← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

قوله: "والفرق" التخصيص شديد الشَّبَه بالنسخ، وقد فَرَّق بينهما المصنفُ: بأن التخصيص دائمًا لبعض الأفراد، والنسخ قد يكون لكل الأفراد. وقضية هذه التفرقة أن يكون النسخ أعم من التخصيص. وفي بعض نسخ الكتاب: "والنسخ عن الكل" بحذفِ: "قَدْ يكون"، ويَرِد على هذه النسخة: أن إخراج البعض بعد العمل نسخ (١). وأما جَعْلُ النسخِ أعمَّ فهو مغايرٌ لما اختاره الإمام، فإنه قال: "النسخ لا معنى له إلا تخصيصُ الحكم بِزمانٍ مُعَيَّنٍ بطريقٍ خاص، فيكون الفرقُ بين التخصيص والنسخ فرقَ ما بين العام والخاص (٢) " (٣). وما ذكره الإمام في النسخ قد ساعده عليه الأستاذ، فإن إمام الحرمين قال في كتاب النسخ: "صَرَّح الأستاذ بأن النسخ تخصيصٌ في الزمان" (٤).

стр. 1647

واعْتُرِض على هذا: بأن مِنْ صور النسخ عندنا: النسخَ قبل التمكن، وقبل إتيان زمان الفعل، وحينئذ يكون النسخ إبطالًا للحكم بالكلية، فلا يقال: إنَّ ذبح الذبيح اختص ببعض الأزمنة، بل ما وقع، (ولا يقع) (١). واعْتُرِض على قوله: "التخصيص أعم": بأن التخصيص أيضًا قد يقع في الأزمنة (٢)، كما في قول القائل: والله لا أكلمه الأيام. وأراد أيامًا معدودة (٣). والنسخ قد يقع في غير الأزمنة، كما في النسخ قبل العمل، ويتطرق إلى كل الأحكام بأي طريق ثبتت (٤)، والتخصيص لا يتطرق إلا إلى ما ثبت بالألفاظ (٥). والأصوليون ذكروا الفرق بينهما من وجوه: أحدها: أن التخصيص مخصوص بالأعيان، والنسخ مخصوص

стр. 1648

بالأزمان، بدليل أنهما المتبادِران إلى الأفهام عند إطلاقهما. والثاني (١): أن التخصيص لا يكون إلا فيما تناوله اللفظ، والنسخ أعم من ذلك كما عَرَفت. والثالث (٢): أن النسخ يتطرق إلى كل حكم، سواء كان ثابتًا في حق شخص واحدٍ، أم أشخاصٍ كثيرة. والتخصيص (لا يتطرق إلى النوع الأول) (٣). والرابع (٤): أنهم يعدون النسخ إبْطالًا؛ ولذلك يشترطون فيه ما لا يشترطون في التخصيص، بخلاف التخصيص فإنهم يعدونه بيانًا. الخامس: أنه يجوز تأخير النسخ عن وقت العمل بالمنسوخ، وأما التخصيص فلا يجوز تأخيره عن وقت العمل بالمخصَّص (٥) وفاقًا (٦).

стр. 1649

السادس: أنه يجوز نسخ شريعة بشريعةٍ أخرى، ولا يجوز التخصيص (١). قال القرافي: وهذا الإطلاق وقع في كتب العلماء كثيرًا، والمراد أن الشريعة المتأخرة قد تنسخ بعض أحكام الشريعة المتقدمة، أما كلها فلا؛ لأن قواعد العقائد لم تُنسخ، وكذلك حِفْظُ الكليات الخمسة (٢)؛ فحينئذ النسخ إنما يقع في بعض الأحكام الفروعية (٣)، وإنْ جاز نسخ شريعة بشريعة عقلًا (٤). السابع: أن النسخ رفْعُ الحكم بعد ثبوته، والتخصيص ليس كذلك، وهذا (٥) على رأي القاضي. وأما غيره فينبغي أن يقول: هو (٦) انتهاء حكمٍ

стр. 1650

كان ثابتًا، والتخصيص ليس كذلك (١). الثامن: أن الناسخ يجب أن يكون متراخيًا، والمخصِّص لا يجب فيه ذلك، بل يجوز كونه مقارنًا ومتقدمًا. التاسع: أن التخصيص يقع بالإجماع والنسخ لا يقع به. العاشر: أن تخصيص المقطوع بالمظنون واقع، و (٢) نسخه لا يقع به.

стр. 1651

الحادي عشر: أنه يجوز تخصيص الخبر، والخلاف فيه ضعيف، ولا يجوز نسخه، وهذا على رأي طائفة. وهذه الفروق يحتمل أكثرها المناقشة، والتطويل في ذلك مما لا يتعلق به كبيرُ غرضٍ (١). قوله: "والمخصِّص" هو بكسر الصاد، و"المخرِج" بعده بكسر الراء. قوله: "وهو إرادة اللافظ" أي: إنه حقيقةً إرادةُ المتكلم؛ لأنه لما جاز أن يرد الخطاب خاصًا وعامًا لم يترجح أحدهما على الآخر إلا بالإرادة. ويطلق المُخَصِّص أيضًا على الدال على الإرادة مجازًا، والدّال (٢) على الإرادة يحتمل أن يكون: من صفات المتكلم وهو المريد نَفْسُه (٣)، تسمية للمحل باسم الحال (٤) أو المجتهد؛ لأنه يدل على الإرادة (٥). أو دليل (٦) التخصيص

стр. 1652

لفظيًا كان، أو عقليًا، أو حسيًا. كل ذلك يحتمل أن يكون هو المراد بقوله: "ويقال للدال عليها مجازًا (١) " (٢). قال: (الثانية: القابل للتخصيص: حكمٌ ثَبَت لمتعددٍ لفظًا ، مثل: ﴿فَاقْتُلُوا (٣) الْمُشْرِكِينَ﴾ (٤)، أو معنى وهو ثلاثة: الأول العلة وجُوِّز تخصيصُها كما في العرايا. الثاني: مفهوم الموافقة فَيُخَصَّص (٥) بشرط بقاء الملفوظ، مثل: جواز حبس الوالد بحق الولد. الثالث: مفهوم المخالفة فَيُخَصَّص بدليل راجح، كتخصيص مفهوم: "إذا بلغ الماء" بالراكد). هذه المسألة فيما يجوز تخصيصه، فالقابل للتخصيص: حُكْمٌ ثَبَت لمُتعدِّد. فالواحد لا يجوز تخصيصه؛ لأن التخصيص إخراج بعضٍ مِنْ كل،

стр. 1653

ولا يُعقل ذلك في الواحد. واعترض القرافي: بأن الواحد يندرج فيه الواحد بالشخص، وهو يصح إخراجُ بعض أجزائه؛ لصحة قولك: رأيت زيدًا. وتريد بعضه (١)، وإنْ تَعَذَّر إخراج بعض الجزئيات فينبغي التفصيل (٢) (٣). والذي يقبل التخصيص إما أن يكون عمومه من جهة اللفظ، أو من جهة المعنى، أي: الاستنباط. فالأول: مثل: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٤) (٥) فإن الحكم يشمل كلَّ مشرك، وخُصَّ عنه الذمي، والمستأمَن، والمعاهَد، والمهادَن. والثاني: ثلاثة أشياء: الأول: العلة، واختلف في تخصيصها، كما سيأتي بيانه إن شاء الله

стр. 1654

تعالى في كتاب القياس، فإن هذه هي (١) المسألةَ المسماةُ هناك بالنقض، مثل: نَهْيُ الشارع عن بيع الرطب بالتمر، وتعليله إياه بالنقصان عند الجفاف، ووجدنا هذه العلة في العرايا، أعني: بيع الرطب على رؤوس النخل بالتمر على وجه الأرض (٢)، مع أن الشارع جَوَّزه فيها. الثاني: مفهوم الموافقة، كدلالة حرمة التأفيف على حرمة الضربِ وغيرِه من أنواع الأذى، فالتخصيص فيه جائز بشرط بقاء الملفوظ وهو التأفيف في مثالنا هذا (٣)، ومنع الشيخ أبو إسحاق الشيرازي من جواز تخصيص مفهوم الموافقة، محتجًا: بأن التخصيص مِنْ عوارض الألفاظ (٤). وعلى الأول يجوز تخصيص حَبْس الوالد في دين الولد فإنه مُبْقٍ للملفوظ (٥). وقد صحح الغزالي جواز (٦) حَبْسِ الوالد في دين الولد، سواء

стр. 1655

أكان (١) دينَ نفقةٍ أو غيرها، صغيرًا كان أو (٢) كبيرًا (٣)، وتبعه عليه المصنف في "الغاية القصوى" (٤). وصحح صاحب "التهذيب" وغيرُه خلافَه. الثالث: مفهوم المخالفة، وقد قال الشيخ أبو إسحاق: يحتمل أن يجوز تخصيصه وأن لا يجوز (٥). وجزم المتأخرون منهم المصنف بجوازه، فيجوز أن تقوم الدلالة على ثبوت مثل حكم المذكور لبعض المسكوت عنه، الذي ثبت فيه بالمفهوم خلاف ما ثبت للمنطوق، ويُعْمل بذلك جمعًا بين الدليلين (٦). وقد شرَطَ المصنف تبعًا لصاحب "الحاصل" في هذا القسم أن يكون المخصِّص راجحًا، وهو شَرْطٌ لم يذكره الإمام (٧)، والظاهر عدمُ اشتراطه؛ إذْ لا يشترط في المُخَصِّص الرجحان.

стр. 1656

مثاله: روى الشافعي وأحمد، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، والحاكم (١) في "المستدرك" وقال على شرط الشيخين - من حديث ابن عمر: أنه ﷺ قال: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث" (٢). ومفهوم هذا قاضٍ: بأنه إذا لم يبلغهما يحمل الخبث. وروى الدارقطني: أنه ﷺ قال: "إنَّ الماء لا يُنَجِّسه شيء (٣) إلا ما غَيَّر ريحَه أو طعمه" (٤)، فيجمع بينهما، ويُقْصَر مفهوم: "إذا بلغ الماء" على الراكد، وهذا على الجاري، فنقول: إذا لم (٥) يبلغ الماءُ قلتين وكان جاريًا- لم ينجس إلا بالتغير. وهذا هو القول القديم، قال الرافعي: و (٦) اختاره طائفة من

стр. 1657

الأصحاب (١) (٢). قال: (قيل: يُوهم البداء أو الكذب (٣). قلنا: يندفع بالمخصِّص). ذهبت (٤) شرذمة قليلون إلى امتناع التخصيص مُعْتَلِّين: بأنه إنْ كان في الأمر أوهم البَداء، أي: ظهور المصلحة بعد خفائها، وهو بالدال المهملة والمد (٥). وإن كان في الأخبار أوهم الكذب، وهما ممتنعان على الله . أجاب: بأنه يندفع بالمخصِّص، أي: بالإرادة، أو بالدليل الدال عليها؛ لأنا إذا علمنا أن الكلام في الأصل محتمل للتخصيص، فقيام الدلالة على وقوعه لا يوجب الكذب ولا البداء، إنما يوجبهما أن لو كان المُخْرَج مُرَادًا.

стр. 1658

تنبيه: كلام الإمام وأتباعه كالمصنف وغيره (١) يقتضي أن الخلاف في الأمر والخبر. ومُقْتَضى إيراد الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وأبي نصر بن الصباغ، وأبي الحسين البصري في "المعتمد"، والآمدي: أن الخلاف إنما هو في تخصيص الخبر، وأنه لا خلاف (في جواز) (٢) تخصيص الأمر (٣). قال: (الثالثة: يجوز التخصيص ما بقي غيرَ محصورٍ؛ لسماجة: أكلتُ كلَّ رمان. ولم يأكل غير واحدة. وجَوَّز القفال إلى أقل المراتب، فيجوز في الجمع ما بقي ثلاثة، فإنه الأقل عند الشافعي وأبي حنيفة، بدليل تفاوت الضمائر، وتفصيل أهل اللغة. واثنان عند القاضي والأستاذ، بدليل قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ (٤)، فقيل: أضاف إلى المعمولين. وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (٥)، فقيل: المراد به الميول. وقوله ﵇: "الاثنان فما فوقهما جماعة"، فقيل: أراد به (٦) جواز السفر وفي غيره إلى الواحد. وقَوْمٌ إلى الواحد

стр. 1659

مطلقًا). هذه المسألة في الغاية التي يجوز أن ينتهي إليها التخصيص ، وقد اشتملت على مسألة أخرى وهي الكلام في أقل الجمع. المسألة الأولى: في ضابط المقدار الذي لا بد من بقائه بعد التخصيص، وفيها مذاهب: الأول: وهو ما ذهب إليه أبو الحسين، وصححه الإمام (١)، وقال به أكثر أصحابنا: أنه لا بد من بقاء جمعٍ كثير (٢) (٣).

стр. 1660

واختلف في تفسير هذا الكثير: فقيل: لا بد أن يقرب من مدلوله قبل التخصيص (١). وقال المصنف: لا بد أن يكون غير محصور (٢). وإليه أشار بقوله: "ما بقي غير محصور"، أي: ما بقي المُخْرَجُ عنه غيرَ محصور.

стр. 1661

و"ما" هنا مصدرية (١)، و (٢) التقدير: مدة بقاء عددٍ غير محصور، والدليل عليه: أنه لو قال: "أكلت كلَّ رمانٍ موجود" ولم يأكل غير واحدة - لكان ذلك سمجًا، أي: رديئًا من الكلام قبيحًا. ولك أن تقول: هذا الدليل إنما ينفي الواحد فقط (٣)، فلا يحصل به المدعى (٤). والثاني: أنه إن كان بلفظِ "مَنْ" جَاز التخصيص إلى أقل المراتب وهو الواحد، وفي (٥) غيرها مِنْ ألفاظ الجموع كالمسلمين - فيجوز (٦) إلى أقل الجمع، وذلك إما ثلاثة أو أقل على ما سيأتي بيانه (٧) إن شاء الله تعالى. وهذا هو السبب الذي دَعَى المصنِّف إلى ذكر مسألة أقل الجمع في هذه المسألة. وإلى هذا القول ذهب القفال الشاشي ﵁ (٨)، وما أظن القائل

стр. 1662

بهذا الرأي يقول به في كل تخصيص، ولا يخالف في صحة استثناء الأكثر إلى الواحد، بل الظاهر أنَّ قولَه مقصورٌ على ما عدا الاستثناء من المخصِّصات، بدليل احتجاج بعض أصحابنا عليه بقول القائل: عليَّ عشرة إلا تسعة (١). ويحتمل أن يعم (٢) الخلاف (٣)، إلا أن الظاهر خلافُه؛ لأن المنقول عنه المخالفة هنا لم يُنقل عنه ثَمَّ (٤). الثالث: أنه يجوز في جميع ألفاظ العموم إلى الواحد. وإليه أشار بقوله في ذيل المسألة: "وقومٌ إلى الواحد مطلقًا"، وهو رأي (٥) الشيخ أبي إسحاق الشيرازي (٦).

стр. 1663

واسْتُدِل عليه بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ (١)، قال بعض المفسرين، وكثير من الأصوليين: المراد نُعَيْم بن مسعود الأشجعي (٢) (٣). وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ (٤)، قيل في التفسير: المراد يحسدون نِعَم رسول الله ﷺ (٥). والرابع: شيء اختاره ابن الحاجب ولا نعرفه لغيره: وهو أن التخصيص إن كان بمتصل: فإن كان بالاستثناء أو بالبدل جاز إلى الواحد، نحو: أكرم الناس إلا الزنادقة. (وأكرم الناس تميمًا) (٦) (٧).

стр. 1664

وإن كان (١) بالصفة أو الشرط فيجوز إلى اثنين، نحو: أكرم القوم الفضلاء. أو: إذا كانوا فضلاء. وإن كان التخصيص. بمنفصل: وكان في العام (٢) المحصور القليل، كقولك: قتلتُ كلَّ زنديق. وكانوا ثلاثة، ولم تقتل سوى اثنين - جاز إلى اثنين (٣). وإنْ كان غير محصور، أو محصورًا كثيرًا (٤) - جاز بشرط كون الباقي قريبًا من مدلول العام (٥) (٦).

стр. 1665

المسألة الثانية: اختلفوا في أقل الجمع على مذاهب، وليس محل الخلاف فيما هو المفهوم من لفظ "الجمع" لغةً (١): وهو ضم شيء إلى شيء؛ فإن ذلك في الاثنين والثلاثة وما زاد بلا خلاف (٢). وقد أفهم كلامُ ابنِ بَرْهان في "الوجيز" خلافَ ذلك، وليس كما أَفْهَمَ، وإنما محل الخلاف في "اللفظ" المسمى بـ "الجمع" في اللغة (٣)، مثل: مسلمين، وغيره من جموع القلة، لا جموع الكثرة، فإن أقلها أحدَ عشرَ بإجماع النحاة (٤). المذهب الأول: أن أقله اثنان. وهو المنقول عن عمر، وزيد بن ثابت ﵄، وبه قال مالك، وداود، والقاضي، والأستاذ، والغزالي (٥).

стр. 1666

والثاني: ثلاثة، ولا يطلق على ما دونها إلا مجازًا. وهو المنقول عن ابن عباس، والشافعي، وأبي حنيفة، واختاره الإمام وأتباعه (١). والثالث: الوقف. وهذا لم أره مصرحًا بحكايته في كتاب يُعتمد (٢) عليه، وإنما أشعر به كلام الآمدي، فإنه قال في آخر المسألة: وإذا عُرِف مأخذ الجمع من الجانبين - فعلى الناظر بالاجتهاد في الترجيح، وإلا فالوقف لازم (٣). هذا كلامه. ورأيت بعض المتأخرين بعده حكاه قولًا ثالثًا (٤)،

стр. 1667

ومجرد هذا لا يكفي في حكايته مذهبًا (١). والرابع: أن أقله واحد. أخذه بعضهم (٢) من قول إمام الحرمين في "البرهان": "والذي أراه أن الرد إلى واحد ليس بدعًا، ولكنه أبعد من الرد إلى اثنين" (٣). وعندي في هذا نظر، والظاهر أنه أراد أنَّ الرد إلى واحد ليس بِدْعًا بطريق المجاز (٤). وعند هذا ينقدح للمعترض أن يقول: ليس الكلام في

стр. 1668

إطلاق ذلك مجازًا، وإنْ أراد إطلاقه حقيقةً فبعيدٌ. ولقائل أن يقول: أنت قد قلت: لا بدع فيه. ثم قلت: وهو أبعد من الرد إلى اثنين. وما (١) نَرَى (٢) الحقائقَ مختلفةَ المراتب في آحادها، بل لو كان حقيقة لتساوى هو والاثنان والثلاثة (٣). والخامس: حكاه أبو (٤) عَمْرو بن الحاجب: أنه لا يُطْلق على اثنين لا حقيقة ولا مجازًا (٥). وعندي في ثبوت هذا القول نظرٌ؛ فإنه لا نزاع عند القائلين بالمجاز في صحة إطلاق الكل وإرادة الجزء. وقد يجاب: بأن الثلاثة: ليست كلًا؛ فإن الكل ماهية يتجزأ منها أجزاء، والثلاثة لا يتجزأ منها أجزاء، بدليل أنه لا يصح إطلاق لفظِ "واحد" عليها، ولو كانت كُلًا لصَحَّ؛ لأن إطلاق البعض وإرادة الكل جائز كالعكس (٦).

стр. 1669

إذا عرفت هذا - فقد استدل أصحابنا بوجوه: منها: أن الضمائر مختلفة، فالضمير في الجمع غير الراجع إلى التثنية (١)، فدل على تغايرهما، فلا يكون حقيقة في اثنين؛ إذ لو كان لصح إطلاقه عليه (٢). ومنها: أن أهل اللغة يفصلون بينهما، ويجعلون كلًا منهما قسيمًا للآخر، فقالوا: الاسم قد يكون مفردًا، وقد يكون مثنى، وقد يكون مجموعًا فدل على التغاير. واحتج القاضي أبو بكر في أصحابه بأوجه:

стр. 1670

أحدها: قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ (١)، وأراد داود وسليمان ﵉، فثبت صحة إطلاق الجمع وإرادة الاثنين (٢)، والأصل في الإطلاق الحقيقة. وأجيب كما ذكر في الكتاب: بأن الحكم مصدر، فيصح إضافته إلى معموليه أعني: الفاعل والمفعول، وهما هنا الحاكم والمحكوم عليه (٣). وهذا الجواب ضعيف؛ لأن المصدر إنما يضاف إليهما على البدل، ولا يجوز أن يضاف إليهما جميعًا. وأضعف منه قول الشيرازي - شارح الكتاب - في تصحيحه: الردُّ عليه بأن العرب لا تضيف المصدر إليهما جميعًا - ضعيفٌ؛ لأنه شهادةُ نفيٍ (٤).

стр. 1671

وقد علمتَ في فصل الحروف أن مثل هذا ساقط من الكلام غير معدود من صنيع (١) العلماء، وإنما هو استرواح بما لا يَعْصِم. وثانيها (٢): قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (٣)، والمراد: عائشة وحفصة ﵄، فأطلق القلوب وأراد قلبَيْن، والأصل في الإطلاق الحقيقة. قال إمام الحرمين في "التلخيص": وهذه الآية أقوى الآيات في الدلالة على الخصوم (٤). وقد أجيب عن الاحتجاج بها كما ذكر في الكتاب: بأن حقيقةَ القلب: الجِرْمُ الحالُّ في الجانب الأيسر. ومجازه: ميوله. ومنه قولهم: لا قلب له إلى فلان، أي: لا ميل، والمجاز هو المراد هنا، والتقدير: فقد صغت ميولكما، يدل على هذا أنَّ الجِرْم لا يوصف بالصغو. وهذا الجواب أيضًا ساقط؛ لأن القاعدة عند النحاة أنه (٥) إذا أضيف شيئان إلى ما تضمنهما - جاز فيه ثلاثة أوجه، نحو: قطعت رأسَي الكبشَيْن، ورأسَ الكبشَيْن، ورؤوس الكبشَيْن (٦).

стр. 1672

وثالثها: قوله ﷺ : "اثنان (١) فما فوقهما جماعة" رواه الدارقطني (٢) من حديث عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي (٣) عن (٤) عمرو بن شعيب (٥) عن أبيه (٦) عن جده. والوقاصي ضعيف، وكلام المحدثين في عمرو بن شعيب

стр. 1673

عن أبيه عن جده مشهور، وحاصل ما فيه بعد أن تَعْرِف (١) أنه عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن قوله: "جده" يحتمل أن يكون جده الأدنى الحقيقي وهو محمد (٢)، فيكون حديثه مرسلًا، فإن محمدًا تابعيٌّ. ويحتمل أن يكون جده الأعلى المجازي وهو عبد الله، فيكون متصلًا، وقد اختلف العلماء في الاحتجاج به إذا كان هكذا، فاحتج به أكثر من لا يحتج بالمرسل حملًا لَهُ على جده الأعلى (٣).

стр. 1674

ورواه ابن ماجه من حديث الربيع بن بدر المعروف بعُلَيْلة وهو أيضًا ضعيف (١). وأجاب الإمام: بأنه إذا أمكن حَمْلُ كلام النبي ﷺ على حكم شرعي ولغوي - فالشرعيُّ أولى؛ لكونه مبعوثًا لبيان الشرعيات، فيحمل هنا على إدراك فضيلة الجماعة، وبأنه نَهَى عن السفر إلا في جماعة، فبَيَّن بهذا الحديث أن الاثنين فما فوقهما جماعة في جواز السفر (٢). وهذا ما اقتصر في الكتاب على ذِكْره.

стр. 1675

ولقائل: أن يقول: سفر الواحد منفردًا ليس بحرام، إنما هو مكروه، بل الجواب: أن الخلاف ليس في لفظ "الجمع" ولا لفظ "الجماعة"، كما تقدم (١). فائدة: للخلاف في هذه المسألة فائدة أصولية، وفوائد فروعية: أما الأصولية: فهي النظر في الغاية التي ينتهي التخصيص إليها، وهي المسألة المتقدمة. وقال الأستاذ أبو إسحاق في أصوله - بعد أن عَزَا (ما ذكرناه) (٢) إلى بعض الأصحاب: هذه فائدة مُزَيَّفة (٣)؛ لأن أئمتنا مجمعون

стр. 1676

على جواز تخصيص الجمع والعموم بما هو دليل إلى أن يبقى تحته واحد. انتهى. وهي فائدة، وقد عرفت الخلاف المتقدم (١). وأما الفوائد الفروعية: فمنها: لو قال: له عليَّ دراهم - لزمه ثلاثة. وحُكِي وجهٌ أنه يلزمه درهمان (٢). ومنها: قيل (٣): يُكْتَفى في الصلاة على الميت باثنين. حكاه الرافعي عن "التهذيب"، وقال: إنه بناءً على أن أقل الجمع اثنان (٤). ومنها: لو أوصى لأقاربه، وليس له إلا قريب واحدٌ - فوجهان في أنه هل يُصْرف إليه الكلُّ أو الثلث. وحكى الأستاذ أبو منصور (٥) وجهًا أنه

стр. 1677

يكون له النصف، حكاه الرافعي عنه، ولم يُعَلِّله (١)، قال ابن الرفعة في "المطلب": ولم أفهم له معنى، وإنْ تُخُيِّل أنه بناه (٢) على أن أقل الجمع اثنان - لزمه أن يقول فيما إذا أوصى للفقراء: بجواز الاقتصار عليهما أيضًا (٣)، ولم نر مَنْ قال به (٤). ومنها: في الرافعي في فروع الطلاق: أنه لو (٥) قال: إن تزوجتُ النساءَ أو اشتريتُ العبيد فهي طالق - لم يحنث إلا إذا تزوج ثلاثَ نسوةٍ، أو اشترى ثلاثة عبيد (٦). وقياس الخلافِ الأصولي جريانُ وَجْه تحنيثه باثنين. فإن قلتَ: ولِمَ لا يقال في هذه الصورة: إنه لا يحنث بشيء؛ لأنه علَّق على جميع نساء العالمين وعبيدهم، بدليل إدخاله الألفَ واللامَ المقتضيةَ للعموم، وهو تعليقٌ على مستحيل، والصحيح في التعليق على المستحيل أنه لا يقع. قلت: لما كان إعمال الكلام أولى من إهماله حُمِل على جنس الجمع في ذلك (٧).

стр. 1678

وقال الرافعي في كتاب الأيمان فيما إذا حلف لا يكلِّم الناس: ذكر ابن الصباغ وغيره أنه يحنث إذا كلم واحدًا، كما إذا قال: لا آكل الخبز. ولو حلف: لا يكلم ناسًا - حُمِل على ثلاثة (١). انتهى. فإن قلت: هذا عجيب، "ناسٌ" المنكَّر يحمل على الجمع، فإذا دخلت عليه (٢) الألف واللام المُعَمِّمَةُ تُخرجه عن ذلك. قلت: كأن الألف واللام والحالة هذه المراد بها الجنس من حيث هو، بخلاف ما إذا كان مُنَكَّرًا. وأما قياس "لا يكلم الناس" على "لا آكل الخبز" ففيه نظر؛ لصدق الخبز على القليل والكثير صدقًا واحدًا، كالماء والعسل (٣). قال: (الرابعة: العام المخصوص مجاز وإلا لاشترك. وقال بعض الفقهاء: إنه حقيقة. وفَرَّق الإمام بين (المُخصِّص المتصل) (٤) والمنفصل؛

стр. 1679

لأن المقيَّد بالصفة لم يتناول غيرًا (١). قلنا: المركب لم يوضع، والمفرد متناول). اختلفوا في العام إذا خُصَّ هل يكون في الباقي حقيقة ؟ على مذاهب: أحدها: أنه مجاز. وذهب إليه جمهور أصحابنا، والمعتزلة (٢) كأبي علي وابنه، واختاره المصنف، وصفي الدين الهندي، وابن الحاجب (٣)؛ لأنه حقيقة في الاستغراق، فلو كان حقيقة في البعض لزم الاشتراك، والمجاز خير

стр. 1680

منه (١). والثاني: أنه حقيقة وهو مذهب كثير من أصحابنا (٢) وجمهور الحنفية (٣) والحنابلة (٤). والثالث: أن المخصِّص إنْ كان مستقلًا: سواء أكان (٥) عقليًا، كالدليل الدال على أن غير القادر غير مراد من الخطاب في العبادات. أو لفظيًا، كما إذا قال المتكلِّم بالعام: أردتُ به البعضَ الفلاني - فهو مجاز.

стр. 1681

وإن لم يكن مستقلًا - فهو حقيقة، وذلك كالاستثناء، مثل: قول القائل: مَنْ دخل داري يُكْرَم إلا زيدًا. والشرط، مثل (١): مَنْ دخل أكرمتُه إنْ كان عالمًا. (والتقييد بالصفة: مَنْ دخل داري من الطوال. قال صفي الدين الهندي) (٢): "والتقييد بالغاية (٣) وإن لم يذكروه (٤) في هذا المقام: حُكْمُه حكم أخواته من المتصلات ظاهرًا؛ إذ لا يظهر فرقٌ بينهما على هذا الرأي. وهذا ما اختاره الكرخي وأبو الحسين البصري والإمام" (٥). وعلى حكاية هذه الثلاثة اقتصر المصنف.

стр. 1682

والرابع: إنْ خُصَّ بمتصل من شرط أو استثناء فهو حقيقية، وإلا فهو مجاز. وهو المنقول عن القاضي، وقد رأيتُه في "مختصر التقريب" إلا أنه لم يصرِّح بذكر الشرط، وهذه عبارته: ولو قررنا القول بالعموم - فالصحيح عندنا من هذه المذاهب أن نقول: إذا تقدر التخصيص باستثناء متصل - فاللفظ حقيقة في بقية المسميات. وإنْ تقدر التخصيص بدلالةٍ منفصلة - فاللفظ مجاز، لكن يستدل به في بقية المسميات (١). انتهى. والخامس: إنْ خُصَّ بالشرط، والتقييد بالصفة - فهو حقيقة، وإلا فهو مجاز حتى في الاستثناء (٢).

стр. 1683

والسادس: إنْ خُصَّ بدليل لفظي سواء كان متصلًا أم (١) منفصلًا فهو حقيقة، وإلا فهو مجاز (٢). والسابع: إنْ بَقِي بعد التخصيص جَمعٌ فهو حقيقة فيه، وإلا فهو مجاز (٣). وصَرَّح الغزالي: بأنه لا خلاف في أنه مجاز إذا لم يبقَ بعد التخصيص جمع (٤). وهذا فيه نظر، فقد صَرَّح إمام الحرمين في "التلخيص" بحكاية الخلاف في ذلك، فقال: ذكر القاضي عن بعض أصحابنا أن اللفظ حقيقةٌ فيما يَبْقَى وإن كان أقل من (٥) الجمع، وهذا بعيد جدًا (٦). انتهى.

стр. 1684

والثامن: أنه حقيقة في تناول ما بقي، مجازٌ في الاقتصار عليه. وهو اختيار إمام الحرمين (١). قوله: "لأن المقيَّد" هذا دليل الإمام، وتقريره: أن العام المقيَّد بالصفة لم يتناول غير الموصوف؛ لأنه لو تناوله لضاعت فائدة الصفة (٢)، وإذا انحصر تناوله فيه، وقد استعمل فيه - فيكون حقيقة. وهذا بخلاف المخصوص بمنفصل، فإن لفظَه متناولٌ للمُخْرَج بحسب اللغة مع كونه لم يُسْتعمل فيه؛ فيكون مجازًا أو مشتركًا، والمجاز أولى؛ فيكون مجازًا. وأجاب المصنف: بأن المركَّب من الموصوف والصفة مثلًا غير موضوع، فلا يكون حقيقة فيه، فلم يبقَ إلا المفرد (٣)، والمفرد الذي هو العام متناول لكل فرد لغة، وقد استعمل في البعض فيكون مجازًا. وهذا الجواب مبني على أن المركبات غير (٤) موضوعة، وفيه نزاع،

стр. 1685

فالأَوْلى الجوابُ: بأنه لو (١) لم يكن الموصوف ونحوه متناولًا - لم يكن المتصل من المخصصات؛ لأن التخصيص إخراج بعض ما تناوله اللفظ. هذا شرح ما في الكتاب (٢). ونختم المسألة بشيئين: أحدهما: قال الإمام: "إذا قال الله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣) فقال رسول الله ﷺ في الحال: إلا زيدًا - فهل هو تخصيص بمنفصل أو متصل؟ فيه احتمال" (٤). قال صفي الدين الهندي: "والأظهر أنه منفصل" (٥). قلت: وقد ذكر القاضي المسألة في "مختصر التقريب" وقال: "إن من الأصوليين من نَزَّله
следующие страницы →