← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

تخضع له أرباب المناصب من القضاة وغيرهم" (١). وكذا قال ابن كثير وابن حجر رحمهما الله (٢). ويقول ابن كثير ﵀ في وفاة الخطيب جمال الدين ابن جملة: "وقد حضر جنازته بالصالحية على ما ذُكر جَمٌّ غفير، وخلقٌ كثير، ونال قاضيَ القضاة الشافعيَّ مِن بعض الجهلة إساءةُ أدب، فأخذ منهم جماعة وأُدِّبوا، وحضر هو بنفسه صلاة الظهر يومئذ، وكذا باشر الظهر والعصر في بقية الأيام، يأتي للجامع في مَحْفَلٍ من الفقهاء والأعيان وغيرهم، ذهابًا وإيابًا. . ." (٣). ولا شك أنَّ تأديب الجهلة مِنْ حفظ الحرمة والمهابة، والاستخفاف بمقام العالم مصيبة تربو على المصائب؛ لأنها مصيبة الدين، وضياع الملة، وخُلُق الفَسَقة والمرتدين، ونحن في أيام غربة وبلاء، وضيق وضرَّاء، ضُيِّعت فيه المكارم، ووئدت الأخلاق، فأسعد الناس أجهلهم، وأكرمهم أسفلهم، وعِلْم العالم تحت الأقدام، ومال الجاهل على الرؤوس والأعيان، فلا حول ولا قوة إلا بالله الملك الديَّان. والمهابة لا تعني الكبر والتعالي على الناس، بل هي وقارٌ وجلال بلا تَكَلُّف، وحِلْم ولين بلا تَضَعُّف، وقوةٌ وحزمٌ في الأمور مع التروي _________ (١) انظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ١٠٦. (٢) انظر: الدرر ٢/ ٤٢٦، ٤٢٨. (٣) البداية والنهاية ١٤/ ٣١٧.

стр. 212

والتلطف. ولذا كان المهيبُ محلَّ إجلال الناس، والمتكبِّر محل انتقاصهم وازدرائهم، وقليلٌ مِنَ الناس مَنْ يكون مَهِيبًا لا متكبرا، فالمهابة من أوصاف كُمَّل الرجال، وأفذاذ العقلاء، والسَّادة النجباء، لا أهل التصنع والرياء. وسيد الأولين والآخرين ﵌ هو سيد المُهيبين، وهو مَنْ إذا رآه الرائي بديهة هابه، وإذا خالطه معرفةً أحبَّه. والتاج ﵀ كان مهيبًا محبوبًا، يقول الحافظ ابن كثير ﵀ في أحداث سنة ثلاثٍ وستين وسبعمائة: "ورد البريد بطلبه من آخر نهار الأحد بعد العصر، الحادي عشر من شعبان سنة ثلاث وستين وسبعمائة، فأرسل إليه حاجِب الحجَّاب قماري وهو نائب الغيبة: أن يُسافر مِن يومه. فاستنظرهم إلى الغد فأمهل. وقد ورد الخبر بولاية أخيه الشيخ بهاء الدين بن السبكي بقضاء الشام عِوَضًا عن أخيه تاج الدين. . . وجاء الناس إليه ليودِّعوه ويستوحشون له، وركب مِن بستانه بعد العصر يوم الاثنين ثاني عشر شعبان، متوجِّهًا على البريد إلى الديار المصرية، وبين يديه القضاة والأعيان، حتى قاضي القضاة بهاء الدين أبو البقاء السبكي، حتى ردَّهم قريبًا من الجسورة، ومنهم مَنْ جاوزها، والله المسؤول في حُسن الخاتمة في الدنيا والآخرة" (١). _________ (١) انظر: البداية والنهاية ١٤/ ٣٠٩ - ٣١٠.

стр. 213

٨ - أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر: إن الصدع بالحق، ومقارعة الباطل من أهم واجبات العلماء إن لم يكن أهمها، والناس تبعٌ لعلمائهم، فإذا تبع العلماءُ الأمراءَ ضلَّت العامَّة، وزاغ الناس عن الجادَّة، وهلَكت الأمة. والعالم إن لم يَقْو على قول كلمة الحق فليسكت عن الباطل، فسكوته عن الباطل خير، أما أنْ ينطق بالباطل ليُرضيَ ذوي النفوذ والأمر فتلك الداهية الدهياء، والمصيبة الصماء، وتلك الخيانة وإضاعة الأمانة. ومع ذلك فربَّ كلمة حقٍّ قيلت في غير وقتها، أو غير محلها، جَلَبت شرًا كثيرًا، فالعالم الورع في دينه مَنْ يُراعي ذلك، ولا يُبالي بذم أحدٍ أو مدحه؛ لأن كلمة الحق إنما يُراد بها تحقيق مصلحة ودفع مفسدة، فإذا كان المتحقِّق هو العكس لم تكن من الحق، ولم يكن قائلها ناصحًا حكيمًا. فكلمة الحق كما تحتاج إلى إيمان وشجاعة، تحتاج إلى علم وحكمة يُقَدَّر بهما المصالح والمفاسد الحقيقية، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (١)، فرحم الله مَنْ قال ونفع، لا مَن في الضَّرَر أوقع. والحاصل أن أمانة الصدع بالحق حِمْلٌ ثقيل نِيط بالعلماء، والله سائلهم عنه، فضعيفهم ينكر بقلبه، وقويُّهم بلسانه، أما أن يسكت الجميع تخاذلًا وإيثارًا للدنيا على الآخرة، فضلًا عن المداهنة والمصانعة فنعوذ بالله _________ (١) سورة الأنعام: ١٠٨.

стр. 214

من الهلاك، ونعوذ بالله من شر كلِّ أفَّاك: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ (١). ٩ - مشاركته في الجهاد: يقول ابن كثير ﵀: "وفي صبيحة يوم الجمعة ثالث صفر (٢) نُودي في البلد أن لا يتخلف أحد مِنْ أجناد الحلقة عن السفر إلى بيروت، فاجتمع الناس لذلك، فبادر الناس والجيش ملبسين إلى سطح المزة، وخرج ملك الأمراء أمير علي - كان نائب الشام - مِنْ داره داخل باب الجابية في جماعته ملبسين في هيئة حسنة، وتجملٍ هائل، وولده الأمير ناصر الدين محمد، وطلبه معه، وقد جاء نائبُ الغيبة والحَجَبةُ إلى بين يديه إلى وطاقه، وشاوروه في الأمر، فقال: ليس لي ها هنا أمر، ولكن إذا حضر الحرب والقتال فلي هناك أمر. وخرج خلق من الناس متبرعين، وخطب قاضي القضاة تاج الدين الشافعي بالناس يوم الجمعة على العادة، وحَرَّض الناس على الجهاد، وقد ألبس جماعةً مِنْ غلمانه اللأمة والخُوذ، وهو على عزم المسير مع الناس إلى بيروت، ولله الحمد والمنة. ولما كان من آخر النهار رجع الناس إلى منازلهم وقد ورد الخبر بأن المراكب التى رؤيت في البحر إنما هي مراكب تجار، لا مراكب قتال، فطابت قلوب الناس، ولكن ظهر منهم استعداد عظيم، ولله الحمد" (٣). _________ (١) سورة هود: ١١٣. (٢) سنة ٧٦٧ هـ. (٣) انظر: البداية والنهاية ١٤/ ٣٣٧.

стр. 215

المبحث العاشر: محنته صدق القائل: مُحَسَّدُونَ وشَرُّ الناسِ منزلةً ... مَنْ عاشَ في الناس يومًا غيرَ مَحْسُودِ (١) والقائل: إنْ يَحْسِدوني فإنِّي غيرُ لائِمهمْ ... قَبْلي مِن الناس أهلِ الفضلِ قد حُسِدوا فدامَ لِي ولَهُمْ ما بِي وَمَا بِهِمُ ... وماتَ أكثرُنا غيظًا بما يَجِدُ (٢) وصدق المولى حيث يقول: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (٣) وقلَّ أن تجد ذا نعمةٍ لا يُحسد، فعلى العاقل الصبر والدفع بالتي هي أحسن وأرشد، فهذه دار الأكدار، لا دار الصفاء والقرار: طُبِعَتْ على كَدَرٍ وأنتَ تُريدُها ... صَفْوًا من الأَقْذار والأكدارِ لقد حُسِد الإمام ابن السبكي - رحمهما الله - كما حُسِد غيره، وحِيكت له المؤامرات لتنحيته عن منصبه، وليتولاها حاسدوه، وليطفئوا _________ (١) انظر: تاريخ بغداد ١٣/ ٣٦٧. (٢) انظر: أدب الدنيا والدين ص ٢٦٢، تاريخ بغداد ١٣/ ٣٦٧. (٣) سورة الأنعام: ١٢٤.

стр. 216

جمرةَ غيظهم أمام شمسه وقمره التي أضات لهما الشام وما حولها. وليس عندنا تفاصيل تلك المحن الثلاث التي مرت بالتاج ﵀ ولكن عندنا بعض نُقول تدل على مُجْمل المؤامرة، وأنها في الحقيقة حسدُ النفوس، وحُبُّ الدنيا والظهور. وقد تكلم الدكتور سعيد الحميري عن محنة التاج كلامًا جيدًا أكتفي بالإحالة عليه (١)، وأكتفي أيضًا ببعض النقول التى تدل على براءة التاج ونزاهته ﵀: يقول الحافظ ابن حجي: "وحصلت له محنة بسبب القضاء، وأوذي فصبر، وسُجن فثبت. وعقدت له مجالس فأبان عن شجاعة، وأفحم خصومه مع تواطئهم عليه، ثم عاد إلى مرتبته وعفا وصفح عمن قام عليه" (٢). قال الحافظ ابن حجر ﵀: "وحصل له بسبب القضاء محنةٌ شديدة، مرةً بعد مرة، وهو مع ذلك في غاية الثبات، ولما عاد إلى منصبه صفح عن كل مَنْ أساء إليه" (٣). _________ (١) انظر: مقدمته لتحقيق منع الموانع ص ١٥٩. (٢) انظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ١٠٦. (٣) انظر: الدرر ٢/ ٤٢٦.

стр. 217

المبحث الحادي عشر: مصنفاته قال الحافظ ابن حجي ﵀: "صَنَّف تصانيف عدة في فنون على صِغَر سنه، وكثرة أشغاله، قُرئت عليه، وانتشرت في حياته وبعد موته" (١). وعبارة ابن حجي كما هي في "الدرر": "وقد صَنَّف تصانيف كثيرةً جدًا على صِغَر سنه، قُرئت عليه، وانتشرت في حياته وبعد موته" (٢). ويقول ابن حجر ﵀: "وانتشرت تصانيفه في حياته، ورُزق فيها السَّعد" (٣). ولم يكن ﵀ ممن يسلك مسلك الجمع المجرد في التأليف أو الاختصار لكتابٍ سبقه، فيكون عمله مسبوقًا لا جديدًا، بل كان يسلك مسلك الاختراع والابتكار في كل مؤلفاته، ومَنْ قرأ مؤلفاته أدرك ذلك، وهذا لون من التأليف لا يطيقه إلا الجهابذة حقًا، والراسخون صدقًا؛ لأنه يُنبئ عن إحاطة واستقراء، وفهم واستيعاب، ثم استنباط واستنتاج، هذا مع ما تمتع به ﵀ من أسلوب مُشْرقٍ أخَّاذ، له حلاوة وطلاوة، كسا _________ (١) انظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ١٠٦. (٢) انظر: الدرر ٢/ ٤٢٧. (٣) انظر: الدرر ٢/ ٤٢٦.

стр. 218

به كتبه جمالًا على جمال، فجمال الاختراع والابتكار، مع جمال الصياغة واللفظ المدرار. هذا مع تمكنه ورسوخه في فنون النقل والعقل، والأثر والنظر، فكانت كتبه بحق تجديدًا، وصاحبها مجدِّدًا، ولولا صِغَر سنه، وقلة أيامه - لكان مجدِّد عصره، وهو بلا شك أحد المجددين؛ إذِ اجتمع له العلم والعمل والمنصب والخطابة، مع النزاهة والقوة في الحق والصَّلابة. يقول ﵀ في كتابه "الإبهاج" وهو أول كتاب أصولي ألَّفه: "وأنا مِنْ عادتي في هذا الشرح الإطنابُ فيما لا يُوجد في غيره، ولا يُتَلقَّى إلا منه، من بحثٍ مخترع، أو نقل غريب، والاختصار في المشهور في الكتب؛ إذ لا فائدة في التطويل فيما سَبَقنا مَنْ هم سادتُنا وكبراؤنا إلى جمعه، وهل ذلك إلا مجرد جمعٍ من كتب متفرقة، لا يصدق اسمُ المصنِّف على فاعله! " (١). ويقول في "الطبقات الكبرى": "وأنا دائمًا أستهجن ممَّن يدَّعِي التحقيق من العلماء إعادةَ ما ذكره الماضون، إذا لم يَضُمَّ إلى الإعادة تنكيتًا عليهم، أو زيادةَ قيدٍ أهملوه، أو تحقيقٍ تركوه، أو نحو ذلك مما هو مَرامُ المحقِّقين. . . إنما الحبر مَنْ يُملي عليه قلبُه ودماغُه، ويُبرز (٢) التحقيقات التي تشهد الفطر السليمة بأنها في أقصى غايات النظر، مشحونةً باستحضار _________ (١) الإبهاج ص: ١٣٦١. (٢) في الأصل المطبوع من الطبقات: "وتُبرز". والظاهر أنه خطأ؛ لأنه لا يناسب العطف على قوله: "مَنْ يُملي عليه. . ."، والمناسب هو "ويُبرز"، فهو يُملي ويُبرز.

стр. 219

مقالات العلماء، مشارًا فيها إلى ما يستند الكلام إليه مِن أدلة المنقول والمعقول، يرمز إلى ذلك رمز الفارغ منه الذي هو عنده مقررٌ واضح، لا تفيده إعادتُه إلا السآمة والمَلامة، ولا يُعيده إعادةَ الحاشدِ الجمَّاعة، الولَّاجِ الخرَّاج، المُحِبِ أن يُحْمدَ بما لم يَفْعل" (١). وهذه أسماء الكتب التي وقفت عليها من مؤلفاته ﵀: أولًا: في أصول الدين: ١ - " السيف المشهور في شرح عقيدة أبي منصور" الماتريدي رحمه الله تعالى. ذكره المصنف في كتابه "منع الموانع"، في مسألة الاسم هل هو المسمَّى أو غيره؟ (٢)، وكذا ذكره في الطبقات الكبرى (٣)، وذكره حاجي خليفة (٤). ٢ - قصيدة نونية في العقائد، ذكر جُلَّها في "الطبقات الكبرى" (٥). ٣ - "الدلالة عن عموم الرسالة"، جوابًا عن أسئلة أهل طرابلس، ذكره بروكلمان (٦). _________ (١) انظر: الطبقات الكبرى ١/ ٩٩ - ١٠٠. (٢) انظر: مقدمة محقِّق منع الموانع ص ١٧٥. (٣) انظر: الطبقات ٣/ ٣٨٤. (٤) انظر: كشف الظنون ٢/ ١١٥٧، هدية العارفين لإسماعيل باشا ٥/ ٦٣٩. (٥) انظر: الطبقات ٣/ ٣٧٩ - ٣٨٩. (٦) انظر: مقدمة تحقيق الطبقات الكبرى ١/ ١٨.

стр. 220

ثانيًا: في أصول الفقه: ١ - " الإبهاج شرح المنهاج". وهو كتابنا هذا الذي نحقِّقه. ٢ - "رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب" (١). حُقِّق في الأزهر. ٣ - التعليقة في أصول الفقه. مخطوط، وقد ذكره في باب الإجماع من "رفع الحاجب" وأشاد به (٢). ٤ - "جمع الجوامع". مطبوع. ٥ - "منع الموانع". وهو شرح لكتابه "جمع الجوامع"، أجاب فيه عن أسئلة وردت عليه بخصوص كتابه "جمع الجوامع" (٣). ثالثًا: في الفقه: ١ - " الأشباه والنظائر". حُقِّق في جامعة الأزهر (٤). ٢ - "التوشيح على التشبيه والمنهاج والتصحيح" (٥). يحقق الآن في جامعة الإمام محمد بن مسعود. _________ (١) انظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ١٠٦، الدرر ٢/ ٤٢٦. (٢) انظر: مقدمة محقِّق منع الموانع ص ١٧٣. (٣) انظر: مقدمة محقق منع الموانع ص ٩٢. وقد ذكر إسماعيل باشا في هدية العارفين (٥/ ٦٣٩) كتاب "تشحيذ الأذهان على قدر الإمكان" في الرد على البيضاوي. ولا أدري أهو في أصول الفقه أم غيره، ولذلك وضعته في الهامش. (٤) مقدمة محقِّق منع الموانع ص ١٧٥. (٥) ذكره المصنف في الطبقات الكبرى ١٠/ ٢٥٨، وكذا ذكره ابن قاضي شهبة ٣/ ١٠٦، وابن حجر في الدرر ٢/ ٤٢٦.

стр. 221

٣ - "ترشيح التوشيح". ذكر فيه اختيارات والده (١). ٤ - منظومة في الفقه، أورد منها السيوطي تسعة أبيات قي كتابه "الرد على من أخلد إلى الأرض" ص ٢٢ (٢). ٥ - فتاوي. ذكره بروكلمان (٣). ٦ - "أوضح المسالك في المناسك". ذكره بروكلمان (٤). ٧ - تبيين الأحكام في تحليل الحائض. ذكره بروكلمان (٥). ٨ - أرجوزة في خصائص النبي ﷺ ومعجزاته، ذكر منها التاج بيتين في "الطبقات" (٦). ٩ - "جلب حلب". وهو جواب أسئلة سأله عنها الأذرعي (٧). _________ (١) ذكره المصنف في الطبقات ٨/ ١١٦، وكذا ذكره ابن قاضي شهبة ٣/ ١٠٦، وابن حجر في الدرر ٢/ ٤٢٦. (٢) انظر: مقدمة محقِّق منع الموانع ص ١٧٤، مقدمة تحقيق الطبقات الكبرى ١/ ١٦. (٣) انظر: مقدمة تحقيق الطبقات الكبرى ١/ ١٩. (٤) انظر: مقدمة تحقيق الطبقات الكبرى ١/ ١٧. (٥) انظر: مقدمة تحقيق الطبقات الكبرى ١/ ١٧. (٦) انظر: الطبقات الكبرى ٩/ ٢٠٥، وانظر: مقدِّمة منع الموانع ص ١٧٤، ومقدمة تحقيق الطبقات الكبرى ١/ ١٦. (٧) انظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ١٠٦.

стр. 222

رابعًا: في الحديث: ١ - أحاديث رفع اليدين في الدعاء. ذكره بروكلمان (١). ٢ - جزء في الطاعون. ذكره حاجي خليفة (٢). ٣ - جزء على حديث "المتبايعَيْن بالخيار". ذكره التاج في "الطبقات" (٣). ٤ - كتاب الأربعين. وهي أربعون حديثًا خَرَّجها في زمن شبابه (٤). ٥ - ما ورد في إحياء علوم الدين من الأحاديث وليس لها إسناد (٥). خامسًا: في التاريخ والتراجم: ١ - " الطبقات الصغرى". وهي مخطوطة. ٢ - "الطبقات الوسطى". وهي مخطوطة. ٣ - "الطبقات الكبرى". وهي مطبوعة ومحقَّقة في عشرة أجزاء. قال ابن قاضي شهبة: "وفيها غرائب وعجائب" (٦). _________ (١) انظر: مقدمة تحقيق الطبقات الكبرى ١/ ١٧. (٢) انظر: مقدمة تحقيق الطبقات الكبرى ١/ ١٨. (٣) انظر: الطبقات الكبرى ٩/ ١٧١، ١٠/ ١٩١. (٤) انظر: الطبقات الكبرى ٩/ ١٧١. (٥) قال التاج ﵀ في الطبقات ٦/ ٢٨٧: "وهذا فصلٌ جمعتُ فيه جميع ما وقع في كتاب الإحياء من الأحاديث التي لم أجد لها إسنادًا". وهو فصل طويل بدأ من ٦/ ٢٨٧ - ٣٨٩. (٦) انظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ١٠٦.

стр. 223

٤ - مناقب الشيخ أبي بكر بن قوام. ذكره بروكلمان (١). سادسًا: في الأخلاق والإصلاح: ١ - " معيد النعم ومبيد النقم". وهو بحقٍّ كتابٌ فرد في بابه، عظيمٌ نفعه لكل مجتمع، وفيه تظهر شخصية التاج ﵀ الغيور على دينه، الصادق في نصيحته، الصادع بالحق لا يُرهبه سلطان، ولا يُخيفه ظلم أو عدوان. ٢ - "رفع الحَوْبة بوضع التوبة". ذكره التاج في "الطبقات" (٢)، وذكره بروكلمان (٣). سابعًا: في الألغاز: ١ - قصيدته في المعاياة، ذكر منها في "الطبقات" ثلاثة وعشرين بيتًا (٤) _________ (١) انظر: مقدمة تحقيق الطبقات الكبرى ١/ ١٩. (٢) انظر: الطبقات ٢/ ٣٢٧. (٣) انظر: مقدمة تحقيق الطبقات الكبرى ١/ ١٨. (٤) انظر: الطبقات ٩/ ١٣٣ - ١٣٨.

стр. 224

المبحث الثاني عشر: وفاته توفي ﵀ شهيدًا بالطاعون في سابع ذي الحِجة سنة ٧٧١ هـ، خطب يوم الجمعة الثالث من ذي الحجة، فطُعِن ليلة السبت رابِعَه، ومات ليلة الثلاثاء، ودُفن بتربتهم بالسفح عن أربع وأربعين سنة (١) ﵀ رحمةً واسعة، وأنزل على قبره شآبيب رحمته، وحشرنا معه في زمرة سيد أنبيائه، صلى الله وسَلَّم عليه وعلى آله. ولئن غاب عنا التاج بمحياه، فلم يغب عنا علمه وفتاواه (٢)، فهما باقيان خالدان، وتلك هي الحياة، وذلك هو البقاء، وصدق عليٌّ ﵁ حيث يقول: ما الفخرُ إلا لأهل العلمِ إنَّهُمُ ... على الهدى لمن استهدى أدلاءُ وقَدْرُ كلِّ امرئ ما كان يُحسنه ... والجاهلون لأهل العلم أعداءُ فَفُزْ بعلمٍ تَعِشْ حيًا به أبدًا ... الناس موتى وأهل العلم أحياءُ وخلَّف ﵀ ذريةً من بعده منهم ابنه تقي الدين علي بن تاج _________ (١) انظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ١٠٦، الدرر ٢/ ٤٢٨. (٢) في تاج العروس ٢٠/ ٣٨، مادة (فتى): "والفُتْيا والفُتْوى بضمهما، وتفتح الأخيرة: ما أفتى به الفقيه في مسألة. . . . والجمع الفتاوِي، بكسر الواو على الأصل، وقيل: يجوز الفتح للتخفيف" مع تصرف يسير.

стр. 225

الدين عبد الوهاب السبكي، وصالحة بنت عبد الوهاب، ﵏ جميعًا. يقول ابن العماد الحنبلي ﵀ في سنة ٧٧٢ هـ: "وفي مُحَرَّمها دَرَّس بدمشق بالمدرسة الأمينية تقي الدين علي بن تاج الدين عبد الوهاب السبكي، وهو ابن سبع سنين، وهذا من العجائب" (١). وفي وَفَيات سنة ٧٧٦ هـ، يقول ابن العماد ﵀: "وفيها علي بن عبد الوهاب بن علي السبكي، وَلِيَ خطابة الجامع الأُموي بعد أبيه وله عشر سنين، ودَرَّس فى حياة أبيه بالأمينية وعمره سبع سنين، ومات كما تقدم مع ولدَيْ عَمِّه في يومٍ واحد" (٢). ويُفهم من النَّصَّيْن أنَّ تقي الدين كان عمره يوم وفاة والده سبع سنين، ودَرَّس في حياة والده، وبعده، إلى أن بلغ العشر سنين، ثم تولى خطابة الجامع الأموي، وتكون فترة خطابته نحو السنتين. وولدا عمه المُتَوفَّيَان مَعَه هما جمال الدين عبد الله بن أحمد بن علي السبكي، وأخوه عبد العزيز، مات الثلاثة كلُّهم في يوم واحد خامس عشر ذي القَعْدة بالطاعون، وعمتهم سُتَيْتَة قبلهم بقليل (٣). وأما ابنته صالحة رحمهما الله، فيقول عنها السخاوي ﵀: "صالحة ابنة التاج عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي. أجاز لها _________ (١) انظر: شذرات ٦/ ٢٢٣. (٢) انظر: شذرات ٦/ ٢٤٢. (٣) انظر: شذرات ٦/ ٢٤٢.

стр. 226

العِز بن جماعة في الاستدعاء المعيَّن، وكذا أجاز لها ابن أُمَيْلة، ولقيها الزين رضوان فاستجازها، وقال: أظن أنني قرأتُ عليها شيئًا. ماتت وبَيَّض لوفاتها" (١). _________ (١) انظر: الضوء اللامع ١٢/ ٧٠.

стр. 227

الجانب الثاني منهج دراسة الكتاب

стр. 228

المبحث الأول: توثيق نسبة الكتاب أجمعت المصادر كلها على صحة نسبة كتاب "الإبهاج في شرح المنهاج" للتقي السبكي وابنه التاج رحمهما الله. فبالنسبة للجزء الذي شرحه التقي - رحمه الله تعالى - نص عليه ابنه التاج في ترجمة أبيه فقال في الطبقات الكبرى (١٠/ ٣٠٧) في ذكر مصنفاته: "الإبهاج في شرح المنهاج، في أصول الفقه، عمل منه قطعةً يسيرة، فانتهى إلى مسألة مقدِّمة الواجب، ثم أعرض عنه، فأكملته أنا". وكذا ذكر الذين ترجموا للتقي ﵀ هذا الكتاب ضمن مصنفاته. انظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ١٠٦، الفتح المبين ٢/ ١٦٩. وبالنسبة لتتمة التاج ﵀ نص التاج نفسه على ذلك في "الطبقات الكبرى" كما سبق ذكره، وقال في موطن آخر من الطبقات ٢/ ١٦٨ عن نص نقله من مختصر البويطي ﵀: وهذا نص وقفت عليه في حياة الوالد ﵀، وكتبته إذ ذاك في "شرح منهاج البيضاوي"، ثم كتبته في "شرح مختصر ابن الحاجب، ولم أزل أغتبط به". وهذا النص يدل على أنه بدأ شرح والده في حياته. وقال عن حديث: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" في الطبقات الكبرى ٢/ ٢٥٣: "هذا الحديث كثر ذكره على ألسنة

стр. 229

الفقهاء والأصوليين، وتكلمتُ عليه قديمًا فيما كتبته على أحاديث منهاج البيضاوي". وقد نص التاج على كتابه أيضًا في "جمع الجوامع" فقال في مقدمته: "بسم الله الرحمن الرحيم نحمدك اللهم على نعمٍ يُؤذِن الحمدُ بازديادها، ونصلي على نبيك محمد هادي الأمة لرشادها، وعلى آله وصحبه ما قامت الطروس والسطور لعيون الألفاظ مقام بياضها وسوادها. ونضرع إليك في منع الموانع عن إكمال جمع الجوامع الآتي من فن الأصول بالقواعد القواطع البالغ من الإحاطة بالأصلين مبلغ ذوي الجد والتشمير، الوارد من زهاء مائة مصنَّف منهلًا يروي ويَمير، المحيط بزبدة ما في شرحي المختصر والمنهاج مع مزيد كثير". انظر: شرح المحلي ١/ ٧ - ٢٦. كما نصت المصادر الأخرى على نسبة الكتاب إلى التاج ﵀. انظر الدرر الكامنة ٢/ ٤٢٦، طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ١٠٦، حسن المحاضرة ١/ ٣٢٨، كشف الظنون ٢/ ١٨٧٩، هدية العارفين ٥/ ٦٣٩. هذا مع اتفاق جميع النسخ المخطوطة على اسم الكتاب والنسبة إلى مؤلفَيْه.

стр. 230

المبحث الثاني: الملاحظات العامة على كتاب (الإبهاج في شرح المنهاج) المتأمل لمؤلف التقي السبكي ﵀ يلاحظ أنه يملي من حفظه، ويكتب من فكره؛ لأنه لا يعتنى بالنقل عن غيره كثيرًا، بل يتميز مُؤَلَّفُه بأسلوب مستقل، واعتناء كبير بتحقيق المسائل والتنبيه على دقائق الشرح، والاستدراك على شُراح المنهاج، وتبيين ما أخطأ فيه بعضهم. إلا أن أسلوبه ﵀ يتميز بالصعوبة والغموض في بعض الأحيان، وذلك إذا أغرق في بحث المعقولات؛ إذ هو ﵀ بحر البحار كما وصفه ابنه التاج البحر الزخار. انظر على سبيل المثال بحثه في الفرق بين التصور والتصديق في: ص ٧٣ - ٧٨. وانظر التنبيهات الخمسة في تعريف الفقه: ص ٨٢ - ٨٩. أما قوته ﵀ في البحث والتحقيق فينبيك عنها بحثه في كل المسائل، واستدراكه على كثيرين، ودونك مسألة الأداء والإعادة والقضاء، وهي المسألة الخامسة من الباب الأول: ص ١٩٩ - ٢١٤.

стр. 231

وانظر على سبيل المثال أيضًا ردَّه على شمس الدين الأصفهاني في قوله بأن قيد "الشرعية" في تعريف الفقه احتراز من قول المعتزلة: ص ٨٩ - ٩٣، وردَّه عليه في قوله بأن البعثة حادثة. ورده على شيخه الباجي ﵀ في قوله بأن قيد "العملية" في تعريف الفقه احتراز عن أصول الدين. انظر: ص ٩٤ - ٩٧. وانظر ردَّه على الأصوليين ومنهم شيخه الباجي في تعريف الواجب: ص ١٤٣. واستدراكه على أكثر الناس - ولعله يقصد بهم شُراح المنهاج - في تقرير أن الفقه قطعي والظن في طريقه انظر: ص ١٠٤ - ١٠٨. وانظر سعة اطلاعه في دفع قول نسب لبعض الشافعية في أنهم يقولون بأن الصلاة تجب في أول الوقت، مع أنه لا يعرف في شيء من كتب المذهب أن أحدًا قاله من الشافعية، ولا يعرف ما سبب هذه النسبة إليه، حتى قال السبكي: سألت ابن الرفعة وهو أوحد الشافعية في زمانه فقال: تتبعت هذا في كتب المذاهب فلم أجده، ثم بيَّن التقي ﵀ سبب هذه النسبة من كتاب "الأم" للشافعي ﵁ وهو أن الشافعي نقل ذلك عن غيره، قال التقي: "فقد ثبت هذا المذهب بنقل الشافعي عن غيره، فلعل بعض الناس نقل ذلك عن نقل الشافعي، فالتبس ذلك على من بعده، وظن أنه من مذهب الشافعي". انظر: ص ٢٦٥ - ٢٦٧. كما أن السبكي ﵀ قد يطيل حينما لا يكون قد سُبق على

стр. 232

تحقيق المسألة، وذلك كمسألة الكلام عن أقسام التصورات الأربعة: تصور الموضوع، وتصور المحمول، وتصور النسبة بينهما، وتصور وقوع النسبة وهو التصديق. ثم بيّن الفرق بين التصور الثالث والرابع، ثم بين نسبة التصور والتصديق على العلم والحكم وفصَّل في ذلك، ثم قال: وقد أطلنا في هذا لأنا لم نجد من حقّقه هكذا. انظر: ص ٧٣ - ٧٨.

стр. 233

المبحث الثالث: في المنهج الذي اتبعه التاج في شرح الكتاب حرص الإمام تاج الدين السبكي أن يكون الشرح آخذا بعناق المتن دون أي خلل، لا يشعر القارئ بوجود أي فجوة بينهما، فكان يحذو في شرحه حذو المصنف البيضاوي في متنه ترتيبًا وتبويبًا وموضوعات، وإن رأى خلاف ذلك ينوه عليه. ومن الضروري جدًا أن ننبه هنا إلى أمر في غاية الأهمية، وهو أنّ شرح الشيخ تاج الدين السبكي لمنهج البيضاوي إنما هو تتمة لما بدأ به والده، وقد بدأ من قول المصنِّف: "الرابعة: وجوب الشيء مطلقًا يوجب وجوب ما لا يتم إلا به وكان مقدورًا". وهذا يعني أن الإمام تاج الدين السبكي شرح معظم الكتاب. والآن نبدأ في تتبع منهجه ابتداء من المقدمة إلى خاتمة الشرح، مرورًا بجميع الأبواب. أولًا: مقدمة الشرح: بدأ الشارح ﵀ بالبسملة والثناء على الله تعالى والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، بدأ المقدمة ببراعة استهلال، بلفظ مسجوع، غاية في الحبكة الأدبية، وانتقاء الألفاظ، ضمنها ما تضمنه

стр. 234

كتاب المنهاج للبيضاوي من أبواب أصول الفقه، بدأ بالأصول المتفق عليها (الكتاب والسنة والإجماع والقياس)، ثم النسخ ثم طوق الاستنباط من عام وخاص وأمر ونهي وظاهر ومؤول ثم الأدلة المختلف فيها كالاستصحاب وشرع من قبلنا إلى نهاية الاجتهاد والتراجيح. ولم ينس أن يعرج عن الأحكام الشرعية التكليفية منها (كالواجب والمندوب، والحرام والمكروه والمباح)، والوضعية كالشرط والمانع، وانتهى بالكلام عن واضع هذا العلم: الشافعي وكل من سار وراءه من الأصوليين. ولتوضيح ذلك نسرد مقدمته واضعين خطًا على كل كلمة تومئ إلى ذلك. قال التاج ﵀: "الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي جعل لنا من هذا الدّين القيم شرعة ومنهاجا، وأطلع لنا في سماء العلم الشريف من الكتاب والسنة سراجًا وهاجًا، وقدر للفقيه أن يكون على الإجماع محتالًا، وإلى القياس محتاجًا، نحمده على نعمه التى خصَّنا بعمومه، ورجحنا على من سواه بأدلة مفهومها، واستوعب لنا ما وجد منها عند سبرها وتقسيمها، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة ظاهرة غير مؤولة دائمة، نستصحب منها أحكامًا غير مبدلة نامية الثواب يوم الميعاد، فلا يحتاج إلى بيان أحكامها المجملة، ونشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله الذي نسخ شرع من قبله بشرعه المؤيد، وأمر ونهى فأوجب وندب وحرم وأباح، وأطلق وقيد، واجتهد في إبلاغ ما أمر به، فذب العقل عن فعل ما قرره، وشيّد ﷺ وعلى آله وأصحابه الذين فهموا خطاب وضعه، وقاموا بشرائط دينه، وعلموا أدلة

стр. 235

شرعه، واتبعوه فما منهم إلا قال بموجب أصله وفرعه، صلاة، تصل أخبارها إليهم بكرة وعشيًا، وتفد أجناسها المتنوعة بفصولها المتميزة عليهم فتسلك صراطًا سويًا، وتخَلِّصُ قائلها من الأهوال يوم يموت ويوم يبعث حيًّا، دائمة ما افتقر فرع إلى الرجوع إلى أصله، واحتاج المجادل إلى تجويد نصه، كما يحتاج المجالد إلى تجريد نصله، باقية لا ينعكس طردها، ولا يشتبه محكمها بترهات الملحد، وزخرف قوله، ورضي الله عن التابعين لهم يإحسان المقتفين آثارهم الحسان، وخصّ بمزيد الرضوان العلماء الحامين حمى الشريعة أن يضام أو يضاع، الوارثين بالدرجة الرفيعة هدى النبوة الذي لا يرام ولا يراع، الوافدين على حياطته بالهمة الشريفة، لا سيما الإمام المطلبي مستخرج علم أصول الفقه محمد بن إدريس الشافعي الذي ساد المجتهدين. مما أصّل وأنشا، وسار نبأ مجده والبرق وراءه يتحرق عجله وهو إمامه على مهل يتمشى، وساق إلى سواء السبيل بعلومه التي غشاها من تقوى الله ما غشى، وقدَّس أرواح أصحابه، الذين زيّنوا أسماء العلوم من أنفسهم بزينة الكواكب، وهاموا باتباع مذهبه المذهب، وللنّاس فيما يعشقون مذاهب. وذادوا عن بيان ما أجمله وإيضاح ما أشكله، والعلوم عطايا من الله ومواهب، رضا يتكفل بنجاة كل متهم ونجاحه، ويمر بروض الإيمان فيتعطر بأنفاسِه رياحُه، ويفخر عقدُ الجوزاءِ إذا كان درّةً في وشاحِه. أما بعد: " (١). فلله درّه من أديب فحل، كيف استطاع أن يمتلك زمام البيان، _________ (١) ينظر: ص ٢٩٢ - ٢٩٥.

стр. 236

ويوظفه في إبراز علم الأصول، علم أشبه بجلمود صخر حطّه السيل من علٍّ، وهو في ذلك يحاكي إمام مذهبه في الرسالة، حيث سلاسة العبارة، فهذا هو التاج قد استاك بشذا البلاغة، فطوّعها فلِينت له كما لين الحديد بيد سليمان ﵇، فعمل منها براعة استهلال في مقدمة، وقدّر منها ديباجة شرحه. هذا كلّ ما جاء قبل لفظة: "أما بعد"، وأمّا ما بعدها فهو في إبراز منهجه في الشرح، فقد ذكر الآتي: بيان أهمية علم الفقه ومعرفة الحلال والحرام . ذكر ذلك بقوله: "أما بعد: فإن العلوم وإن كانت تتعالى شُرفًا وتطلع في أفق الفخار من كواكبها شَرفًا، فلا مرية في أنّ الفقه نتيجة مقدماتها، وغاية نهاياتها وواسطة عقدها، ورابطة حلها وعقدها، به يعرف الحرام من الحلال، وتستبين مصابيح الهدى من ظلام الضلال" (١). بيان أهمية أصول الفقه . يقول التاج السبكي: "وهيهات أن يتوصل طالب، وإن جد المسير إليه أو يتحصل بعد الإعياء والنصب عليه إلا بعد العلم بأصول الفقه والمعرفة والنهاية فيه، وكيف يفارق الموصوف الصفة" (٢). _________ (١) ينظر: ص ٢٩٥. (٢) ينظر: ص ٢٩٥ - ٢٩٦.

стр. 237

بيان أهمية كتاب المنهاج للبيضاوي . يقول هنا أيضًا: ". . . وقد نظرنا فلم نر مختصرًا أعذب لفظًا وأسهل حفظًا، وأجدر بالاعتناء وأجمع لمجامع الثناء من كتاب (منهاج الوصول إلى علم الأصول) للشيخ الإمام العالم العلامة قاضي القضاة ناصر الدين البيضاوي بيّض الله وجهه يوم تبيَّض وجوه، وتسود وجوه، وروَّض تربته بغمام الغفران، حتى يأتي يوم القيامة، وما ثلم جانبه ولا فضّ فوه، فإنّه موضوع على أحسن منهاج محمول على الأعين، وليس له منها من هاج، بعبارة أعذب من ماء السحاب، وألعب من ابنة الكرم بعقول أولي الألباب، آل فضل البلاغة إليه، وآلى فصل الخطاب ألا يتمثل إلا بين يديه" (١). بيان الدافع لتأليفه هذا الشرح . " وقد رأيت شراحه على كثرتهم مالوا إلى الإيجاز، وقالوا وكأنما ضاق بهم الفضاء الواسع، فعدّ مقالهم في الألغاز، قنع كل منهم بحاجة في نفسه من اسم التصنيف قضاها، وجمع نفسه على ما شف به سجل الكتاب من تقارير إذا أنصف من نفسه لا يرضاها" (٢). بيان أن والده شرع في شرح هذا المتن . قال التاج السبكي: "وقد كان والدي أطال الله عمره شرع في وضع _________ (١) ينظر: ص ٢٩٦. (٢) ينظر: ص ٢٩٧.

стр. 238

شرح عليه أبهى وأبهج من الوشي المرقوم، وأسرى وأسرع إلى الهداية من طوالع النجوم، عديد شهب لائحة ورسل سحب سائحة، وسماه علم يهتدى بكوكبه، وعلاء قدر أخذ بلمة الفخر، ولم يزاحمه بمنكبه، لا تنقشع عارضته، ولا نتوقع معارضته خضعت رقاب المعاني لكلامه، وخشعت الأصوات، وقد رأته جاوز الجوزاء وما رضيها دار مقامه لكنه أحسن الله إليه ما غاص في بحره إلى القرار، ولا أوصل هلاله إلى ليلة البدار، بل أضرب عنه صفحًا بعد لأي قريب وتركه طرحًا وهو الدرّ اليتيم بين إخوانه كالغريب" (١). بيان أهمية شرحه لمتن البيضاوي . قال التاج: "وقد حدثتني النفس بالتذييل على هذه القطعة، وأحاديث النفس كثيرة، وأمرتني الأمارة بالتكميل عليها، ولكني استصغرتها عن هذه الكبيرة، وقلت: للقلم أين تذهب؟ وللفكر أين تجول؟ أطنب لسانك أم أسهب؟ ووقفت وقفة العاجز والنفس تأبى إلا المبادرة بما به أشارت، وجرت على تيارها منادية إئت بما أمرتك بما استطعت، وتوارى اللسان وما توارت، فلما تعارض المانع والمقتضي، وعلمت أنّ الحال إذا حاولت مجهودها قام لها العذر الواضح فيما استقبلته، ومضيٌّ أي مضى أعملت الفكرة في الدجنة والوجه والليل كلاهما كالح، وشرعت فيه وقلت: لعل الغرض يتم ببركته، وبقصده الصالح وجردت همة ما ورد رائدها إلّا وقد سئم من النشاط، ولا أغمد مهندها إلا وقد ترك ألف _________ (١) ينظر: ص ٢٩٧ - ٢٩٨.

стр. 239

طريح على البساط، ولا عاد نصلها إلا وقد قضى المأمول، ولا فترت عزائمها إلا وقد حصلت على نهاية السول، وأعملنا هذه الهمة في مدلهم الديجور، وصرفنا قلمها بشهادة النجوم وفلكها يدور، فلم تنشب ليالي أسبلت جلبابها، وأرخت نقابها، معدودة ساعاتها، ممدودة بالألطاف الخفية أوقاتها، إلى أن أنهزمت تلك الليالي ودارت الدائرة عليها، وجاء من النسيم العليل بشير الصبح متقدمًا بين يديها، فوافى الصباح بكل معنى مبتكر، وجلا عرائس بدائعه فشنف السمع وشرف البصر. وجاء كتابًا ساطعًا نور شمسه، وشمس السماء قي غروب، طالعًا في أفق الفخار على أحسن أسلوب، حائزًا لما يراد منه في كل طريقة حائزًا حقًا على مقالات المتقدمين والمتأخرين، وحسبك بمن مجازه حقيقة" (١). بيان أن عادته في الشرح الإطناب والاختصار حيث يقتضي ذلك . أثناء الشرح ذكر منهجه في الشرح أيضًا، مبينا عدم الإطناب إلا إذا اقتضى الأمر، والاختصار حين يستلزم الأمر. يقول التاج: ". . . وأنا من عادتي في هذا الشرح الإطناب فيما لا يوجد في غيره، ولا يتلقى إلا منه بحث مخترع أو نقل غريب، أو غير ذلك، والاختصار في المشهور في الكتب إذ لا فائدة في التطويل فيما سبقنا من هم سادتنا وكبراؤنا، إلى جمعه، وهل ذلك إلا مجرد جمع من كتب متفرقة لا يصدق اسم المصنف على فاعله" (٢). _________ (١) ينظر: ص ٢٩٩ - ٣٠١. (٢) ينظر: ص ١٣٦١.

стр. 240

وإن كان لا بد أن نعلق على هذه المقولة - وهي بحق مقولة ينبغي أن تخط بماء الذهب - فتعليقنا سيكون منصبًا على حالنا - نحن طلاب الدراسات العليا - الذين ابتلينا بالنقل والتجميع واجترار المعلومات، فليس هناك اختراع لجديد أو نقل لغريب، أو تعمق في الدراسة، بحوثنا تكاد تكون معادة ومكررة، سمتها السطحية، تعتمد في الغالب الأعم على تجميع ما في الكتب وسردها، فقد يكتب الباحث منا في التعريف اللغوي عدّة صفحات، ويتعب آخر نفسه في مناقشة التعريفات الاصطلاحية، والتي - أحيانا - لا يخرج منها بثمرة بعد العناء والبحث. ناهيك عن الهوامش والحواشي التي نثقلها بالتراجم وتخريج الأحاديث وغيرها من المعلومات خاصة في مجال التحقيق. فتجد البحث قد جاوز المجلدين أو أكثر، ولو أنعمت النظر في البحث من أوّله إلى منتهاه يمكن أن تخلص إلى الفائدة في بضع صفحات قلائل. فالله المستعان. بيان خاتمة المقدمة بالدعاء، وبيان بداية شرحه عند المحل الذي بلغه والده . قال: "فأسأل الله تعالى أن يعمّ النّفع به، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، موجبًا للفوز لديه، وقد وصل والدي الشيخ الإمام جزاه الله الخير إلى مسألة مقدمة الواجب، ونحن نتلوه والله الموفق المعين بخفي ألطافه، والمحقق لرجاء العبد بإسعاده وإسعافه" (١). _________ (١) ينظر: ص ٣٠١.

стр. 241

ثانيًا: خاتمة الشرح ثنينا بالخاتمة لما للخاتمة من علاقة بالمنهج المتبع أثناء شرحه فقد بينه كما سبق في المقدمة، ثم أوضحه في الخاتمة. فذكر أنه راعى فيه جانب التوسط، فلم يطل ولم يخل، وعلل ذلك بأن كتاب البيضاوي مختصر، والأجدر بمن يتصدى لشرح مثل هذا المختصر أن يحذو حذوه، وقد كان أحيانا يطيل النفس في المسألة، وهناك مباحث ترك ذكرها خشية التطويل، وأضرب عن الخوض فيها، مع أنّ النفس فيها حزازات، وهو يعتذر أنه لم ينصف المصنف في شرحه، رغم أنه لم يغادر مسألة صغيرة كانت أم كبيرة إلا وقد جمع لها من النقول والزيادات والفوائد ما جعل شرحه متكاملا من كل جوانبه، وقد صاغ هذا في خاتمة مؤنقة بألفاظ راعى فيها الصناعة الأدبية. ونتركه يعبر عن نفسه فيقول: "وقدْ راعينا فيه جانب التَّوسط؛ لأنَّ الكتاب مختصر، فالألْيَقُ بشارحه أنْ يحذو حذوه ولا يتعدى ممشاه فوق خطوه، وقد كنّا نروح ونغدو على المسألة، وربما لم نخرج عن حدّ الشرح قدرَ أُنْمُلة، وفي النفس حزازات من مباحثَ نترك ذكرَها خشيةَ التطويلِ، ونَسْلُكُ في الإضرابِ عنها سبيلَ غيرنا، وإنْ كنَّا لا نرتضي تلك السبيل، على أنَّا لم نألُ جهدًا فيما وضعناه، ولم نرض إلَّا أنْ نحله محلَ النَّجم، وفي الظنِّ أنَّا ما أنصفناه، فإنَّا لم نغادر صغيرة ولا كبيرة مما يطالب الشارح بها إلَّا وقد جمعناها فيه، مع زيادات مِنْ نُقُولٍ، وفرائدَ يَهِيمُ الفَهْمُ إذا سَمِعَها طربًا، وينطق شاكرُها ملءَ فيه، ومباحثٍ ما البدورُ الكواملُ إلَّا ما تطلعُ، ولا العُرُبُ الأترابُ إلَّا

стр. 242

ما تَفُوهُ به بناتُ فكرِها وتسمعُ. لكنَّ الكتابَ مع أنّه الروضُ المبدعةُ أزهارُه، والواضحُ الجليُّ الذي ينضال لديه النّهار وأنواره، لم يغنِ على نفسه لقلّة ما أودع فيه من المسائل، ولم يبن عن جمعٍ كبيرٍ، فلم نهتم له ولا به، وكيف لا؟ وقد كنَّا نكتب فيه بأطراف الأنامل، ونجيء إليه وقد سئمنا الطلب، وقالت: النَّفس حِطَّة، وبعد عليه، فنقول: من رأى القلم يكتب والهمّة تملي عليه. أمَّا القلم قد أبلَ وليس في تلك شطّة. . ." (١). وفي ختام الخاتمة عزم أن يجعل لمختصر ابن الحاجب الأصولي شرحا يميط فيه اللثام، وقد فعل فقد كان كتابه (رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب) من أحسن ما كتب في شروح ابن الحاجب، وقد حقق في الأزهر الشريف، هو مطبوع الآن ثلاثة أجزاء بمطبعة عالم الكتب، تحقيق علي معوض وعادل أحمد. يقول التاج: "وفي عزمي والله الميسر أنْ أضع شرحًا على مختصر ابن الحاجب بسيطًا لا عذر لي إذا لم آت فيه بالعَجَبِ العُجَاب، محيطًا بهذا العلم على أتمّ وجه، لا أميط عنه إلَّا القشر عن اللباب، والله المسؤول أنْ يوفقنا لصالح الأعمال، ويجمعنا على العلم ونشره في كلّ حال بمنِّه وكرمِه، إنّه المرجو خيرُه المأمولُ يسرُه، والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرا إلى يوم الدين" (٢). _________ (١) ينظر: ص ٢٩٦٧، ٢٩٦٨. (٢) ينظر: ص ٢٩٦٨.

стр. 243

ثالثًا: موضوعات الكتاب: وهي أهم نقطة في المنهج، فعبر القراءة المتكررة أثناء البحث، تكونت لنا فكرة عن منهج الرجل في عرض أفكاره وترجيحاته في شرحه لهذا المتن، ولذلك يمكن أن نجملها في نقاط عدة حسب تعامله مع كل مسألة سواء مع المصطلحات، أو التعريفات، أو تعامله مع المصادر، وفي بيان وجهة نظر المصنف ونقدها أحيانًا، كما نبين طريقة تعامله مع المسائل الأصولية، وموقفه من آراء العلماء سواء كانت آراء فردية أو آراء جماعية، كما نتعرض إلى تعامله مع القضايا اللغوية والنحوية والأدبية، ومع الصناعة الحديثية، ومع القضايا الفقهية، وأخيرا استقلال شخصيته، وترجيحاته. وسنجعل لكل ما ذكرنا عنوانًا خاصًا. تعامله مع التعريفات والمصطلحات أولًا: التعريفات اللغوية: دأب المصنف أثناء الشرح على ذكر التعريفات اللغوية أحيانًا لما يورده من مصطلحات ويذكر أحيانًا مصدره اللغوي. مثال ١: "أقول: القياس في اللغة التقدير، ومنه قست الأرض بالخشبة، أي قدرتها بها. والتسوية، ومنه قاس النعل بالنعل أي حاذاه، وفلان لا يقاس بفلان، أي لا يساويه" (١). _________ (١) ينظر: ص ٢١٥٧.

стр. 244

مثال ٢: "والسبر في اللغة: الاختبار" (١). مثال ٣: "الاجتهاد لغة: استفراغ الوسع في تحصيل الشيء" (٢). ثانيًا: التعريفات الاصطلاحية: كان ﵀ في أغلب أحيانه يقتصر على المعنى الاصطلاحي، ولا يعطف على المعنى اللغوي، وهو في ذكره للمعاني الاصطلاحية، يذكر حدا واحدًا، وفي النزر القليل يذكر أكثر من ذلك ثم يرجح أحسنها في نظره، وهو على كل حال ممن يرون أن ذكر التعاريف ومناقشتها ليس فيه كبير فائدة. يقول: "وهذا التعريف [أي تعريف الاجتهاد] الذي ذكره المصنف سبقه إليه صاحب الحاصل وهو من أجود التعاريف، فلا نطول بذكر غيره إذ ليس في تعداد التعريف كبر فائدة" (٣). ونكتفي بذكر بعض الأمثلة على التعريفات الاصطلاحية: مثال ١: "وأما تعريفه [أي القياس] في الاصطلاح بين العلماء فقد ذكروا فيه أمورًا أقربها، ما ذكره المصنف وهو الذي أبداه الإمام في المعالم، وهو إثبات مثل حكم معلوم في معلوم آخر لاشتراكهما في علة الحكم عند المثبت" (٤). _________ (١) ينظر: ص ٢٣٨٦. (٢) ينظر: ص ٢٨٦٣. (٣) ينظر: ص ٢٨٦٤. (٤) ينظر: ص ٢١٥٨ - ٢١٥٩.

стр. 245

مثال ٢: "إلحاق المسكوت عنه بالمنصوص عليه بإلغاء الفارق يسمى تنقيح المناط. . . . وأما تحقيق المناط: فهو أن يتفق علي علية وصف نص أو إجماع ويجتهد في وجودها في صورة النزاع. . . وأما تخريج المناط: فهو الاجتهاد في استنباط علة الحكم الذي دلّ عليه النص أو الإجماع من غير تعرض لبيان علته لا بالصراحة ولا بالإيماء" (١). مثال ٣: "الاستقراء ينقسم إلى تام وناقص، فأما التام: فهو إثبات الحكم في جزئي لثبوته في الكلي، وهو هو القياس المنطقي وهو يفيد القطع. . . وأما النّاقص: فهو إثبات الحكم في كلي لثبوته في أكثر جزئياته، وهذا هو المشهور بإلحاق الفرد بالأعم الأغلب" (٢). وأحيانًا يغوص في شرح التعريفات بعد ذكرها كما هو الشأن في تعريف الاجتهاد. مثال ٤: "وفي الاصطلاح ما ذكره في الكتاب. فقوله: استفراغ الوسع: جنس. وقوله: في درك الأحكام: فصل خرج به استفراغ الوسع في فعل من الأفعال العلاجية مثلًا. وقوله: الشرعية: فصل ثان تخرج اللغوية والعقلية والحسية. والأحكام الشرعية تتناول الأصول والفروع ودركها أعم من كونها على سبيل القطع أو الظن هذا مدلول لفظه. . . وهذا التعريف الذي ذكره المصنف سبقه إليه صاحب الحاصل وهو من أجود التعاريف، _________ (١) ينظر: ص ٢٣٩٥، ٢٣٩٩، ٢٤٠١. (٢) ينظر: ص ٢٦٢٠، ٢٦٢١.

стр. 246

فلا نطول بذكر غيره إذ ليس في تعداد التعريف كبير فائدة" (١). تعامله مع المصادر بالتتبع والاستقراء توصلنا إلى أن تعامل التاج مع المصادر أخذ منهجًا معينًا يمكن تلخيصه في النقاط الآتية: أولًا: الدقة في النقل، والتحري فيه . لقد كان ﵀ دقيقًا في النقل ومتحريًا فيه، فهو على سبيل المثال في مبحث صيغة (افعل) هل هي للوجوب أم للندب أم للوقف؟ يقول التاج: "واعلم أنّ الآمدي لم ينقل في الإحكام عن إمام الحرمين إلا الوقف، كما هو الواقع، وهذه عبارة الآمدي، ومنهم من نفى احتمال التكرار، وهو اختيار أبي الحسين البصري وكثير من الأصوليين، ومنهم من توقف في الزيادة ولم يقض فيها بنفي ولا إثبات، وإليه ميل إمام الحرمين والوقفية انتهى. والظاهر أن نسخة الأصفهاني، وكذلك هذا الشارح من الإحكام سقيمة سقط منها من قوله: ومنهم إلى قوله إليه، وهذه النسخة التي عندي صحيحة مقروءة على الآمدي وعليها خطه" (٢). فمن خلال هذه العبارة التي ينبغي أن تكتب بحروف من نور والتي تبين منهج السلف في تحقيق النصوص وتوثيقها، لترد على المدارس الحديثة الغربية والتي تتبجح من أنها السباقة إلى علم التحقيق والتوثيق. _________ (١) ينظر: ص ٢٨٦٣ - ٢٨٦٤. (٢) ينظر: ص ١٠٩٦ - ١٠٩٧.

стр. 247

مثال آخر: يقول التاج في الإبهاج: ". . . وابن العارض هذا بالعين المهملة بعد ألف ثم راء ثم ضاد معجمة، واسمه الحسين بن عيسى معتزلي قدري له كتاب في أصول الفقه سماه النكت، ورأيت عبارته تشابه عبارة المحصول، فعلمت أن الإمام كان كثير المراجعة له، وقد انتخب ابن الصلاح هذا الكتاب، ووقفت عليه بخط ابن الصلاح، وكتبت منه فوائد، وقد وهم القرافي فظن أن العارض قد وقع في المحصول مصحفا. قال: وإنما هو ابن القاص بالقاف والصاد المهملة المشددة وهو الشيخ أبو العباس أحد أئمة الشافعية، هذا كلام القرافي، وهو وهم. ." (١). فانظر إلى الدقة في التحري بين النسخ وعمق الاطلاع. ثانيًا: الإكثار من الاقتباس من مصادر أصولية بالنص أحيانا وبالمعنى . كان ﵀ لا يذكر مسألة من مسائل أصول الفقه، إلا ويوثقها من مصادرها الأصلية، ولكون كتاب المنهاج شديد الصلّة بمحصول الرازي، والحاصل لتاج الدين الأرموي، والتحصيل لسراج الدين الأرموي، فلا تفوته الفرصة أن يبين مدى متابعة البيضاوي لهم أو مخالفته، فكان يوثق من هذه الكتب، ومن مصادره التي استقى منها شرحه، فيأخذ منها نصًا، وأحيانا بالمعنى، وإذا نقل بالنّص يقتبس الجملة أو الفقرة ذات العلاقة بالمسألة التي هو بصدد شرحها. وقد يقتبس الصفحات الكثيرة إذا كان المقام يقتضي ذلك. _________ (١) ينظر: ص ١٤٦١ - ١٤٦٢.

стр. 248

والملاحظ أنّ جلّ اقتباسه من كتاب الصفي الهندي، فلا يكاد يخلو موضع من موضوعات الكتاب إلا ويقتبس فيه من كتاب النهاية للصفي الهندي، بل نكاد نجزم أنه ينقل منه إما عن حفظ وإما نقلا حرفيًا من كتابه، وقد ظهر ذلك واضحًا في صياغة المسائل ودون العزو أحيانًا. وقد أحصينا تكرر ذكر صفي الهندي في الكتاب، وقد اقتصرنا على إحصاء ذكر صفي الدين من كتاب القياس إلى نهاية الكتاب فوجدناه يزيد عن الثلاثين مرة بقليل، كما أنه يأتي في الدرجة الثانية من حيث النقل كتاب التلخيص لإمام الحرمين لخص فيه كتاب التقريب والإرشاد للباقلاني. وقد أحصينا تكرره في النقل عنه في هذا القدر أيضًا، فألفيناه يزيد عن العشرين مرة. الأمثلة: مثال على مطابقة المصنف للرازي "ما ذكره المصنف وهو الذي أبداه الإمام في المعالم" (١). مثال على النقل بالنص: "وعبارة التحصيل: لو قال ذلك لم يكن قياسا. . ." (٢). مثال آخر: "وعبارة الآمدي نحو عبارة المصنف فإنه قال: يكون التحريم ثابتًا في كل الصور بجهة العموم. . . ." (٣). _________ (١) ينظر: ص ٢١٥٨. (٢) ينظر: ص ٢٢٣٠. (٣) ينظر: ص ٢٢٣٠.

стр. 249

مثال على النقل والاقتباس للنصوص الطويلة: ينقل عن إمام الحرمين. يقول التاج: "ولإمام الحرمين هنا كلمات لا نرى إخلاء هذا الشرح منها فلا يطولنّ الفصل عليك ففيه كبير فائدة. قال: قد يظن الظان في هذا المقام. . . . . واعتقاد المشبه والمشبه به في صورة واحدة. وهو بليغ لا يخدشه شيء وهذا ما أردنا إيراده من كلام إمام الحرمين" (١). وهذا الاقتباس من البرهان من ٢/ ١٠١٥ - ١٠١٧. أي ما يزيد عن ثلاث صفحات. مثال آخر على الاقتباس الطويل أيضًا من كتاب الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام للقرافي تحقيق أبو غدة: ٩٥ - ١١٨. مع شيء من التصرف، حين قال: "وستعرف الفرق بينهما بسؤال نذكره من كلام القرافي. . . فلا يتوقف على إذن إمام" (٢). مثال آخر على النقل عن الغزالي في المستصفى ٢/ ٣٣٦ - ٣٤١. فقد نقل عما يزيد عن أربع صفحات: في معرض الكلام عن النقض كقادح من قوادح العلّة: "وأمّا حجّة الإسلام الغزالي فذهب إلى مقالة تاسعة فقال: تخلف الحكم عن العلّة. . . إلى قوله: فيفيد المِلْكَ بأنْ سَرَقَ نصابًا كاملًا من حرز لا شبهة له فيه" (٣). _________ (١) ينظر: ص ٢٤٨٦ - ٢٤٩٣. (٢) ينظر: ص ٢٨٧٥ - ٢٨٧٧. (٣) ينظر: ص ٢٤١٧ - ٢٤٢٣.

стр. 250

وبعض الأحيان يصرح بكثرة النقل من بعض المصادر الأصولية، فانظر إليه حين يقول: "واعلم أن هذا الكتاب قد أكثرنا النقل عنه في هذا الشرح، وهو كتاب التلخيص لإمام الحرمين، وذلك حيث يظهر لي أن الكلام من إمام الحرمين، فإنه زاد من قبل نفسه أشياء على طريقة المتقدمين في الاختصار، وتارة أعزوه إلى مختصر التقريب وهو حيث لا يظهر لي ذلك، والذي أقوله ليستفاد أني على كثرة مطالعتي في الكتب الأصولية للمتقدمين والمتأخرين، وتنقبي على ثقة بأني لم أر كتابًا أجل من هذا التلخيص لا لمتقدم ولا لمتأخر، ومن طالعه مع نظره إلى ما عداه من المصنفات علم قدر هذا الكتاب" (١). ثالثًا: مقارنة موجزة بين شرح التاج وكتاب الصفي الهندي . لو تصفحنا أي باب من أصول الفقه في كتاب الإبهاج وحاولنا أن نجري مقارنة بينه وبين كتاب النهاية للصفي الهندي، فلن نجد فرقًا كبيرًا في العبارة، اللهم إلا تقديم أو تأخير في الفقرات، أو تصرف في اللفظ والمؤدى واحد، وهذا لا يخدش في التاج، فهو قد عرف بسيلان في الذهن، والموسوعية في المعرفة، فقد يكون كتبها من حفظه، وقد ورد عنه في معرض الكلام عن أحد العلماء شيء من هذا ". . . الحسين بن عيسى معتزلي قدري له كتاب في أصول الفقه سماه النكت ورأيت عبارته تشابه عبارة المحصول، فعلمت أن الإمام كان كثير المراجعة له" (٢) ولا تكون هذه _________ (١) ينظر: ص ١٢٧٢ - ١٢٧٣. (٢) ينظر: ص ١٤٦١ - ١٤٦٢.
следующие страницы →