← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

ألا كلُّ شيءٍ ما خلا اللَّهَ باطلُ ... وكلُّ نعيمٍ لا محالةَ زائلُ (١) وقال كعب بن زهير (٢): كلُّ ابنِ أنثى وإنْ طالت سلامَتُه ... يومًا على آلةٍ حدباءَ محمولُ (٣)

стр. 1577

ومعنى العموم في هذا القسم كل فردٍ لا المجموع، و"كل" لا دلالة لها إلا على كل فرد، وهي نَصٌّ في كل فرد مما دلت عليه تلك النكرة، مفردًا كان أو تثنية أو جمعًا، ويكون الاستغراق للجزئيات بمعنى أن الحكم ثابت لكل [جزئي] (١) من جزئيات النكرة. وقد يكون مع ذلك الحكم على المجموع لازمًا له (٢) (٣) كقولنا (٤): كل مشرك مقتول (٥). وقد لا يلزم كقولنا: كل رجل يُشْبعه رغيف. (وكلا الأمرين ليس من لفظ "كل" بل يظهر ذلك من معنى الكلام. وقد تضافُ) (٦) "كل" لفظًا (٧) إلى معرفة، كقوله تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ (٨)، وقوله ﷺ حكاية عن ربه: " (يا عبادي كلكم

стр. 1578

جائع إلا مَنْ أطعمته فاستطعموني أُطْعِمْكم) (١)، يا عبادي كلكم عارٍ إلا مَنْ كسوته فاستكسوني أكْسُكم" (٢)، وكلام أكثر الأصوليين يقتضي أن كلًا في هذه الحالة مثلها حالة الإضافة إلى نكرة في الدلالة على كل فرد، واقتضى كلام بعض الأصوليين وابن مالك من النحاة أن مدلولها في هذه الحالة (٣) المجموع (٤). قال (الشيخ الإمام) (٥) والدي أطال (٦) الله بقاه: والذي يظهر أنها إذا أضيفت إلى معرفة فإن كان مفردًا كانت لاستغراق أجزائه، ويلزم منه المجموع، ولذلك يصدق قولنا: كل رمان مأكول. ولا يصدق: كل الرمان مأكول؛ لدخول قِشْره (٧). وبعبارة أخرى يصدق قول (٨): كلُّ رجلٍ مضروب - إذا ضربت كل واحدٍ

стр. 1579

ضربًا ما، ولا يصدق: كل الرجل مضروب - إلا إذا ضربتَ جميع أجزائه. وإنْ كانت المعرفة المضاف إليها جمعًا احتمل أن يُراد المجموع، كما في قولنا: كُلُّكم بينكم درهم. وأن يُراد كلُّ فرد، كقوله ﷺ : "كلكم راع"؛ ولذلك فَصَّله بعد ذلك فقال: "السلطان راع، والرجل راع، والمرأة راعية" (١)، والاحتمال الثاني (٢) أكثر، فيحمل عليه عند الإمكان، ولا يُعْدل إلى الأول إلا بقرينة (٣). ومِنْ أمثلة بعض الأصوليين: كل أعضاء البدن حيوان. والمراد المجموع (٤)، كما في: كلُّكم بينكم درهم. وهذا يحتاج إلى سماع من العرب، لكن كلام النحويين منطبق عليه. قال ابن السراج يقول: إن خيرهم كلَّهم زيد، وإنَّ لي قِبَلكُم كلُّكُم خمسين درهمًا. والمراد الجمع لا كل فرد (٥). واعلم أنك إذا أثْبَتَّ حُكْمًا لجزءٍ أو جزئي، ثم أخذت جملةً من تلك الأجزاء أو الجزئيات لا يلزم أن يثبت لها ذلك الحكم (٦)، بل قد يثبت وقد

стр. 1580

لا يثبت بحسب ما يدل عليه الدليل، وإذا أَدْخَلْتَ "كلًا" على ما فيه الألف واللام وأريد الحكم على كل فرد (١) - فهل نقول (٢): إن الألف واللام هنا تفيد العموم، وكل تأكيدها، أو أنها هنا لبيان الحقيقة (٣) حتى يكون تأسيسًا (٤)؟ كلٌّ مِنَ الأمرين مُحْتَمَلٌ. قال (الشيخ الإمام) (٥) والدي أعَزَّه الله: وقد يقال بأن الألف واللام تفيد العموم في مراتبِ ما دخلت عليه، و"كلٌّ" تفيد العموم في أجزاء (٦) كلٍ من المراتب. فإذا قلتَ: كُلُّ الرجال أفادت الألف واللام استغراقَ كلِّ مرتبةٍ من مراتب (٧) جَمْع (٨) الرجل (٩)، وأفادت "كلٌّ" استغراق الآحاد (١٠)، فيصيرُ لكلٍ منهما

стр. 1581

معنى (١)، وهو أولى من التأكيد (٢). ومن هنا يظهر أنها (٣) لا تدخل على (٤) المفرد المعَرَّف بالألف واللام إذا أُريد بكل منهما العموم (٥). فإن قلت: فقوله ﷺ : "كل ذلك لم يكن" (٦) هل يفيد نفيَ كلِّ واحدٍ أو المجموع؟ قلتُ: قد ظهر لك بما تقدم أنه يفيد نفي كلِّ واحد (٧)، فإن "ذلك"

стр. 1582

إشارة إلى المذكور وهو قول ذي اليدين: "أقُصِرَت الصلاة أم نسيت"، فالمذكور: القَصْر والنسيان، وعاد اسم الإشارة المُفْرد عليه، فيفيد نفي كل واحد؛ لأن دلالةَ العموم إذا أضيفت "كُلٌّ" إلى مفردٍ نكرةٍ أو معرفةٍ نَصٌّ في كل واحدٍ؛ لما سبق. وههنا التقدير: كل المذكور لم يكن. وهو مفرد، فلذلك لا يحتمل نفي المجموع فقط، ولو كان موضعه جَمْعٌ مُعَرَّف (١) لاحتمل نفيَ كلِّ واحدٍ ونَفْيَ المجموع، وإن كان الأظهر نَفْيَ كُلِّ واحدٍ، لما سبق. (ونظير ذلك) (٢) مما (٣) يفيد نَفْيَ كل واحدٍ قولُ الشاعر: قد أصْبَحَتْ أمُّ الخيار تَدَّعِي ... عَليَّ ذنبًا كُلُّه لم أصْنعِ (٤) فمدلوله أيضًا نَفْيُ كل واحد، ويُعَبَّر عن هذا بعموم السلب، أي: السلب عام لكل الأفراد، وسببه ما قلناه من أنه حكم

стр. 1583

بالسلب على كل فرد، وهذا فيما إذا تقدمت "كلٌّ" على النفي (١)، وأما إذا تقدم النفي على كل، كقول المتنبي (٢): ما كلُّ ما يتمنى المرء يدركه (٣) وقول الآخر: ما كلُّ رَأي الفتى يدعو إلى الرشد وقولنا: ما جاء كل القوم. وما جاء القوم كلهم. وليس كل بيع حلالًا (٤) - فإنه لا يفيد العموم، وهو (٥) المسمى، بسلب العموم، أي: يفيد سلْب العموم (٦) لا عموم السلب. وذكروا في سببه طرقًا لم

стр. 1584

يرتضها (١) والدي (الشيخ الإمام) (٢)، واختار طريقًا غيرها (قررها في "أحكام كل") (٣) وهى أن قولنا مثلًا: ما كل ما يتمنى المرء يدركه - سالبةٌ مُحَصَّلة (٤)، نقيض الموجَبة المحَصَّلة (٥)، والموجبة المُحَصَّلة تقتضي (العموم، فلا يقتضيه نقيضها (٦). وكذلك قولك: لم يقم كل إنسان - سالبةٌ مُحَصَّلة) (٧)، معناها نقيض لمعنى الموجَبة المُحَصَّلة، وهي قولك: قام كل إنسان. وقولك: قام كل إنسان - معناه: الحكم على كل فرد بالقيام، فيكون المحكوم به في السالبة المحصلة نقيضَ قيامِ كل فرد، ونقيضُ الكلي جزئي (٨)، فيكون مدلوله (٩): سَلْبَ القيام عن بعضهم؛ لأنه النقيض. وهذا بخلاف ما إذا تأخر السلب عن "كلٍّ" كما تقدم من قوله ﷺ : "كل ذلك لم يكن"، وقول الشاعر:

стр. 1585

كله لم أصنع فقد بان الفرق بين سلب العموم، وعموم السلب. واعلم أن النهي والنفي مِنْ وَادٍ واحد، ومقتضى ذلك أن يَطَّرِد حكم النفي في النهي، فإذا قلت: لا تضربْ كلَّ رجل، أو كلَّ الرجال - يكون النهي عن المجموع (١)، لا عن كل واحد. ويتعدى هذا إلى سائر صيغ العموم كقولك: لا تضرب الرجال: إلا أن يكون هناك قرينة تقتضي ثبوتَ النهي لكل فردٍ. والأصوليون قالوا: دلالة العموم كليةٌ، ولذلك يُسْتدل بها في النفي والنهي وما ذكرناه يرد عليهم (٢). قلت: وهذا الذي أوردناه من التفرقة بين تقدم النفي على كلٍّ وتأخره عنها هو الذي ذكره البيانيون (٣)، وارتضاه (الشيخ الإمام) (٤) والدي أيده الله تعالى، وهو وإنْ كان في غاية الظهور إلا أن لقائل أن يقول: ما بَرِحَت العلماء سلفًا وخلفًا تستدل بقوله تعالى: (﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ﴾) (٥) (٦)،

стр. 1586

﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ﴾ (١)، ونظائر ذلك على إثبات الحكم لكل فرد، ولم يقل (٢) أحدٌ إنَّ ذلك نهيٌّ عن المجموع، وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (٣)، والمراد كلُّ واحد. وكذلك قال أصحابنا: لو قال: والله لا وَطِئتُ كل واحدةٍ منكن - يكون مُوليًا مِنْ كلِّ واحدة، ويتعلق بوطء كلِّ واحدةٍ الحِنْثُ، ولزوم الكفارة (٤). وهذا كله يشهد لعدم التفرقة بين تقدم النفي وتأخره. ثم اعلم أن ما قدمناه من أنه إذا تقدم النفي على "كل" لا يدل على الاستغراق - شَرْطُه أن لا ينتقض النفيُ بإلا، فلو انتقض قبل المحمول فالاستغراق باق، كما لو لم (٥) يدخل النفي، قال الله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٦) الآية، فالمراد: (أنَّ كلَّ واحد آتيه عبدًا) (٧)، وإنْ كان النفي متقدمًا، لكن لأجل الاستثناء (٨). وسببه أن النَّفي إنما هو

стр. 1587

للمحمول وتسلطه عليه (١)، وما بعد "إلا" لا تسلط للنفي (٢) عليه، فما بعد "إلا" مثبت (٣). وهو (٤) في الاستثناء المُفَرَّغ (٥) مُسْند إلى ما قبلها (٦)، وهو كل (٧) فرد، كما كان في الجملة قبل دخول النفي والاستثناء (٨) (٩)، فهذا ما أردنا إيراده من الكلام على صيغة كل". (قال الشيخ الإمام) (١٠): ومن لطيف القول فيها أنها (١١) للاستغراق

стр. 1588

سواء أكانت (١) للتأكيد أم لا، والاستغراق لأجزاء ما دخلت عليه إن كان معرفة، ولجزئياته إنْ كان نكرة. فإنك إذا قلت: رأيت زيدًا كلَّه - كانت لاستيعاب أجزائه. وكذلك: أخَذْتُ العشرةَ كلَّها. وقولك: رأيتُ كلَّهم. وكلُّهم قائمٌ. وكلُّ القوم ضاربٌ. ونحوه من سائر صور دخولها على المعرفة من هذا القبيل؛ لأنك لو حَذْفتها لكان الشمول حاصلًا، فكانت لاستغراق تلك الأفراد التي استغرقتها المعرفة، كما هي (٢) لاستغراق أجزاء العشرة وزيد. وإذا قلت: كل رجلٍ قائم. وما أشبهه من دخولها على النكرة - كانت لاستغراق جزئيات تلك الحقيقة (٣)، التي المضاف إليه (٤) واحدٌ منها (٥). قلت: وما ذكرناه من التفرقة بين إضافة "كل" إلى معرفةٍ فتكون لاستغراق أجزاء ما دخلت عليه، وإضافتها إلى نكرة فتكون لجزئياته - هو ما ذكروه، وقرره والدي ﵁ وارتضاه. ولمُعْتَرِضٍ أن يقول: قد قال الله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٦)، والمراد الجزئيات لا الأجزاء (٧). وقال ﷺ : "كل الطلاق واقع

стр. 1589

إلا طلاقَ المعتوه" (١) (٢) الحديث. هذا آخر القول في "كل". وأما جميع فمثل "كل" إذا أُضيفت إلى معرفة، فتكون لإحاطة الأجزاء. ومما يُستفاد في "جميع" أن ابن العارض في كتابه "النكت" قال: "جميع" وإن كانت مثل "كل" في إفادة الاستغراق، إلا أنها تفارقها فيما عدا ذلك، فإن الزَّجَّاج (٣) حكى عن المبرِّد أن (٤) قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ

стр. 1590

الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ﴾ يفيد وقوعَ السجود منهم فقط، وقوله: ﴿أَجْمَعُونَ﴾ (١) يفيد أنهم سجدوا مجتمعين (٢)، ويؤيِّده (٣) أنه جُعل الافتراق في مقابِلِه (٤) في قوله: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ (٥). قلت: والقول بأن لفظ "جميع" يَدُلُّ على اتحاد الزمن (٦) غريبٌ، لم أره في غير هذا الكتاب (٧)، وإنما يُعرف ذلك في لفظ مجموع. وأما الألف واللام والموصولاتُ كلُّها فمثل: "كل"، وكذلك "مَنْ" و"ما" الشرطيتان، والاستفهاميتان مثل (٨) "كل" أيضًا تَعُمُّ كلَّ فرد

стр. 1591

وتحيط به. هذا ما ذَكره والدي في "مَنْ". ولقائل أن يقول: "مَنْ" صالحة للمذكَّر، والمؤنث (١)، والمفرد، والمثنى، والمجموع. هذا حظ النحوي منها، وحَظ الأصولي أنها للعموم، فهل العموم في جميع هذه المراتب، أو في الآحاد؟ ويظهر فائدة هذا إذا قال: مَنْ دخل داري مِنْ هذين فأعطه درهمًا. فإن قلنا بالأول أعطينا كل واحد درهما. (وإنْ قلنا بالثاني أعطنا كل واحد درهما) (٢) بدخوله، ونصف درهمٍ بدخوله مع الآخر. وإنْ دخل ثلاثة فعلى الثاني (٣) نعطيهم ثلاثة بدخول الآحاد كلُّ واحد درهمًا، ودرهمًا بدخول الثلاثة لكل واحد منه الثلث، وثلاثة لأن صيغة (٤) الاثنينية فيهم ثلاثة (٥) فيستحقون بها ثلاثة لكل واحد (٦) درهمًا فمجموع ما يستحقون سبعة (٧)، وعلى هذا القياس. وفيه احتمال آخر وهو أنه (٨) لا

стр. 1592

يُعْطى المجموعُ إلا درهمًا، ومأخذه أن (١) مَنْ لا تدل على الأفراد واحدًا واحدًا وإنما تستغرق ما صلحت له، وهذا البحث سمعته من والدي ولم يذكره في "أحكام كل" ولم أره منقولًا، ولا مَخْلَص عنه فيما يظهر إلا أن يقال إنه (٢) لا عموم لها إلا في مراتب الإفراد، لكن الأسبق إلى الفهم أنها عامة فيما يصلح وهو ما (٣) يصلح للأفراد ولمجموع (٤) الأفراد وإن كانوا لا يتناهون، ولكلٍ مرتبة من مراتب المثنى والمجموع دون النهاية (٥) (٦) فليبحث عن ذلك. وأما "أي" و"متى" و"مهما" و"أين" فمدلولها كلُّ فرد لا (٧) على سبيل الإحاطة، فهي تخالف "كلَّا" في هذا المعنى. والدليل على ذلك أنك تقول: أيُّ الرجال عندك أزيد أم عمرو؟ بأم لا بالواو. وتقول: أكُلُّ الرجال عندك: زيد وعمرو وخالد؟ بالواو لا بأَمْ، فدل على الفرق بين مدلوليهما (٨)، فكلٌّ تفيد شمول الحكم لكل ما دخلت عليه، وأيٌّ لا تقتضيه. ومن هنا جاء التكرار في "كل" و"كلما"، ولم يجئ في

стр. 1593

"أي"، ونحوها، حتى لو قال: "أيَّ وقتٍ دخلتِ الدارَ فأنتِ طالقٌ" فدخلتْ مرة بعد أخرى - لم يتكرر الطلاق. ولو قال: "كلما دخلتِ أو كُلَّ وقتٍ دخلتِ" فدخلتْ مرةً بعد أخرى تكرر الطلاق (١). فإن قلت: فإذا كانت "أيٌّ" لا تدل على التكرار، وإنما تدل على أحد ما دخلت عليه لا بعينه - فهي والمطلق سواء، وكلٌّ منهما عمومُه على البدل، لا على الشمول، والكلام إنما هو في عموم الشمول. قلت: المطلق والنكرة التي لا عموم فيها لا تَعَرُّض لها للأفراد، وإنما يدل المطلق على الماهية. وإنْ دلت النكرة مع ذلك على وَحْدةٍ فلا عموم فيها. فمطلق الوقت لا دلالة له (٢) على فرد ولا أفراد (٣)، و"وقتٌ" المُنَكَّر يَدُلُّ على واحدٍ غير معيَّنٍ ولا عام، فإرادة المُقَيِّد فيهما لا تنافي (٤) اللفظَ بل تزيد عليه (٥). وهذا هو مدلول "إذا" فإنها تدل على مطلق الزمان المستقبل، ولا تنافي الحملَ على الفور؛ ولهذا اختلف الفقهاء: هل تحمل عليه، وهل تنصرف إليه بقرينة العِوَضية (٦)؟

стр. 1594

وأما "متى" و"أيُّ حينٍ" و"أيُّ زمانٍ" فلم يترددوا فيها، بل جعلوها صريحة (١) في جواز التراخي. وسببه ما أشرنا إليه، فإنها دالة على الأفراد، وأنَّ كلَّ واحدٍ من الوقت داخل تحت مدلولها، فإرادة بعضها دون بعض مخالف لمقتضى اللفظ. وأما ثبوت الحكم لأحدها مع ثبوته للآخر فهذا أمر زائد على التعميم اختصت به "كل"، وهذا أمرٌ معقول لا يُنْكَر، وتأمُّل الألفاظ يدل له (٢)، فإنك إذا قلت: أحد الرجلين - احتمل أن تريد واحدًا معيَّنًا. فإذا قلت: إما هذا وإما هذا لم يحتمل ذلك، وكان صريحًا في استوائهما في الحكم، فهذا معنى العموم في أي الرجلين، بخلاف أحد الرجلين لا عموم فيه بل هو مطلق، فإن سميتَ هذا عمومَ بدلٍ لا عموم شمول - فلا حرج عليك، غير أنك لا تسمي حينئذ المطلق عامًا لا عموم بدل ولا عموم شمول. وحاصله أن المعاني ثلاثة: ثبوت الحكم لكل مِنَ الأفراد حالة الجمع وحالة الانفراد. وثبوته له (٣) حالة الانفراد من غير تعرض لحالة الجمع. وثبوته للماهية من غير تعرض للأفراد. فالأول: العام الشمولي المدلول عليه بـ "كل" وما في معناها. والثاني: العام البدلي المدلول عليه بأيٍّ وما في معناها.

стр. 1595

والثالث: المطلق. وقد وضح لك بما تقدم أن ألفاظ العموم أنواع: أحدها: كل الداخلة على نكرة، كقولنا: كل رجل. وهي نص في كل فرد، واقتضاؤها المجموع بطريق اللازم. والثاني: مَنْ والذي يظهر أنها بالعكس تقتضي المجموع أو المسمى وإنما تقتضي الأفراد من باب اللازم، وهذا ينفع في السؤال المتقدم فيها، ويظهر أثر هذا في النفي إذا قلت (١): لا نشتم مَنْ شتمك. فالظاهر أن المراد الحقيقة، ومعناه مخالف لمعنى: لا تشتم كل من شتمك. والثالث: أي، وهي مثل "كل" في إفادة الأفراد لكن تفارقها في اقتضاء كلٍّ الاستغراق الشمولي، وأيٌّ لا تقتضي إلا الاستغراق البدلي. (والله أعلم) (٢). قال: (أو بقرينة في الإثبات: كالجمع المُحَلَّى بالألف واللام، والمضاف، وكذا اسم الجنس، أو النفي كالنكرة في سياقه). هذا هو الضرب الثاني وهو ما يفيد العموم من جهة اللغة، لا من جهة وَضْعه له، بل بواسطة اقتران قرينة (٣). وهو على وجهين:

стр. 1596

أحدهما: أن يكون في الإثبات، وذلك كالجمع المُحَلَّى بالألف واللام من غير عَهْد، مثل: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١). والجمع المضاف، نحو: عبيدي أحرار. وكذا المفرد إذا دخلت عليه الألف واللام أو الإضافة، وهو الذي عبر عنه المصنف باسم الجنس، كقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٢) (٣)، وقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ (٤)، كما سبق. ومما يدل على أن المفرد المضاف يعم ولم نر مَنْ ذكره قولُه تعالى: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (٩) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ (٥)، فإن المرادَ موسى المرسَل إلى فرعون، ومعه هارون، ولوط المرسل إلى المؤتفكات (٦).

стр. 1597

وهنا تنبيهان: أحدهما: أن العموم فيما ذكر مُخْتَلِفٌ، فالداخل على اسم الجنس (١) يعم الأفراد، أعني كلَّ فردٍ فردٍ. والداخل على الجمع (٢) يعم الجموع (٣)؛ لأن الألف واللام والإضافة يعمان أفرادَ ما دخلا عليه، وقد دخلا على جمعٍ فانظر في هذا. وفائدته أنه يتعذر الاستدلال به في النفي والنهي على ثبوت الحكم لفرد؛ لأنه إنما حصل النفي أو النهي عن أفراد الجموع وليس الواحد جمعًا. وهذا معنى قولهم: لا يلزم من النهي عن المجموع النهيُ عن كل فرد، ولا من نفيه نفيُ كلِّ فردٍ. وهذا لا يعارض ما تقدم من أن العموم من باب الكلية، وأنَّ معناه ثبوته لكل فرد سواء أكان (٤) نفيًا أو نهيًا أم لا؛ لأنا في حالة الجمع أثبتناه أيضًا في النفي والنهي لكل فرد مِنْ أفراد ما دخل عليه: وهي الجموع. وينبغي على مساق هذا التقرير أن تختلف الجموع (٥) فتشمل جموعُ القلة: ثلاثة ثلاثة، ولا تشمل

стр. 1598

جموعُ الكثرة إلا (١): أحد عشر أحد عشر (٢). الثاني: علمت اختيار المصنف أن المفرد المُعَرَّف بـ "أل" يعم، وهو قول أبي إسحاق الشيرازي (٣)، وابن بَرْهان (٤)، والجبائي (٥)، والمبرِّد (٦)، وصَحَّحه ابن الحاجب (٧)، وهو المنقول عن الشافعي (٨) ﵁. وأما الإمام

стр. 1599

وأكثر أتباعه فقالوا: لا يفيد العموم (١). والمختار الأول. فإن قلت: لِمَ لا قال الشافعي ﵁ بوقوع الثلاث على مَنْ حلف بالطلاق المُعَرَّف وحنِث. قلت: هذا سؤال سأله القرافي للشيخ (٢) عز الدين بن عبد السلام وأجابه كما ذكر في "شرح المحصول": بأن هذه (٣) يمين فيراعى فيها العُرْف دون الأوضاع اللغوية (٤). قال والدي أيده الله (٥) (في الأجوبة عن الأسئلة التي سألته عنها) (٦): وقد يقال في الجواب: إن الطلاقَ حقيقةٌ واحدةٌ: وهي قطع عصمة النكاح، وليس له أفراد حتى يقال إنها تندرج في العموم، ولكن مراتبه مختلفة: منها: ما يحصل به تشعيث النكاح (٧) وهو الرجعي، وجَوَّز الشارع فيه أن يكون مرة بعد أخرى، والتشعيث الحاصل من الثانية أكثر من الحاصل بالأولى وإن اشتركا في جواز الرجعة.

стр. 1600

ومنها: ما يحصل به البينونة مع إمكان الرد بغير محلِّل، وهو إذا كان بعوض (١). ومنها: ما يحصل به البينونة الكبرى، وهو الثلاث. فهذه مراتب وليس أفرادًا. ولكن إذا قال: أنت طالقٌ ثلاثًا - فقد استوعب جملة الطلاق. فإذا لم يذكر الثلاث، ولا نواها - لم يُحمل إلا على أقل المراتب؛ لأن الألف واللام لا دلالة لها على قوة مرتبةٍ أو ضعفها، فلا تُحْمَل (٢) إلا على الماهية، وليست آحاد المراتب بمنزلة آحاد العموم، حتى نقول بالاستغراق (٣). وأيضًا فلو قال القائل: العتق يلزمني، أو المشي إلى مكة. ونحو ذلك، وقلنا: يجب عليه الوفاء - لم يلزمه إلا المسمى (٤). فكذلك هذا (٥). قال:

стр. 1601

وهذا شيء يمكن أن يقال، والأدب مع الشيخ عز الدين الاقتصار على جوابه. والثاني: مما يدل بواسطة اقتران قرينة: أن يكون في النفي، وذلك كالنكرة في سياقه، إما بما، أو بلن (١)، أو ليس، أو لم - فإنها تعم سواء باشرها النفيُ، نحو: ما أحدٌ قائم. أم باشر عاملَها (٢)، نحو: ما قام أحد. ومما استدل به الإمام على أن النكرة في سياق النفي تعم: أنه لو لم تكن للنفي (٣) - لما كان قولُنا: "لا إله إلا الله" نفيًا لدعوى من ادعى إلهًا سوى الله تعالى (٤). واعلم أن النكرة إنْ كانت صادقةً على القليل والكثير كشيء (٥)، أو واقعةً بعد "لا" العاملة عمل إنَّ، أعني "لا" التي لنفي الجنس، مثل: لا رجلَ في الدار. ببناء "رجل" على الفتح. أو داخلًا عليها "مِنْ" (٦)، مِثْل:

стр. 1602

ما جاءني مِنْ رجل - فإن كونها (١) للعموم من الواضحات، لكن هل استفيد العموم في قولك: "ما جاءني مِنْ رجل" من لفظة مِنْ (٢)، أو كان مستفادًا من النفي قبل دخولها، ودخلت هي لتأكيده؟ . الحق الثاني، وهو ما قرره والدي أيده الله غير مرة، ولهذا قال الشيخ جمال الدين بن مالك: "وتُزاد لتنصيص العموم بعد نفي أو شبْهه" (٣). وأراد بتنصيص العموم تقويته، كما ذكرناه، وإنْ كان هو حاصلًا قبلها. وقد اعترض عليه شيخنا أبو حيان فقال: "تقسيمُ المصنفِ وغيرِه "مِنْ" هذه الزائدة إلى أنها تكون لاستغراق الجنس، (ولتأكيد استغراق الجنس (٤)) (٥) - ليس هو (٦) مذهب سيبويه ﵀، بل قولك: ما جاءني مِنْ أحد، وما جاءني مِنْ رجل. "مِنْ" في الموضعين لتأكيد استغراق الجنس (٧)، وهذا هو الصحيح". انتهى.

стр. 1603

وتنصيص العموم (١)، فَفَهِم كلامَ ابنِ مالكٍ على خلاف ما أراد، ثم اعترض عليه، والحق ما ذكرناه، وأن العموم قبل دخول "مِنْ" ظاهرٌ لا نَصٌّ واحتمالُه للخصوص احتمالٌ كبير وإنْ كان مرجوحًا، وبعد دخول "مِنْ" العمومُ نصٌّ، واحتمال الخصوص ضعيفٌ جدًا، بحيث لا يكاد يوجد في كلام العرب، ولا ينبغي أن يكون في ذلك خلاف، بل يُنَزَّل اختلاف كلام العلماء على هذا التنزيل الذي ذكرناه، وأنه متى قلتَ: ما جاءني رجلٌ - أفاد الاستغراق مع جواز إرادة الوَحْدة جوازًا غير مُنكر (٢). وإذا قلتَ: ما جاءني مِنْ رجل - كان الاستغراق نصًّا، وإرادةُ الخصوصِ مستنكرةً. وإذا قلت: ما جاءني أحد - كان نصًا أيضًا (٣) في العموم؛ لأن "أحدًا" لا تدخل (إلا في النفي) (٤) إلا إذ كانت همزتها مبدلة مِنْ واو، فإنها تدخل في الإثبات، فلذلك تحتمل الخصوص أيضًا (٥)، فإذا دخلت

стр. 1604

عليه (١) "مِنْ" كقوله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ (٢) - لم يبق لاحتمال الخصوص وجه (٣). وقد تمسك القرافي في أنَّ: "ما جاءني رجل" لا يفيد العموم - بقول

стр. 1605

الزمخشري في قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (١): إنما استفيد العموم من لفظة (٢) "مِنْ"، ولو قال: ما لكم إلهٌ غيره - لم يعم، مع أن لفظة "إله" نكرة، وقد حَكَم بأنه لا يعم. وكذلك قوله: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ (٣) قال: إنما استفيد العموم مِنْ لفظة (٤) "مِنْ". وقال: إن لفظة (٥) "مِنْ" تارة (٦) تكون لإرادة العموم نحو ما تقدم وتارة تؤكد العموم كقولك: ما جاءني من أحد (٧). وهذا الذي قاله الزمخشري يمكن تأويله على أنها أربع مراتب، كما أشرنا إليه: أدناها في إفادة العموم: ما جاءني رجل؛ لعدم دخول "مِنْ"؛ ولعدم اختصاص رجل بالنفي. وأعلاها: ما جاءني مِنْ دَيَّار؛ لانتفاء الأمرين (٨). والمرتبة المتوسطة: ما جاءني مِنْ رجل. وما جاءني أحد. كما أشرنا إليه من قبل. فإن أراد الزمخشري ذلك (٩) صَحَّ كلامه، وإلا فهو ممنوع؛ لأن مِثْلَ قوله تعالى: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ (١٠)، وقوله:

стр. 1606

﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ (١)، ونظائرهما - مما لا شك في إفادته العموم، وليس فيه "مِنْ" ولا لفظ مختصٌّ بالنفي. وأيضًا فإن النكرة تدل على الماهية، ولا دلالة لها على قيد الوحدة (٢) وإنْ كانت محتمِلةً له، والأصل عدمه، فدخول النفي عليها ينفي معناها بطريق الأصالة وهو مطلق الماهية (٣)، ويلزم منه العموم. وأما احتمال قيد الوحدة فهو سائغ (٤) ولكنه خلاف الأصل والظاهر، فلا يُجْعَل هو الأصل في الدلالة ولا مساويًا لما هو الأصل. وإذا تُؤمِّل كلامُ العرب حصل القطع بذلك، ولم يثبت في هذه المسألة خلافٌ. ومَنِ ادعى فيها خلافًا يحتاج إلى بيانٍ وَرَدٍّ؛ لما قلناه. ومع كون "مِنْ" هذه تفيد نصيةَ العموم، أو تأكيدَه، هي محتملة لأَنْ تكون للتبعيض، أو لابتداء الغاية. وقال ابن مالك: إن في كلام سيبويه إشارةً إلى أنها للتبعيض. وهو كما قال؛ لأن سيبويه قال بعد تمثيله بـ "ما أتاني من رجل": أُدخلت "مِنْ" لأن هذا موضعَ تبعيضٍ، فأراد أنه لم يأت بعض الرجال (٥). وقال شيخنا أبو حيان: إن هذا غير مرضي من ابن مالك؛ لأنه يلزم منه أن تكون ألفاظ العموم للتبعيض، وإنما المقصودُ بزيادة "مِنْ" في (٦)

стр. 1607

نحو: ما أتاني من رجل - جَعْلُ المجرور بها نصًا في (١) العموم. وإنما تكون للتبعيض فيما إذا لم يُقْصَد عمومٌ، وحَسُن في موضعها بعض، نحو: مِنَ الناسِ (٢) مَنْ يقول. وهذا الذي قاله شيخنا (غير مَرْضي، والحق ما قاله ابن مالك، وقد وافق شيخنا) (٣) في آخر كلامه على جواز إرادة ذلك، وعَجَبٌ قوله: إنه يلزم أن تكون ألفاظ العموم للتبعيض، وإنما حمله على ذلك توهمه أن أصل العموم مستفاد من لفظة (٤) "مِنْ"، وقد بيّنّا خلافه فيما تقدم (٥). والله أعلم. فائدتان: الأولى: صَرَّح إمام الحرمين بأن النكرة في سياق الشرط تعم في قول القائل: مَنْ يأتني بمال أُجَازِه. فلا يختص هذا بمال (٦). هذا كلامه، ومراده العمومُ البدلي لا الشمولي، وهو صحيح. الثانية: اختلف (٧) في أن النكرة في سياق النفي هل عمت لذاتها (٨)،

стр. 1608

أو لنفي المشترك منها (١)؟ والثاني هو قول الحنفية (٢)، واختاره والدي أيَّده الله، فلم يحصل العمومُ عندهم إلا لأن حرف النفي اقتضى نَفْيَ الماهية الكلية، ونفي الأعم يلزم منه نفي الأخص (٣)، فحصلت السالبة الكلية (٤) بطريق اللزوم، لا لأن اللفظ موضوع في اللغة للسالبة الكلية. (وظاهر) (٥)، كلام غيرهم من الشافعية الأول: وهو أن اللفظ وُضِع لسلب كلِ فردٍ من أفراد الكلية، وأن سلب الكلي (٦) حصل بطريق اللزوم؛ لنفي الكلية، عكس تلك المقالة، فإنه يلزم مِنْ نفي كلِ فرد نفيُ الكلي، ومِنْ نفيِ الكلي نفيُ كل فرد، فهما متلازمان. وهذا المذهب هو الظاهر عند القرافي (٧).

стр. 1609

وينبني (١) على الخلاف التخصيصُ بالنية. فإن قلنا بقول الحنفية مِنْ أنه نفي للكلي - فلا يؤثر (٢)، حتى لو قال: لا أكلتُ. ونَوَى مُعَيَّنًا لا يُسمع (٣). وإنْ قلنا بالقول الآخر مِنْ أنه نفي للكلية - فيؤثر تخصيصُ بعضِ الأفراد بالنية. قال: (أو عرفًا، مثل: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (٤) فإنه يوجب حرمة جميع الاستمتاعات). هذا هو القسم الثاني: وهو ما يفيد العموم من جهة العرف ، مثل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ فإن أهل العرف نقلوا تحريم العين (٥) إلى تحريم جميع الاستمتاعات المقصودة من النساء، فتفيد حرمة جميع الاستمتاعات من الوطء ومقدماته. ومنهم من يقول: المقصود في هذه الآية تحريم الوطء خاصة. ومنهم من يدعي إجمالها كما ستعرفه في باب المجمل والمبين؛ لأن المصنف ذكر هناك قوله تعالى:

стр. 1610

﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ فإنا حملناه على الأكل للعرف، والخلاف في هذه الآية هو الذي في تلك. قال: "أو عقلًا كترتيب الحكم على الوصف" هذا هو القسم الثالث وهو ما يدل عليه بالعقل وهو ثلاثة: أولها: وعليه اقتصر في الكتاب ترتيب الحكم على الوصف، فإن ترتيبه يشعر بكونه علة له، وذلك يفيد العموم بالعقل، على معنى أنه كلما وجدت العلة وجد المعلول، وكلما انتفت انتفى. فهذا القسم إنما دل بالعقل ولم يدل باللغة ولا بالعرف، أما العرف فواضح، وأما اللغة فلأنه لو دلَّ بها لكان إما بالمنطوق أو المفهوم، وانتفاء المفهوم ظاهر، ولا يدل بالمنطوق؛ لأن تعليق الشيء بالوصف لا يدل على التكرار لفظًا. والثاني: ما يُذْكر جوابًا عن سؤالِ سائلٍ، كما إذا سُئل النبي ﷺ عمن أفطر؟ فقال: "عليه الكفارة" فيعلم أنه يعم كلَّ مفطر. والثالث: مفهوم المخالفة عند القائلين به (١)، كقوله ﷺ : "مَطْلُ الغني ظلمٌ"، فإنه بمفهومه (٢) يدل على أن مَطْلَ غير الغني لا يكون ظلمًا (٣). وأما مفهوم الموافقة فداخلٌ في القسم الأول (٤)؛ إذ الحكم إنما ثبت فيه بطريق الأَوْلى؛ لأجل أن العلة فيه أولى. أو لكونه (٥) مساويًا؛ لأجل أن

стр. 1611

العلة اقتضت ذلك، فكان من جملة أصناف القسم الأول. قال: (ومعيار العموم جواز الاستثناء، (فإنه يُخْرِج ما يجب اندراجه لولاه، وإلا لجاز من الجمع المنكَّر. قيل: لو تناوله لامتنع الاستثناء) لكونه نقضًا. قلنا: (١) منقوض بالاستثناء (٢) من العدد). ذهب قومٌ - وهم الملقَّبون بأرباب الخصوص - إلى أنه ليس للعموم صيغةٌ تخصه، وأنَّ ما سبق ذِكْره من الصيغ موضوع في الخصوص، وهو أقل الجمع إما اثنان أو ثلاثة على الخلاف فيه (٣)، واستعمل في العموم مجازًا (٤). وذهب الشافعي وسائر المحققين إلى أنَّ له صيغًا مخصوصة به بالوضع، ويستعمل مجازًا في الخصوص (٥). وذهب آخرون إلى الوقف. ونقله القاضي في "مختصر التقريب" عن

стр. 1612

الشيخ، ومعظم المحققين (١)، وذهب إليه. قال: "وحقيقة ذلك أنهم قالوا: سبرنا اللغة ووَضْعها فلم نجد في وَضْع اللغة صيغةً دالة على العموم، سواء أوردت (٢) مطلقة أو مقيدة بضروبٍ من التأكيد" (٣). وللواقفية مذهب آخر وهو دعوى الاشتراك، ونُقِل عن الشيخ أيضًا، وعليه الأكثرون من الواقفية. ومنهم مَنْ فَصَّل بين الأخبار، والوعد والوعيد، والأمر والنهي، فقال: بالوقف في الأخبار، والوعد والوعيد، دون الأمر والنهي. هذه مذاهب خمسة. وحكى القاضي في "مختصر التقريب" سادسًا: وهو تسليم العموم حالة التقييد بضروب من التأكيد (٤)، فلفظ "الناس" مثلًا إذا قلنا: إنه لا يعم حالةَ الإطلاق - فنسلم (٥) أنه عام في مثل قول القائل: الناس أجمعون، عن آخرهم، صغيرهم وكبيرهم، لا يشذ منهم أحد (٦)، إلى غير ذلك. قال القاضي: والمحققون من الواقفية يقولون: وإنْ قُيِّدت بهذه القيود فليست موضوعةً للاستغراق في اللغة، ولكن قد يُعرف

стр. 1613

عمومها بقرائن الأحوال المقترنة بالمقال، وهي مما لا (١) تنحصر (٢) بالعبارة، كما يُعْرف بالقرائن وَجَلُ الوَجِل، وإنْ كانت القرائن لا توجب معرفتها، ولكن أجرى الله العادة بخلق العلم الضروري عندها (٣) (٤). وسابعًا عن بعض الواقفية: أن الخبرَ إذا انطوى على وعيد العصاة من أهل الملة لزم التوقف فيه، ولا يتوقف في غيره (٥). وثامنًا: وهو التوقف في الوعيد دون الوعد. قال: وفُرِّق بينهما بما يليق بالشطح والترهات دون الحقائق (٦). وتاسعًا عن بعض المنتمين إلى الواقفية: وهو أن الأخبار إذا وردت ومَخْرَجُها مخرج العموم عند القائلين به، وَسَمِعها السامع وكانت وعدًا أو وعيدًا، ولم يَسْمع مِنْ آي الكتاب وسنن الرسول ﷺ ومواقع أدلة السمع شيئًا - فَيَعْلم أن المراد بها العموم. وإن كان قد سمع قبل اتصالها به أدلةَ الشرع، وعلم انقسامها للخصوص والعموم - فلا يَعْلم حينئذٍ العمومَ في الأخبار الذي (٧) اتصلت

стр. 1614

به. قال (١): وأعلم أنَّ هذه الفئة بالنسبة إلى القائلين بالعموم أولى منهم بالنسبة إلى الواقفية (٢) (٣). هذا ما حكاه القاضي في هذا الكتاب، ثم أطنب في الاستدلال على مذهبه، والردِّ على خصومه (٤). وهذه المذاهب التي حكاها ذكرها (٥) غيرُه، وإنما أردت سَرْدَها من كلام القاضي. واعلم أن هذا الكتاب قد أكثرنا النقل عنه (٦) في هذا الشرح، وهو كتاب "التلخيص" لإمام الحرمين (اختصره من كتاب "التقريب والإرشاد" للقاضي، فلذلك أعزو (٧) النقلَ تارة إلى "التلخيص" لإمام الحرمين) (٨)، وذلك حيث يظهر لي أن الكلام من إمام الحرمين، فإنه زاد مِنْ قِبَلِ نفسه أشياءَ على طريقة المتقدمين في الاختصار وتارة أعزوه (٩) إلى "مختصر التقريب" وهو حيث لا يظهر لي

стр. 1615

ذلك (١). والذي أقوله ليستفاد: إني على كثرة مطالعتي في الكتب الأصولية للمتقدمين والمتأخرين، وتنقيبي عنها، على ثقةٍ بأني لم أرَ كتابًا أجلَّ من هذا "التلخيص" لا لمتقدم ولا لمتأخر، ومَنْ طالعه مع نظره إلى ما عداه من المصنفات عَلِم قَدْرَ هذا الكتاب (٢). وفي المسألة قول عاشر: حكاه المازري في، "شرح البرهان" فقال: أشار بعض المتأخرين في بعض ألفاظه إلى طريقة مُسْتَغْرَبة لا يكاد يُصغي إليها أحد من أهل هذه الصناعة، فقال: إن لفظة "المؤمنين" و"الكافرين" حيث ما وقعت في الشرع أفادت العموم، ويمكن أن يكون هذا مِن احتكام (٣) الشرع (في بعض الألفاظ اللغوية) (٤)، كاحتكامه في لفظة: الصلاة، والحج، والصوم. وهنا تنبيهان: أحدهما: انَّ الواقفية وإنْ قالت: لم يوضع اللفظ لخصوصٍ ولا عموم، قالت: بأنا نعلم أن أقل الجمع لا بد منه ليجوز إطلاقه. قال إمام الحرمين: ومما زلَّ الناقلون فيه أنهم نقلوا عن أبي الحسن ومتبعيه: أن الصيغة وإنْ
следующие страницы →