← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

والجواب (١) (٢). قال: (وبالقياس، ومَنَع أبو عليٍ، وشَرَط ابن أبان التخصيص، والكرخي بمنفصل، وابن سريج الجلاء في القياس، واعتبر حجةُ الإسلام أرجحَ الظنين، وتوقف القاضي وإمام الحرمين). البحث الثاني: في جواز تخصيص الكتاب والسنة المتواترة بالقياس. أي: بقياسِ نصٍّ خاصٍّ، كذا صرح به الغزالي (٣). وقوله: "و (٤) بالقياس" معطوف على قوله: "بخبر الواحد"، أي: يجوز تخصيص الكتاب والسنة (٥) المتواترة بخبر الواحد وبالقياس. والخلاف في هذه المسألة على مذاهب:

стр. 1822

أحدها: الجواز مطلقًا. وبه قال الأئمة الأربعة (١)، والشيخ أبو الحسن، وأبو هاشم بعد أن كان يوافق أباه (٢)، وهو المختار في الكتاب (٣). والثاني: المنع مطلقًا. قاله أبو علي الجبائي (٤)، ونقله القاضي عن طائفة من المتكلمين، منهم ابن مجاهد (٥) من أصحابنا (٦). والثالث: إن تطرق إليهما التخصيص بغير القياس - جاز تخصيصهما

стр. 1823

به، وإلا فلا. قاله ابن أبان (١)، ونقله ابن بَرْهان في "الوجيز" عن أصحاب أبي حنيفة (٢). والرابع: إن تطرق إليهما التخصيص بمنفصل - جاز، وإلا فلا. قاله الكرخي (٣). والخامس: يجوز تخصيصهما بالقياس الجلي دون الخفي. وهو رأي ابن سريج، وجماعة من أصحابنا (٤). واختلف هؤلاء في تفسير الجلي، والخفي: فقيل: الجلي: قياس العلة (٥). والخفي: قياس الشبه (٦).

стр. 1824

وقيل: الجلي: ما تتبادر علته إلى الفهم عند سماع الحكم. نحو: تعظيم الأبوين عند سماع قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ (١)، ونحو: اندهاش العقل عن (٢) تمام الفكر عند سماع قوله ﵇: "لا يقضي القاضي وهو غضبان" (٣). والخفي: ما ليس كذلك. وقيل: الجلي: ما يُنْقَض قضاء القاضي بخلافه. والخفي: ما ليس

стр. 1825

كذلك (١). والسادس: إنْ تفاوت العام والقياس في إفادة غلبةِ الظن رَجَّحنا الأقوى، وإن تساويا فالتوقف (٢). وهو مذهب حجة الإسلام الغزالي (٣). واعترف الإمام في أثناء المسألة بأنه حق (٤)، واستحسنه القرافي (٥)، وقال الأصفهاني: إنَّه حق واضح. وكذلك قال الهندي في أثناء المسألة (٦). والسابع: الوقف. ذهب إليه القاضي، وإمام الحرمين (٧). واقتصر المصنف على حكاية هذه المذاهب السبعة. والثامن: قاله الآمدي، إنْ كانت العلة منصوصةً أو مُجْمعًا عليها - جاز التخصيص به، وإلا فلا (٨). والتاسع: إنْ كان الأصل المقيس عليه مُخْرَجًا من عام - جاز

стр. 1826

التخصيص (١)، وإلا فلا (٢) وهذا الخلاف كلُّه في القياس المستنبط من الكتاب، (أو من السنة) (٣) المتواترة، بالنسبة إلى عموم الكتاب، أو عمومها، أو عموم خبر الواحد. وأما القياس المستنبط من خبر الواحد بالنسبة إلى خبر الواحد - فعلى الخلاف أيضًا. وأما بالنسبة إلى عموم الكتاب - فيرتب على جواز تخصيصه بخبر الواحد: فمن لا يُجَوِّز ذلك، لا يُجَوِّز تخصيصه بالقياس المستنبط منه بطريق الأَوْلى. وأما مَنْ يُجَوِّزه (٤) - قال الهندي: "فيحتمل أن لا يُجيز ذلك؛ لزيادة الضعف. ويحتمل أن يُجَوِّز ذلك، كما في القياس المستنبط من الكتاب، إذ قد يكون قياسه (٥) أكثر قوة من ذلك العموم بأن يكون قد تطرق إليه (٦) تخصيصات كثيرة. ويحتمل أن يُتوقف فيه (٧)؛ لتعادلهما، إذ قد يظهر له ذلك" (٨).

стр. 1827

قال: (لنا: ما تقدم. قيل: القياس فرع فلا يُقَدَّم. قلنا: على أصله. قيل: مُقَدِّماته أكثر. قلنا: قد يكون بالعكس، ومع هذا فإعمال الكل أحرى). استدل على ما اختاره: بأن فيه إعمالًا للدليلين، وإعمال الدليلين ولو من وجهٍ أولى. وهذا هو الذي تقدم، وقد مضى تقريره. قال الغزالي: "وهو فاسد؛ لأن القدر الذي وقع فيه التقابل ليس فيه جمع بين الدليلين، بل هو رفع للعموم، وتجريد للعمل بالقياس" (١). وهذا حسن، وهو مأخوذ من القاضي، فإنه أجاب به عن هذه الشبهة في "مختصر التقريب". قال: "والمقصود مِنْ ذلك أن القدرَ

стр. 1828

الذي تحقق اجتماع القياس واللفظ فيه - تركتم (١) فيه قضية اللفظ، والقدر الذي بقي من اللفظ لم يمانعه القياس، فينزل (٢) اللفظ في باقي المسميات منزلة اللفظ (٣) الأخرى، فبطل ادعاء استعمال الدليلين في محل الاجتماع في الدليلين" (٤). واحتج الجبائي على المنع مطلقًا بوجهين: أحدهما: أنَّ القياس فرع النص، فلو خَصَّصنا العموم به لقدمنا الفرع على الأصل، وهو ممنوع. وأجاب: بأن الممتنع تقديم الفرع على أصله، لا على أصل آخر، وإذا خصصنا العمومَ به لم نقدمه على أصله، وإنما قدمناه على أصل آخر، وهو بالنسبة إلى الأصل الآخر ليس فرعًا، بل هو دليلٌ مثله. والثاني: أن مقدمات القياس أكثر من مقدمات النص؛ لأنه فَرْعه، وكل مقدمة توقَّف النص عليها في إفادة الحكم توقف القياس عليها من غير عكس لاختصاص القياس، بتوقفه على مُقَدمات أخر. وبيان ذلك: أن جهة الضعف في العامِّ المقطوع المتن منحصرة في أمرين: أحدهما: احتمال التخصيص.

стр. 1829

وثانيهما: احتمال التجوز. وفي غيره: الاحتمالان المذكوران مع احتمال كذب الناقل. وأما في القياس: فهذه الثلاثة أو الاثنان؛ لأن الأصل في القياس لا بد وأن يكون نصًا. ورابع: وهو احتمال أن لا يكون الحكم معللًا بعلة أصلًا. وخامس: وهو احتمال أن تكون العلة غير ما ظَنَّه القائس علة؛ لأنه ربما لم يستكمل أوصافَ الاجتهاد، وربما قَصَّر في الاجتهاد عامدًا أو مخطأ. وسادس: وقد ذكره القاضي في "مختصر التقريب": أنه وإن كان ما ظنه علةً فيحتمل أن يكون قد زَلَّ في طريقه فرب مخطئ في الطرق التي تثبت (١) بها العلل (٢). وسابع: وهو أنه وإن لم يَزِلَّ في الطريق فيحتمل أن لا تكون موجودة في الفرع مع أنه ظن وجودها فيه. وثامن: وهو إنها و (٣) إن وجدت في الفرع، لكن ربما لم يوجد فيه شرط الحكم أو فَقْد مانع وإذا كان كذلك، كان القياس أضعف من العام، لا سيما من المقطوع متنه فلم يجُز تقديمه عليه؛ لامتناع العمل بالمرجوح مع معارضة الراجح. قال القاضي في "مختصر التقريب": فإن قالوا: إنما كلامنا في قياس يصح. قلنا: لا (٤) يتصور في المجتهدات قياس يُقطع بصحته. ثم إنْ

стр. 1830

صَوّرتم قياسًا قاطعًا فصوِّروا صيغة نقطع بعمومها (١)، هذا تقرير الوجه الثاني من الوجهين اللذَيْن اعتصم بهما الجبائي. وأجاب في الكتاب عن هذا (٢) الثاني بوجهين: أحدهما: لا نسلم أن مقدمات القياس أكثر مطلقًا، بل قد يكون بالعكس أي: يكون مقدمات العام أكثر من مقدمات القياس، فإن فيه احتمال التجوز، والنسخ، وخطأ الراوي، وغير ذلك. والقياس لا يحتمل شيئًا مِنْ ذلك. وثانيهما: أنا سلمنا أن مقدمات القياس أكثر مطلقًا، لكن في العمل بهما عمل بالدليلين وهو أحرى، أي: أحوط وأولى، كما سبق. وقد عرفت ما فيه من النظر، والحق أن الوجهين ضعيفان: أما هذا فلما عرفتَ، وأما الذي قبله فلأن القياس لا بد وأن يستند إلى أصل، وذلك الأصل إن لم يكن مقطوع المتن - تطرقت إليه هذه الاحتمالات، وينضم إليها ما يختص به القياس من المحتملات؛ فيكون الاحتمال فيه أكثر. وإن كان مقطوع المتن فدلالته ظنية، وهي تقبل القوة والضعف، كالقياس. وعند ذلك نقول: الحقُّ في الجواب أن يقال: كميات المقدِّمات قد تُعارِض كيفياتِها فمقدمات (٣) القياس وإنْ كانت كثيرة، لكنها قد تكون أقوى من مقدمات العام القليلة بحيث تصير مع كثرتها بسبب كيفياتها معادلة

стр. 1831

للمقدمات القليلة التي للعام، أو أرجح. ومِنْ أمثلة ذلك أنه لا يخفى على ذي لب أن إلحاق النبيذ بالخمر بالقياس بعلة الإسكار أغلب على الظن من بقائه تحت قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ (١)، وكذلك دلالةُ قياس الأرز على البر في الربا - أقوى بالنسبة إلى الدلالة المأخوذة من قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٢) على جواز بيعه متفاضلًا. وإذا فُهِم هذا لاح وجه الحق مع الغزالي، ووضح أن مذهبه هو المرتضى الذي نختاره. فإنْ قلت: ما ذَكَره الغزالي من الأخذ بأرجح الظنين يلزمه في خبر الواحد مع العموم، فإنَّ المرجحات المتجهة هنا متجهةٌ ثَمَّ مِنْ جهة غلبة المجاز على أحدهما وقِلَّته في الآخر، وكثرة الإفراد وقلتها ونحو ذلك. قلت: أجاب الأصفهاني "شارح المحصول": بأن ذلك لا يلزمه، فإنه يرى أن خبر الواحد في دلالته على مَوْرده الخاص كالنص أو هو نص فيه، ودلالة العموم على مورده الخاص ضعيفة؛ لاحتمال الإجمال في صيغة العموم بسبب الاشتراك على رأي قوم، ولا كذلك القياس مع العمومات (٣). فإن قلت: الخلاف في أصل هذه المسألة من جنس الخلاف في القطعيات، أو المجتهدات؟

стр. 1832

قلت: قال الغزالي: "يدل سياق كلام القاضي على أن القول في تقديم خبر الواحد على عموم الكتاب، وفي تقديم القياس على العموم - مما يجب القطع فيه بخطأ المخالف؛ لأنه من مسائل الأصول. قال: وعندي إلحاق هذا بالمُجْتَهَدات أولى؛ فإن الأدلة فيه من الجوانب متفاوتة، غير بالغة مبلغ القطع (١) " (٢). قال: (الرابعة: يجوز تخصيص المنطوق بالمفهوم؛ لأنه دليل، كتخصيص: "خَلَق الله (٣) الماءَ طهورًا لا ينجسه شيء إلا ما غيَّر طعمه، أو ريحه، أو لونه" (٤) بمفهوم: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا").

стр. 1833

قال الآمدي: لا نعرف خلافًا بين القائلين بالعموم والمفهوم: أنه يجوز تخصيص العموم بالمفهوم ، وسواء كان من قبيل مفهوم الموافقة، أم المخالفة (١) و (٢) أما الإمام فتوقف في ذلك ولم يختر شيئًا (٣). وقال سراج الدين: في جوازه نظر (٤). وجزم في "المنتخب" بأنه لا يجوز (٥). ونقله أبو الخطاب الحنبلي عن بعضهم (٦)، كما ذكر الأصفهاني (٧). وقال ابن دقيق العيد في الكلام على الحديث الثاني في شرح "الإلمام": إنه رأى في كلام بعض المتأخرين ما يقتضي أنه لا تخصيص بالمفهوم. وقد حصلنا من هذه النقول على أن الخلاف في تخصيص العموم بالمفهوم موجود. وقال صفي الدين: "لا يُسْتراب في جواز التخصيص بمفهوم الموافقة" (٨). وهذا حسن، وينبغي أن يجعل محل الخلاف في مفهوم

стр. 1834

المخالفة (١)، ويؤيده أن الإمام صَرَّح في آخر الناسخ والمنسوخ قبل القسم الثالث فيما يظن أنه ناسخ: بأن الفحوى يكون ناسخًا بالاتفاق (٢). وكذلك الآمدي وادعى الاتفاق أيضًا (٣). واحتج المصنف على الجواز مطلقًا: بأنه دليل شرعي، إذِ القول بجواز التخصيص به مفَرَّعٌ على القول بأنه حجة، وإذا كان كذلك فيخصص به جمعا بين الدليلين. ومَثَّل له المصنف بقوله ﵇: "خلق الله الماء طهورًا لا ينجسه شيء إلا ما غَيَّر طعمه أو ريحه"، مع قوله ﵇: "إذا بلغ الماء قُلَّتَيْن لم يحمل الخبث"، فإن الأول دلَّ بمنطوقه على أن الماء لا يَنْجُس عند عدم التغير (٤) وإن لم يكن قلتين. والثاني دَلَّ بمفهومه الذي هو مفهوم شَرْطٍ وهو

стр. 1835

حجة على أن القليلَ ينجس وإن لم يتغير، فيكون هذا المفهوم تخصيصًا لمنطوق الأول. وقد سبق الكلام على الحديثين. ولم يُمَثِّل لمفهوم الموافقة لظهوره، ومثاله: أن يقول: مَنْ أساء إليك فعاقِبْه. ثم يقول: إنْ أساء إليك زيد فلا تقل له أفّ (١). قال: (الخامسة: العادة (التي قَرَّرها رسول الله) (٢) ﷺ تخصيص (٣)، وتقريره ﵊ على مخالفة العام تخصيص له، فإن ثبت: "حكمي على الواحد حكمي على الجماعة" رفع (٤) عن الباقين). هذه المسألة مشتملة على بحثين: الأول: أن العادة هل تخصِّص العموم؟ واعلم أنَّ كلامَ مَنْ أطلق القولَ في أن العادة هل تخصص - يحتمل شيئين (٥):

стр. 1836

أحدهما: أن يكون الرسول ﷺ أوجب، أو حَرَّم أشياء بلفظ عام يشملها (١)، ثم رأينا العادةَ جاريةً بترك بعضها، أو بفعل بعضها (٢). فهل تؤثر تلك العادة في تخصيص ذلك العام، حتى يقال: المراد من ذلك العامِّ ما عدا ذلك البعض الذي جرت به العادة، أو هو باق على عمومه؟ وهذا القسم هو الذي تكلم فيه الإمام وأتباعه كالمصنف. قال الإمام: "والحق أن نقول: العادات إما أن يُعْلم مِنْ حالها أنها كانت حاصلةً في زمانه ﵇ مع عدم منعه ﵇ إياهم منها، أو يُعلم أنها ما كانت حاصلة (في زمانه) (٣) أوْ لا يُعلم واحدٌ مِنَ الأمرين. فإن كان الأول - صَحَّ التخصيص، وهو في الحقيقة تقريره ﵊ (٤).

стр. 1837

وإنْ كان الثاني - لم يجز التخصيص بها؛ لأن أفعال الناس لا تكون حجة على الشرع، اللهم إلا أن يُجْمعوا عليه فيصح حينئذ، والمخصِّص هو الإجماع لا العادة (١). وإنْ كان الثالث - احْتَمَل، واحْتَمَل (٢) " (٣). وتابعه المصنف على ذلك. فرع: إذا باع شجرة وأطلق - دخل في بيعها أغصانُها إلا اليابس؛ لأن العادة فيه القطع. وقال صاحب "التهذيب" (٤) (يحتمل أن

стр. 1838

يدخل) (١)، كالصوف على ظهر الغنم (٢)، يعني: إذا بيع (وقد) (٣) استحق الجز. الاحتمال الثاني: أن تكون العادة جاريةً بفعلٍ مُعَيَّنٍ كأكل طعامٍ مُعَيَّن مثلًا، ثم إنه ﵇ ينهاهم عنه بلفظٍ يتناوله (٤)، كما لو قال: نهيتكم عن أكل الطعام. ومنه: نهيه ﵇ عن بيع الطعام بجنسه. فهل يكون النهيُ مقتصرًا على ذلك الطعام فقط، أم يجري على عمومه، ولا تأثير للعادة في ذلك؟ وهذا الاحتمال هو الذي تكلم فيه الآمدي، وتابعه ابن الحاجب (٥). وهما مسألتان لا تعلق لإحداهما بالأخرى، ولم يتعرض الآمدي لتلك وقد عرفتَ حكمَها، ولا الإمام لهذه. ومَنْ قال: إن العادة (٦) تُخَصِّص حَمَل النهيَ فيها على ذلك المعتاد لا

стр. 1839

غير (١). ومَنْ قال: لا تُخَصِّص - وهو المختار - أجراه على عمومه (٢). هذا تمام القول في التخصيص بالعادة (٣). وقد أورده (٤) الهندي كما ذكرناه (٥) (فلا تعدل به) (٦)، فإن بعض الضعفاء حاول الجمع بين كلام الإمام والآمدي ظنًا منه أنهما تواردا على محلٍّ واحدٍ، فوقع في خبط كبير (٧) (٨).

стр. 1840

البحث الثاني: في أن تقرير النبي ﷺ واحدًا من المكلَّفين على خلاف مُقْتضي العام هل يكون مُخَصِّصًا؟ . أما في حق ذلك الشخص الذي أُقِرَّ: فلا شك فيه؛ ضرورةَ أنه ﵇ لا يقر على باطل. وأما في حق غيره: فإنْ ثبت المَرْوِي مِنْ قوله ﷺ : "حكمي على الواحد حكمي على الجماعة" (١) - فيرتفع حكم العام عن الباقين أيضًا. وعلى هذا يكون نسخًا لا تخصيصًا إنْ خالف ذلك الواحدُ جميعَ ما دلَّ عليه العام، ويكون تخصيصًا إنْ خالف في فردٍ، كما لو قال: لا تقتلوا المسلمين. وقَدَّرنا أن شخصًا قَتَل مسلمًا، وأقره ﵇ على ذلك -

стр. 1841

فَيُعْلم أنَّ ذلك المقتولَ كان يجوز قتله لكل أحد (١). وهذا الحديث وهو: "حكمي على الواحد حكمي على الجماعة" (٢) - لا أعرف له أصلًا، وسألت عنه شيخنا الحافظ أبا عبد الله الذهبي فلم يعرفه. واعلم أنه يُشْتَرط في تقريره ﵇ أن لا يَعْلم من الفاعل اعتقادَه ذلك الفعل، كتردد اليهود إلى كنائسهم، فإن سكوته عن ذلك لا يقتضي إباحته؛ للعلم بتقرير أهل الذمة على ذلك (٣). ونختم البحث في التقرير بسؤال: وهو أن الاستدلال بالتقرير على الإباحة كيف يتم مع أنه يحتمل أن يكون التقرير قبل نزول الوحي، فينبغي أن يقال: يستدل به على عدم التحريم، أما إنشاء الإباحة فلا؟ وهذا السؤال أورده والدي - أحسن الله إليه - قديمًا على الشيخ صدر الدين بن المرحل، ولم يحصل عنه جواب إذ ذاك. قال والدي أيده الله تعالى: وقد ظهر لي بعد ذلك جوابُه: وهو أن التقرير إنما يكون على فعلٍ قد وقع أو هو واقع، ولنا قاعدة قد نقلوها: وهي أنه لا يجوز الإقدام على فعل حتى يُعْرف (٤) حُكْمه. فذلك الفعل الذي أَقَرَّ عليه لو لم

стр. 1842

يكن مباحًا (لكان حرامًا؛ للإقدام عليه بلا علمٍ بحكمه) (١)، فمِنْ هنا دَلَّ التقرير على الإباحة؛ بخلاف السكوت عند السؤال فإنه يُحْمل على عدم نزول الحكم؛ لأن السؤال عما لم يقع أو عما وقع، والسائل ينتظر حكمه، فَيُفْهم من السكوت عَدَمُ الحكم فيبقى واقفًا، بخلاف المقيم على الفعل قد يَعْتَقد إباحته، فهذا فَرْقُ بين المقامين. فإن قلت: يكفي في تسويغ الفعل البراءة الأصلية. قلت: هذا كافٍ في الإباحة؛ لأن إبقاء الشارع بحكم البراءة الأصلية حكم، وهي دليل شرعي، وإنما نقول بالتحريم إذا أقدم بلا سبب، فهذا يُنْكر عليه سواء كان هناك حكم أمْ لا، فإذا لم يُنْكِر دل على الإباحة، ويُحْمل على أنَّ فاعله أقدم عن علم، بخلاف السائل فإنَّ ظاهر حالِه أنه واقفٌ عن الاعتقاد، منتظرٌ للجواب (٢)، فلا تحصل (٣) مفسدة. والله أعلم. قال: (السادسة: خصوص السبب لا يُخَصِّص (٤)؛ لأنه لا يعارضه) . هذه المسألة مشتملة على بحثين: الأول: في أن خصوص السبب لا يخصِّص عموم اللفظ (٥). ومن

стр. 1843

الناس من أطلق الكلام في هذه المسألة، كالمصنف، والتحقيق تفصيلٌ: وهو أن الخطاب إما أن يكون جوابًا (١) لسؤالِ سائلٍ أوْ لا، فإن كان جوابًا فإما أن يستقل بنفسه أوْ لا. فإن لم يستقل فلا خلاف أنه على حسب الجواب، إنْ كان عامًا فعام، وإنْ كان خاصًا فخاص (٢). وإن استقل فهو أقسام؛ لأنه إما أن يكون أخص، أو مساويًا، أو أعم. والأخص مثل: قول القائل: مَنْ جامع في نهار رمضان - فعليه ما على المظاهر. في جواب مَنْ سأله عمن أفطر في نهار رمضان. وهذا جائز بشرائط: أحدها: أن يكون فيما خرج من الجواب تنبيه (٣) على ما لم يخرج منه. والثاني: أن يكون السائل مجتهدًا وإلا لم يفد التنبيه (٤).

стр. 1844

والثالث: أن لا تفوت المصلحة باشتغال السائل بالاجتهاد (١). وأما المساوي: فلا إشكال فيه (٢). وأما الأعم: فهو منقسم إلى قسمين؛ لأنه إما أن يكون أعمَّ منه فيما سُئل عنه، كقوله ﵇ لما سئل عن ماء بئر بُضاعة (٣): " (إن الماء طهورٌ) (٤) لا يُنَجِّسه شيء (٥) ". (رواه أبو (٦) داود والترمذي، وقال: حسن) (٧).

стр. 1845

وإما أن يكون عامًا في غير ما سئل عنه، كقوله ﵇ حين سئل عن التوضؤ بماء البحر: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته" (١) (٢). وحكم هذا القسم التعميم بالنسبة إلى ما سئل عنه، وإلى غيره من غير خلاف (٣). وأما القسم الأول: فقد جعلوه من محل الخلاف، الذي سنستقصي (٤) القول فيه إنْ شاء الله تعالى. وقال والدي أيده الله تعالى: الذي يتجه القَطْعُ بأنَّ العبرةَ بعمومِ اللفظ؛ لأن عدول المجيب عن الخاص المسئول عنه إلى

стр. 1846

العام - دليلٌ على إرادة العموم. وأما الخطاب الذي لا يرد جوابًا لسؤال سائل، بل واقعة وقعت: فإما أنْ يَرِد في اللفظ قرينةٌ تُشْعر بالتعميم، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ (١)، والسبب رجلٌ سَرَق رداء صفوان، فالإتيان بالسارقة معه قرينة تدل على عدم الاقتصار على المعهود. وكذلك العدول عن الإفراد إلى الجمع، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (٢) نزلت في عثمان بن طلحة (٣)، أخذ مفتاح الكعبة وتغيب به، وأبى أن يدفعه إلى النبي ﷺ . وقيل: إنَّ عليًا ﵁ أخذه منه وأبى أن يدفعه إليه؛ فنزلت، فأعطاه النبي ﷺ إياه، وقال: "خذوها يا بني طلحة خالدةً مخلدة فيكم أبدًا لا ينزعها منكم إلا ظالم" (٤).

стр. 1847

وإن لم يكن ثَمَّ قرينة، وكان مُعَرَّفًا بالألف واللام فمقتضى كلامِهم الحملُ على المعهود، إلا أن يُفْهم مِنْ نفس الشرع تأسيسُ قاعدةٍ؛ فيكون دليلًا على العموم. وإنْ كان العمومُ لفظًا آخرَ غيرَ الألف واللام - فيحسن أن يكون ذلك هو محل الخلاف. إذا عرفت ذلك - فالصحيح الذي عليه الجمهور، وبه جزم في الكتاب: أنَّ العبرةَ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (١). وخالف في ذلك مالكٌ (٢)، (والمزني، وأبو ثور) (٣)، فقالوا: إنَّ خصوصَ السببِ يكون مخصِّصًا لعموم اللفظ. قال إمام الحرمين: "وهو الذي صح عندنا مِنْ مذهب الشافعي" (٤).

стр. 1848

وكذلك قال الغزالي في "المنخول" (١). وقال في "مختصر التقريب والإرشاد": "نُقِل المذهبان جميعًا عنه" (٢). واعلم أن الذي صَحَّ من مذهب الشافعي ﵁ موافقة الجمهور، خلاف ما ذكره (٣) إمام الحرمين. قال الإمام في كتابه الموضوع في "مناقب الشافعي" ﵀: "ومعاذ الله أن يصح هذا النقل عنه (٤)، وكيف وكثيرٌ من الآيات نزلت في أسباب خاصة، ثم لم يقل الشافعي ﵀ بأنها (٥) مقصورةٌ على تلك الأسباب! قال: والسبب في وقوع هذا النقل الفاسد عنه (٦) أنه يقول: إن دلالته على سببه أقوى؛ لأنه لما وقع السؤال عن تلك الصورة - لم يجز أن لا يكون اللفظ جوابًا عنه، وإلا تأخَّر البيان عن وقت الحاجة. وأبو حنيفة عكس ذلك، وقال: دلالته على سبب النزول أضعف، وحَكَم بأن الرجلَ لا يلحقه ولدُ أَمَتِهِ وإنْ وطئها ما لم يُقِر بالولد، مع أن قوله ﷺ : "الولد للفراش وللعاهر الحَجَر" (٧) إنما ورد في أَمَةٍ، والقصة مشهورة في قضية (٨) عبد بن زَمْعة،

стр. 1849

فبالغ الشافعي في الرد على مَنْ يُجَوِّز إخراج السبب، وأطْنَبَ في أن الدلالة عليه قطعية؛ لدلالة (١) العام عليه بطريقين: أحدهما: العموم. وثانيهما: كونه واردًا لبيان حكمه. فَتَوَهَّم المتوهم أنه يقول: إن العبرة بخصوص السبب. هذا حاصل ما ذكره الإمام، وهو بليغ. وأما ما ذكره إمام الحرمين فلعله اطلع على نص مرجوح (٢) عنه، أو غير ذلك، فإن الخلاف فيه غير بعيد عن المذهب (٣)، ولذلك اختلف الأصحاب في أن العرايا (٤) هل تختص بالفقراء، أم يشترك فيها الأغنياء والفقراء؟ والصحيح التعميم، مع أنها وردت على سبب خاص وهو الحاجة (٥) والغرض أن الصحيح من مذهبه موافقة الجمهور، وفروعه تدل على ذلك (٦).

стр. 1850

قال الأصحاب في مَنْ دخل عليه صديقه. فقال: تَغَدَّ معي، فامتنع. فقال: إن لم تتغد معي فامرأتي طالقٍ. (فلم يفعل) (١): لا يقع الطلاق. ولو تَغَدَّى بعد ذلك معه وإنْ طال الزمان - انحلت اليمين. فإنْ نوى الحال فلم يفعل وقع الطلاق. وهو يخالف قولَ الأصوليين: إن الجوابَ الذي يستقل بنفسه، إلا أن العُرْف (٢) يقتضي عدم استقلاله، مِثْلَ هذه الصورة - في حكم (٣) الذي لا يستقل بوضعه؛ فيكون على حسب السؤال (٤). ورأي البغوي حَمْلُ المُطْلق (على الحال للعادة) (٥)، وهو يوافق

стр. 1851

قول الأصوليين هذا. وأفتى القاضي الحسين في امرأةٍ صعدت بالمفتاح إلى السطح، فقال زوجها: إن لم تُلْقِ المفتاح فأنتِ طالق، فلم تُلْقه ونزلت: أنه لا يقع. ويُحمل قوله: "إن لم تُلقه" على التأبيد، وأَخَذ ذلك مما قاله الأصحاب في المسألة المذكورة. وفي الرافعي عن "المبتدأ في الفقه" للقاضي الروياني: أنه لو قيل له: كَلِّم زيدًا - فقال: والله لا كلمته. انعقدت اليمين على الأبد، إلا أن ينوي اليوم. فإنْ كان ذلك في طلاق (١)، وقال: أردتُ اليومَ - لم يُقْبل في الحكم. وهذه الصور كلها شاهدةٌ لأن العبرة بعموم اللفظ، ومُخَالِفةٌ لما قال (٢) الأصوليون في الجواب الذي يقتضي العرفُ عدمَ استقلاله دون الوضع. والحق مع الفقهاء؛ لأن اللفظ عامٌّ، والعادةُ لا تخصِّص. وأما ما وقع في كتابي "طبقات الفقهاء" في ترجمة الإمام من أن الشافعيَّ في "الأم" في الجزء الرابع من أجزاء تسعة في باب (٣) ما يقع به الطلاق من الكلام وما لا يقع، وهو بعد الطلاق الذي يملك فيه الرجعة، وقبل: الحجة في البتة (٤) وما أشبهها - نصَّ على ما ذكره

стр. 1852

الإمام عنه مِنْ أن العبرة بعموم اللفظ - فذلك (خطأ مني في الفَهْم (١)، وأردتُ أن أنبه على ذلك) (٢) هنا؛ لئلا يُغْتَرَّ به، فإنَّ حَذْفه من ذلك الكتاب تَعَذَّر لانتشار النُسَّخ به (٣). وبيان ذلك أنه قال ما نصه: ما يقع به الطلاق من الكلام وما لا يقع. قال الشافعي ﵁: ذَكَرَ الله تعالى في كتابه الطلاق والفِرَاق والسَّراح فقال : ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ (٤) (٥)، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (٦)، وقال لنبيه ﷺ في أزواجه: ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ (٧) الآية. قال الشافعي: فمَنْ خاطب امرأته فأفرد لها اسمًا من هذه الأسماء فقال: أنتِ طالقٌ، أو طلقتك، أو فارقتك، أو سَرَّحْتك - لَزِمه الطلاق (وإن لم ينوه) (٨) في الحكم، ونَوَّيناه فيما بينه وبين الله عز

стр. 1853

وجل (١). ويسعه إن لم يُرِدْ بشيء منه طلاقًا أن يمسكها، ولا يسعها أن تقيم؛ لأنها لا تعرف مِنْ صِدْقه ما يَعْرف مِنْ صدق نفسه. وسواءٌ فيما يلزم من الطلاق ولا يلزم: تَكَلَّم به الزوجُ عند غضب، أو مسألة طلاق، أو رضًا وغيرِ مسألة طلاق. ولا تصنع الأسبابُ شيئًا، إنما تصنعه الألفاظ؛ لأن السبب قد يكون ويحدث الكلام على غير السبب، ولا يكون مُبْتدأَ الكلام (الذي حُكِمَ) (٢) فيقع (٣). فإذا لم يصنع السبب بنفسه شيئًا - لم يصنعه بما (٤) بعده (ولم يمنع ما بعده) (٥) أن يصنع ما له حكم إذا قيل (٦) (٧).

стр. 1854

انتهى. فتوهمتُ أنا ما توهمتُ مِنْ قوله: "ولا تصنع الأسباب شيئًا" إلى آخره، وهو وَهَم، وإنما مراده: أن الغضب وغيره من الأسباب التي يرد عليها الطلاق لا تَدْفع وقوع الطلاق، ولا تعلق لذلك بالمسألة الأصولية (١). وقد احتج المصنف على أن (٢) العبرة بعموم اللفظ: بأن اللفظ صالح لتناول الأفراد؛ إذ هو عام، وكونه ورد على سببٍ لا يعارضه؛ لأنه لا منافاة بينهما، بدليل أن المُجيب لو قال: احملِ اللفظَ على عمومه، ولا تخَصِّصْه بخصوصِ سببهِ - كان ذلك جائزًا. واعترض على هذا: بأنه لا ينافي كونَ السبب يدل بطريق الظهور على تخصيص العام به؛ لأن الذي ذُكِر احتمالٌ، والاحتمال لا ينافي الظهور،

стр. 1855

كما أنه لو صَرَّح بإرادة الخصوص في العمومات من غير سبب - جاز ذلك، مع كون هذا الاحتمال لا ينافي ظهور صيغة العموم في الاستغراق. وذكر الإمام دليلًا آخر: وهو إجماع الأمة على أنَّ آية اللعان والظهار وغيرهما إنما نزلت في أقوامٍ مُعَيَّنين، مع تعميم الأمة حكمهما (١)، وما قال أحدٌ: إنَّ ذلك التعميمَ خلافُ الأصل (٢). واحتج الخصم: بأن الجواب لو عَمَّ لم يكن مطابقًا للسؤال، والمطابقة بين السؤال والجواب شرط؛ ولهذا لم يجز أن يكون الجواب خاصًا. وبأن السبب لو لم يكن مُخَصِّصًا - لما نقله الراوي؛ لعدم فائدته. وأجيب عن الأول: بأنك إنْ أردتَ بمطابقة الجواب أن يَسْتَوعب السؤالَ، ولا يغادرَ منه شيئًا فمسلم. والأعم يحصل فيه المطابقة بهذا المعنى، بخلاف الأخص. وإن أردتُ بالمطابقة اختصاصَ الجواب بالسؤال - فلا نسلم اشتراطها بهذا المعنى. وعن الثاني: بأن فائدتَه معرفةُ السبب. وقد صنَّف بعض المتأخرين في معرفة أسباب الحديث، كما صنفت العلماء في معرفة أسباب النزول. ومِنْ فوائد ذلك امتناعُ إخراج صورةِ السببِ عن العموم بالاجتهاد، فإنه لا

стр. 1856

يجوز إخراج تلك الصورة التي ورد عليها السبب بالإجماع، نَصَّ عليه القاضي في "مختصر التقريب"، والآمدي (في "الإحكام") (١)؛ وطائفة (٢). وحُكِي عن أبي حنيفة أنه يُجَوِّز إخراجها (٣)، وقد عرفتَ ذلك مِنْ قَبْلُ. وقد قال العلماء: إنَّ دخولَ السبب قطعيٌ؛ لأن العام يدل عليه بطريقين كما مر، ومِنْ ذلك نشأ كونه لا يخرج بالاجتهاد (٤). قال والدي أبقاه الله: وهذا عندي ينبغي أن يكون إذا دلت قرائنُ حاليةٌ أو مقالية على ذلك، أو على أن اللفظ العام يشمله بطريق الوضع لا محالة، وإلا فقد ينازع الخصم في دخوله وَضْعًا تحت اللفظ العام، ويَدَّعي أنه قد (٥) يقصد المتكلم بالعام إخراج السبب، وبيان أنه ليس داخلًا في الحكم، فإن للحنفية أن يقولوا في حديث عبد بن زمعة: إن قولَه ﷺ : "الولد للفراش" وإنْ كان واردًا في أَمةٍ - فهو واردٌ لبيان حكم ذلك الولد، وبيانُ حُكْمِه إما بالثبوت أو بالانتفاء، فإذا ثبت أن الفراش هي الزوجة؛ لأنها التي (٦) يتخذ لها الفراش غالبًا، وقال: "الولد للفراش" - كان فيه حَصْر أن الولد للحرة، وبمقتضى ذلك لا يكون

стр. 1857

للأمة، فكان فيه بيانٌ للحكمين (١) جميعًا: نَفْي النعسب عن السبب وإثباته لغيره، ولا يليق دعوى القطع هنا، وذلك مِنْ جهة اللفظ. وهذا في الحقيقة نزاع في أن اسم الفراش هل هو موضوع للحرة والأمة (٢) الموطوءة، أو للحرة فقط؟ والحنفية (٣) يدعون الثاني (٤)، فلا عموم عندهم له (٥) في الأمة (٦)، فتخرج المسألة من باب أن العبرة بعموم اللفظ (أو بخصوص) (٧) السبب. نعم قوله ﷺ في حديث عبد بن زمعة: "هو لك يا عَبْدُ، وللعاهِر الحَجَر" (٨) بهذا التركيب يقتضي أنه ألحقه به على حكم السبب؛ فيلزم أن يكون مرادًا من قوله: "للفراش" (٩). فليتنبه لهذا البحث فإنه نفيس جدًا (١٠). ولا يقال: إن الكلام إنما هو حيث تَحقَّق دخولُه في اللفظ العام

стр. 1858

وضعًا؛ لأنا نقول: قد يُتَوهم أن كون اللفظ جوابًا للسؤال يقتضي دخوله، فأردنا أن ننبه على أن الأمر ليس كذلك، والجواب إنما يقتضي بيان الحكم، وإنما أردنا أن دعوى من ادعى أن دلالة العموم على سببه قطعية يمكن المنازعة فيها بالنزاع (١) في دخوله تحت اللفظ العام وضعًا لا مطلقًا، والمقطوع به أنه لا بد فيه من بيان حكم السبب، أما كونه يُقْطَع بدخوله في ذلك، أو بخروجه عنه - فلا يدل على تعيين واحدٍ من الأمرين. ونختم المسألة بعد ذكر هذا البحث النفيس بمثليه: فأحدهما: أنَّ جميعَ ما تقدم في السبب، وبقية الأفراد التي دل اللفظ العام بالوضع عليها. وبين ذَيْنِك الشيئين رتبةٌ متوسطةٌ، فنقول: قد تنزل الآيات على الأسباب الخاصة، وتُوضع كلُّ واحدةٍ منها مع ما (٢) يناسبها من الآي، رعايةً لنظم القرآن، وحسنِ اتساقه. فذلك الذي وُضِعت معه الآية النازلة على سببٍ خاص؛ للمناسبة (٣) - إذا كان مسبوقًا (٤) لِما نَزَلَ في معنى، يدخل تحت ذلك اللفظ

стр. 1859

العام (١) أو كان من جملة الأفرد الداخلة وضعا تحت اللفظ العام (٢) فدلالة اللفظ عليه يحتمل أن يقال إنه كالسبب فلا يخرج ويكون مرادًا (٣) من الآية قطعًا ويحتمل أن يقال إنه لا ينتهي في القوة إلى ذلك لأنه قد يراد غيره وتكون المناسبة لشبهه به والحق أن ذلك رتبة متوسطةٌ دون السبب وفوق العموم المجرد، ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (٤) فإن مناسبتها للآية التي قبلها وهى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ (٥) أن ذلك إشارة إلى كعب بن الأشرف كان قَدِم إلى مكة وشاهد قتلى بدر، وحرض الكفار على الأخذ بثأرهم وغَزْوِ النبي ﷺ ، فسألوه من أهدى سبيلًا النبيُّ ﷺ أوْ هُمْ؟ فقال: أنتم (٦). كَذِبًا منه وضلالة، لعنه الله، فتلك الآية في حقه وحق من يشاركه في تلك المقالة،

стр. 1860

وهم أهلُ كتابٍ يجدون عندهم في كتابهم نعت النبي ﷺ وصفته، وقد أُخِذت عليهم المواثيق أن لا يكتموا ذلك وأن ينصروه، و (١) كان ذلك أمانة لازمة لهم فلم يؤدوها وخانوا فيها، وذلك مناسب لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (٢) ولا يَرِد على هذا أن قصة (٣) كعب بن الأشرف كانت عقب بدر، ونزول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ في الفتح أو قريبًا منه، وبينهما نحو ست سنين؛ لأن اتحاد (٤) الزمان إنما يشترط في سبب النزول ولا يشترط في المناسبة؛ لأن المقصود منها وضع آية في موضع يناسبها، والآيات كانت تنزل على أسبابها ويأمر النبي ﷺ بوضعها في المواضع التي يعلم من الله أنها مواضعها. وثانيهما: سؤال عظيم أورده والدي - أحسن الله إليه - في تفسيره في آية الظهار، وهو قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ (٥) الآية، وتقريره يتوقف على إعراب الآية، فنقول: ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، وخبره: ﴿فَتَحْرِيرُ﴾،
следующие страницы →