← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

رَبِّكَ﴾ (١). والجواب: أنَّ الأمر لا يقتضي الفور، كما سبق. قال الإمام والآمدي: ولو سلمناه لكن المراد هو القرآن، إذ هو الذي يُطلق عليه القول بأنه منزل (٢). قلت: وفي الفرق بين تبليغ القرآن وغيره نظرٌ. وقد يقال: قال المصنف في أول الفصل: "وفيه مسائل"، ولم يُورد سوى اثنتين، وهذا التنبيه. ويجاب: بأن التنبيه هو الثالثة، وليس يشترط أن تُصَدَّر المسألة بلفظ: الثالثة. أو أنه ذكر في الثانية مسألتين: تأخير البيان عن وقت الحاجة، وعن وقت الخطاب. والاشتغال بمثل هذا مما يُضيع الوقت، ولا يُحَصِّل فائدة.

стр. 1962

الفصل الثالث: المبيَّن له

стр. 1963

قال: (الفصل الثالث: في المبيَّن له . إنما يجب البيان لمن أُريد فهمُه للعمل، كالصلاة. أو الفتوى (١)، كأحكام الحيض). يجب البيان لمن أُريد فهمه؛ لأن تكليفه بالفهم بدون البيان تكليف بالمحال، ولا يجب بيانه لغيره؛ إذ لا تعلق له به. ثم إرادة الفهم قد تكون للعمل بما تضمنه المجمل، كآية الصلاة. وقد تكون للإفتاء به، كآية الحيض، فإنَّ تفهيم المجتهدين ذلك إنما هو لإفتاء النساء به. هذا ما ذكره المصنف تبعًا للإمام، والإمام تَبِع فيه أبا الحسين (٢). وفيه نظر مِنْ وجهين: أحدهما: إطلاق قوله: "يجب البيان لمن أُريد فهمه" - يُشعر بأنه يجب على الله تعالى، وهذا إنما يقوله المعتزلة، فهي عبارة رَدِّية، والأَوْلى التعبير: بأن البيان لمن أُريد فهمه لا بد من وقوعه. والثاني: أن فيه إشعارًا بأنه لا يجب على النساء تحصيل العلم بما كُلِّفْن به (٣)، وليس كذلك بل النساء والرجال سواء في ذلك (٤).

стр. 1964

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1965

الباب الخامس: في الناسخ والمنسوخ الفصل الأول: النسخ

стр. 1966

قال: (الباب الخامس: في الناسخ والمنسوخ . وفيه فصلان: الأول: في النسخ. وهو: بيان انتهاء حكمٍ شرعي بطريقٍ شرعي متراخٍ. و (١) قال القاضي: رفع الحكم. وَرُدَّ: بأن الحادث ضد السابق، فليس رَفْعه بأولى من دَفْعه). النسخ في اللغة يطلق على: الإزالة، (ومنه) (٢) نَسَخَت الريحُ أثر القدم، أي: أزالَتْه. وعلى النقل والتحويل، ومنه: نَسَخْتُ الكتاب، أي: نقلته (٣). وهو المَعْنِيُّ بقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٤) (٥). ومنه المناسخات: وهي انتقال المال مِنْ وارث إلى وارث (٦). ثم قال القاضي والغزالي: إنه مشترك بينهما (٧). وقال أبو الحسين:

стр. 1967

إنه (١) حقيقة في الإزالة (٢). وقال القفال: حقيقة في النقل (٣) (٤). وأما في الاصطلاح فقال صاحب الكتاب: "هو بيان انتهاء حكمٍ شرعي بطريق شرعي متراخ". فقوله: "بيانٌ" جنس يدخل فيه المحدود وغيره. وبإضافته إلى الانتهاء خرج بعض التخصيصات، والتقييدات، ونحو ذلك مما ليس فيه معنى الانتهاء. وقوله: "حكم شرعي" يُخْرِج بيانَ انتهاء حكمٍ عقلي كالمباح الثابت بالبراءة الأصلية عند القائل به، فإنه لو حُرِّم فَرْدٌ من تلك الأفراد لم يسم نسخًا. وقوله: "بطريق شرعي" يُحْترز به عن الطريق العقلي، كالموت؛ فإنه إذا وقع تبيَّن به انتهاء الحكم الشرعي، ولا يُسمى نسخًا في الاصطلاح.

стр. 1968

وكمن سقط رجلاه، لا يقال: نُسخ عنه غَسْل الرجلين. وما قاله: الإمام في المخصِّصات (١) مِنْ أنه نَسْخٌ - واهٍ بلا ريب (٢). وقوله: "متراخ" يُخْرج البيانَ المتصل بالحكم: كالاستثناء، والشرط، والصفة، وغير ذلك. وقال القاضي: النسخ: هو الخطاب الدالُّ على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجهٍ لولاه لكان ثابتًا مع تراخيه عنه. هذه عبارته في "مختصر التقريب" (٣)، وهو معنى قول المصنف: "وقال القاضي: رَفْع الحكم"؛ فإن التشاجر بين التعريفين إنما هو في لفظ: الرفع، والبيان. وقد وافق القاضي على هذا الشيخُ أبو إسحاق الشيرازي، والغزالي، والآمدي، وابن الحاجب (٤). ورُدَّ قول القاضي: بأنَّ الحكم الحادث ضد السابق، وليس رَفْع الحادث للسابق بأولى مِنْ دَفْع السابق للحادث، بل دَفْع السابق للحادث

стр. 1969

أولى؛ (إذ الدفع أَوْلى) (١) من الرفع (٢). وهذا الرد هو المذكور في الكتاب. وقد أُجيب عنه: بأنَّ رَفْع الحادث للسابق أوْلى من العكس، بدليل أن عند وجود العلة (٣) التامة لعدم الشيء، أو لوجوده، (المنافية لوجوده أو لعدم (٤)؛ ضرورة أن علة عدم الشيء منافية لوجوده) (٥) وعلة وجود الشيء منافية (لعدمه - يحصل) (٦) عدمُه (٧)، أو وجودُه قطعًا، ولولا الأولوية لامتنع حصولُه (٨) (٩).

стр. 1970

وقد أُورد على القاضي غير ما ذكره المصنفُ مِنْ ساقط ومتماثل (١) ولا نرى في التطويل بذكره كبير (٢) فائدة (٣). واعْتُرِض على التعريف الذي ارتضاه في الكتاب بوجوه: أحدها: أنه غير جامع؛ لأن المنسوخ قد لا يكون حكمًا شرعيًا، بل خبرًا، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وهذا الاعتراض ضعيف؛ لأن المنسوخ في الحقيقة إنما هو الحكم الثابت بالخبر، لا نفس الخبر. والثاني: أنه غير مانع؛ لأنه منطبق على قول الراوي: "هذا منسوخ"، مع أنه ليس كذلك، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وفيه نظر؛ لأن قول الراوي: نُسِخ حكم كذا - ليس بيانًا للانتهاء، وإنما هو إخبارٌ عَنْ وجودِ ما زَعَم أنه بيان للانتهاء (٤).

стр. 1971

والثالث: أن الأمة إذا افترقت إلى فرقتين جاز للعامِّيِّ الأخذ بقول أيِّ فرقة شاء. ثم إذا أجمعوا على أحد القولين تَحَتَّم عليه الأخذُ بالمُجْمع عليه، مع أنه ليس بنسخ؛ لأن الإجماع لا يُنْسخ ولا يُنْسخ به (١) (٢). قال (٣): (وفيه مسائل: الأولى: أنه واقع وأحالته اليهود . لنا: أن حُكْمه إنْ (٤) تَبِع المصالح فيتغير بتغيرها، وإلا فله أن يفعل ما يشاء. وأن

стр. 1972

نبوة محمد ﷺ ثبتت بالدليل القاطع وقد نَقَل قولَه: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾. وأنَّ آدم ﵇ زَوَّج بناتِه مِنْ بنيه، والآن محرمٌ اتفاقًا). أجمع المسلمون على جواز النسخ، وذهبت فئة من المنتمين إلى الإسلام منهم أبو مسلم الأصفهاني (١) إلى مَنْع النسخ؛ هَرَبًا مِن البَدَاء (٢)، واعتقادًا منهم أنَّ النسخ يؤدي إليه (٣).

стр. 1973

وأما اليهود لعنهم الله فمنهم مَنْ أنكر جوازَه عقلًا ووقوعَه شرعًا (١). ومنهم من أنكر وقوعه فقط (٢). وذهبت العِيسوية منهم: وهم أصحاب أبي عيسى الأصفهاني (٣)، المعترفون بصحة نبوة نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام، لكن إلى بني إسماعيل ﵇ وهم العرب خاصة - إلى

стр. 1974

جوازه عقلًا ووقوعه سمعًا (١). واعلم أنه لا يحسن ذِكْر هؤلاء المُبْعَدِين في وفاق ولا خلاف، ولكن السبب في تحمل المشقة بذكرهم التنبيه على أنهم لم يخالفوا جميعًا في ذلك (٢). وأما مَنْ أنكره من المسلمين فهو مُعْتَرِفٌ بمخالفة شرع مَنْ قبلنا (لشرعنا في كثيرٍ من الأحكام، ولكنه يقول: إنَّ شرع مَنْ قبلنا) (٣) كان مُغَيًّا إلى غايةِ ظهوره ﵇، وعند ظهوره ﷺ زال التعبد بشرع مَنْ قبله لانتهاء الغاية، وليس ذلك من النسخ في شيء، بل هو جارٍ مجرى قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، وحينئذ لا يلزم من إنكار النسخ إنكار نبوة محمد ﷺ (٤).

стр. 1975

وقد ذَكَر في الكتاب مِنْ أدلتنا على النسخ أوجهًا ثلاثة: الأول: وهو دليل على الجواز فقط، أنَّ حكم الله تعالى إما أنْ يتبع المصالح، كما هو رأي المعتزلة (١)؛ فيلزم أن يتغَيَّر بتغير المصالح، فإنا على قَطْع بأن المصلحة قد تتغير بحسب الأشخاص والأوقات والأحوال. وإما أن لا يتبع المصالح (٢) - فله أن يحكم ما يشاء ويفعل ما

стр. 1976

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1977

يريد (١). والثاني: أن نبوة سيدنا محمد ﷺ ثبتت بالبراهين القاطعة، التي لا يقبلها شك، ولا يداخلها ريب، وقد نَقَل لنا عن الله تعالى أنه قال: ﴿مَا

стр. 1978

نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (١)، وصحة التمسك بالقرآن إنْ توقفت على صحة النسخ عاد الأمر إلى أن نبوة محمد ﷺ إنما تصح مع القول بالنسخ، ونبوته صحيحة قطعًا فدل على صحة النسخ (٢). وإن لم تتوقف عليها - صَحَّ الاستدلال بهذه الآية على جواز النسخ (٣). وفي هذا الاستدلال نظرٌ ذَكَره الإمام في "التفسير"، وتقريره: أن ﴿مَا نَنْسَخْ﴾ جملةٌ شرطية معناها: إنْ ننسخ. وصِدْق الملازمة بين الشيئين لا يقتضي وقوعَ أحدِهما، ولا صحةَ وقوعه، ومنه قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ

стр. 1979

فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (١) (٢). وذَكَر القاضي في "مختصر

стр. 1980

التقريب" (١) مع (٢) قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ﴾ (٣) (قوله تعالى) (٤) ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ (٥)، وهذه الآية سالمةٌ عن النظر الذي ذكره الإمام؛ لأن "إذا" لا تدخل إلا على المتحقِّقِ وقوعُه. وذَكَر أيضًا قولَه تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ (٦)، وقال: "لهم على هذه الآيات أسئلة وتمويهات يسهل مَدْركها" (٧). قلت: ومن التمويهات في ذلك قولُ قائلهم: اليهود لا تعتقد نبوة محمد ﷺ ، فالاستدلال عليهم بذلك - استدلالٌ على الخصم بدليل لا يسلِّم مقدِّماته. وهذا ساقط؛ فإن الخصم إنما لا يُعترض عليه بما لا يعتقده إذا كان ذا (٨) شبهة فيه (٩)، وأما ما ليس فيه شبهة لِمُشَكِّك (١٠)، بل هو ثابتٌ

стр. 1981

ثبوت المحسوسات - فلا (١) يُلتفت إلى عدم اعتقاده فيه. والثالث: مما يدل على وقوع النسخ: أنه وَرَد في التوراة: أن آدم ﵇ كان مأمورًا بتزويج بناته من بنيه (٢). وهو الآن محرم بالاتفاق، ولا نعني بالنسخ إلا ذلك. فإن قلتَ: يجوز أن يكون هذا شَرْعٌ لبني آدم إلى غاية معلومة، وهي (٣) ظهور شريعة أخرى، ومثل هذا لا يكون نسخًا. قلتُ: أمْر آدم كان مطلقًا، وتقييده في عِلْم الله لا ينافي النسخ، فإنه تعالى إذا أمر بالفعل مطلقًا - فهو عالم بأنه سينسخه، والوقتِ الذي فيه بنسخه، فتقييده في عِلْم الله تعالى لا يُخْرجه عن حقيقة النسخ. ولقائل أن يقول: تحريم ذلك في حقنا إنما يكون نسخًا أن لو ثبتت الإباحة قبل ذلك، وهي لم تثبت إلا في حق بنى آدم لصلبه، وثبوتها في حق أولئك لا يُوجب ثبوتَها في حقنا، وهي لم ترتفع في حق أولئك، فأين النسخ! . قال: (قيل: الفعل الواحد لا يحسن ويقبح. قلنا: مبني على فاسد، ومع هذا فيحتمل أن يحسن لواحد أو في وقتٍ، ويقبح لآخر أو في آخر).

стр. 1982

احتج مانعو النسخ: بأن الأمر بالشيء يقتضي حسنه، والنهي عنه يقتضي قبحه، فيلزم من وقوع النسخ اجتماعُ الضدين، أعني: الحسن والقبح، وهو محال. أجاب: بأن (١) هذا مبني على فاسدٍ، وهو قاعدة التحسين والتقبيح، ومع هذا - أي: ولو سلمنا صحة تلك القاعدة - فيحتمل أن يحسن لواحد، ويقبح لآخر. أو يحسن له في وقت، ويقبح عنده في وقت آخر؛ وذلك لأن المصلحة كما تَقَدَّم تتغير بتغير الأوقات والأشخاص (٢). قال: (الثانية: يجوز نسخ بعض القرآن (٣)، ومنع أبو مسلم الأصبهاني (٤). لنا: أن قوله تعالى: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ (٥) نُسخت

стр. 1983

بقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (١). قال: قد تعتد الحامل بسنة. قلنا: لا بل تعتد (٢) بالحمل، وخصوص السَّنَة لاغٍ. وأيضًا تقديم (٣) الصدقة على نجوى الرسول وَجَبَ بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ (٤) الآية، ثم نُسخ. قال: زَالَ لِزَوال سَبَبِه، وهو التمييز بين المنافق وغيره. قلنا: زال كيف كان. احتج بقوله تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ﴾ (٥). قلنا: الضمير للمجموع). اللائق بهذه المسألة أن تُذكر في الفصل التالي لهذا الفصل الذي أودعه: ما يَنْسخ، وما يُنْسخ. وحاصلها: أن نسخ جميع القرآن ممتنع إجماعًا، كما صرح به بعضهم (٦)، وأشار إليه المصنف في آخر المسألة، وكذا الإمام في أثنائها (٧). وأما نسخ بعضه - فجائز، ومنع منه (٨) أبو مسلم الأصبهاني، كما

стр. 1984

نقله عنه (١) الإمام وأتباعه (٢) منهم المصنف. وقد تقدم النقل عنه أنه منع وقوعَه مطلقًا. واحتج في الكتاب بوجهين: أحدهما: أن الله تعالى أمر المتوفى عنها زوجها بالاعتداد حولًا في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ (٣)، ثم نُسخ ذلك بأربعة أشهر وعشرًا. وقال أبو مسلم: الاعتداد بالحول لم يَزُل بالكلية؛ لأنها لو كانت حاملًا، ومدة حملها حولٌ كامل - لكانت عدتها حولًا كاملًا، وإذا بقي هذا الحكم في بعض الصور كان تخصيصًا لا نسخًا (٤). وأجاب في الكتاب: بأنا نمنع أن الحامل قد تعتد بسنة، بل إنما تعتد بوضع الحمل، سواء حصل لسنةٍ، أم أقل، أم أكثر، وخصوص السنة إنْ وَقَع لاغٍ لا عبرةَ به. وهو (٥) جواب صحيح، إلا أنَّ أبا مسلم لم يَدَّعِ عدمَ النسخ في الآية بهذا التقرير المذكور، بل بتقريرٍ غيره.

стр. 1985

فنقول: اختلف العلماء في هذه الآية: فذهب جمهور المفسرين إلى أنها منسوخة (١) بقوله: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (٢)، كما ادعاه الأصوليون (٣)، وهو الذي رواه البخاري في الصحيح عن ابن عباس (٤). وذهب مجاهد (٥)، كما رواه البخاري بسنده إليه: إلى أنها غير منسوخة، وأنها إن لم تختر السكنى (٦) كانت عدتها أربعة

стр. 1986

أشهرٍ وعشرًا، كما في إحدى الآيتين. وإن اختارت اعتدت بحول، كما في الآية الأخرى، فَحَمَل الآيتين على حالتين (١) (٢).

стр. 1987

وذهب أبو مسلم الأصبهاني (١) إلى قولٍ ثالث: وهو أن معنى الآية: أن الذين يُتوفون إنْ كانوا قد وصُّوا وصيةً لأزواجهم بنفقةِ الحول، وسكنى الحول - فالعدة بالحول. فإنْ خرجن قبل ذلك، وخالفن وصيةَ الزوج بعد المدة التي ضربها الله تعالى لهن - فلا حرج فيما فعلن في أنفسهن من معروف، أي: نكاحٍ صحيح؛ لأن إقامتهن بهذه الوصية غير لازمة. قال: والسبب في ذلك أنهم كانوا في زمان الجاهلية يُوصون بالنفقة والسكنى حولًا كاملًا، وكان يجب على المرأة الاعتداد بالحول، فَبَيَّن الله تعالى في هذه الآية أن ذلك غير واجب. وعلى هذا التقدير فالنسخ زائل عند أبي مسلم، ولكن ليس بالطريقة المتقدمة من أن الحامل قد تعتد بسنة، وحينئذ لا يصح الاستدلال بالآية عليه (٢). وقوله هذا هو الذي اختاره الإمام في "التفسير" وقال: إنه في غاية الصحة (٣). وقد وافق والدي أطال الله بقاه (٤) مجاهدًا وأبا مسلم على أن الآية غير منسوخة، وذهب إلى رأي رابع ارتضاه: وهو أن الله تعالى أنزل في المتوفى عنها زوجها آيتين: إحداهما: آية العدة بأربعة أشهر وعشرًا.

стр. 1988

والثانية: آية الوصية، ومعناها: أنه تعالى جَعَل (١) للأزواج وصيةً منه سكنى حول كاملٍ بعد وفاة أزواجهن، سواء أوصى (٢) الزوج بذلك أم لم يوص، وهذا هو ظاهر الآية فلا يُخرج عنه بلا دليل (٣). الوجه الثاني: أنه تعالى أمر بتقديم الصدقة بين يدي نَجْوى الرسول ﷺ في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ (٤)، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ (٥) الآية. قال الواحدي: أجمعوا على أنها منسوخة الحكم بها. واعترض أبو مسلم: بأن ذلك إنما زال لزوال سببه، وهو التمييز بين المنافق وغيره؛ لأن المؤمن يمتثل والمنافق يخالف، فلما حصل بعد ذلك التمييز سقط الوجوب. وأجاب (٦): بأن المُدَّعى إنما هو زوال الحكم بعد ثبوته، سواء كان لزوال سببه، أم لم يكن؛ لأن ذلك معنى النسخ.

стр. 1989

وهو جواب ضعيف من وجهين: أحدهما: أنه سيأتي في كلامه - إن شاء الله تعالى - أن زوال الشيء لزوال سببه أو شرطه ليس بنسخ. والثاني: أنه إنْ (١) أراد التمييز للنبي ﷺ فهو ﵇ كان عالمًا بأعيانهم، وسَمَّاهم لحذيفة بن اليمان صاحب سره. وإن أراد التمييز للصحابة فلا نُسَلِّم حصولَ التمييز لهم، كيف وقد قيل: ما كانت إلا ساعةً من نهار حتى (٢) نسخت. ومن البعيد حصول التمييز في ساعةٍ واحدة. بل الجواب: أن الإجماع قد قام على أنها منسوخة، كما حكيناه عن الواحدي، وأن التمييز لا يحصل في ساعة من نهار كما ذكرناه. وأما قول الإمام في الجواب: لو كان كذلك (٣) لكان من لم يتصدق صار (٤) منافقًا، وهو باطل لأنه رُوي أنه لم يتصدق غير علي ﵁، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ (٥) (٦) - فهو ضعيف (٧)؛ لأن عدم الصدقة إنما يدل على النفاق لو وجدت النجوى معه،

стр. 1990

وذلك لم يُوجد لأنه لم يناج أحدٌ من الصحابة بدون التصدق، بل لم يصح (أنَّ أحدًا ناجاه) (١) غير علي ﵁. وأما علي فقيل: لم يصح أنه ناجاه، واحْتُجَّ بذلك على جواز نسخ الحكم قبل العمل به. وهذا يشهد له قوله تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ إذا جعلتَ إذ على بابها (٢)، والمعنى: أنكم تركتم ذلك فيما مضى. ولكن روى ليث عن مجاهد قال: قال علي بن أبي طالب ﵁: "إن في كتاب الله لآيةً ما عمل بها أحدٌ قبلي ولا يَعْمل بها أحد بعدي آية النجوى، كان عندي دينار، فبعته بعشرة دراهم، فناجيت النبي ﷺ ، فكنت كلما ناجيت النبي ﷺ قدمتُ بين يدي نجواي درهمًا، ثم نُسِخت فلم يَعْمل بها أحدٌ" (٣). وعلى هذا يجب إخراج "إذْ" عن بابها (٤)، وإما أن تكون بمعنى إذا، كما قيل في: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ﴾ (٥)، وإما أن تكون بمعنى إن الشرطية. وسواء أصح (٦) المنقول عن علي، أم لم يصح -

стр. 1991

فعدم الصدقة إنما كان لعدم النجوى (١)، فلا يحصل الجواب بما ذكره الإمام. فإن قلت: كيف لم يعمل غيرُ عليٍّ مِنْ أكابر الصحابة - بالآية قبل نسخها، كأبي بكر، وعمر، وعثمان (٢) ﵃. قلت: إن صَحَّ أنهم لم يعملوا بها - فإما لسرعة نسخها، وإما لأنهم فهموا أن المقصود الكفُّ عن المناجاة تعظيمًا للرسول ﷺ ؛ لأن سبب نزول الآية: أن المسلمين أكثروا المسائل على رسول الله ﷺ حتى شقوا عليه، وأراد الله أنْ يُخفف عن نبيه. كذا ذكره حبر الأمة ابن عباس ﵄ (٣)، فيكون كَفُّهم عن المناجاة مبالغةً في التعظيم. فإنْ قلتَ: لِمَ لا فَعَل عليٌّ ﵁ ما فعلوه مبالغةً في التعظيم؟ قلت: لعل (٤) الضرورة ألجأته إلى المناجاة، وذلك غير مستبعد؛ لأنه كان قريبه الأقرب، وزوج ابنته، والعادة تقتضي (٥) بأن يكون أحوج إلى مناجاته ﷺ . واحتج أبو مسلم: بأنه تعالى وصف كتابه بأنه: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ

стр. 1992

بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ (١)، فلو نُسخ لأتاه الباطل. وأجاب المصنف: بأن الضمير في ﴿يَأْتِيهِ﴾ عائد إلى مجموع القرآن، أعني: الهيئة الاجتماعية. لا لجميعه، أعني: كلَّ فردٍ فردٍ (٢)، سواء كان مجتمعًا مع غيره أم لم يكن. وإذا كان عائدًا إلى المجموع - لم يكن دليلًا على محل النزاع؛ لأن مجموع القرآن لا يُنسخ اتفاقًا كما سلف، وإنما الكلام في بعضه. وفي هذا الجواب نظر من وجهين: أحدهما: أنَّك لِمَ قلتَ بعوده لمجموعه دون جميعه، ولم لا كان العكس (٣)! الثاني: أن الضمير في "يأتيه" عائدٌ إلى القرآن، والقرآن من الألفاظ المتواطئة يطلق على كله وعلى بعضه، كما تقدم في الحقيقة (والمجاز، فليس حَمْله على الكل بأولى من حمله على البعض) (٤). فإن قلت: ولا حَمْلُه على البعض أيضًا بأولى من العكس، وحينئذ يبطل استدلال أبي مسلم بالآية؛ لما ذُكِر مِنْ أنَّ الحمل على واحد يقتضي

стр. 1993

الترجيح من غير مرجِّح. قلت: الحمل على البعض أولى؛ لوقوع الاتفاق عليه، إذْ مَنْ حمل على الكل حمل على البعض، من غير عكس (١). وقد أجاب الإمام: بأن المراد أن هذا الكتاب لم يتقدمه من كتب الله تعالى ما يُبطله، ولا يأتيه مِنْ بعده (٢). وأجاب غيره: بأن النسخ ليس باطلًا، بل (٣) هو حق (٤)، والباطل يضاد الحق، فوجب حمل الباطل على غير النسخ، وكلا الجوابين صحيح حسن (٥).

стр. 1994

قال: (الثالثة: يجوز نسخ الوجوب قبل العمل خلافًا للمعتزلة) . كل نسخ على التحقيق فهو واقع قبل الفعل (١)، فإنه إنما يَرِد على مستقبل الزمان دون ماضيه، وهذا واضح. وإنما الخلاف في أنه هل يجوز أن يُقال: صَلِّ غدًا ركعتين. ثم إنه ينسخه قبل مجيء الغد؟ فجوَّز ذلك الجماهير من أصحابنا (٢)، وخالفت المعتزلة (٣)، وكثير من

стр. 1995

الحنفية، والحنابلة (١). وهذه هي المسألة الملقَّبة: بنسخ الشيء قبل حضور وقت العمل به (٢). والمصنف عبر عنها: بنسخ الوجوب قبل العمل. وهذا يُوهم اختصاصَ المسألة بالوجوب، وليس كذلك. والتعبير الأول غير وافٍ بالمقصود أيضًا؛ لأنه قد يقال: إنه لا يتناول ما إذا حضر وقتُ العمل به، لكنه لم يمض مقدارُ ما يسعه. وهذه الصورة من صور النزاع. وقد يَعْتذر المُعَبِّر بهذه العبارة: بأنه لا يُتصور حضورُ وقت العمل به إلا إذا مضى ما يسعه. ولو عَبَّر عنها: بنسخ الشيء قبل (٣) مُضِيِّ مقدارِ ما يسعه مِنْ وقته - لتناول (٤) جميع صور النزاع من غير شك (٥).

стр. 1996

وعلى هذا يجوز النسخ بعد مضي مقدار ما يسعه، وإن لم يكن قد فعل المأمور به (١). قال الهندي: "وفي بعض المؤلفات القديمة: أن بعضهم كالكرخي خالف فيه أيضًا، وقال: لا يجوز النسخ قبل الفعل، سواء مضى من الوقت مقدارُ ما يسعه أم لم يمض" (٢). والمصنف أطلق قوله: "قبل العمل"، وهو يقتضي أن الخلاف جارٍ من غير فرق بين الوقت، وما قبله، وما بعده. فأما قبله، وفي معناه ما إذا دخل ولكن لم يمض زمنٌ يسع الفعل (٣) -

стр. 1997

فقد عرفتَ أنه محل النزاع. وأما بعد خروج الوقت - قال الآمدي: "فقد اتفق القائلون بجواز النسخ على تجويزه" (١). وأما وقوع النسخ في الوقت ولكن بعد التمكن من فعله - فقد عرفتَ أنه داخل تحت صور النزاع بما حكاه الهندي عن الكرخي. ولكن صَرَّح ابن بَرْهان في "الوجيز" في أواخِر المسألة: "بأن النزاع لم يقع في جواز النسخ بعد التمكن من الفعل، وإنما وقع في النسخ قبل التمكن من الفعل" (٢)، وكذلك الآمدي في أثناء الاستدلال، فإنه قال: "والخلاف إنما هو فيما قبل التمكن لا بعده" (٣). تنبيه: ذكره الهندي: "اعلم أنَّ كل (٤) مَنْ قال: إنَّ المأمور لا يَعْلم كونه مأمورًا قبل التمكن من الامتثال (٥) - يلزمه أن يقول بعدم جواز النسخ قبل

стр. 1998

التمكن من الامتثال؛ إذ النسخ قبله على هذا التقدير يُبَيِّن (أن لا أمر) (١) في نفس الأمر، وإن كنا نتوهم وجوده والنسخ يستدعي تَحَقُّقَ الأمر السابق، فيستحيل النسخ عند عدمه. وأما مَنْ لم يقل بذلك (٢) - فجاز أن يقول بجوازه، وأن لا يقول بذلك؛ لما يظهر له مِنْ دليل يخصه. ويتضح عند هذا أن هذه المسألة ليست فرعَ تلك المسألة على الإطلاق، أعني: في الجواز وعدم الجواز، كما وقعت إليه الإشارة في كلام الغزالي (٣)، بل في عدم الجواز فقط" (٤). قال: (لنا: أن إبراهيم ﵇ أُمر بذبح ولده بدليل: ﴿افْعَلْ مَا

стр. 1999

تُؤْمَرُ﴾ ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (١)، فنسخ قَبْله. قيل: تلك بناء على ظنه. قلنا: لا يخطئ ظنه. قيل: امتثل: فإنه قطع فَأَوْصَلَ (٢). قلنا: لو كان كذلك لم يحتج إلى الفداء. قيل: الواحد بالواحد في الواحد لا يُؤمر ويُنهى. قلنا: يجوز للابتلاء). استدل أصحابنا على الجواز بالوقوع في قصة الذبيح ﵇، قالوا: وذلك أن الله تعالى أمر إبراهيم ﵇ بذبح ولده، ثم نَسَخ ذلك قبل الفعل. أما أنه أَمَره بالذبح - فلثلاثة أوجه: أحدها: قول ولده: ﴿يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ (٣)، جوابًا لقوله: ﴿يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ (٤)، فإن قوله؛ ﴿مَا تُؤْمَرُ﴾ لا بد وأن يعود إلى شيء، وليس ثَمَّ غير ﴿أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾؛ فوجب صَرْفه إليه. والثاني: قوله تعالى حكايةً عن إبراهيم ﵇: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ - يدل (٥) على أن المأمور به هو الذبح؛ لأن مقدِّمات الذبح لا تُوصف بذلك.

стр. 2000

فإنْ قلتَ: متى لا تُوصف بذلك: مع العلم بعدم وجوب الذبح، أو مطلقًا؟ والأول مسلَّم، والثاني ممنوع؛ وهذا لأن الأمرَ بإضجاع الولد، وأَخْذَ المُدْية المستفادَ من الأمر بالذبح، مع غَلَبة الظن بأن الذبح سيؤمر به - بلاءٌ (١) مبين. قلت: متى غلب على ظنه شيءٌ فهو الواقع في نفس الأمر؛ إذ هو نبي فلا يخطئ ظنه. والثالث: قوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (٢)، ولو لم يُؤمر بالذَّبح لما احتاج إلى الفداء. وأما كونه نُسخ قبل الفعل - فلأنه لو لم يُنسخ لذَبَح؛ ضرورةَ أنه ﵇ لا يُخِلُّ بأمر رَبِّه، لكنه لم يَذْبَح فدل على أنه نُسِخ. ولم يستدل المصنف على هذا؛ لظهوره. واعترض الخصم أوَّلًا: بأنا لا نسلِّم أنه كان مأمورًا الذبح، وإنما كان مأمورًا بالمقدِّمات، فظَنَّ أنه أُمر به. والدلائل التي تمسكتم بها إنما هي بناءًا على ظنِّه. وأجاب في الكتاب: بأن ظنون الأنبياء مطابقة، يستحيل فيها الخطأ. واعترض ثانيًا: بأنا سلمنا أنه أُمر بالذبح، لكن لا نسلم أنه نُسِخ قبل
следующие страницы →