← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

وإن لم يكن مستقلًا - فهو حقيقة، وذلك كالاستثناء، مثل: قول القائل: مَنْ دخل داري يُكْرَم إلا زيدًا. والشرط، مثل (١): مَنْ دخل أكرمتُه إنْ كان عالمًا. (والتقييد بالصفة: مَنْ دخل داري من الطوال. قال صفي الدين الهندي) (٢): "والتقييد بالغاية (٣) وإن لم يذكروه (٤) في هذا المقام: حُكْمُه حكم أخواته من المتصلات ظاهرًا؛ إذ لا يظهر فرقٌ بينهما على هذا الرأي. وهذا ما اختاره الكرخي وأبو الحسين البصري والإمام" (٥). وعلى حكاية هذه الثلاثة اقتصر المصنف.

стр. 1682

والرابع: إنْ خُصَّ بمتصل من شرط أو استثناء فهو حقيقية، وإلا فهو مجاز. وهو المنقول عن القاضي، وقد رأيتُه في "مختصر التقريب" إلا أنه لم يصرِّح بذكر الشرط، وهذه عبارته: ولو قررنا القول بالعموم - فالصحيح عندنا من هذه المذاهب أن نقول: إذا تقدر التخصيص باستثناء متصل - فاللفظ حقيقة في بقية المسميات. وإنْ تقدر التخصيص بدلالةٍ منفصلة - فاللفظ مجاز، لكن يستدل به في بقية المسميات (١). انتهى. والخامس: إنْ خُصَّ بالشرط، والتقييد بالصفة - فهو حقيقة، وإلا فهو مجاز حتى في الاستثناء (٢).

стр. 1683

والسادس: إنْ خُصَّ بدليل لفظي سواء كان متصلًا أم (١) منفصلًا فهو حقيقة، وإلا فهو مجاز (٢). والسابع: إنْ بَقِي بعد التخصيص جَمعٌ فهو حقيقة فيه، وإلا فهو مجاز (٣). وصَرَّح الغزالي: بأنه لا خلاف في أنه مجاز إذا لم يبقَ بعد التخصيص جمع (٤). وهذا فيه نظر، فقد صَرَّح إمام الحرمين في "التلخيص" بحكاية الخلاف في ذلك، فقال: ذكر القاضي عن بعض أصحابنا أن اللفظ حقيقةٌ فيما يَبْقَى وإن كان أقل من (٥) الجمع، وهذا بعيد جدًا (٦). انتهى.

стр. 1684

والثامن: أنه حقيقة في تناول ما بقي، مجازٌ في الاقتصار عليه. وهو اختيار إمام الحرمين (١). قوله: "لأن المقيَّد" هذا دليل الإمام، وتقريره: أن العام المقيَّد بالصفة لم يتناول غير الموصوف؛ لأنه لو تناوله لضاعت فائدة الصفة (٢)، وإذا انحصر تناوله فيه، وقد استعمل فيه - فيكون حقيقة. وهذا بخلاف المخصوص بمنفصل، فإن لفظَه متناولٌ للمُخْرَج بحسب اللغة مع كونه لم يُسْتعمل فيه؛ فيكون مجازًا أو مشتركًا، والمجاز أولى؛ فيكون مجازًا. وأجاب المصنف: بأن المركَّب من الموصوف والصفة مثلًا غير موضوع، فلا يكون حقيقة فيه، فلم يبقَ إلا المفرد (٣)، والمفرد الذي هو العام متناول لكل فرد لغة، وقد استعمل في البعض فيكون مجازًا. وهذا الجواب مبني على أن المركبات غير (٤) موضوعة، وفيه نزاع،

стр. 1685

فالأَوْلى الجوابُ: بأنه لو (١) لم يكن الموصوف ونحوه متناولًا - لم يكن المتصل من المخصصات؛ لأن التخصيص إخراج بعض ما تناوله اللفظ. هذا شرح ما في الكتاب (٢). ونختم المسألة بشيئين: أحدهما: قال الإمام: "إذا قال الله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣) فقال رسول الله ﷺ في الحال: إلا زيدًا - فهل هو تخصيص بمنفصل أو متصل؟ فيه احتمال" (٤). قال صفي الدين الهندي: "والأظهر أنه منفصل" (٥). قلت: وقد ذكر القاضي المسألة في "مختصر التقريب" وقال: "إن من الأصوليين من نَزَّله

стр. 1686

منزلة الاستثناء المصرح به في كلام الله تعالى. قال القاضي: والذي نرتضيه أنه ﷺ إن ابتدأ مِنْ تلقاء نفسه كلامًا، ولم يضفه إلى كلام الله تعالى - فيلتحق (١) ذلك بالمنفصل، ولا يُجْعل كلامه ﷺ استثناءً حقيقيًا، بل هو تخصيص سواء قدر متصلًا أو منفصلًا" (٢). والثاني: اعلم أن الأصوليين لم يذكروا التفرقة بين العام المخصوص، والعام الذي أريد به الخصوص (٣)، وهو (تحرير مهم) (٤). والشافعي ﵁ له أقوال في قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٥)، منها: أنه عام مخصوص. ومنها: أنه عام مراد (٦) به الخصوص. وقد كثر الكلام في ذلك، وتشعب النظر، ولوالدي - أيده الله تعالى - في ذلك كلام نفيس، ونحن نذكر جميع ما ذكره، فإنه مما ينبغي أن يَغْتبط به الفطن. قال أحسن الله إليه: كثر الكلام في العام المخصوص، والعام الذي أريد به الخصوص في الفرق بينهما، وفي أنَّ العام المخصوص مجاز، أوْ لا.

стр. 1687

وظن جماعة أن هذا الخلاف في أن العام المخصوص مجازٌ أَوْ لا - يجري في العام المراد به الخصوص. والذي أراه في ذلك، وبالله العون والتوفيق: أما العام الذي أريد به الخصوص - فهو العام إذا أطلق وأريد به بعض ما يتناوله: فهو لفظ مستعمل في بعض مدلوله. وبعض الشيء غيره (١)، فالذي يظهر أنه مجاز قطعًا، إلا إنْ قيل: إنَّ العام دلالته على كل فرد من أفراده دلالة مطابقة، فقد يقال حينئذ على هذا: بأنه حقيقة في كل فرد. فإنْ جاء خلافٌ فيه فإنما يجيء من هذه الجهة، وشَرْطُ الإرادة في هذا النوع على ما ظهر لنا أن تكون مقارنةً لأول اللفظ، ولا يُكْتَفَى بطريانها في أثنائه؛ لأن المقصود منها (٢) نقلُ اللفظِ عن معناه إلى غيره، واستعماله في غير موضوعه (٣)، وليست إرادةُ إخراجٍ لبعضِ المدلول، بل إرادة استعمالٍ للفظ (٤) في شيءٍ آخر غير موضوعه، كما يراد باللفظ مجازه الخارجُ عنه، لا فرق بينهما، إلا أن ذاك خارج وهذا داخل؛ لأن البعض داخل في الكل. ومَنْ يجعل الدلالة على كل فرد دلالة مطابقة - لا يناسبه أن يقول: إنه

стр. 1688

استعمال اللفظ (١) في غير موضوعه، بل يصير كاستعمال المشترك في أحد معنييه (٢)، وهو استعمال حقيقي، وإرادة أحد معنيي المشترك - عند مانع استعمال المشترك في معنيَيْه - لا شك أنها لا تخرجه عن موضوعه، ولا تجعله مجازًا، بل هي مُصَحِّحة لاستعماله. وأما عند مَنْ يُجَوِّز استعماله في معنيَيْه - فهم مختلفون إذا اسْتُعْمل في معنيَيْه: هل هو مجاز أم لا؟ فَمَنْ جعله مجازًا - فكذلك (٣)؛ لأن الاستعمال الحقيقي عنده هو استعماله في أحد المعنيين. ومَنْ جعله حقيقة كالعام (٤)، كما هي طريقة السيف الآمدي في النقل عن الشافعي ﵁ (٥) - فيصير البحث فيه كالبحث في العام المراد به الخصوص.

стр. 1689

وفيه نظر؛ لأنا نعلم أن المشترك وَضَعه الواضع لكلٍ من المعنيين وحده، بخلاف العام (١)، ولكن أدى مساق البحث على طريقة الآمدي إلى ما قلناه (٢). ويُؤْنسك إلى اشتراط مقارنة الإرادة - في هذا النوع - لأول اللفظ ما ذكره الفقهاء في تكبيرة الإحرام (٣)، وفي كنايات الطلاق (٤).

стр. 1690

وإذا حققتَ هذا المعنى اضبطه. وأما العام المخصوص: فهو العام إذا أريد به معناه مُخْرَجًا منه بعضُ أفرادِه. فالإرادة فيه (إرادةٌ للإخراج، لا إرادةٌ للاستعمال) (١)، فهي تشبه الاستثناء، فلا يُشْترط مقارنتها لأول اللفظ، ولا يجوز تأخرها (٢) عن آخره، بل يُشْترط إن لم تُوجد في أوله - أن تكون في أثنائه. ويؤنسك في هذا ما قاله الفقهاء في مشيئة الطلاق، فإنه يُشْترط اقتران النيةِ ببعضِ اللفظ قبل فراغه (٣). فالتخصيص إخراج، كما أن الاستثناء إخراج، ولهذا نقول: المخصِّصات المتصلة أربعة: الاستثناء، والغاية، والشرط، والصفة. والمخصِّص في الحقيقة هو الإرادة المُخْرِجة، وهذه (الأربعة، والمخصِّصُ المنفصلُ خمسَتُها - دالةٌ على تلك الإرادة، وتلك) (٤) الإرادة ليست إرادةَ استعمالِ اللفظِ في غير موضوعه، فلذلك لم يقطع بكونه مجازًا، بل حصل التردد، ومنشأ التردد أنَّ إرادةَ إخراج بعضِ المدلول هل تُصَيِّر (٥) اللفظَ مرادًا به الباقي، أوْ لا (٦)؟ والحق لا، وهو يشبه الخلاف في

стр. 1691

الاستثناء، وهذا يُقَوِّي أن العام المخصوص حقيقةٌ، لكنِ الأكثرون على أنه مجاز، ووجهه: أنه يَجْعَل اللفظَ موضوعًا استعمل في معناه بتمامه غير مُخْرَج منه شيء، فمتى استعمله مُخْرَجًا منه شيءٌ كان مجازًا؛ لاستعماله على غير الوجه الذي وضعه الواضع عند الإطلاق (١)، و (٢) هذا فيما يحتمل المجاز، وهو ما كان ظاهرًا كالعام، أما ما كان نصًا كالعدد فلا مجاز فيه، وليس إلا الإخراجُ المحض. ويظهر أثر هذا في أن المخصِّص المنفصل يأتي في العام ولا يأتي في العدد، والاستثناء في العام كاشف عن الإرادة المخصِّصة، والاستثناء في العدد هو المخرِج بنفسه لا بدلالته على إرادة متقدمة (٣)؛ ولهذا لو أراد فقط، ولم يُوجد لفظ الاستثناء - لم يصح في العدد، ويصح في العام. ولو قال أنتِ طالقٌ ثلاثًا، ونوى بقلبه: إلا واحدةً، وماتت قبل نطقه

стр. 1692

بقوله: إلا واحدةً - تقع (١) الثلاث (٢). نعم يُشْترط نية الاستثناء قبل فراغ اللفظ؛ لأجل الربط، فالنية فيه شَرْطٌ لاعتبار الاستثناء بعده، وليست مؤثرة. والنية في التخصيص مؤثرةٌ في الإخراج وحدها، ويُدَلُّ عليها تارةً بمخصِّص منفصل، وتارة بمتصل. والنية في العام المراد به الخصوص مؤثرةٌ في نقل اللفظ عن معناه إلى غيره. ومن هنا يُعْرف أن عَدَّ ابنِ الحاجب البدلَ في المخصِّصات ليس بجيد؛ لأن الأَوَّل في قولنا: "أكلتُ الرغيفَ ثلثَه" يُشْبه العامَّ المراد به الخصوص، لا العام المخصوص. (فانظر هذه) (٣) المعاني وتَفَهَّمها، ثم تذكر ما قدمتهُ في العام المراد به الخصوص، تعرف الفرق بينهما، وحكمهما. هذا ما ذكره والدي - أحسن الله إليه - وهو في غاية النفاسة (٤).

стр. 1693

والذي تحصلت عليه أن العام أنواع: أحدها: العامُّ الذي أريد به العامُّ حقيقةً. والثاني: العام الذي أريد به غالبُ الأفراد، ونُزِّل الأكثرُ فيه منزلةَ الكل، فهو مراد به العموم أيضًا. والثالث: ما لم ينزل الأكثر فيه منزلةَ الكل، ولكن الكثرة فيه موجودة (١). والرابع: ما المراد به القليل، كقوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ (٢). وهذا أخذته من كلام الشافعي ﵁ في "الرسالة" فإنه قال: "باب ما نزل من الكتاب عامَّا يراد به العامُّ (ويدخله الخصوص) (٣) "، وقوله: يراد به العام أي: الكثرة الغالبة، فلا يناقضه قوله: "ويدخله الخصوص". ومثاله: ﴿الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ (٤)، وقد ذكره الشافعي في أثناء الباب، فكأنه جعلهم كلَّ أهل القرية (٥). وقال الشافعي في أول الباب: قال الله تعالى جل ثناؤه: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (٦) (٧)، وقال: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ

стр. 1694

وَالْأَرْضَ﴾ (١)، وقال: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (٢)، فهذا عامّ لا خاصَّ فيه (٣) (٤). انتهى. وهو كما صرح به (٥) الشافعي، وإنما ذكره توطئة لما بعده، وليس مما بَوَّب له إلا في كونه أريد به العموم (٦). فالمراد به العموم قسمان: أحدهما: حقيقة لا خصوص فيه، وهو ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٧) (٨). والثاني: مجاز فيه خصوص، وهو ما ذكره الشافعي بَعْدُ، مثْل: ﴿الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ (٩).

стр. 1695

ولم يلتفت الشافعي إلى ما يقوله الأصوليون من أن ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مخصوصٌ بالعقل، وكأنه لأن العقل لما دل على المراد به - جعله (١) هو المقصود به في كلام العرب؛ لأنها إنما تضع لما يُعْقل (٢). ثم قال الشافعي: وقال الله ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ (٣)﴾ (٤) الآية. قال الشافعي: وهكذا قول الله : ﴿حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ (٥)، ففي هذه الآية دلالة على أن (٦) لمَ يستطعما كل أهل قرية فهي في معناها (٧). وفيها وفي ﴿الْقَرْيَةِ

стр. 1696

الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ خصوصٌ؛ لأن كل أهل القرية لم يكن ظالمًا قد كان فيهم المسلم، ولكنهم كانوا فيها مكثورين، فكانوا فيها أقل. انتهى. فهذا عام أريد به العام، ودخله الخصوص. وليس المعنى هنا مِنْ إرادة العامِّ جميعَ الأفراد، بل الكثرة المنزلة منزلة الكل. ويظهر أنه مجاز، وليس من مجاز استعمال لفظِ الكل في البعض؛ لأن ذلك لا يفترق الحال فيه بين بعض وبعض، وهذا في بعضٍ كثيرٍ غالبٍ على الباقي، فهو أقوى؛ لأنه اجتمع فيه مجاز البعض ومجاز المشابهة، إذِ الأكثر يشبه الكُلَّ في الكثرة، وهو مع ذلك قد دخله التخصيص. فمن جعل العام المخصوص مجازًا - يكون قد اجتمع فيه نوع آخر من المجاز أيضًا، وهذا غريب ينبغي أن يُتَفَطَّن له. ومن لم يجعل العامَّ المخصوص مجازًا - يقتصر على المجاز من الجهة الأولى. وهذا من نفائس البحث، وبه يظهر أن العام المراد به العموم قسمان: أحدهما: الحقيقي، كقوله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١)، و ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) (٢) على ما قاله الشافعي. والثاني: المجازي، كقوله: ﴿اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾ (٣)، و ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ (٤). وهذا القسم لا يكون في الأمر والنهي، وإنما يكون في الخبر؛

стр. 1697

لأن الأمر والنهي لا يُتَجَوَّز فيهما، بل يُقصد بيان حكم التكليف. والعام المخصوص قسمان: أحدهما: ما يراد به (١) العموم، كما تقدم، وفيه مجاز كما بيناه (٢). والثاني: ما ليس كذلك، كقوله: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ (٣)، وتخصيصه بالقاتل والكافر، فهذا عام مخصوص. وقد أطلق الشافعي عليه بعد ذلك أنه عام يراد (٤) به الخصوص كما سنذكره (إن شاء الله) (٥). وقد عرفت أن الجمهور على أنه مجاز، وقد قرر والدي أنه حقيقة كما سبق. والشافعي لم يتعرض للفرق بين العام المخصوص والعام المراد به الخصوص. وبما ذكرناه يكون العام المخصوص أنواعًا: أحدها: ما نُزِّل الأكثر فيه منزلةَ الجميع، فهو مراد به العموم. والثاني: ما ليس كذلك؛ ولكن الكثرة فيه موجودة، وهو مراد به الخصوص، ومخصوص، كقوله: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ (٦) لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾.

стр. 1698

والثالث: ما (١) المراد به القليل، كقوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ (٢)، وهذا مرادٌ به الخصوص، ومخصوص. والفرق بينه وبين الثاني: أن هذا نقول فيه إنه مجاز، والثاني محتمل لأن يكون حقيقةً وأن يكون مجازًا (٣)، وهو محل خلاف الأصوليين السابق: في أن العام المخصوص هل هو حقيقة أو مجاز؟ . واعلم أن في كلام الشافعي في "الرسالة" أيضًا ما يمكن أن يُتمسك به منه على أن كلَّ عامٍ مخصوص مرادٌ به الخصوص، وذلك لأنه قال: باب ما نزل عامًا (٤) دلت السنة على أنه يراد به الخاص. قال الشافعي: قال الله جل ثناؤه: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ (٥) إلى قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ (٦)، وقال: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ (٧) إلى قوله: ﴿فَلَهُنَّ (٨) الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾، فأبان أن للوالدَيْن والأزواج ما سَمَّى في الحالات، وكان عامَّ المَخرج (٩)، (فدلت

стр. 1699

سنة) (١) رسولِ الله ﷺ أنه إنما أريد به بعض (٢) الوالدَيْن والمولودِين (والأزواج دون بعض، وذلك أن يكون دِينُ الوالدَيْن والمولودِين (٣)) (٤) والزوجَيْن واحدًا (٥)، ولا يكون الوارث منهما قاتلًا (٦)، ولا

стр. 1700

مملوكًا (١) (٢). انتهى. فيمكن التمسك بهذا على ما ذكرنا؛ لأن السنة إنما دلت على عدم توريث (القاتل والكافر) (٣)، وهو تخصيصٌ مُقْتَضٍ لأن يكون هذا العام مخصوصًا، وقد قال الشافعي: إنَّ السنةَ دلَّت أنه (٤) إنما أريد به الخصوص. فدل على أنَّ كلَّ عام مخصوصٍ مرادٌ به الخصوص، إذا كان المرادُ غيرَ مُنَزَّلٍ منزلةَ الكل الذي تقدم إطلاقُ الشافعي

стр. 1701

عليه أنه أريد به العموم. وبهذا يتبين أن البحث الذي قرره والدي - أحسن الله إليه - في أنَّ العام المخصوص حقيقةٌ؛ لأنه الذي قُصِد عمومُه مُخْرجًا منه بعض الأفراد كالاستثناء - ليس ذلك (١)، وإنْ كان (٢) للبحث (٣) فيه مجال، فإنه نوع يصح إرادته. وقد وقف والدي - أيده الله تعالى - على ما أوردتُه مِنْ كلام الشافعي وقال: إن لم يصح ذلك البحث الذي قررناه - فالأمر كما قال الشافعي، وإن صح احتمل في التخصيص بالقاتل والكافر أن يكون عامًا مخصوصًا، وأن يكون مرادًا به الخصوص. ولا يمكن الوصول إلى العلم بحقيقته، إذ لا يعلمه إلا الله تعالى، والمتكلم به (٤). وقد أطلنا الكلام في هذه المسألة، وأنا مِنْ عادتي في هذا الشرح الإطنابُ فيما لا يُوجد في غيره، ولا يُتَلقى إلا منه، من بحث مخترع، أو نقل غريب، أو غير ذلك، والاختصارُ في المشهور في الكتب؛ إذ لا فائدة في التطويل فيما سَبَقنا مَنْ هم سادتنا وكبراؤنا إلى جمعه، وهل ذلك إلا (٥)

стр. 1702

مجرد جمعٍ من كتب متفرقة، لا يصدق اسم المُصَنِّفِ على فاعله!. قال: (الخامسة: المخصَّص بمعيَّنٍ حجة ، ومنعها عيسى بن أبان وأبو ثور، وفَصَّل الكرخي). يشبه أن تكون هذه المسألة مفرعةً على قول مَنْ يقول: العام المخصوص مجاز؛ فإنَّ مَنْ قال غير ذلك احتج به هنا لا محالة. وحاصل هذه المسألة أن العام إن خُصَّ بمبهم كما لو قيل: اقتلوا المشركين إلا بعضهم - فلا يحتج به على شيء من الأفراد؛ إذ ما مِنْ فرد إلا ويجوز أن يكون هو المخرج. وهذا قد ادعى جماعةٌ فيه الاتفاق (١)، وهي دعوى غير مسموعة، فقد صَرَّح ابنُ بَرْهَان في "الوجيز" بأن محلَّ الخلاف فيما إذا خُصَّ بمبهم، فإن عبارته: العام إذا دخله التخصيص (٢) لم يصر مجملًا، وقال عيسى بن أبان: إنْ كان التخصيص بدليل مجهول صار مجملًا (٣). انتهى. وهو مصرِّحٌ بخلاف الدعوى، مع زيادة أن المختار عنده خلافها (٤)، وهو قضية إيراد المحصول (٥). والقاضي

стр. 1703

في "مختصر التقريب" ذَكَرَ الخلافَ في العمومِ إذا خُصَّ هل يصرِ مجملًا؟ ولم يُقَيِّد بمبهم ولا معيَّن، ونَقَل مذهبَ ابن أبان عن كثير من الفقهاء من أصحاب الشافعي ومالكٍ وأبي حنيفة، وطائفةٍ من المتكلمين منهم الجبائي وابنه (١). انتهى. ووجه هذه الطريقة التي ذكرها ابن بَرْهان - كما ذَكَرَ -: أنا إذا نظرنا إلى فرد من الأفراد شككنا (٢) فيه هل هو من المخْرَج؟ والأصل عدمه، فيبقى على الأصل، ويُعْمل به إلى أن لا يبقى فَرْدٌ (٣). لكن الهندي رَدَّ هذا البحث: بأن المسألة مفروضة في الاحتجاج بالعام المخصوص فيما عدا المخصوص، وهذا البحث يقتضي صحة الاحتجاج في الجميع: المُخَصَّص وغيره (٤)، ولا قائل به (٥). انتهى.

стр. 1704

ويتجه عندي أن يقال: يُحتج به إلى أن يبقى فرد واحد فلا يحتج به، هذا إذا خُصَّ بمبهم. أما إذا خُصَّ بمعيَّنٍ وهي مسألة الكتاب، كما لو قيل: اقتلوا المشركين إلا المستأمن، أو أهلَ الذمة - ففيه مذاهبُ: أصحها: عند الإمام وأتباعه منهم المصنف: أنه حجة في الباقي مطلقًا (١). وهو قول معظم الفقهاء، واختاره الآمدي، وابن الحاجب (٢).

стр. 1705

والثاني: أنه (١) ليس بحجة (٢). وهو قول عيسى بن أبان، وأبي ثور (٣) (٤). وهو مراد المصنف بقوله: "ومنعها" أي: ومنع حجيته. والثالث: وبه قال الكرخي والبلخي، إنْ خُصَّ بمتصل كالشرط، والاستثناء، والصفة - فهو حجة. وإن خُصَّ بمنفصل فلا (٥).

стр. 1706

وهذا التفصيل يُفْهم من المسألة السابقة (١)؛ فلذلك أهمل المصنف تبيينه، واقتصر على حكاية هذه الثلاثة. والرابع: أن التخصيص إنْ كان قد منع من تعلق الحكم بالاسم العام، وأوجب تعلقه بشرط لا ينبئ عنه الظاهر - لم يجز التعلق به، كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٢)؛ لأن قيام الدلالة على اعتبار النصاب، والحِرْزِ، وكون المسروق لا شبهةَ فيه للسارق (٣) - يمنع مِنْ تعلق الحكم: وهو القَطْعُ، بعموم اسم السارق

стр. 1707

وموجِبٌ لتعلقه بشرطٍ لا ينبئ عنه ظاهر اللفظ (١). وإنْ كان التخصيص لا يَمْنع من تعلق الحكم به (٢) - جاز التعلق به، كما في قوله تعالى: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣)؛ لأن قيام الدلالة على المنع مِنْ قتل أهل الذمة لا يمنع من تعلق الحكم وهو القتل، باسم المشركين (٤). وهو قول أبي عبد الله البصري (٥). والخامس: أن العام المخصوص إنْ كان بحيث لو تُرِكْنا وظاهرَه مِنْ غير بيان التخصيص - لكنا نمتثل ما أريد منا، ونضم إليه شيئًا آخرَ لم يُرَد منا، كقوله تعالى: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٦)، فإنا لو خُلِّينا وظاهرَه لَكُنَّا نقتل كُلَّ مَنْ صَدَق عليه الاسم: من الحربي، والذمي، والمستأمن. فكنا قد

стр. 1708

امتثلنا في ذلك (١) ما أريد منا، وما لم يُرَد - جاز التمسك به (٢). وإنْ كان العام بحيث لو تُرِكنا وظاهره من غير بيان التخصيص لم يمكنا أن نمتثل ما أريد منا - لم يجز التمسك به. وهو كقوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٣)؛ لأنه لو لم يبين مراده - لم يمكنا فعلَ ما أراده من الصلاة الشرعية أصلًا، بخلاف آية السرقة فإنا لو خُلِّينا وظاهرَها - لَكُنَّا قطعنا كلَّ سارق، وفي ذلك امتثال ما أريد منا ولم يُرَدْ (٤). وهذا قول القاضي عبد الجبار (٥). والسادس: أنه يجوز التمسك به في أقل الجمع (٦)، ولا يجوز فيما زاد عليه (٧). قال الهندي: وهذا يشبه أن يكون قول من لا يُجَوِّز التخصيص إلى أقلَّ مِنْ أقلِّ الجمع (٨).

стр. 1709

قلت: وإذا تقرر أن الخلاف جار في العام المخصوص مطلقًا، سواء كان بمبهم أو معيَّن - جاء مذهب سابع: وهو التفصيل بين المُعَيَّن والمبهم، كما أورده الإمام (١). قال: (لنا: أن دلالته على فرد لا تتوقف على دلالته على الآخر؛ لاستحالة الدور، فلا يلزم من زوالِها زوالُها). استدل على ما اختاره بأن دلالةَ العام على فرد من أفراده لا تتوقف على دلالته على الآخر؛ لأن دلالتَه مثلًا على الباقي لو توقفت على البَعْضِ المُخْرَج؛ فإن لم تتوقف دلالتُه على المُخْرَج على الباقي - كان ذلك تحكمًا؛ إذ دلالة العام على كل أفراده متساوية. وإن توقفت عليه - لزم الدور؛ لتوقف كل منهما على الآخر، والدور مستحيل؛ فدلالته على كل (٢) فردٍ لا تتوقف على دلالته على غيره من الأفراد. وإذن لا يلزم من زوال الدلالة عن بعض الأفراد - زوالُها عن البعض الآخر، فلا يكون حجة (٣).

стр. 1710

وهذا الدليل ضعيفٌ من وجهين: أحدهما: أن هذا دورُ مَعِيَّةٍ لا سَبْق، فلا استحالة فيه. ويظهر هذا بمعرفة دور السبق والمعية (١)، فنَقول: تَوَقُّفُ كلِّ واحدٍ من الشيئين على الآخر إن كان (توقُّفَ قبليَّةٍ وبعديَّة) (٢) - فهو الدور السبقي الذي يستحيل وقوعه. ومثاله: إذا قال زيد: لا أخرج من الدار حتى يخرج عمرو قبلي. وقال عمرو: لا أخرج منها حتى يخرج زيد قبلي. وإن لم يكن سبقيًا، كما إذا قال كلٌّ منهما: لا أدخل حتى يدخل الآخر - فلا استحالة فيه؛ لجواز دخولهما معًا. وهذا هو المَعْنِيُّ، وهو الموجود في دلالة العام (٣). والثاني: أن دلالةَ العام على كلِ فردٍ مشروطةٌ باستعماله في الموضوع: وهو الاستغراق، فإذا لم يُستعمل فيه جاز في كل واحدٍ أن يكون مرادًا، وأن لا يكون، فلا يكون حجة في شيء منه (٤).

стр. 1711

والأَولى التمسك بما درج عليه السالفون من الصحابة والتابعين، فإنهم استدلوا بأكثر العمومات المخصوصة من غير نكير، بل لو صح ما ذكروه - لانسد باب التمسك باللفظ العام؛ إذ ما مِنْ عامٍّ في حكمٍ شرعيٍّ إلا وهو مخصوص، وعلى ما قالوه يمتنع الاستدلال به (١). قال: (السادسة: يُستدل بالعامِّ ما لم يظهر مخصِّصٌ. وابن سريج أوجب طلبه أوَّلًا) . هل يجوز أن يُستدل بالعام قبل البحث عن المخصِّص؟ فيه مذهبان: أحدهما: الجواز. وهو قول الصيرفي وإليه مال الإمام (٢). والثاني: المنع. وهو قول أبي العباس بن سريج (٣).

стр. 1712

واعلم أن إثبات الخلاف في هذه المسألة على هذا الوجه هو إيراد الإمام وجمهور أتباعه. وادَّعى جمع من المتأخرين أن ذلك غير معروف بل باطل، محتجين بأن الذي قاله الغزالي فَمَنْ بَعْدَه كالآمدي وغيرِه: أنه لا يجوز التمسك بالعام قبل البحث عن المخصِّص إجماعًا (١). ثم اختلفوا: فمِنْ قائل: يبحث إلى أن يَغْلب على الظن عدمُ المخصِّص (٢).

стр. 1713

ومِنْ قائل: لا يكفي الظن، ولا يُشْترط القطع، بل لا بد من اعتقادٍ جازم تسكن النفس إليه (١). ومِنْ قائل: لا بد من القطع (٢)، وعليه القاضي. قال: ويحصل ذلك بتكرير النظر والبحث، واشتهار كلام الأئمة (٣). قالوا: وليس خلاف الصيرفي إلا في اعتقادٍ عمومه قبل دخول وقت العمل به، وإذا ظهر مُخَصِّص تغير الاعتقاد. هكذا نقله عنه إمام الحرمين، ثم الآمدي وغيره (٤). واشْتَهَرت هذه المقالةُ حتى تولَّعت الألسنُ: بأن هذا المكان من غَلَطات الإمام.

стр. 1714

وأنا أقول: قد سبق الإمامَ بهذا النقل الثقةُ الثبتُ الشيخُ أبو إسحاق الشيرازي فقال في "شرح اللمع" ما نصه: إذا وَرَدت هذه الألفاظ الموضوعة للعموم هل يجب اعتقاد عمومها (عند سماعها، والمبادرة إلى العمل بمقتضاها، أو يتوقف فيها؟ اختلف (١) أصحابنا، فقال أبو بكر الصيرفي: يجب اعتقاد عمومها) (٢) في الحال (عند سماعها) (٣)، والعمل بموجبها (٤). انتهى. وكذلك الأستاذ أبو إسحاق في "أصوله" الذي انتخبه والدي أيده الله، ولفظه: قيل: يلزم. وقيل: لا يلزم. ويُعرض على الأصول الممهدة (٥)؛ لجواز أن يكون فيها ما يخصِّصه. وأفاد الأستاذ في هذه المسألة فائدةً جليلةً: وهي أن الخلاف ليس إلا فيما إذا ورد الخطاب العَامُّ بعد وفاة النبي ﷺ . أما إذا ورد في عهده وجبت المبادرة إلى الفعل على عمومه؛ لأن أصول الشريعة لم تكن متقررة (٦). وقد بان لك بهذين النقلين أنَّ ما نقله الإمام غير مستنكر، وهو أولى وأوجه من القول بإيجاب اعتقاد العموم على جزمٍ، ثم حين ظهور المخصِّص

стр. 1715

يتغير الاعتقاد، فإنه مذهب في غاية السقوط، لا وجه له، ولا حاصل تحته. وقال إمام الحرمين: إنه عنده غيره معدود من مباحث العقلاء، ومضطرب العلماء. قال: وإنما هو قولٌ صَدَر عن غباوة، واستمرارٍ في عناد (١). انتهى. وهذا بخلاف القولِ بالعمل بالعام ابتداءً، فإنه ذو وَجْهٍ ظاهرٍ وجيه. قال: (لنا: لو وجب - لوجب طلبُ المجاز للتحرز عن الخطأ. واللازم منتف. قال: عارَضَ دلالتَه احتمالُ المخَصِّص. قلنا: الأصل يدفعه). هذا دليل على ما اختاره من وجوب العمل بالعام ابتداءً، وتقريره: لو وجب طلب المخصِّص والبحثُ عنه قبل التمسك بالعام - لوجب طلبُ المجاز عند استعمال اللفظ في حقيقته. واللازمُ منتفٍ، فالملزومُ مثله. أما وجه الملازمة - فلأن الطلب في الصورة الأولى إنما هو للاحتراز عن المفسدة، واحتمالِ ضررِ الخطأ، وهذا المعنى موجودٌ في الحقيقة. وأما انتفاء اللازم - فظاهرٌ؛ إذ لم يزل (٢) العلماء خلفًا عن سلف - على ممر الدهور وتعاقب الأزمنة - يحملون اللفظَ على حقيقته، من غير بحثٍ عن المجاز. ومنهم من ادعى الإجماعَ على أنَّه لا يجب طلب المجاز، ولكن فيه نظر، فقد نُقِلَ التفات ابنِ سريجٍ إلى

стр. 1716

وجوبه، وصَرَّح القرافي بأنَّ المسألتين على السواء (١). وعلى تقدير صحة الإِجماع فالفرقُ واضح؛ وذلك لأن احتمال وجودِ المخصِّص أقوى (٢)؛ إذ ما من عام إلا وقد تطرق إليه التخصيص، كما قاله إمام الحرمين (٣). قال والدي فسح الله في مدته (٤): ويوضح هذا التفريق أن في العام دلالتين: إحديهما على أصل المعنى وهي نص، والأخرى على استغراق الأفراد وهي ظاهرة (٥). واحتمال المجاز حاصل في الأولى، وفي كل

стр. 1717

حقيقة يدل اللفظ فيها على معنى مُفْرد، والدلالة الإفرادية عليه قطعية؛ فلذلك لم يطلب المجاز (١). واحتمال التخصيص إنما هو في الثانية (٢). قال: ومن تأمل هذا الكلام عَلِم أنَّ إيرادَ الحقيقة على العام ساقط؛ لأن في العام حقيقة ومجازًا يشارك (٣) فيهما غيرَه لا يُتَوقف فيهما، وفيه تخصيص ينفرد به لا يوجد مثله في الحقيقة (٤). قال: وهذا نفيسٌ جدًا. قلت: ونظيره على العكس قولنا: "لا رجلَ" بالفتح نَصٌّ في الاستغراق، وإنْ كان يحتمل (٥) المجاز؛ لإرادة: لا غلامَ

стр. 1718

رجلٍ (١). ولا رجلٌ: بالرفع ظاهر (٢) في الاستغراق لا نصٌّ. فهذا نظير العام، والأول نظير الحقيقة (٣). وإنما قلنا: على العكس؛ لأن نصية الاستغراق في الأول لا في الثاني، فلا رجلَ بالفتح: عمومه نَصٌّ مقطوعٌ به، وحقيقته ظاهرة، عكس العام. ولا رجلٌ بالرفع: عمومه ظاهر، وحقيقته محتملة للمجاز، كغيرها من الحقائق. (والله الموفق) (٤). قوله: "قال عارض" أي: احتج ابن سُرَيجٍ على مذهبه: بأنَّ العام وإنْ

стр. 1719

دلَّ على ثبوت الحكم في جَميع الأفراد - فاحتمال المخصِّص يعارضه؛ لأن العام قبل طلب المخصص يحتمل التخصيص، ويحتمل عدمه احتمالًا على (١) السواء. وأجاب: بأن الأصلَ عدمُ المخصِّص، والاحتمال بمجرده لا يصلح معارضًا لهذا الأصل؛ فيكون مرجوحًا (٢). فائدة: إذا اقتضى اللفظُ العامُّ عملًا مؤقتًا, وضاق الوقت عن طلبِ الخصوص، فهل يُعمل بالعموم أو يتوقف فيه؟ اختلف أصحابنا في ذلك، كما حكاه ابن الصباغ في كتابه "عدة العالم" في آخر مسألة إسماعِ اللهِ المكلفَ اللفظَ العامَّ دون مخصِّصه. وللخلاف نظائر كثيرة (٣) في المذهب: منها: هل للمجتهد التقليدُ عند ضيق الوقت، ليَعْمل به أم لا؟

стр. 1720

فيه (١) وجهان، الأول منهما: وهو الجواز - قَوْلُ ابن سريج. قال: ولا يجوز له أن يفتي. قال الرافعي: وقياسه أن لا يجوز القضاء وأَوْلى. ومنهم مَنْ طَردَ قول ابن سريج في القضاء. قال الرافعي: ومن قال به فقياسه طَرْدُه في الفتوى. ومنها: لا يجوز للقادر على الاجتهاد في القبلة أن يُقَلِّد غيره. فإن ضاق عليه الوقت، وظن أن وقت الصلاة ينتهي قبل اجتهاده، فهل يقلِّد ويصلي في الوقت، أو يتمادى في نظره إلى تمام الاجتهاد؟ فيه وجهان. ومنها: لو (٢) استيقظ قبيل الوقت، وكان بحيث لو اشتغل بالوضوء لخرج الوقت - فهل يباح له التيمم، أو يتوضأ ويصلي خارج الوقت؟ فيه وجهان.
следующие страницы →