← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

أصولٍ - جَزَمَ الاعتقاد بأن ذلك الأصلَ مُخْتَارُه، ونَسَبَه إليه. وهذا صنيع أصحابنا على طبقاتهم، يقولون: مذهب الشافعي كذا، وإنما استنبطوا ذلك من قواعده من غير اطلاع على نصه. ومنهم من ينسب إليه القول المُخَرَّج مع كونه نَصَّ على خلافه. وقد اختار هذا المذهب من أصحابنا القاضي أبو حامد المروروذي، وأبو بكر الصيرفي (١)، وهو مذهب داود (٢) (٣)، ومعظم الحنابلة (٤). والمذهب الثالث: أنه يفيد التراخي. كذا أطلقه جماعةٌ (٥) منهم المصنف، وقال الشيخ أبو إسحاق في "شرح اللمع" وإمام الحرمين في "التلخيص" و"البرهان": "إن هذا الإطلاق مدخول؛ إذ

стр. 1472

مقتضاه أن الصيغة المطلقة تقتضي التراخي، حتى لو فُرِض الامتثال على البِدَار لم يعتد به، وليس هذا مُعْتقَدُ أحدٍ" (١). هذا كلامهما، ورأيت ابن الصباغ في "عدة العالم" قال: إن من الواقفية في هذه المسألة مَنْ قال: لا يجوز فعله على الفور. لكن قال: إن (٢) القائل بهذا (٣) خالف الإجماع قبله. وعلى الجملة هو مذهب ثابت منسوب إلى خرق الإجماع (٤). ونقل ابن السمعاني في "القواطع" القولَ بأنه على التراخي عن ابن أبي هريرة، وأبي بكر القفال، وابن خيران، وأبي علي الطبريِّ (٥) صاحب "الإفصاح" وصَحَّحه، ثم قال: إن معنى قولنا: إنه على التراخي - أنه

стр. 1473

ليس على التعجيل (١). قال: والجملة إنَّ قوله: "افعل" ليس فيه عندنا دليل إلا على طلب الفعل فحسب، من غير تعرض للوقت. قلت: وعلى هذا التفسير فهذا الذهب هو المذهب الأول بعينه. والمذهب الرابع: الوقف؛ إما لعدم العلم بمدلوله؛ أوْ لأنه مشترك بينهما. وهو الذي عَبَّر عنه المصنف بقوله: "وقيل: مشترك"، وكان الأحسن أن يقول: وقيل: بالوقف؛ ليشمل هذين الاحتمالين (٢). على أنَّ صفي الدين الهندي نقل أنَّ منهم مَنْ تَوَقَّفَ فيه تَوَقُّفَ الاشتراك (٣). ثم افترقت الواقفية: فمِنْ قائل: إذا أتى بالمأمور به في أول الوقت كان ممتثلًا قَطْعًا، وإنْ أخَّر عن الوقت الأول لا يُقْطع بخروجه عن العُهْدة (٤). واختاره إمام الحرمين في "البرهان" (٥). ومن قائلٍ: إنه وإن بادر إلى فعله في أول الوقت لا يقطع بكونه ممتثلًا، وخروجِه عن العهدة؛ لجواز إرادة التراخي (٦) (نقله الآمدي، وابن

стр. 1474

الحاجب، وغيرهما (١)) (٢). "قوله: لنا" أي: الدليل على أن الأمر لا يقتضي الفور ما تقدم في الكلام على أنه لا يقتضي التكرار، وأشار إلى دليلين: أحدهما: صحة تقييده بالفور والتراخي من غير تكرير ولا نقض، كصحة تقييده بالمرة والمرات من غيرهما (٣). والثاني: وروده مع الفور وعدمه، فَيُجْعل حقيقةً في القدر المشترك: وهو طلب الإتيان به، دفعًا للاشتراك والمجاز، كما ورد بالتكرار والمرة وعدمهما (٤) (٥)، وجُعِل حقيقةً في القدر المشترك. وقد تقدم الكلام في هذين الدليلين مبسوطًا، وتقدم دليلٌ ثالث لا يأتي هنا.

стр. 1475

قال: (قيل: إنه تعالى ذَمَّ إبليس على الترك، ولو لم يقتض الفور لما استحق الذم. قلنا: لعل هناك قرينة عَيَّنت الفورية. قيل: ﴿وَسَارِعُوا﴾ (١) يوجب الفورية (٢). قلنا: فمِنْه لا مِنَ الأمر. قيل: لو جاز التأخير فإما مع بدلٍ فيسقط، أوْ لا معه فلا يكون واجبًا (٣). وأيضًا إما أن يكون للتأخير أمدٌ: وهو إذا ظن فواته (٤)، وهو غير شامل؛ لأن كثيرًا من الشباب يموتون (٥) فجأة. أوْ لا فلا يكون واجبًا. قلنا: منقوض بما إذا صَرَّح به (٦). قيل: النهي يفيد الفور فكذا الأمر. قلنا: لأنه (يفيد التكرار). احتج القائلون بالفور بأوجه: أحدها: قوله تعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ (٧) عابه على كونه لم يأت في الحال بالمأمور به، (وهو يدل على أنه (وجب عليه) (٨) الإتيان) (٩) (بالفعل حين أُمِر به؛ إذ لو لم يجب لكان لإبليس أن

стр. 1476

يقول: ما أوجبتَ عليَّ في الحال، فكيف أستحق الذمَّ بتركه في الحال) (١). أجاب تبعًا للإمام: بأنه يحتمل أن يكون ذلك (٢) الأمر مقرونًا بما يدل على أنه على الفور (٣). قال الهندي: "وهو ضعيف؛ لأن ظاهره يدل على ترتب (٤) الذم بمجرد ترك المأمور به، فتخصيصه بأمر آخر غيرِه خلافُ الظاهر"، قال: "وهذا وإن كان لازمًا على كل من يجيب بهذا الجواب (٥)، إلا أن المَلامَ فيه على الإمام أشد؛ لأنه أجاب عن هذا الجواب لَمَّا اعتُرض به على استدلاله بهذا النص على أن الأمر للوجوب (٦) " (٧)، والمصنف تبعه في الموضعين. ثم قال الهندي: "والأولى أن يُقَال في جوابه: إن هذا الأمر كان مقرونًا

стр. 1477

بما يدل على أنه للفور، بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ (١)، فإنَّه جَعَل الأمر بالسجود جزاءً لشرط التسوية والنفخ، والجزاءُ يحصل عَقِيب الشرط، فإنما (٢) أفاد الأمر هنا الفورَ بهذه القرينة" (٣). وهذا الجواب (إنْ صح فلك) (٤) أن تقول: هذه القرينة هي التي أوجبت للإمام أن يقول هنا: لعل قرينةً أوجبت (٥)، (وأما) (٦) في مسألة الأمر هل يقتضي الوجوب - (فلا قرينة) (٧)، فكان ما ادعاه الإمام من القرينة موجودًا، دون ما ادَّعاه الخصم (٨). ثم إنَّ (٩) الحاصل أنَّ كلًا منهما ادَّعى قرينةً، والأصل عَدَمُها، وتأيدت دعوى الإمام والمصنف بهذه الآية، فصح ما قالاه (١٠).

стр. 1478

(وفي صحة الجواب نظرٌ من جهة أنه قد يُمْنع أنَّ الجزاء يحصل عَقيب الشرط، وليس هنا ما يُتخيل دلالتُه عليه إلا الفاء في قوله: ﴿فَقَعُوا﴾، وهي لا تدل عليه إلا إنْ كانت للتعقيب، وقد نَصَّ النحاةُ على أنها إذا وقعت جوابًا للشرط لا تقتضي تعقيبًا) (١) (٢). وقال (٣) بعضهم: إنَّ في الآية قرينةً أخرى وهي فِعْلُ الأمر في قوله: ﴿فَقَعُوا﴾، إذ هو العامل في "إذا"؛ لأنها ظَرْفٌ والعامل فيها جوابها، فصار التقدير: فقعوا له ساجدين وقت تسويتي إياه. وهذا صحيح على رأي الجمهور القائلين بأن العامل في إذا جوابها، ولكن قال بعض البصريين: إنَّ العامل فيها ما يليها (٤) حكاه شيخنا أبو حيان في "البحر المحيط" عند قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا﴾ (٥)، وهو متجه في هذه الآية؛ لأن ما بعد الفاء لا يجوز أن يعمل فيما (٦) قبلها (٧)، فكيف

стр. 1479

يتجه في مثل: ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ (١) أن يقال العامل في "إذا" جوابها! بل هذا وأمثاله يصلح اعتراضًا على الجمهور القائلين بهذه المقالة (٢). الوجه الثاني: في قوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٣)، فإنه يُوجب أن الأمر للفور؛ لأنه أَمَرَ بالمسارعة وهي التعجيل (بالمأمور به، والأمر للوجوب، والمسارعة واجبة، ولا معنى) (٤) لأن الامر يقتضي الفور إلا ذلك (٥). وحَمْل المغفرة على حقيقتها في الآية ممتنع؛ لأن المغفرة مِنْ فِعْل الله تعالى، والعبد لا يسارع إلى فعله (٦)، فَحُمِل على المجاز وهو المأمور به. وفي معنى هذه الآية قوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (٧) (٨).

стр. 1480

أجاب: بأن الفورية لم تُسْتَفَد من الأمر، بل من قوله: ﴿وَسَارِعُوا﴾، يعني: من جوهر اللفظ (١)؛ لأن لفظ المسارعة دال عليه (٢) كيف ما تَصَرَّف (٣)، بل لمُبَاحِثٍ أنْ يَقْلِب هذا الدليل ويستدل به على عدم الفورية (٤)؟ ، لأن المسارعةَ: مباشرةُ الفعل في وقتٍ مع جواز الإتيان به في غيره. ولقائلٍ أن يقول: لا نسلم تفسير المسارعة بما ذكرتم، بل المسارعة: عبارة عن التعجيل بالفعل المطلوب. كما تقول: سارعت إلى إنقاذ الغريق، وإنْ كانت المبادرة إلى ذلك واجبة. وذلك أعم من أن يجوز مع ذلك فعلُه في وقتٍ آخر أم لا. تم قولكم: الفوريَّة لم تُسْتفد من الأمر بل من مادة ﴿وَسَارِعُوا﴾ فيه (٥) تسليمٌ لوجوب فعل المأمورات الشرعية على الفور، بما دلَّ على ذلك من قوله: ﴿وَسَارِعُوا﴾ (٦). فحاصل ما أجبتم به أنكم سلمتم ثبوت الفَوْر في المأمورات، ولكنكم (٧) قلتم: إنَّ ذلك ليس من مدلول الأمر بل مِنْ دليلٍ منفصلٍ، وهذا يحصل به معظم مقصود الخصم؛ إذ الغرض الأعظم إنما هو

стр. 1481

البحث عن الأوامر الشرعية. وقد يقال: دلالته على وجوب المسارعة إلى أسباب (١) المغفرة (بطريق الاقتضاء (٢)، فلا يلزم منه وجوبُ المسارعة إلى جميع أسباب المغفرة) (٣) بناءً على أن المُقْتَضَى: وهو ما أُضْمِر ضرورةَ صِدْقِ المتكلم - لا عمومَ له، فيختص ذلك بما اتفق على وجوب تعجيله، ولا يعم كلَّ مأمور. الثالث: لو لم يكن الأمر للفور لكان التأخير جائِزًا، وجوازه إما مع بدل أوْ لا معه، والقسمان باطلان: أما الأول: فلأنَّ البدل: هو الذي يقوم مقام المُبْدل من كل الوجوه. فإذا أتى بهذا البدل وَجَب أن يسقط عنه هذا التكليف، وليس كذلك بالاتفاق (٤). وأما الثاني: فلأن ذلك يَمْنَعُ مِنْ كونه واجبًا؛ لأنه لا يُفْهم من قولنا: ليس بواجب - إلا أنه يجوز تركه من غير بدل. الرابع: أنه لو لم يكن للفور وجاز التأخير - لكان إما إلى أمدٍ أي:

стр. 1482

(غاية معيَّنة، بحيث إذا وصل المكلف إليها لا يجوز له التأخر (١) عنها، أوْ لا يكون له أمد أي: ) (٢) بأن يجوز له التأخير أبدًا. والقسمان باطلان، فالقول بجواز التأخير باطل. أما الأول: فلأن ذلك الأمد لا بد له من أمارة يعرفه المكلَّف بها؛ لئلا يلزم وقوع التكليف بما لا يطاق، ولذلك لم يكن للخصم أن يقول: يجوز أن يكون الأمد غايةً مجهولةً عند المكلَّف؛ لأنه يصير مكلفًا بأن لا يؤخر الفعل عن وقت معيَّنٍ مع عدم معرفته به (٣)، وهو تكليف بما لا يطاق. وإذا كان لا بد له من أمارة يعرفها المُكَلَّف فتلك الأمارة هي بالاتفاق: ظَنُّ الفوات على تقدير الترك، إما لكبر السن، أو للمرض الشديد وذلك الأمد (٤) (٥) غير شامل للمكلفين؛ لأن كثيرًا من الناس يموتون فجأة، ويقتلون بغتة من غير حصول أمارة للموت، فيلزم أن لا يشملهم الأمر (٦)، وليس كذلك. وأما الثاني: فلأن التأخير أبدًا يُجَوِّز الترك أبدًا، (وتجويز الترك أبدًا) (٧) ينافي الوجوب.

стр. 1483

وأجاب عن هذين الوجهين: بالنقض بما إذا صُرِّح للمكلَّف بجواز التأخير، مثل: أن يقال له: أوجبت عليك أن تفعل كذا في أي وقت شئت، (أوْ ولك) (١) التأخير. فإنَّ هذين الوجهين مطردان (٢) فيه، مع جواز التأخير بالاتفاق (٣). قال الإمام: "فكلما جعلوه عذرًا في هذه الصورة فهو عُذْرُنا عما ذكروه (٤) " (٥). وسنذكر ما تحصل به المناقشة في هذا الجواب إن شاء الله تعالى. وأجيب عنه (٦) أيضًا: بالتزام أنَّ الأمد غيرُ معيَّن ولا يلزم التكليف بما لا يطاق؛ لأنه إنما يلزم أن لو لم يجز الإتيان به على الفور، أما إذا جاز فِعْله على الفور فلا يلزم ذلك؛ لتمكن المكلف من الامتثال في الحال، والتكليف بالمحال هو التكليف بالمتعذِّر امتثاله من كل وجه الخامس: أن النهي يفيد الفور، فكذا الأمر بالقياس عليه، بجامع الطلب فيهما. وأجاب: بأن النهي يفيد التكرار، ويلزم من ذلك وقت الحال (٧)،

стр. 1484

فأفاد النهيُ الفورَ بضرورةِ دخولِ وقتِ الحال في الأوقات، لا لذاته. وهذا الجواب قد تقدم مثله، وقد ناقضه بعد هذا حيث يقول: النهي كالأمر في التكرار والفور (١). فكان الأولى أن يجيب: إما بأن النهي لا يفيد الفور، أو بأن هذا قياس في اللغة فلا يقبل. وقد استدل القائلون بالفور أيضًا بوجه سادس لم يذكره في الكتاب: وهو طريقة الاحتياط، فإنا أجمعنا على أنه لو فعل عقيبه (٢) وقع الموقِع (٣)، ولا عبرةَ بالمذهب الضعيف المتقدم (٤) إنْ ثَبتَ؛ لمصادمته للإجماع. واختلفنا في أنه لو فعل بعد ذلك هل يخرج عن العهدة؟ فطريقة الاحتياط تقتضي وجوبَ الإتيان به على الفور؛ ليحصل الخروج عن (٥) العهدة بيقين. وأجاب الإمام: بأنه ينتقض بقوله: افعل في أيِّ وقتٍ شئت (٦). واعترض صاحب "التحصيل" على هذا الجواب: "بأن طريقة الاحتياط غير منقوضة؛ إذ لا خوف ثمة (٧) " (٨).

стр. 1485

قال الشيخ شمس الدين بن الجزري في شرح أسْوِلة التحصيل: وإنما قال ذلك (١) لوجهين: أحدهما: أن الكلام فيما إذا كان الأمر مطلقًا، واحتمل أن يكون المراد الفور (٢). وثانيهما: أن الفعل على تقدير قوله: افعل في أيِّ وقتٍ شئت - لا خوف في فعله على الفور، ولا على التراخي، حتى تنتقض طريقة الاحتياط (٣). قال: واعلم أن الوجه الأول من وجهي الاعتراض على جواب الإمام في طريقة الاحتياط لم يذكره صاحب التحصيل، (فعلى هذا) (٤) تنقدح مناقشةٌ تَرِد على كلامه فيقال: إما أن يريد أن طريقة الاحتياط غير منقوضة على تقدير اعتبار قوله: في أي وقت شئت، أو لا (٥).

стр. 1486

فإن أراد الأول لم يبق احتياطٌ ضرورةَ استواءِ الفعل على الفور والتأخير، فلا يقال طريقة الاحتياط باقية. وإنْ أراد الثاني فليس الجواب أن طريقة الاحتياط غير منقوضة إذ لا خوف ثمة، ضرورةَ قيامِ الخوف على تقدير عدم اعتبار ذلك القول (١) بل الجواب أنَّ ذلك بقوله: افعل في أي وقتٍ شئت، والكلام في الأمر بمجرده. قال: والإشارة بقوله: "ثمة" إلى الصورة التي أوردها الإمام وهي الصورة الأخيرة - خارج عن وضع اللغة، فالأولى به أن يقول؛ إذ لا خوف هنا (٢). واعلم أن المنتصر لكلام الإمام أن يقول: مراد الإمام بقوله: افعل في أي وقت شئت - أنَّ هذا القول لا يُعَدُّ منافيًا لقوله: افعل (٣)، بل يكون موافقًا لمقتضاه، فلا يتصور طريقة الاحتياط إلا إذا كان الفور راجحًا أو مساويًا (٤) أما إذا كان الراجح التوسعة فلا تأتي طريقة الاحتياط، وإلا (٥) فالإمام ما يَجْهل أن قوله: افعل في أيِّ وقت شئت - غيرَ

стр. 1487

قوله: افعل، من غير ضميمةٍ، هذا كُلُّه كلام ابن الجزري، وفيه نظر يحتاج إلى تطويل. وقال التبريزي: التمسك على الفور بطريقة الاحتياط ضعيف؛ لأن الاحتياط ليس من أمارات الوضع (١)، ولا من مقتضيات الوجوب (٢)، بل هو من باب الأصلح (٣). ثم قوله: افعل الآن - يُعَدُّ تأكيدًا (٤)، وفي أي وقت شئت - يعد تخفيفًا ومسامحة (٥) (٦). قال القرافي: ويَرِد عليه أن ها هنا قاعدةً خفيةً عادةُ الفضلاء يُوردون بسبب إهمالِها سؤالًا، فيقولون في كل ما يقول المستدل فيه: هذا أرجح، فيجب المصير إليه: إنَّ الرجحان يقتضي أنه أحسن، أما أنه المتعيِّن فلا (٧)، بل الندب هو اللازم في هذه المواطن التي فيها الرجحان بالاحتياط (٨)، ونحو ذلك؛ إذ فعل الأحسن مستحب ولا يصل إلى الوجوب، قال:

стр. 1488

وأُهملت قاعدةٌ وهي أن الرجحانَ إنْ كان في أفعال المكلفين فكما قالوه (١)، وإن كان في مدارك المجتهدين وأدلة المناظرين اقتضى ذلك الوجوب والتحتم واللزوم، بل انعقد الإجماع على أن المجتهد يجب عليه اتباعُ الراجح من غير رخصة في تركه، بخلاف الراجح في حق المكلف إنما هو مندوب، وكذلك الراجح في الاجتهاد في طلب القبلة وطهورية الماء من باب الوجوب إجماعًا (٢). ومنه قِيَم المتلفات وأروش الجنايات قال: فتأمل هذه القاعدة فهي ظاهرة وهي خفية، وبها يظهر بطلان قوله (٣): إنّ الاحتياط ليس من مقتضيات الوجوب، لأن هذا (٤) رجحان في ذلك (٥) لا في فعل المكلف. وأما قوله: افعل الآن تأكيد، وفي أي وقت شئت (٦) مسامحة - فهو مصادرة على مذهب الخصم بغير دليل (٧). هذا كلام القرافي والقاعدة التي ذكرها من وجوب اتباع الراجح على المجتهد صحيحة، لكن الكلام في أن الأخذ بالاحتياط هل هو راجح (٨)؟ ولو صح ما قاله لَكُنَّا نُلْزِم المجتهدين بالأخذ بجميع المآخذ وإن لم

стр. 1489

يثبت (١) عندهم صحتها، ونقول للشافعيِّ: يجب عليك العمل بالاستحسان احتياطًا. فالمجتهد الناظر في أنَّ الأمر هل يقتضي الفور ما لم يقم عنده دليل على ذلك (٢) - ليس له أن يقول بذلك للاحتياط. نعم المكلَّف (٣) الذي توجه الأمر نحوه يستحب (٤) له المبادرة احتياطًا، أو يجب عليه (٥) بحسب ما تؤدي إليه قواعد الاحتياط (وهذا قد قاله هو (٦) حيث قال: إنْ كان في أفعال المكلفين. فكما ذكروه، وما نحن فيه مِنْ أفعال المكلفين) (٧). وأحسنُ مِنْ دليل الاحتياط في الدلالة على أن الأمر يقتضي الفور أن نقول: (مَنْ تَوَجَّه) (٨) الأمر المطلق نحوه فقد تحقَّقنا وجوبَ الفعلِ عليه، وشككنا هل يخرج عن العهدة بالتراخي مع القطع بأنه يخرج عنها بالمبادرة، فلتجب المبادرة؛ لأنه مأمورٌ بأمرٍ فلا يخرج عن عهدته إلا بيقين.

стр. 1490

وهذا إنما يتم إذا قطعنا بأن المبادِرَ (١) خارجٌ عن العهدة، وفيه ما سلف (٢). ثم إنه أيضًا يرد في التكرار فيقال للمستدل به: يلزمك بهذه الطريقة أن تقول: إن الأمر للتكرار إلا أن تُبَيِّن دليلًا قائمًا على نفي التكرار بخصوصه. فائدة: القبولُ في الوكالة بمعنى: الرضا وعدم الرد - معتبرٌ بلا خلاف، ولا يجب فيه التعجيل بحالٍ (٣). قال الرافعي: ولو خُرِّج على أن الأمر هل يقتضي الفور لَمَا بَعُد، وإنْ شرطنا القبول باللفظ ففي اشتراط الفور فيه (٤) خلاف مشهور يتجه تخريجه على هذه القاعدة فيما إذا كانت الصيغة صيغةَ أمرٍ مثل: بِعْ واشْتَرِ، وما أشبه ذلك (٥) (٦).

стр. 1491

الفصل الثالث: النواهي

стр. 1492

قال: (١) ((الفصل الثالث: في النواهي . وفيه مسائل) (٢): الأولى: النهي يقتضي التحريم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾) . لم يذكر المصنف حَدَّ النهي؛ لكونه معلومًا من حَدِّ الأمر (٣). (فكلما قيل في حد الأمر) (٤) من مُزَيَّف ومختار - فقد قيل مُقَابله في النهي (٥). وصيغة النهي عند القائلين بالصيغة تَرِد لسبعةِ محامل: التحريم: مثل: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (٦). والتنزيه: مثل قوله ﵊: "لا يُمْسِكَنَّ أحدُكم ذَكَرَه بيمينه وهو يبول" (٧).

стр. 1493

والدعاء: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ (١). والإرشاد: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (٢). وبيان العاقبة: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ (٣) (٤). والتحقير: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ (٥) (٦). واليأس: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ﴾ (٧). والكلام في أنَّ صيغة النهي هل هي حقيقة في التحريم، أو الكراهة، أو مشتركة بينهما، أو موقوفة - على ما سبق في الأمر، فالخلاف في أكثر مسائله (٨) على وَزَان الخلاف في مقابِلاتها من مسائل النهي (٩)، والمآخذ كالمآخذ. وقد سبق أنَّ الأمر المجرد عن القرينة

стр. 1494

يقتضي الوجوب، فالمختار أن النهي المجرد عن القرينة يقتضي التحريم. واعلم أنه إذا ثبت أن الأمر للوجوب والنهي نقيضه - فلا يثبت أن النهي للتحريم، بل أنه ليس للوجوب؛ لأن نقيض الوجوب لا وجوب، ولما كان في الرأي المختار زيادة على ذلك، وهو أن النهي للتحريم - استدل عليه بقوله تعالى: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١)، ووجه الاحتجاج: أنه أمر بالانتهاء عن المنهي، والأمر للوجوب، فكان الانتهاء عن المنهي واجبًا، وذلك هو المراد من قولنا: النهي للتحريم. ولقائل أن يقول: هذا أولًا لا يتم إلا بعد تسليم أن الأمر (٢) للوجوب، وثانيًا: أن التحريم حينئذ لا يكون مستفادًا من صيغة النهي، بل بما دَلَّ مِنْ خارجٍ وهو قوله: ﴿فَانْتَهُوا﴾، بل قد يقال: لو كان النهي للتحريم (لما احتيج إلى الأمر باجتناب المنهي عنه، فكان الأمر بذلك دليلًا على أن التحريم) (٣) غير مكتسب منه. وبهذا يظهر لك أن التحريمَ مستفادٌ من الشرع لا مِنَ اللغة، ولم ترد الصيغة المطلقة من حيث اللغة على تضمن جَزْم الاقتضاء في الانكفاف عن المنهي عنه، كما قدمناه في الأمر إذا قلنا: الصيغة المطلقة تتضمن جزم الاقتضاء في المأمور به (٤)، وهذا هو مذهب إمام

стр. 1495

الحرمين الذي اخترناه، كما علمت (١). ثم قال: (وهو كالأمر في التكرار والفور). حكمُ النهي حكمُ الأمر في عدم دلالته على التكرار وعلى الفور، وقد اختار الإمام أن النهي لا يقتضي التكرار (٢)، مع قوله في مسألة الفور: إن النهي يقتضيه، وإيهامِه عدم الخلاف فيه (٣)، وكذلك (٤) وقع للمصنف (٥) كما نبهنا عليه. واستدل الإمام على أن النهي لا يقتضي التكرار: بأنه يرد للمرة،

стр. 1496

كقول الطبيب للمريض الذي يشرب (١) الدواء: لا تشرب الماء، ولا تأكل اللحم. أي: في هذه الساعة. ويرد للتكرار مثل: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ (٢)، فوجب جَعْلُه حقيقةً في القدر المشترك (٣). وأما الآمدي: فإنه قال: "اتفق العقلاءُ على أنَّ النهي يقتضي الانتهاء عن المنهي عنه دائمًا، خلافًا لبعض الشَّاذِّين" (٤). وزعم ابن بَرْهان - كما نقله عنه الأصفهاني - انعقادَ الإجماع عليه، وهذا ما جزم به الشيخ أبو إسحاق قي "شرح اللمع" (٥)، وهو المختار عند ابن الحاجب (٦). ونحن نوافق القائلين بأنه للتكرار في المعنى دون العبارة، فنقول: إذا قلتَ مثلًا: لا تضرب - فلا ريب أنك (٧) منعت المكلَّف من إدخال ماهية الضرب في الوجود، ولا يحصل ذلك إلا بالامتناع عن إدخال كل الأفراد، ولا يتحقق الامتثال إلا بالامتناع؛ فكان التكرار من لوازم الامتثال، لا مِنْ مدلول اللفظ. وينبغي أن يُرَدَّ (٨) كلام القائل: بأنه

стр. 1497

يقتضي التكرار - إلى ما قررناه (١). وما استدل به الإمام مردود؛ لأن قول الطبيب للمريض: لا تأكل اللحم، ولا تشرب الماء - إنما جاء فيه عدم (٢) التكرار لقرينة المرض، والكلام في النهي المجرد. وكان يمكننا أن نحمل كلام الامام على ما قررناه (٣)، لولا الاستدلال بهذا (٤)، ثم إنَّ المصنف اختار أن النهي لا يقتضي الفور جَرْيًا على قاعدته (٥)، ونحن لا نختار ذلك؛ إذ مِنْ ضرورات ما قررناه وجوبُ الترك على الفور (٦). قال: (الثانية: النهي شرعًا يدل على الفساد في العبادات ؛ لأن المنهي بعينه لا يكون مأمورًا به، وفي المعاملات إذا رجع إلى نفس العقد، أو أمرٍ داخلٍ فيه، أو لازمٍ له، كبيع الحصاة، والملاقيح، والربا؛ لأن الأوَّلِين تمسكوا على فساد الربا بمجرد النهي من غير نكير. وإنْ رجع

стр. 1498

إلى أمرٍ مقارِن، كالبيع وقت النداء - فلا). هذه المسألة في أن النهي عن الشيء (١) هل يدل على فساده؟ وقد

стр. 1499

اختلفوا فيه على مذاهب: أحدها: أنه يدل عليه مطلقًا (١). قال الأصفهاني (٢): (ونقله أبو بكر بن فُورك الأصبهاني (٣) عن) (٤) أكثر أصحاب الشافعي، وأبي حنيفة (٥). قلت: ونقلة القاضي في "التلخيص" لإمام الحرمين عن الجمهور من أصحاب الشافعي، ومالك، وأبي حنيفة، وأهل الظاهر، وطائفة (٦) من المتكلمين (٧). وقال ابن السمعاني: إنه الظاهر مِنْ مذهب

стр. 1500

الشافعي وأن عليه أكثر الأصحاب (١). والثاني: أنه لا يدل عليه (٢). ونقله في "مختصر التقريب" عن جمهور المتكلمين (٣)، والإمام عن أكثر الفقهاء (٤)، قال الشيخ أبو إسحاق: "وللشافعي كلام يدل عليه" (٥) (٦). والثالث: أنه يدل على الفساد في العبادات دون المعاملات. وهو مذهب أبي الحسين (٧)، واختاره الإمام وبعض أتباعه (٨) (٩).

стр. 1501

والرابع: أن النهي إنْ كان يختص بالمنهي عنه، كالصلاة في السترة النجسة - دل على فساده (١). وإن كان لا يختص بالمنهي عنه، كالصلاة في الدار المغصوبة، والثوب الحرير، والبيع وقت النداء - فلا يدل على الفساد (٢). حكاه الشيخ أبو إسحاق في "شرح اللمع" عن بعض أصحابنا (٣). والخامس: وهو اختيار المصنف، وإليه يرجع كلامُ جمعٍ من المحققين (٤): أنه يدل على فساده في العبادات سواء أنُهي (٥) عنها لعينها، أم لأمرٍ قارنها (٦)؛ لأن الشيء الواحد يمتنع أن يكون مأمورًا به منهيًا عنه، كالصلاة المنهي عنها مثلًا، فإنها لو صحت لوقعت مأمورًا بها أمرَ نَدْب؛

стр. 1502

لعموم الدلائل الطالبة للعبادات، والأمر بها يقتضي طلب فِعْلِها، والنهي عضها يقتضي طلبَ تَرْكها، والجمع بينهما غير ممكن (١). وأما المعاملات: فالنهي إما أن يرجع إلى نفس العقد، أو إلى أمرٍ داخل فيه، أو خارج عنه لازم له، أو إلى أمرٍ مقارِن للعقد غير لازم له. هذه أقسام: أولها: أن يرجع إلى نفس العقد، فيبطل أيضًا، وذلك كبيع الحصاة: وهو أن يقول: بعتك من هذه الأثواب ما وقعت عليه الحصاة التي أَرْميها. أوْ بعتك هذه الأرض من هنا إلى ما انتهت إليه هذه الحصاة. وقيل: بيع الحصاة أن يقول: بعتك على أنك بالخيار إلى أنْ أرميَ الحصاة. وقيل: أن يجعلا نفس الرمي بَيْعًا، فيقول (٢): إذا رميتُ هذه الحصاة فهذا (٣) الثوب مبيع منك بكذا. و (٤) على الصور كلها البيع باطل (٥). وثانيها: أن يرجع إلى أمرٍ داخلٍ فيه (٦)، فيبطل أيضًا، وذلك كبيع الملاقيح: وهي ما في بطون الأامهات من الأجنة (٧). فإن النهي راجع إلى

стр. 1503

نفس المبيع الذي هو ركنٌ من أركان العقد، والركن (١) داخل في الماهية، فيكون راجعًا إلى أمرٍ داخل في الماهية. وثالثها: أن يرجع إلى أمر خارج عنه لازمٍ له (٢)، فيفسد أيضًا، وذلك كالربا، فإن النهي فيه راجع إلى أمرٍ خارج عن العقد. أما في ربا النسيئة والتفرّق قبل التقابضِ فكونُ النَّهْي فيه لمعنىً (٣) خارجٍ ظاهر (٤). وأما في ربا الفضل فلأن النهي عن بيع درهم بدرهمين إنما هو للزيادة، وهو معنى خارجٌ عن نفس العقد؛ لأن المعقود عليه من حيث هو (٥) قابل للبيع، وكونه زائدًا أم (٦) ناقصًا من جملة أوصافه. واحتج المصنف على أنه يدل على الفساد: بأن الأَوَّلين تمسكوا على فساد الربا بمجرد النهي من غير نكيرٍ عليهم من أحد؛ فكان ذلك إجماعًا. ولك أن تقول: هذا سكوتي، وليس عند المصنف (بإجماعٍ (٧) و) (٨) لا حجةٍ، فكيف يستقيم منه الاحتجاج به! .

стр. 1504

ورابعها: أن يرجع إلى أمرٍ، مقارِنٍ للعقدِ غيرِ لازم له في جميع الصور، وذلك كالنهي عن البيع وقت نداء الجمعة، فإنه راجعٌ إلى أمرٍ خارجٍ عن العقد وهو تفويت صلاة الجمعة، لا لخصوص البيع، بدليل أن جميع الأعمال المُفَوِّتة للصلاة كذلك (١)، والتفويتُ أمرٌ مقارِنٌ غيرُ لازمٍ، فهذا القسم لا يدل على الفساد. فقد عرفت أنَّ جميع الأقسام سوى هذا (٢) عند المصنف تدل على الفساد، وقد قال الآمدي: "إنه لا يعرف خلافًا في هذا إلا ما يُحكى عن مالكٍ ورواية عن أحمد (٣) ".

стр. 1505

واعلم بأن (١) القائلين بأنه يدل على الفساد اختلفوا: فمِنْ قائلٍ: يدل شرعًا لا لغة. وهو اختيار المصنف (٢)، حيث قال: "يدل شرعًا". فافهم ذلك. لكن دليله هذا (٣) الذي قررناه إنما يدل على الفساد من حيث هو، وأما كونه من جهة الشرع فلا يدل. وقال قوم: يدل لغة. وقال (٤) ابن السمعاني: "وأما القائلون بأنه لا يدل على الفساد فافترقوا فمِنْ قائلٍ: يدل على الصحة. ونقله أبو زيد عن أبي حنيفة

стр. 1506

ومحمد (١). ومن قائلٍ: لا يدل" (٢). وقوله في الكتاب: "بعينه" هو بالباء الموحدة مِنْ تحت، أي: بنفسه. وهو متعلِّق بـ "يكون"، والله أعلم (٣). قال: (الثالثة: مقتضى النهي فِعْلُ الضد ؛ لأن العدم غير مقدور. وقال أبو هاشم: مَنْ دُعي إلى زنا فلم يفعل مُدِح. (قلنا: على

стр. 1507

الكف) (١). هذه المسألة في بيان مُقْتَضى النهي، فالمطلوب عندنا بالنهي: فِعْلُ ضِدِّ المنهي عنه، فإذا قال: لا تتحرك - فمعناه: افعل ما يضاد الحركة. وعند أبي هاشم: هو نفس (أن لا تفعل) (٢) (٣)، وهو عدم الحركة في هذا المثال. وقد وافقه بعض المتكلمين، ونقله التِّبريزي عن الغزالي (٤). وأما قول إمام الحرمين في الردِّ على الكعبي في مسألة المباح: "الغرض من النهي عن الزنا أن لا يكون (٥)، لا أن يكون ضد من أضداده" (٦)، فلا

стр. 1508

ينبغي أن يُفهم منه موافقة أبي هاشم، بل هو حق لا شك فيه. والفرق بينه وبين رأي أبي هاشم أن قوله: "الغرض" يعني به المقصود من التكليف، ولم يقل: إنه المكلَّف به (١)، كما قال أبو هاشم، والمكلَّف به هو المحصِّل لذلك الغرض، فالغرض: هو غاية الشيء الذي طُلب لأجلها (٢). واحتج المصنف على ما ذهب إليه: بأن النهي تكليفٌ، والتكليف إنما يرد بما كان مقدورًا للمكلف، والعدم الأصلي يمتنع أن يكون مقدورًا للمكلَّف؛ وذلك لأن المقدور (ما للقدرة) (٣) فيه تأثيرٌ ما، والعدم الصِّرْف يستحيل أن يكون أثرًا للقدرة (٤)، وبتقدير أن يكون العدمُ أثرًا يمكن إسناده إلى القدرة، لكن العدم الأصلي (٥) لا يمكن إسناده إلى القدرة؛ لأن الحاصل لا يمكن تحصيله ثانيًا (٦). وإذا تقرر هذا فمُتَعَلَّق النهي أمرٌ وجودي ينافي المنهي عنه، وهو المطلوب.

стр. 1509

وهذا الدليل متوقف على قاعدة: وهي أن اللغات لم يوضع الطلب فيها إلا للمقدور دون المعجوز عنه. ونحن وإن قلنا بجواز تكليف ما لا يطاق - فإنما نقول به في أحكام الربوبية (١)، لا في الموضوعات اللغوية (فإنما وضعت اللغات) (٢) لتحصيل المقاصد العادية، والمُحال لا يُحَصَّل عادة. واعترض على هذا الدليل: بأنكم إنْ عنيتم بالقدرة ما له أثر يستند ذلك (٣) إليه - فلا نسلم أن التكليف يعتمد هذه القدرة، بل ذلك في (٤) الفعل، وأما في الترك فلا (٥). وإنْ عَنَيْتُم بالقدرة ما يجده من (٦) نفسه كل أحد، وهو أن سليم الأعضاء القوي يُدْرِك من نفسه أنه متى أراد الفعل فَعَل، ومتى أراد الترك ترك، ويجد من نفسه التمكن - فنحن نُسَلِّم ذلك، ونمنع أنه غير قادر بهذا الاعتبار (٧).

стр. 1510

واعترض أيضًا: بأن ترك الزنا مثلًا ليس بعدمٍ محض، وإنما هو عدمٌ مضافٌ فيكون مقدورًا (١). واحتج أبو هاشم: بأنَّ مَنْ دُعِي إلى زنا فلم يفعله فإن العقلاء يمدحونه على أنه لم يزن، مِنْ غير أن يخطر ببالهم فِعْلُ ضدِّ الزنا، فعلمنا أن هذا العدم يصلح أن يكون مُتَعَلَّق التكليف. وأجاب المصنف: بأن المدح ليس على شيءٍ لا يكون في وُسْعه، والعدم الأصلي يمتنع أن يكون في وُسْعه وطاقته، كما عرفت، فإنما (٢) يمدح على كَفِّه عن ذلك الفعل، وذلك الكَفُّ أمْرٌ وجودي، وهو فعل ضد الزنا. وإلى هذا أشار بقوله: "قلنا: على الكف"، (أي: المدح على فعل الكف) (٣). هذا شرح ما ذكره (٤) ونختم المسألة بفائدتين:
следующие страницы →