وعلى هذا يجوز النسخ بعد مضي مقدار ما يسعه، وإن لم يكن قد فعل المأمور به (١). قال الهندي: "وفي بعض المؤلفات القديمة: أن بعضهم كالكرخي خالف فيه أيضًا، وقال: لا يجوز النسخ قبل الفعل، سواء مضى من الوقت مقدارُ ما يسعه أم لم يمض" (٢).
والمصنف أطلق قوله: "قبل العمل"، وهو يقتضي أن الخلاف جارٍ من غير فرق بين الوقت، وما قبله، وما بعده.
فأما قبله، وفي معناه ما إذا دخل ولكن لم يمض زمنٌ يسع الفعل (٣) -
стр. 1997
فقد عرفتَ أنه محل النزاع.
وأما بعد خروج الوقت - قال الآمدي: "فقد اتفق القائلون بجواز النسخ على تجويزه" (١).
وأما وقوع النسخ في الوقت ولكن بعد التمكن من فعله - فقد عرفتَ أنه داخل تحت صور النزاع بما حكاه الهندي عن الكرخي. ولكن صَرَّح ابن بَرْهان في "الوجيز" في أواخِر المسألة: "بأن النزاع لم يقع في جواز النسخ بعد التمكن من الفعل، وإنما وقع في النسخ قبل التمكن من الفعل" (٢)، وكذلك الآمدي في أثناء الاستدلال، فإنه قال: "والخلاف إنما هو فيما قبل التمكن لا بعده" (٣).
تنبيه:
ذكره الهندي: "اعلم أنَّ كل (٤) مَنْ قال: إنَّ المأمور لا يَعْلم كونه مأمورًا قبل التمكن من الامتثال (٥) - يلزمه أن يقول بعدم جواز النسخ قبل
стр. 1998
التمكن من الامتثال؛ إذ النسخ قبله على هذا التقدير يُبَيِّن (أن لا أمر) (١) في نفس الأمر، وإن كنا نتوهم وجوده والنسخ يستدعي تَحَقُّقَ الأمر السابق، فيستحيل النسخ عند عدمه.
وأما مَنْ لم يقل بذلك (٢) - فجاز أن يقول بجوازه، وأن لا يقول بذلك؛ لما يظهر له مِنْ دليل يخصه.
ويتضح عند هذا أن هذه المسألة ليست فرعَ تلك المسألة على الإطلاق، أعني: في الجواز وعدم الجواز، كما وقعت إليه الإشارة في كلام الغزالي (٣)، بل في عدم الجواز فقط" (٤).
قال: (لنا: أن إبراهيم ﵇ أُمر بذبح ولده بدليل: ﴿افْعَلْ مَا
стр. 1999
تُؤْمَرُ﴾ ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (١)، فنسخ قَبْله. قيل: تلك بناء على ظنه. قلنا: لا يخطئ ظنه. قيل: امتثل: فإنه قطع فَأَوْصَلَ (٢). قلنا: لو كان كذلك لم يحتج إلى الفداء. قيل: الواحد بالواحد في الواحد لا يُؤمر ويُنهى. قلنا: يجوز للابتلاء).
استدل أصحابنا على الجواز بالوقوع في قصة الذبيح ﵇، قالوا: وذلك أن الله تعالى أمر إبراهيم ﵇ بذبح ولده، ثم نَسَخ ذلك قبل الفعل.
أما أنه أَمَره بالذبح - فلثلاثة أوجه:
أحدها: قول ولده: ﴿يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ (٣)، جوابًا لقوله: ﴿يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ (٤)، فإن قوله؛ ﴿مَا تُؤْمَرُ﴾ لا بد وأن يعود إلى شيء، وليس ثَمَّ غير ﴿أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾؛ فوجب صَرْفه إليه.
والثاني: قوله تعالى حكايةً عن إبراهيم ﵇: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ - يدل (٥) على أن المأمور به هو الذبح؛ لأن مقدِّمات الذبح لا تُوصف بذلك.
стр. 2000
فإنْ قلتَ: متى لا تُوصف بذلك: مع العلم بعدم وجوب الذبح، أو مطلقًا؟ والأول مسلَّم، والثاني ممنوع؛ وهذا لأن الأمرَ بإضجاع الولد، وأَخْذَ المُدْية المستفادَ من الأمر بالذبح، مع غَلَبة الظن بأن الذبح سيؤمر به - بلاءٌ (١) مبين.
قلت: متى غلب على ظنه شيءٌ فهو الواقع في نفس الأمر؛ إذ هو نبي فلا يخطئ ظنه.
والثالث: قوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (٢)، ولو لم يُؤمر بالذَّبح لما احتاج إلى الفداء.
وأما كونه نُسخ قبل الفعل - فلأنه لو لم يُنسخ لذَبَح؛ ضرورةَ أنه ﵇ لا يُخِلُّ بأمر رَبِّه، لكنه لم يَذْبَح فدل على أنه نُسِخ. ولم يستدل المصنف على هذا؛ لظهوره.
واعترض الخصم أوَّلًا: بأنا لا نسلِّم أنه كان مأمورًا الذبح، وإنما كان مأمورًا بالمقدِّمات، فظَنَّ أنه أُمر به. والدلائل التي تمسكتم بها إنما هي بناءًا على ظنِّه.
وأجاب في الكتاب: بأن ظنون الأنبياء مطابقة، يستحيل فيها الخطأ.
واعترض ثانيًا: بأنا سلمنا أنه أُمر بالذبح، لكن لا نسلم أنه نُسِخ قبل
стр. 2001
العمل. وبيانه: أن إبراهيم ﵇ كان كلما قطع موضعًا من الحلق، وتعداه إلى غيره - أوصل الله تعالى ما تقدم قَطْعُه.
وأجاب: بأنه لو كان كذلك لم يحتج إلى الفداء؛ لأن الفداء بدلٌ، والبدل لا يُحتاج إليه مع وجود المُبْدل.
ولقائل أن يقول: لعل (١) الفداء إنما كان للحياة التي مَنَّ الله تعالى عليه بها مع حصول الذبح، لا لنفس الذبح.
واستدل الخصم: بأن قوله: "صَلِّ غدًا ركعتين" ليس موضوعًا إلا للأمر بالصلاة في ذلك الوقت لغةً وشرعًا. وقوله: "لا تصل غدًا ركعتين" ليس موضوعًا إلا للنهي عنها في ذلك الوقت لغة وشرعًا. فلو جاز أن يَرِد الأمر بشيءٍ، ثم النهي عن فعله في ذلك الوقت: لكان الشخص الواحد، بالفعل الواحد، في الوقت الواحد - مأمورًا ومنهيًا.
أجاب: بأن ذلك لا يستحيل، إلا إذا كان المقصود حصول الفعل. وأما إذا كان الغرض ابتلاء المأمور، أي: اختباره وامتحانه - فيجوز؛ فإن السيد قد يقول للعبد: اذهب غدًا إلى موضع كذا، ولا يريد الفعل، بل امتحان العبد ليتبين رياضته، ثم يقول: لا تذهب.
قلتُ: ولا يخفى أن هذه الشبهة إنما ترد إذا كان الوجوب قد نُسِخ بالتحريم، أما إذا نُسخ بالجواز - فليس الشيء مأمورًا به ومنهيًا عنه.
فإنْ قلت: الله تعالى يعلم مَنْ يمتثل ممن (٢) لا يمتثل، والاختبار إنما يكون ممن يَسْتَدْعي خَبَرًا يستفيد منه ما لم يكن عالمًا به.
стр. 2002
قلت: المراد إظهار ذلك للخلق، والتنويه (١) بذكر العبد الممتثِل بين العالَم. ألا ترى أن إبراهيم ﵇ صار له بذلك لسانُ صِدْق في الآخِرين، وربما أن بعض مَنْ كان لا يؤمن به رآه قد بادر إلى امتثال هذا الأمر المرير، فصَدَّق به وآمن، وعرف أنه على الحق المبين.
ومنهم مَنْ أجاب (٢) عن هذه الشبهة: بأنه لم يجتمع الأمر والنهي في وقتٍ واحد، بل بورود النهي انقطع تعلق الأمر. وذكر القاضي في "مختصر التقريب" هذا، وطريقةً أخرى وهي أنا نقول: "كأن الرب تعالى قال: افعل الفعل الفلاني تقربًا منك إليَّ ما دام الأمر متصلًا بك، فإذا نهيتك عنه فلا تفعله تقربًا إليَّ (٣)، ولا تقربًا إلى غيري؛ ليتبين للعبد أنه
стр. 2003
عند النهي منهيٌّ عن قصد التقرب بما أُمر به أوَّلًا - إلى الله تعالى، وهو منهيٌ عن أصل فعله أيضًا من غير قصد التقرب" (١)(٢).
فائدة:
الصحيح عند جمهور العلماء أن الذبيح هو إسماعيل ﵇، واحتجوا له بأمورٍ كلُّها ظاهرةٌ غيرُ قطعية. واستنبط والدي ﵁ من القرآن دليلًا على ذلك يقارب القطع، أو يقتضي القطع بذلك، لم يسبقه
стр. 2004
إليه أحد: وهو أنَّ البِشارة (١) التي وقعت لإبراهيم ﵇ بالولد مِنَ الله تعالى كانت مرتين:
مرةً في قوله: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ (٢)، فهذه الآية قاطعة في أن هذا (٣) المبشَّر به هو الذبيح.
وقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١) قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ (٤)، فقد صَرَّح في هذه الآية أنَّ المبشَّر به فيها إسحاق، ولم يكن بسؤال (٥) من إبراهيم ﵇، بل قالت امرأته: إنها عجوز، وإنه شيخ. وكان ذلك في الشام لما جاءت الملائكة إليه بسبب قوم لوط، وهو في أواخر أمره (٦).
стр. 2005
وأما البشارة الأولى لما انتقل من العراق إلى الشام حين كان سنه لا يُستغرب فيه (١) الولد، ولذلك سأله (٢)؛ فعلمنا بذلك أنهما بشارتان في وقتين بغلامين:
إحداهما: بغير سؤال، وهو إسحاق صريحًا.
والثانية: قبل ذلك بسؤال، وهو غيره؛ فقطعنا بأنه إسماعيل، وهو الذبيح (٣).
стр. 2006
ولا يَرِد على هذا قولُه: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (٧١) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ (١)، ووجه الإيراد: ذِكْرُ هبة إسحاق بعد الإنجاء؛ لأنا نقول: لما ذَكَر لوطًا (٢) وإسحاق هو المبشَّر به في قضية لوط - (ناسَبَ ذِكْره) (٣)، ولم يكن في الآية ما يدل على التعقيب (٤)(٥)، والبِشارة الأولى لم يكن للوط فيها ذكر. والله أعلم.
стр. 2007
واعلم أن هذه الفائدة ليس لها كبير (١) تعلق بما نحن فيه من الشرح، ولكن (لما (٢) عظم) (٣) موقعها حَسُن إيرادها.
قال: (الرابعة: يجوز النسخ بلا بدل ، أو ببدل أثقل، كنسخ وجوب تقديم النجوى، والكفِّ عن الكفار بالقتال. استدل بقوله تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ (٤). قلنا: ربما يكون عدم الحكم أو الأثقل خيرًا).
المسألة مشتملة على بحثين:
أحدهما: في جواز نسخ الشيء (٥) لا إلى بدل. ذهب إليه الجمهور، وخالف فيه قوم من أهل الظاهر، وكذلك المعتزلة، كما قال القاضي في "مختصر التقريب" (٦).
стр. 2008
واستدل الجمهور: بأن وجوب تقديم (١) الصدقة بين يدي مناجاته ﵇ نُسِخ بلا بدل.
واعلم أن الأصوليين صَدَّروا المسألة بالخلاف في الجواز، وهذا الدليل يدل على أنهم يختارون الوقوع (٢)، وهو صحيح؛ إذ الظاهر أن نسخ الصدقة قبل النجوى لا إلى بدل، وقول مَنْ قال: وجوب الزكاة هو الناسخ وهو البدل - ضعيفٌ مِنْ وجهين:
أحدهما: أنه تعالى قال: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٣)، فلو كانت الزكاة ناسخة - لزم مساواةُ الصلاة والطاعة لها، وإقام (٤) الصلاة وطاعة الله ورسوله واجبان قبل ذلك.
стр. 2009
وثانيهما: أنه يُحتاج إلى نقل التاريخ في ذلك، وهو بعيد، بل الظاهر أنه لما نُسخ عنهم وجوب الصدقة أُمروا بلزوم الواجبات التي هي (١) عليهم باقية؛ تنبيهًا على أنها هي ذروة الأمر وسنامه.
واستدل القاضي في "مختصر التقريب" على تجويز نسخ الشيء لا إلى بدل: "بأنا نُجَوِّز ارتفاع التكليف عن المخاطبين جملةً، فلأن يجوز ارتفاع عبادة بعينها لا إلى بدل أولى". قال: والمخالفون في ذلك وهم المعتزلة لا يجوزون ارتفاع التكليف (٢)؛ (فلهذا خالفونا) (٣) في هذه المسألة. فهذا هو مثار الخلاف في هذه المسألة (٤).
فائدة:
قال الشافعي في "الرسالة" في ابتداء الناسخ والمنسوخ: وليس يُنْسَخ فرضٌ أبدًا (٥) إلا إذا (٦) أُثْبِت مكانَه فرضٌ، كما نُسخت قِبْلةُ بيت المقدس
стр. 2010
فأُثْبت مكانَها الكعبةُ (١). انتهى. وظاهر هذه العبارة أنه لا يقع النسخ إلا ببدل، وليس ذلك مراده، بل هو موافق للجماهير على أنَّ (٢) النسخ قد يقع بلا بدل، وإنما أراد الشافعي بهذه العبارة (٣)، كما نبه عليه أبو بكر الصيرفي في "شرح الرسالة": أنه ينْقل مِنْ حظرٍ إلى إباحة، أو إباحة إلى حظر أو تخيير، على حسب أحوال الفروض. قال: ومَثَلُ ذلك مَثَلُ المناجاة: كان يُناجَى النبي ﷺ بلا تقديم صدقة، ثم فَرَض الله تقديم الصدقة، ثم أزال ذلك، فردهم إلى ما كانوا عليه، فإنْ شاءوا تقربوا بالصدقة إلى الله، وإنْ شاءوا ناجَوْه مِنْ غير صدقة. قال: فإذا معنى قول الشافعي: "فَرْضٌ مكان فَرْضٍ"، فتفهَّمْه. انتهى. وهذا لا يخالفه فيه الأصوليون، فإنهم يقولون: إذا نُسِخ الأمر بقوله: رفعتُ الوجوبَ، أو التحريم، مثلًا - عاد الأمر إلى ما كان عليه، وهو حكم أيضًا (٤).
البحث الثاني: يجوز عند الجمهور نَسْخ الشيء والإتيان ببدل أثقلَ منه، وخالف بعض أهل الظاهر (٥). قال ابن بَرْهان في "الوجيز": ونقل ناقلون ذلك عن الشافعي، وليس بصحيح (٦). انتهى. يعني: وليس
стр. 2011
بصحيح عنه.
ومنهم (١) مَنْ أجاز ذلك عقلًا، ومَنَع منه سمعًا (٢).
لنا: أن الكفَّ عن الكفار كان واجبًا بقوله تعالى: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ (٣)، ونحوه، ثم نُسخ بإيجاب القتال، وهو أثقل، أي: أكبر (٤) مشقة (٥).
واستدل الخصم على منعهما، أعني: النسخ بلا بدل، والنسخ ببدل أثقل: بقوله تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (٦)، فدلَّ على أنه لا بد وأن يأتي بالبدل، وهو المُدَّعى أوَّلًا. وعلى أنَّ البدل منحصر في الأَوْلى والمساوي، وهو المُدَّعى ثانيًا (٧).
وأجاب: بأن عدم الحكم قد يكون خيرًا للمكلف منه في ذلك الوقت.
واعترض الهندي على هذا: بأن العدم الصِّرْف لا يُوصف بقوله:
стр. 2012
﴿نَأْتِ﴾؛ لأن ما أتى به (فهو شيء (١).
وهو صحيح إلا أنا نقول: النسخ يُزيل الحكم، ويعيد الأمر) (٢) إلى ما كان عليه، فكان (٣) مشتملًا على الإتيان بالحكم الذي كان مِنْ قبل، ومِنْ هذا يظهر أنه أتى بشيء. وهذا إنما استفدناه من كلام الصيرفي، والأصل فيه كلام الشافعي ﵁. وهذا تقريرُ الجواب عن قولهم: لا يكون النسخ إلا ببدل. والقاضي في "مختصر التقريب" قال في الجواب عن هذه الآية: "هذا (٤) إخبارٌ عن أن (٥) النسخ يقع على هذا الوجه، وليس فيه ما يدل على أنه لا يجوز وقوع النسخ على غير هذا الوجه". قال: "وهذا واضح عند التأمل" (٦).
قلت: وهذا من القاضي يُفْهِم أنَّ محل الخلاف في الجواز، وأنه يسلِّم أن النسخ لا يقع إلا على هذا الوجه. وهذا ما اقتضاه كلام الآمدي في آخر المسألة، إذ قال: "إنْ سُلِّم امتناع وقوع ذلك شرعًا، لكنه لا يدل على عدم الجواز العقلي" (٧).
стр. 2013
وقد (١) قدمنا أن الاستدلال بآية النجوى يدل على أن الخلاف في الوقوع أيضًا (٢)، وبذلك صرَّح الهندي، إذ قال: الآية وإن لم تدل إلا على عدم الوقوع فذلك كافٍ؛ لأنه إذا ثبت عدم الوقوع ثبت عدم الجواز؛ لأن كل مَنْ يقول بالجواز قال بالوقوع، فالقول بعدم الوقوع مع (٣) الجواز قولٌ لم يقل به أحد" (٤).
والأظهر أنَّ مَنْ قال بالجواز قال بالوقوع، كما ذكره (٥) الهندي، وكلام الآمدي إنما هو على سبيل التنزل؛ إذ صَدَّر المسألة بالجواز. وقد صَرَّح الآمدي بدليلين، وقال: أحدهما: يدل على الجواز العقلي. والثاني: على الجواز الشرعي (٦).
وكلام القاضي ليس بالصريح في ذلك؛ إذْ قال بعد ذلك: "أو نقول: يعنى في الجواب قوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ (٧) يُحْمل على بعض الأحكام دون بعض" (٨). قال: "ويَقْوى ذلَك على مَنْع صيغة
стр. 2014
العموم (١) " (٢).
قلت: ومِنْ هنا يُؤخذ من كلام القاضي أن النكرة في سياق الشرط تعم، كما قدمناه في باب العموم عن إمام الحرمين؛ لقوله: "ويَقْوى ذلك على مَنْع صيغة العموم"، ومفهوم هذا أنه لا يَقْوى عند تسليمها (٣).
وأما الجواب عن استدلالهم بقوله: ﴿بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ على أن البدل مُنْحَصر في الأخف، والمساوي - فقد أجاب في الكتاب عنه بقوله: "أو الأثقل خيرًا"، يعني: أن الخير يصدق على ما هو أجزلُ ثوابًا، وأصلح لنا في المعاد، وإن كان أثقل في الحال.
ومِنَ الخصوم مَن استدل بقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٤).
стр. 2015
واقتصر المتأخرون في الجواب عن (١) الاستدلال بهذه الآية على قولهم: إن ذلك محمول على اليسر في الآخرة. وما ناسب هذا الجواب.
والحق في الجواب عن ذلك ما ذكره القاضي في "مختصر التقريب": مِنْ أنَّ ذلك إنما ورد في مخاطبة المرضى من المسلمين، لَمَّا خُفِّف الصيام عنهم (٢)، ولا تعلق له بمسألتنا (٣).
قال: (الخامسة: يُنسخ الحكم دون التلاوة، مثل قوله تعالى: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ (٤) الآية. وبالعكس (٥)، مثل ما نُقِل: "الشيخُ والشيخةُ إذا زَنَيا فارجموهما البتة". ويُنْسخان معًا، كما رُوي عن عائشة ﵂ قالت: "كان فيما (أنزل الله) (٦): عشر رضعاتٍ معلومات (٧).
стр. 2016
فَنُسِخْن بخمس").
يجوز نسخ الحكم دون التلاوة ، وبالعكس، ونسخهما معًا. وخالف في ذلك كله بعض الشاذين (١). واستدل في الكتاب لكل من الصور بالوقوع.
أما نسخ الحكم دون التلاوة: فكنسخ الاعتداد بالحول مِنْ قوله تعالى: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ بقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (٢)، وقد سبق الكلام في آية الحول، فكان الأولى التمثيل بغير هذه الآية المختلَف في أنها (هل هي) (٣) منسوخة، والآيات في هذا القسم كثيرة (٤).
وأما عكسه، أعنى: نسخ التلاوة دون الحكم: فكما روى سعيد بن
стр. 2017
المسيَّب عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "إياكم أن تَهْلِكوا (١) عن آية الرجم أن يقول قائل: "لا نجد حَدَّين في كتاب الله. فلقد رَجَم رسول الله ﷺ ، فوالذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله لكتبتُها: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة". فإنا قد قرأناها". رواه الشافعي، وهذا لفظه (٢) - وروى الترمذي نحوه، والبخاري ومسلم ما يقرب منه (٣). وروى النسائي عن أبي أُمامة أسعد بن سهل بن حُنِيف (٤) عن خالته قالت: لقد أقْرْأَناها (٥) رسولُ الله ﷺ آيةَ الرجم: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة بما قضيا من لديهما (٦) " (٧). وإسناده
стр. 2018
جيد، والمراد بالشيخ والشيخة: المحصَن والمحصَنة (١).
قلت (٢): وأنا لا يبين لي معنى قول عمر ﵁: "لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله لكتبتها"؛ إذ ظاهر هذا أن كتابتها جائزة، وإنما مَنَعه مِنْ ذلك قولُ الناس. والجائز في نفسه قد يقوم مِنْ خارجٍ ما يمنعه، وإذا كانت كتابتها جائزةً - لزم أن تكون التلاوة باقية؛ لأن هذا شأن المكتوب.
وقد يقول القائل في مقابلة هذا: لو كانت التلاوة باقيةً لبادر عمر ﵁ إلى كتابتها، ولم يُعَرِّج على مقال الناس؛ لأن مقال الناس لا يصلح مانعًا مِنْ فعل هذا الواجب.
وبالجملة: لا تبين لي (٣) هذه الملازمة، أعني: لولا قولُ الناس - لكتبتُ (٤). ولعل الله أن ييسر علينا حَلَّ هذا الأثر بمنه وكرمه (٥)، فإنا لا
стр. 2019
نشك في أن عمر رضوان الله عليه إنما نطق بالصواب، ولكنا نتهم فهمنا (١).
стр. 2020
وأما نسخهما معًا: فكما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: "كان فيما (أنزل الله) (١) عشر رضعاتٍ معلومات، فَنُسِخْنَ بخمسٍ معلومات، فتوفي رسول الله ﷺ وهي فيما يقرأ من القرآن". رواه مسلم (٢). ونحن نعلم أنه ليس في القرآن اليوم، وَأن حكمه غير (٣) ثابت.
وقد تكلم العلماء في قولها: "وهي فيما يُقرأ من القرآن"، فإن ظاهره يقتضي أن التلاوة باقية، وليس كذلك. فمنهم من أجاب: بأن المراد قارب الوفاة. والأظهر في الجواب: أن التلاوة نُسِخت أيضًا، ولم يبلغ ذلك كلَّ الناس إلى (٤) بعد وفاة رسول الله ﷺ ، فتوفي وبعضُ الناس يَقْرأها، فَيَصْدق أنه توفي وهي فيما يُقرأ (٥).
стр. 2021
واعترض الهندي: "بأن ثبوتَ نسخِ تلاوة ما هو من القرآن، وحكمِه معًا - يتوقف على كونه من القرآن، وكونه من القرآن لا يثبت بخبر الواحد، فلا يثبت به [نسخ] (١) تلاوةُ ما هو من القرآن وحكمِه معًا (٢).
قلت: والاعتراض وارد أيضًا في منسوخ التلاوة دون الحكم، فلا ينبغي أن يَقْصُره على هذا القسم.
ثم قال الهندي: "يمكن أن يُجاب: بأن القرآن المُثْبَت بين الدفتين هو الذي لا بد في نقله من التواتر، وأما المنسوخ فلا نسلم أنه لا يثبت بخبر الواحد.
سلمنا: لكن الشيء قد يثبت ضمنًا بما لا يثبت به استقلالًا (٣)، كما
стр. 2022
قال بعض الأصوليين: إذا قال الصحابي في أحد الخبرين المتواترين: إنه كان قَبْل الآخر - قُبِل، ولزم منه نسخ المتأخِّر، وإن لم يُقبل قولُه في نسخ المعلوم (١) " (٢).
ولقائل أن يقول: لا يندفع السؤال بواحدٍ من الجوابين (٣):
أما الأول: فإنا لا نعقل كونه منسوخًا حتى نعقل كونه قبل ذلك من القرآن، وكونه من القرآن لا يثبت (بخبر الواحد) (٤)، وقوله: "لا نسلم أن القرآن المنسوخ لا يثبت بخبر الواحد" - قلنا: لأن نسخه (٥) لا يكون إلا
стр. 2023
بعد ثبوت كونه من القرآن، ثم يرد النسخ بعد ذلك متأخِّرًا في الزمان، فيصدق إثبات قرآن غير منسوخ بخبر الواحد، ثم إثبات نسخه بخبر الواحد. ويُوضِّح هذا: أن قول الراوي: كانت الكلمة الفلانية من القرآن ثم نُسخت تلاوةً وحكمًا - في قوة خبرين:
أحدهما: أنها من القرآن.
والثاني: أنها منسوخة.
وكلا الخبرين لا يكفي فيه خبر الواحد (١).
وأما الثاني: ففيما نحن فيه (٢) لم يتعارض دليلان، وفيما استشهد به تعارض دليلان فلذلك رَجَّحْنا في موضع التعارض بمرجِّحٍ ما، وهو قول الصحابي: هذا متقدم (٣).
стр. 2024
وإنما الذي يظهر في الجواب عن هذا السؤال: أن زماننا هذا ليس زمان النسخ، وفي زمان النسخ لم يقع النسخ بخبر الواحد (١).
فرع:
قال الآمدي: هل يجوز بعد نسخ تلاوة الآية أن يمسها المُحْدِث، ويتلوها الجنب؟ تردد فيه الأصوليون، والأشبه المنع من ذلك (٢).
قلت (٣): الخلاف (٤) وجهان لأصحابنا، والصحيح جواز المس والحمل (٥). وقول الآمدي: إن المنع أشبه - ممنوعٌ، وذَكَر الرافعي في
стр. 2025
أول باب حد الزنا: أن القاضي ابن كج حكى عن بعض الأصحاب وجهًا أنه لو قرأ قارئٌ آية الرجم في الصلاة لم تفسد صلاته (١)، والصحيح خلافه (٢)(٣).
قال: (السادسة: يجوز نسخ الخبر المُسْتَقبل خلافًا لأبي هاشم. لنا: أنه يحتمل أن يقال: لأعاقبن الزاني أبدًا. ثم يُقال: أردتُ سنةً. قيل: يُوهم الكذب. قلنا: ونسخ الأمر يوهم البَدَاء).
هذه المسألة في نسخ الأخبار: والنسخ إما أن يكون لنفس الخبر، أو لمدلوله وثمرته.
فإن كان الأول: فإما أن تُنسخ تلاوته، أو تكليفنا بالإخبار به إذا كنا قد كُلِّفنا بأن نخبر بشيء. فهذان جائزان من غير نزاع، سواء كان ما نُسخت تلاوته ماضيًا، أم مستقبلًا. وسواءٌ كان مما لا يتغيَّر مدلوله، كالإخبار بوجود الله تعالى وحدوث العالم. أو يتغير كالإخبار بكفر زيدٍ
стр. 2026
وإيمانه؛ لأن جميع ذلك حُكْمٌ من الأحكام الشرعية، فجاز كونه مصلحةً في وقت، ومفسدةً في آخر (١)
لكن هل يجوز أن يُنسخ تكليفنا بالإخبار (عما لا يتغير، بتكليفنا بالإخبار) (٢) بنقيضه؟
قال الآمدي: قالت المعتزلة: لا يجوز؛ لأنه كذب، والتكليف به قبيح. وهذا مبني على قاعدة الحُسْن والقُبْح الباطلة عندنا. وعلى هذا فلا مانع من التكليف بالخبر بنقيض الحق (٣). هذا كلام الآمدي.
ولا يقال عليه: إن الكذب نقصٌ، ونحن نوافق على أنَّ قبحه عقلي؛ لأنا نقول: هو في هذه الصورة نقصٌ في المكلَّف - بفتح اللام - وهو المخبِر، لا المكلِّف - بكسرها - وهو الله تعالى، الآمر بالإخبار.
стр. 2027
ويجوز التكليف بما هو نقصٌ في حق العبد؛ لأن له تعالى أن يفعل ما يشاء.
وأما إنْ كان النسخ لمدلول الخبر: فإنْ كان مما لا يتغير (١) - فلا خلاف في امتناع نسخه (٢).
وإن كان مما يتغير - فهي مسألة الكتاب: ومذهب أكثر المتقدمين (٣) منهم أبو هاشم (٤) - فيها المنع، سواء كان الخبر ماضيًا (٥)، أم مستقبلًا:
стр. 2028
وعدًا أم وعيدًا، أو (١) خبرًا عن حكم، كالخبر عن وجوب الحج (٢) واختاره ابن الحاجب (٣).
وقال عبد الجبار، وأبو عبد الله، وأبو الحسين، والإمام، والآمدي (٤): يجوز مطلقًا.
وفَصَّل بعضهم فقال: إنْ كان مدلوله مستقبلًا جاز، وإلا فلا. وهذا هو الذي اختاره المصنف (٥).
وليُعْلم أنَّ محل الخلاف: فيما إذا لم يكن الخبر بمعنى الأمر أو النهي، كقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ (٦)، وقوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا
стр. 2029
الْمُطَهَّرُونَ﴾ (١)، فإنَّ هذا يجوز نسخه، ولا نعرف فيه خلافًا (٢)، ولا يتجه؛ لأنه بمعنى الأمر والنهي. قال الهندي: "وما نَقَل الإمامُ وغيرُه مِنَ الخلاف في الخبر عن حكمٍ شرعي - ليس هو هذا؛ لأن ذلك محمول على ما هو خبر في اللفظ والمعنى، وإنما مدلوله حكم شرعي. وما نحن فيه ليس إلا صيغة الخبر استُعْملت في الأمر على وجه التجوز، فهو في معنى الأمر (٣). ونحن على جزمٍ بأن الصيغة لا مَدْخل لها في تجويز النسخ وعدمه، فهو في معنى الأمر" (٤).
وقد استدل المصنف على ما اختاره: بأنه يصح أن يُقال: لأعاقبن الزاني أبدًا؛ إذ لا يلزم من وقوعه محال. ثم يقال: أردتُ سنةً واحدة، ولا نعني بالنسخ إلا هذا، فإن النسخ إخراج بعض الزمان، وهو موجود هنا.
стр. 2030
واستدل المانع: بأن نسخه يُوهم الكذب؛ إذ المتبادر منه إلى الفهم ليس إلا استيعاب المدةِ المُخْبَر بها، وإيهام الكذب قبيح.
أجاب: بأن نسخ الأمر أيضًا يقتضي أن يظن الظانُّ ظهورَ الشيء بعد خفائه، أي: فلو امتنع نسخ الخبر للإيهام - لامتنع نسخ الأمر، (ولا قائل به من المنازعين في هذه المسألة) (١). هذا ما في الكتاب.
والحق في المسألة ما ذكره القاضي في "مختصر التقريب": مِنْ أن (٢) بناء المسألة على أنَّ النسخ بيانٌ أو رفع، فمَنْ قال بالأول - جَوَّز ذلك فقال: إذا أخبر الله سبحانه عن ثبوت شريعةٍ - فيجوز أن يُخْبر بعدها فيقول: أردتُ ثبوتَها بإخباري الأول إلى هذا الوقت، ولم أُرِد أوَّلًا إلا ذلك. وهذا لا يُفضي إلى تجويز خُلْف، ولا وقوع خَبَرٍ بخلاف مُخْبَر.
وأما مَنْ قال بالثاني كالقاضي - فلا يُجَوِّز ذلك، كيف ونسخ الخبر حينئذ يستلزم الكذب قطعًا؛ لأن الخبر إنْ كان صادقًا كان الناسخ الذي رفع بعض مدلوله كاذبًا؛ ضرورةَ أنه صِدْق، وإلا فهو كاذب (٣).
وبهذا يظهر لك أنَّ مَنْ وافق القاضي على أنَّ النسخ رَفْعٌ - لا يحسن منه الذهاب إلى تجويز نسخ الأخبار (٤).
стр. 2031
الفصل الثاني: الناسخ والمنسوخ
стр. 2032
قال: (الفصل الثاني: في الناسخ والمنسوخ .
وفيه مسائل: الأولى: الأكثر على جواز نسخ الكتاب بالسنة ، كنسخ الجَلْد في حق المُحْصن. وبالعكس، كنسخ القبلة. وللشافعي ﵁ قولٌ بخلافهما. دليله في الأول: قوله تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ (١). ورُدَّ: بأن السنة وحيٌ أيضًا وفيهما بقوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ (٢). وأجيب في الأول: بأن النسخ بيان. وعُورض الثاني بقوله: ﴿تِبْيَانًا﴾ (٣)).
المراد هنا بالناسخ والمنسوخ: ما يُنْسخ وما يُنْسخ به من الأدلة.
اعلم أنه يجوز نسخ الكتاب به، والسنة المتواترة بها، والآحاد بمثله وبالمتواتر (٤). وأما نسخ الكتابِ بالسنة، والسنةِ بالكتاب - فالجمهور (٥) على جوازه، ووقوعه (٦).
стр. 2033
وذهب ابن سريج كما نقله القاضي عنه في "مختصر التقريب": إلى أنه جائز، ولكن لم يرد (١).
وذهب قومٌ إلى امتناعهما (٢)، ونُقِل عن الشافعي ﵁. وقد استنكر
стр. 2034
جماعةٌ من العلماء ذلك من الشافعي حتى قال إلْكيا الهراسي: "هفوات الكبار على أقدارهم، ومَنْ عُدَّ خطؤه عَظُم قدره. وقد (١) كان عبد الجبار بن أحمد كثيرًا ما ينصر مذهب الشافعي في الأصول والفروع، فلما وصل إلى هذا الموضع - قال: هذا الرجل كبيرٌ، لكن الحقَّ أكبر منه. قال: والمغالون في حب الشافعي لما رأوا هذا القول لا يليق بعلو قدره، كيف وهو الذي مَهَّد هذا الفن، ورَتَّبه، وأولُ مَنْ أخرجه - قالوا: لا بد وأن يكون لهذا القول مِنْ هذا العظيم مَحْمَلٌ، فتعمقوا في محامِل ذكروها"، وأورد إلكيا بعضَها.
واعلم أنهم صَعَّبوا أمرًا سهلًا، وبالغوا في غير عظيم. وهذا إنْ صح عن الشافعي - فهو غير مستنكر (٢)، وإن جَبُن جماعةٌ من الأصحاب عن نصرة (٣) هذا المذهب - فذلك لا يوجب ضعفه. ولقد صَنَّف شيخ الدنيا الإمام (٤) الجليل أبو الطيب سهل (٥) ابن الإمام الكبير المتفق على جلالته
стр. 2035
وعظمته وبلوغه (في (١) العلم المبلغ الذي يتضاءل عنده جماعة من المجتهدين أبي سهل الصُّعْلوكي) (٢) - كتابًا في نصرة هذا القول، وكذلك الأستاذان الكبيران أبو إسحاق الإسفرايني، وتلميذه أبو منصور البغدادي، وهما من أئمة الأصول والفقه، وكانا من الناصرين لهذا الرأي (٣).
قال القاضي في "مختصر التقريب": "واختلف الذين منعوا نسخ القرآن بالسنة: فمنهم مَنْ مَنَعه عقلًا. ومنهم مَنْ قال: يجوز [عقلًا] (٤)، وإنما امتنع بأدلة السمع". قال القاضي: "وهذا هو الظن بالشافعي مع علو مرتبته في هذا الفن" (٥).
ومنهم مَنْ نقل للشافعي في كلٍّ مِنْ نسخ الكتاب بالسنة وعكسه قولين، وهو ما أورده في الكتاب. والرافعي حكى في باب الهدنة (٦) وجهين