← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

وجوبه، وصَرَّح القرافي بأنَّ المسألتين على السواء (١). وعلى تقدير صحة الإِجماع فالفرقُ واضح؛ وذلك لأن احتمال وجودِ المخصِّص أقوى (٢)؛ إذ ما من عام إلا وقد تطرق إليه التخصيص، كما قاله إمام الحرمين (٣). قال والدي فسح الله في مدته (٤): ويوضح هذا التفريق أن في العام دلالتين: إحديهما على أصل المعنى وهي نص، والأخرى على استغراق الأفراد وهي ظاهرة (٥). واحتمال المجاز حاصل في الأولى، وفي كل

стр. 1717

حقيقة يدل اللفظ فيها على معنى مُفْرد، والدلالة الإفرادية عليه قطعية؛ فلذلك لم يطلب المجاز (١). واحتمال التخصيص إنما هو في الثانية (٢). قال: ومن تأمل هذا الكلام عَلِم أنَّ إيرادَ الحقيقة على العام ساقط؛ لأن في العام حقيقة ومجازًا يشارك (٣) فيهما غيرَه لا يُتَوقف فيهما، وفيه تخصيص ينفرد به لا يوجد مثله في الحقيقة (٤). قال: وهذا نفيسٌ جدًا. قلت: ونظيره على العكس قولنا: "لا رجلَ" بالفتح نَصٌّ في الاستغراق، وإنْ كان يحتمل (٥) المجاز؛ لإرادة: لا غلامَ

стр. 1718

رجلٍ (١). ولا رجلٌ: بالرفع ظاهر (٢) في الاستغراق لا نصٌّ. فهذا نظير العام، والأول نظير الحقيقة (٣). وإنما قلنا: على العكس؛ لأن نصية الاستغراق في الأول لا في الثاني، فلا رجلَ بالفتح: عمومه نَصٌّ مقطوعٌ به، وحقيقته ظاهرة، عكس العام. ولا رجلٌ بالرفع: عمومه ظاهر، وحقيقته محتملة للمجاز، كغيرها من الحقائق. (والله الموفق) (٤). قوله: "قال عارض" أي: احتج ابن سُرَيجٍ على مذهبه: بأنَّ العام وإنْ

стр. 1719

دلَّ على ثبوت الحكم في جَميع الأفراد - فاحتمال المخصِّص يعارضه؛ لأن العام قبل طلب المخصص يحتمل التخصيص، ويحتمل عدمه احتمالًا على (١) السواء. وأجاب: بأن الأصلَ عدمُ المخصِّص، والاحتمال بمجرده لا يصلح معارضًا لهذا الأصل؛ فيكون مرجوحًا (٢). فائدة: إذا اقتضى اللفظُ العامُّ عملًا مؤقتًا, وضاق الوقت عن طلبِ الخصوص، فهل يُعمل بالعموم أو يتوقف فيه؟ اختلف أصحابنا في ذلك، كما حكاه ابن الصباغ في كتابه "عدة العالم" في آخر مسألة إسماعِ اللهِ المكلفَ اللفظَ العامَّ دون مخصِّصه. وللخلاف نظائر كثيرة (٣) في المذهب: منها: هل للمجتهد التقليدُ عند ضيق الوقت، ليَعْمل به أم لا؟

стр. 1720

فيه (١) وجهان، الأول منهما: وهو الجواز - قَوْلُ ابن سريج. قال: ولا يجوز له أن يفتي. قال الرافعي: وقياسه أن لا يجوز القضاء وأَوْلى. ومنهم مَنْ طَردَ قول ابن سريج في القضاء. قال الرافعي: ومن قال به فقياسه طَرْدُه في الفتوى. ومنها: لا يجوز للقادر على الاجتهاد في القبلة أن يُقَلِّد غيره. فإن ضاق عليه الوقت، وظن أن وقت الصلاة ينتهي قبل اجتهاده، فهل يقلِّد ويصلي في الوقت، أو يتمادى في نظره إلى تمام الاجتهاد؟ فيه وجهان. ومنها: لو (٢) استيقظ قبيل الوقت، وكان بحيث لو اشتغل بالوضوء لخرج الوقت - فهل يباح له التيمم، أو يتوضأ ويصلي خارج الوقت؟ فيه وجهان.

стр. 1721

الفصل الثالث: المخصص

стр. 1722

قال: (الفصل الثالث: في المخصِّص . وهو متصل، ومنفصل. والمتصل أربعة: الأول: الاستثناء: وهو الإخراج بإلا غيرِ الصفة، ونحوها. والمنقطع مجاز). المخصِّص في الحقيقة هو إرادة المتكلم كما سبق، ويطلق على الدال على الإرادة مجازًا، وهو المراد هنا. ثم هو إما متصل، أو منفصل؛ لأنه إما أن يستقل بنفسه فالمنفصل، أَوْ لا بل تَعَلَّق معناه باللفظ الذي قبله فالمتصل. وقَسَّمه المصنف تبعًا للأكثر إلى أربعةٍ: الاستثناء، والشرط، والصفة، والغاية. وزاد ابن الحاجب خامسًا: وهو بدل البعض من الكل. مثل قولك: أكرِم الناسَ عالمهم. ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ (١). الأول: الاستثناء، وعَرَّفه بما ذكر فقوله: "إخراج" جنسٌ يندرج تحته كلُّ المخصِّصات. وقوله: "بإلا" خَرَج به ما عدا الاستثناء. قوله: "ونحوها" يعني: مثل: خلا، وعدا، وحاشا، وسوى. ثم إنه شَرَط في "إلا" أن تكون غيرَ صفةٍ، يعني: بمعنى غير (٢)، كما في قوله

стр. 1723

تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (١)، أي: غير الله، فإنها ليست للاستثناء. ومثله: جاءني رجالٌ إلا زيدًا. فإنه ليس باستثناء أيضًا، إذ لا يمكن أن يكون متصلًا؛ لأن شرط المتصل أن يكون لولا الاستثناء لوجب دخوله، وليس كذلك ها هنا (٢)؛ لأن بتقدير عدم الاستثناء لا يجب دخول زيد في "رجال"؛ لأنه لا يعم كما سبق ولا أن يكون منفصلًا؛ لأن شرط المنفصل أن لا (٣) يكون المستثنى داخلًا؛ وهنا يجوز أن يكون داخلًا. وقد أُورد على هذا التعريف: أنه غير جامع؛ لخروج الاستثناء المنقطع عنه؛ وذلك لأن المستثنى في الاستثناء المنقطع مثل: قام القوم إلا حمارًا - غير داخل في المستثنى منه ومنه قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ (٤)، قال القاضي في "مختصر التقريب": والأصح أنه ليس من الملائكة (٥). وكذلك قوله

стр. 1724

تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ (١)، و ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ (٢). وأجيب: بأن إطلاق الاستثناء على المنقطع مجاز، والحد للاستثناء الحقيقي. وإلى الاعتراض وجوابه أشار بقوله: "والمنقطع مجاز" على أنَّ منهم من يقول: المنقطع حقيقة (٣). وأُورد على التعريف أيضًا بأنَّ (٤) لفظة "إلا" أُخِذت في لَفْظِهِ، وهي من أدوات الاستثناء، فيكون تعريفًا للشيء بنفسه. وبأنَّه أتى في التعريف بالواو في قوله: "ونحوها"، وهو غير سديد، والصواب الإتيان بأو (٥) (٦).

стр. 1725

قال: (وفيه مسائل: الأُولى: شَرْطه الاتصال عادةً بإجماع الأدباء. وعن ابن عباس ﵁ خلافه قياسًا على التخصيص بغيره. والجواب: النقض بالصفة والغاية). يُشترط في الاستثناء شيئان: أحدهما: أن يكون متصلًا بالمستثنى منه عادةً . واحْتَرَزَ بقوله: "عادةً" عما إذا طال الكلام (١)، فإن ذلك لا يمنع صحة الاستثناء، كما قاله الإمام. وكذلك قَطْع الكلام بالتنفس والسعال لا يمنع الاتصال (٢). والدليل على ما قلناه من اشتراط الاتصال: إجماعُ أهل اللغة - وهم الأدباء - على ذلك. وهذا الدليل ليس بجيد؛ فإن ابن عباس مِنْ أخبر الناس بلغة العرب، فلا يتجه هذا إن صحَّ المنقولُ عنه (٣). ويمكن على بُعْدٍ أن يُجْعل قوله: "بإجماع الأدباء" متعلِّقًا بقوله:

стр. 1726

"عادةً" أي: لا يضر ما لا يَمْنَعُ الاتصالَ في العادة، كالسعالِ، والتنفس - بإجماعهم. ونُقِل عن ابن عباس ﵁ أنه جَوَّز الاستثناء المنفصل، ولم يصح عنه. ثم اختلف النَّقَلةُ عنه: فَنُقِل عنه أنه يُجَوِّز الاستثناء إلى شهر (١)، ونَقَل الشيخُ أبو إسحاق عنه الجواز إلى سنة (٢) (٣)، ونقل الجواز أبدًا (٤). فهذه ثلاث روايات (٥)، فلما لم يصح النقل عنه - عَبَّر المصنفُ بقوله:

стр. 1727

"ونُقِل" (١)، ولما لم يُعْرف أقيَّده أم أطلقه، وعلى تقدير التقييد: . بماذا هو - عَبَّر المصنف بقوله: "خلافه". وقال القاضي في "مختصر التقريب" فمَنْ بعده: لعل مراده إنْ صح النقلُ ما إذا نوى الاستثناء متصلًا بالكلام، ثم أظهر نيته بعده - فإنه يُدَيَّن (٢) (٣).

стр. 1728

وَاحْتُجَّ للمنقول عن ابن عباس بالقياس على التخصيص بغير الاستثناء، بجامع أنَّ كلًا منهما مخصِّص. وأجيب بالنقض بالصفة، والغاية، وكذا الشرط، فإن هذا يقتضي جواز انفصالها، وهو باطل اتفاقًا. وقد نَقَل الشيخُ أبو إسحاق عن الحسن وعطاء (١): أنهما جَوَّزا الاستثناء ما دام في المجلس (٢). وقال قوم بصحة الاستثناء المنفصل في كتاب الله, دون غيره (٣) (٤).

стр. 1729

فوائد: إحداها (١): ذكر ابن النجار في "تاريخ بغداد" في أثناء حرف الشين المعجمة: أن أبا إسحاق الشيرازي (٢) أراد الخروج مرة من بغداد، فاجتاز في بعض الطرق، وإذا برجل على رأسه سلةٌ فيها بقل وهو (٣) يَمْصُل على ثيابه (٤)، وهو يقول لآخرَ معه: مذهب ابنِ عباسٍ في الاستثناء غيرُ صحيح؛ إذ لو كان صحيحًا لما قال الله تعالى لأيوب ﵇: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ (٥)، بل كان يقول له: استثن، ولا حاجة إلى هذا التَحَيُّل في البَرِّ. قال: فقال الشيخ (٦) أبو إسحاق: بلدةٌ فيها رجلٌ يحمل البقلَ وهو يرد على ابن عباس - لا تستحق أن يُخرج منها (٧).

стр. 1730

الثانية: (قال القرافي: المنقول) (١) عن ابن عباس إنما هو في التعليق على مشيئة الله تعالى خاصة، كمن حلف وقال: إن شاء الله. وليس هو في الإخراج بإلا وأخواتها. قال: ونَقَل العلماءُ أن مَدْرَكه في ذلك قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ (٢) قالوا: المعنى: إذا نسيتَ قَوْل إن شاء الله - فَقُلْ بعد ذلك، ولم يخصِّص وقتًا (٣). الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ , التقدير: ولا تقولن لشيء قولًا جازمًا إلا أن تَعْلم مشيئة الله تعالى، وهي لا تُعْلم؛ فلا تَقُلْ هذا القول الجازم. فالنهي حالةَ عدم العلم إنما هو عن جَزْم القول بأني فاعلٌ ذلك غدًا، ولا يلزم منه أن لا يقول ذلك غيرَ جازم به، بل يعلِّقه (٤) (على مشيئة الله) (٥)، فمن قال: أفعل غدًا إن شاء الله - غير آتٍ بالمنهي عنه. فافهم هذا فهو حسن (٦). فإنْ قلت: مَنْ قال: ﴿إِنِّي فَاعِلٌ﴾ مع قوله: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ - هو

стр. 1731

قائل: ﴿إِنِّي فَاعِلٌ﴾، فيكون آتيًا بالمنهي عنه وإن أَتَى بلفظ: إن شاء الله. قلت: لا نسلم أنَّ مَنْ قال ذلك مع قول: إن شاء الله - يكون آتيًا بالمنهي عنه (١)؛ وذلك لأن الكلام المركب مِنْ أجزاءٍ لا يَصْدق أنه ذلك الكلام إلا بجميع أجزائه، وكذا مَنْ أقَرَّ لرجلٍ بخمسةٍ وعشرين - لا يَصْدق أنه أقر بخمسةٍ؛ لأن الضميرَ العائد على الخمسة غيرُ العائد على الخمسة والعشرين. قال: (وعدم الاستغراق). الشرط الثاني: عدم الاستغراق ؛ فإن المستغرِقَ مثل: عشرة إلا عشرة - باطلٌ (٢) اتفاقًا، كما نقله الأئمة (٣)، لكن قال القرافي: نقل ابن طلحة في مختصره المعروف بـ "المدخل" فيما إذا قال لامرأته: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلا ثلاثًا - قولين، أحدهما: أنه استثناء وينفعه (٤) (٥). وهذا غريب.

стр. 1732

قال: (وشَرَط الحنابلةُ أن (١) لا يزيد على النصف، والقاضي أن ينقص منه. لنا: لو قيل: له عليَّ عشرةٌ إلا تسعة - لزم واحدٌ إجماعًا. وعلى القاضي استثناء الغاوين من المخلصين وبالعكس. قال: الأقل يُنسى فيستدرك. ونوقض بما ذكرناه (٢)).

стр. 1733

ذهب الأكثرون إلى صحة استثناء الأكثر (١)، حتى لو قال: له عليَّ عشرةٌ إلا تسعة - لم يلزمه سوى درهمٍ واحد. وقالت الحنابلة: يشترط أن لا يزيد على النصف (٢). وقال القاضي: يشترط أن ينقص عنه (٣). هذا هو المنقول في الكتاب، ونقل الشيخ أبو إسحاق الشيرازي والآمدي عن الحنابلة امتناعَ المساوي أيضًا، كالمنقول عن القاضي (٤). ولم تختلف النَّقَلة فيما أسندوه إلى القاضي من امتناع المساوي (٥)، والذي في

стр. 1734

"مختصر التقريب": كنا على تجويز استثناء الأكثر دهرًا، والذي صح عندنا آنفًا مَنْعُ ذلك (١). ولم يتعرض لاشتراط الأقلية (٢). وقال قوم: إنْ كان العدد صريحًا لم يجز استثناء الأكثر، مثل: عليَّ (٣) عشرة إلا تسعة. وإلا جاز، مثل: خذ هذه الدراهم إلا ما في الكيس الفلاني. وكان ما في الكيس أكثر من الباقي (٤).

стр. 1735

وقال آخرون بمَنْع استثناء أكثرِ الجملةِ منها إذا كان المستثنى جملةً، نحو: جاء إخوتك العشرة إلا سبعة. وتجويز استثنائهم تفصيلًا وتعديدًا نحو: إلا زيدًا منهم، وبكرًا، وخالدًا، إلى أن يأتي السبعة. حكاه الأستاذ أبو محمد الحسن بن عيسى العارض المعتزلي في كتابه "النكت" في أصول الفقه - عن بعض شيوخ النحو من أهل عصره (١). واعلم أن (٢) الكلام في الاستثناء من العدد مبني على صحته، وللنحاة فيه مذاهب: أحدها: أنه لا يجوز، وصححه ابن عُصْفور (٣). والثاني: وهو المشهور، الجواز (٤). والثالث: إنْ كان المستثنى عَقْدًا من العقود (٥) لم يجز، نحو: عشرين إلا

стр. 1736

عشرة. وإن لم يكن عقدًا جاز نحو: مائة إلا ثلاثة (١). واستدل المصنف على المختار (٢) بوجهين: أحدهما: وهو احتجاجٌ على الفريقين، أعني: من اشترط أن لا يزيد على النصف، ومن اشترط أن ينقص عنه: أن الفقهاء أجمعوا على أنَّ مَنْ قال: لفلانٍ عليَّ عشرة إلا تسعة - يلزمه واحد فقط، ولولا صحة هذا الاستثناء لما كان كذلك. ونَقْلُ الإجماع مردودٌ، فقد حُكي خلاف أحمد بن حنبل، وبعض المالكية (٣). والثاني: وهو مختص بمن اشترط الأقلَّ، على أنَّ القاضي أورده في "مختصر التقريب" ولم يذكر اشتراط الأقلية، وإنما أورده من جهة الرادين على من اشترط أن لا يكون أكثر (٤)، وقال: "هذا أمثل ما يستدلون به،

стр. 1737

مع أن للقول فيه مجالًا" (١)، ولم يذكر عنه جوابًا. والشيخ أبو إسحاق قال: "إنه دليل قاطع لا جواب للخصم عنه" (٢). وتقريره: أن الله تعالى استثنى الغاوين من المخلَصين في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (٣)، وبالعكس أي: استثنى جَلَّ وعَزَّ المخلصين من الغاوين (في قوله حكاية عن إبليس: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (٤)) (٥)، فلو (٦) كان المستثنى أقل من المستثنى منه لزم أن يكون كلُّ واحدٍ من الغاوين والمخلَصين أقلَّ من الآخر، وهو محال (٧).

стр. 1738

واحتج القائل باشتراط الأقل وهو القاضي - على ما ذكر في الكتاب -: بأن الاستثناء خلافُ الأصل؛ لكونه بمنزلة الإنكار بعد الإقرار، وخَالَفْنا هذا الأصل في الأقل؛ لكونه قليلَ الخطور بالبال، فربما نسيه المُقِرُّ فيستدركه في الاستثناء. وهذا بخلاف الأكثر، فلذلك جَوَّزنا في الأقل دون الأكثر. وأجاب: بأنه منقوض. بما ذكرناه. وهذا يحتمل وجهين: أحدهما: بأنه منقوضٌ بما ذكرناه من الإجماع فيما إذا قال: له عليَّ عشرةٌ إلا تسعة. وقد ذكرنا أنه غير ثابت. والثاني: أنه منقوضٌ بما ذكرناه من استثناء الغاوين من المخلَصين، وبالعكس، فإن النسيان محال في جانب الباري تعالى. وهذا الدليل قد (١) أجيب عنه: بأنا لا نسلم أنَّ إلا في قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (٢) للاستثناء، بل هي بمعنى لكن (٣). سلمنا أنه استثناء، لكنا إنما نمنع من استثناء الأكثر إذا كان عدد المستثنى والمستثنى منه مصرحًا به، مثل: عشرة إلا تسعة. أما إن (٤) لم يكن مصرحًا به مثل: خُذْ ما في هذا (٥) الكيس من الدراهم سوى

стр. 1739

الزيوف - فإنه يصح وإن كانت الزيوف أكثر (١). سَلَّمنا (٢)، ولكنا نقول: المستثنى في الاثنين (٣) أقل، أما قوله: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (٤) فيشمل كلَّ العباد المخلصين من بني آدم؛ لقوله: ﴿مِنْهُمُ﴾ إشارة لبني آدم، ومعلوم أن المخلصين من بني آدم أقل. وأما قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ فالمستثنى أقل أيضًا؛ لأن قوله: ﴿عِبَادِي﴾ يشمل الملائكة؛ لكونه اسمَ جنسٍ أضيف، ومعلوم أنَّ كلَّ الغاوين أقلُّ من الملائكة وحدهم، فكيف إذا أضيف إليهم صالحو بني آدم! فتحرر أنه استثنى الغاوين من كل عباده، وهم أقلُّ مِنْ مخلصيهم؛ لدخول الملائكة في المخلصين، ومعلوم أنهم أكثر مِنْ غيرهم. قال ﵇: "أطَّتِ السماء (٥)، وحُقَّ لها أن تَئِطَّ، ما فيها موضع شِبْرٍ إلا وفيه مَلَكٌ يسبح الله" (٦).

стр. 1740

ولقائل أن يقول: الجواب عن الأول: أنَّ جَعْلَ "إلا" بمعنى "لكن" فيه خروجٌ عن حقيقتها بلا دليل. وعن الثاني: أنَّ الدعوى عامة فيما إذا كان عدد (١) المستثنى والمستثنى منه مصرحًا به، وفيما إذا لم يكن (٢). وعن الثالث: بأنه تعالى قال في سورة الحجر حكاية عن إبليس: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (٣) فاستثنى الأقل؛ لأنه استثنى المخلَصين من بني آدم وهم أقل. ثم قال: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (٤)، والمراد بعباده هنا (٥) المعهودون (٦) الذين تقدم ذكرهم، وفيهم وقع الكلام؛ وهم المخلَصون من بني آدم، وليس المراد العموم حتى تدخل الملائكة؛ لأن العهد مقدم على العموم، والآية وقعت في "الحِجْر" مُبَيَّنة، والقصة واحدة. والله أعلم.

стр. 1741

ومنهم من استدل مع التمسك بقوله: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ بقوله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (١) ولم يتعرض للآية الأخرى (٢). وفيه نظر؛ فإن قوله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ إنما يدل على الأكثرين (٣) من الذين بُعث إليهم النبي ﷺ ، والألف واللام في الناس للعهد، ولا يلزم من كون الغاوين أكثر في هذه الطائفة أن يكونوا أكثر بالنسبة إلى كل الطوائف من لدن آدم ﵇ إلى يوم القيامة (٤). . . . . . .

стр. 1742

(١) والله أعلم. قال: (الثانية: الاستثناء من الإثبات نفيٌ ، وبالعكس (٢)، خلافًا لأبي حنيفة. لنا: لو لم يكن كذلك لم يَكْفِ لا إله إلا الله. احتج بقوله ﵇: "لا صلاة إلا بطهور". قلنا: للمبالغة). الاستثناء من الإثبات نحو: قام القوم إلا زيدًا - نفيٌ للقيام (٣) عن زيد بالاتفاق (٤). وزعم بعضهم أن الخلاف جارٍ فيه أيضًا، قال الهندي: "وهو

стр. 1743

الحق، وبه صرح بعضهم" (١). وأما الاستثناء من النفي (٢) هل هو إثبات فقال أصحابنا: نعم. وخالفت الحنفية (٣) فقالت: لا يدل إلا على الحكم على (٤) المستثنى منه، والمستثنى مسكوت عنه (٥).

стр. 1744

واحتج أصحابنا: بأنه لو لم يكن إثباتًا لم يكف قول القائل: لا إله إلا الله - في توحيده؛ لأن اللفظ حينئذ ليس إلا لنفي الإلهية عما عدا الله، وهو ساكت عن إثباتها لله، فيفوت أحد شرطي التوحيد، فلا يكفي ذلك، ولا قائل بهذا، كيف والنبي ﷺ يقول: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله". واحتج أبو حنيفة بقوله ﵇: "لا صلاة إلا بطهور" (١) فإن تقديره: لا صحة للصلاة إلا بطهور، فلو كان الاستثناء من النفي إثباتًا - لكان حيث وُجد الطهور وُجدت صحة الصلاة، وليس كذلك؛ لجواز فواتها لفقدان شرطٍ آخر. وأجاب المصنف: بأن الحصر قد يُؤتى به للمبالغة لا للنفي عن الغير، مثل: "الحج عرفة" (٢)، والطهارة لما كانت أعظم الشروط صُيِّرت كأنه لا

стр. 1745

شرط إلا هي. وأحسن من هذا الجواب ما ذكره صاحب "التحصيل" مِنْ أن قولنا: الاستثناء من النفي إثباتٌ - يصدق بإثبات صورةٍ في كل استثناء؛ لأن دعوى الإثبات لا عمومَ فيها، بل هي مطلقة، فتقتضي صحةَ الصلاة عند وجود الطهارة بصفة الإطلاق لا بصفة العموم (١). وإنْ شئتَ قلتَ: "لا صلاة" نَفْيٌ كلي (٢). وقوله: "إلا بطهور" إثباتٌ جزئي (٣)؛ لأن نقيض الكلي جزئي (٤)، ونحن نقول به؛ إذ قد يوجد الطهور ومعه بقية الشروط والصلاة (٥). واعلم أن هذا الحديث لا يُعْرف بهذا اللفظ، فالأولى أن يُغَيَّر بحديث: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" (٦).

стр. 1746

قلت: وقد وقع لي في بعض المجالس الاستدلال على صحة مذهب أبي حنيفة بقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (١). وجه الحجة: أنه لو كان الاستثناء من النفي إثباتًا لكان المرء مكلفًا بكل ما تسعه نفسه؛ لأن الوُسْع (٢) مستثنى في قوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ (اللَّهُ نَفْسًا) (٣)﴾، وقد أضيف بقوله: ﴿وُسْعَهَا﴾ فيقتضي العموم بناءً على أن (٤) المفرد المضاف يعم، والتقدير: لا يكلف الله نفسًا بشيءٍ إلا (بكل ما) (٥) تسعه، (فيكون كل ما تسعه مكلفة به) (٦)، وليس كذلك. وكان البحث بين يدي والدي أيده الله، فاستحسن ذلك (٧).

стр. 1747

فرع: لو قال: لا أجامعكِ سنةً إلا مرة. فمضت سنة ولم يطأ - فهل يلزمه كفارة؛ لاقتضاء اللفظ الوطء، أَمْ لا؛ لأن المقصود منع الزيادة؟ وجهان يتجه تخريجهما على هذا الأصل. قال النواوي: أصحهما: لا كفارة (١). قال: (الثالثة: المتعددة إنْ تعاطفت أو استغرق الأخير (٢) الأول عادت إلى المتقدم عليها، وإلا يعود الثاني إلى الأول؛ لأنه أقرب) . الاستثناء من الاستثناء جائز، وحُكِي عن بعضهم خلافُه، وهو ضعيف، قال الله تعالى: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ (٣). وإذا ثبت جواز الاستثناء من الاستثناء - فنقول: الاستثناءات المتعددة

стр. 1748

إما أن يكون بعضها معطوفًا على بعض، أوْ لا. إنْ كان الأول عاد الكل إلى الأول المستثنى منه، نحو: له عليَّ عشرةٌ إلا أربعة وإلا ثلاثة وإلا اثنين. فإنَّ الكل يرجع إلى الأول، فلا يلزم المُقِرَّ إلا واحدٌ (١). وإنْ كان الثاني فإما أن يكون الاستثناء الثاني مستغرِقًا للأول، أوْ لا. فإن كان مستغرقًا، قال الإمام: أو مساويًا له (٢) - عاد الكل إلى

стр. 1749

المتقدم أيضًا. مثل: عَليَّ عشرة إلا اثنين إلا ثلاثة إلا أربعة. فلا يلزم غير واحد. وإلى هذين القسمين أشار بقوله: "عادت إلى المتقدم عليها". وإن لم يكن مستغرِقًا - عاد الاستثناء الثاني إلى الأول (١). مثل: عشرة إلا ثمانية إلا سبعة، حتى يلزم تسعة (٢)، وإلى هذا أشار بقوله: "وإلا يعود الثاني إلى الأول" أي: دون المستثنى منه. وعَلَّله: بأن الأول أقرب إليه من المستثنى منه، والقرب يدل على الرجحان عند البصريين، فإنهم في تنازع العاملَيْن في العمل اختاروا عمل الأقرب (٣). ولك أن تقول الأقربيَّة لا تدل على اللزوم، وإنما تدل على الرجحان،

стр. 1750

كما في تنازع العاملَيْن، فإنه لا نزاع بين البصريين والكوفيين في جواز إعمال كلٍّ منهما، وإنما الخلاف في الأولوية (١)، فينبغي أن يُقَرَّر بوجهٍ آخرَ فيقال (٢): إما أن يعود إلى الثاني, أو إلى الأول؛ لاستحالة عوده إليهما معًا، وعدم عوده إلى واحدٍ منهما. وعَوْدُه إلى الأول منتف؛ للزوم الترجيح من غير مرجح في اللزوم؛ لأنهما فيه سواء (٣)، فيعود إلى الأولوية. ونقول: لا يعود إلى الأول؛ لأنه مرجوح (٤). فرع (٥): لو كان الاستثناء الأول مستغرقًا للمستثنى منه دون الثاني، كقوله عشرة إلا عشرة إلا أربعة - ففيه أوجه للأصحاب: أحدها: يلزمه عشرة، ويبطل الأول؛ لاستغراقه، (والثاني؛ لأنه من باطل) (٦).

стр. 1751

والثاني: يلزمه أربعة، ويصح الاستثناءان؛ لأن الكلام إنما يتم بآخره (١). قال ابن الصباغ: وهو أقيس. والثالث: يلزمه (٢) ستة؛ لأن الأول باطل، والثاني يرجع إلى أول الكلام (٣) (٤). قال (٥): (الرابعة: قال الشافعي ﵁: المُتَعَقِّب للجمل كقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ (٦) يعود إليها. وخَصَّ أبو حنيفة بالأخيرة (٧)، وتوقف القاضي والمرتضي. وقيل: إنْ كان بينهما تَعَلُّق فللجميع، مثل: أكرم

стр. 1752

الفقهاء والزهاد، وأنفق (١) عليهم إلا المبتدعة. وإلا فللأخيرة) (٢). هذه المسألة في حكم الاستثناء الواقع عقيب جملٍ عُطِف بعضها على بعض (٣)، مثل: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ (٤) فإنَّ هذا استثناء وقع بعد ثلاث جمل: الأولى آمرةٌ بجلدهم، والثانية ناهية عن قبول شهادتهم، والثالثة مخبرة

стр. 1753

بفسقهم. وقد اختلف العلماء فيها على مذاهب: الأول: وهو مذهبنا (١)، أنه يعود إلى الجميع، لكن بشروط: أحدها: أن تكون الجمل معطوفة (٢). والثاني: أن يكون العطف بالواو الجامعة، فأما إن كان بثم اختَصَّ بالأخيرة (٣)، ذكره. . . . . . . . . . . .

стр. 1754

الآمدي (١)، قال الأصفهاني: ولم أَرَ مَنْ تقدمه به (٢). قلت: وقد تقدمه إمام الحرمين، كما نصَّ عليه في "النهاية" (٣)، وفي مختصرٍ له في أصول الفقه، ونقله الرافعي في كتاب الوقف عنه (٤). والثالث: نقله الرافعي عن رأي إمام الحرمين أيضًا، أن لا يتخلل بين الجملتين كلامٌ طويل، فإنْ تخلل اختُصَّ بالأخيرة (٥). قال الرافعي: كما لو قال: وقفت على أولادي، على أنَّ مَنْ مات منهم وأعقب فنصيبه بين أولاده للذكر مثل حظ الأنثيين، وإن لم يُعْقِب فنصيبه للذين في درجته. فإذا انقرضوا فهو مصروف إلى إخوتي إلا أن يفسق واحد منهم - فيختص الاستثناء بالإخوة (٦) (٧).

стр. 1755

المذهب الثاني: وإليه ذهب أبو حنيفة (١)، أنه يعود إلى الأخيرة خاصة، حتى لا تُقبل شهادة القاذف وإن تاب وصار من الأبرار. والثالث: التوقف. وإليه ذهب القاضي (٢)، والغزالي منا (٣)، والمرتضى من الشيعة، إلا أن القاضي توقف لعدم العلم. بمدلوله لغةً (٤). وقال الإمام: إنه الذي نختاره في المناظرة (٥). والمرتضى توقف لكونه عنده مشتركًا بين عوده إلى الكل، وعوده إلى الأخيرة فقط (٦). واعلم أن القول بالاشتراك إنما يكون من باب الاشتراك في المركبات
следующие страницы →