стр. 1506
← Усуль аль-фикх следующие страницы →
Усуль аль-фикх · id 147104
الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي
تاج الدين ابن السبكي
Полный текст (3 260 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1507
الكف) (١).
هذه المسألة في بيان مُقْتَضى النهي، فالمطلوب عندنا بالنهي: فِعْلُ ضِدِّ المنهي عنه، فإذا قال: لا تتحرك - فمعناه: افعل ما يضاد الحركة.
وعند أبي هاشم: هو نفس (أن لا تفعل) (٢) (٣)، وهو عدم الحركة في هذا المثال. وقد وافقه بعض المتكلمين، ونقله التِّبريزي عن الغزالي (٤).
وأما قول إمام الحرمين في الردِّ على الكعبي في مسألة المباح: "الغرض من النهي عن الزنا أن لا يكون (٥)، لا أن يكون ضد من أضداده" (٦)، فلا
стр. 1508
ينبغي أن يُفهم منه موافقة أبي هاشم، بل هو حق لا شك فيه. والفرق بينه وبين رأي أبي هاشم أن قوله: "الغرض" يعني به المقصود من التكليف، ولم يقل: إنه المكلَّف به (١)، كما قال أبو هاشم، والمكلَّف به هو المحصِّل لذلك الغرض، فالغرض: هو غاية الشيء الذي طُلب لأجلها (٢).
واحتج المصنف على ما ذهب إليه: بأن النهي تكليفٌ، والتكليف إنما يرد بما كان مقدورًا للمكلف، والعدم الأصلي يمتنع أن يكون مقدورًا للمكلَّف؛ وذلك لأن المقدور (ما للقدرة) (٣) فيه تأثيرٌ ما، والعدم الصِّرْف يستحيل أن يكون أثرًا للقدرة (٤)، وبتقدير أن يكون العدمُ أثرًا يمكن إسناده إلى القدرة، لكن العدم الأصلي (٥) لا يمكن إسناده إلى القدرة؛ لأن الحاصل لا يمكن تحصيله ثانيًا (٦). وإذا تقرر هذا فمُتَعَلَّق النهي أمرٌ وجودي ينافي المنهي عنه، وهو المطلوب.
стр. 1509
وهذا الدليل متوقف على قاعدة: وهي أن اللغات لم يوضع الطلب فيها إلا للمقدور دون المعجوز عنه. ونحن وإن قلنا بجواز تكليف ما لا يطاق - فإنما نقول به في أحكام الربوبية (١)، لا في الموضوعات اللغوية (فإنما وضعت اللغات) (٢) لتحصيل المقاصد العادية، والمُحال لا يُحَصَّل عادة.
واعترض على هذا الدليل: بأنكم إنْ عنيتم بالقدرة ما له أثر يستند ذلك (٣) إليه - فلا نسلم أن التكليف يعتمد هذه القدرة، بل ذلك في (٤) الفعل، وأما في الترك فلا (٥).
وإنْ عَنَيْتُم بالقدرة ما يجده من (٦) نفسه كل أحد، وهو أن سليم الأعضاء القوي يُدْرِك من نفسه أنه متى أراد الفعل فَعَل، ومتى أراد الترك ترك، ويجد من نفسه التمكن - فنحن نُسَلِّم ذلك، ونمنع أنه غير قادر بهذا الاعتبار (٧).
стр. 1510
واعترض أيضًا: بأن ترك الزنا مثلًا ليس بعدمٍ محض، وإنما هو عدمٌ مضافٌ فيكون مقدورًا (١).
واحتج أبو هاشم: بأنَّ مَنْ دُعِي إلى زنا فلم يفعله فإن العقلاء يمدحونه على أنه لم يزن، مِنْ غير أن يخطر ببالهم فِعْلُ ضدِّ الزنا، فعلمنا أن هذا العدم يصلح أن يكون مُتَعَلَّق التكليف.
وأجاب المصنف: بأن المدح ليس على شيءٍ لا يكون في وُسْعه، والعدم الأصلي يمتنع أن يكون في وُسْعه وطاقته، كما عرفت، فإنما (٢) يمدح على كَفِّه عن ذلك الفعل، وذلك الكَفُّ أمْرٌ وجودي، وهو فعل ضد الزنا. وإلى هذا أشار بقوله: "قلنا: على الكف"، (أي: المدح على فعل الكف) (٣).
هذا شرح ما ذكره (٤) ونختم المسألة بفائدتين:
стр. 1511
إحداهما (١): قد عرفت أن الكف فِعْلٌ على (٢) المختار، وفي فروع الطلاق من الرافعي عن القفال لو قال: إنْ فعلتِ ما ليس لله فيه رِضَىً فأنتِ طالقٌ، (فتركتْ صومًا أو صلاة) (٣) - ينبغي أن لا تطلق، لأنه تَرْك وليس بفعل، فلو سرقت أو زنت طلقت (٤).
الثانية: وهي المقصود الأهم، قد يقال: ما الفرق بين هذه المسألة التي انتهينا منها، وبين المسألة المتقدمة في أن النهي عن الشيء هل هو أمر بضده؟
وتقرير السؤال: أنك قد علمت أن الجمهور قالوا: المطلوب بالنهي فِعْلُ ضد المنهي عنه، أي: الكف عنه (٥). وقال أبو هاشم: انتفاء الفعل (٦).
واختلفوا أيضًا في النهي عن الشيء هل هو أمر بضده، كما سلف في مكانه؟
стр. 1512
فإذا قيل: معنى قَوْلنا: "النهي عن الشيء أمْرٌ بضده": هو أن مطلوبَ النهي فِعْلُ الضد. وهو أحد القولين في المسألة الأولى. ومعنى "أنه ليس أمرًا بضده": هو أن المطلوب انتفاءُ المنهي عنه. وهو القول الثاني في المسألة الأولى. فالمسألتان حينئذ واحدة، وإلا فما الفرق؟
قلنا: قد كنا وعدنا في الكلام على تلك المسألة بالجواب عن هذا السؤال؛ لضيق المحل هناك عما نُورده هنا. وقد أجيب بأوجه:
أحدها: أن الكلام في تلك المسألة بحث لفظي، وفي هذه معنوي. ذكره الأصفهاني شارح "المحصول" (١).
والثاني: أن قولنا: النهي عن الشيء أمرٌ بضده بحث في المتعلِّقات بكسر اللام، فإن النهي متعلِّق بالمنهي عنه والأمر متعلق بالمأمور.
وقولنا: المطلوب النهي فعل ضد النهي عنه بحث في المُتَعَلَّقات بفتح اللام.
والثالث: أن البحث في تلك المسألة في دلالة الالتزام على ضد المنهي عنه، فنقول: متى نُهي عن الشيء مطابقة دلَّ (٢) على طلب ضده التزامًا، والبحث في هذه المسألة (٣) في دلالة المطابقة ما مدلولها الطابِق هل هو العدم أو ضده. ذكرهما القرافي (٤).
стр. 1513
واعلم أنه قد وقع النظر في هذا السؤال وهذه الأجوبة عندي غير مرة، وطال الحِجاج، والذي قُلْتُه أنا في الفرق: أنه إذا نُهِي عن شيءٍ (١) كالزنا مثلًا فهناك ثلاثة أمور:
أحدها: انتفاء الزنا.
والثاني: الكف عنه (٢).
والثالث: فِعْلُ ضدٍ مِنْ أضداده لا يتم الكف أو الانتفاء إلا به، كالوطء المباح أو غيره مما لا يجامع الزنا في آن واحد.
إذا تقرر ذلك فنقول: كون المطلوب في النهي "الكف" أو "الانتفاء" هو مسألة أبي هاشم، والخلاف فيها قد ينبني (٣) على أن شَرْط المطلوب الإمكان (أم لا؟ وعلى أن الانتفاء مقدورٌ أم لا؟ وهما مسألتان مُخْتَلَفٌ فيهما.
فإن قلنا: ليس من شرط المطلوب الإمكان) (٤) - جاز أن يكون مُتَعَلَّق النهي الانتفاء (٥) كرأي أبي هاشم.
وإنْ قلنا: شرط التكليف الإمكان، وأن الانتفاء مقدور - فكذلك
стр. 1514
أيضًا (١)، وإلا (٢) تعيَّن أن يكون المطلوب في النهي هو الكف.
وأما كون النهي يقتضي الأمر بضده، أو لا - فمعناه: أن طلب الكف عن المنهي عنه، أو طلب انتفائه، على اختلاف القولين، هل يستلزم الأمر بضده الذىِ لا يتم الكف أو الانتفاء إلا به كالوطء (٣) المباح مثلًا، أم لا؟ وهذه هي المسألة الأخرى، والخلاف فيها مبني على أن (٤) ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، لا على ما انبنت (٥) عليه المسألة الأولى (٦). فالمسألتان مختلفتان ليست إحداهما عينَ الأخرى ولا مستلزمةً لها، وليس القولان القولين (٧) (٨)، فإن القائلين بأن مطلوب النهي هو الكف يمكن أن يختلفوا في أن النهيَ الذي هو طلبُ الكف أمرٌ بالضد (الذي لا يتم) (٩)
стр. 1515
الكف إلا به أم لا؟
وكذلك القائلون بأن مطلوب النهي انتفاءُ الفعل، يمكن أن يختلفوا في أن طلب الانتفاء هل هو أمر بالضد الذي لا يتم انتفاء الفعل إلا به؟ .
هذا إذا فَرَّعنا على أن النهي عن الشيء يستلزم الأمر بضده، أما إذا فرعنا على أن النهي نفس الأمر بالضد (١)، وأريد بالضد الكف أو الانتفاء فهي غيرها أيضًا؛ لأن خلاف مسألة أبي هاشم هو في أن مطلوب النهي هل هو الكف أو الانتفاء، و (٢) خلاف هذه (في أن هذا النهي الذي هو طلب الانتفاء أو الكف أمر أم لا؟ نعم الخلاف في هذه (٣) (٤)) (٥) على هذا التفريع (٦) مرتب على الخلاف في مسألة أبي هاشم.
حتى إذا قلنا بمذهب أبي هاشم لم يكن النهي أمرًا بلا خلاف؛ لأن الأمرَ طلبُ فعلٍ لا طلب انتفاء اتفاقًا (٧).
وإذا قلنا بمذهب غير أبي هاشم أمكن الخلاف في أن النهي الذي هو
стр. 1516
طلب الكف أمر بذلك الكف أم لا؟ لأن الكف فعل، لكن يلزم القائلين بأن النهي أمر بالكف أن يكون النهي نوعًا من الأمر.
وإن فَرَّعنا على أن النهي عن الشيء نفس الأمر بضده، لكن أُريد بالضد ما لا يتم الكف أو الانتفاء إلا (١) به كالوطء المباح مثلًا - صارت المسألتان واحدة، إلا أن المبحوث عنه في مسألة أبي هاشم: هو أن مطلوب النهي الكف (أو الانتفاء.
والمبحوث عنه هنا: هو أن مطلوب النهي (٢) فعل الضد الذي لا يتم الكف أو الانتفاء إلا به أم لا (٣).
ويتلخص من البحثين أن في المسألة حينئذ ثلاثة مذاهب:
أحدها: مذهب أبي هاشم.
والثاني: أن مطلوب النهي هو الكف.
والثالث: أن المقصودَ في النهي فعلُ ضدٍ ليس بكف ولا انتفاء (٤). والله أعلم.
стр. 1517
ويتضح به ما قررناه من الفرق بأن الكف (١) فعلٌ أعم من جميع الأضداد؛ لأنه لا ضد إلا وهو مشتمل على الكف.
فإذا قلنا في هذه المسألة المطلوب بالنهي الكف أردنا الضد الأعم (٢). وقولنا في المسألة الأخرى: النهي عن الشيء أمر (٣) بأحد أضداده - المراد به الضد الخاص الذي لا يتم الكف والانتفاء (٤) إلا به.
ويكون مَنْ نُهِيَ عن شَيءٍ حينئذ عند القائل بأن النهي عن الشيء أمر بضده مأمورًا بشيئين: أعم، وأخص: الكفُّ، وفعلٌ يَحْصُلَ في ضمنه الكف.
فالمنهي عن الزنا مأمورٌ بالكف عنه، وبفعلٍ يشتمل على ذلك الكف (٥)، ويلزم على هذا أن يثاب على شيئين: الأعم والأخص؛ لتعلق الأمر بهما، وأن يصح نذره، فلو قال: لله عليَّ أن أفعل فعلًا يضاد الزنا، وهو الفعل الفلاني، وعَيَّن فعلًا لم يطلبه الشرع بخصوصه، كالنوم مثلًا، لزمه الوفاء به لكونه مأمورًا به (٦) في ضمن النهي عن الزنا.
стр. 1518
هذا ما كنت أقرره في الفرق. ثم حضر عندي في الحلقة بعض الفضلاء وحصل البحث في هذا الجواب وفي الأجوبة المتقدمة، أعني: جواب شارح المحصول وجوابَي (١) القرافي وأنها هل هي صحيحة؟ فكتبت أسأل والدي - أطال الله بقاه - عن السؤال من أصله، وذكرت الأجوبة الثلاثة (٢) وأنه هل يحصل الجواب بشيء منها وهل يمكن أن يقال في الجواب: هذا الوجه الرابع الذي قررتُه، وأنه هل يمكن الاعتراض على هذا الجواب الرابع: بأن الكف عن الزنا مثلًا إذا كان فعلًا يغاير الزنا كان ضدًا له، ويكون حينئذ أخص من مطلق ضده فلا يحسن، (أوْ أن) (٣) يقال هناك ثلاثة أمور: الانتفاء، والكف، وفعل الضد، لأن الكف حينئذ فعلُ ضدٍ والمغايرة بينهما مغايرة العام والخاص (٤).
أو يقال: الكف أعم؛ وإن كل فعل غاير الزنا فقد اشتمل على الكف عن الزنا، أو يقال هما (٥) متباينان.
وإذا لم يثبت أنهما متباينان وكانت مغايرتهما مغايرة العام والخاص انقدح الاعتراض على هذا الجواب.
ثانيًا: بأنهم في تلك المسألة قالوا النهي عن الشيء أمرٌ بأحدِ أضداده، والكف الذي جُعِل مطلوب النهي في هذه المسألة يصدق عليه أنه أحد الأضداد.
стр. 1519
فحاصل الأمر أنهم قالوا هناك المطلوب واحد مبهم من أمور متعددة وهي الأضداد، وهنا شَخَّصوه في الكف.
المسؤول الجواب عن هذا كله، والمسؤول أيضًا النظر في وجه الصواب في (١) مسألة أبي هاشم هل هو معه، أو مع الجماهير؟
فكتب أحسن الله (٢) إليه ما نصه: الخلاف بين الجمهور وأبي هاشم فالجمهور على أن المطلوب بالنهي فعل ضد المنهي عنه، وعند أبي هاشم نفس أن لا تفعل، وما تضمنه آخِر السؤال هل الصواب معه أو مع الجماهير. فالجواب: أن قول الجمهور المطلوب بالنهي فِعْلُ ضد المنهي عنه ليس بجيد من حيث اللفظ، وقد يكون الخلل في ذلك من جهة مَنْ عَبَّر عنهم؛ فإن النهي قسيم الأمر، والأمر طلب الفعل، فلو كان النهي طلب فعل الضد لكان أمرًا (٣)، ولكان النهيُ من الأمر.
وقسيم الشيء لا يكون قِسْمًا منه، ولا شك أن كل متلبس (بفعل هو تارك لضده، وكلٌّ من الفعلين الفعل (٤) والترك، يصح أن يؤمر به وأن) (٥) يُنْهى عنه. مثاله: السفر والإقامة ضدان والتارك للسفر متلبس بالإقامة. فهل الترك للسفر نفس الإقامة أو معنى آخر؟ فيه بحث يشبه البحث في
стр. 1520
الحركة هل هي الحصول في حيزٍ مسبوقٌ بالحصول في غيره، أو هي نفس الانتقال من حيز إلى حيز؟
وفيه قولان للمتكلمين (١)، وإن كان كلٌّ منهما (٢) يلزم الآخر، فمتى انتقل من حيز فقد حصل في غيره، ومتى حصل في غيره بعد حصول فيه فقد انتقل، فكل من الحصولين أمر ثبوتي يمكن أن يُعْقَل وحده (٣) حصوله فيه والانتقال أمر نسبي لا يعقل إلا بينهما، فكذلك المنهي عنه (٤) ارتكابه شيء لا يحتاج في تصوره إلى غيره، وفعل ضده (٥) (شيء لا يحتاج في تصوره إلى غيره، والانتهاء شيء ثالث، وهو عندي هو المطلوب) (٦) بالنهي، لا كما قاله الجمهور ولا كما قاله أبو هاشم، وعندي أن الجمهور إنما أرادوا ما قلته، ولكن العبارة عنهم لم تُحَرَّر، فإذا (٧) قلتَ: لا تُسافر - فقد نهيتَه عن السفر والنهيُ يقتضي الانتهاء؛ لأنه مطاوعة (٨)، تقول: نهيته
стр. 1521
فانتهى.
والانتهاء: هو الانصراف عن المنهي عنه، وهو (١) الترك، وهو (٢) الانزجار المطاوع لزَجَر، والانكفاف (٣) وما أشبه ذلك (٤).
ولغة العرب تشهد لهذا، والمعقول أيضًا يشهد له، ويُفَرَّق في العقل وفي اللغة بين قولنا: لا تسافر، (وبين قولنا) (٥): أَقِمْ.
وأنَّ "أقِم" أمْرٌ بالإقامة من حيث هي، فقد لا يستحضر معها السفر، وأنَّ "لا تسافر" نهيٌ عن السفر وزجر، (فمن أقام قاصدًا تَرْكَ السفر) (٦) - يقال فيه انتهى عن السفر، ومن لم يخطر له (٧) السفر بالكلية لا يقال له انتهى عن السفر. ويقال له مقيمٌ، والانتهاء أمرٌ معقول، وهو فِعْلٌ، ويصح التكليف به، وكذلك في جميع المناهي الشرعية كالزنا والسرقة والشرب ونحوها المقصود في جميعها الانتهاء عن تلك الرذائل، ولا يفهم في وضع اللسان وتصور العقل غير ذلك، ومِنْ لازم ذلك الانتهاءِ التلبسُ بفعلِ ضدٍ مِنْ أضداد المنهي عنه.
стр. 1522
فالعبارة المحررة أن يقال إن المطلوب بالنهي الانتهاء. ويلزم من الانتهاء فعلُ ضدِ المنهيِّ عنه (١).
ولا يُعْكَس فيقال: المطلوب ضِدُّ المنهي عنه ويلزم به الانتهاء؛ لأن الانتهاء متقدم في الرتبة في العقل على فعل الضد، فكان معه كالسبب مع المسبب.
فالكافر إذا أسلم فقد وجد منه ثلاثة أشياء:
كُفْره أولًا المنهيُّ عنه.
ثم انتهاؤه عنه. والترتيب بينهما في الزمان.
ثم تلبسه بالإيمان. والترتيب بينه وبين الانتهاء عن الكفر ليس في الزمان (٢)، وإنما هو في الرتبة ترتب المعلولية على العلية وهما في زمان واحد.
كذلك الانتهاء وفعل الضد في زمان واحد. والانتهاء متقدم بالرتبة تقدم العلية على المعلولية حتى لو فرض أن الانتهاء يحصل بدون فعل الضد حصل المطلوب به، ولم يكن حاجة إلى فعل الضد، لكن ذلك فَرْضٌ غير ممكن، وهذا المعنى حاصل في جميع (٣) الأفعال، وكلما يتلبس به الإنسان، والمقصود بالذات هو الانتهاء، وأما فعل الضد فلا يقصد إلا بالالتزام بل قد
стр. 1523
لا يُقْصد أصلًا، ولا يستحضره المتكلم، ومتى قَصَد المتكلم (١) فعلَ الضد وطَلَبه من حيث هو - كان أمرًا لا نهيًا عن ضده، ومتى أتى بصيغة أمْرٍ في معنى الانتهاء كقوله (٢): اترك - فهذا لفظه لفظ الأمر ومعناه معنى النهي، وبينهما فرق، وهو أنا قلنا: إن الانتهاء له طرفان أحدهما من جانب المنهي عنه، والثاني من جانب ضده الذي به يحصل الانتهاء، فقوله: "لا تفعل" جانب المنهي عنه أقوى، وقوله: "اترك" الجانب الآخر (٣) فيه أقوى، ولا مانع أن يترجَّح أحد الجانبين على الآخر، وإن كانا جميعًا مقصودين. أما إذا مُحِّض الأمرُ بهذا للضد، (أو بذلك) (٤) - فلا نهي البتة (٥)، وقد لا يستحضر معه الطرف الآخر (٦) فعلى ما قلناه (٧) ينبغي أن يُحمل كلام الجمهور، ومَنْ عَبَّر عنهم بتلك العبارة فإما غير متأمل لمعناها، وإما قصده تقريبُ المعاني إلى الطالب المبتدي، فإن التعمق في المعاني يضر المبتدي، ومِنْ آداب المُعَلِّم أنْ يُرَبيَ الناس بصغار العلم قبل كباره.
стр. 1524
وأما قول أبي هاشم: إن المطلوب نفس أن لا تفعل (١) - فهو وإن كان يبتدر إلى الذهن في الأول؛ لأن حرف النهي ورد على الفعل فقد طلب منه عدمه، لكن نفسَ أن لا تفعل عدمٌ مَحْضٌ فلا يكلَّف به ولا يُطلب، وإنما يُطلب من المكلف ما له قدرة على تحصيله، فلعل مراد أبي هاشم العدم الذي هو من الانتهاء، والانتهاء فِعْل، فإن أراد ذلك تقارب المذهبان، ويكون الجمهور نظروا إلى حقيقة ما هو مكلَّف به، وأبو هاشم نظر إلى المقصود به، وهو إعدام دخولِ المنهي عنه في الوجود.
وإن لم يرد أبو هاشم ذلك، وأراد [أن] (٢) العدم المحض (٣) الذي لا صنع للمكلَّف في تحصيله - فهو باطل.
إذا عُرِف هذا فَقَوْل شارح المحصول: إن هذه المسألة لا تشتبه بأن النهي عن الشيء أمر بضده؛ لأن الكلام في ذلك لفظي وفي هذه معنوي - ليس بجيد، أما أوَّلًا فلأنه ليس الكلام في تلك لفظيًا فقط، بل لفظيًا ومعنويًا، وحقيقة (النهي والأمر) (٤) أمران نفسانيان (٥) يُعبَّر عنهما بلفظٍ، والكلام في حقائقهما (٦).
стр. 1525
وأما ثانيًا فلأن الأمر بالشيء لفظًا يقتضي أن المطلوب المعنوي مأمور به على ما قال، فيحصل الاشتباه (١).
وأما الذي (٢) قاله القرافي فالوجه الأول صحيح، ولكنه لا يفيده جوابًا، ولا شك أن المتعلِّق بكسر اللام غير المتعلَّق بفتحها، والفرق بينهما صوري، ولا يلزم منه عدم تداخل إحدى المسألتين في الأخرى.
و(٣) أما الوجه الثاني فقوله: إنَّ النهي عن الشيء أمرٌ بضده التزامًا - صحيحٌ، وقوله: المطلوب بالنهي فعل الضد مطابقة - ليس بصحيح؛ لما قدمناه، لكنه (٤) موافقٌ لظاهر كلامِ الأصوليين، فحينئذ هذا الجواب الثاني من كلام القرافي ينبغي أن يكون هو العمدة على ظاهر كلام الأصوليين، لكنا لا نوافق عليه لما قدمناه، فالمختار عندنا في المسألتين أن الكلام في الالتزام لا في المطابقة (٥)، وحينئذ نقول، وأُقَدِّم على ذلك (٦) زيادةً في بيان
стр. 1526
ما كنا فيه: أن النفيَ له في اللغة معنيان:
أحدهما: فِعْلُ الفاعلِ النفي (١). تقول: نفيتُ الشيءَ فانتفى. وهذا هو أظهر المعنيين.
والثاني: نفس الانتفاء. تقول (٢) نَفَى الشيءُ (٣). هكذا سُمِع من اللغة (٤)، وعلى هذا المعنى الثاني يكون النفي والإثبات نقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان، ويكون المراد بالإثبات الثبوت، كما أن المراد بالنفي الانتفاء (٥)، وأما إذا أردت بالنفي نفيَك الشيء وبالإثبات إثباتَك له - فيكونان ضدين لا نقيضين؛ لأنك قد لا تَنْفي ولا تُثْبت (٦)، وهذا البحث ليس مما نحن فيه، ولكنه يُحْتاج إلى تصوره، وبَحْثٌ آخرُ منه وهو العدم تارة يكون عدم الشيء في نفسه من حيث هو هو، من غير نظر إلى مُعْدِمٍ، وتارة يكون عدمًا بإعدام غيره، والعدمان في حقيقتهما سواء ولكن الأول بلا فاعل، والثاني بفاعلٍ، وفِعْلُ ضده كذلك (٧).
стр. 1527
فأبو هاشم يرى أن المطلوب بالنهي الأول (١).
والجمهور يرون أن المطلوب بالنهي الثاني (٢).
والحق معهم لأنه الذي يصح به التكليف، فالعدم من حيث هو أمر (٣)، وعدم الزنا من حيث هو أخص منه (٤)، ولا فعل معه (٥) البتة (٦) وهو الذي يقول أبو هاشم إنه مطلوب.
وعدم الزنا بفَعْلِ فاعل: وهو كف النفس عنه - شيءٌ ثالث أخص من الثاني، الذي هو أخص من الأول. وفيه (٧) أمران:
أحدهما: طرف العدم. والثاني: طرف الفعل المُحَصِّل له (٨) وهو (٩) من الطرف الأول ليس بشيء؛ لأنه عدم، ولا يكلف به (١٠)، ومن الطرف الثاني ثبوت، ولذلك أطلقنا في كلامنا عليه اسم الشيء، فيصح التكليف
стр. 1528
به، وهو مراد الجمهور. وفِعْل الفاعلِ من حيث هو مع قطع النظر عن العدم الحاصل به (١) أمرٌ رابع.
وهو أمر وجودي لا عدم مَعَه، وهو الذي يُراد غالبًا بالضد، فهذا هو المراد بقولنا: الأمر بالشيء نهيٌ عن ضده، والنهي عن الشيء أمر بضده أو بأحد أضداده. وإذا علمتَ هذه الأربعة فاعتبِرْها تَجدها في سائر الأمور.
فكل أمرٍ لَكَ إقبالٌ عليه، وانصرافٌ عنه، وتلبسٌ بفعلٍ غيرِه، وفي الانصراف عنه نسبتان، والإمام فخر الدين لما كان يرى أن الحركة هي الحصول في الحيِّز الثاني لا جرم قال: إن المطلوب بالنهي فعل الضد (٢).
ونحن نرى أن الحركة: هي الانتقال من الحيِّز الأول إلى الحيِّز الثاني، لا جرم قلنا: إن المطلوب بالنهي الانتهاء: وهو الانصراف عن المنهي عنه إلى غيره، لا يقصد غيرَه بل يَقْصد عدمَ الأول (٣)، فإنْ فعل غيرَه قاصدًا به
стр. 1529
الانتهاء كان ممتثلًا: (وإن فعل غيره (١) غير قاصد الانتهاء لم يكن ممتثلًا) (٢) ولكنه لا يأثم لأنه لم يرتكب المنهي عنه، والمقصود في (٣) الحقيقة إنما هو عدم المنهي عنه، ولو كان المقصود أن يَضُمَّ إلى العدم شيئًا آخر لكان مَنْ لم يَزْنِ ولا قصد الامتثال.
ولا نقول عدم الذم لكونه غافلًا عن النهي فإنا نفرضه فيمن استحضر النهي ولم يفعل المنهيَ عنه ولا قصد شيئًا فإنه لا يُذَمُّ ولا يُحْمد.
وهذا يبيِّن لنا الفرق بين تحريم الشيء وإيجاب الكف عنه؛ فإن إيجاب الكف عنه يقتضي أنه لا يخرج عن العهدة إلا بتحصيل الكف الذي من شرطه إقبال النفس عليه ثم كفها عنه، وليس كذلك (٤)، وإنما الفعل هو المحرَّم فلا يأثم إلا به.
وقد أطلنا في ذلك فلنرجع إلى غرضنا، ونقول (٥): قولهم: المطلوب بالنهي فعل ضد المنهي عنه - مرادهم به الضد العام وهو الانتهاء الحاصل بواحدٍ من أضداد المنهي عنه.
وقولهم: النهي عن الشيء أمر بضده، قد بيّنوا أنه بطريق الالتزام -
стр. 1530
مرادهم به الضد الخاص وهو أحد الأضداد الذي يحصل الانتهاء به أو بغيره.
فإن أرادوا الضد العام لزم مِنْ كلٍّ من المسألتين الأخرى، لكنه لا يكون تكرارًا فلا يكون مسألة واحدة بل هما مسألتان (١)، وإن لزم من معرفة حكم إحداهما معرفة حكم الأخرى فلا يضرنا ذلك.
وإنما يحسن السؤال لو كانوا وضعوا مسألة أن النهي عن الشيء هل هو أمر بضده أوْ لا؟ وليس ذلك في "المحصول"، وإنما في "المحصول" أن الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده؟ (وتكلم غيره في أن النهي عن الشيء هل هو أمر بضده) (٢)؟ فلو جعلتا مسألتين مترجمًا عنهما ربما كان يرد السؤال، ولكنا لم (٣) نعمل كذلك بل نبهنا عن هذا في أثناء مسألة، ولا مانع أن ننبه (٤) في أثناء مسألة على ما تضمنته مسألة أخرى. ولا يقال: إنهما مسألة واحدة متكررة.
والحاصل أنه إن أُريد بالضد الضد العام فالكف أو الانتفاء ضد عام، فيلزم مِنْ إحدى المسألتين الأخرى، ولكن الإمام لم يضعهما مسألتين فلا
стр. 1531
سؤال عليه. وهذا التقرير هو الحق.
وإن أريد بالضد الضد (١) الخاص فيصح ما قاله السائل في قوله: هل يمكن أن يقال إلى آخره، والحق أن المراد بالضد الضد العام فلا يمكن أن يقال.
وإنما الجواب ما قاله القرافي في الوجه الثاني من كلامه مع ما فيه مما قدمناه.
وأما القول بأن نفس النهي عن الشيء نفس الأمر بضده - فهو قول ضعيف، وقول السائل: إنه يتلخص قول ثالث أن مقصود النهي فعل ضدٍ ليس بكفٍ ولا انتفاء - عجيب؛ لأن الكف أو الانتفاء أعمُّ فكيف يوجد الأخص (٢) بدونه!
وتصحيح كلام السائل في ذلك أن نقول: ليس بكف فقط أو انتفاء (٣) فقط. والله أعلم.
هذا آخر ما ذكره والدي أيده الله، ولا ينبغي أن يُمَلَّ التطويل في هذه المسألة ففيه من الفوائد ما لا يوجد في سواه.
قال: (الرابعة: النهي عن أشياء إما عن الجمع كنكاح الأختين، أو عن الجميع كالزنا والسرقة) .
стр. 1532
النهي عن مُتَعَدِّد ولا أقول عن أشياء؛ لأنها جمع وأقله ثلاثة (١). والمثال الذي أورده في اثنين إما أن يكون نهيًا عن الجَمْع أعني: الهيئة الاجتماعية، دون المفردات على سبيل الانفراد، كالنهي عن نكاح الأختين، وكالحرام المخيَّر عند الأشاعرة، فإنه يجوز عندنا أن يُحَرَّم واحدٌ لا بعينه، وخالفت المعتزلة (٢).
(وأما عكسه (٣) ولم يذكره في الكتاب، ولا رأيت مَنْ ذكره (٤)، ومثاله: ما جاء في الحديث الصحيح من النهي أن يلبس المرء نعلًا واحدًا، بل إما أن يلبس نعلين، أو يَنْزَعَهما (٥). فهذا نهي عن كل فردٍ
стр. 1533
стр. 1534
الباب الثالث: في العموم والخصوص
الفصل الأول: العموم
стр. 1535
قال (١): (الباب الثالث: في العموم والخصوص . وفيه فصول:
الفصل الأول: في العموم .
العام: لفظٌ يستغرق (٢) جميع ما يصلح له بوضع واحد).
نفتتح البابَ بعد حمد الله تعالى بمقدماتٍ ثم نلتفت إلى ما ذكره:
المقدمة الأولى:
العموم لغةً: هو الشمول (٣). وهو من عوارض الألفاظ حقيقة بلا خلاف (٤). وأما المعاني فأقوال:
أبعدها: أنه لا يصدق عليها لا حقيقة ولا مجازًا.
وثانيها: أنه يصدق عليها مجازًا. وهو المختار، ونقله الآمدي عن الأكثرين واختاره (٥).
стр. 1536
стр. 1537
واحد لمتعدد، وذلك موجود بعينه في المعنى، تقول: نَظَرٌ عام، وحاجة عامة، وعَمَّ المطرُ الأرض، والأميرُ بالعطاء (١). والأصل في الإطلاق الحقيقة.
وأجيب: بأن من لوازم العام أن يكون متحدًا، ويكون مع اتحاده يتناول أمورًا متعددة من جهة واحدة (٢). والعطاء الخاص بكل واحدٍ من الناس غير الخاص بالآخر، وكذلك المطر فإن كلَّ جزء اختص منه بجزء من الأرض - لا وجود له بالنسبة إلى الجزء الآخر منها، وكذلك الكلام في النظر العام، والحاجة العامة (٣). وغاية الأمر تعارض الاشتراك والمجاز، والمجاز أولى من الاشتراك لما مَرّ (٤) (٥).
стр. 1538
المقدمة الثانية:
اصطلحوا على أن المعنى يقال له: أعم وأخص، واللفظ يقال له: عام وخاص. ووجه المناسبة: أن "أعم" صيغة "أفعل" التفضيل، والمعاني أفضل من الألفاظ، فَخُصّت بصيغة "أفعل" التفضيل. قاله القرافي (١).
ومنهم من يقول فيهما (٢): عام وخاص أيضًا (٣).
المقدمة الثالثة:
مدلول العموم كلية، لا كل ولا كلي: وبيان ذلك يتوقف على معرفة الكل والكلي والكلية، والجزء والجزئي والجزئية.
أما الكل: فهو المجموع الذي لا يبقى بعده فرد، والحكم فيه (على
стр. 1539
المجموع) من حيث هو مجموع، لا على الأفراد. كأسماء العدد (١)، وكقولنا: كل رجل يحمل الصخرة العظيمة. فهذا صادق باعتبار المجموع.
ويقابله الجزء: وهو ما تركب منه ومن غيره كل. كالخمسة مع العشرة، فالجزء بعض الكل.
وأما الكلي: فهو الذي يشترك في مفهومه كثيرون. وإن شئت قلتَ: القَدْر المشترك بين جميع الأفراد، كمفهوم الحيوان في أنواعه، والإنسان في أنواعه، فإن الحيوان (٢) صادق على جميع أفراده.
ويقابله الجزئي، كزيد، وحاصله: أنه (٣) الكلي مع قيدٍ زائد وهو تشخصه (٤). فلك أن تقول: الكلي بعض الجزئي (٥).
وأما الكلية: فهي التي يكون الحكم فيها على كل فردٍ فردٍ بحيث لا
стр. 1540
يبقى فردٌ. مثل: قولنا: كلُّ رجلٍ يُشْبعه رغيفان غالبًا. فإنه يصدق باعتبار الكلية، أي: كل رجل على حِدَته يُشبعه رغيفان غالبًا، ولا يصدق باعتبار الكل، أي: المجموع من حيث هو مجموع، فإنه لا يكفيه رغيفان ولا قناطير عديدة؛ لأن الكل والكلية يندرج فيهما (١) الأشخاص الحاضرة والماضية والمستقبلة، وجميع ما في مادة الإمكان (٢)، وإنما الفرق بينهما أن الكل يَصْدق من حيث المجموع، والكلية تصدق من حيث الجميع، وفَرْق بين المجموع والجميع، فإن المجموع: الحكم على الهيئة الاجتماعية لا على الأفراد، والجميع: الحكم على كل فردٍ فردٍ.
ويقابلها الجزئية: وهي الحكم على أفرادٍ حقيقةٍ من غير تعيين. كقولك: بعض الحيوان إنسان. فالجزئية بعض الكلية.
إذا عرفتَ ذلك - فمسمى العموم (٣) كلية لا كل، وإلا لتعذر الاستدلال به (في النفي والنهي على ثبوت حكمه لفرد من أفراده (٤) كما
стр. 1541
عرفت، فلا يصح الاستدلال به) (١) على ثبوت حكمه للفرد المعين في النفي والنهي إلا إذا كان معناه الكلية، التي يُحكم فيها على كلِّ فردٍ فردٍ بحيث لا يبقى فرد، كما عرفت، وحينئذ يستدل بها على أي (٢) فردٍ شئنا من الأفراد في النفي والنهي، فإنما يختلف الحال بين الكل والكلية في النفي والنهي، لا في الأمر وخبر (٣) الثبوت (٤)، فمدلول العموم
стр. 1542
كلية لا كل؛ لصحة الاستدلال به على ثبوت حكمه لكل فرد من أفراده عند القائلين به إجماعًا، فإن قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (١) دال على تحريم قتل كلِّ (٢) فردٍ من أفراد النفوس بالإجماع، وليس معناه: ولا تقتلوا مجموع النفوس، وإلا لم يدل على كل (٣) فرد فرد، فلا يكون عاصيًا بقتل الواحد؛ لأنه لم يقتل المجموع (٤).
إذا تقرر هذا فهنا سؤال قويٌّ شُغِف به الشيخ (٥) أبو العباس القرافي وهو أنَّ دلالة العموم على كل فردٍ من أفراده نحو: زيدٌ المشرك (٦) - مثلًا - من المشركين (٧)، لا يمكن أن تكون بالمطابقة، ولا بالتضمن، ولا بالالتزام (٨). وإذا بطل أن يدل لفظ العموم على زيدٍ مطابقةً وتضمنًا
стр. 1543
والتزامًا بطل أن يدل لفظ العموم مطلقًا؛ لانحصار الدلالة في الأقسام الثلاثة.
إنما قلنا: لا يدل عليه بطريق المطابقة؛ لأنها: دلالة اللفظ على مسماه بكماله. ولفظ العموم لم يُوضَع لزيد فقط، حتى تكون الدلالة عليه مطابقة.
وإنما قلنا: لا يدل بالالتزام؛ لأن دلالة الالتزام: هي دلالة اللفظ على لازم مسماه. ولازم المسمى لا بد وأن يكون (١) خارجًا عن المسمى، وزيد ليس بخارج عن مسمى العموم؛ لأنه لو خرج لخرج عمروٌ وخالدٌ، وحينئذ لا يبقى في المسمى شيء (٢). فدلَّ على أنه لا يدل بالمطابقة ولا الالتزام.
وإنما قلنا: لا يدل بالتضمن؛ لأن دلالة التضمن: هي دلالة اللفظ على جُزْءِ مسماه. والجزء إنما يصدق إذا كان المُسَمَّى كُلًا؛ لأنه مقابله، ومدلول لفظ العموم ليس كلًا كما عرفت، فلا يكون زيدٌ جزءًا، فلا يدل عليه تضمنًا (٣).
فتبين بطلانُ دلالةِ لفظِ العمومِ على "زيد" بشيء من (هذه الثلاثة، والدلالات منحصرة فيها، فبطل أن يدل لفظ العموم مطلقًا (٤).
стр. 1544
وقد سار) (١) هذا السؤال غورًا ونجدًا، ولم أر مَنْ أجاب عنه إلا الشيخ شمس الدين الأصفهاني في "شرح المحصول" فقال (٢): إنا حيث قلنا: إن (٣) اللفظ إما أن يكون دالًا بالمطابقة، أو التضمن، أو الالتزام - فذلك في لفظٍ مفردٍ دالٍ على معنى ليس ذلك المعنى هو نسبة بين مفردين، وذلك لا يتأتى ههنا فلا ينبغي أن يُطْلب ذلك (٤).
وإذا عرفت هذا فاعلم أن قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٥) في قوة جملةٍ من القضايا؛ وذلك لأن مدلوله: اقتل هذا المشرك، واقتل هذا المشرك، إلى آخر الأفراد. وهذه الصيغ إذا اعتُبِرت بجملتها فهي لا تدل على قتل زيد المشرك (٦)، ولكنها تتضمن ما يدل على قتل زيد المشرك لا بخصوص
стр. 1545
كونه زيدًا، بل بعموم كونه فردًا (١) ضرورة تضمنه (٢) (اقتل زيدًا) (٣) المشرك، فإنه من جملة هذه القضايا، وهي جزء من مجموع تلك القضايا، فتكون دلالة هذه الصيغة على وجهين: قتل زيد المشرك لتضمنها ما يدل على ذلك الوجوب، "والذي هو في ضمن ذلك المجموع هو دال على ذلك مطابقة (٤) ". قال: "فافهم ذلك، فإنه من دقيق الكلام، وليس