وكان يقرأ عليَّ غالب ما يكتبه فيه، ويسألني عَمَّا يُشكل عليه، فلي في كتابه هذا كثيرٌ من العمل" (١). _________ (١) انظر: الطبقات الكبرى ٩/ ١٥٥.

стр. 178

المبحث الخامس: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه قد تَفرَّس شيوخ التاج ﵏ فيه النبوغ، وأمَّلوا فيه التميز، فها هو الإمام الذهبي ﵀ يُدرجه في "المعجم المختص" ويقول عنه: "عبد الوهاب بن شيخ الإسلام تقي الدين علي بن عبد الكافي، الولد القاضي تاج الدين أبو نصر السبكي الشافعي. ولد في سنة ثمانٍ وعشرين، وأجاز له الحجَّار وطائفة، وأسمعه أبوه من جماعة. كتب عني أجزاءً ونَسَخَها، وأرجو أن يتميزَّ في العلم، ثم دَرَّس وأفتى" (١). وها هو شيخه الإمام المزي ﵀ يُدرجه في الطبقة العليا من المحدثين، في قصةٍ يحكيها التاج رحمه الله تعالى فيقول: "وشَغَر مرةً مكانٌ بدار الحديث الأشرفيَّة، فَنَزَّلني فيه، فعجبت من ذلك؛ فإنه كان لا يرى تنزيل أولاده في المدارس، وها أنا لم ألِ في عمري فِقاهةً في غير دار الحديث، ولا إعادةً إلا عند الشيخ الوالد، وإنما كان يُؤخِّرنا إلى وقت استحقاق التدريس، على هذا ربَّانًا، ﵀، فسألته فقال: ليقال إنَّك كنتَ فقيهًا عند المِزِّيّ. ولما بلغ المِزِّيَّ ذلك - أَمَرَهم أن يكتبوا اسمي في الطبقة العليا. فبلغ ذلك _________ (١) انظر: المعجم المختص ص ١٥٢.

стр. 179

الوالدَ، فانزعج، وقال: خرجنا من الجدِّ إلى اللعب، لا والله، عبد الوهَّاب شابٌّ ولا يستحق الآن هذه الطبقة، اكتبوا اسمه مع المبتدئين، فقال له شيخنا الذهبي: والله هو فوق هذه الدرجة، وهو محدِّث جَيِّد. هذه عبارة الذهبي، فضحك الوالد، وقال: يكون مع المتوسِّطين" (١). وهذا شيخه شمس الدين ابن النقيب - رحمه الله تعالى - يُجيزه بالإفتاء والتدريس وهو لم يبلغ الثامنة عشر من عمره. يقول الحافظ شهاب الدين ابن حجي (٢): أخبرني أن الشيخ شمسَ الدين بن النقيب أجازه بالإفتاء والتدريس. ولما مات ابن النقيب كان عمر القاضي تاج الدين ثمان عشرة سنة (٣). وقال الحافظ ابن حجي ﵀: "خرَّج له ابن سعد مشيخةً، ومات قبل تكميلها، وحَصَّل فنونًا من العلم من الفقه والأصول، وكان ماهرًا فيه، والحديث والأدب، وبرع وشارك في العربية، وكان له يدٌ في النظم والنثر، جَيِّدَ البديهة، ذا بلاغةٍ وطلاقةِ لسان، وجراءة جَنَان، وذكاءٍ مُفْرط، وذهن وقَّاد، وكان له قدرة على المناظرة" (٤). _________ (١) انظر: الطبقات ١٠/ ٣٩٩. (٢) أحمد بن حجي بن موسى السعدي الحسباني، الإمام العالم العلَّامة، الحافظ المحقِّق، شيخ الشافعية شهاب الدين أبو العباس. ولد سنة ٧٥١ هـ، سمع الحديث من خلائق، وتتلمذ للتاج السبكي. من تصانيفه: "جمع المفترق"، "الدارس من أخبار المدارس". توفي سنة ٨١٦ هـ. انظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٤/ ١٢. (٣) انظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ١٠٤ - ١٠٥. (٤) انظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ١٠٥ - ١٠٦.

стр. 180

وهذا الإمام الأديب، الناظم الناثر، أديب العصر خليل بن أيبك الصفدي ﵀، الذي كتب أزيد من ستمائة مجلّدٍ تصنيفًا، وهو في طبقة شيوخ التاج - رحمهما الله - يقول عنه التاج: "وكانت له همةٌ عاليةٌ في التحصيل، فما صَنَّف كتابًا إلا وسألني فيه عما يحتاج إليه من فقه وحديث وأصولٍ ونحوٍ، لا سيما "أعيان العصر" فأنا أشرتُ عليه بعمله، ثم استعان بي في أكثره، ولما أخرجت مُخْتَصري في الأصلَيْن المسمَّى "جمع الجوامع" كتبه بخطِّه، وصار يحضر الحلقة، وهو يقرأ عليَّ ويَلَذُّ له التقرير، وسَمِعه كلَّه عليَّ، وربما شارك في فهم بعضه، رحمه الله تعالى" (١). وهذا والده رحمه الله تعالى يصفه بمفتي الإسلام في قصةٍ يذكرها التاج رحمه الله تعالى فيقول: "وكتب إليَّ، وقد جَمَع لي بين نيابته في الحكم، وتوقيعِ الدَّسْت (٢)، وكانت قد وَرَدت عليه فُتْيا في لعب الشِّطرْنج: أجِبْنا أيُّها الإمام، أحلالٌ هو أم حرام؟ ونحن قد عَرَفْنا مذهب الشافعيّ، ولكنا نريد أن نعرف رأيَك واجتهادَك. فألقاها إليَّ، وقال: اكتُبْ عليها مَبْسُوطًا مستدِلًا، ثم اعرِضْها. فكتبتُ كتابةً مطوَّلة جامعةً للدلائل، ونصَرْتُ مذهب الشافعي، فكتب إلى جانبها: _________ (١) انظر: الطبقات ١٠/ ٦. (٢) توقيع الدَّسْت: هو توقيع مجلس الوزارة. قال الزبيدي في تاج العروس ٣/ ٥٠، مادة (دست): "واستعمله المتأخرون بمعنى: الديوان، ومجلس الوزارة، والرآسة". وانظر: المعجم الوسيط ١/ ٢٨٢.

стр. 181

أمُوَقِّعَ الدَّسْتِ الشريفِ ونائِبَ الْـ ... ـحُكْمِ العزيزِ ومُفْتِيَ الإسلامِ خَفْ من إلهكَ أنْ يراكَ وقَدْ نَها ... كَ وما انتهيتَ ومِلْتَ للآثامِ" (١) وينبيك عن مكانته العلمية المبكرة تدريسه إلى جانب الرُّخامة التي بالجامع الأُموي في حياة والده، وأنشد والده في ذلك، ذاكرًا العلماء الذين دَرَّسُوا بجانبها، وتعاقبوا على ذلك المكان بدءًا بابن عساكر (٢) رحمه الله تعالى. يقول التاج: "وأنشدوني عنه، وقد جلستُ للشُّغْل في العلم عَقِيبَ وفاة الشيخ الإمام فخر الدين المِصْريّ، إلى جانب الرُّخامة التي بالجامع الأُموي، التي يقال: إنَّ أوَّل مَنْ جلس إلى جانبها شيخُ الإسلام فخر الدين ابن عساكر، ثم تلميذه شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام، ثم تلميذه الشيخ تاج الدين بن الفِرْكاح الفَزاريّ (٣)، ثم تلميذه ولده الشيخ بُرهان الدين (٤)، ثم _________ (١) انظر: الطبقات ١٠/ ١٩٤. (٢) هو علي بن الحسن بن هبة الله، أبو القاسم بن عساكر، إمام الحديث في زمانه، وختام الجهابذة الحفاظ. ولد سنة ٤٩٩ هـ. من مصنفاته: تاريخ الشام، تبيين كذب المفتري، وغيرهما كثير. توفي سنة ٥٧١ هـ. انظر: المستفاد من ذيل تاريخ بغداد ص ١٨٦ - ١٨٩، سير ٢٠/ ٥٥٤، الطبقات الكبرى ٧/ ٢١٥. (٣) عبد الرحمن بن إبراهيم بن ضياء الفَزَاريّ، الشيخ تاج الدين أبو محمد، المعروف بالفِرْكاح، فقيه أهل الشام، كان إمامًا مدقِّقًا نَظَّارًا. من تصانيفه: شرح ورقات إمام الحرمين، وتعليقة على الوجيز، وغيرهما. توفي سنة ٦٩٠ هـ. انظر: الطبقات الكبرى ٨/ ١٦٣، طبقات ابن قاضي شهبة ٢/ ١٧٣. (٤) هو إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم الفزاريّ، الشيخ برهان الدين بن الفِرْكاح، فقيه الشام، وشيخ الإسلام. من مصنفاته: "التعليقة على التنبيه" في نحو عشر =

стр. 182

تلميذه الشيخ فخر الدين المِصْري (١)، ثم أنا (٢)، وكتبتُها من خط الوالد رحمه الله تعالى: الجامعُ الأُمَوِيُّ فيه رُخامَةٌ ... يَأْوِي لها مَن للفَضائل يَطْلُبُ الشيخُ فخرُ الدِّين نَجْلُ عَساكِرٍ ... والشيخُ عِزُّ الدين عنه يُنْسَبُ والشيخُ تاجُ الدين نَجْلُ فَزارَةٍ ... عنه تَلقَّاها يُفيد ويَدْأبُ ثم ابنُه أكرِمْ به من سَيِّدٍ ... ورعٍ له كلُّ الناصب تَخْطُبُ وتلاه فخرُ الدِّين واحدُ مِصْرِهِ ... بذكائِه كالنارِ حِينَ تَلَهَّبُ وابني يَليهمْ زادَهُ ربُّ السَّما ... عِلْمًا وفَهْمًا ليس فيه يَنصَبُ (٣) وقد نزل التقي ﵀ عن مشيخة دار الحديث الأشرفية لابنه عبد الوهاب ﵀ وذلك في أواخر عمره حينما كبر التاج وكان ابن ثمان وعشرين سنة أو نحوها، ولم يكن نزوله له إلا لأهليته التي شهد بها مشايخُه. يقول التاج ﵀: "ولما نزل لي عن مشيخة دار الحديث الأشرفيّة، _________ = مجلدات، وتعليقة على مختصر ابن الحاجب في الأصول. توفي سنة ٧٢٩ هـ. انظر: الطبقات الكبرى ٩/ ٣١٢، طبقات ابن قاضي شهبة ٢/ ٢٤٠. (١) هو محمد بن علي بن إبراهيم، أبو الفضائل القاضي فخر الدين المِصْريّ. ولد بالقاهرة سنة ٦٩١ هـ، كان من أذكياء العالم، حفظ مختصر ابن الحاجب في تسعة عشر يومًا، وكان يحفظ في "المنتقى" كل يوم خمسمائة سطر. توفي بدمشق سنة ٧٥١ هـ. انظر: الطبقات الكبرى ٩/ ١٨٨، طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ٦٢. (٢) وعليه فعمر التاج آنذاك أربع وعشرون سنة. (٣) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٩٢.

стр. 183

واتفق أنه بعد أشهرٍ حَضَر درسًا عَمِله الولدُ تقيُّ الدين أبو حاتم محمد ابن الأخ شيخِنا شيخِ الإسلام بهاءِ الدين أبي حامد، سلمهما الله، وكان أشار هو بذلك؛ ليفرح بتدريس ولدِ ولدِه بحضوره قبلَ وفاته - قال للجماعة الحاضرين: ما أعلم أحدًا يَصْلحُ لمشيخة دار الحديث غيرَ ولدي عبد الوهَّاب، وشخصٍ آخرَ غائبٍ عن دمشق. وأكثر الناس لم يَفهم الغائب، وأنا أعرف أنه الشيخ صلاحُ الدين العلائيُّ، شيخ بيت المقدس وحافظه" (١). وكتب له الشيخ برهان الدين القيراطي (٢) جوابًا لرسالةٍ أرسلها إليه التاج - رحمهما الله - فمما قال فيها: "إلى شيخنا شيخ الإسلام أوحدِ المجتهدين، تاج الدين أبي نصر، أسبغ الله ظِلالَه" (٣) إلى أن قال: "فهو إمام العلوم على الأبد، والسابقُ للعَلياء سَبْقَ الجوادِ إذا استولى على الأَمَد، والسيِّد الحافظ الذي دارُه لا دارَ مَيّةَ بين العلياءِ والسَّنَد. _________ (١) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ٢٠٩. (٢) هو إبراهيم بن شرف الدين عبد الله بن محمد الطائيّ القيراطيّ، الشاعر المشهور. ولد في سنة ٧٢٦ هـ، وتَفَقَّه واشتغل، وتَعَانى النظم ففاق فيه، وله ديوان جمعه لنفسه يشتمل على نثر ونظم في غاية الإجادة، وكان عابدًا فاضلًا. قال ابن حجر= = ﵀: "وكان له اختصاص بالسبكي، ثم بأولاده، له فيهم مدائح ومراثي، وبينهم مراسلات". توفي بمكة مجاورًا سنة ٧٨١ هـ. انظر: الدرر ١/ ٣١، شذرات ٦/ ٢٧٩. (٣) انظر: الطبقات الكبرى ٩/ ٣٣٦.

стр. 184

والشيخ الذي اختُصَّ بعُلُوّ الإسناد والمَحَل، والرُّحَلَةُ الذي يُنشِد الطالبُ إذا حثَّ ركائبَه إليه ورَحَل: إليكَ وإلَّا لا تُساقُ الركائبُ ... وعنكَ وإلَّا فالمحدِّث كاذبُ على أنه عالمٌ مناظِر، وحافِظٌ مذاكِر، وأديبٌ مُحاضِر. . . فهو بين العلماء إمامُ مِلّتهم، ومُصَلَّى قِبلتهم، ومُجَلِّي حَلْبَتِهم، والمنشِدُ عند طلوع أهلَّتِهم: أخذنا بآفاقِ السماءِ عليكُمُ ... لنا قَمَراها والنُّجُومُ الطوالعُ" (١) ومما قاله أيضًا بعد ذلك هذين البيتين: "عِلْمُ الحديثِ إلى أبي نصرٍ غَدَا ... من دونِ أهلِ العَصْرِ حَقًّا يُسْنَدُ أضحى أميرَ المؤمنين بقُبَّةٍ ... ويَدُ الخلافةِ لا تُطاوِلُها يَدُ" (٢) ويقول الحافظ الحسيني عن التاج - رحمهما الله - في أكثر مِنْ موطن: "سيدنا قاضي القضاة شيخ الإسلام تاج الدين السبكي" (٣). وقال السيوطي ﵀ في "حسن المحاضرة": "كتب مرةً ورقةً إلى نائب الشام يقول فيها: وأنا اليوم مجتهد الدنيا على الإطلاق، لا يقدر أحدٌ يردُّ عليَّ هذه الكلمة. وهو مقبول فيما قال عن نفسه" (٤). _________ (١) انظر: الطبقات الكبرى ٩/ ٣٥٤. (٢) انظر: الطبقات الكبرى ٩/ ٣٥٧. (٣) انظر: ذيول العبر ٤/ ١٩٧، ١٩٩، ٢٠١، ٢٠٦. (٤) انظر: حسن المحاضرة ١/ ٣٢٨.

стр. 185

ومن العجائب التي تدل على قوة الرجل وفَرَط ذكائه، وتبحره في الفنون، وغَوْصه في الكنوز والمكنون - هذه الحادثة التي سَطَّرها في كتابه "الأشباه والنظائر" حيث يقول: "وقد أحببت أن أذكر هنا آيةً كانت ابتداء درسي بالمدرسة الأمينية في يوم الأحد ثالث شهر ربيع الأول سنة ثلاث وستين وسبعمائة، وكان مِنْ شأن هذا الدرس أني لما وَلِيت هذه المدرسة في الشهر المذكور عزمتُ أن لا أعمل أجلاسًا، ولا أجمع جمعًا؛ لأنه سبق لي تداريس كثيرة، فما في دمشق مدرسة مرموقة بعين التعظيم إلا وقد وليت تدريسها بحمد الله، إلا اليسير من المدارس. فلما وليت هذه المدرسة رأيتُ أنَّ تَرْك ذلك أجمل، فحملني حاملٌ على أن أذكر درسًا أرجو أن يكون لي فيه نية، وذلك أنَّ بعض من لا أهلية له سعى في هذه المدرسة، وكاد أنْ يُقَدَّم عليَّ؛ لقربه من الدولة، فأحببتُ أنْ أُرِيَهُ كيف يكون التدريس، وكيف ينبغي لمَنْ يَطْلب مناصب العلماء أن يكون، فعمدتُ إلى آيةٍ من الكتاب العزيز واستنبطتُ منها ما وصَلَتْ إليه قوتي. وها أنا أحكي الدرس فأقول: قلتُ بعد الخطة ما نَصُّه: قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ (١). _________ (١) سورة النساء: ٥٤, ٥٥.

стр. 186

اعلم أنَّ المدرسين وإنْ تباينت مراتبهم في العلم، وتفاوتت منازلهم في الفهم - أصنافٌ ثلاثة لا رابع لهم: الأول: مَنْ إذا دَرَّس آية اقتصر على ما فيها من المنقول، فحكى أقوال المفسِّرين بسبب النزول والمناسبة، ووجوه الإعراب، ومعاني الحروف، ونحو ذلك. وهذا لا حظَّ له عند المحققين، ولا نصيب له بين فرسان الكلام. والثاني: مَنْ يأخذ في وجوه الاستنباط منها، ويَسْتَعمل فكره بمقدار ما آتاه الله من الفهم، ولا يشتغل بأقوال السابقين، وتصرفات الماضين، علمًا منه أنَّ ذلك أمرٌ موجود في بطون الأوراق ولا معنى لإعادته. والثالث: مَنْ يرى الجمع بين الأمرَيْن، والتحلي بالوصفَيْن، ولا يخفى أنه أرفع الأوصاف. . . . . وأنا إن شاء الله تعالى أستخرج من هذه الآية - دون ما قبلها وما بعدها - من فنون الفوائد في أنواع العلوم ما يزيد على مائة وعشرين فائدة في أصول الدين، وأصول الفقه، والحديث، والتفسير، واللغة، والنحو، والتصريف، والمعاني، والبيان، والبديع، والمنطق، والجدل، والتصوف، والمغازي، والسِّيَر، والفراسة، والطب. وشرطي في ذلك على نفسي: أن لا أذكر شيئًا أَعْلَمُ أني سُبقت إليه، ولا أتعدى الآية إلى غيرها، ولا أشتغل بتقرير ما أَسْتنبطه منها إلا بتقرير وجه الاستنباط منها، فإذا قلتُ مثلًا: "دَلَّت على كيت وكيت" لم أنتقل

стр. 187

إلى الكلام في كيت وكيت؛ لأن ذلك خروجٌ إلى فنٍّ آخر، وعدولٌ عن البحث، وعلى غيري أن لا يعترضني في فائدة حتى يتمَّ تقريرُها، ثم يعترض بما شاء" (١). فلله درُّ هذا الإمام الفذُّ، والملهم الفرد. ولقد نَوَّه الحافظ ابن كثير ﵀ بهذا الدرس الحافل، والمشهد الهائل، إذ يقول ﵀: "وفي صبيحة يوم الأحد رابع شهر ربيع الأول كان ابتداء حضور قاضي القضاة تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن قاضي القضاة تقي الدين بن الحسن بن عبد الكافي السبكي الشافعي - تدريسَ الأمينية عِوَضًا عن الشيخ علاء الدين المحتسب، بحكم وفاته ﵀ كما ذكرنا، وحضر عنده خلق من العلماء والأمراء والفقهاء والعامة، وكان درسًا حافلًا، أخذ في قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٢) الآية وما بعدها، فاستنبط أشياء حسنة، وذكر ضربًا من العلوم بعبارةٍ طَلْقةٍ جارية معسولة، أخذ ذلك من غير تلعثم ولا تلجلج ولا تكلف، فأجاد وأفاد، وشكره الخاصة والعامة من الحاضرين وغيرهم، حتى قال بعض الأكابر: إنه لم يسمع درسًا مثله" (٣). واسمع كلام التاج وهو يصف مَنْ هو المحدث، عائبًا على أقوامٍ من العلماء جَهِلوا ذلك: "ومنهم فرقةٌ ترقَّت عن هذه الفرقة وقالت: لا بد مِنْ _________ (١) انظر: الأشباه والنظائر ٢/ ٣٤٩ - ٣٥١. وقد ذكر الشارح تلك الفوائد في كتابه المذكور، وهي تبتدي من ٢/ ٣٥١ - ٣٨٢. (٢) سورة النساء: ٥٤. (٣) انظر: البداية والنهاية ١٤/ ٣٠٥، ٣٠٦.

стр. 188

ضمِّ علم الحديث إلى التفسير، فكان قصاراها النظر في "مشارق الأنوار" للصاغاني (١)، فإنْ ترفَّعت ارتقت إلى مصابيح البغوي، وظنت أنها بهذا القدر تصل إلى درجة المحدثين، وما ذاك إلا لجهلها بالحديث، فلو حفظ مَنْ ذكرناه هذين الكتابين عن ظهر قلب، وضمَّ إليهما من المتون مثليهما - لم يكن محدثًا، ولا يصير بذلك محدِّثًا حتى يلج الجمل في سَمِّ الخياط. فإذا رامت بلوغ الغاية في الحديث - على زعمها - اشتغلت بجامع الأصول لابن الأثير (٢)، وإنْ ضمَّت إليه كتاب "علوم الحديث" لابن الصلاح، أو مختصره المسمَّى بـ "التقريب والتيسير" للنووي، ونحو ذلك - فحينئذ يُنادَى مَن انتهى إلى هذا المقام بمحدِّث المحدثين، وبخاريِّ العصر، وما ناسب هذه الألفاظ الكاذبة، فإنَّ مَنْ ذكرناه لا يُعَدُّ محدِّثًا بهذا القدر، إنما المحدث مَنْ عرف الأسانيد، والعِلَل، وأسماءَ الرجال، والعالي والنازل، وحَفِظ مع ذلك جملةً مستكثرة، وسمع الكتب الستة، ومسند أحمد بن حنبل، وسنن _________ (١) هو الحسن بن محمد بن الحسن بن حَيْدر، أبو الفضائل القرشيُّ العدويُّ العمريُّ، من ولد عمر بن الخطاب ﵁، الصاغانيُّ الأصل، الهنديُّ الَّلوْهَوْريُّ المولد، البغداديُّ الوفاة، المكيُّ المَدْفن، الفقيه الحنفيُّ، المحدِّث، اللغويُّ، صاحب التصانيف. ولد سنة ٥٧٧ هـ. من تصانيفه: "مشارق الأنوار" في الجمع بين الصحيحين، و"مجمع البحرين"، و"العباب"، وغيرها. توفي سنة ٦٥٠ هـ. انظر: الجواهر المضية ٢/ ٨٢، الفوائد البهية ص ٦٣، سير ٢٣/ ٢٨٢. (٢) علي بن أبي الكرم محمد بن محمد الجزريّ ابن الأثير، أبو الحسن عز الدين الإمام الحافظ العلَّامة المؤرخ، ولد بالموصل سنة ٥٥٥ هـ. من تصانيفه "اللباب في تهذيب الأنساب"، و"أسد الغابة في معرفة أسماء الصحابة"، و"الكامل في التاريخ". توفي سنة ٦٣٠ هـ. انظر: وفيات ٣/ ٣٤٨، تذكرة ٤/ ١٣٩٩، الطبقات الكبرى ٨/ ٢٩٩.

стр. 189

البيهقيّ، ومعجم الطبرانيّ، وضَمَّ إلى هذا القدر ألفَ جزءٍ من الأجزاء الحديثية. هذا أقلُّ درجاته. فإذا سمع ما ذكرناه، وكتب الطِّباق، ودار على الشيوخ، وتكلَّم في العِلَل والوَفيات والأسانيد - كان في أول درجات المحدثين، ثم يزيد الله مَنْ شاء ما شاء (١). ومنهم فرقةٌ ترفَّعت، وقالت: نضم إلى الحديث الفقه، وكان غايتها البحث في "الحاوي الصغير" لعبد الغفَّار القزويني (٢)، والكتاب المذكور أعجوبة في بابه، بالغٌ في الحسن أقصى الغايات، إلا أنَّ المرء لا يصير به فقيهًا ولو بلغ عنان السماء، وهذه الطائفة تضيع في تفكيك ألفاظه وفهم معانيه زمانًا لو صرفته إلى حفظ نصوص الشافعي وكلام الأصحاب لحصلت على جانب عظيم من الفقه، ولكن التوفيق بيد الله تعالى" (٣). _________ (١) ولذا لما ترجم السيوطي ﵀ للحافظ الهيثمي ﵀ قال: "ورافق العراقيَّ في السماع، فسمع جميع ما سمعه، وكان ملازمًا له، مبالغًا في خدمته، وكان يحفظ كثيرًا من متون الأحاديث، فكان إذا سُئل العراقيُّ عن حديث بادر إلى إيراده، فيظن من لا خبرة له أنه أحفظ منه، وليس كذلك، وإنما الحفظ المعرفة". انظر: ذيل طبقات الحفاظ للسيوطي ٥/ ٣٧٢. (٢) هو عبد الغفَّار بن عبد الكريم بن عبد الغفار القَزْويني، الشيخ الإمام نجم الدين، كان أحد الأئمة الأعلام، له اليد الطولى في الفقه والحساب وحسن الاختصار، ومن الصالحين أهل الكرامات. من مصنفاته: "الحاوي الصغير"، و"اللباب"، و"شرح اللباب" المسمّى بـ "العُجاب". توفي سنة ٦٦٥ هـ. انظر: الطبقات الكبرى ٨/ ٢٧٧، طبقات ابن قاضي شهبة ٢/ ١٣٧. (٣) انظر: معيد النعم ص ٨١ - ٨٣.

стр. 190

المبحث السادس: مناصبه العلمية قال الحافظ شهاب الدين ابن حجي: "وانتهت إليه رئاسة القضاء والمناصب بالشام" (١). قال ابن كثير ﵀: "جرى عليه من المحن والشدائد ما لم يَجْرِ على قاضٍ قبله، وحَصَل له من المناصب والرياسة ما لم يحصل لأحدٍ قبله، وانتهت إليه الرياسة بالشام" (٢). والمناصب التي تولاها التاج ﵀ وترقَّى فيها هي: تولِّيه توقيعَ الدَّسْت في سنة ٧٥٤ هـ (٣). ونيابة والده في القضاء بعد وفاة أخيه القاضي الحسين؛ لأن الحسين كان نائبًا عن والده في الحكم، فلما تُوفي ناب عنه التاج ﵏ جميعًا - وذلك في عام ٧٥٥ هـ. ثم استقل بالقضاء بسؤال والده في شهر ربيع الأول سنة ٧٥٦ هـ (٤)، _________ (١) انظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ١٠٦. (٢) انظر: الدرر ٢/ ٤٢٨، طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ١٠٥. (٣) انظر: الدرر ٢/ ٤٢٦، الطبقات الكبرى ١٠/ ١٩٢ - ١٩٣. (٤) أي: قبل موت التقي بشهر وأيام، لأن التاج يقول عن والده: "واستمر بدمشق عليلًا إلى أَنْ وَلَيْتُ أنا القضاء، ومكث بعد ذلك نحو شهر، وسافر إلى الديار المصرية، =

стр. 191

ثم عُزل مدة لطيفة، ثم أُعيد، ثم عُزِل بأخيه بهاء الدين، وتوجَّه إلى مصر على وظائف أخيه، ثم عاد إلى القضاء على عادته، ثم عُزل وحصل له محنة شديدة، ثم عاد إلى القضاء. واستمر به إلى أن توفي عام ٧٧١ هـ (١). ولقد كان التقي يُوصِي ابنه التاج - رحمهما الله - أن لا يطلب القضاء ولا يرغب فيه؛ لئلا يُوكل إلى نفسه فيهلك، فإنَّ مَنْ تولى القضاء ذُبح بغير سكين. يقول التاج ﵀: "وكان يقول لي في أيام مرضه قبل أن يحصل لي القضاء: إيّاكَ ثم إيّاكَ أن تطلُبَ القضاء بقلبك، فضلًا عن قالَبِك، فأنا أطلبُه لك؛ لعلمي بالمصلحة في ولايتك لك ولقومك وللناس، وأما أنت فاحذَرْ، لئلا يكِلَكَ اللهُ إليه، على ما قال ﷺ : "يا عبدَ الرحمنِ (٢) لا تَسْألِ الإمارة" (٣) الحديث. _________ = وكان يذكر أنه لا يموت إلا بها، فاستمر بها عليلًا يُوَيْمات يسيرةً، ثم تُوفي ليلة الاثنين المسفرة عن ثاث جمادى الآخرة. . .". الطبقات ١٠/ ٣١٥ - ٣١٦. وعليه فيكون تولى التاج للقضاء في آخر شهر ربيع الأول؛ لأن الحافظ ابن كثير ﵀ ذكر يوم سفر التقي إلى مصر بأنه كان في السادس والعشرين من ربيع الآخر. انظر: البداية والنهاية ١٤/ ٢٦٤. (١) انظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ١٠٥. (٢) هو عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمسِ العَبْشَمِيّ، أبو سَعيد، أسلم يوم الفتح، وهو الذي افتتح سجستان وكابل وغيرهما، وشهد غزوة مؤتة. مات بالبصرة سنة خمسين، ويقال إحدى وخمسين. انظر: تهذيب ٦/ ١٩٠. (٣) أخرجه مسلم ٣/ ١٢٧٣، كتاب الإيمان، باب نَدْب مَنْ حلف يمينًا، رقم ١٦٥٢، وتتمة الحديث: "يا عبدَ الرحمن بن سَمُرة لا تَسْأل الإمارة، فإنك إنْ أُعْطِيتَها عن =

стр. 192

وحضرتُه وقد جاء إليه بعضُ الفقراء، فقال: أريد ثلاثًا: ولايةَ ابني هذا مَوْضعي، ورؤيةَ ولدي أحمدَ، وموتي بمصْرَ. أشهدُ بالله لَسَمِعتُ ذلك منه. فقال له الفقير: سَلِ اللهَ في ذلك إنْ كان مصلحةً. فقال: قد تحقَّقتُ أنَّ كلَّ واحدٍ من الثلاثة مصلحةٌ. فقال له: القضاء مصلحةٌ لهذا! فقال: نعم، تحقَّقتُ أنه مصلحة له في الدنيا والدين جميعًا" (١). ومن المناصب التي تولاها التاج ﵀ منصب الخطابة بالجامع الأُموي بدمشق، وذلك بعد وفاة خطيبه جمال الدين أبي الثناء محمود بن جُملة (٢) ﵀ في عام ٧٦٤ هـ. يقول الحافظ ابن كثير ﵀: _________ = مسألة وكلتَ إليها، وإن أُعطيتها عن غير مسألةٍ أُعِنْتَ عليها، وإذا حَلَفتَ على يمينٍ فرأيتَ غيرها خيرًا منها فكفِّر عن يمينك وائت الذي هو خير" وأخرجه مسلم أيضًا في كتاب الإمارة، باب النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها، ٣/ ١٤٥٦، رقم ١٦٥٢. (١) انظر: الطبقات ١٠/ ٢١٠. (٢) هو محمود بن محمد بن إبراهيم بن جُمْلة، جمال الدين أبو الثناء المَحَجِّيُّ الأصل، من قرية مَحَجَّة، الصالِحيُّ المولد، مِن صالحية دمشق. ولد سنة ٧٠٧ هـ. له تعاليق في الفقه والحديث، مات سنة ٧٦٤ هـ، ودُفن بالصالحية. انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ٣٨٥، البداية والنهاية ١٤/ ٣١٧.

стр. 193

"وفي يوم السبت عاشره (١) جُمِع القضاة والأعيان بدار السعادة وكتبوا خطوطهم بالرضى بخطابة قاضي القضاة تاج الدين السبكي بالجامع الأُموي، وكاتِب نائب السلطنة في ذلك. . . . . وفي يوم الجمعة سابع شهر ذي القَعْدة خَطَب بجامع دمشق قاضي القضاة تاج الدين السبكي. . ." (٢). ومن المناصب التي تولاها التدريس في أغلب مدارس دمشق، وكذا دَرَّس في مدارس مصر. يقول ابن قاضي شهبة: "وقد درس بمصر والشام بمدارس كبار: العزيزية (٣)، والعادلية الكبرى (٤)، _________ (١) أي: عاشر شهر شوال. (٢) انظر: البداية والنهاية ١٤/ ٣١٨. (٣) المدرسة العزيزية جوار الكلَّاسة لضيق الجامع الأُمويّ. أول مَنْ أسسها الملك الأفضل ابن صلاح الدين الأيوبي، ثم أتمها أخوه الملك العزيز عثمان. انظر: الدارس في تاريخ المدارس ١/ ٣٨٢. (٤) أول من أنشأ هذه المدرسة الشافعية نور الدين محمود بن زنكي، شرع في بنائها سنة ٥٦٨ هـ، وتوفي ولم تتم، فاستمرت كذلك. ثم بَنَى بعضها الملك العادل سيف الدين أبو بكر محمد بن أيوب بن شادي، أخو صلاح الدين الأيوبي، وشرع في بنائها سنة ٦١٢ هـ، وكان قد أزال ما بناه نور الدين، وبناها بناءً متقنًا محكمًا لا نظير له في بنيان المدارس، ثم توفي ولم تتم أيضًا، فتممها ولده الملك المعظم، وأوقف عليها الأوقاف، وكان قد تكامل بناؤها سنة ٦٢٠ هـ. وقد جمع النعيمي كتابه "الدارس" في هذه المدرسة. انظر: الدارس ١/ ٣٥٩ - ٣٦١.

стр. 194

والغزالية (١)، والعذراوية (٢)، والشاميتين (٣)، والناصرية (٤)، والأمينية (٥)، _________ (١) المدرسة الغزالية داخل الجامع الأمويّ، في الزاوية الشمالية الغربية منه. قال النعيمي ﵀: "قال ابن شداد في ذكر ما في الجامع من المدارس: المدرسة الغزالية، وتعرف بالشيخ نصر المقدسيّ. وقال في موضع آخر: الزوايا بالجامع: الزاوية الغزالية، منسوبة إلى الشيخ نصر المقدسيّ، وتنسب إلى الغزاليّ رحمهما الله تعالى؛ لكون الغزاليِّ - رحمه الله تعالى - دخل إلى دمشق المحروسة، وقصد الخانقاه (أي: دار الصوفية) السميساطية ليدخل إليها، فمنعه الصوفية من ذلك؛ لعدم معرفتهم به، فعَدَل عنها، وأقام بهذه الزاوية بالجامع إلى أن عُلم مكانه وعرفت منزلته، فحضر الصوفية بأسرهم إليه واعتذروا له، ثم أدخلوه الخانقاه السميساطية فعُرفت الزاوية به، وإنما تُنسب إلى الشيخ نصر المقدسي بعده. انتهى" الدارس في تاريخ المدارس ١/ ٤١٣ - ٤١٤. وهي من مدارس الشافعية، وأول مَنْ درَّس بها الشيخ نصر المقدسيّ ﵀. انظر: الدارس ١/ ٤١٥. (٢) هي مدرسة أنشأتها الست عذراء بنت شاهنشاه بن أيوب بن شادي. وشاهنشاه أخو صلاح الدين الأيوبي فاتح بيت المقدس رحمه الله تعالى. وأنشأت المدرسة سنة ٥٨٠ هـ، بحارة الغرباء، داخل باب النصر، المسمى بباب دار السعادة. كذا قال النعيمي. وهي وقف على الشافعية والحنفية. توفيت الست عذراء سنة ٥٩٣ هـ، ودفنت بتربتها في مدرستها. انظر: الدارس في تاريخ المدارس ١/ ٣٧٣ - ٣٧٤. (٣) سبق الكلام عنهما. (٤) هي دار الحديث الناصرية، وبها رباط، بمحلة الفواخير بسفح قاسيون. أنشأها الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن الملك العزيز محمد ابن الملك الظاهر عزيز الدين غازي بن صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شادي فاتح بيت القدس. وهذه الدار هي الناصرية البرانية، وهي من أغرب الأمكنة في البنيان المحكم. وهناك الناصرية الجوانية وهي من أحسن المدارس، وقد بناها الملك الناصر أيضًا. انظر: الدارس في تاريخ المدارس ١/ ١١٥ - ١١٧. (٥) قال النعيمي: "المدرسة الأمينية قِبْلى باب الزيادة، من أبواب الجامع الأمويّ، المسمَّى قديمًا بباب الساعات". الدارس ١/ ١٧٧. والباب القبلي: يعرف اليوم =

стр. 195

ومشيخة دار الحديث الأشرفية (١)، وتدريس الشافعي بمصر، والشيخونية، والميعاد بالجامع الطولوني، وغير ذلك". فرحم الله هذا الإمام الرباني الذي جمع العلم والعمل والدعوة إلى دين الله، فهو القاضي بين الناس والحاكم بينهم، وهو المعلِّم والشيخ في مدارسهم، وهو الخطيب والواعظ في مسجدهم. ولم تكن المناصب غرضًا للتاج، ولا سعى إليها، بل هي التي سَعَت إليه، ولا طلبها بل هي التي طلبته، ولذلك فقد عانى ما عانى من محنٍ وبلايا من جراء حاسديه على تلك المكانة العالية بين الناس، وعلى محبة الخاص والعام له، فكادوه، وافتروا عليه تهمًا؛ ليسقطوا نَجْمه، وليطفئوا قمره، ولكن هيهات، من الذي يُطاول النجم ليسقطه، أو القمر ليطفئه! _________ = بباب القوافين. كذا ذكر محقِّق "الدارس". قيل: إنها أول مدرسة بُنيت بدمشق للشافعية، بناها أتابك العساكر بدمشق أمين الدين كمشتكين بن عبد الله الطغتكيني. وهو أمير جليل، كثير الحرمة، توفي سنة ٥٤١ هـ. انظر: الدارس ١/ ١٧٨. (١) سبق الكلام عنها.

стр. 196

المبحث السابع: فصاحته وبلاغته لقد جمع للتاج ﵀ مع قوته في العلم والذكاء والحفظ، بسطةٌ في البيان واللفظ، فتراه في مطالع تراجمه التى يترجم بها لأهل مذهبه يُطْرِب الأسماع، ويستولي على القلوب والألباب، بعبارات سبكية ذهبية، لا زيف فيها بل خالصة نقية، بلا تكلف أو تقعر بل سَلِسَةٌ عَذْبة رويَّة، قد انقادت له البلاغة والفصاحة كما انقادت للبلغاء من أهل العربية. اسمع هذه الأبيات التى يرثي بها شيخَه الذهبي عند وفاته ﵀ والتاج آنذاك ابن إحدى وعشرين سنة: مَن للحديثِ وللسَّارينَ في الطَّلَبِ ... من بعدِ موتِ الإمامِ الحافظِ الذهبي مَن للرِّواية للأخبار يَنشُرُها ... بين البريَّةِ من عُجْمٍ ومِن عَرَبِ مَن للدراية والآثار يَحفَظُها ... بالنَّقْدِ مِن وَضْعِ أهلِ الغيِّ والكذبِ مَن للصناعةِ يَدْري حَلَّ مُعْضِلِها ... حتى يُريكَ جِلاءَ الشَّك والرِّيَبِ مَن للجَماعَةِ أهلِ العلمِ تُلْبِسُهُمْ ... أعلامُهُ الغُرُّ من أبرادِها القُشُبِ (١) _________ (١) أعلام جمع عَلَم: رسْم الثوب ورَقْمُه في أطرافه. انظر: لسان العرب ١٢/ ٤٢٠، تاج العروس ١٧/ ٤٩٨، مادة (علم). الغُرُّ: البيض. وفي اللسان ٥/ ١٤ - ١٥، مادة (غرر). والأبراد جمع بُرْد: وهو ثوبٌ فيه خطوط، وخَصَّ بعضهم به الوشْي. انظر: لسان العرب ٣/ ٨٧، مادة (برد). والقُشُب جمع قَشِيب: وهو الثوب الجديد =

стр. 197

من للتخاريج يُبْدِيها ويَدْخُلُ في ... أبوابها فاتحًا للمُقْفَلِ الأشِبِ (١) مَن في القِراآتِ بين الناس نافِعُهُمْ ... وعاصِمٌ رُكْنُها في الجَحْفَلِ اللَّجِبِ (٢) مَن للخِطابةِ لما لاحَ يَرْفُلُ في ... ثَوْبِ السَّواد كبدرٍ لاحَ في سُحُبِ (٣) ومنها: بالله يا نفسُ كُوني لي مساعدةً ... وحاذِري جَزَعَ الأوْصابِ والرُّعُبِ (٤) فهذه الدَّارُ دار لا ذِمامَ لها ... ليستْ بنَبْعٍ إذا عُدَّتْ ولا غَرَبِ (٥) _________ = النظيف. والقَشِيب من الأضداد يُقال للجديد وللخَلِق. والمعنى: من الذي بعد الإمام الذهبي ﵀ يُلبسنا ثياب العلم البيضاء الناصعة، المرقومة والموشَّاة بالألوان الجميلة! (١) الأَشِب: المختلط الملتبس. في اللسان ١/ ٢١٤، مادة (أشب). (٢) الجَحْفل: الجيش الكثير، ولا يكون ذلك حتى يكون فيه خَيْل. انظر: لسان العرب ١١/ ١٠٢، مادة (جحفل). واللَّجَبُ: الصوت والصياح والجَلَبة، تقول: لَجِبَ، بالكسر. واللَّجَبُ: ارتفاع الأصوات واختلاطها. واللَّجَبُ: صوت العَسْكر. وعَسْكرٌ لَجِبٌ: عَرَمْرَمٌ وذو لَجَبٍ وكثرة. انظر: لسان ١/ ٧٣٥. والمعنى: من الذي يضاهي هذا الإمام في علم القراءات، فهو نافعنا وهو عاصمنا بين جموع العلماء العظيمة الكثيرة عالية الصوت. (٣) رفل: مَشَى مُسْبلًا ثوبه متبخترًا فيه. انظر: اللسان ١١/ ٢٩٢، مادة (رفل). (٤) الرُّعْب والرُّعُب: الفزع والخوف. انظر: لسان العربط ١/ ٤٢٠، مادة (رعب). (٥) النَّبْع: شجر من أشجار الجبال تُتخذ منه القِسِيّ. وقَوْس النَّبْع أفضل الأقواس، لجمعه الشدة واللين ومن أغصانه تُتخذ السهام. انظر: لسان العرب ٨/ ٣٤٥ - ٣٤٦. الغَرَب جمع غَرَبة: ضربٌ من الشجر تُعمل منه الأقداح البيض. انظر: تاج العروس ٢/ ٢٧٩، لسان العرب ١/ ٦٤٤، مادة (غرب). والمعنى: أن دار الدنيا لا عهد لها ولا ذمة، فهي كثيرة الغدر والخداع، وهي ليست بشيء قليل ولا كثير، ولا قوي ولا ضعيف، فلا معوَّل عليها. فشجر النبع مثال للقوة، والغَرَب مثال للضعف. =

стр. 198

وليس تَبْقَى على حالٍ وليس لها ... عَهْدٌ يُمَسَّكُ بالأَوْتادِ والطُّنُبِ (١) بينا يُرَى المرءُ في بَحْرِ المَعَزَّةِ ذا ... خَوْضٍ تَرامَتْ عليه ذِلَّةُ النُّوَبِ (٢) إلى أن يقول ﵀: وإنْ تَغِبْ ذاتُ شمسِ الدين لا عَجَبٌ ... فأيُّ شَمْسٍ رأيناها ولم تَغِبِ هو الإمامُ الذي رَوَّتْ روايتُهُ ... وطَبَّقَ الأرضَ مِن طُلَّابهِ النُّجُبِ مُهَذَّبُ القولِ لاعِيٌّ ولَجْلَجَةٌ ... مُثَبَّتُ النَّقْلِ سامِي القَصْد والحَسَبِ ثَبْتٌ صَدُوقٌ خبيرٌ حافِظٌ يَقِظٌ ... في النقلِ أصْدَقُ أنباءً مِن الكُتُبِ كالزُّهْرِ في حَسَبٍ والزَّهْر في نَسَبٍ ... والنَّهْرِ في حَدَبٍ والدَّهْرِ في رُتَبِ وانظر قصيدته في "المُعاياة" وهي ألغاز ذكرها شعرًا، ومع كونها مسائل علمية، إلا أن حلاوة أسلوبها، وطلاوة ألفاظها لتطرب السمع، ومنها قوله: مَن باتِّفاقِ جميعِ الخَلْقِ أفضَلُ مِنْ ... شيخِ الصِّحابِ أبي بكر ومِنْ عُمرِ _________ = والله أعلم. والشطر الثاني من البيت مقتبس من قصيدة أبي تمام في فتح عمورية. انظر: ديوانه ١/ ٤٢. (١) في اللسان ١/ ٥٦٠ - ٥٦١، مادة (طنب): "الطُّنْبُ والطُّنُبُ معًا: حَبْل الخِباء والسُّرادقِ ونحوِهما. . . والأَطْناب: الطوال مِنْ حبال الأَخْبية، والأُصُر: القِصار، واحدها: إِصار". (٢) النُّوَب جمع نائبة: وهي ما يَنُوب الإنسان، أي: ينزل به من الهمات والحوادث. وجمع النائبة نوائب وهو الأكثر، أما جمعها على نُوَب فهو نادر. انظر: لسان العرب ١/ ٧٧٤، مادة (نوب).

стр. 199

ومِن عليٍّ ومن عثمانَ وهْوَ فَتًى ... من أمة المُصطفى المبعُوثِ من مُضَرِ (١) وقد سبق ذكر بعض قصيدته التي رَثَى بها والده - رحمهما الله تعالى - وهي ملحمة رائعة، يُضَمِّن فيها التاج أبياتًا للفرزدق ﵀ فلا تكاد تفرِّق بين أبيات الفرزدق وسائر القصيدة. يقول الحافظ ابن حجي ﵀: "وكان له يدٌ في النظم والنثر، جيدَ البديهة، ذا بلاغةٍ وطلاقة لسان" (٢). وكذا يقول الحافظ ابن حجر ﵀: "وأجاد في الخطِّ والنظم والنثر. . . وكان ذا بلاغة وطلاوة اللسان. . . وكان جَيِّدَ البديهة طَلْق اللسان" (٣). ويصف الحافظ ابن كثير ﵀ فصاحة التاج وطلاقة لسانه، وهو عصريُّه وبلديُّه: "وفي يوم الجمعة سابع شهر ذي القَعْدة (٤) خطب بجامع دمشق قاضي القضاة تاج الدين السبكي خطبةً بليغةً فصيحةً أدَّاها أداء حسنًا، وقد كان يُحَسُّ من طائفة من العوام أن يُشَوِّشُوا، فلم يتكلم أحدٌ منهم، بل ضَجُّوا عند الموعظة وغيرها، وأعجبهم الخطيب وخطبته، وأداؤه وتبليغه ومهابته، واستمر يخطب هو بنفسه" (٥). _________ (١) انظر: الطبقات ٩/ ١٣٥ - ١٣٦. (٢) انظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ١٠٥ - ١٠٦. (٣) انظر: الدرر ٩/ ٤٢٦. (٤) من سنة ٧٦٤ هـ. (٥) انظر: البداية والنهاية ١٤/ ٣١٨ - ٣١٩.

стр. 200

وأختم الحديث عن هذا المبحث بأبياتٍ قالها التاج ﵀ في أول الشباب ما أظرفها، وهي أول السيل، فكيف بآخره! يقول التاج في ترجمة الصفدي - رحمهما الله -: "كنت أصحبه منذ كنت دون سنِّ البلوغ، وكان يكاتبني وأكاتبه، وبه رغبتُ في الأدب، فربما وقع لي شعرٌ ركيكٌ مِن نظم الصِّبيان فكتبه هو عني إذ ذاك، وأنا ذاكِر بعضَ ما بيننا مما كان في صِغَري، ثم لمّا كان بعد ذلكَ كتب إليَّ مرة وقد سافر إلى مِصْر ولم يودِّعْني: يا سيِّدًا سافرتُ عنه ولم أجِدْ ... جَلَدِي يُطَاوِعُنِي على تودِيعِهِ إنْ غِبْتُ عنكَ فإنَّ قَلْبِيَ حاضِرٌ ... يَصِفُ اشتياقِي لِلْحِمَى ورُبُوعِهِ في أبياتٍ أُخَر، فكتبتُ الجواب: يا راحلًا بحشا المُقِيم عَلَى الوَفا ... ما الطَّرْفُ بَعْدَكَ مُؤْذِنًا بهُجُوعِهِ إن غبتَ عنه فما تغيَّر منه إلَّا جِسْمُـ ... ـه سَقَمًا ولَونُ دُمُوعِهِ (١) والقلبُ بيتُ هواكَ راحَ كأنَّهُ ... بَيْتُ العَرُوضِيِّين مِن تَقْطِيعِهِ في أبياتٍ أُخَر أُنْسِيتُها" (٢). _________ (١) أى: أصبحت دموعه دمًا. (٢) انظر: الطبقات ١٠/ ٦ - ٧.

стр. 201

المبحث الثامن: حفظه مَنْ قرأ "الطبقات" عَلِم أن التاج ﵀ استوعب علومًا كثيرة، وتبحَّر في فنون عديدة، فضلًا عن كونه آيةً في المذهب، فهو يترجم لعلماء مذهبه، ثم يذكر عن كل واحدٍ منهم غرائبه وفرائده (١)، ويناقش بعض المسائل، ويرجِّح ما هو الراجح عنده. وتراه في ثنايا ذلك يُورد من حفظه، ففي ترجمة الإمام أبي الفرج الدارمي يقول: "وهذه فوائد حضرتني من كتاب "الاستذكار" أذكرها على غير ترتيب، بحسب استحضارها" (٢). ثم ذكر عشر فوائد، وهي من دقائق المسائل الفقهية، واستحضارها عَسِر. وفي ترجمته لوالده ﵀ يقول: "أنشدنا الشيخ الإمام لنفسه جوابًا لبعض الصوفية، من أبياتٍ في الذِّكْر" (٣)، ثم ذكر التاج اثنين وعشرين بيتًا، وقال بعدها: "هذا ما أحفظ من هذا الجواب" (٤). _________ (١) انظر: الطبقات ١/ ٢٠٦ - ٢٢٠، ففيها يذكر منهجه في الكتاب. (٢) انظر: الطبقات ٤/ ١٨٥. (٣) انظر: الطبقات ١٠/ ١٨٤. (٤) انظر: الطبقات ١٠/ ١٨٦.

стр. 202

وهذا كتابه "منع الموانع" في أصول الفقه يكتب كثيرًا منه من حفظه، فقد وَرَد عليه ثلاثة وثلاثون سؤالًا من الشيخ الأسدي (١)، أجابه عنها جميعًا من حفظه في كتابه "منع الموانع" (٢). وفي ترجمة أبي الفتح السبكي ﵀ يقول: "أخبرنا الحافظ أبو الفتح محمد بن عبد اللطيف السبكي بقراءتي عليه من حفظي بقرية يَلْدا من دمشق" ثم ذكر بقية السند (٣). _________ (١) لعله هو: يوسف بن محمد بن عمر، القاضي جمال الدين ابن القاضي نجم الدين الأسديّ، المعروف بابن قاضي شهبة. ولد في رمضان سنة ٧٢٠ هـ. كان فاضلًا في الفقه، غير أنه حَصَل له ثِقَلٌ في لسانه في مرضةٍ مرضها، فكان يعسر عليه الكلام. وكان خيِّرًا ديِّنا منجمعًا على نفسه. توفي سنة ٧٨٩ هـ انظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ١٨٣، الدرر ٤/ ٤٧٢. (٢) انظر: مقدمة محقِّق منع الموانع ص ٩١، ٩٦، ١٠٢. (٣) انظر: الطبقات ٩/ ١٦٨.

стр. 203

المبحث التاسع: أخلاقه وصفاته لا شك أنَّ التاج ﵀ كما أفاد من علم والده الغزير، فقد أفاد من أخلاقه وتقواه الشيء الكثير، فالمرء على دين خليله. وإنَّ أخلاق المرء لعنوان على طويته وسريرته، فأكمل الناس إيمانًا أحسنهم أخلاقًا. وابن السبكي ﵀ اغترف من بحر والده، وانسبك في بوتقته، فكان ذهبًا من ذهب، وكريمًا من كريم، وإمامًا من إمام. وإليك بعض أخلاقه وصفاته التي وقفنا عليها، وهي تدل على ما سواها دلالةَ المثالِ على المثال، والنظيرِ على النظير: ١ - الإنصاف: وهو وصف عزيز، وخُلُق مُنِيف، كيف لا ومالك ﵁ يقول: "ليس في زماننا شيءٌ أعزَّ من الإنصاف" (١)، فما ظنك بعزته في مثل هذه الأزمنة إن لم يكن بفقدانه! وابن السبكي ﵀ يتكلم عن خلق الإنصاف من خلال _________ (١) ذكرته من حفظي، ولا يحضرني الآن أين هو، وقد فتشت عنه فلم أعثر عليه.

стр. 204

القاعدة التي تكلم عنها في حق المؤرخين، الذين يتحملون تبعةً عظمى في نقل الحقائق والوقائع، وسير العلماء والوجهاء والملوك، كما هي من غير محاباة أو تحامل. ومن إنصاف التاج ﵀ ثناؤه على ابن تيمية ﵀ مع ما بينهما من تنافرٍ من الآراء، فها هو يذكر قصيدة ابن تيمية في الرد على أحد الزنادقة. ويقول: "جواب الشيخ تقي الدين الحنبلي" ثم يذكر القصيدة وهي أربعة وأربعون بيتًا كما هي في الطبقات (١)، ثم هو ينقل كلام شيخه الذهبي بأنه ما رأى أحفظ من أربعة، وذكر منهم ابن تيمية ﵀ (٢)، ويَعْزُو إليه في "معيد النعم، ومبيد النقم" في معرض كلامه عن سفك دم مَنْ ينتقص النبي ﵌ فيقول: "ومنها سفك دم من ينتقص جناب سيدنا ومولانا وحبيبنا محمد المصطفى ﷺ أو يسبه، فإن ذلك مرتد كافر، ذهب كثير من العلماء إلى أن توبته لا تُقبل، وهو اختيار طوائف من المتأخرين. فإن كان الذي وقع منه هذا ممن يتكرر هذا الحال منه، أو عُرف بسوء العقيدة وصحبة المشهورين بذلك، أو وقع منه ما وقع على وجهٍ فظيع تشهد القرائن فيه بالخبث الباطن، فأرى أنه لا تقبل له توبة، ويُسفك دمه، وهو رأي الشيخ الإمام الوالد تغمده الله تعالى برحمته، والشيخ العلامة تقي الدين ابن تيمية" (٣). _________ (١) انظر: الطبقات ١٠/ ٣٥٤ - ٣٥٧. (٢) انظر: الطبقات ١٠/ ٢٢١. (٣) انظر: معيد النعم ص ٢٣ - ٢٤.

стр. 205

ومن إنصافه ترجيحه لغير المذهب الشافعي في مسألة نظر العبد إلى سيدته فيقول: ". . . أكثر أصحابنا أنَّ نظر العبد إلى سيدته حلال، وإن كان سليم الذَّكَر والأُنثيين. هذا ما رجَّحه الرافعي والنووي. وعلى هذا نَظَرُ الطواشي (١) أولى بالحل، ولكن الصحيح عند الشيخ الإمام وجماعة أنَّ نظر السليم الذكر والأنثيين إلى سيدته حرام، وهو الحق، فكيف يُباح نظر المماليك الحِسان الذين يفتنون بجمالهم - إلى سيداتهم، والنساء ناقصات عقلٍ ودين" (٢). ٢ - الرجوع إلى الحق: الرجوع إلى الحق من سمات أهل الإخلاص، ولا ضَيْر على المرء أن يُقر بخطئه، ويُفصح عن زَلَلِه؛ لأنَّ ذلك علامة نُبْله ومروءته. ونفس اللئيم تأبى الاعتراف، وتُصِرُّ على الاقتراف، وتظن أن ذلك مِن حفظ قدرها، ومراعاة شأنها، وما ظَنَّ الوضيع أن ذلك سبيل بَخْسها، وطريق ذِلَّتها، فالعزُّ في الذل، والذلُّ في العزّ، فَعِزُّها في ذلها للحق وخضوعِها له، وذلها في عزها عن الحق واستكبارها عنه. وما زال الفضلاء في كل عصر ومصر يتبجحون بالرجوع إلى الحق، والاعتراف بالخطأ، لأن هذا سبيل الشُّرَفا، أهل الصِّدق والوفا. وهذا الإمام ابن السبكي ﵀ يُفصح عن مروءته ونُبْله بتسطير خطأ وقع فيه _________ (١) هو الممسوح الذي ذهبت أنثياه وذَكَرُه بالكلية. انظر: معيد النعم ص ٣٩. (٢) انظر: معيد النعم ومبيد النقم ص ٣٩.

стр. 206

في أحد كتبه فيقول: "وأما ما وقع في كتابي "طبقات الفقهاء" في ترجمة الإمام من أن الشافعيَّ في "الأم" في الجزء الرابع مِن أجزاء تسعة في باب ما يقع به الطلاق من الكلام وما لا يقع، وهو بعد الطلاق الذي يملك فيه الرَّجْعة، وقبل الحجة في البتة وما أشبهها - نَصَّ على ما ذكره الإمام عنه مِنْ أنَّ العبرة بعموم اللفظ: فذلك خطأ مني في الفهم، وأردت أن أُنَبِّه على ذلك هنا؛ لئلا يُغْتَرَّ به، فإن حَذْفَه مِن ذلك الكتاب تعذَّر؛ لانتشار النُّسَخ به" (١) ثم ساق كلام الشافعي ﵁ وبَيَّن وجه الخطأ في فهمه الذي ذكره في "الطبقات". ٣ - إعراضه عن المناصب: ربما يظن الظان بأن التاج ﵀ كان ممن يسعون إلى المناصب والوجاهات، ولذلك تولَّى ما تولَّى. ومَنْ تأمل وأنصف علم أن الرجل بلَّغه علمُه وتفوقُه، فهو ﵀ ذو مواهب خارقة، وهمة عالية، ومشايخه أدركوا ذلك وهو شابٌّ غَضّ، وبَوَّؤوه منزلةً رفيعة، وهو في ذلك السن، وليس بغائبٍ عنا شهادة المزي له بأنه في الطبقة العليا من تلاميذه وهو غضٌّ طري (٢)، ونزول شيخه الذهبي له عن مشيخة دار الحديث الظاهرية، _________ (١) انظر: الإبهاج ٣/ ١٢٢٨. (٢) لأنَّ المزي ﵀، توفي في ثاني عشر من شهر صفر سنة ٧٤٢ هـ، والتاج ﵀، ولد ٧٢٧ هـ، وفي قول ٧٢٨، فسنه حين مات المزي ﵀، بين =

стр. 207

وإذن شيخه شمس الدين ابن النقيب بالفتيا له وهو دون الثامنة عشرة من عمره، فما عساك بشاب يبلغ هذا المبلغ وهو دون العشرين كيف حاله إذا بلغ أو قارب الثلاثين! وكتابه "الإبهاج" الذي نحقِّقه هو أول كتاب يؤلفه في أصول الفقه، قد أتى فيه بالعجب العجاب وهو ابن أربع وعشرين سنة، وألفه في وقت السآمة كما قال هو: "وقد كنا نكتب فيه بأطراف الأنامل، ونجيء إليه وقد سئمنا الطلب" فمَنْ كان هذا حاله كيف لا تخطبه المناصب الشرعية وتَفدُ إليه، وكيف لا يتولاها والكل يشهد بأهليته وعُلُوِّ كعبيه! ووالله مَنْ قرأَ كتبه وَتَمَعَّن فيها عَلِم أنه سيد زمانه، وإمام أوانه، والفارس المقدَّم، والإمام المبجَّل. ٤ - العفو والصفح: ما أجمل العفو ولكنه عند المقدرة أجمل، وما أعظم الصفح ولكنه مع الإحسان أكمل: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (١). العفو من شيم الرجال، والصفح من أخلاق الكرام، وأولى الناس بهما أهل الإيمان، بَلْه أهل العلم والقرآن. وابن السبكي ﵀ قد ضرب المثل الحيَّ في هذا الخلق النبيل. _________ = الرابعة عشرة والثالثة عشرة، وشهادة المزي ﵀، إن كانت قبل وفاته بسنة، أو قريبًا منها، فعمر التاج آنذاك الثالثة عشرة على الأكثر، فسبحان الواهب. (١) سورة فصِّلت: ٣٤.

стр. 208

يقول الحافظ ابن حجر ﵀: "وحصل له بسبب القضاء محنة شديدة مرةً بعد مرة، وهو مع ذلك في غاية الثبات، ولما عاد إلى منصبه صفح عن كل مَنْ أساء إليه" (١). ويقول الحافظ ابن كثير ﵀: "جرى عليه من المحن والشدائد ما لم يَجْرِ على قاضٍ قبله، وحَصَل له من المناصب والرياسة ما لم يحصل لأحدٍ قبله، وانتهت إليه الرياسة بالشام، وأبان في أيام محنته عن شجاعة وقوةٍ على المناظرة حتى أفحم خصومَه مع كثرتهم، ثم لما عاد عفا وصفح عمن قام عليه" (٢). وبنحوه قال الحافظ ابن حجي ﵀ (٣). ٥ - الجود والإحسان: يقول الحافظ ابن حجي ﵀: "وكان سيدًا جوادًا كريمًا. ." (٤). ويقول الحافظ ابن كثير: "وكان كريمًا" (٥). وكذا قال ابن حجر ﵀ (٦) ويقول التاج ﵀ في ترجمته للشيخ صلاح الدين الصفدي: "وكنتُ قد ساعدتُه آخرَ عمره، فَوَلِي كتابة الدَّسْت بدمشق ثم _________ (١) انظر: الدرر ٢/ ٤٢٦. (٢) انظر: الدرر ٢/ ٤٢٨. (٣) انظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ١٠٦. (٤) انظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ١٠٦. (٥) انظر: الدرر ٢/ ٤٢٨. (٦) انظر: الدرر ٢/ ٤٢٨.

стр. 209

ساعدتُه فَوَلِي كتابةَ السِّرِّ بحلب، ثم ساعدته فحضر إلى دمشق على وكالة بيت المال وكتابة الدَّسْت" (١). ٦ - التواضع: رحم الله القائل: تواضعْ كما النجمُ استبان لناظرٍ ... على صَفَحات الماءِ وهو رفيعُ ولا تَكُ كالدخان يرفع نفسَه ... إلى طبقات الجو وهو وضيعُ (٢) يقول ابن السبكي في ترجمة الإمام الذهبي ﵀: "وأنشدنا لنفسه، وأرسلها معي إلى الوالد ﵀، وهي فيما أراه آخِرَ شعرٍ قاله؛ لأنَّ ذلك كان في مرض موته، قبل موته بيومين أو ثلاثة: تقي الدين يا قاضِي الممالِكْ ... ومَنْ نحن العبيدُ وأنت مالِكْ (ثم ذكر التاج بقية الأبيات، إلى أن قال: وذكر بعد هذا أبياتًا على هذا النمَّطَ، تتعلَّق بمدحي، لم أذكرها" (٣). وفي "منع الموانع" يقول بعد أن رَدَّ كلام ابن الحاجب ﵀ في تعريف الأداء: "وقد كان ابن الحاجب ﵀ إمامًا مقدَّمًا في الأصول والفقه، والنحو والتصريف، أمسكتْه البلاغةُ زِمامَها، وألقت إليه الفصاحةُ مقاليدَها، وأعطاه الإيجازُ كلَّه، ومِنْ بحر علمه اغترفنا، وبكثير _________ (١) انظر: الطبقات ١٠/ ٥ - ٦. (٢) انظر: الدرر ٤/ ٣٧٨. (٣) انظر: الطبقات ٩/ ١٠٦.

стр. 210

علمه اعترفنا، فلا يَظُنَّن الظَّانُّ أنَّا أردنا في هذا الكتاب مطاولتَه، فأين الثريَّا مِنْ يد المتطاول" (١). ومَنْ أنصف، ونظر في "جمع الجوامع" للتاج، وقارنه بمختصر ابن الحاجب ﵀ تبيَّن تفوق التاج في جمعه تفوقًا ظاهرًا، فما ظنُّك بكتاب هو زبدة مائة كتابٍ مِنْ كتابٍ جُل ما فيه مأخوذٌ من "الإحكام" للآمدي (٢)؛ لأن "المختصر" هو اختصار كتاب "منتهى السُّؤْل والأمل في علمي الأصول والجدل"، وهو لابن الحاجب أيضًا اختصره من "الإحكام"، وبالمقارنة بين الأصل والمنتهى يتجلى بوضوح أن ابن الحاجب ﵀ لم يزد على ما في "الإحكام" إلا قليلًا، بل هو عالةٌ عليه لا شك ولا ريب. وليس هذا انتقاصًا لابن الحاجب ﵀، فقدره في العلم معلوم، ولكن القصد بيان تواضع التاج مع تقدمه وتفوقه، هذا ما نقوله أمانةً لا تعصبًا. ٧ - مهابته وحبُّ الناس له: قال الحافظ ابن حجي ﵀: "وكان سيدًا، جوادًا، كريمًا، مهيبًا، _________ (١) انظر: منع الموانع ص ١٢٦. (٢) هو علي بن أبي محمد بن سالم الثعلبي، أبو الحسن سيف الدين الآمديُّ، الأصوليُّ المتكلِّم، الحنبليّ الشافعيّ. ولد بعد سنة ٥٥٠ بيسير. من مصنفاته: "أبكار الأفكار" في أصول الدين، و"الإحكام" في أصول الفقه. توفي ﵀ بدمشق سنة ٦٣١ هـ. انظر: الطبقات الكبرى ٨/ ٣٠٦، سير ٢٢/ ٣٦٤، شذرات ٥/ ١٤٤.

стр. 211

تخضع له أرباب المناصب من القضاة وغيرهم" (١). وكذا قال ابن كثير وابن حجر رحمهما الله (٢). ويقول ابن كثير ﵀ في وفاة الخطيب جمال الدين ابن جملة: "وقد حضر جنازته بالصالحية على ما ذُكر جَمٌّ غفير، وخلقٌ كثير، ونال قاضيَ القضاة الشافعيَّ مِن بعض الجهلة إساءةُ أدب، فأخذ منهم جماعة وأُدِّبوا، وحضر هو بنفسه صلاة الظهر يومئذ، وكذا باشر الظهر والعصر في بقية الأيام، يأتي للجامع في مَحْفَلٍ من الفقهاء والأعيان وغيرهم، ذهابًا وإيابًا. . ." (٣). ولا شك أنَّ تأديب الجهلة مِنْ حفظ الحرمة والمهابة، والاستخفاف بمقام العالم مصيبة تربو على المصائب؛ لأنها مصيبة الدين، وضياع الملة، وخُلُق الفَسَقة والمرتدين، ونحن في أيام غربة وبلاء، وضيق وضرَّاء، ضُيِّعت فيه المكارم، ووئدت الأخلاق، فأسعد الناس أجهلهم، وأكرمهم أسفلهم، وعِلْم العالم تحت الأقدام، ومال الجاهل على الرؤوس والأعيان، فلا حول ولا قوة إلا بالله الملك الديَّان. والمهابة لا تعني الكبر والتعالي على الناس، بل هي وقارٌ وجلال بلا تَكَلُّف، وحِلْم ولين بلا تَضَعُّف، وقوةٌ وحزمٌ في الأمور مع التروي _________ (١) انظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ١٠٦. (٢) انظر: الدرر ٢/ ٤٢٦، ٤٢٨. (٣) البداية والنهاية ١٤/ ٣١٧.

стр. 212

والتلطف. ولذا كان المهيبُ محلَّ إجلال الناس، والمتكبِّر محل انتقاصهم وازدرائهم، وقليلٌ مِنَ الناس مَنْ يكون مَهِيبًا لا متكبرا، فالمهابة من أوصاف كُمَّل الرجال، وأفذاذ العقلاء، والسَّادة النجباء، لا أهل التصنع والرياء. وسيد الأولين والآخرين ﵌ هو سيد المُهيبين، وهو مَنْ إذا رآه الرائي بديهة هابه، وإذا خالطه معرفةً أحبَّه. والتاج ﵀ كان مهيبًا محبوبًا، يقول الحافظ ابن كثير ﵀ في أحداث سنة ثلاثٍ وستين وسبعمائة: "ورد البريد بطلبه من آخر نهار الأحد بعد العصر، الحادي عشر من شعبان سنة ثلاث وستين وسبعمائة، فأرسل إليه حاجِب الحجَّاب قماري وهو نائب الغيبة: أن يُسافر مِن يومه. فاستنظرهم إلى الغد فأمهل. وقد ورد الخبر بولاية أخيه الشيخ بهاء الدين بن السبكي بقضاء الشام عِوَضًا عن أخيه تاج الدين. . . وجاء الناس إليه ليودِّعوه ويستوحشون له، وركب مِن بستانه بعد العصر يوم الاثنين ثاني عشر شعبان، متوجِّهًا على البريد إلى الديار المصرية، وبين يديه القضاة والأعيان، حتى قاضي القضاة بهاء الدين أبو البقاء السبكي، حتى ردَّهم قريبًا من الجسورة، ومنهم مَنْ جاوزها، والله المسؤول في حُسن الخاتمة في الدنيا والآخرة" (١). _________ (١) انظر: البداية والنهاية ١٤/ ٣٠٩ - ٣١٠.

стр. 213

٨ - أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر: إن الصدع بالحق، ومقارعة الباطل من أهم واجبات العلماء إن لم يكن أهمها، والناس تبعٌ لعلمائهم، فإذا تبع العلماءُ الأمراءَ ضلَّت العامَّة، وزاغ الناس عن الجادَّة، وهلَكت الأمة. والعالم إن لم يَقْو على قول كلمة الحق فليسكت عن الباطل، فسكوته عن الباطل خير، أما أنْ ينطق بالباطل ليُرضيَ ذوي النفوذ والأمر فتلك الداهية الدهياء، والمصيبة الصماء، وتلك الخيانة وإضاعة الأمانة. ومع ذلك فربَّ كلمة حقٍّ قيلت في غير وقتها، أو غير محلها، جَلَبت شرًا كثيرًا، فالعالم الورع في دينه مَنْ يُراعي ذلك، ولا يُبالي بذم أحدٍ أو مدحه؛ لأن كلمة الحق إنما يُراد بها تحقيق مصلحة ودفع مفسدة، فإذا كان المتحقِّق هو العكس لم تكن من الحق، ولم يكن قائلها ناصحًا حكيمًا. فكلمة الحق كما تحتاج إلى إيمان وشجاعة، تحتاج إلى علم وحكمة يُقَدَّر بهما المصالح والمفاسد الحقيقية، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (١)، فرحم الله مَنْ قال ونفع، لا مَن في الضَّرَر أوقع. والحاصل أن أمانة الصدع بالحق حِمْلٌ ثقيل نِيط بالعلماء، والله سائلهم عنه، فضعيفهم ينكر بقلبه، وقويُّهم بلسانه، أما أن يسكت الجميع تخاذلًا وإيثارًا للدنيا على الآخرة، فضلًا عن المداهنة والمصانعة فنعوذ بالله _________ (١) سورة الأنعام: ١٠٨.

стр. 214

من الهلاك، ونعوذ بالله من شر كلِّ أفَّاك: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ (١). ٩ - مشاركته في الجهاد: يقول ابن كثير ﵀: "وفي صبيحة يوم الجمعة ثالث صفر (٢) نُودي في البلد أن لا يتخلف أحد مِنْ أجناد الحلقة عن السفر إلى بيروت، فاجتمع الناس لذلك، فبادر الناس والجيش ملبسين إلى سطح المزة، وخرج ملك الأمراء أمير علي - كان نائب الشام - مِنْ داره داخل باب الجابية في جماعته ملبسين في هيئة حسنة، وتجملٍ هائل، وولده الأمير ناصر الدين محمد، وطلبه معه، وقد جاء نائبُ الغيبة والحَجَبةُ إلى بين يديه إلى وطاقه، وشاوروه في الأمر، فقال: ليس لي ها هنا أمر، ولكن إذا حضر الحرب والقتال فلي هناك أمر. وخرج خلق من الناس متبرعين، وخطب قاضي القضاة تاج الدين الشافعي بالناس يوم الجمعة على العادة، وحَرَّض الناس على الجهاد، وقد ألبس جماعةً مِنْ غلمانه اللأمة والخُوذ، وهو على عزم المسير مع الناس إلى بيروت، ولله الحمد والمنة. ولما كان من آخر النهار رجع الناس إلى منازلهم وقد ورد الخبر بأن المراكب التى رؤيت في البحر إنما هي مراكب تجار، لا مراكب قتال، فطابت قلوب الناس، ولكن ظهر منهم استعداد عظيم، ولله الحمد" (٣). _________ (١) سورة هود: ١١٣. (٢) سنة ٧٦٧ هـ. (٣) انظر: البداية والنهاية ١٤/ ٣٣٧.

стр. 215

المبحث العاشر: محنته صدق القائل: مُحَسَّدُونَ وشَرُّ الناسِ منزلةً ... مَنْ عاشَ في الناس يومًا غيرَ مَحْسُودِ (١) والقائل: إنْ يَحْسِدوني فإنِّي غيرُ لائِمهمْ ... قَبْلي مِن الناس أهلِ الفضلِ قد حُسِدوا فدامَ لِي ولَهُمْ ما بِي وَمَا بِهِمُ ... وماتَ أكثرُنا غيظًا بما يَجِدُ (٢) وصدق المولى حيث يقول: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (٣) وقلَّ أن تجد ذا نعمةٍ لا يُحسد، فعلى العاقل الصبر والدفع بالتي هي أحسن وأرشد، فهذه دار الأكدار، لا دار الصفاء والقرار: طُبِعَتْ على كَدَرٍ وأنتَ تُريدُها ... صَفْوًا من الأَقْذار والأكدارِ لقد حُسِد الإمام ابن السبكي - رحمهما الله - كما حُسِد غيره، وحِيكت له المؤامرات لتنحيته عن منصبه، وليتولاها حاسدوه، وليطفئوا _________ (١) انظر: تاريخ بغداد ١٣/ ٣٦٧. (٢) انظر: أدب الدنيا والدين ص ٢٦٢، تاريخ بغداد ١٣/ ٣٦٧. (٣) سورة الأنعام: ١٢٤.
следующие страницы →