← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

يجوز إخراج تلك الصورة التي ورد عليها السبب بالإجماع، نَصَّ عليه القاضي في "مختصر التقريب"، والآمدي (في "الإحكام") (١)؛ وطائفة (٢). وحُكِي عن أبي حنيفة أنه يُجَوِّز إخراجها (٣)، وقد عرفتَ ذلك مِنْ قَبْلُ. وقد قال العلماء: إنَّ دخولَ السبب قطعيٌ؛ لأن العام يدل عليه بطريقين كما مر، ومِنْ ذلك نشأ كونه لا يخرج بالاجتهاد (٤). قال والدي أبقاه الله: وهذا عندي ينبغي أن يكون إذا دلت قرائنُ حاليةٌ أو مقالية على ذلك، أو على أن اللفظ العام يشمله بطريق الوضع لا محالة، وإلا فقد ينازع الخصم في دخوله وَضْعًا تحت اللفظ العام، ويَدَّعي أنه قد (٥) يقصد المتكلم بالعام إخراج السبب، وبيان أنه ليس داخلًا في الحكم، فإن للحنفية أن يقولوا في حديث عبد بن زمعة: إن قولَه ﷺ : "الولد للفراش" وإنْ كان واردًا في أَمةٍ - فهو واردٌ لبيان حكم ذلك الولد، وبيانُ حُكْمِه إما بالثبوت أو بالانتفاء، فإذا ثبت أن الفراش هي الزوجة؛ لأنها التي (٦) يتخذ لها الفراش غالبًا، وقال: "الولد للفراش" - كان فيه حَصْر أن الولد للحرة، وبمقتضى ذلك لا يكون

стр. 1857

للأمة، فكان فيه بيانٌ للحكمين (١) جميعًا: نَفْي النعسب عن السبب وإثباته لغيره، ولا يليق دعوى القطع هنا، وذلك مِنْ جهة اللفظ. وهذا في الحقيقة نزاع في أن اسم الفراش هل هو موضوع للحرة والأمة (٢) الموطوءة، أو للحرة فقط؟ والحنفية (٣) يدعون الثاني (٤)، فلا عموم عندهم له (٥) في الأمة (٦)، فتخرج المسألة من باب أن العبرة بعموم اللفظ (أو بخصوص) (٧) السبب. نعم قوله ﷺ في حديث عبد بن زمعة: "هو لك يا عَبْدُ، وللعاهِر الحَجَر" (٨) بهذا التركيب يقتضي أنه ألحقه به على حكم السبب؛ فيلزم أن يكون مرادًا من قوله: "للفراش" (٩). فليتنبه لهذا البحث فإنه نفيس جدًا (١٠). ولا يقال: إن الكلام إنما هو حيث تَحقَّق دخولُه في اللفظ العام

стр. 1858

وضعًا؛ لأنا نقول: قد يُتَوهم أن كون اللفظ جوابًا للسؤال يقتضي دخوله، فأردنا أن ننبه على أن الأمر ليس كذلك، والجواب إنما يقتضي بيان الحكم، وإنما أردنا أن دعوى من ادعى أن دلالة العموم على سببه قطعية يمكن المنازعة فيها بالنزاع (١) في دخوله تحت اللفظ العام وضعًا لا مطلقًا، والمقطوع به أنه لا بد فيه من بيان حكم السبب، أما كونه يُقْطَع بدخوله في ذلك، أو بخروجه عنه - فلا يدل على تعيين واحدٍ من الأمرين. ونختم المسألة بعد ذكر هذا البحث النفيس بمثليه: فأحدهما: أنَّ جميعَ ما تقدم في السبب، وبقية الأفراد التي دل اللفظ العام بالوضع عليها. وبين ذَيْنِك الشيئين رتبةٌ متوسطةٌ، فنقول: قد تنزل الآيات على الأسباب الخاصة، وتُوضع كلُّ واحدةٍ منها مع ما (٢) يناسبها من الآي، رعايةً لنظم القرآن، وحسنِ اتساقه. فذلك الذي وُضِعت معه الآية النازلة على سببٍ خاص؛ للمناسبة (٣) - إذا كان مسبوقًا (٤) لِما نَزَلَ في معنى، يدخل تحت ذلك اللفظ

стр. 1859

العام (١) أو كان من جملة الأفرد الداخلة وضعا تحت اللفظ العام (٢) فدلالة اللفظ عليه يحتمل أن يقال إنه كالسبب فلا يخرج ويكون مرادًا (٣) من الآية قطعًا ويحتمل أن يقال إنه لا ينتهي في القوة إلى ذلك لأنه قد يراد غيره وتكون المناسبة لشبهه به والحق أن ذلك رتبة متوسطةٌ دون السبب وفوق العموم المجرد، ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (٤) فإن مناسبتها للآية التي قبلها وهى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ (٥) أن ذلك إشارة إلى كعب بن الأشرف كان قَدِم إلى مكة وشاهد قتلى بدر، وحرض الكفار على الأخذ بثأرهم وغَزْوِ النبي ﷺ ، فسألوه من أهدى سبيلًا النبيُّ ﷺ أوْ هُمْ؟ فقال: أنتم (٦). كَذِبًا منه وضلالة، لعنه الله، فتلك الآية في حقه وحق من يشاركه في تلك المقالة،

стр. 1860

وهم أهلُ كتابٍ يجدون عندهم في كتابهم نعت النبي ﷺ وصفته، وقد أُخِذت عليهم المواثيق أن لا يكتموا ذلك وأن ينصروه، و (١) كان ذلك أمانة لازمة لهم فلم يؤدوها وخانوا فيها، وذلك مناسب لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (٢) ولا يَرِد على هذا أن قصة (٣) كعب بن الأشرف كانت عقب بدر، ونزول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ في الفتح أو قريبًا منه، وبينهما نحو ست سنين؛ لأن اتحاد (٤) الزمان إنما يشترط في سبب النزول ولا يشترط في المناسبة؛ لأن المقصود منها وضع آية في موضع يناسبها، والآيات كانت تنزل على أسبابها ويأمر النبي ﷺ بوضعها في المواضع التي يعلم من الله أنها مواضعها. وثانيهما: سؤال عظيم أورده والدي - أحسن الله إليه - في تفسيره في آية الظهار، وهو قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ (٥) الآية، وتقريره يتوقف على إعراب الآية، فنقول: ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، وخبره: ﴿فَتَحْرِيرُ﴾،

стр. 1861

أو: فكفارتهم تحرير. وجاز حذف ذلك لدلالة الكلام عليه، وجاز دخول الفاء في الخبر لتضمن (١) المبتدأ معنى الشرط، وتضمن (٢) الخبر معنى الجزاء، فإذا أُريد التنصيص على أنَّ الخبر مُسْتَحَقٌّ بالصلة دخلت الفاء حتمًا للدلالة على ذلك فإذا (٣) لم تدخل احتمل أن يكون مستحقًا به أو بغيره كما لو قيل: الذين يظاهرون عليهم تحرير رقبة. وإن كُنَّا نقول: إنَّ ترتيب الحكم على الوصف مشعر (٤) بالعلية، ولكن ليس بنص، ودخول الفاء نصٌّ وهذا الموضع من المواضع المتفق على جواز دخول الفاء فيها، لعموم الموصول فلو أريد بالموصول خاص بحيث لا يكون فيه عموم فالصحيح عدم جواز دخول الفاء، وكذلك لو وُصل بماض لم يجز دخول الفاء على الصحيح. إذا عرفتَ هذا فالآية على ذلك لا تَشْمل إلا مَنْ وُجِد منه الظهار بعد نزولها لأن معنى الشرط مستقبل (٥) فلا يدخل فيه الماضي، والنبي ﷺ قد أوجب الكفارة على أوس بن الصامت (٦)، وذلك لا شك (٧) فيه من جهة

стр. 1862

ما عرفت مِنْ كونه هو السبب، إلا أن هذا الإشكال يعتوره من جهة عدم شمول اللفظ له (١) على ما تقرر مِنْ قاعدة دخول الفاء. ومِنْ جهة أخرى: وهي أن الحكم إنما يثبت من حين نزول الآية وأوس ظَاهَر قبل نزولها، فكيف ينعطف حكمها على ما سبق، لا سيما إذا كان الحكم قبل نزولها أنه طلاق كما ورد أنه ﷺ قال: "ما أراكِ إلا قد حَرُمْتِ عليه" (٢)، فكيف يرتفع التحريم أو الطلاق بعد وقوعه؟ وهذا الإشكال واردٌ في آيةِ اللعان من الجهتين كما هو وارد هنا (٣)، ووارد في آية السرقة وآية حد الزنا ونحوهما من الجهة الثانية؛ لإثبات أحكامها لمن صدر منه السبب المتقدم على نزولها وإن لم نجعل الفاء فيها

стр. 1863

داخلة على (١) خبر المبتدأ (٢). هذا تقرير السؤال وهو قوي. وأجاب عنه بما لا يقاومه فقال: أما إثبات أحكام هذه الآيات لمن وجد منه السبب قبل نزولها فنقول: إن السرقة والزنا ونحوهما من الأفعال التي كانت معلومة التحريم عندهم ووجوب الحد فيها لا يتوقف على العلم، والفاعل لها قبل نزول الآية إذا كان هو السبب في نزولها في حكم المقارِن لها؛ لأنها نزلت مبيِّنة لحكمه، فلذلك يثبت حكمها فيه دون غيره ممن تقدمه، وأما دخول الفاء في الخبر فيستدعي العموم في كل مَنْ يتظاهر من امرأته مثلًا وذلك يشمل الحاضر والمستقبل، وسبب النزول حاضر أو في حكم الحاضر، وأما دلالة الفاء على الاختصاص بالمستقبل فقد يُمْنع، وأما كون الظهار كان طلاقًا فلم يكن ذلك شرْعٌ، وأما قول النبي ﷺ : "ما أراكِ إلا قد حَرُمتِ عليه" فلم يثبت. وقال بعض الناس: إنه منسوخ بالآية، فإن ثبت أن النبي ﷺ قاله فالأمر كذلك، ويكون من نسخ السنة بالكتاب. قال: (وكذا مذهب الراوي، كحديث أبي هريرة (في الولوغ وعمله) (٣)؛ لأنه ليس بدليلٍ. قيل: خالف لدليلٍ وإلا

стр. 1864

انقدحت روايته. قلنا: ربما ظَنَّه دليلًا ولم يكن). البحث الثاني: فيما إذا عمل الراوي بخلاف العموم هل يكون ذلك (١) تخصيصًا للعموم ؟ وقد اختلفوا فيه: فذهب الأكثرون منهم الإمام والآمدي إلى أنه لا يخصِّص (٢)، وعزاه الإمام إلى الشافعي، قال: "لأنه قال: إنْ حَمَل الراوي الخبرَ على أحدِ

стр. 1865

مَحْمَلَيْه صِرْتُ إلى قوله، وإلا فلا أصير إليه". هذا كلام الإمام، وهو صريح في أن صورة اختياره في المسألة التفصيل الذي ذكره (١). ومنهم: من يُطْلق القول في المسألة، ويجعل هذا قولًا مُفَصِّلًا. وذهبت الحنفية والحنابلة إلى أنه يكون مخصِّصًا (٢). وفَصَّل فقال: إنْ وُجد ما يقتضي تخصيصه به لم يخصَّص (٣) بمذهب الراوي، بل به إن اقتضى نظرُ الناظر فيه ذلك، وإلا خُصَّ بمذهب الراوي. وهو مذهب القاضي عبد الجبار (٤).

стр. 1866

وقال إمام الحرمين: "إنْ عُلم مِنْ حاله أنَّه فَعَل ما يخالف الحديث نسيانًا - فلا ينبغي (أن يكون) (١) فيه خلاف؛ إذ لا يظن (٢) بعاقل أنه يرجح فعْله إذ ذاك. ولو احتمل أن يكون فعله احتياطًا، كما لو رَوَى (ما يقتضى) (٣) رَفْع الحرج عن الفعل فيما يُظن فيه التحريم - رأيناه متحرجًا عنه (٤) غير ملابس له: فالتعويل على الحديث (٥)، ويُحْمل فِعْله على الورع والتعلق بالأفضل. وإن لم يحتمل شيئًا من ذلك - لم يجز التعلق بالحديث" (٦). قلت: وعندي أن محل الخلاف مخصوص بالقسم الثالث (٧)؛ إذ لا يتجه في القسمين الأولين. وقد مَثَّل المصنف - تبعًا للإمام - لهذه (٨) المسألة بما روى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "طُهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يُغْسل سبع مرات أُولاهن بالتراب". ورواه البخاري، ولفظه: "إذا

стр. 1867

شرب"، مع أن أبا هريرة كما رُوي كان (١) يغسل ثلاثًا، فلا نأخذ بمذهبه؛ لأن قول الصحابي ليس بدليلٍ؛ إذ نحن مُفَرِّعون على أن قوله غير (٢) حجة (٣). وهذا المثال على هذا الوجه غير مطابق؛ لأن التخصيص فرع العموم، و"سبع مرات" من أسماء الأعداد التي هي نصوصٌ في مسمياتها (٤)، لا عامة. نعم قد يحسن إيراد ذلك مثالًا إذا صُدِّرت المسألة هكذا: الراوي الصحابي إذا خالف الحديث، وفَعَل ما يضاده - فهل يُعَوَّل على الحديث، أو على فعله، نحو خبر أبي هريرة؟ وأما لِمَا نحن فيه - فلا يحسن إيراده مثالًا. ومَثَّل له صفي الدين الهندي، وكذا ابن بَرْهان - كما نقله القرافي عنه - بمثال أقرب من هذا (٥): وهو أن ابن عباس ﵁ رَوَى: "مَنْ بدل دينه فاقتلوه" (٦)، وهذا عام في الرجال والنساء؛ وذهب هو إلى أن المرتدة لا

стр. 1868

تُقتل (١). قلت: وفي هذا المثال أيضًا نظر، وهو أن مَنْ الشرطية على رأي لا تدخل فيها النساء (٢)، فلعل ابن عباس يختار ذلك الرأي. على أن كلَّ هذا

стр. 1869

عدول عن التحقيق، والتمثيل بحديث أبي هريرة وعَمِله صحيحٌ وإنما جاء الفساد فيه من جهة تقريره على الوجه المتقدم. وكان الإمام النَّظَّار علاء الدين الباجي ﵀ يقرره على الوجه الصحيح: وهو أن الكلب من حيث إنه مُفرد مُعَرَّف للعموم، يشمل كلب الزرع وغيره. وأبو هريرة يرى أن كلب الزرع لا يُغْسل منه إلا ثلاثًا، وغيره يُغْسل منه سبعًا. فقد أخرج بعض أفراد الكلب، هذا هو معنى التخصيص في الحديث. وهذه فائدة حسنة، لكن ما أدري (مِنْ أين) (١) له أن أبا هريرة كان يغسل مِنْ كلب الزرع ثلاثًا، فإن المعروف اختلاف الرواية عن أبي هريرة في أنه هل كان يرى أنَّ الغسلَ من ولوغ الكلب سبعٌ أو ثلاث، فروى الدارقطني بسنده إلى عبد الملك (٢)، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: "إذا ولغ الكلب في الإناء - فأهْرقهِ، ثم اغسله ثلاث مرات"، ثم قال الدارقطني: لم يروه غير عبد الملك عن عطاء عنه (٣)، قال: والصحيح عنه سبع مرات (٤) (٥).

стр. 1870

قلت: فإنْ صح أن أبا هريرة كان يفصل بين كلب الزرع وغيره - يكون ذلك جمعًا بين اختلاف الروايات، فمَنْ روى عنه السبع يكون كلامه في غير كلب الزرع، ومَنْ روى الثلاث يكون مراده بكلب الزرع. واحتج مَنْ جعل مذهب الراوي مخصِّصًا: بأنه إنما خالف لدليلٍ؛ لأنه لو خالف لا لدليل لَفُسِّق، فلا تُقبل روايته، وإذا كانت مخالفته مستندة إلى دليل - تحتم اتباعه. والجواب: أنه ربما خالف لشيء ظَنَّ في نفسه - بما أداه إليه نظرُه - كونَه دليلًا، ولم يكن كذلك في نفس الأمر، فلا يلزم القدح في روايته؛ لأنه لم يقدم إلا على حسب تأدية اجتهاده، ولا الاتباع؛ لعدم صحة المظنون (١). بل ولو احتمل: أن ما ظنه حقٌّ في نفس الأمر (٢) - فليس لنا الانقياد له بمجرد التقليد ما لم يتضح لنا وجه الحق في ذلك. والغرض: أن الذي يتضح لنا خلافُ ما عَمِله؛ لقيام الدليل الذي رواه مُعَارِضًا بحقٍّ لِمَا رآه.

стр. 1871

خاتمة: اضطرب النظر في أنه هل صورة هذه المسألة مخصوصة بما إذا كان الراوي صحابيًا، أم الأمر أعم من ذلك؟ الذي صح عندي وتحرر (١) أن الأمر أعم من ذلك، ولكن الخلافَ في مَنْ ليس بصحابي أضعف، فليكن القول (٢) في المسألة هكذا: إن كان الراوي صحابيًا، وقلنا: قول الصحابي حجة - خَصَّ على المختار. قال القاضي في "مختصر التقريب": "وقد يُنسب ذلك إلى الشافعي في قوله الذي يقلِّد الصحابي فيه، ونقل عنه أنه (٣) لا يخصِّص به إلا إذا انتشر في أهل العصر ولم ينكروه، وجَعَل ذلك نازلًا منزلة الإجماع" (٤). وإنْ قلنا: قولُه غير حجة - ففيه الخلاف المتقدم. وإنْ كان غيرَ صحابي ترتب الخلاف على الصحابي. فإن قلنا: لا يخصَّص بقول الصحابي الراوي - لم يُخَصَّص بقول الراوي الذي ليس بصحابي جَزْمًا. وإن قلنا: يُخَصَّص - ففي هذا خلاف.

стр. 1872

وأما قول القرافي (١): "صورة المسألة أن يكون صحابيًا، وأما غير الصحابي فلا يُخَصِّص قطعًا" (٢) - فليس بجيد، والمعتمد ما قلناه (٣)، ويشهد له الدليل الذي ذُكر من أنه إنما يخالف لدليل (٤)، وإلا انقدحت روايته، فإن هذا يشمل الصحابي وغيره. وبما ذكرناه صَرَّح إمام الحرمين في "البرهان" فقال: وكل ما ذكرناه - يعني في (٥) هذه المسألة - غير مختص بالصحابي، فلو روى بعض الأئمة حديثًا وعَمِل بخلافه - فالأمر على ما فصَّلناه (٦). انتهى، (وما ذكرته في كتابي "الطبقات" من أني رأيت القاضي صَرَّح بذلك في "مختصر التقريب" - وَهَمٌ مني في الفهم عنه، فقد تأملت كلامه بعد ذلك، فلم أجده يعطي (٧) الذي ذكرت، وإنما نبهت على ذلك هنا؛ لئلا يغتر به) (٨).

стр. 1873

قال: (السابعة: إفراد فردٍ لا يُخَصِّص، مثل: قوله ﵇: "أيما إهابٍ دُبغ فقد طهر" مع قوله ﷺ في شاة ميمونة: "دباغها طهورها" (١)؛

стр. 1874

لأنه غير منافٍ. قيل: المفهوم منافٍ. قلنا: مفهوم اللقب مردود). إذا أفرد الشارع فردًا من أفراد العام بالذكر ، وحكم عليه بما حكم على العام لا يكون مخصِّصًا للعموم، خلافًا لأبي ثور. مثاله: ما رَوَى مسلم أن رسول الله ﷺ قال: "أيما إهاب دُبغ فقد طهر" (١). وقال ﵇ وقد مر بشاةٍ ميتة لمولاةٍ لميمونة (٢) (٣). كما رواه مسلم: "ألا أخذوا

стр. 1875

إهابها (١) فدبغوه فانتفعوا به" (٢). والدليل على أن العام لا يُخَصُّ (٣) ببعضه إذا أُفرد بالذكر: أن المخصِّص لا بد وأن يكون بينه وبين العام منافاة، ولا منافاة بين كلِّ الشيء وبعضه. واحتج أبو ثور: بأن تخصيص الشيء بالذِّكر يُفهم منه نَفْي الحكمِ عما عداه، وإلا فلا تظهر فائدةٌ لتخصيص ذلك الفرد بالذكر (٤). وأجاب المصنف: بأن المفهومَ هنا مفهومُ اسمٍ، وهو غير حجة كما سبق (٥). وعندي في ترتيب المسألة على هذا الوجه نظر، وما أظن أبا ثور يستند

стр. 1876

في ذلك إلى مفهوم اللقب، فإن الظاهر أنه لا يقول به، فإنا لم نر أحدًا حكاه عنه، مع أنه أجلُّ وأقدم من الدقاق، وأولى بأن تُودع آراؤه بطون الأوراق (١)، ولعله يقول بهذا المفهوم إذا ورد خاصًا بعد عامٍّ تقدمه، ويقول: إنَّ ذلك قرينةٌ في أن المراد بذلك العام هذا الخاص، ويَجْعل العام كالمطلق، والخاص كالمقيَّد، ولا يكون ذلك قولًا منهم بمفهوم اللقب الذي قال به الدقاق (٢)، وحينئذ ترتيب المسألة على أنَّه استند فيها إلى مفهوم اللقب غير سديد، والرد عليه كذلك (٣) (٤).

стр. 1877

قال: (الثامنة: (عَطْفُ الخاص) (١) لا يخصِّص ، مِثْلُ: "ألَا لا يُقتل مسلمٌ بكافر، ولا ذو عهدٍ في عهده". وقال بعض الحنفية بالتخصيص، تسويةً بين المعطوف والمعطوف عليه. قلنا: التسوية في جميع الأحكام غير واجبة). عَطْف الخاص على العام لا يُوجب تخصيص العام، خلافًا لأبي حنيفة وأصحابه. وتوقف فيه بعض المتكلمين (٢).

стр. 1878

مثاله: أنَّ أصحابنا لما احتجوا على أن المسلم لا يُقتل بالذمي بما (١) روى أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا يقتل مسلمٌ بكافر ولا ذو عهدٍ في عهده" (٢) - قالت الحنفيةُ (٣) أو

стр. 1879

بعضُهم (١): إنه ﵇ عَطَف عليه قولَه: "ولا ذو عهدٍ في عهده"، فيكون معناه: ولا ذو عهد في عهده بكافر. ثم إن الكافر الذي لا يُقتل به ذو العهد هو الحربي، فيجب أن يكون الكافر الذي لا يُقتل به المسلم أيضًا هو الحربي، تسويةً بين المعطوف والمعطوف عليه. وأجاب (٢) المصنف: بأن التسوية بين المعطوف والمعطوف عليه غير واجبة في جميع الأحكام. وهو جواب ضعيف؛ لأن الحنفية لا يقولون باشتراك المعطوف والمعطوف عليه في جميع الأحكام، بل باشتراكهما في المتعلَّقات كالحال والشرط، والمصنف يوافق على ذلك، كما نَصَّ عليه في الاستثناء المُتَعَقِّب للجمل (٣)، بل الجواب الصحيح أن قوله: "ولا ذو عهد في عهده" كلامٌ تام؛ لأنه لو قال: ولا يقتل ذو عهد - لكان من الجائز أن يتوهم منه (٤) متوهِّم أن مَنْ وُجد منه العهد ثم خرج عن عهده لا يجوز قتله، فلما قال: "في عهده" - علمنا أن هذا النهي مختصٌّ بكونه في حال العهد. وإذا ثبت كونه كلامًا تامًا فلا يجوز إضمار تلك الزيادة، أعني

стр. 1880

لفظة: "بكافر"؛ لأن الإضمار على خلاف الأصل (١). فإن قلت: ما وجه الارتباط بين هاتين الجملتين حينئذ، أعني: قوله: "لا يقتل مسلم بكافر، ولا يقتل ذو عهد في عهده"؛ إذ لا يظهر لإحداهما تعلق بالأخرى؟ قلت: ظني أن أبا إسحاق المروزي - أحد أئمة أصحابنا - أجاب عنه في "التعليقة": بأن عداوة الصحابة ﵃ للكفار في ذلك الوقت (٢) كانت شديدة جدًا، فنبه ﷺ على أنَّ صاحبَ العهد إذا كان في عهده لا يُقتل؛ لئلا يتجرد اللفظ الدال على أنَّ المسلم لا يقتل بالكافر، أعني قوله: "لا يقتل مسلم بكافر" فتحمل العداوةُ الشديدةُ على الإقدام على قتل كل كافر من مُعَاهَدٍ وغيرِه (٣). وهذا الجواب جديرٌ بأن يُغْتبط به (٤)، ولا يقال: حرمةُ الإقدام وإن انتفى القصاصُ باقيةٌ، وهي تَحْمِل الصحابةَ الذين هم أهل الورع الشديد على الإحجام؛ لأنا نقول: كان ذلك في صدر الإسلام، فلا (٥) يلزم من كون المسلم لا يُقتل بالكافر أن يكون قتلُ المعاهَد حرامًا، بل حَكَم أولًا بنفي القصاص بين المسلم والكافر مطلقًا، والدليلُ الدالُّ على جواز قتل الكافر في الجملة قائم، فبَيَّن تخصيصَ ذلك الدليل (بنهيه

стр. 1881

عن) (١) قتل المعاهَد في عهده (٢). قال: (التاسعة: عَوْد ضميرٍ خاصٍّ لا يخصِّص . مثل: و ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ (٣) مع و ﴿وَبُعُولتهُنَّ﴾؛ لأنه لا يزيد على إعادته). عَوْد الضمير إلى بعض العام المتقدم هل يُوجب تخصيص العام؟ وإنْ شئتَ قلتَ: إذا عُقِّب اللفظُ العام باستثناء، أو تقييد بصفة (٤)، أو حكم خاص لا يتأتى في كلِّ مدلوله، بل في بعضه، فهل يُوجب ذلك تخصيصَه؟ اختلفوا فيه: فذهب الأكثر مِنْ أصحابنا إلى أنَّ ذلك لا يُوْجب تخصيصَه. وبه جَزَم في الكتاب، واختاره الغزالي، والآمدي، وابن الحاجب، وصفي الدين

стр. 1882

الهندي (١). وذهب أكثر الحنفية إلى أنَّه يُخصِّصه (٢)، ولذلك قالوا في قوله ﵇: "لا تبيعوا البر بالبر إلا كيلًا بكيل" (٣): إنَّ المراد منه ما يُكال من البر، فيجوز بيع الحفنة بالحفنتين؛ لأن ذلك القدر مما لا يكال (٤). وذهب جماعةٌ منهم إمام الحرمين، وأبو الحسين، والإمام إلى

стр. 1883

التوقف (١). ومَثَّل في الكتاب لذلك بقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، ثم إنه تعالى قال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ (٢)، وهذا مختص بالمطلقة بالطلاق الرجعي دون البائن. فيقول الأولون: إن ذلك لا يقتضي أن المراد من المطلقات الرجعيات (٣). وتقول الحنفية: يقتضيه. ومثال الاستثناء: قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ (٤) إلى قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ (٥)، فاستثناء العفو عنه (٦) لكناية راجعة إلى النساء، ومعلوم أن العفو لا يصح إلا من البالغات العاقلات دون الصبية والمجنونة، فهل يُوجب ذلك أن يُقال: إن المراد من النساء في أول الكلام البالغات العاقلات فقط (٧)؟

стр. 1884

ومثال التقييد بالصفة: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (١)، ثم قال: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (٢) يعني الرغبةَ في مراجعتهن، ولا ريب في أن ذلك لا يتأتى في الطلاق البائن، فهل يقتضي ذلك تخصيصَ الطلاق (٣) المذكور في أول الكلام بالرجعي (٤)؟ ومثال التقييد بحكمٍ آخر ما أورده المصنف، وقد شرحناه. واحتج المصنف بأن عود الضمير لا يزيد على إعادة ذلك البعض، ولو صَرَّح بالإعادة فقيل: "وبعولة المطلقات أحق بردهن" في المثال الأول، أو: "إلا أن تعفو العاقلات البالغات" في المثال الثاني، أو: "يُحْدِثُ أمرًا في الرجعيات" في المثال الثالث - لم يكن ذلك مُخَصِّصًا اتفاقًا، فكذلك هنا. واحتج المتوقف: بأن ظاهرَ العموم يقتضي الاستغراق، وظاهرَ الكناية يقتضي مطابقتها للمَكْني في العموم والخصوص، وليست مراعاة ظاهر العموم بأولى (٥) من مراعاة ظاهر الكناية، فوجب التوقف. وأجيب عنه: بأنا لا نسلم أنه ليست مراعاة أحدهما بأولى من مراعاة الآخر، بل مراعاة إجراء العام على عمومه - أولى مِنْ مراعاة مطابقة الكناية للمَكْني، لأن المكنيَّ أصلٌ، والكناية تابعةٌ؛ لأنها تفتقر في

стр. 1885

دلالتها على مسماها إليه، مِن غير عكس. ومراعاة دلالة المتبوع أولى من مراعاة دلالة التابع؛ ولأنه أكثر فائدة وأظهر دلالة، فكان بالرعاية أجدر. (والله أعلم) (١). فائدة: سألت والدي أطال الله بقاه في قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٢)، وقول الشافعي ﵁: إن ذلك في الأحرار، بدليل أن العبد لا يملك (٣). فقلت: إن (٤) هذا مِنْ عَطْف الضمير الخاص على العام، فلا يقتضي التخصيصَ على الصحيح. فقال: ليس هذا من ذلك القبيل؛ لأن ذلك في لفظ عامٍ يتقدم، ويأتي بعده ضمير لا يستقل بنفسه، بل يعود على ذلك اللفظ المتقدم العام. وهنا خطاب، والمخاطَب لم يتحقق فيه عموم ولا خصوص، والمرجع فيه إلى

стр. 1886

قَصْد المتكلم، وما يدل عليه. فقوله (١): ﴿فَانْكِحُوا﴾ خطابٌ لمخاطَبِين لم يتحقق دخول العبيد في موضوعه، بل بحسب ما يريد التكلم مِنْ مخاطبِه، فإذا دلَّ دليل في آخر الكلام أو في أوله على المراد - حُمِل عليه، وهنا قد دَلَّ دليلٌ في آخره وهو قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، وفي أوله وهو: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ (٢)، فإنه إنما يخاطَب به مَنْ يلي أمرَ اليتيم، والعبد لا يلي أمرَ اليتيم. فقلتُ: الخطاب الأول (٣) لجميع الناس الأحرار والعبيد، بدليل قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ (٤). فقال: لنا في الجواب طريقان: أحدهما: ما قررناه غير مرة مِنْ أن (٥) أَيًّا (٦) نكرة وهي المنادى، (ووُصِفت) (٧) بالناس، فالألف واللام في "الناس" للعهد، والمعهود هي النكرة المقصودة، وهو الذي ناداه المتكلم، والعهد متقدم (٨) على العموم.

стр. 1887

والثاني: أن يُسَلَّم أنها للعموم، ويقوم دليلٌ على أن الخطاب بعدها لبعضهم مثاله: أن يقول لعشرة: افعلوا كذا. ثم يقول لبعضهم: افعلوا كذا. فليس تخصيصًا للأول، وإنما هو خطاب لغير مَنْ خُوطب أوَّلًا، وهو بعض منه. وهو يشبه الالتفات، فليس من باب عَوْد الضمير المقتضي للتخصيص على خلافٍ فيه، بل هذا لا يقتضي التخصيص قولًا واحدًا، لأن كلَّ واحدٍ من الكلامين مستقل بنفسه، وإنْ كان بينهما التئام. (والله أعلم) (١) (٢). قال: (تذنيب: المطلق والمقيَّد إن اتحد سببُهما حُمِل المطلق عليه، عملًا بالدليلين. وإلا فإن اقتضى القياسُ تقييدَه قُيِّد، وإلا فلا). المطلق والمقيَّد كالعام والخاي، وكل ما يجوز فيه تخصيص العام من الأدلة إما على الوفاق أو الخلاف - فإنه يجوز به تقييد المطلق من غير تفاوت، ولذلك جعل المصنف الكلام فيهِ ذُنَابَةً (٣)، وتتمة

стр. 1888

للعام والخاص. والأخذ في شرح ما أورده يستدعي تقديمَ مقدِّمةٍ، فنقول: المطلق منقسمٌ إلى حقيقي، وإضافي. أما الحقيقي: فهو المطلق من كل وجه. وقد يقال: المطلق على الإطلاق: وهو المجردُ عن جميع القيود، الدالُّ على ماهية الشيء من غير أن يدل على شيءٍ مِنْ أحوالها وعوارضها. على ما ذكرناه (١) في باب العموم. وأما الإضافي، مثل قولك: أعتق رقبة، واضرب رجلًا - فليس هو (٢) مطلقًا من كل وجه، بل: هو دال على واحدٍ شائع في الجنس. وهما قيدان زائدان على الماهية، وهذا مُطْلق بالنسبة إلى قولنا: رقبة مؤمنة. ومُقيَّدٌ بالنسبة إلى اللفظ الدال على ماهية الرقبة، من غير أن يكون فيها دلالة على كونها واحدة أو كثيرة، أو شائعًا في الجنس، أو مُعَيَّنًا. وإذا عرفت انقسام المطلق إلى قسمين - فاعلم أن المُقَيَّد (ينقسم أيضًا) (٣) إلى قسمين مقابِلَيْهما: فالمقيَّد من كل وجه، أو على الإطلاق: هو اللفظ الذي لا اشتراك فيه أصلًا. كأسماء الأعلام. وأما المقيَّد من وجه دون وجه - فنَحْو: ﴿رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، ورجل عالم (٤).

стр. 1889

إذا (١) عرفت ذلك فلْنَعُد إلى الشرح، والمقصودِ (من الكلام) (٢) في حمل المطلق على المقيد. اعلم أن مُتعَلَّق حكم المطلق إما أن يكون عَيْن (٣) متعلَّق حكم المقيَّد، أَوْ لا يكون. فإنْ كان الثاني فلا يُحْمل المطلق على المقيد وفاقًا (٤)؛ لأنه لا مناسبة بينهما، ولا تعلق لأحدهما بالآخر أصلًا. ومثلوا هذا بتقييد الشهادة بالعدالة، وجريان ذِكْر الرقبة في الكفارة مطلقًا مُعَرَّى العدالة. وإنْ كان الأول: فإما أن يتحد السبب أو يختلف، وعلى التقديرين: إما أنْ يكون كل واحد من المطلق والمقيد أمرًا، أو نهيًا، أو أحدهما أمرًا والآخر نهيًا. فهذه أقسام ستة: أحدها: أن يكون السبب واحدًا، وكل واحد منهما أمرًا. نحو أن نقول: أعتقوا رقبةً مؤمنة إذا حنثتم. ثم نقول مرة أخرى: أعتقوا رقبةً إذا

стр. 1890

حنثتم. فها هنا لا خلاف أن المطلق محمولٌ على المقيَّد (١). وكذا لو قال أوَّلًا: أعتقوا رقبة. ثم قال: أعتقوا رقبة مؤمنة. وكذا لو لم يُعلم التاريخ بينهما؛ لأن مَنْ عمل بالمقيَّد فقد عمل بالمطلق، ضرورةَ أنَّ المطلق جزءٌ من المقيَّد، والآتي بالكل آتٍ بالجزء، فيكون العمل بالمقيَّد عملًا بالدليلين. وأما العمل بالمطلق فليس عملًا بالمقيَّد؛ لأن الآتي بالجزء لا يكون آتيًا بالكل، بل يكون (٢) تاركًا له، فيكون العمل بالمطلق يستلزم الترك لأحد الدليلين بالكلية، فإذا كان الجمع بين الدليلين واجبًا مع استلزامه الترك لشيء من مدلولات أحدهما فليجب حيث لا يستلزم ذلك بطريقٍ أولى، ولا يُخَرَّج ذلك على الخلاف في تقابل العام المتأخر والخاص المتقدم؛ لهذا الذي ذكرناه. فإنْ قلت: مقتضى (٣) الإطلاق: التمكن مِنْ أي فردٍ شاء المكلَّف. والتقييد يزيل (٤) التمكن من ذلك، فلِمَ كانَ هذا أولى مِنْ حَمل الأمر بالمقيَّد على الندب؟ قلت: هذا الحكم الذي هو التمكن حالة الإطلاق - غيرُ مدلولٍ عليه باللفظ؛ لأن اللفظ: وهو أعتق رقبة، مثلًا - إنما دل على

стр. 1891

إيجاد (١) عِتْق رقبة، وكون الكافرة في حالة الإطلاق مجزئةً، إنما جاء من تركيب العقل مع النقل؛ لأنك تقول هذه الكافرة تجزئ؛ لأنها رقبة، والرقبة تجزئ، لقوله: أعتق رقبة. فَكَوْن الكافرة تجزئ غير مدلول عليه لفظًا، والمقيد: وهو أعتق رقبة مؤمنة - مدلول عليه باللفظ، فكان أولى بالرعاية. الثاني: أن يكون كُلُّ واحدٍ من المطلَق والمقيَّد نهيًا. نحو: أن تقول: لا تعتق رقبة. ثم تقول مرة أخرى: لا تعتق رقبة كافرة. فمن يقول بمفهوم الخطاب يلزمه أن يخصِّص النهي (٢) العام بالكافرة؛ لأن النهي الثاني عنده يدل على إجزاء من ليست كافرة (٣). ولقائل أن يقول: وجود المطلق والمقيد في جانب (النفي والنهي) (٤) يُصَيِّر المطلق عامًا، والمقيَّد خاصًا؛ لأن ذلك نكرة في سياق النفي فلا يُتَصَوَّران في هذين الجانبين. الثالث: أن يكون أحدهما أمرًا والآخر نهيًا، وهو قسمان؛ لأنه إما أن

стр. 1892

يكون المطلق أمرًا، والمقيَّد نهيًا، نحو: أن تقول: أعتق رقبة. ثم تقول: لا تعتق رقبة كافرة، أو بالعكس، نحو: لا تعتق رقبة. ثم تقول: أعتق رقبة مؤمنة. ففي هاتين الصورتين يُوجب المقيَّدُ تقييد المطلق بضده بلا خلاف (١). الرابع: أن يكون كل واحدٍ منهما أمرًا، ولكن السبب مختلف. نحو: قوله تعالى في كفارة الظهار: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٢)، وقوله في كفارة القتل: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مؤْمِنَةٍ﴾ (٣)، فها هنا اختلفوا على ثلاثة مذاهب: أحدها: أنه (٤) يحمل عليه من غير حاجةٍ إلى دليل آخر، فإن تقييد أحدهما يوجب تقييد الآخر لفظًا. وبه قال بعض أصحابنا (٥). قال إمام الحرمين: "وأقرب طريق لهؤلاء أن كلام الله تعالى في حكم الخطاب الواحد، (وحق الخطاب الواحد أن) (٦) يترتب المطلق فيه على المقيد".

стр. 1893

قال: "وهذا من فنون الهَذَيان، فإن قضايا الألفاظ في كتاب الله تعالى مختلفة متباينة، لبعضها حكم التعليق (١) والاختصاص، ولبعضها حكم الاستقلال والانقطاع فمن ادعى تنزيلَ جهات الخطاب على حكمِ كلامٍ واحد، مع العلم بأن في (٢) كتاب الله تعالى النفي والإثبات، والأمر والزجر، والأحكام المتغايرة - فقد ادعى أمرًا عظيمًا، ولا مَعْني (٣) في مثل ذلك الإشارة إلى اتحاد الكلام الأزلي، ومُضْطرب المتكلمين في الألفاظ وقضايا الصيغ، وهي مختلفة لا مِرَاء في اختلافها؛ فيسقط (٤) هذا الفن" (٥). والمذهب الثاني: وعليه الحنفية، أنه لا يجوز الحمل عليه (٦) بحال (٧)؛

стр. 1894

لأن ذلك الدليل إنْ كان دون المطلق في القوة لم يصلح لنسخه، وإنْ كان مثله - فإن عُلِم شَرْط النسخ كان نَسْخًا له، وإلا كان تعارضًا (١)، فهو غير محمول على المقيد بحال. والثالث: وهو قول الشافعي وجمهور الأصحاب (٢) أنه إنْ وُجد قياس، وكذا دليلٌ غيره يقتضي تقييده - قُيِّد، وإلا فلا. وهذا ما جزم به في الكتاب. الخامس: أن يكون كل واحدٍ منهما نهيًا، والسبب مختلف. نحو: "لا تعتق رقبة" في كفارة الظهار مثلًا، ثم نقول: "لا تعتق رقبة مؤمنة"، في كفارة القتل. فالقائل بالمفهوم، وبتقييد (٣) المطلق بالمقيَّد إنْ وُجِد دليل (٤) - (يلزمه تخصيص النهيَ العامَّ بالكافرة إنْ وجد دليل) (٥) (٦).

стр. 1895

السادس: أن يكون أحدهما أمرًا والآخر نهيًا، والسبب مختلف. وهو قسمان؛ لأنه إما أن يكون المطلق أمرًا، نحو: أعتق رقبة. في كفارة الظهار. (والمقيَّد نهيًا، نحو) (١): لا تعتق رقبة كافرة. في كفارة القتل. أو بالعكس، نحو: لا تعتق رقبة في كفارة الظهار، ثم يقول: أعتق رقبةً مسلمة. في كفارة القتل. وحكمهما واحد، لا (٢) يخفى عليك مما سبق. وقد ذكر المصنف ما إذا اتحد السبب، وما إذا اختلف. ولا يعسر عليك فَهْمُ كلامه بعد الصغو إلى ما ألقيته لك من الشرح (٣). ومما أهمله المصنف ما إذا أطلق الحكم في موضعٍ، ثم قَيَّد في موضعين بقيدين متضادين، فمَنْ زعم أن التقييد باللفظ - قال: يبقى المطلق على إطلاقه؛ إذ ليس تقييده بأحدهما أولى مِنْ تقييده بالآخر. ومَنْ حمل المطلق على المقيد بالقياس - حَمَله على ما كان حَمْله عليه أولى (٤). وقد مُثِّل لذلك بقوله ﷺ في الغَسَلات من ولوغ الكلب: "إحداهن بالتراب"، وفي رواية: "أولاهن"، وفي رواية: "فعفروه (٥) الثامنة"، فلا يُحْمل على إحدى الروايتين دون الأخرى؛ للترجيح مِنْ غير مرجح؛ إذ
следующие страницы →