← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

الفصل الثاني: الناسخ والمنسوخ

стр. 2032

قال: (الفصل الثاني: في الناسخ والمنسوخ . وفيه مسائل: الأولى: الأكثر على جواز نسخ الكتاب بالسنة ، كنسخ الجَلْد في حق المُحْصن. وبالعكس، كنسخ القبلة. وللشافعي ﵁ قولٌ بخلافهما. دليله في الأول: قوله تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ (١). ورُدَّ: بأن السنة وحيٌ أيضًا وفيهما بقوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ (٢). وأجيب في الأول: بأن النسخ بيان. وعُورض الثاني بقوله: ﴿تِبْيَانًا﴾ (٣)). المراد هنا بالناسخ والمنسوخ: ما يُنْسخ وما يُنْسخ به من الأدلة. اعلم أنه يجوز نسخ الكتاب به، والسنة المتواترة بها، والآحاد بمثله وبالمتواتر (٤). وأما نسخ الكتابِ بالسنة، والسنةِ بالكتاب - فالجمهور (٥) على جوازه، ووقوعه (٦).

стр. 2033

وذهب ابن سريج كما نقله القاضي عنه في "مختصر التقريب": إلى أنه جائز، ولكن لم يرد (١). وذهب قومٌ إلى امتناعهما (٢)، ونُقِل عن الشافعي ﵁. وقد استنكر

стр. 2034

جماعةٌ من العلماء ذلك من الشافعي حتى قال إلْكيا الهراسي: "هفوات الكبار على أقدارهم، ومَنْ عُدَّ خطؤه عَظُم قدره. وقد (١) كان عبد الجبار بن أحمد كثيرًا ما ينصر مذهب الشافعي في الأصول والفروع، فلما وصل إلى هذا الموضع - قال: هذا الرجل كبيرٌ، لكن الحقَّ أكبر منه. قال: والمغالون في حب الشافعي لما رأوا هذا القول لا يليق بعلو قدره، كيف وهو الذي مَهَّد هذا الفن، ورَتَّبه، وأولُ مَنْ أخرجه - قالوا: لا بد وأن يكون لهذا القول مِنْ هذا العظيم مَحْمَلٌ، فتعمقوا في محامِل ذكروها"، وأورد إلكيا بعضَها. واعلم أنهم صَعَّبوا أمرًا سهلًا، وبالغوا في غير عظيم. وهذا إنْ صح عن الشافعي - فهو غير مستنكر (٢)، وإن جَبُن جماعةٌ من الأصحاب عن نصرة (٣) هذا المذهب - فذلك لا يوجب ضعفه. ولقد صَنَّف شيخ الدنيا الإمام (٤) الجليل أبو الطيب سهل (٥) ابن الإمام الكبير المتفق على جلالته

стр. 2035

وعظمته وبلوغه (في (١) العلم المبلغ الذي يتضاءل عنده جماعة من المجتهدين أبي سهل الصُّعْلوكي) (٢) - كتابًا في نصرة هذا القول، وكذلك الأستاذان الكبيران أبو إسحاق الإسفرايني، وتلميذه أبو منصور البغدادي، وهما من أئمة الأصول والفقه، وكانا من الناصرين لهذا الرأي (٣). قال القاضي في "مختصر التقريب": "واختلف الذين منعوا نسخ القرآن بالسنة: فمنهم مَنْ مَنَعه عقلًا. ومنهم مَنْ قال: يجوز [عقلًا] (٤)، وإنما امتنع بأدلة السمع". قال القاضي: "وهذا هو الظن بالشافعي مع علو مرتبته في هذا الفن" (٥). ومنهم مَنْ نقل للشافعي في كلٍّ مِنْ نسخ الكتاب بالسنة وعكسه قولين، وهو ما أورده في الكتاب. والرافعي حكى في باب الهدنة (٦) وجهين

стр. 2036

في نسخ السنة بالقرآن، أو قولين. التردد منه (١). قال: وينسب المنع إلى أكثر الأصحاب. فإذا جَرَى الخلاف في نسخ السنة بالقرآن - فليكن في العكس بطريقٍ أولى. وقال إمام الحرمين: "قَطَع الشافعيُّ جوابَه بأن الكتاب لا يُنسخ بالسنة، وتَرَدَّد قولهُ في نسخ السنة بالكتاب" (٢). قلت: وهذا هو الذي قاله في "الرسالة" فإنه قال في باب (٣) ابتداء الناسخ والمنسوخ ما نَصُّه: "لا يَنسخ كتابَ الله إلا كتابُه، كما كان المبتدِي بفرضه - فهو المزيل المثبِت لما شاء منه جل ثناؤه، ولا يكون ذلك لأحدٍ من خلقه (٤)، انتهى. ثم قال ما نصه: وهكذا سنة رسول الله ﷺ لا يَنسخها (إلا سنةُ رسول الله) (٥) ﷺ . ولو أحدث الله لرسوله في أمرٍ سَنَّ فيه (غيرَ ما سَنَّ فيه) (٦) رسولُ الله ﷺ لسنَّ فيما أحدث اللهُ إليه، حتى يُبَيِّن للناس أنَّ له سنةً ناسخة للتي قبلها مما يُخالفها (٧). انتهى. ومِنْ صَدْر هذا الكلام أخذ مَنْ نقل عن (٨) الشافعي أن السنة لا تُنسخ بالكتاب،

стр. 2037

وليس بجيد، وإنما مراد الشافعي ﵀ أن النبي ﷺ إذا سَنَّ سنةً ثم أنزل الله في كتابه ما يَنسخ ذلك الحكم - فلا بد أن يسنَّ النبيُّ ﷺ سنةً أخرى موافقةً للكتاب تَنْسخ سنتَه الأُولى؛ لتقوم الحجة على الناس في كل حكم بالكتاب والسنة جميعًا، ولا تكون سنةٌ منفردةٌ تخالف الكتاب. وقولُه: ولو أحدث الله. إلى آخره - صريحٌ في ذلك (١). وكذلك قوله بعد ذلك ما نصه: فإن قال: هل تُنسخ السنة بالقرآن؟ قيل له: لو نُسخت السنة بالقرآن - كانت للنبي ﷺ فيه (٢) سنة تبيِّن أن سنتَه الأُولى منسوخةٌ بسنته (٣) الأخيرة، حتى تقوم الحجة على الناس بأنَّ الشيء يُنسخ بمثله (٤). انتهى. وكذلك ما ذكره بعد ذلك في باب جُمَل الفرائض التي أحكم اللهُ فرضَها بكتابه، وبَيَّن كيف فَرَضها على لسان نبيه ﷺ ، فإنه قال لما تكلم على صلاة ذات الرقاع ما نصه: وفي هذا دلالةٌ على ما وصفتُ قَبْلُ (٥) في

стр. 2038

هذا الكتاب مِنْ أنَّ رسولَ الله ﷺ إذا سَنَّ سنةً فأحدث الله في تلك السنة نسخًا، أو مَخْرجًا إلى سَعَةٍ (١) منها - سَنَّ رسول الله ﷺ (بسنة (٢) تقوم) (٣) الحجة على الناس بها، حتى يكونوا إنما صاروا من سنته إلى سنته التي بعدها (٤). انتهى. فهذا هو معنى القول المنسوب إلى الشافعي، أعني: أنه لا بد أن يسن النبي ﷺ سنةً أخرى، وأكثر الأصوليين الذين تكلموا في ذلك لم يفهموا مراد الشافعي، وليس مراده إلا ما ذكرناه. واستدل المصنف على كون السنة المتواترة تَنسخ الكتابَ: بأن النبي ﷺ رجم المحصن مع شمول آية الجلد له. وفيه نظر؛ فإن هذا تخصيص لا نسخ. والمصنِّف قد ذكره بعينه مثالًا لتخصيص الكتاب بالسنة. ثم إنه ثابت بالقرآن الذي نُسخت تلاوته، وهو: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما" (٥).

стр. 2039

واستدل على أن الكتاب يَنسخ السنة: بأن التوجه إلى بيت المقدس كان ثابتًا بالسنة، ثم نُسخ بقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (١). قوله: "في ليله في الأول"، أي: دليل الشافعي في امتناع نسخ الكتاب بالسنة قوله تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (٢)، وقد استدل بها الشافعي ﵀ في "الرسالة" (٣)، ويمكن تقرير وجه الدلالة منها بطريقين: أحدهما (٤): أنه تعالى أسند للإتيان بالخير أو المِثْل إلى نفسه، وإنما يكون ذلك إذا كان الناسخ القرآن. والثاني: أنه تعالى قال: نأت بالخير أو المثل، والسنة ليست خيرًا من الكتاب، ولا مثله؛ فدل على أن (٥) الإتيان إنما هو بالقرآن. والجواب: أن السنة مُنَزلةٌ؛ إذ هي حاصلة بالوحي؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (٦)، فالآتي بها هو الله تعالى. وأما الخير أو المِثْل فالمراد

стр. 2040

بهما: الأكثر ثوابًا أو المساوي. ودليل الشافعي فيهما، أي: في نسخ الكتاب بالسنة، وفي عكسه - قولُه تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ (١). فأما نسخ الكتاب بالسنة: فلأن الآية دلت على أنَّ السنة تبيِّن جميع القرآن، بدليل قوله: ﴿مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٢) (٣)، فلو كانت ناسخة - كانت رافعةً لا مُبَيِّنةً. وأما نسخ السنة بالكتاب: فلأنها تدل على أن السنة تبيِّن القرآن، فلو كان القرآن ناسخًا للسنة (٤) - لكان القرآن بيانًا للسنة؛ فيلزم كون كلِّ واحدٍ منهما بيانًا للآخر (٥). وأجيب عن الأول: بأن النسخ لا ينافي البيان، بل هو عينه، بناءً على أنه بيانُ انتهاء الحكم. وعن الثاني: بقوله تعالى في صفة القرآن: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (٦)، فإنه يقتضي أن يكون الكتاب تبيانًا للسنة، كما أن قوله:

стр. 2041

﴿لِتُبَيِّنَ﴾ يقتضي أن تكون السنة مبيِّنةً للكتاب فلما تعارض مقتضاهما (١) - لم يكن الاستدلال بواحدٍ منهما أرجحَ مِنْ عكسه. وفي الاستدلال بقوله: ﴿لِتُبَيِّنَ﴾ على المقامين معًا نظرٌ آخر؛ لأن البيان إن لم يكن مغايرًا للنسخ لم يتجه الاستدلال به (٢) على امتناع نسخ الكتاب بالسنة، وإنْ كان مغايرًا لم يتجه أن يُستدل به على العكس. وأورد القرافي على الشافعي: بأن قوله تعالى: ﴿مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ عام في الكتاب وفي السنة؛ وإن السنة مُنَزلة أيضًا، فقد يُفهم من الآية: أنه ﵇ يُبَيِّن (٣) القرآن والسنة بغيرهما وهو خلاف الإجماع، فما تدل عليه الآية لا يقولون به، وما يقولون به لا تدل عليه الآية (٤). وقد يجاب عن هذا: بأن الآية إنما تدل على أنه يبيِّنهما لا تعرض لها المُبَيَّن به، ولعل المُبَيَّن به منهما أو من أحدهما، على أنَّ هذا كله خلاف ما يقتضيه ظاهر الآية وسياقها، فإن المفهوم منها أن التبيين هو التفهيم لا النسخ (٥).

стр. 2042

قال: (الثانية: لا يُنسخ المتواتر بالآحاد ؛ لأن القاطع لا يُدفع بالظن. قيل: ﴿لَا أَجِدُ﴾ منسوخٌ بما رُوي أنه ﵇: نهى عن أكل كُلِّ ذي ناب من السباع. قلنا: ﴿لَا أَجِدُ﴾ للحال فلا نسخ). نسخ المتواتر بالآحاد جائزٌ في العقل، ونقل قوم الاتفاق على ذلك (١)، وليس بجيد، فقد حكى القاضي في "مختصر التقريب" عن بعضهم أنه ذهب إلى منع ذلك عقلًا (٢). وعبارة المصنف، وهكذا ابن الحاجب تُوهم أن الخلاف فيه (٣)، وعلى ذلك جرى الجاربردي في شرحه (٤)، وهو

стр. 2043

صحيح لما حكاه القاضي، إلا أنه ليس مقصود المصنف غيرَ الجواز السمعي، بدليل أنه اختار أنه لا يُنسخ، ولو نَصَب المسألةَ في الجواز العقلي - لكان الظنُّ به أن لا يختار ذلك (١). وإذا عرفتَ وقوعَ الاختلاف في الجواز - فاعلم أن الجماهير وإن قالوا بالجواز إلا أنهم اختلفوا في الوقوع: فذهب الأكثرون إلى أنه غير واقع (٢). وذهب جماعة من أهل الظاهر إلى وقوعه (٣).

стр. 2044

وفَصَّل القاضي في "مختصر التقريب" والغزالي بين زمان الرسول وما بعده، فقالا بوقوعه في زمانه ﵇ دون ما بعده (١). ونقل القاضي إجماع الأمة على مَنْعه بعد الرسول ﷺ ، قال: "وإنما اختلفوا في زمانه" (٢). وكذا إمام الحرمين. قال: "أجمع العلماء على أن الثابت قطعًا لا ينسخه مظنون" (٣). ولم يَتَعَرَّض لزمان الرسول ﷺ (٤). واعلم أن المراد بالمتواتر في هذه المسألة: القرآن، والسنة المتواترة. واستدل المصنف على المنع: بأن التواتر قطعي، وخبر الواحد ظني، والظني لا يعارض القطعي؛ لأن ترجيح الأضعف على الأقوى غير جائز. وهذا الدليل إنما يتمشى إِذا كان محل النزاع في الجواز العقلي، كذا

стр. 2045

اعترض به الهندي؛ ظنًا منه وقوع الاتفاق على أنه يجوز عقلًا، فإنه مِمَّنْ نَقَل الاتفاق عليه (١)، وقد عرفتَ أنه محلُ خلاف. إلا أنا نقول: قد (٢) قررنا أنَّ المصنف إنما تكلم في الوقوع، ودليله هذا يقتضي عدم الجواز، وهو لا يقول به؛ فيكون منقوضًا (٣). ثم إنه ضعيف من أوجه أُخَر: أحدها: ما ذكره القاضي في "مختصر التقريب": مِنْ أنا نقول: "وجوبُ العمل بخبر الواحد مقطوع به، فما يضرنا التردد في أصل الحديث (٤)، مع أنا نعلم قطعًا وجوبَ العمل به. فكأن صاحب الشريعة قال: إذا نَقَل مَنْ ظاهره العدالةُ - فاقطعوا بأن (٥) حكم الله تعالى عليكم العملُ بظاهره، وصِدْقِ الناقل" (٦).

стр. 2046

وثانيها: أنا لا نسلم أن المقطوع لا يُدْفع بالمظنون، ألا ترى أنَّ انتفاء الأحكام قبل ورود الشرائع مقطوعٌ به عندنا، وثبوت الحظر أو الإباحة مقطوعٌ به عند آخرين (١)، ثم إذا نُقِل خبرٌ عن الرسول ﷺ آحادًا - يَثبت العملُ به ويَرتفع ما تقرر قبل ورود الشرائع (٢). ذكره القاضي أيضًا (٣). وثالثها: أَنَّا مهما جَوَّزنا نسخ النص بخبر الواحد - فلا نسلم مع ورود خبر الواحد كونَ النصِّ مقطوعًا به، فإنا لو قلنا ذلك لَزِمنا أن نقطع بكذب الراوي، وهذا ما (٤) لا سبيل إليه، ذكره القاضي أيضًا (٥). ومراده: أن المقطوع به إنما هو أصل الحكم لا دوامه، (والنسخ لم يرد على أصل الحكم، وإنما قَطَع دوامَه) (٦) (٧). ومنهم مَنْ ضَعَّف هذا الدليل بوجهين آخَرَيْن: أحدهما: مَنْع لزومِ ترجيح الأضعف على الأقوى (٨)، وسنده: أن الكتاب والسنة المتواترة وإنْ كانا مقطوعي المتن، لكنهما مظنونا الدلالة.

стр. 2047

وخبر الواحد بالعكس؛ لكونه خاصًا، فتعادلا (١). بل خبر الواحد الخاص أقوى دلالةً على مدلوله؛ لأن تطرق الضعف إلى مدلول خبر الواحد الخاص إنما هو من احتمال الكذب والغلط، وتطرق الضعف إلى مدلول الكتاب العام إنما هو من جهة تخصيصه، وإرادةِ بعض مدلولاته دون بعض. ومعلومٌ أنَّ تطرقَ التخصيص إلى العام أكثرُ مِنْ تطرق الكذب والغلط إلى العدل المتحفظ. وضَعَّفه الشيخ صفي الدين الهندي: بأنه ليس من شرط المنسوخ من الكتاب والسنة المتواترة أن يكون عامًا، وناسخه من خبر الواحد خاصًا، حتى يتأتى ما ذُكر، بل قد يكونا عامَّيْن، أو خاصَّيْن، والمنسوخ خاصًا والناسخ عامًا، على رأي مَنْ يرى أن العام المتأخِر ينسخ الخاص المتقدم. فإذا (٢) لم يتأت ما ذُكِر من المنع - لزم ترجيح الأضعف على الأقوى، فلم يجز النسخ في هذه الصور. وإذا لم يجز في هذه الصور - لم يجز في تلك الصورة؛ لعدم القائل بالفصل (٣). (ولا يُعَارَض بِمِثْله) (٤)، بأن

стр. 2048

يقال: إذا جاز النسخ في تلك الصورة؛ لتساويهما (١) - جاز في هذه الصور (٢)؛ لعدم القائل بالفصل؛ لأن (٣) إلحاق الفرد بالأكثر أولى؛ ولأن تحقق المفسدة في صور عديدةٍ أشدُّ محذورًا من تحققها في صورة واحدة (٤). وثانيهما: النقض بجواز تخصيصهما به. ولقائل أن يقول: التخصيص أهون؛ فلا يلزم من جوازه جواز النسخ. وأيضًا فالتخصيص لا يلزم منه ترجيح الأضعف على الأقوى؛ لما ذُكر من المعنى، فلا يلزم النقض. واستدل الخصم بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ (٥) الآية، فإنه يقتضى حَصْر التحريم فيما ذُكِرِ في الآية (٦)، وقد نُسخ ذلك بما روت الأئمة الستة ﵏:

стр. 2049

من نهيه ﷺ عن أكل كُلِّ ذي نابٍ من السباع (١). فقد نُسخ الكتاب بهذا الخبر الظني. وأجاب في الكتاب: بأن الآية إنما دلت على أن الرسول ﷺ لم يجد في ذلك الوقت من المحرَّم إلا الأربعة المذكورة في الآية، ولهذا قال: ﴿أُوحِيَ﴾ بلفظ الماضي، وبقي ما عداها على أصل الحل، ونهيه ﷺ عن أكل كُلِّ ذي ناب - وجد بعد ذلك، فلا نسخ؛ لأن الآية دلت على الحال، ولم تتعرض للاستقبال، والحديث إنما دلَّ في الاستقبال (٢). ولو قُدِّر تناول الآية للاستقبال - فالحديث مخصِّص لعموم: ليس غير هذه الأربعة بمُحَرَّم. وهو عموم المفهوم مِنْ حَصْر التحريم في

стр. 2050

الأربعة؛ بناءً على أنَّ للمفهوم عمومًا، وحينئذ فهو مخصِّص لا ناسخ (١) (٢). قال: (الثالثة: الإجماع لا يُنسخ ؛ لأن النصَّ يتقدمه، ولا ينعقد الإجماع بخلافه، ولا القياس بخلاف الإجماع. ولا (ينسخ به) (٣): أما النص والإجماع فظاهران، وأما القياس فلزواله بزوال شرطه). هذه المسألة تشتمل على بحثين: الأول: في أن الحكم الثابت بالإجماع لا يُنسخ، وأن الحكم الثابت بإجماعٍ أو غيره من الأدلة لا ينسخ بالإجماع: هذا هو رأي الجماهير، أعني: أن الإجماع لا يُنسخ، ولا يُنسخ به (٤). وبه جَزَم في الكتاب.

стр. 2051

ودليله: أنه لو انتسخ - لكان انتساخه إما بالكتاب، أو بالسنة، أو الإجماع، أو القياس. والكل باطل. أما بطلانه بالأوَّلَيْن: فلأن نص الكتاب والسنة متقدم على الإجماع (١)؛ لأن جميع النصوص متلقاة من النبي ﷺ ، ولا ينعقد الإجماع في زمنه؛ لأنهم إن أجمعوا دونه - لم يصح. وإن كان معهم، أو علم بهم وسكت - فالعبرة بقوله، أو تقريره. وأما بالإجماع: فلاستحالة انعقاده على خلاف الإجماع؛ للزوم خطأ أحدِ الإجماعَيْن. وإلى هذا أشار بقوله: "ولا ينعقد الإجماع بخلافه". وأما بالقياس: فلأن شرط صحته أن لا يخالف الإجماع، فإذا قام القياس على خلاف الإجماع - لم يكن معتبرًا لزوال شرطه. وأما أن الإجماع لا يُنسخ به: فلأن المنسوخ به إما النص، أو الإجماع، أو القياس. والأولان باطلان؛ لما عرفت (٢). وكذا القياس؛ لزواله بزوال شرطه، كما عرفت أيضًا (٣). واعلم أنَّ ما ذكرناه مِنْ أنَّ الإجماع لا ينعقد في زمن النبي ﷺ هو ما

стр. 2052

ذكره الأصوليون على طبقاتهم، القاضي في "مختصر التقريب" فمن بعده (١) ولقائل أن يقول: إذا كانت الأمة لا تجتمع على خطأ انعقد الإجماع بقولها، ولا سيما إذا جَوَّزنا الاجتهاد في زمانه، وهو الصحيح. فلعلهم اجتهدوا في مسألة وأجمعوا عليها، ولم يعلم هو ﷺ بهم (٢). والإمام وإن

стр. 2053

جَرَى هنا على ما ذكره الأصوليون من أن (١) الإجماع لا ينعقد في زمانه ﷺ فقد ذكر ما يناقضه (٢) بعد ذلك (٣). قال: (والقياس إنما يُنسخ بقياسٍ أَجْلَى منه). البحث الثاني: في نسخ القياس، والنسخ به: وقد اختلفوا في ذلك، والذي ذهب إليه المصنف أن القياس إنما يُنسخ بقياسٍ أجلى من القياس الأول وأظهر (٤)، ويُعْرف قوة أحد القياسَيْن بما سيأتي إن شاء الله في ترجيح الأقيسة. وإنما حَصَر الذي يَنسخ في القياس الأجلى دون غيره؛ لأن

стр. 2054

غيره: إما نَصٌّ، أو إجماع. ويمتنع النسخ بهما؛ لزوال شرطه حينئذ، كما تقدم. وإما قياسٌ مساوٍ للأول، ويمتنع، للترجيح من غير مرجِّح. وإما قياسٌ أخفى، ويمتنع؛ لتقديم المرجوح على الراجح. فقد تحرر من كلام المصنف هذا: أنَّ القياس قد يكون منسوخًا، وقد يكون ناسخًا؛ لأن في نسخ القياس بالقياس ذلك (١). ومنهم مَنْ مَنَعَ نسخه والنسخ به مطلقًا (٢). ومنهم مَنْ جَوَّز نسخَه بسائر الأدلة، ونَسْخَ جميع الأدلة به (٣) (٤). وقال الإمام: "نسخ القياس إما أن يكون في زمان حياة الرسول ﷺ ، أو بعد وفاته: فإن كان حال حياته: فلا يمتنع رفعه بالنص، والإجماع، والقياس.

стр. 2055

أما بالنص: فبأن ينص الرسول ﵇ في الفرع على خلاف الحكم الذي يقتضيه القياس، بعد استقرار التعبد بالقياس. وأما بالإجماع: فلأنه إذا اختلفت الأمة على قولين قياسًا، ثم أجمعوا على أحد القولين - كان إجماعهم على أحد القولين رافعًا لحكم القياس الذي اقتضى القول. وأما بالقياس: فبأن ينص في صورةٍ بخلاف ذلك الحكم، ويجعله معلَّلًا بعلةٍ موجودة في ذلك الفرع، وتكون (١) أمارة عِلِّيَّتها أقوى من أمارة علية الوصف للحكم الأول في الأصل الأول، ويكون كل ذلك بعد التعبد بالقياس الأول. وأما بعد وفاة الرسول ﷺ : فإنه يجوز نسخه في المعنى، وإن كان ذلك لا يسمى نسخًا في اللفظ. أما بالنص: إذا (٢) اجتهد إنسان في طلب النصوص، ثم لم يظفر بشيء أصلًا، ثم اجتهد فحرَّم (٣) شيئًا بالقياس، ثم ظفر بعد ذلك بنصٍّ أو إجماع أو قياس أقوى من القياس الأول - على خلافه. فإن قلنا: كل مجتهد مصيب - كان هذا الوِجْدان ناسخًا (لحكم (٤) الأول من القياس) (٥)، لكنه لا يُسمى ناسخًا؛ لأن القياس إنما يكون

стр. 2056

معمولًا به بشرط أن لا يعارضه شيء من ذلك (١). وإنْ (٢) قلنا: المصيب واحدٌ - لم يكن القياس الأول متعبَّدًا به (٣)، فلم يكن النص الذي وجدَه آخِرًا ناسخًا لذلك القياس. وأما كون القياس ناسخًا - فهو إما أن يَنسخ كتابًا، أو سنة، أو إجماعًا، أو قياسًا. والأقسام الثلاثة الأُول باطلة بالإجماع. وأما الرابع وهو كونه ناسخًا لقياسٍ آخر - فقد تقدم الكلام فيه" (٤). هذا كلام الإمام. قال صاحب "التحصيل": ولقائل أن يقول: في هذه الأقسام نظر، فليتأمله الناظر (٥). وما ذكره صاحب "التحصيل" صحيح، فإن النظر فيه مِنْ أوجه: أحدها: قولُه: يجوز نسخ القياس حال حياة النبي ﷺ بالإجماع - يناقض قولَه قبل ذلك: إن الإجماع لا ينعقد في زمنه ﷺ ، وأنه يمتنع نسخ (٦) القياس به أيضًا.

стр. 2057

والثاني: بناءُ ذلك على أن كل مجتهدٍ مصيب - غير سديد؛ فإن ذلك النص الذي يطلع عليه المجتهد بعد ذلك لا بد وأن يكون كان موجودًا في زمن النبي ﷺ ؛ ضرورةَ أن النصوص لا تُنْشأ بعده، ولكنه كان قد خفي عليه. فإذا بان له يتبيَّن إذ ذاك أن حكم القياس مرتفعٌ مِنْ أصله، وليس هو من النسخ في شيء لا في اللفظ ولا في المعنى، سواء قيل: كل مجتهد مصيب، أم لم يُقل بذلك (١).

стр. 2058

والثالث: أنَّ بناءً ذلك على أنَّ (١) كل مجتهدٍ مصيب إنْ صح - لم يختص بما بعد وفاة الرسول ﷺ (٢). والرابع: أنه نَقَل الإجماع على بطلان الأقسام الثلاثة الأُول، وليس بجيد؛ لما نقله جماعةٌ منهنْ تجويز نسخ الكتاب والسنة بالقياس عن طائفة. والخامس: في قوله: "إنْ قلنا: المصيب واحد - لم يكن القياس الأول مُتَعَبَّدًا به". قلنا: لا نسلِّم؛ فإنَّ المصيب وإن اتحد - فقد انعقد الإجماع على أنه يجب على كلِّ مجتهدٍ أن يعمل هو ومَنْ قلده بما أداه إليه اجتهاده من قياسٍ أو غيره، وإنْ كان قد أخطأ الحكم المقرر (٣) في نفس الأمر، كما نقول فيمن اجتهد ثم أخطأ الكعبة: يجب أن يصلي إلى الجهة التي استقبلها وإنْ كانت خطأ في نفس الأمر (٤). واعلم أنَّ الإمام لم

стр. 2059

يخترع هذا التفصيل، بل سبقه إليه أبو الحسين في "المعتمد" (١). وقال الآمدي: "العلة الجامعة في القياس إن كانت منصوصة فهي في معنى النص، ويمكن نسخه بنصٍّ، أو قياس في معناه. ولو (٢) ذهب إليه ذاهب بعد النبي ﷺ ؛ لعدم اطلاعه على ناسخه بعد البحث، فإنه وإن وجب عليه اتباع ما ظنَّه - فرفع (٣) حكمه في حقه بعد اطلاعه على الناسخ لا يكون نسخًا متجددًا، بل يتبيَّن أنه كان منسوخًا. وإن كانت مستنبطةً فحكمها في حقه غير ثابت بالخطاب، فرَفْعه في حقه عند الظفر بدليلٍ يعارضه ويترجح عليه - لا يكون نسخًا؛ لكونه ليس بخطاب؛ لأن النسخ هو الخطاب" (٤). و(٥) أما النسخ بالقياس: فاختار فيه أنه يصح إن كانت العلة منصوصة، وإلا فإن كان القياس قطعيًا، كقياس الأَمَةِ على العبد في السِّراية - فإنه وإن كان مقدمًا لكن ليس نسخًا، لكونه ليس بخطاب، والنسخ عنده هو الخطاب (٦). وإن كان ظنيًا بأن تكون

стр. 2060

العلة (١) مستنبطة فلا يكون نسخًا (٢) (٣). قال: (الرابعة: نسخ الأصل يستلزم نسخ الفحوى ، (وبالعكس) (٤)؛ لأن نفي اللازم يستلزم نفي الملزوم والفحوى يكون ناسخًا). فحوى الخطاب هو مفهوم الموافقة، كما سبق. و (٥) اختلفوا (٦) في أن نسخ الأصل، كتحريم التأفيف مثلًا - هل يستلزم نسخ الفحوى، كتحريم

стр. 2061

الضرب؟ وفي عكسه: وهو أن نسخ الفحوى وهو تحريم الضرب هل يستلزم نسخ الأصل وهو تحريم التأفيف؟ على مذاهب: أحدها: أنَّ نسخ كلٍّ منهما يستلزم نسخ الآخر (١). واختاره صاحب الكتاب، واستدل على أنَّ نسخ الفحوى يستلزم (٢): بأن الفحوى لازمٌ للأصل، ونفي اللازم يستلزم نفي الملزوم (٣). ولم يستدل على عكسه (٤)، وسيأتي إنْ شاء الله تعالى. والثاني: أنه لا يلزم من نسخ أحدهما نسخ الآخر (٥). والثالث: أن نسخ الأصل يستلزم؛ لأن الفحوى تابع له، ولا يتصور بقاء التابع مع ارتفاع المتبوع. ونسخ الفحوى لا يستلزم (٦).

стр. 2062

وجزم الإمام بأن نسخ الأصل يستلزم. وأما أن نسخ الفحوى هل يستلزم - فنقله عن اختيار أبي الحسين، وسكت عليه (١). وقال الآمدي: "المختار أنَّ تحريم الضرب في محل السكوت إنْ جعلناه من باب القياس: فنسخ الأصل يوجب نسخ الفرع؛ لاستحالة بقاء الفرع دون أصله. وإن جعلناه ثابتًا بدلالة اللفظ: فلا شك أنَّ دلالة اللفظ على تحريم التأفيف بجهة صريحِ اللفظ، وعلى تحريم الضرب بجهة الفحوى، وهما دلالتان مختلفتان، غير أنَّ دلالة الفحوى تابعة، فيمكن حينئذٍ أن يُقال: لا يلزم من رفع إحدى الدلالتين رفع الأخرى. فإنْ قلت: الفحوى تابع، فكيف يحتمل بقاؤه مع ارتفاع المتبوع؟ قلت: نسخ حكم المنطوق ليس نسخًا لدلالته، بل نسخًا لحكمه، ودلالة الفحوى تابعة لدلالة المنطوق على حكمه، لا تابعة لحكمه، ودلالته باقية بعد نسخ حكمه، كما كانت قبل ذلك، فما هو أصلٌ لدلالة

стр. 2063

الفحوى غير مرتفع، وما هو مرتفع ليس أصلًا للفحوى" (١). قوله: "والفحوى يكون ناسخًا". قد ادعى الإمام والآمدي في ذلك الاتفاق (٢)، وفيه نظرٌ حِجاجًا ونقلًا. أما الحجاج: فوقوع الاختلاف في أنه هل هو من باب القياس؟ وإذا كان من باب القياس، وفي النسخ بالقياس ما تقدم من الخلاف - فلا ينفك عن خلاف. وأما النقل: فقد قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في "شرح اللمع" ما ذكرناه، إذ قال: مِنْ أصحابنا مَنْ جعله بالقياس، فعلى هذا لا يجوز النسخ به (٣). انتهى، أي: بناءً على أنه لا يجوز النسخ بالقياس، وذلك هو المختار عند الشيخ أبي إسحاق، وكذلك القاضي كما نص عليه في "مختصر التقريب" (٤)، وفاتنا أن نحكي ذلك فيما تقدم، ولكن العهد به قريب.

стр. 2064

واستدل الإمام على أن الفحوى يَنسخ: بأن دلالته إن كانت لفظية فظاهر. وإن كانت عقلية، قال القرافي: يعنى قياسية، أي: أدرك العقل الحكمةَ التي لأجلها وَرَد الحكم، فأَلْحق السكوتَ بالمنطوق قياسًا (١). قال الإمام: فهي يقينية، فتقتضي (٢) النسخَ لا محالة (٣). ولقائل أن يقول: إن (٤) القياس ليس يقينيًا؛ لاحتمال غلطنا في أن ذلك الحكم في الأصل مُعَلَّل، وأن العلة هي ما ذكرنا، فلعل العلة غيرها، ولعلها تقتضي نفي ما نريد إثباته. والمسألة خلافية بين العلماء، ولا قاطع

стр. 2065

مع الخلاف (١). والله أعلم. وهذا تمام القول في مفهوم الموافقة (٢). وأما مفهوم المخالفة: فيجوز نسخه مع نسخ الأصل وبدونه، وذلك واضح (٣)، كقوله ﵇: "الماء من الماء" (٤)، فإنه نُسِخ مفهومه بقوله ﵇: "إذا التقى الختانان" (٥)، وبقي أصله: وهو وجوب

стр. 2066

الغسل من الإنزال (١). ذكره صفي الدين الهندي، قال: وأما نسخ الأصل بدونه فأظهر الاحتمالين أنه لا يجوز؛ لأنه إنما يدل على العدم باعتبار ذلك القَيْدِ (٢) المذكور (٣)، فإذا بطل تأثير ذلك القيد بطل ما يبنى (٤) عليه، فعلى هذا نَسْخُ الأصل نسخٌ للمفهوم. وليس المعنى منه أن يرتفع العدم ويحصل الحكم الثبوتي (٥)، بل المعنى منه أن يرتفع العدم الذي كان شرعيًا (٦)، ويرجع إلى ما كان عليه مِنْ قبل (٧).

стр. 2067

قال: (الخامسة: زيادة صلاة ليس بنسخ . قيل: تَغَيَّر الوسط. قلنا: وكذا زيادة العبادة). اتفق العلماء على أن (١) زيادةَ عبادةٍ من غير جنسِ ما سبق وجوبُه، كزيادة وجوب الزكاة مثلًا على الصلاة - ليس بنسخ (٢). واختلفوا في أنَّ زيادة صلاةٍ على الصلوات الخمس هل يكون نسخًا؟ فذهب الجماهير (٣) إلى أنه ليس بنسخ (٤). وقال بعض أهل العراق: إنه نسخ؛ لأن زيادة هذه السادسة تغيِّر الوسط، أي أنها تجعل ما كان وسطًا غير وسط، فيكون ذلك نسخًا للأمر بالمحافظة على الصلاة الوسطى (٥). وأجاب: بأن هذا غير سديد؛ (إذ يلزم) (٦) عليه أن تكون زيادة عبادة على آخِر العبادات نسخًا؛ لأنه يجعل العبادة الأخيرة غير الأخيرة (٧)، فلو

стр. 2068

كان عدد كل الواجبات قبل الزيادة عشرة فبعد الزيادة لا يبقي ذلك، فيكون نسخًا. واعلم أن هذا الجواب غير سديد؛ لأن غير الصلاة من العبادات لم يَرِد فيه الأمر بالمحافظة على الوسطى ليقال مِثْلُه فيها (١)، بل الحق عندي أنهم إنْ أرادوا بكونها تُغَيِّر الوسط: أنها تجعل المتوسط بين الشيئين غير وسط - فذلك غير سديد؛ لأن كون العبادة وَسَطًا أمرٌ حقيقي ليس بشرعي، والنسخ إنما يتطرق إلى الحكم الشرعي (٢). وإن أرادوا به ما ذُكر مِنْ نَسْخ الأمر بالمحافظة على الوسطى - فنقول: إن كانت الوسطى عَلَمًا على صلاة بعينها إما الصبح أو العصر، وليست فُعْلَى من المتوسط بين الشيئين (٣) - فما ذكرتموه ساقطٌ، إذ لا يلزم من

стр. 2069

زيادة صلاة أن يرتفع الأمر بالمحافظة على تلك الصلاة الفاضلة؛ لعدم منافاته له (١). وإن كانت الوسطى: المتوسطة بين الصلوات (٢) فنقول حينئذ: الذي يظهر أنَّ الأمر يختلف بما يُزاد والحالة هذه: فإن زيدت واحدة - فهي ترفَع الوسط (٣) بالكلية (٤)، ويتجه ما ذكروه اتجاهًا واضحًا؛ لأن الوسط حينئذٍ وإنْ كان أمرًا حقيقيًا إلا أنَّ

стр. 2070

الشرع ورد عليه وقرره؛ فيكون نسخًا للحكم الشرعي (١). وإن زيدت ثنتين ونحوها (٢) مما لا يرفع الوسط - فلا نسخ؛ إذ لم يرتفع الوسط، وإنما خرجت الظهر مثلًا عن أن تكون وسطًا، وكونها كانت الوسط (٣) إنما هو أمر حقيقي اتفاقي لا يرد النسخ عليه (٤)، والأمر بالمحافظة على الوسط (٥) شيء وراء ذلك، وهو لم يزل، بل هو باق (٦). قال: (أما زيادة ركعةٍ ونحوها - فكذلك عند الشافعي ﵁، ونَسْخٌ عند أبي حنيفة ﵀. وفَرَّق قوم بين ما نفاه المفهوم وما لم ينفه. والقاضي عبد الجبار بين ما ينفي اعتداد الأصل وبين ما لا ينفيه.
следующие страницы →