← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

إيجاد (١) عِتْق رقبة، وكون الكافرة في حالة الإطلاق مجزئةً، إنما جاء من تركيب العقل مع النقل؛ لأنك تقول هذه الكافرة تجزئ؛ لأنها رقبة، والرقبة تجزئ، لقوله: أعتق رقبة. فَكَوْن الكافرة تجزئ غير مدلول عليه لفظًا، والمقيد: وهو أعتق رقبة مؤمنة - مدلول عليه باللفظ، فكان أولى بالرعاية. الثاني: أن يكون كُلُّ واحدٍ من المطلَق والمقيَّد نهيًا. نحو: أن تقول: لا تعتق رقبة. ثم تقول مرة أخرى: لا تعتق رقبة كافرة. فمن يقول بمفهوم الخطاب يلزمه أن يخصِّص النهي (٢) العام بالكافرة؛ لأن النهي الثاني عنده يدل على إجزاء من ليست كافرة (٣). ولقائل أن يقول: وجود المطلق والمقيد في جانب (النفي والنهي) (٤) يُصَيِّر المطلق عامًا، والمقيَّد خاصًا؛ لأن ذلك نكرة في سياق النفي فلا يُتَصَوَّران في هذين الجانبين. الثالث: أن يكون أحدهما أمرًا والآخر نهيًا، وهو قسمان؛ لأنه إما أن

стр. 1892

يكون المطلق أمرًا، والمقيَّد نهيًا، نحو: أن تقول: أعتق رقبة. ثم تقول: لا تعتق رقبة كافرة، أو بالعكس، نحو: لا تعتق رقبة. ثم تقول: أعتق رقبة مؤمنة. ففي هاتين الصورتين يُوجب المقيَّدُ تقييد المطلق بضده بلا خلاف (١). الرابع: أن يكون كل واحدٍ منهما أمرًا، ولكن السبب مختلف. نحو: قوله تعالى في كفارة الظهار: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٢)، وقوله في كفارة القتل: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مؤْمِنَةٍ﴾ (٣)، فها هنا اختلفوا على ثلاثة مذاهب: أحدها: أنه (٤) يحمل عليه من غير حاجةٍ إلى دليل آخر، فإن تقييد أحدهما يوجب تقييد الآخر لفظًا. وبه قال بعض أصحابنا (٥). قال إمام الحرمين: "وأقرب طريق لهؤلاء أن كلام الله تعالى في حكم الخطاب الواحد، (وحق الخطاب الواحد أن) (٦) يترتب المطلق فيه على المقيد".

стр. 1893

قال: "وهذا من فنون الهَذَيان، فإن قضايا الألفاظ في كتاب الله تعالى مختلفة متباينة، لبعضها حكم التعليق (١) والاختصاص، ولبعضها حكم الاستقلال والانقطاع فمن ادعى تنزيلَ جهات الخطاب على حكمِ كلامٍ واحد، مع العلم بأن في (٢) كتاب الله تعالى النفي والإثبات، والأمر والزجر، والأحكام المتغايرة - فقد ادعى أمرًا عظيمًا، ولا مَعْني (٣) في مثل ذلك الإشارة إلى اتحاد الكلام الأزلي، ومُضْطرب المتكلمين في الألفاظ وقضايا الصيغ، وهي مختلفة لا مِرَاء في اختلافها؛ فيسقط (٤) هذا الفن" (٥). والمذهب الثاني: وعليه الحنفية، أنه لا يجوز الحمل عليه (٦) بحال (٧)؛

стр. 1894

لأن ذلك الدليل إنْ كان دون المطلق في القوة لم يصلح لنسخه، وإنْ كان مثله - فإن عُلِم شَرْط النسخ كان نَسْخًا له، وإلا كان تعارضًا (١)، فهو غير محمول على المقيد بحال. والثالث: وهو قول الشافعي وجمهور الأصحاب (٢) أنه إنْ وُجد قياس، وكذا دليلٌ غيره يقتضي تقييده - قُيِّد، وإلا فلا. وهذا ما جزم به في الكتاب. الخامس: أن يكون كل واحدٍ منهما نهيًا، والسبب مختلف. نحو: "لا تعتق رقبة" في كفارة الظهار مثلًا، ثم نقول: "لا تعتق رقبة مؤمنة"، في كفارة القتل. فالقائل بالمفهوم، وبتقييد (٣) المطلق بالمقيَّد إنْ وُجِد دليل (٤) - (يلزمه تخصيص النهيَ العامَّ بالكافرة إنْ وجد دليل) (٥) (٦).

стр. 1895

السادس: أن يكون أحدهما أمرًا والآخر نهيًا، والسبب مختلف. وهو قسمان؛ لأنه إما أن يكون المطلق أمرًا، نحو: أعتق رقبة. في كفارة الظهار. (والمقيَّد نهيًا، نحو) (١): لا تعتق رقبة كافرة. في كفارة القتل. أو بالعكس، نحو: لا تعتق رقبة في كفارة الظهار، ثم يقول: أعتق رقبةً مسلمة. في كفارة القتل. وحكمهما واحد، لا (٢) يخفى عليك مما سبق. وقد ذكر المصنف ما إذا اتحد السبب، وما إذا اختلف. ولا يعسر عليك فَهْمُ كلامه بعد الصغو إلى ما ألقيته لك من الشرح (٣). ومما أهمله المصنف ما إذا أطلق الحكم في موضعٍ، ثم قَيَّد في موضعين بقيدين متضادين، فمَنْ زعم أن التقييد باللفظ - قال: يبقى المطلق على إطلاقه؛ إذ ليس تقييده بأحدهما أولى مِنْ تقييده بالآخر. ومَنْ حمل المطلق على المقيد بالقياس - حَمَله على ما كان حَمْله عليه أولى (٤). وقد مُثِّل لذلك بقوله ﷺ في الغَسَلات من ولوغ الكلب: "إحداهن بالتراب"، وفي رواية: "أولاهن"، وفي رواية: "فعفروه (٥) الثامنة"، فلا يُحْمل على إحدى الروايتين دون الأخرى؛ للترجيح مِنْ غير مرجح؛ إذ

стр. 1896

القياس هنا متعذر، بل يُرْجع إلى أصل الإطلاق، ونقول: يجوز (١) التعفير في كل واحدةٍ (٢) من المرات عملًا برواية: "إحداهن" المطلقة هكذا ذكروه، وبه أجاب الشيخ أبو العباس القرافي عن اعتراض أورده بعض قضاة الحنفية على الشافعية: بأن (٣) قاعدتهم حَمْلُ المطلق على المقيد؛ فكان ينبغي أن يوجبوا: "أولاهن"؛ لورود: "إحداهن"، و"أولاهن". فأجابه القرافي: بأنه قد عارض روايةَ: "أولاهن" روايةُ: أخراهن، يريد بذلك: "فعفروه الثامنة"؛ فيرجع إلى أصل الإطلاق (٤). قال بعض المتأخرين: وعلى هذا ينبغي انحصار الوجوب في الأُولى، (أو الثامنة) (٥)، ويتخير فيهما. واعلم أن هذا هو الذي نص عليه الشافعي ﵁ في "الأم"، فقال ما نصه: وإذا غسلهن سبع مراتٍ جعل أولاهن أو أخراهن ترابًا، لا يطهر إلا بذلك (٦). انتهى. وفي "مختصر البويطي" فقال في أثناء باب غُسْل الجمعة، وهو بعد باب التيمم كيف هو؟ وقبل كتاب الصلاة - ما نصه: وإذا ولغ

стр. 1897

الكلب في الإناء غُسِل سبعًا أولاهن أو أخراهن بالتراب، لا يُطَهِّره غير ذلك، وكذلك رُوي عن رسول الله ﷺ : والخنزير قياسًا عليه يُغْسل سبعًا (١). انتهى. وهو في غاية الغرابة، وعليه جرى المرعشي من أصحابنا في كتابه "ترتيب الأقسام" وعبارته: ما أصاب الكلبُ بلسانه أو بعضو من أعضائه من الماء القليلِ نَجَّسه، ولم يطهر الإناء إلا بأن يُغْسل سبع مرات، أولاهن أو أخراهن بالتراب. لكن في هذا البحث نظرٌ ذكره والدي، وهو أنه إنما ينبغي حينئذ أن يُوجب كلاهما: الأولى والأخيرة؛ لورود الحديث فيهما، ولا تنافي في الجمع بينهما، اللهم إلا أن يراد بالثامنة ثامنة (٢) العدد، لا الأخيرة، فإنه حينئذٍ يكون مطلقًا كإحداهن، وتكون رواية إحداهن والثامنة واحدة ومعنى رواية أولاهن، فيعود أصل السؤال. ويناظر هذا السؤال سؤالان آخران: أحدهما: أنَّ أبا حنيفة ﵀ قال: لا يجري التحالف بين المتبايعَيْن إلا إذا كانت السلعة قائمة، أما إذا كانت تالفة فالقول قول المشتري (٣). والشافعي ﵁ قال: إذا اختلف المتبايعان - تحالفا، سواء كانت السلعة قائمة أو تالفة (٤)، مع أنه رَوَى: أنه ﷺ قال: ("إذا اختلف

стр. 1898

المتبايعان تحالفا"، ورَوَى أنه ﷺ قال) (١): "إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة تحالفا" فَلِمَ لا حَمَل المطلق على المقيد مع اتحاد القاعدة. والثاني: إن في كتاب فريضة الصدقة في فريضة الإبل: "فإنْ زادت على عشرين ومائة" وهو مطلق في الزيادة، وجاء مقيَّدًا في حديث ابن عمر: "فإنْ زادت واحدةٌ" (٢)، فلا ينبغي أن يجب في مائة وعشرين وبعض واحدة إلا ما يجب في مائة وعشرين فقط. والجواب عن الأول من وجوه: أحدها: أنه روي من حديث أبي وائل عن عبد الله أن النبي ﷺ قال: "إذا اختلف المتبايعان والمبيع مُسْتَهْلك فالقول قول البائع" رواه الدارقطني. والخصوم رَوَوْا أنَّ النبي ﷺ قال: "إذا اختلف المتبايعان (فالقول ما قال) (٣) البائع، فإنْ اسْتُهْلك فالقول قول المشتري". وهذا يوافق الحديث المقيد بكون السلعة قائمة (٤)، وهما قيدان

стр. 1899

متضادان (١)، فرجعنا إلى أصل الإطلاق (٢). ثم إن هذا الحديث يقتضي عدمَ جريان التحالف مطلقًا، وهم لا يقولون به، ثم إنه يرويه الحسن بن عمارة وهو متروك رديء الحفظ (٣). والثاني: أن الحديث المشتمل على التقييد بكون السلعة قائمة - يرويه القاسم بن عبد الرحمن (٤) عن ابن مسعود، ولم يَلْقَه؛ فيكون مرسلًا، ونحن لا نقول بالمراسيل. والحق أن الحديث الذي رَوَوْه من التقييد (بقيام السلعة ضعيف،

стр. 1900

والذي رويناه من التقييد) (١) بهلاكها ضعيف (٢) أيضًا، ولا حاجة إلى التطويل في بيان ذلك، وضَعْف التقييدين يكفي في الرجوع إلى أصل الإطلاق. وقول الغزالي (٣) في المأخذ فيما يرويه أصحابنا من التقييد بالهلاك: "أجمع أهل الحديث على صحته" - باطلٌ، نبهنا عليه لئلا يقع الاغترار به. والثالث: أن التنصيص على قيام السلعة إنما كان تنبيهًا على حالة تلفها؛ لأنه إذا كان التحالف ثابتًا عند حالة قيام السلعة، مع أنه يمكن الاستظهار بالرجوع إلى القيمة وتعرف (٤) صفاتها - (فلأن يتحالفا مع تلفها ولا يمكن الرجوع إلى صفاتها) (٥) أولى. وعن الثاني: أنه إنما يَرِد على الإصطخري (٦) من أصحابنا القائل: بأنه يجب ثلاث بنات لبون فيما إذا زادت بعض واحدة. والصحيح أنه (٧) إنما

стр. 1901

تجب حِقَّتان وفاءً بحمل المطلق على المقيد، فاندفع السؤال (١) (٢) (٣).

стр. 1902

دَوْلة الإمَارَات العَربيّة المُتَّحِدة حُكومة دُبي سلسلة الدِّراسَات الأصوليّة "١٧" الإِبْهَاجُ فِي شَرْحِ المِنْهَاجِ شَرح عَلَى مِنْهَاجِ الوُصُوْلِ إِلَى عِلْمِ الأُصُوْلِ لِلْقَاضِي البَيْضَاويّ المُتَوفى سنة ٦٨٥ هـ تَألِيفُ شيخ الإسلام علي بن عبد الكافي السّبكي المتوفى ٧٥٦ هـ وولده تاج الدّين عبد الوهاب بن علي السّبكي المتوفى ٧٧١ هـ درَاسَة وَتحقيق الدُكتُور أَحْمَدَ جَمَال الزَّمْزَمِي الدُكتُور نُورُ الدِّينِ عَبْدِ الجَبَّارِ صَغِيري الجُزْء الخَامِس دَار البُحُوث للدِّرَاسَات الإِسْلَامِيَّةِ وَإِحْيَاء التُّرَاثْ

стр. 1903

الباب الرابع: في المجمل والمبين الفصل الأول: المجمل

стр. 1904

قال (١): (الباب الرابع: في المجمل والمبين . وفيه فصول. الأول: في المجمل. وفيه مسائل) المجمل: مأخوذ من الجَمْل، بفتح الجيم وإسكان الميم: وهو الخلط، ومنه قوله ﵇: "لعن الله اليهود حَرَّم الله عليهم شحومَ الميتة فَجَمَلوها - أي: خلطوها (٢) - وباعوها، فأكلوا ثمنها" (٣)

стр. 1905

فَسُمِّي اللفظ مجملًا؛ لاختلاط المراد بغيره (١). والمُبَيَّن: بفتح الياء آخر الحروف، من البيان. يقال: لفظ مُبَيَّن إذا كان نصًا في معناه. بمعنى: أنَّ واضعه ومستعمله وَصَلا بِهِ إلى نهاية البيان؛ فهو مُبَيَّن. وإذا كان اللفظ مجملًا ثم بُيِّن - يقال له: مبيَّن (٢). وبَيَّنْتُ الشيءَ بيانًا، أي: أوضحته إيضاحًا (٣). وأما تعريفه اصطلاحًا فقد سبق في تقسيم الألفاظ. قال: (الأولى: اللفظ إما أن يكون مجملًا بين حقائقه، كقوله تعالى: ﴿ثَلَاثةَ قُرُوءٍ﴾ (٤)، أو أفراد حقيقة واحدة، مثل: ﴿أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (٥)، أو مجازاته إذا انتفت الحقيقة وتكافأت. فإنْ ترجح واحدٌ؛ لأنه أقرب إلى الحقيقة، كنفي الصحة مِنْ قوله: "لا صلاة" و (٦) "لا صيام"؛ أو لأنه أظهرُ عرفًا، وأعظمُ مقصودًا، كرفع الحرج وتحريم الأكل مِنْ: "رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان" و"حُرِّمت عليكم الميتة" - حُمِل عليه).

стр. 1906

اللفظ المجمل إما أن يكون مجملًا بالنسبة إلى حقائقه إنْ كان ذا (١) حقائق، أوْ لا. والأول: هو المشترك، كقوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ , فإنه مجملٌ بالنسبة إلى حقيقتيه، أعني: الطهر والحيض - عند مَنْ يقول: إنَّ القرء موضوعٌ لهما وَضْعًا أوَّلًا، وهو الصحيح. والثاني: إما أن يكون بالنسبة إلى أفراد حقيقة واحدة أوْ لا. والأول: مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾، فإن لفظ "البقرة" موضوع لحقيقة واحدة معلومة ولها أفراد، والمراد واحدٌ منها مُعَيَّن، على كلامٍ فيه، سيأتي إن شاء الله في الفصل التالي لهذا. والثاني: أن يكون الإجمال في الخارج عما وُضع له اللفظ، وإنما يكون ذلك بأن تنتفي الحقيقة، أي: يَظْهَر إرادةُ عدمها، وتتكافأ مجازاتها، أي: تتساوى و (٢) أما إذا ترجَّح أحد المجازات فيتعيَّن العملُ به، ولا يكون اللفظ مُجْملًا. وللترجيح أسباب ذَكَرها في الكتاب: أحدها: أن يكون أقرب إلى الحقيقة من المجاز الآخر (٣)، كقوله ﷺ : "لا صلاة إلا بطُهور" (٤). . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1907

(١). وقد تقدم الكلام على هذا الحديث، وقوله: "لا صيام لمن لم يُبَيِّت الصيام قبل الفجر" (٢)، وهذا الحديث لفظه هكذا غير معروف، ولكن رواه (٣) عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم (٤) عن ابن شهاب عن سالم (٥) عن أبيه عن حفصة عن رسول الله ﷺ قال: "من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له"، وهذا إسناد صحيح. قال الحاكم أبو عبد الله: على شرط البخاري. فحقيقة هذين الخبرين نَفْيُ ذاتِ الصلاةِ عند عدم الطهارة، وذاتِ الصومِ عند عدم النية المبيَّتة، وهذه الحقيقة غيرُ

стр. 1908

مرادةٍ؛ لأنا نُشَاهِد الذاتَ قد تقع بدون هذين الشرطين، فتَعيَّن الحملُ على المجاز، وهو إضمار الصحة أو الكمال، وإضمار الصحة أرجح، لكونه أقرب إلى الحقيقة؛ لأن نَفْي الذات يستلزم نفي كل الصفات، ونَفْي الصحة أقرب بهذا المعنى؛ إذ لا يبقى معه وصفٌ ألبتة، بخلاف نَفْي (١) الكمال، فإن الصحة تبقى معه، وهي وصف (٢). ولك أن تقول: ما ذكرتموه في هذين الحديثين منقدحٌ إذا قلنا: إن الصحة والفساد مما يعتوران الماهية الجَعْلية، أما إذا قلنا: إن (٣) الفساد يزيل اسمها - فَمَعْنى (٤) الحقيقة موجود (٥).

стр. 1909

الثاني: أنْ يكون أحد المجازَيْن أظهر عرفًا وأشهر، كقوله ﷺ : "رفع عن أمتى الخطأ والنسيان" (١)، فإنَّ ظاهره رفعُ نفسِ [الخطأ] (٢) ونفسِ النسيان، وليس بمراد (٣)؛ فتعين حَمْله على المجاز بإضمار الحكم، أي: حكم الخطأ والنسيان أو الحرج (٤) يعني: الإثم، أي: إثمهما. والحمل على الإثم أظهر من جهة العرف؛ لتبادره إلى الذهن مِنْ قول السيد لعبده: رفعتُ عنك الخطأ والنسيان. ولأنه لو قال ذلك، ثم أخذ يعاقبه على ما أخطأ فيه أو نسيه - عُدَّ مناقِضًا. واعلم أن الحديث الذي أورده المصنف رواه الحافظ أبو القاسم التيمي (٥) من حديث ابن عباس، وروى ابن ماجه معناه، وصححه ابن حبان، وقال أحمد (٦): لا يثبت.

стр. 1910

الثالث: أن يكون أعظم مقصودًا من غيره، كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (١)، وقوله ﵇ في البحر: "الحل ميتته"، فإن حقيقة اللفظ إضافةُ الحرمة والحل إلى نفس العين (٢)، كما ذهب إليه الكرخي (٣)، وهو عندنا باطل؛ إذ الأحكام عندنا إنما تتعلق بالأفعال

стр. 1911

المقدورة للمكَلَّف (١)، وليست العَيْن كذلك؛ فلا يتعلق بها حِلٌّ ولا حرمة؛ فيتعين المجاز بالإضمار، فيضمر إما: الأكل، أو البيع، أو نحوهما. والأكل أولى؛ لأنه أعظم المقصود من تلك الأشياء عُرْفًا؛ فيحمل اللفظ عليه. وقد ذهب جماعة من الأصوليين إلى دعوى الإجمال في الأمثلة المذكورة، متمسكين: بأن الحقيقة غير مرادة، والمجازات متعددة، فلا يُضْمر الجميع؛ لأن الضرورة تندفع بالبعض،

стр. 1912

وليس بعضها بأولى (١) من بعض؛ فيترجح (٢) الإجمال (٣). والجواب: أنا نضمر البعض، ولا نسلِّم عدم الأولوية، فإنَّ بعضها أرجح وأولى؛ لما تقدم. واعلم أن المجمل ليس منحصرًا فيما ذَكَره، بل بقيَت أشياء أهملها: أحدها: الإجمال العارض للفظ بواسطة الإعلال، كالمختار، فإنه صالح لاسم الفاعل واسم المفعول (٤). والثاني: بواسطة جَمْع الصفات وإرْدافها بما يصلح أن يرجع إلى كلِّها، أو إلى بعضها. نحو قولك: زيد طبيب أديب خياط ماهر. فقولك: "ماهر" يصلح (٥) أن يكون راجعًا إلى الكل أو إلى

стр. 1913

البعض فقط، وذلك البعض يصح أن يكون هو الأخير أو غيره (١). الثالث: المجمل بواسطة استثناء المجهول، كما تقدم في العام إذا خُصَّ بمجهول، كما في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ (٢). والرابع: المجمل بواسطة التركيب، كقوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ (٣)، فإنَّ مَنْ بيده العقدة يحتمل أن يكون هو الزوج أو الولي؛ ولذلك اختلف العلماء فيه: فأخذ بالأول الشافعي (٤)، وبالثاني مالك (٥) رحمهما الله. والخامس: المجمل بسبب التردد في عود الضمير إلى ما تقدمه، كقولك: كلما عَلِمه الفقيه فهو كما عَلِمه. فإن الضمير في "هو" مترددٌّ بين العود إلى الفقيه، وإلى معلوم الفقيه. والمعنى يكون مختلفًا، حتى إنه إذا

стр. 1914

قيل بعوده (١) إلى الفقيه - كان معناه: فالفقيه كمعلومه. وإن عاد إلى معلومه كان المعنى: فمعلومه على الوجه الذي عَلِم. والسادس: المجمل بسبب تردد اللفظ بين جَمْع الأجزاء وبين جَمْع الصفات نظرًا إلى اللفظ، وإنْ كان أحدهما يتعيَّن بدليلٍ من خارج. وذلك نحو قولك: الثلاثة زوج وفرد. فإنه بالنظر إلى دلالة اللفظ لا يتعين أحدهما، وبالنظر إلى صدق القائل يتعين أن يكون المراد منه جمع الأجزاء؛ فإنَّ حَمْله على جمع الصفات أو على جمعهما يوجب كذبه (٢). والسابع: الإجمال بسبب الوقف والابتداء، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ﴾ (٣)، فالواو في قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ مترددةٌ بين العطف والابتداء، ويختلف المعنى بذلك (٤).

стр. 1915

الثامن: الإجمال بصلاحية اللفظ لمتشابهين بوجهٍ ما، كالنور: للعقل، ونور الشمس (١). التاسع: بصلاحيته لمتماثلين، كالجسم (٢): للسماء، والأرض. والرَّجل: لزيد، وعمرو. قال الغزالي: "وقد يكون موضوعًا لهما من غير تقدم وتأخر (٣)، وقد يكون مستعارًا لأحدهما من الآخر، كقولك: الأرض أُمُّ البشر. والأم إنما وضعت للوالدة" (٤). وهذا كله في الإجمال في اللفظ، والمصنف جَعَل اللفظ مَوْرد التقسيم، فأفهم بذلك أن الإجمال لا يكون في الفعل، وليس بجيد، بل قد يكون فيه (٥) (٦).

стр. 1916

فوائد: الأولى: الصحيح جواز ورود المجمل فى كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ (١). والدليل عليه ما تلونا من الآيات، وفي مسألة ورود المشترك في كتاب الله، وسنة رسوله (٢) ﷺ (٣). الثانية: اختلفوا في جواز بقاء الإجمال بعد وفاة (رسول الله) (٤) ﷺ (٥)، واختار إمام الحرمين في "البرهان" في أثناءِ بحثٍ: "أنَّ

стр. 1917

كل ما يثبت (١) التكليف في العلم به (٢) - فيستحيل استمرار الإجمال فيه (٣)، وما لا يتعلق به تكليف لا يستحيل ذلك فيه، ولا يبعد" (٤). الثالثة: لقائل أن يقول: يجوز التمسك بعموم: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾؛ إذ الاستثناء وَقَع بقوله: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ (٥)، والتقدير: فإنه ليس بحلال. وعدم الحل لا يوجب الحرمة فيبقى على البراءة الأصلية (٦)، ولا يقال: هذا استثناء مجهولٌ، فيصير الباقي من العام مجملًا؛ لأنه إنما يكون كذلك أنْ لو حُرِّم ما يتلى علينا (٧). والله أعلم.

стр. 1918

قال: (الثانية: قالت الحنفية: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ (١) مجمل . وقالت المالكية: يقتضي الكل. والحق أنه حقيقة فيما ينطلق عليه الاسم؛ دفعًا للاشتراك والمجاز). ذهبت الحنفية، أو بعضهم (٢)، كما في "المحصول": إلى أن قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ مجمل؛ لأنه يحتمل مسح جميع الرأس، ومسح بعضه، وإذا قام الاحتمال ثبت الإجمال (٣). وقال آخرون: لا إجمال في الآية. ثم افترقوا فرقتين: فقالت المالكية: يقتضي مسح جميع (٤) الرأس؛ لأن الرأس حقيقة في جميعها (٥)، والباء إنما دخلت

стр. 1919

للإلصاق (١). وقالت طائفة: إنها حقيقة فيما ينطلق عليه الاسم: وهو القدر المشترك بين مسح جميع (٢) الرأس وبعضها؛ لأنها تارة تأتي لمسح الكل، وتارة للبعض، كما تقول: مسحت برأس اليتيم. ولم تمسح منها إلا البعض. فإن جعلناه حقيقةً فيهما - لزم الاشتراك. أو في أحدهما - لزم المجاز في الآخر. فنجعله حقيقةً في القدر المشترك؛ دفعًا للاشتراك والمجاز الَّذَيْن هما على خلاف الأصل. ونقل الإمام هذا المذهب عن الشافعي ﵀ (٣). قال المصنف هنا: "وهو الحق"، والذي جزم به في تفسير الحروف تبعًا للإمام: أنها للتبعيض، تفيد مسح بعض الرأس (٤). وهو المحكي عن بَعْض الشافعية (٥).

стр. 1920

قال: (الثالثة: قيل: آية السرقة مجملة ؛ لأن اليد تحتمل الكل والبعض، والقطع: الشَّق والإبانة. والحق أن اليد للكل، وتُذكر للبعض مجازًا. والقطع: الإبانة (١)، والشق إبانة). قال بعضهم: آية السرقة - يعني: قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٢) - مجملةٌ في اليدِ والقطع. أما اليد: فلأنها تطلق على العضو من أصل المنكب، وعَلَيْه من الكوع (٣)، وعليه من أصول الأنامل. وإذا أُطْلقت (٤) على الكل والبعض، ولم يُعلم المراد؛ فتكون مجملةً. وأما القطع: فلأنه قد يراد به (الشَّق، أي: الجَرْح فقط، كما يقال: بَرَى فلانٌ قلمَه فقطع يده. وقد يراد به) (٥) الإبانة (٦).

стр. 1921

وقال الجمهور: لا إجمال فيها، بل حقيقة اليد للكل (١): وهو العضو من المنكب، وإنما يُذْكر للبعض مجازًا؛ ولهذا يصح: ما قَطَعْتُ يده، بل بعضها. وحقيقة القطع: الإبانة (٢). والشق إبانة أيضًا؛ لأن فيه إبانةً لأجزاء اللحم بعضها عن بعض، فيكون موضوعًا للقدر المشترك بينهما: وهو مطلق الإبانة. وأما لفظ السارق والسارقة: فلا إجمال فيه، وذلك متفق عليه (٣) (٤).

стр. 1922

الفصل الثاني: المبيَّن

стр. 1923

قال: (الفصل الثاني: في المبيَّن . وهو: الواضح بنفسه أو بغيره. مثل: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١) , ﴿وَاسْأَلِ الْقَريةَ﴾ (٢)، وذلك الغير يسمى مُبَيِّنًا). المبيَّن، بفتح الياء: وهو (٣) ما اتضحت دلالتَه بالنسبة إلى معناه (٤) وهو على قسمين: أحدهما: الواضح بنفسه: وهو الكافي في إفادة معناه. وذلك إما لأمر راجع إلى اللغة، مثل: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، أو بالعقل، مثل: قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَريةَ﴾، فإن حقيقة هذا اللفظ طلب السؤال من الجدران، لكن العقل صَرَفَنا عن ذلك، وقضى بأن المراد به (٥) الأهل (٦). وهذا على كلام في القرية تقدم في المجاز بالنقصان. هذا ما ذكره المصنف في الواضح بنفسه، وأهمل ما يكون بسبب التعليل وهو ضربان:

стр. 1924

أحدهما: أن يكون الحكم في المسكوت عنه أولى. وثانيهما: كما في قوله ﵇: "إنها من الطوافين عليكم والطوافات" (١). وأهمل مما لا يكون تعليلًا (٢): أن الأمر بالشيء أمر بما لا يتم إلا به. الثاني: الواضح بغيره: وهو ما يتوقف فَهْم المعنى منه على انضمام غيره إليه. وذلك الغير - أي: الدليل الذي حصل به البيان - يُسَمى مبيِّنًا، بكسر الياء. وله أقسام تأتي إن شاء الله تعالى على الأثَر بأمثلتها (٣).

стр. 1925

تنبيهان: أحدهما: إطلاق المبيَّن - بفتح الياء - على الواضح بنفسه صحيحٌ؛ لأن المتكلم أوضحه حيث لم يأت بمجمل. نَبَّه عليه الجاربردي (١). الثاني: جَعَل العِبْري والجاربردي والإسفراييني وغيرهم من الشارحين قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٢) مثالًا للواضح بغيره (٣)، وهو وَهَمُ؛ لأنه قَسَّم ذلك الغير في المسألة الآتية إلى القول والفعل، وظاهر كلامه حَصْره فيهما، فلو كان هذا من أقسامه لم ينحصر في ذَيْنِك القسمين؛ إذ المبيِّن فيه ليس إلا العقل، وهو غير القول والفعل. والذي حملهم على ذلك أنهم لما رأوه قَدَّم (٤) قوله: "أو بغيره" - تَوَهَّمُوا (٥) أنه من باب اللف

стр. 1926

والنشر، وليس كذلك (١). قال: (وفيه مسائل: الأولى: أنه يكون قولًا من الله، (ومن الرسول (٢) وفِعْلًا منه كقوله تعالى: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ﴾ (٣)، وقوله ﵇: "فيما سقت السماء العشر" وصلاته، وحجه، فإنه أدلُّ. فإن اجتمعا وتوافقا فالسابق. وإن اختلفا فالقول؛ لأنه يدل بنفسه). المبيِّن، بكسر الياء: قد يكون بالقول وذلك بالاتفاق (٤)، وقد يكون بالفعل وخالف في ذلك شرذمة قليلون (٥). والقول إما أن يكون من الله تعالى، كقوله تعالى: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا

стр. 1927

تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾، فإنه مُبَيِّن لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (١). وهذا المثال جارٍ على المشهور من (٢) أن البقرة المأمور بذبحها كانت معيَّنة في نفس الأمر (٣)، وقد حُكِي عن ابن عباس ﵁ خلاف ذلك، وأنه قال:

стр. 1928

"لو ذبحوا أيَّ بقرةٍ كانت - لأجزأهم ذلك، ولكنهم شددوا فسألوا؛ فشدد الله عليهم" (١). وإما أن يكون من الرسول ﷺ ، كقوله: "فيما سقت السماء، أو كان عَثَريًّا العشرُ. وما سُقي بالنضح نصف العشر" رواه البخاري (٢) من حديث ابن عمر ﵁، ولمسلم عن جابر نحوه (٣)، وهو مبيِّن لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٤). واستفدنا مِنْ هذا المثال أن السنة تُبَيِّن مجمل

стр. 1929

الكتاب، وهو الصحيح (١). والفعل لا يكون إلا من الرسول ﷺ ، وذلك كصلاته، فإنها مبيِّنة لقوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٢) بواسطة قوله ﵇: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٣). وكحجه، فإنه مبيِّن لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (٤) بواسطة قوله ﵇: "خذوا عني مناسككم" (٥).

стр. 1930

قوله: "فإنه أدل"، أي: علة جواز البيان بالفعل أنه أدلُّ من القول على المقصود؛ لأن فيه مشاهدة. ومن الأمثال: "ليس الخبر كالمعاينة", وهو مروي، رواه أحمد بن محمد المُلْحَمي (١) - وهو ضعيف - عن علي بن الجعد (٢) عن شعبة عن قتادة عن أنس: أن النبي ﷺ قاله. (ورواه أحمد بن حنبل من حديث ابن عباس بإسناد صحيح، والطبراني من حديث أنس (٣)، والخطيب في "التاريخ" من وجه آخر موضوع) (٤) (٥).
следующие страницы →