← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

وفي هذا المقام يتعارض المجاز والإضمار، فإن لنا أن نتجوز بلفظ اليد إلى جزئها حتى يثبت المُغَيَّا قبل الغاية، ولا يُضْمَر (١). ولنا أن نضمر، كما قال هذا الحنفي. ومِنْ هذا قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٢) يقتضي ثبوتَ الصيام بوصف التمام قبل غروب الشمس، ويتكرر إلى غروبها، وليس كذلك، فَيُشْكِل كون الليل غايةً للصوم التام. نعم لو قيل: صوموا إلى الليل انتظم؛ لأن الصوم الشرعي ثابت قبل النيل، ومتكررٌ إليه، بخلاف الصوم بوصف التمام. قال القرافي: وهذا السؤال أورده الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وأجاب عنه: بأن المراد: أتموا كلَّ جزء من أجزاء الصوم بسننه (٣) وفضائله، وكَرِّروا ذلك إلى الليل، والكمال في الصوم قد يحصل في جزء من أجزاء الصوم (٤) دون جزءٍ، مِنْ جهة اجتناب الكذب والغيبة والنميمة، وغير ذلك مما يأباه الصوم. وكذلك (٥) آدابه الخاصَّة، كترك

стр. 1787

السواك، والتفكرِ في أمور النساء، وغير ذلك. فأُمِرْنا بتكرير هذا إلى غروب الشمس (١). الخامسة: إذا قال: له عليَّ مِنْ درهم إلى عشرة. أو قال: ضمنتُ مِمَّا لَكَ (٢) على فلانٍ من درهمٍ إلى عشرة. وصححناه، كما هو الصحيح - لزمه تسعةٌ على الأصح عند العراقيين، والغزالي، والنووي. وقضيته القول بأن غاية الانتهاء لا تدخل دون غاية الابتداء. وقيل: عشرة. وصححه البغوي، والرافعي في، "المُحَرَّر" في الضمان، ووالدي. وقيل: ثمانية. ولو قال: بعتك مِنْ هذا الجدار إلى هذا الجدار - لم يدخل الجِداران (٣) في البيع (٤). ولو قال: له مِنْ هذه النخلة إلى هذه النخلة، قال الشيخ أبو حامد: تدخل الأولى في الإقرار دون الأخيرة. وقال الرافعي: ينبغي أن لا تدخل الأولى أيضًا، كقوله: بعتك مِنْ هذا الجدار إلى هذا الجدار.

стр. 1788

ولو شُرط في البيع الخيار إلى الليل - انقطع الخيار بغروب الشمس، خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: يثبت له الخيار إلى طلوع الفجر. وكذا إذا باعه بثمنٍ إلى شهرٍ - لم يدخل الشهر الثاني في الأجل (١). قال: (ووجوب غسل المرافق (٢) للاحتياط). هذا جوابٌ عن سؤال مقدَّر، تقديره (٣): لو صح ما ذكرتم منْ مخالفة حُكْم ما بعد الغاية لما قبلها - لم يجب غسل المرافق (٤). وجوابه: أنه (٥) إنما وجب للاحتياط، فإنَّ النبي ﷺ توضأ فأدار الماءَ على مِرْفقه، فاحتمل أن يكون غَسْله واجبًا، فأُخِذ بالاحتياط (٦) (٧). وقد تَمَّ القول في المخصِّصَات

стр. 1789

المتصلة. قال: (والمنفصل ثلاثةٌ: الأول: العقل . مثل): ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾). المنفصل: هو الذي يستقل بنفسه، ولا يحتاج في ثبوته إلى ذكر لفظِ العامِّ معه، بخلاف المتصل. قال المصنف: وهو ثلاثة: العقل، والحس، والدليل السمعي. قال القرافي: "والحَصْر غير ثابت، فقد بقي التخصيص بالعوائد، كقولك: رأيت الناس فما رأيت أفضلَ مِنْ زيد. والعادةُ تَقْتضي أنك لم تَرَ كُلَّ الناس. وكذا التخصيص بقرائن الماحوال، كقولك لغلامك: إيتني (١) بمن يحدثني. فإن ذلك لِمَنْ يصلح لحديثه (٢) في مثل حاله. والتخصيص بالقياس إلا أن يُدَّعى دخوله في السمعي" (٣). الأول: العقل: فيجوز التخصيص بدليل العقل ضروريًا كان أو نظريًا: فالأول: كتخصيص قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٤)، فإنا نعلم بالضرورة أنه ليس خالقًا لنفسه.

стр. 1790

والثاني: كتخصيص قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (١)، فإنا نخصِّص الطفل والمجنون؛ لعدم فهمهما الخطاب. واعلم أن منهم مَنْ خالف في التخصيص بالعقل، ونقله إمام الحرمين عن بعض الناشئة، أي: الذين نشأوا، وقال: "أبَوْا أن يسموا هذا الفن تخصيصًا" (٢). ونحن نقول أوَّلًا: هذا هو ظاهر نصِّ الشافعي ﵁، فإنه قال في "الرسالة": "باب ما نزل من الكتاب عامًا يُراد به العام، ويدخله الخصوص" (٣)، وبدأ بآياتٍ عامةٍ يُراد بها العام، ولا يدخلها الخصوص, توطئةً لما ذكرهَ بعدها مما يدخله الخصوص، ولذلك (٤) كانت ترجمة الباب في بعض نسخ "الرسالة" كما ذكر شارحها أبو بكر الصيرفي: "ما نزل عامًا يُراد به العام، وعامًا يدخله الخصوص". قال الشافعي ﵁: قال الله : ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٥) - وذكر قوله تعالى -: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ (٦) - (ثم قال) (٧) -: فهذا عامٌّ لا خاصَّ فيه، فكل شيء من سماءٍ وأرض وذي

стр. 1791

روحٍ وشجرٍ وغير ذلك فالله خالقه، وكلُّ دابة فعلى الله رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها (١). انتهى. وثانيًا: كما قال إمام الحرمين: "هذه المسألة قليلة الفائدة، نَزْرَة الجدوى والعائدة، فإنَّ تَلَقِّي الخصوص من مأخذ العقل غير منكَر، وكون اللفظ موضوعًا للعموم على أصل اللسان - لا خلاف فيه مع منْ يعترف ببطلان مذهب الواقفية، وإن امتنع ممتنعٌ مِنْ تسمية ذلك تخصيصًا - فليس في إطلاقه مخالفةُ عقلٍ أو شرع، والخلاف في المسألة عند التحقيق لفظي" (٢)، فإن مقتضى اللفظ العام غير ثابت فيما دلَّ العقل على امتناعه فيه. ثم نقول: يمكن أن يقال: إن (٣) الآيتين اللتين أوردهما الشافعي ﵁ على عمومهما، ودعوى تخصيص العقل فيهما باطلة. أما قوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ - فهو غيرُ داخلٍ في هذا الخطاب؛ لوجهين: أحدهما: أن المخاطِب لا يدخل في عموم خطابه عند جماعةٍ من الأصوليين، ولعله اختيار الشافعي (٤)، ولذلك لو قال: نساء العالَم (٥)

стр. 1792

طوالق - لم تطلق امرأته على أحد الوجهين. وقد أطنب أبو بكر الصيرفي شارح "الرسالة" في ذلك، فقال رادًا على ابن داود، وابن أبي داود، ويحيى بن أكثم، حيث اعترضوا على الشافعي في ذلك: قد جهلوا الصواب، وذهبوا عن اللغة، وذلك أن رجلًا لو كان من أهل بغداد فقال: أطعمتُ أهل بغداد جميعًا - لم يُقَل له: خرجتَ أنتَ بخصوص، وإنما العموم في المُطْعَمِين سواه (١)؛ لأنه هو المُطْعِم لهم. قال: وفي الآية دليلان: أحدهما: أن لا خالق سواه. والثاني: أنَّ (٢) ما سواه مخلوق، وليس هناك خصوص، والكلام صحيح، وينبغي أن يُعرف موضعُ العموم؛ لأن الخطاب عام فيما ليس بمحال. والوجه الثاني: أنَّ (٣) لفظة "شيء" لا تطلق على الله تعالى على أحد المذهبَيْن للمتكلمين (٤). فإن قلت: لا شك أن الشيء يشمل الموجوداتِ لغةً واصطلاحًا، والمنع مِنْ إطلاقه على الباري تعالى عند مانعه إنما هو لعدم الإذن، بناءً على أن أسماءه توقيفية وهذا لا يجيء في الآية (٥).

стр. 1793

قلت: قد استند المانعُ من ذلك إلى شيئين: أحدهما: عدم الإذن، ويتجه على هذا ما ذكرتَ (١). وثانيهما: وهو الذي عَوَّل عليه أن لفظة "شيء" مأخوذة (٢) من مُشَاء، والمُشَاء: المُحْدَث الذي ليس بقديم. والله تعالى قديم؛ فلا يصدق عليه ذلك، لما ذكرناه. فإن قلت: فما تصنع هذا في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ (٣)؟ . قلتُ: لعله لا يرى الوقف على قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ (٤). فإن قلت: لا يخلو المانع من التخصيص بالعقل في هذه الآية مِنْ أن يقول: إن لله عِلْمًا، أو لا عِلْمَ له. فإنْ كان ممن ينفيه - فكتاب الله شاهد عليه، إذ يقول: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ (٥)، وقولُه:

стр. 1794

﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ (١). وإنْ كان يثبته وجب عليه أن يقول: عِلْم الله مخلوق (٢) ويلزمه أيضًا أن يقول: القرآن مخلوق (٣). قلت: قد أورد ابن داود هذا على الشافعي ﵁، وسَفَّهَ الأئمة مقاله، وقالوا: هو (٤) اعتراض غير سديد؛ لأن صفات الله من العلم والقدرة والكمال ليست بأعيانٍ له (٥)؛ لأن الصفة ليست هي الموصوف ولا هي غيره. وأما قوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ (٦) - فهي أيضًا على عمومها، فكل دابة تَدِبُّ (٧)

стр. 1795

على وجه الأرض، أو في قعر البحار، أو تحت أطباق الثرى - فاللهُ رازقها دون غيره، ويعلم مستقرها ومستودعها. واعتراض ابن داود بقوله: مِنَ الدوابِّ مَنْ أفناه الله تعالى قبل أن يرزقه - خطأٌ، كما قال أبو بكر الصيرفي، بل لا بد أن يرزقه إلى أن يُفنيه - بما يقيم حياته، وله نفس ثابتة به. وقد جعل الله غذاء طائفةٍ من الطير التنفسُ إلى مدة يصلح فيها للمأكل (١)، وليس في قوله : ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٢) ما يوجب أنه لا يرزق بعض الدواب. قال الصيرفي: لأن هذا رزق التفضيل (٣) بقوله: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ (٤)، والتفضيل وقع، كما رأينا الموسر والمعسر، وأما الرزق الذي (٥) يقيم الأبدان للعبادة والحياة (٦) - فلا بد منه، كما قال الله ، وقال النبي ﷺ : "إن الروح الأمين قد ألقى في رُوعي (٧) أنه لن تموت نفسٌ حتى

стр. 1796

تستوفيَ رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب" (١). قال الصيرفي: فهذا نصٌّ من السنة أن كل نفسٍ لا بد من استيفائها (٢) رزقها. واعلم أنَّ الشافعي إنما قال: كل شيءٍ من سماء، وأرض، إلى آخره - ليذْكر أفرادًا مما دخل تحت اللفظ العام، يبين (٣) بها أن الداخل تحته من جنسها. ولم يتعرض للأشياء التي ذُكرت من العلم والقدرة والكلام؛ لكراهيته للكلام (٤)، ومحبته (٥) ترك الخوض فيه (٦). فرع: قال الإمام: يجوز (٧) النسخ بالعقل، واحتج بأنَّ مَنْ سَقَط رجلاه نُسِخ عنه غسلهما (٨). وهو مدخول؛ فإن ساقط الرجلين لم ينسخ عنه غسلهما،

стр. 1797

بل زال الوجوب لعدم القدرة لا غير (١). ثم إنَّ ما ذكره مخالف لما قاله في النَّسْخ مِنْ أنه لا بد وأن يكون طريق شرعي (٢). قال: (الثاني: الحس. مثل: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾). المخصِّص الثاني من المخصصات المنفصلة: الحس (٣). مثل: قوله تعالى حكاية عن بلقيس: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٤)، فإن مقتضاه: أنها أوتيت مِنْ كلِّ شيءٍ بعضَه (٥) ونحن نعلم أنها لم تؤت شيئًا مما كنا نشاهده (٦) في يد سليمان ﵇.

стр. 1798

وكذلك قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (١)، ونحن نشاهد أشياء كثيرة لا تدمير فيها، كالسماء ونحوِها. وقوله تعالى: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ (٢)، ونحن نرى الجبال أتت عليها وما جعلتها كالرميم. وقوله تعالى: ﴿يُجْبَى (٣) إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٤)، وما كان مختصًا من الثمار بأقصى المشرق والمغرب لم يُرَ (٥) أنه يُجبى إليه (٦) (٧). قال: (الثالث: الدليل السمعي، وفيه مسائل: الأولى: الخاص إذا عارض العام يخصِّصه عُلِم تأخيره أم لا. وأبو حنيفة يجعل المتقدم منسوخًا، وتَوَقَّفَ حيث جُهِلَ. (لنا إعمال الدليلين أولى) (٨)).

стр. 1799

الثالث من المخصصات المنفصلة: الدليل السمعي . وفيه مسائل: الأولى: في بناء العام على الخاص . اعلم أنه إذا ورد عامٌّ وخاصٌّ يدل كلُّ واحدٍ منهما على خلاف ما يدل عليه الآخر - فرَأْيُ الشافعي ﵁ أن الخاصَّ يخصِّص العام، سواء عُلم أن الخاصَّ متأخرٌ عن العام أم لم يُعلم (١) (٢)، أم علم تأخره عن الخاص (٣). وبه قال أبو الحسين، واختاره الإمام وأتباعه منهم المصنف، واختاره ابن الحاجب (٤). وذهب أبو حنيفة إلى الأخذ بالمتأخِّر سواء كان هو الخاص أم العام. فعلى هذا إنْ تأخر الخاص نَسَخ من العام بقدر ما دلَّ (٥) عليه (٦)، وإن تأخَّر

стр. 1800

العامُّ نَسَخ الخاص، وإن جُهِلَ وَجَب التوقفُ (١)، إلا أن يترجح أحدهما على الآخر بمرجِّح (٢) (٣). وذهب ابن العارض إلى التوقف في المسألة (٤). وابن العارض هذا بالعين المهملة بعدها ألف ثم راء ثم ضاد معجمة (٥)، واسمه الحسين (٦) بن عيسى، معتزلي قدري، له كتاب في أصول الفقه سماه "النكت"،

стр. 1801

ورأيتُ عبارته تشابه عبارة "المحصول"، فعلمتُ أن الإمام كان كثير المراجعة له. وقد انتخب ابن الصلاح هذا الكتاب (١)، ووقفت عليه بخط ابن الصلاح (٢)، وكتبت منه فوائد. وقد وَهِم (٣) القرافي فظن أنَّ ابن العارض وقع في "المحصول" مُصَحَّفًا (٤). قال: "وإنما هو ابن القاصّ، بالقاف والصاد المهملة المشددة، وهو الشيخ أبو العباس أحد أئمة أصحاب الشافعي". هذا كلام القرافي (٥)، وهو وَهَمٌ (٦) (٧).

стр. 1802

وحجتنا: أن العام والخاص قد اجتمعا، فإما أن يُعمل بهما، أوْ لا يُعمل بواحدٍ منهما، أو يعمل بالعام دون الخاص، أو بالعكس. والأقسام الثلاثة الأُول باطلة؛ فتعين (١) الرابع. أما الأول والثاني - فلاستحالة الجمع بين النقيضين، ولاستحالة الخلو عنهما (٢). ويزداد الثاني أنه يستلزم ترك الدليلين من غير ضرورة (٣) وهو باطل. وأما الثالث - فلأَنه يستلزم إبطال أحدهما بالكلية، بخلاف عكسه فإنه لا يستلزم إبطال العام بالكلية بل من وجه؛ فكان العمل به متعيَّنًا؛ لأن إعمال الدليلين أولى من إبطال أحدهما بالكلية. واحتج أصحابنا أيضًا (٤) بأن الخاص أقوى دلالةً على ما يتناوله مِنَ العام. واحتج أبو حنيفة بما رُوي: أن ابن عباس ﵁ قال: "كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث من أمور رسول الله ﷺ " (٥).

стр. 1803

وأجيب: بأنه يجب حمل الأحدث على غير صورة النزاع، جمعًا بين الدليلين. والله أعلم. ولا يخفى عليك أن الخاص المتأخر إنما يكون مخصِّصًا للعام المتقدم إذا ورد وَقْتَ العمل بالعام أو قبله، أما إذا ورد بعده - فكذلك عند مَنْ يُجَوِّز

стр. 1804

تأخير البيان عن وقت الحاجة. وعند المانعين يكون الخاص ناسخًا للعام إنْ كان مما يصلح لنسخه، وإلا فلا يُعبأ به (١). قال: (الثانية: يجوز تخصيص الكتاب به، وبالسنة المتواترة، وبالإجماع ، كتخصيص: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٢) بقوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ (٤) بقوله: "القاتل لا يرث"، و ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ (٥) برجمه ﵇ المحصن. وتنصيف حد القذف على العبد). هذه المسألة في تخصيص المقطوع بالمقطوع، وذكر فيها ثلاثة مباحث: الأول: أنه يجوز تخصيص الكتاب به، أي: بالكتاب ، خلافًا لبعض أهل الظاهر (٦).

стр. 1805

لنا: أنه وقع؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، وهذا عام في أولات الأحمال وغيرهن، وقد خُصَّ أولات الأحمال بقوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، ووقوعه دليل جوازه وزيادة (١). لا يقال: لعل التخصيص وقع بغير هذه الآية؛ لأنا نقول: الأصل عدم غيرها. واحتج الخصم بقوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ (٢)، فَوَّض البيان إلى الرسول ﷺ ، فوجب أن لا يحصل البيان إلا بقوله ﵇. والجواب: أن قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (٣) يدل على أن الكتاب هو المبيِّن. والجمع بين الآيتين: أن البيان يحصل من رسول الله ﷺ ، وذلك أعم من أن يكون منه أو على لسانه. واعلم أنه يجوز تخصيص السنة المتواترة بها كالكتاب به. البحث الثاني: يجوز تخصيص القرآن بالسنة المتواترة . قال الآمدي: "لا أعرف فيه خلافًا" (٤). وصَرَّح الهندي بقيام الإجماع عليه (٥).

стр. 1806

ومنهم من حكى خلافًا في السنة الفعلية (١). وقد مَثَّل المصنف للقولية: بأنهم خَصَّصوا عمومَ قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (٢) بما رَوَى الترمذي وابن ماجه والدارقطني والبيهقي من حديث إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة (٣) - وهو رجل متروك عند بعض أهل العلم -: أن رسول الله ﷺ قال: "القاتل لا يرث". قال الترمذي: لا يصح هذا الحديث، ولا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقال البيهقي: شواهده تُقَوِّيه. فإن قلتَ: هذا الحديث على تقدير صحته من أخبار الآحاد، والكلام في المتواتر. قلت: قال القرافي: "هذا السؤال إنما يرد لو كان زماننا زمان النسخ والتخصيص، وإنما ذلك زمن الصحابة ﵃، وهذا الحديث وأمثاله كان متواترًا في ذلك الزمان، والمتواتر قد يصير آحادًا، وكم من قضيةٍ كانت متواترةً في الزمن الماضي، ثم صارت آحادًا، بل ربما نُسِيت

стр. 1807

بالكلية" (١). ومَثَّل للسنة الفعلية: بأنهم حكموا بأن قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٢) مخصوصٌ بما تواتر عندهم عن النبي ﷺ مِنْ رَجْمه المحصن، والحديث في الصحيحين (٣). ولك أن تقول: لعل التخصيص إنما هو بالآية التي نُسخت تلاوتُها، وبقي حكمها، وهي: "الشيخ والشيخة إذا زَنَيا فارجموهما"، كما سيأتي في النسخ إن شاء الله تعالى (٤). والمراد بالشيخ والشيخة: الثَّيِّب، والثَّيِّبة. ثم إنَّ رَجْمه ﷺ المُحْصَن ليس فعلًا، وإنما هو قول، فإنه ﵇ قال: "اذهبوا به فارجموه" (٥)، فلا يصح مثالًا للفعلية. فرع: يجوز تخصيص السنة المتواترة بالكتاب (٦)، وعن بعض فقهاء أصحابنا:

стр. 1808

أنه لا يجوز (١). البحث الثالث: يجوز تخصيص الكتاب بالإجماع ، وكذا (٢) السنة المتواترة يجوز تخصيصها بالإجماع (٣). قال الآمدي: لا أعرف فيهما خلافًا (٤). واستدل في الكتاب، أو مثَّل: بأن الإجماع خَصَّص العبد من آية الجلد، يعني: قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (٥)؛ لأنه قام على

стр. 1809

أنه يُنَصَّف (١) على العبد (٢). وأما عكس ذلك: وهو تخصيص الإجماع بالكتاب والسنة المتواترة - فلم يذكره في الكتاب، وهو غير جائز بالإجماع؛ ولأن إجماعهم على الحكم العام مع سبق المُخَصِّص خطأ، ولا يجوز الإجماع على الخطأ (٣). تنبيه: معنى قولنا: يجوز تخصيص الكتاب بالإجماع: أنهم يجمعون على تخصيص العام بدليلٍ آخر، فالمخصِّص سند الإجماع، ثم يلزم مَنْ بعدهم متابعتُهم وإنْ جَهِلوا المخصِّص. وليس معناه: أنهم خَصُّوا العام بالإجماع؛ لأن الكتاب والسنة المتواترة موجودان في عهده ﵇، وانعقاد الإجماع (٤) بعد ذلك على خلافه خطأ، فالذي جَوَّزناه إجماعٌ على التخصيص، لا تخصيص بالإجماع (٥). والله أعلم. قال: (الثالثة: يجوز تخصيص الكتاب والسنة المتواترة بخبر الواحد، ومنع قوم، وابن أبان: فيما لم يخصَّص بمقطوع (٦)، والكرخي: بمنفصل).

стр. 1810

هذه المسألة في تخصيص المقطوع بالمظنون، وفيها بحثان: الأول: في جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد (١). وفيه مذاهب: أحدها: الجواز مطلقًا. وهو المنقول عن الأئمة الأربعة (٢)، واختاره الإمام وأتباعه (٣) منهم المصنف، وبه قال إمام الحرمين (٤) (وطوائف،

стр. 1811

وتبعهم الآمدي (١). قال إمام الحرمين) (٢): ومَنْ شك في (٣) أن الصديق لو رَوَى خبرًا عن المصطفى ﷺ في تخصيص عموم الكتاب لابتدره (٤) الصحابة قاطبة بالقبول - فليس على دراية من قاعدة الأخبار (٥) (٦). والثاني: المنع مطلقًا. ونقله ابن بَرْهان في "الوجيز" عن طائفة من المتكلمين، وشرذمة من الفقهاء (٧). والثالث: قاله عيسى بن أبان، أنه لا يجوز في العام الذي لم يُخَصَّص، ويجوز فيما خُصِّص؛ لأن دلالته تضعف، وشَرَط أن يكون الذي خُصِّص به دليلًا قطعيًا (٨). والرابع: إنْ كان التخصيص بدليلٍ منفصل - جاز، وإن لم يُخَصَّ، أو (٩) كان بمتصل - فلا يجوز. قاله أبو الحسن

стр. 1812

الكرخي (١) (٢). وشبهته: أن تخصيصه بمنفصلٍ يُصَيِّره مجازًا، كما هو رأيه، وإذا كان مجازًا ضعف؛ فيتسلط عليه التخصيص. فمدار ابن أبان والكرخي على القوة والضعف، غير أنَّ مَدْرك الكرخي في القوةِ الحقيقةُ والمجاز (٣)، ومَدْرَك (٤) الآخر القطع بالمجاز وعدم القطع (٥).

стр. 1813

و (١) قوله: "والكرخي: بمنفصل"، أي: ومنع الكرخي فيما لم يُخَصَّص بمنفصل. وقد اقتصر في الكتاب على الأربعة. وفي المسألة مذهب خامس: وهو الوقفُ في المحلِّ الذي يتعارض فيه الخبر ومقتضى لفظ الكتاب، وإجراءُ اللفظِ العام (٢) من الكتاب في بقية مسمياته. ذهب إليه القاضي، كما نقله عنه إمام الحرمين، والغزالي، والإمام، والآمدي (٣). ونقل عنه ابن بَرْهان في "الوجيز": أنهما يتعارضان ويتساقطان، ويجب الرجوع إلى دليل آخر (٤). وهو عند التحقيق غير القول بالوقف، وكلامه في "مختصر التقريب" مُحْتَمِلٌ لكل من النقلين، إلا أنه لِمَا نقله ابن بَرْهان أقرب، فإنه قال: إذا تقابلا يتعارضان في القدر الذي يختلفان فيه، ولا يُتَمسك بواحدٍ منهما، ويتمسك بالصيغة العامة في بقية المسميات التي لم يتناوَلْها الخبرُ الخاص، فَيُنَزَّل الخبرُ مع العموم فيما يَخْتَلِف فيه ظاهرُهما منزلةَ خبرين مختلفي الظاهرِ نُقِلا مُطْلَقَيْن. انتهى. وحَكَى في "مختصر التقريب" مذهبًا سادسًا: وهو أنه يجوز التعبد بتخصيص العموم بخبر الواحد، وعدمِه (٥) - عقلًا، لكن لم يدل دليلٌ على

стр. 1814

أحدِ القسمين (١). وهذا أيضًا قول بالوقف. وهنا فوائد: إحداها (٢): أن هذا الخلاف الذي في تجويز تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد، هل هو جارٍ في تخصيص السنة المتواترة به؟ الظاهرُ وهو الذي صَرَّح به في الكتاب: نعم. والمصنفُ وإن كان منسوبًا في ذلك إلى التفرد عن الإمام وأصحابه (٣)، وغيرهم من المتأخرين (٤) - فهو آت بحق، فقد سبقه بذلك القاضي ﵁، فقال في "مختصر التقريب": "القول في تخصيص الكتاب والسنة المقطوع بها بأخبار الآحاد: اعلم وفقك الله أنَّ هذا باب عظم (٥) اختلاف العلماء فيه" (٦)، ثم ساق المذاهب المذكورة (٧). الثانية: لعلك تقول: قد سبق أنَّ ابن أبان يرى أنَّ العام المخصوص ليس بحجةٍ، فكيف الجمع بينه وبين ما ذكره هنا؟ والجواب: أن

стр. 1815

الجمع بينهما: أنه لا يحتج بالعام المخصوص؛ لكونه صار مجازًا، وليس بعض المحامل أولى من البعض، فيصير مُجْملًا عنده، فإذا جاء مُخَصِّص بعد ذلك - جزمنا بإخراج ما دلَّ عليه، بعد أن كنا لا نحكم عليه بشيء، ويبقى الباقي على ما كان عليه لا يُحْتج به، (ولا يُجْزم) (١) بعدم إرادته. فالمخصِّص مبيِّن لكون ذلك الفرد غيرَ مرادٍ، وساكتٌ عن الباقي، فلا منافاة بين الكلامين. وهذا الجمع قرره والدي أحسن الله إليه، ورأيت أنا بعد ذلك القاضي في "مختصر التقريب" قال بعد حكاية مذهب ابن إبان: هذا مبنيٌّ على أصلٍ له قدمناه، وهو أن العموم إذا خُصَّ بعضُه صار مُجْملًا في بقية المسميات، لا يسوغ الاستدلال به فيها، فَيُجْعل الخبر على التحقيق مُثْبِتًا حكمًا ابتداء، وليس سبيلُه سبيل التخصيص إذا حَقَّقْتَه، فإنه لا يَجُوز الاستدلال باللفظ المجمل في عمومٍ ولا خصوص قبل ورود الخبر وبعده (٢). انتهى. وهذا حسن نفيس. الثالثة: قال القرافي: المحدِّثون والنحاة على عدم صرف "أبان". قال: ونقله ابن يعيش في "شرح المفصل" عن الجمهور، وقال: إنه بناء على أنَّ وَزْنَه "أفْعل"، وأصله "أبْيَن" صيغة (٣) مبالغة في الظهور، الذي هو البيان والإبانة، فنقول: هذا أبْيَن مِنْ هذا. أي: أظهرُ منه وأوضح، فَلُوحظ أصْلُه مع العلمية التي فيه؛ فلم يصرف (٤).

стр. 1816

قال (لنا: إعمال الدليلين ولو من وجه أولى. قيل: قال ﵊: "إذا رُوي عني حديث فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافقه فاقبلوه، وإنْ خالفه فردوه". قلنا: منقوض بالمتواتر. قيل: الظن لا يُعارِض القطعَ. قلنا: العام مقطوع المتن مظنون الدلالة، والخاص بالعكس؛ فتعادلا. قيل: لو خَصَّص لَنَسَخ. قلنا: التخصيص أهون). احتج على الجواز مطلقًا: بأن فيه إعمالًا للدليلين: أما الخاص ففي جميع ما دل عليه، وأما العام فَمِنْ وجه: وهو الأفراد التي لم تُخَصَّص، دون وَجْهٍ: وهو ما خُصِّص. ومَنْعُ التخصيص يفضي إلى إلغاء أحدِ الدليلين وهو الخاص، وإعمال الدليلين ولو من وجه أولى من إلغاء (١) أحدهما. وقد سبق مثل هذا. واحتج المانع مطلقًا بثلاثة أوجه: أحدها: ما روي أنه ﷺ قال: "إذا رُوي عني حديثٌ فاعرضوه على كتاب الله، فإنْ وافقه فاقبلوه، وإن خالفه فردوه". وهذا الحديث مخصوص بالكتاب، فلا يدل على السنة المتواترة (٢)، كما هي طريقة

стр. 1817

المصنف (١). وقد رواه أبو يعلى الموصلي في "مسنده" موصولًا من حديث أبي هريرة واللفظ: "إنه ستأتيكم (٢) عني أحاديث مختلفة, فما أتاكم عني موافقًا لكتاب الله وسنتي فهو مني، وما أتاكم مخالفًا لكتاب الله وسنتي فليس مني" (٣). وفي سنده مقال. ورواه البيهقي في

стр. 1818

"المدخل" من طريق الشافعي ﵁ من طريق منقطعة. وأجاب المصنف: بأن هذا منقوض بالسنة المتواترة، فإنها مخالفة ويجوز التخصيص بها اتفاقًا، كما سبق (١). وقال الشافعي - رضوان الله عليه - ما هو أحسن من هذا الجواب، وهو ما نصه: وليس يخالف الحديثُ القرآن، ولكنه مبيِّن مَعْنَى ما أراد خاصًا وعامًا، وناسخًا ومنسوخًا. ثم يلزم الناس ما بَيَّن (٢) بفرض الله ، فمَنْ قَبِل عن رسول الله ﷺ فعن الله قَبِل. قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (٣). انتهى. الثاني: أن الكتاب مقطوع به، وكذا (٤) السنة المتواترة، والآحاد مظنون (٥)، والمقطوع أولى من المظنون.

стр. 1819

أجاب: بأن العام الذي فيه الكلام وهو الكتاب والسنة المتواترة مقطوع في متنه؛ (إذ لا شك) (١) في كونه من القرآن إنْ كان من الكتاب، (ولا أن رسول الله) (٢) ﷺ قاله إنْ كان من السنة المتواترَة. وأما الخاص فبالعكس متنه مظنون؛ لأنه من رواية الآحاد، فلا يُقْطع (٣) بأن رسول الله ﷺ قاله، ودلالته مقطوع بها؛ لأنه لا يحتمل إلا ما يَعْرِض له، فكلٌّ منهما مقطوع به من وجه، مظنونٌ من آخر؛ فتساويا. فإن قلت: إذا تعادلا فلا ينبغي أن يُرَجَّح أحدهما على الآخر؛ إذ هو حينئذ ترجيحٌ من غير مرجِّح. قلت: يُرَجَّح الخاص بأن فيه إعمالًا للدليلين. وقد ضَعَّف الأصفهاني شارحُ "المحصول" هذا الدليل: بأن خبر الواحد يحتمل المجاز والنقل وغيرهما مما يمنع القطع، غايةُ ما في الباب أنه لا يحتمل التخصيص، وذلك لا ينفع. نعم يمكن أن يُدَّعى قوةُ دَلالةِ الخاصِّ على مدلوله، فإنها أقوى من دلالة العام عليه. الثالث: أنه لو جاز تخصيص الكتاب والسنة المتواترة بخبر الواحد - لجاز نسخهما به، واللازم منتف بالاتفاق على أنه لا يجوز نسخ المتواتر بخبر الواحد.

стр. 1820

وبيان الملازمة أن كل واحد منهما تخصيص، لكن أحدهما وهو النسخ تخصيص في الأزمان، والآخر تخصيص في الأعيان. وأجاب: بأن التخصيص أهون من النسخ؛ لأن النسخ يرفع الحكم بالكلية، بخلاف التخصيص، ولا يلزم من تأثير الشيء في الأضعف أن يكون مُؤَثِّرًا في الأقوى. قلتُ: وهذا الدليل وجوابه يمشيان على طريقة (١) المصنف، فإنه قال: "لا يُنسخ المتواتر بالآحاد"، وهي طريقة فيها كلام؛ لأن جماعةً نقلوا الاتفاق على الجواز، وجعلوا محل الخلاف في الوقوع. وجماعة جَزَموا بالجواز من غير حكاية خلاف، كالإمام وغيره، كما ستعرف ذلك إن شاء الله في النسخ. فالعجب ليس من المصنف؛ لأنه مشى على طريقته (٢)، وهي صحيحة كما (٣) سنبين ذلك في كتاب النسخ، بل من الإمام حيث لم ينبه على ذلك (٤)، إذ ذَكَر الدليل

стр. 1821

والجواب (١) (٢). قال: (وبالقياس، ومَنَع أبو عليٍ، وشَرَط ابن أبان التخصيص، والكرخي بمنفصل، وابن سريج الجلاء في القياس، واعتبر حجةُ الإسلام أرجحَ الظنين، وتوقف القاضي وإمام الحرمين). البحث الثاني: في جواز تخصيص الكتاب والسنة المتواترة بالقياس. أي: بقياسِ نصٍّ خاصٍّ، كذا صرح به الغزالي (٣). وقوله: "و (٤) بالقياس" معطوف على قوله: "بخبر الواحد"، أي: يجوز تخصيص الكتاب والسنة (٥) المتواترة بخبر الواحد وبالقياس. والخلاف في هذه المسألة على مذاهب:

стр. 1822

أحدها: الجواز مطلقًا. وبه قال الأئمة الأربعة (١)، والشيخ أبو الحسن، وأبو هاشم بعد أن كان يوافق أباه (٢)، وهو المختار في الكتاب (٣). والثاني: المنع مطلقًا. قاله أبو علي الجبائي (٤)، ونقله القاضي عن طائفة من المتكلمين، منهم ابن مجاهد (٥) من أصحابنا (٦). والثالث: إن تطرق إليهما التخصيص بغير القياس - جاز تخصيصهما

стр. 1823

به، وإلا فلا. قاله ابن أبان (١)، ونقله ابن بَرْهان في "الوجيز" عن أصحاب أبي حنيفة (٢). والرابع: إن تطرق إليهما التخصيص بمنفصل - جاز، وإلا فلا. قاله الكرخي (٣). والخامس: يجوز تخصيصهما بالقياس الجلي دون الخفي. وهو رأي ابن سريج، وجماعة من أصحابنا (٤). واختلف هؤلاء في تفسير الجلي، والخفي: فقيل: الجلي: قياس العلة (٥). والخفي: قياس الشبه (٦).

стр. 1824

وقيل: الجلي: ما تتبادر علته إلى الفهم عند سماع الحكم. نحو: تعظيم الأبوين عند سماع قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ (١)، ونحو: اندهاش العقل عن (٢) تمام الفكر عند سماع قوله ﵇: "لا يقضي القاضي وهو غضبان" (٣). والخفي: ما ليس كذلك. وقيل: الجلي: ما يُنْقَض قضاء القاضي بخلافه. والخفي: ما ليس

стр. 1825

كذلك (١). والسادس: إنْ تفاوت العام والقياس في إفادة غلبةِ الظن رَجَّحنا الأقوى، وإن تساويا فالتوقف (٢). وهو مذهب حجة الإسلام الغزالي (٣). واعترف الإمام في أثناء المسألة بأنه حق (٤)، واستحسنه القرافي (٥)، وقال الأصفهاني: إنَّه حق واضح. وكذلك قال الهندي في أثناء المسألة (٦). والسابع: الوقف. ذهب إليه القاضي، وإمام الحرمين (٧). واقتصر المصنف على حكاية هذه المذاهب السبعة. والثامن: قاله الآمدي، إنْ كانت العلة منصوصةً أو مُجْمعًا عليها - جاز التخصيص به، وإلا فلا (٨). والتاسع: إنْ كان الأصل المقيس عليه مُخْرَجًا من عام - جاز
следующие страницы →