← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

والثاني: يلزمه أربعة، ويصح الاستثناءان؛ لأن الكلام إنما يتم بآخره (١). قال ابن الصباغ: وهو أقيس. والثالث: يلزمه (٢) ستة؛ لأن الأول باطل، والثاني يرجع إلى أول الكلام (٣) (٤). قال (٥): (الرابعة: قال الشافعي ﵁: المُتَعَقِّب للجمل كقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ (٦) يعود إليها. وخَصَّ أبو حنيفة بالأخيرة (٧)، وتوقف القاضي والمرتضي. وقيل: إنْ كان بينهما تَعَلُّق فللجميع، مثل: أكرم

стр. 1752

الفقهاء والزهاد، وأنفق (١) عليهم إلا المبتدعة. وإلا فللأخيرة) (٢). هذه المسألة في حكم الاستثناء الواقع عقيب جملٍ عُطِف بعضها على بعض (٣)، مثل: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ (٤) فإنَّ هذا استثناء وقع بعد ثلاث جمل: الأولى آمرةٌ بجلدهم، والثانية ناهية عن قبول شهادتهم، والثالثة مخبرة

стр. 1753

بفسقهم. وقد اختلف العلماء فيها على مذاهب: الأول: وهو مذهبنا (١)، أنه يعود إلى الجميع، لكن بشروط: أحدها: أن تكون الجمل معطوفة (٢). والثاني: أن يكون العطف بالواو الجامعة، فأما إن كان بثم اختَصَّ بالأخيرة (٣)، ذكره. . . . . . . . . . . .

стр. 1754

الآمدي (١)، قال الأصفهاني: ولم أَرَ مَنْ تقدمه به (٢). قلت: وقد تقدمه إمام الحرمين، كما نصَّ عليه في "النهاية" (٣)، وفي مختصرٍ له في أصول الفقه، ونقله الرافعي في كتاب الوقف عنه (٤). والثالث: نقله الرافعي عن رأي إمام الحرمين أيضًا، أن لا يتخلل بين الجملتين كلامٌ طويل، فإنْ تخلل اختُصَّ بالأخيرة (٥). قال الرافعي: كما لو قال: وقفت على أولادي، على أنَّ مَنْ مات منهم وأعقب فنصيبه بين أولاده للذكر مثل حظ الأنثيين، وإن لم يُعْقِب فنصيبه للذين في درجته. فإذا انقرضوا فهو مصروف إلى إخوتي إلا أن يفسق واحد منهم - فيختص الاستثناء بالإخوة (٦) (٧).

стр. 1755

المذهب الثاني: وإليه ذهب أبو حنيفة (١)، أنه يعود إلى الأخيرة خاصة، حتى لا تُقبل شهادة القاذف وإن تاب وصار من الأبرار. والثالث: التوقف. وإليه ذهب القاضي (٢)، والغزالي منا (٣)، والمرتضى من الشيعة، إلا أن القاضي توقف لعدم العلم. بمدلوله لغةً (٤). وقال الإمام: إنه الذي نختاره في المناظرة (٥). والمرتضى توقف لكونه عنده مشتركًا بين عوده إلى الكل، وعوده إلى الأخيرة فقط (٦). واعلم أن القول بالاشتراك إنما يكون من باب الاشتراك في المركبات

стр. 1756

لا في المفردات، ويكون مبنيًا على وضع المركبات، ولا يمكن أن يقال العود من المفردات (١). ذكره القرافي (٢). ولما تغاير توقُّفُ القاضي والمرتضى - حَصَلْنا من التوقف على مذهبين (٣)، فنقول: والمذهب الخامس: وإليه ذهب أبو الحسين، وقال الإمام: "إنه داخل في التحقيق. وإنه حق" (٤)، أنه إنْ كان بين الجمل تَعَلُّقٌ عاد الاستثناء إليها.

стр. 1757

والتعلق: أن يكون حكم الأولى أو اسمها مضمرًا في الثانية: في الحكم، نحو: أكرم الفقهاءَ والزهادَ إلا المبتدعة. تقديره: وأكرم الزهاد (١). وفي الاسم، نحو: أكرم الفقهاء، وأنفق عليهم إلا المبتدعة. أي: على الفقهاء (٢). وقد أشار المصنف إلى المثالين، فتيقظ (٣) لذلك. وإن لم يكن بين الجمل تَعَلُّقٌ اختص بالأخيرة؛ لأن الظاهر أنه ما انتقل عن جملة مستقلةٍ بنفسها إلى جملة أخرى إلا وقد تم غرضه من الأولى، فلو رجع الاستثناء إلى الجميع لم يكن مقصوده من الأولى قد تَمّ (٤).

стр. 1758

قال: ((لنا: الأصل) (١) اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في المتعلَّقات، كالحال، والشرط، وغيرهما (٢). قيل: الاستثناء (٣) خلافُ الدليل خُولف في الأخيرة للضرورة، فبقيت الأولى على أصلها (٤). قلنا: (منقوض بالصفة والشر) (٥)). احتج الشافعي رضوان الله عليه: بأن الأصل اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في جميع المُتَعَلَّقات: كالحال، والشرط، وكالصفة، والجار (٦) والمجرور، والظرف، فيجب أن يكون الاستثناء كذلك. والجامع أنَّ كلًا غيرُ مستقلٍ بنفسه. ومثال اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في الحال: أكرم ربيعة، وأعط مضر نَازِلَيْن بك.

стр. 1759

وفي الصفة: الطوال. وفي الشرط: إن نزلوا بك. وفي الجار والمجرور: اضرب زيدًا، وأهِنْ عَمْرًا في الدار. وفي الظرف: صم، وصَلِّ يوم الخميس. وقد نَقَل الإمامُ عن الحنفية موافَقَتَنا على عود الشرط إلى الكل (١). وأما الحال والظرف والمجرور فقال: "إنا نخصهما بالأخيرة (٢) على قول أبي حنيفة" (٣). وحينئذ لا يحسن استدلال المصنف بها على الحنفية (٤).

стр. 1760

و (١) في الدليل نظر آخر: وهو أنه لا يلزم من اشتراك الشيئين من بعض الوجوه اشتراكهما في جميع الأحكام، واللغة لا تُثْبَت قياسًا، مع أنَّ الفرق ثابت؛ فإن الشرط متقدم على المشروط من جهة المعنى، وإنْ تأخر من جهة اللفظ، بخلاف الاستثناء فإنه مُؤَخَّرٌ من الجهتين (٢). واحتج أبو حنيفة: بأن الاستثناء خلاف الأصل؛ لتنزله منزلة الإنكار بعد الإقرار كما سبق، وإذا كان على خلاف الدليل كان مرجوحًا، لكن خالفنا مقتضى الدليل في الجملة الأخيرة للضرورة؛ لأن الاستثناء غير مستقل، ولا يمكن إلغاؤه، وإنما جعلناه للجملة الأخيرة لأنها أقرب، فبقي ما عداها على الأصل. أجاب: بأن هذا الدليل منقوض بالصفة والشرط، فإنهما عائدان إلى الكل مع وجود المعنى الذي قلتموه بعينه فيهما. وفي النقض بالصفة نظرٌ، فإن أبا حنيفة ﵀ لا يقول بعودها إلى الجميع، بل هي عنده كالاستثناء في الاختصاص بالأخيرة، كما نقله عنه جماعة (٣)، فالأولى

стр. 1761

الاكتفاء بالنقض بالشرط. فإن قلت: لأبي حنيفة أن يعتذر عن الشرط بأن له صدر الكلام (١)، كما تقدم. قلتُ: سلَّمنا أنَّ رتبته التقدم، ولكن على الجملة الأخيرة التي هي مشروطة لا على جميع الجمل. فإنْ قلت: لما حصل الشك في أن الشرط هل هو شرط (٢) للجميع، أو للأخيرة فقط، بمقتضى اختلاف الأئمة (٣)، والشك في الشرط يوجب الشك في المشروط - لَمْ يُرَتَّب (٤) (٥) الحكم في المشروط إلا بعد وجوده (لأنه ما لم يتحقق وجود الشرط) (٦) فالمشروط (٧) مشكوك فيه. قلت: قد يُمنع هذا، ويقال: الأصل عدم كونه شرطًا، فيرتب (٨) الحكم ما لم يثبت شرطيته للجميع (٩).

стр. 1762

فائدة: الخلاف (١) المتقدم في أن الاستثناء هل يختص بالأخيرة، أو يعود إلى الجميع، أو غير ذلك - إنما هو فيما إذا لم يقم دليلٌ على واحد بعينه (٢). وقد وقع استثناءٌ بعد جملتين، وهو عائد إلى الجملة الأولى وحدها، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ (٣)، فإن هذا الاستثناء مختص بالجملة الأولى، أعني: قوله: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ , ولا يجوز أن يكون عائدًا إلى الأخيرة، أعني: إلى قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾؛ إذ التقدير حينئذ: إلا من اغترف غرفة بيده فليس مني. والمعنى على خلاف ذلك؛ لأن المقصود أنَّ مَنْ لم يطعمه مطلقًا، ومن اغترف منه غرفة بيده (على حد سواء. ولا يمكن أن يكون التقدير: إلا من اغترف غرفة بيده) (٤) فإنه مني، على هذا التقدير؛ لأنه لا يُعقل استثناءٌ حينئذ؛ إذ المستثنى

стр. 1763

لا بد أن يغاير حكمُه حكمَ المستثني منه (١). وكذلك في قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ (٢)، فإنَّ هذا الاستثناء مختص بالجملة الأولى، أي (٣): والله أعلم: لا يحل لك النساء، والنساء أعم من الزوجات والإماء، واستثنى ما يملكه اليمين، وحَرَّم أيضًا أن يتبدل بالأزواج، ولا يمكن عود الاستثناء إلى الجملة الأخيرة؛ إذ تصير: إلا ما قد استثنين من الأزواج، وهن (٤) لا يمكن كونهن أزواجًا له ﷺ (٥). ووقع استثناء وهو عائد إلى الجميع بلا اختلاف في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ (٦)، وهذا يصلح نقضًا على أبي حنيفة، ومُعْتَصَمًا لأصحابنا (٧).

стр. 1764

ووقع استثناء وهو راجع إلى الجملة الأخيرة بلا خلاف، غير راجع إلى الأولى على الصحيح، وفي المتوسطة اختلاف، وذلك في آية القاذف المتقدمة (١)، فإن الجلد ثابت سواء أتاب (٢) القاذف أم (٣) لم يتب، وإنما الخلاف في قبول الشهادة، وهي الجملة المتوسطة. فإن قلت: فهذه الآية والآية الأولى ينقضان مذهبكم كما نقضت آية

стр. 1765

قُطَّاع الطريق رأي أبي حنيفة. قلت: قد قلنا: إنَّ الأصل عندنا أن الاستثناء يعود على الجميع، وقد يتخلَّف ذلك لدليل، وفي الآية الأولى تخلَّف لعدم الإمكان، وفي آية القاذف لأنه حق آدمي لا يسقط بالتوبة. وأما الحنفية فلا عذر لهم في مخالفة أصلهم. قال: (الثاني: الشرط: وهو ما يتوقف عليه تأثير المؤثِّر، لا وجوده. كالإحصان). القسم الثاني من أقسام المخصِّصات المتصلة: الشرط . وهو في اللغة: العلامة. ومنه أشراط الساعة، أي: علاماتها (١). وفي الاصطلاح: هو الذي يَتَوَقَّف عليه تأثيرُ المؤثِّر لا وجودُ المؤثر.

стр. 1766

كالإحصان لوجوب الرجم. فإن تأثيرَ المؤثِّر في وجوب الرجم وهو الزنا - متوقفٌ عليه، دون وجوده؛ لأنه قد يوجد الزنا ولا يوجد الإحصان. وإنما قال: "لا وجوده" ولم يقل: "لا ذاته" كما فعل الإمام (١)؛ لئلا يرد على طَرْده (٢) العلة التامة: وهي المركبة من المقتضِي، والشرط، وانتفاء المانع. فإن تأثيرها متوقف على ذاتها بالضرورة، فالشرط جزؤها، وذاتها لا تتوقف عليها؛ لأن الشيء لا يتوقف على نفسه. وهذا بخلاف الوجود، فإنه على رأي المصنف وصف عارض للماهية، كما تقدم في الاشتراك، (فلا تدخل) (٣) تحت الحد (٤). فافهم

стр. 1767

ذلك، فهو من محاسن الصنف (١) (٢). وهنا فائدتان: إحداهما: أن الشرط قد يكون شرعيًا، كما مثلناه في الإحصان. وقد يكون عقليًا، كقولنا: الحياة شَرْطٌ للعلم. وقد يكون لغويًا نحو: إنْ كلمتِ زيدًا فأنت طالق. وقد يكون عاديًا، كالسلم مع صعود السطح. والكلام ليس إلا في الشرعي، ويدل على ذلك تمثيل المصنف بالإحصان (٣). الثانية: أن الشروط اللغوية أسباب (٤)، بخلاف غيرها من الشروط،

стр. 1768

وقاعدتها مباينة لقاعدة الشروط الأُخَر، ويظهر الفرق بين القاعدتين بتبيين حقيقة السبب، والشرط، والمانع. فالسبب: هو الذي يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته. والشرط: هو الذي يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته. والمانع: هو الذي يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته. وقد أوضحنا ذلك في أوائل تقسيم الألفاظ، فعاوِدْه، فإذا (١) راجعته وتقرر ذلك - فالمعتبر من المانع وجوده، ومن الشرط عدمه، ومن السبب وجوده وعدمه (٢). ولك أن تمثِّل ذلك بالزكاة: فالسبب النصاب، والحَوْل شرطٌ، والدَّيْن مانعٌ عند مَنْ يراه مانعًا (٣). وإذا ظهرت حقيقة كلِّ واحدٍ من السبب، والشرط، والمانع - وضح أن الشروط اللغويةَ أسبابٌ بخلاف غيرها من الشروط العقلية كالحياة مع العلم، أو الشرعية كالإحصان مع الرجم، والعادية (٤) كالسلم مع الصعود؛

стр. 1769

فإن هذه الشروط يلزم من عدمها العدم في الشروط، (ولا يلزم من وجودها وجودٌ ولا عدم، فقد يُوجد المشروطُ) (١) عند وجودها، كوجوب الزكاة عند الحول الذي هو شرطٌ، وقد يقارِن الدَّيْنَ فيمتنع (٢) الوجوب. وأما الشروط اللغوية: التي هي التعاليق، كقوله: إنْ دخلتِ الدارَ فأنتِ طالقٌ - يلزم من الدخول الطلاق، ومن عَدَمِه عَدَمُه، إلا أن يَخْلُفَه سببٌ آخر، (كالإنشاء، أو تعليق آخر بعد التعليق (٣). وهذا هو شأن السبب أن يلزم من عدمه العدم، إلا أن يخلفه سبب آخر) (٤). فإذا ظهر أن الشروط اللغوية أسبابٌ دون غيرها - فإطلاق لفظ الشرط عليها وعلى ما عداها إما بالاشتراك، أو بالحقيقة في واحدٍ والمجاز في البواقي، أو بالتواطئ؛ إذ بينهما قدرٌ مشترك: وهو مجرد توقف الوجود على الوجود، فإن الشرطَ العقلي وغيرَه يتوقف دخولُ مَشْرُوطه في الوجود على وجوده؛ وإن كان وجوده لا يقتضيه. والمشروط اللغوي يتوقف وجوده على وجود شرطه، ووجود شرطه يقتضيه.

стр. 1770

ثم الشرط اللغوي يمكن التعويض عنه، والإخلاف، والبدل، كما إذا قال لها: إنْ دخلتِ الدارَ فأنتِ طالق ثلاثًا، ثم يقول لها: أنتِ طالقٌ ثلاثًا. فتقع الثلاث بالإنشاء بدلًا عن المعلَّقة (١). وكقولك: إنْ رددتَ عبدي فلك هذا الدرهم. ولك أن تعطيه إياه قبل أن يأتيك بالعبد هبةً، فتَخْلُفُ الهبةُ استحقاقَه إياه بالإتيان بالعبد. ويمكن إبطالُ شرطيته كما إذا نَجَّز الطلاق، أو اتفقا (٢) على فسخ الجعالة. والشروط (٣) لا يقتضي وجودها وجودًا، ولا تقبل البدل، ولا الإخلاف، ولا تقبل الإبطال، إلا الشرعية خاصةً، فإن الشرع قد يُبْطِل شرطية الطهارة والسِّتَارة عند معارضة التعذُّرِ أو غيره (٤). فهذه ثلاثة فروق: اقتضاء الوجود، والبدل (٥)، والإبطال. (والله أعلم) (٦) (٧).

стр. 1771

قال: (وفيه مسألتان (١): الأولى: الشرط إنْ وُجد دَفْعَةً فذاك، وإلا فيوجد المشروط عند تكامل أجزائه، أو ارتفاع (٢) جزء إنْ شُرِط عدمه. الثانية: "إن كان زانيًا محصنًا (٣) فارجم" يحتاج إليهما، و"إن كان سارقًا أو نَبَّاشا فاقطع" يكفي أحدهما. و"إنْ شُفِيتُ فسالمٌ وغانمٌ حرٌّ" فَشُفي عَتَقا. وإن قال: أو (٤) يعتق أحدهما ويُعَيِّن) (٥). ذكر في هذا القسم مسألتين: إحداهما (٦): في وقت وجود المشروط: اعلم أن الشرط إما أن يوجد دفعة (٧)، أو على التدريج. إن وُجِد دَفْعَةً، كالتعليق على وقوع طلاقٍ (٨) وغير ذلك مما يستحيل أن يدخل في

стр. 1772

الوجود إلا دفعةً واحدةً - فإنه يُوجد المشروط عند أول أزمنة الوجود إن عُلِّق عليه، أو العدم إن عُلِّق عليه. مثل: إن لم أطلقكِ فأنتِ طالق (١) وإلى هذين القسمين أشار بقوله: "فذاك". وإن وُجِد على التدريج، كالتعليق على قراءة سورة مَثَلًا - فإنْ كان على الوجود، كقوله: إنْ قرأتِ الفاتحةَ فأنتِ طالقٌ - فَيُوجد المشروط وهو الطلاق (عند تكامل أجزاء الفاتحة. وإن كان على العدم، كقوله: إن لم تقرئي الفاتحة فأنت طالق - فيوجد المشروط وهو الطلاق) (٢) عند ارتفاع جزءٍ من الفاتحة، حتى (٣) لو

стр. 1773

قرأت الجميع إلا حرفًا واحدًا - تطلق؛ لأن المركَّب ينتفي بانتفاء جزئه، وانتفاء الجزء يستلزم انتفاء الكل. المسألة الثانية: في تعدد الشرط والمشروط: أما الشرط: فاعلم أنَّ الشرطين إنْ دخلا على جزاء واحد - فإما أن يكونا (١) على الجمع، أو على البدل. فإنْ كانا على الجمع مثل: إن كان زانيًا ومحصنًا فارجم - فلا يوجد المشروط الذي هو الرجم إلا عند وجودهما معًا. وإنْ كانا على البدل كفى أيُّهما وُجِد في ترتب الحكم، نحو: إن كان سارقًا أو نباشًا فاقطع. وأما المشروط: فاعلم أن الجزاءين إنْ دخلا على شَرْط واحد - فإن كانا على الجمع (٢) وُجِدا عند وجوده. مثل: إن شُفيتُ فسالمٌ وغانمٌ حرٌّ. فإنهما يعتقان عند شفائه. وإنْ كانا على البدل مثل: إن شُفيتُ فسالم أو غانم حُرٌّ - فيعتق عند شفائه أحدُهما، والخِيَرة (٣) في التعيين إليه. هذا ما ذكره في هذه المسألة، ولم يذكر اتحاد الشرط والمشروط مثل: إن دخلتِ الدار فأنتِ طالقٌ.

стр. 1774

بل وَضَع المسألة في التعدد فقط (١). فائدة: اتفقوا على وجوب اتصال الشرط بالكلام، لا نعلم في ذلك نزاعًا. وعلى أنه يجوز تقييد الكلام بِشرطٍ يكون الخارج به أكثر من الباقي (٢). قال الشيخ (٣) صفي الدين الهندي: "وهذا يجب تنزيله على ما علم أنه كذلك. وأما ما يجهل الحال فيه - فإنه يجوز أن يُقَيَّد ولو بشرطٍ (لا يُبْقِي) (٤) مِنْ مدلولاته (٥) شيئًا، كقولك: أكرم مَنْ يدخل الدارَ إنْ أكرمك. وإنْ اتفق أن أحدًا منهم لم يكرمه (٦) " (٧).

стр. 1775

قال: (الثالث: الصفة. مثل: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (١)، وهي كالاستثناء). (القسم الثالث) (٢) من المخصِّصات المتصلة: الصفة (٣). نحو: أكرم بني تميمٍ الطوال. فإن التقييد بالطِّوال يُخرج غير الطوال. ومَثَّل له المصنف تبعًا للإمام بقوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٤) (٥)؛ لأن "رقبة" عام، والتقييد بالمؤمنة يخرج الكافرة. وفيه تجوز؛ لأن "رقبة" مطلق وعمومه بدلي، والكلام في العموم الشمولي (٦). قوله: "وهي كالاستثناء" أي: الصفة كالاستثناء في وجوب

стр. 1776

الاتصال، وعودها إلى الجمل فقط، لا في جميع أحكام الاستثناء، حتى يجيء فيها الخلاف في جواز إخراج الأكثر والمساوي. ويحتمل أن يجري الخلاف في هذا أيضًا، وإطلاق الكتاب يقتضيه (١). وقال الإمام: "إذا تعقبت الصفةُ شيئين - فإما أن يتعلق (أحدهما بالآخر) (٢)، مثل: أكرم العرب والعجم المؤمنين - فتكون عائدةً إليهما. وإما أن لا يكون كذلك، مثل: أكرم العلماء وجالس الفقهاء الزهاد - فها هنا الصفة عائدة إلى الجملة الأخيرة". قال: "وللبحث فيه مجال، كما في الاستثناء" (٣) (٤). قال: (الرابع: الغاية: هي طَرَفُه. وحكم ما بعدها خلاف ما قبلها، مثل: ﴿ثُمَ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٥)).

стр. 1777

غاية الشيء: طرفه ومنتهاه (١). وإنما أعاد المصنفُ الضميرَ في طَرَفه على الشيء وهو غير مذكور للعلم به. وألفاظ الغاية: حتى (٢)، وإلى (٣)، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (٤)، ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (٥)، ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (٦)، ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾. وحكم ما بعد الغاية مخالفٌ لما قبلها، وإلا لم تكن الغايةُ غايةً، بل وسطًا، هذا خُلْف. وأما الغاية نفسها هل تدخل، كقولك: أكلتُ حتى قمتُ، هل يكون القيام محلًا للأكل (٧)؟ فيه مذاهب:

стр. 1778

أحدها: أن حكمه يخالف حكم (١) ما قبله (٢). والثاني: أنه لا يدل على شيء. واختاره الآمدي (٣). والثالث: إنْ كان مِنْ جنسه دخل، وإلا فلا. نحو: بعتك التفاح إلى هذه الشجرة (٤) فَيُنظر في تلك الشجرة أهي من التفاح فتدخل، أمْ لا فلا تدخل (٥). والرابع: إنْ كان معه لفظة "مِنْ" دخل، نحو: مِنْ هذه النخلة إلى

стр. 1779

هذه. وإلا لم يدخل (١). والخامس: قال الإمام: "وهو الأولى" (٢)، إنْ تميَّز عما قبله بالحس، مثل: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٣) - كان حكمُ ما بعدها خلافَ ما قبلها. وإن لم يتميز حسًا استمر ذلك الحكم على ما بعدها، مثل: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (٤)، فإن المرفق غير منفصلٍ عن اليد بمفْصَلٍ محسوس (٥). قال القرافي: "وقول الإمام: يكون ما بعدها مخالفًا لما قبلها - مدخولٌ مِنْ جهة أنا لا نعلم خلافًا فيما بعد الغاية، وهذا يقتضي أنه محل خلاف،

стр. 1780

والخلاف ليس (١) إلا في (٢) الغاية نفسها" (٣). والسادس: إنِ اقترن بمِنْ - دخل، وإلا فيحتمل أن يدخل، وأن لا يدخل ويكون بمعنى "مع" (٤)، كقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ (٥)، أي: مع أموالكم. وهذا كله في غاية الانتهاء، أما غاية الابتداء - ففيها مذهبان. وهنا (٦) فوائد: إحداها (٧): قول الأصوليين: إن الغايةَ مِنْ جملةِ المخصِّصات. قال والدي أيده الله: إنما هو فيما إذا تقدمها عمومٌ يَشْمَلها لو لم يُؤْت بها، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ (٨)، فلو لم يقله - لقاتلنا المشركين

стр. 1781

أعطوا الجزية أو (١) لم يعطوها، ولا يأتي ذلك في مثل قوله ﷺ : "رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق" (٢)؛ لأن حالة البلوغ خارجة عن الصبا، وحالة الإفاقة خارجة عن الجنون، والاستيقاظ خارج عن النوم. فلو قال: عن الصبي، والمجنون، والنائم، ولم يذكر الغايات المذكورة - لم يشملها. فإن قلت: فما يُقْصد بالغاية في مثل هذا؟ قلت: تارةً يُقْصد (٣) تأكيد العموم فيما قبلها، وهذا المعنى هو المقصود في الحديث، فإنَّ عدمَ التكليف في جميع أزمنة الصبا يعمها (٤) بحيث لا يستثنى منها شيء، وهكذا أزمنة الجنون، والنوم. فالمقصود بهذه الغاية من هذا الوجه تحقيق التعميم لا التخصيص. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (٥)، وطلوعه (٦) وزمن طلوعه ليسا من الليل حتى يشملهما قولُه: ﴿سَلَامٌ﴾. وتارةً يُقْصد (٧) ارتفاع ذلك الحكم عند الغاية، فإن اللفظ لو اقتصر

стр. 1782

على قوله: "رفع القلم عن الصبي" - شمل حالة الصبا، ولم يتعرض لحالة البلوغ بإثبات التكليف فيها، ولا نفيه عنها، بل كان ساكتًا عن حكمها، فلما قال: "حتى يبلغ"، وقد عُلِم مخالفة ما بعد الغاية لما قبلها - فُهِم إثبات التكليف في حالة البلوغ، فقُصِد بالغاية المذكورة هذا الحكم أيضًا، وهذا يقوله مَنْ يقول بالمفهوم (١). قال والدي أعزه الله تعالى: وهو إنْ قيل به في نحو قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ (٢) - فهو أقوى من القول به هنا؛ لأن هناك لو لم يقل به لم يكن للغاية فائدة، وهنا فائدتها المقصد الأول، كما بيناه، فلم يكن دليل على الثاني (٣). الثانية: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٤) يحتمل أن يكون مثل قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾، فإن الصيام لغةً يشمل الليل والنهار (٥) (٦)، فَخُصَّ هذا العموم بقوله: ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾، ويصح تمثيل المصنف حينئذ بهذه الآية للتخصيص بالغاية. ويحتمل أن يكون مثل قوله: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (٧)، وهو الظاهر،

стр. 1783

فإن الصيام شرعًا لا يكون إلا نهارًا. وأيضًا عموم قوله: ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ﴾ إنما هو في أفراد الصيام، أي: أتموا كلَّ صيامٍ، ولا تعرض فيه للوقت. نعم لو قال قائل: أتموا (١) الصوم في الزمان إلى الليل - كان تخصيصًا راجعًا إلى العموم في الأوقات المستفادة من قوله: "الزمان". الثالثة: قد عرفت الخلاف في انتهاء الغاية هل يدخل؟ قال والدي أحسن الله إليه: ولا بد أن يُسْتثنى من هذا الإطلاق شيئان: أحدهما: ما تقدم، وهي الغاية التي لو سكت عنها لم يدل عليها اللفظ، كالغايات المذكورة في الحديث (٢)، وكطلوع الفجر في قوله: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾، وكقوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (٣)، فإن حالة الطهر لا يشملها اسم المحيض. الثاني: ما يكون اللفظ الأول شاملًا لها، مثل قولنا: قطعت أصابعه كلها من الخنصر إلى الإبهام. فإنه (٤) لو اقتصر على قوله: قطعت أصابعه كلها - لأفاد الاستغراق، فكان قوله: من الخنصر إلى الإبهام - تأكيدًا.

стр. 1784

وكذلك قوله (١): قرأت القرآن من فاتحته إلى خاتمته. وهو في الحقيقة راجع إلى الأول؛ لأن المقصود فيهما تحقيق العموم واستغراقه لا تخصيصه، وإن افترقا في أنَّ الذي جُعِل غاية في الثاني طرف المُغَيَّا، و (٢) في الأول ما بعده (٣). ففي هذين الموضعين الغاية لا خلاف فيها، بل هي في (٤) الأول خارجةٌ قطعًا، وفي الثاني داخلةٌ قطعًا. وكذا بعتك هذه الأشجار مِنْ هذه إلى هذه (٥). وإنما اختلف الأصحاب فيما إذا قال: بعتك مِنْ هذه النخلة إلى هذه النخلة. هل يدخل الابتداء أو الانتهاء، أوْ لا يدخل واحدٌ منهما؟ ومحلُّ القطعِ بدخول الغاية في قولنا: قطعت أصابعه كلَّها من الخنصر إلى الإبهام. فإن اللفظ الأول صريح في الدخول (٦)، فلو كان ظاهرًا غير صريح كقولنا: ضربْتُ القومَ حتى زيدًا - فالحكم كذلك ظاهر، مع

стр. 1785

احتمال أن يكون انتهاء الضرب إليه ولم يضربْه. الرابعة: مِنْ شرط المُغَيَّا أن يَثْبت قبل الغاية، ويتكرر حتى يصل إليها، كقولك: سرت من البصرة إلى الكوفة. فإن السير الذي هو المُغَيَّا ثابت قبل الكوفة ومتكرر في طريقها (١)، وعلى هذا يمتنع أن يكون قوله: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (٢) غايةً لغسل اليد؛ لأن غسل اليد إنما يحصل بعد الوصول إلى الإبط، فليس ثابتًا قبل المرفق الذي هو الغاية، فلا ينتظم غاية له (٣). نعم لو قيل: اغسلوا إلى المرافق، ولم يقل: أيديكم - انتظم؛ لأن مطلق الغَسْل ثابت إلى المرافق (٤) ومتكرر. قال بعض الحنفية: فيتعين (٥) أن يكون المُغَيَّا غيرَ الغسل، ويكون التقدير: اتركوا مِنْ آباطكم إلى المرافق. فيكون مطلق الترك ثابتًا قبل المِرْفق، ومتكررًا إليه، ويكون الغَسْل نفسه لم يُغَيّا (٦).

стр. 1786

وفي هذا المقام يتعارض المجاز والإضمار، فإن لنا أن نتجوز بلفظ اليد إلى جزئها حتى يثبت المُغَيَّا قبل الغاية، ولا يُضْمَر (١). ولنا أن نضمر، كما قال هذا الحنفي. ومِنْ هذا قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٢) يقتضي ثبوتَ الصيام بوصف التمام قبل غروب الشمس، ويتكرر إلى غروبها، وليس كذلك، فَيُشْكِل كون الليل غايةً للصوم التام. نعم لو قيل: صوموا إلى الليل انتظم؛ لأن الصوم الشرعي ثابت قبل النيل، ومتكررٌ إليه، بخلاف الصوم بوصف التمام. قال القرافي: وهذا السؤال أورده الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وأجاب عنه: بأن المراد: أتموا كلَّ جزء من أجزاء الصوم بسننه (٣) وفضائله، وكَرِّروا ذلك إلى الليل، والكمال في الصوم قد يحصل في جزء من أجزاء الصوم (٤) دون جزءٍ، مِنْ جهة اجتناب الكذب والغيبة والنميمة، وغير ذلك مما يأباه الصوم. وكذلك (٥) آدابه الخاصَّة، كترك

стр. 1787

السواك، والتفكرِ في أمور النساء، وغير ذلك. فأُمِرْنا بتكرير هذا إلى غروب الشمس (١). الخامسة: إذا قال: له عليَّ مِنْ درهم إلى عشرة. أو قال: ضمنتُ مِمَّا لَكَ (٢) على فلانٍ من درهمٍ إلى عشرة. وصححناه، كما هو الصحيح - لزمه تسعةٌ على الأصح عند العراقيين، والغزالي، والنووي. وقضيته القول بأن غاية الانتهاء لا تدخل دون غاية الابتداء. وقيل: عشرة. وصححه البغوي، والرافعي في، "المُحَرَّر" في الضمان، ووالدي. وقيل: ثمانية. ولو قال: بعتك مِنْ هذا الجدار إلى هذا الجدار - لم يدخل الجِداران (٣) في البيع (٤). ولو قال: له مِنْ هذه النخلة إلى هذه النخلة، قال الشيخ أبو حامد: تدخل الأولى في الإقرار دون الأخيرة. وقال الرافعي: ينبغي أن لا تدخل الأولى أيضًا، كقوله: بعتك مِنْ هذا الجدار إلى هذا الجدار.

стр. 1788

ولو شُرط في البيع الخيار إلى الليل - انقطع الخيار بغروب الشمس، خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: يثبت له الخيار إلى طلوع الفجر. وكذا إذا باعه بثمنٍ إلى شهرٍ - لم يدخل الشهر الثاني في الأجل (١). قال: (ووجوب غسل المرافق (٢) للاحتياط). هذا جوابٌ عن سؤال مقدَّر، تقديره (٣): لو صح ما ذكرتم منْ مخالفة حُكْم ما بعد الغاية لما قبلها - لم يجب غسل المرافق (٤). وجوابه: أنه (٥) إنما وجب للاحتياط، فإنَّ النبي ﷺ توضأ فأدار الماءَ على مِرْفقه، فاحتمل أن يكون غَسْله واجبًا، فأُخِذ بالاحتياط (٦) (٧). وقد تَمَّ القول في المخصِّصَات

стр. 1789

المتصلة. قال: (والمنفصل ثلاثةٌ: الأول: العقل . مثل): ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾). المنفصل: هو الذي يستقل بنفسه، ولا يحتاج في ثبوته إلى ذكر لفظِ العامِّ معه، بخلاف المتصل. قال المصنف: وهو ثلاثة: العقل، والحس، والدليل السمعي. قال القرافي: "والحَصْر غير ثابت، فقد بقي التخصيص بالعوائد، كقولك: رأيت الناس فما رأيت أفضلَ مِنْ زيد. والعادةُ تَقْتضي أنك لم تَرَ كُلَّ الناس. وكذا التخصيص بقرائن الماحوال، كقولك لغلامك: إيتني (١) بمن يحدثني. فإن ذلك لِمَنْ يصلح لحديثه (٢) في مثل حاله. والتخصيص بالقياس إلا أن يُدَّعى دخوله في السمعي" (٣). الأول: العقل: فيجوز التخصيص بدليل العقل ضروريًا كان أو نظريًا: فالأول: كتخصيص قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٤)، فإنا نعلم بالضرورة أنه ليس خالقًا لنفسه.

стр. 1790

والثاني: كتخصيص قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (١)، فإنا نخصِّص الطفل والمجنون؛ لعدم فهمهما الخطاب. واعلم أن منهم مَنْ خالف في التخصيص بالعقل، ونقله إمام الحرمين عن بعض الناشئة، أي: الذين نشأوا، وقال: "أبَوْا أن يسموا هذا الفن تخصيصًا" (٢). ونحن نقول أوَّلًا: هذا هو ظاهر نصِّ الشافعي ﵁، فإنه قال في "الرسالة": "باب ما نزل من الكتاب عامًا يُراد به العام، ويدخله الخصوص" (٣)، وبدأ بآياتٍ عامةٍ يُراد بها العام، ولا يدخلها الخصوص, توطئةً لما ذكرهَ بعدها مما يدخله الخصوص، ولذلك (٤) كانت ترجمة الباب في بعض نسخ "الرسالة" كما ذكر شارحها أبو بكر الصيرفي: "ما نزل عامًا يُراد به العام، وعامًا يدخله الخصوص". قال الشافعي ﵁: قال الله : ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٥) - وذكر قوله تعالى -: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ (٦) - (ثم قال) (٧) -: فهذا عامٌّ لا خاصَّ فيه، فكل شيء من سماءٍ وأرض وذي
следующие страницы →