← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

الغسل من الإنزال (١). ذكره صفي الدين الهندي، قال: وأما نسخ الأصل بدونه فأظهر الاحتمالين أنه لا يجوز؛ لأنه إنما يدل على العدم باعتبار ذلك القَيْدِ (٢) المذكور (٣)، فإذا بطل تأثير ذلك القيد بطل ما يبنى (٤) عليه، فعلى هذا نَسْخُ الأصل نسخٌ للمفهوم. وليس المعنى منه أن يرتفع العدم ويحصل الحكم الثبوتي (٥)، بل المعنى منه أن يرتفع العدم الذي كان شرعيًا (٦)، ويرجع إلى ما كان عليه مِنْ قبل (٧).

стр. 2067

قال: (الخامسة: زيادة صلاة ليس بنسخ . قيل: تَغَيَّر الوسط. قلنا: وكذا زيادة العبادة). اتفق العلماء على أن (١) زيادةَ عبادةٍ من غير جنسِ ما سبق وجوبُه، كزيادة وجوب الزكاة مثلًا على الصلاة - ليس بنسخ (٢). واختلفوا في أنَّ زيادة صلاةٍ على الصلوات الخمس هل يكون نسخًا؟ فذهب الجماهير (٣) إلى أنه ليس بنسخ (٤). وقال بعض أهل العراق: إنه نسخ؛ لأن زيادة هذه السادسة تغيِّر الوسط، أي أنها تجعل ما كان وسطًا غير وسط، فيكون ذلك نسخًا للأمر بالمحافظة على الصلاة الوسطى (٥). وأجاب: بأن هذا غير سديد؛ (إذ يلزم) (٦) عليه أن تكون زيادة عبادة على آخِر العبادات نسخًا؛ لأنه يجعل العبادة الأخيرة غير الأخيرة (٧)، فلو

стр. 2068

كان عدد كل الواجبات قبل الزيادة عشرة فبعد الزيادة لا يبقي ذلك، فيكون نسخًا. واعلم أن هذا الجواب غير سديد؛ لأن غير الصلاة من العبادات لم يَرِد فيه الأمر بالمحافظة على الوسطى ليقال مِثْلُه فيها (١)، بل الحق عندي أنهم إنْ أرادوا بكونها تُغَيِّر الوسط: أنها تجعل المتوسط بين الشيئين غير وسط - فذلك غير سديد؛ لأن كون العبادة وَسَطًا أمرٌ حقيقي ليس بشرعي، والنسخ إنما يتطرق إلى الحكم الشرعي (٢). وإن أرادوا به ما ذُكر مِنْ نَسْخ الأمر بالمحافظة على الوسطى - فنقول: إن كانت الوسطى عَلَمًا على صلاة بعينها إما الصبح أو العصر، وليست فُعْلَى من المتوسط بين الشيئين (٣) - فما ذكرتموه ساقطٌ، إذ لا يلزم من

стр. 2069

زيادة صلاة أن يرتفع الأمر بالمحافظة على تلك الصلاة الفاضلة؛ لعدم منافاته له (١). وإن كانت الوسطى: المتوسطة بين الصلوات (٢) فنقول حينئذ: الذي يظهر أنَّ الأمر يختلف بما يُزاد والحالة هذه: فإن زيدت واحدة - فهي ترفَع الوسط (٣) بالكلية (٤)، ويتجه ما ذكروه اتجاهًا واضحًا؛ لأن الوسط حينئذٍ وإنْ كان أمرًا حقيقيًا إلا أنَّ

стр. 2070

الشرع ورد عليه وقرره؛ فيكون نسخًا للحكم الشرعي (١). وإن زيدت ثنتين ونحوها (٢) مما لا يرفع الوسط - فلا نسخ؛ إذ لم يرتفع الوسط، وإنما خرجت الظهر مثلًا عن أن تكون وسطًا، وكونها كانت الوسط (٣) إنما هو أمر حقيقي اتفاقي لا يرد النسخ عليه (٤)، والأمر بالمحافظة على الوسط (٥) شيء وراء ذلك، وهو لم يزل، بل هو باق (٦). قال: (أما زيادة ركعةٍ ونحوها - فكذلك عند الشافعي ﵁، ونَسْخٌ عند أبي حنيفة ﵀. وفَرَّق قوم بين ما نفاه المفهوم وما لم ينفه. والقاضي عبد الجبار بين ما ينفي اعتداد الأصل وبين ما لا ينفيه.

стр. 2071

(وقال) (١) البصري: إنْ نَفَى ما ثبت شرعًا كان نسخًا، وإلا فلا. فزيادة ركعة على ركعتين نسخ لاستعقابهما التشهد. وزيادة التغريب على الجلد ليس بنسخ). مضى الكلام في زيادة العبادة المستقلة. أما زيادة غير (٢) المستقلة، كزيادة ركعة أو ركوع - ففيه مذاهب: أحدها: أنها ليست نسخًا. وهو مذهب الإمام الشافعي ﵁، وقول أبي علي، وأبي هاشم (٣). والثاني: أنها نسخ. وهو قول الحنفية (٤). والثالث: التفصيل، فقال قوم: إن كانت الزيادة قد نفاها المفهوم (٥) -

стр. 2072

فيكون نسخًا، وإلا فلا. كما إذا قال: في سائمة الغنم زكاة. ثم قال: في المعلوفة زكاة (١). وقال القاضي عبد الجبار بن أحمد: إنْ كانت الزيادة قد غَيَّرت المزيدَ عليه تغيرًا شديدًا (٢)، حتى صار المزيد عليه لو فُعِل بعد الزيادة على ما كان يُفْعل قبلَها - لم يُعْتدَّ به، بل وجوده كعدمه، ويجب استئنافه: فإنه يكون نسخًا، كزيادة ركعة على ركعتين. وإن كان المزيد عليه لو فُعل على نحو ما كان يُفعل قبل الزيادة - لصح: لم يكن نسخًا، كزيادة التغريب على الجلد (٣) (٤)، وزيادة عشرين

стр. 2073

على حد القاذف (١). وقال أبو الحسين البصري: إن كان الزائد رافعًا لحكمٍ ثابت بدليلٍ شرعي - كان نسخًا، سواء ثبت (٢) بالمنطوق أم بالمفهوم، وإن كان ثابتًا بدليل عقلي كالبراءة الأصلية - فلا (٣). وهذا هو الأحسن عند الإمام (٤)، والمختار عند الآمدي وابن الحاجب (٥). قوله: "فزيادة"، أي: فَعَلى ما ذكره أبو الحسين زيادةُ ركعةٍ على ركعتين تكون حينئذٍ نسخًا؛ لأنها رفعت حكمًا شرعيًا، وهو وجوب التشهد عَقِيب الركعتين. وزيادةُ التغريب على الجلد في حق الزاني لا يكون نسخًا، لأن عدم التغريب كان ثابتًا بالبراءة الأصلية. وكلام المصنف يُوهم أن هذين المثالين من تتمة كلام أبي الحسين، وليس كذلك، فقد نقل عنه الآمدي في الفرع الثاني من فروع المسألة أن المثالين جميعًا

стр. 2074

ليسا بنسخ (١). أما الثاني فظاهر. وأما الأول فلأن التشهد ليس محله بعد الركعتين بخصوصهما، بل آخر الصلاة، وذلك غير مرتفع. وقال بعضهم واختاره الغزالي: إنْ كانت الزيادة متصلةً بالمزيد عليه اتصال اتحادٍ رافع للتعدد والانفصال، كزيادة ركعتين على ركعتي الصبح - فهو نسخ وإن لم يكن كذلك، كزيادة عشرين على حد القاذف - فلا (٢). ولم يذكر في الكتاب هذا المذهب (٣). والله أعلم.

стр. 2075

قال: (خاتمة: النسخ يعرف بالتاريخ. فلو قال الراوي: هذا سابق - قُبِل. بخلاف ما لو قال: هذا منسوخ؛ لجواز أن يقوله عن اجتهاد ولا نراه). المقصود من هذه الخاتمة بيان الطرق التي بها يُعرف الناسخ من المنسوخ، وإنما ذكر ذلك آخر الباب، وجعله خاتمة؛ لتعلقه بجميع أنواع النسخ. وجملة القول فيه: أن النسخ يُعرف إما بأن ينص عليه الشارع. ولم يتعرض المصنف لهذا القسم؛ لوضوحه. وإما بالتاريخ: بأن يُعلم بطريق صحيح أنَّ أحد الدليلين المتنافيَيْن متأخِّرٌ عن الآخَر؛ فيحكم بأنه ناسخ له. فلو قال الراوي: هذه الآية نزلت قبل تلك الآية، أو في سنة كذا، والأخرى في السنة التي بعدها. أو هذا الحديث سابقٌ على ذلك الحديث، أو كان في سنة كذا (وكذا) (١)، وهذا في السنة التي بعدها (٢) - قُبِل قولُه في ذلك وإنْ كان قبولُه يقتضي نَسْخ المتواتر؛ وذلك لأن النسخ حصل بطريق التبع (٣)، والشيءُ يُغتفر إذا كان

стр. 2076

تابعًا، ولا يُغتفر إذا كان أصلًا (١)، في مسائل كثيرة أصولية وفقهية (٢):

стр. 2077

كما أن الشفعة لا تثبت في الأشجار والأبنية بطريق الأصالة، وتثبت تبعًا للأرض إذا بيعت معها (١). وكما إذا قُطِعت يدُ المحرِم - فإنه لا فدية عليه للشعر الذي عليها والظفر؛ لأنهما هنا تابعان غير مقصودَيْن بالإبانة، وعلى قياس هذا لو كشط جلدة الرأس - فلا فدية (٢). ويُشْبه (٣) هذا بما لو كان تحته امرأتان صغيرةٌ وكبيرة، فأرضعت الكبيرة الصغيرة - فإنه يبطل النكاح ويجب المهر (٤). ولو قَتَلَتْها لا يجب المهر؛ لأن البُضْع تابعٌ عند القتل غير مقصود (٥). ويلتحق به أيضًا ما في الرافعي عن "التتمة" مِنْ أنه: لا يجوز توكيل المرأة في الاختيار في النكاح إذا أسلم الكافر على أكثر مِنْ أربع نسوة؛ لأن الفروج لا تستباح بقول النساء. وفي الاختيار للفِرَاق (٦) وجهان (٧)؛ لأنه وإن تضمن اختيار الأربع للنكاح فليس أصلًا فيه، بل تابعًا فاغتُفِر (٨).

стр. 2078

وكذلك إذا أذن السيد للعبد في النكاح وأطْلق، فزاد على مهر المثل - فإنَّ الزيادة تجب في ذمته يُتْبع بها إذا عتق (١) بلا خلاف. ولا يقال: هل لا جَرَى في ثبوت هذه الزيادة في ذمة العبد بغير إذن السيد - خلافٌ، كما جَرَى فى ضمان العبد بغير إذن السيد؛ لأن الالتزام ها هنا (٢) جَرَى في ضِمْن عقدٍ مأذون فيه، وقد يمتنع الشيء مقصودًا (٣)، وإذا حصل في ضمن عقدٍ لم يمتنع. ونظيره يصح خُلع العبد قولًا واحدًا، ويمتنع من تمليك السيد بعقد الهبة على أصح الوجهين (٤). ومسائل هذا الفصل تخرج عن حَدِّ العدِّ. وأما لو قال الراوي: هذا منسوخ - لم يُقبل؛ لجواز أن يقوله عن اجتهاد منه، ولا يلزمنا ذلك الاجتهادُ، أوْ لا يقتضيه رأيُنا (٥).

стр. 2079

وقال الكرخي: إنْ عَيَّن الراوي الناسخ، كقوله: هذا نَسَخ هذا - فالأمر كذلك؛ لجواز أن يقوله عن اجتهاد. وإن لم يُعيِّنه، بل اقتصر على قوله: هذا منسوخ - قُبِل؛ لأنه لولا ظهور النسخ فيه لما أطلق النسخ إطلاقًا (١). قال الإمام: "وهذا ضعيف، فلعله قاله لقوة ظنِّه في أن الأمر كذلك، وليس كذلك (٢). وبالله التوفيق والعون" (٣).

стр. 2080

الكتاب الثاني: السنة الباب الأول: أفعاله ﷺ -

стр. 2081

قال ﵀: (الكتاب الثاني: في السنة . وهي: قول الرسول ﷺ أو فعله. وقد سَبَق مباحث القول. والكلامُ في الأفعال وطرق (١) ثبوتها، وذلك في بابين: الباب الأول: في أفعاله، وفيه مسائل الأولى: أن الأنبياء ﵈ معصومون لا يَصْدر عنهم ذنب إلا الصغائر (٢) سهوًا والتقرير مذكور في كتاب "المصباح"). السنة في اللغة: الطريقة والسيرة (٣). وفي الاصطلاح: ما ترجَّح جانبُ وجوده على جانب عدمه ترجيحًا (٤) ليس معه المنع من النقيض (٥). وتطلق السنة على: ما صدر عن النبي ﷺ من الأقوال والأفعال التي ليست للإعجاز. وهذا هو المراد هنا. ويدخل في الأفعال التقرير؛ لأنه كَفٌّ عن الإنكار، والكفُّ فِعلٌ على المختار، كما سبق (٦).

стр. 2082

فإذا أردنا تعريف السنة التي عقد لها هذا الكتاب - قلنا: هي الشيء الصادر عن محمد المصطفى ﷺ لا على وجه الإعجاز (١). وقد سبقت مباحث القول بأقسامها: من الأمر والنهي، والعام والخاص، والمجمل والمبين، والناسخ والمنسوخ. وكلامنا الآن في الأفعال، والباب الأول معقود لها. وفي الطرق التي يُتوصل بها إلى ثبوت الأفعال، والباب الثاني مَعْقُودٌ لذلك. وفي الباب الأول مسائل: (الأولى: في عصمة الأنبياء (٢) عليهم الصلاة والسلام) .

стр. 2083

واعلم أن الكلام في هذه المسألة محله علم الكلام (١)، واختيار (٢) المصنف قد عرفته (٣)، وهو رأي جماعات (٤). ويُشترط عند مَنْ يقول

стр. 2084

بوقوع ذلك بطريق السهو أن يحصل الذكر (١). والذي نختاره نحن، وندين الله تعالى به (٢): أنه لا يصدر عنهم ذنبٌ لا صغير ولا كبير، لا عمدًا ولا سهوًا (٣) وأن الله تعالى نزَّه ذواتهم الشريفة عن صدور النقائص. (و (٤) هذا هو اعتقاد والدي أحسن الله إليه) (٥)، وعليه جماعةً: منهم القاضي عياض بن محمد اليَحْصُبي (٦)، ونَصَّ على القول به الأستاذ أبو إسحاق في كتابه في (٧) أصول الفقه (٨)، وزاد أنه يمتنع عليهم

стр. 2085

النسيان أيضًا (١). وأما دعوى الإمام في الكلام على (٢) الطرق الدالة على القطع بصحة الخبر مما عدا المتواتر في الكلام على خبر الرسول ﷺ : أنَّه وقع الاتفاق على جواز السهو والنسيان (٣) - فهي دعوى غير سديدة، لما حكاه الأستاذ وذهب إليه. والمصنف أحال الكلام في هذه المسألة على كتابه "مصباح الأرواح". قال: (الثانية: فِعْله المجرد يدل على الإباحة عند مالك ، والندب

стр. 2086

عند الشافعي، والوجوب عند ابن سريج وأبي سعيد الإصْطَخْرِيّ، وتوقف الصيرفي وهو المختار؛ لاحتمالها (١)، واحتمال (أن يكون) (٢) من خصائصه). فعل النبي ﷺ (على أقسام) (٣): الأول: أن يدل دليل آخر أو قرينة معه على أنه للوجوب، كقوله ﷺ "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٤)، وقوله ﵇: "خذوا عني مناسككم" (٥) فإن هذين الحديثين (٦) يدلان على وجوب اتباعه في أفعال الصلاة، وأفعال الحج إلا ما خصه الدليل. والقول في هذا القسم متضح، فإنه على حسب ما يقوم الدليل أو القرينة عليه وفاقًا (٧). الثاني: ما عُلم أنه ﷺ فَعَله بيانا لشيءٍ، نحو: قَطْعه يدَ السارق من الكوع (٨)، إذ فَعَله بيانًا لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا

стр. 2087

أَيْدِيَهُمَا﴾ (١) (٢). الثالث: ما عُرف بالقرينة أنه للإباحة، كالأفعال الجبليَّة نحو: القيام والقعود، والأكل والشرب، وغير ذلك. وأمره واضح، إلا أن التأسي مستحب (٣). وقد كان ابن عمر- ﵁ لما حج يجر خطام ناقته حتى يُبْرِكها في موضعٍ بركت فيه ناقة النبي ﷺ ؛ تبركًا بآثاره الطاهرة (٤)، ومواطئ (٥)

стр. 2088

نعاله الشريفة (١). الرابع: ما عُرف أنه مخصوص به، كالضُّحى، والأضحى (٢) (٣). الخامس: ما عُرِف أنه غير مخصوصٍ به كأكثر التكاليف. فهذه الأقسام كلها ليس فيها شيء من الخلاف، وأمرها واضح، وكل هذه الأقسام خرجت بقول المصنف: "فعله المجرد"، فافهم ذلك. السادس: ما تجرد عن جميع ما ذكرناه، إلا أن قصد القربة ظاهر فيه (٤). فهذا ليس أيضًا مجردًا من كل وجه. ولك أن تقول: إنه يخرج أيضًا بقول المصنف: "المجرد" (٥). وفي هذا

стр. 2089

القسم اختلاف (١) لنا غرض في تأخير حكايته إلى سابع الأقسام. السابع: ما لم يظهر فيه قصد القربة، بل كان مجردًا مطلقًا (٢). فهذا

стр. 2090

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2091

أمره دائر بين الوجوب والندب والإباحة؛ لأن المحرَّم يمتنع صدوره عنه، لما تقرر في مسألة (١) عصمة الأنبياء ﵈، والمكروه يندر وقوعه من آحاد عدول (٢) المسلمين، فكيف من سيد المتقين، وإمام المرسلين! والذي نراه أنه لا يصدر منه، وأنه من جملة ما عُصم عنه (٣)، وإذا دار الأمر بين هذه الأمور - فهل يدل على واحدٍ منها؟ هذه مسألة الكتاب، وفيها مذاهب: أحدها: أنه يدل على الإباحة. وهو مذهب مالك (٤) وتابعه في ذلك

стр. 2092

جماعة من الأئمة (١)، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2093

(وجزم به الآمدي (١)) (٢). والثاني: أنه يدل على الندب. وهو المنسوب إلى الشافعي (٣) رضوان الله عليه، واختاره إمام الحرمين (٤)، وبه قالت طوائف من الأئمة (٥) ونقله

стр. 2094

القاضي أبو الطيب عن أبي بكر القفال، وعن الصيرفي. وسيأتي النقل عن الصيرفي بالوقف (١). والثالث: أنه يدل على الوجوب. وبه قال ابن سريج، وأبو سعيد الإصْطَخْرِيّ، وابن خَيْران، وابن أبي هريرة (٢)، والحنابلة (٣)، وكثير من

стр. 2095

المعتزلة (١). ونقله القاضي في "مختصر التقريب" عن مالك (٢). قال القرافي: "وهو الذي نقله أئمة المالكية (٣) في كتبهم الأصولية والفروعية، وفروعُ المذهب مبنية عليه" (٤). ثم قال القاضي: "واختلف القائلون بالوجوب على طريقين: فذهب بعضهم إلى أنا ندرك الوجوب بالعقل، وذهب بعضهم إلى أنا ندركه بأدلة السمع" (٥). والرابع: التوقف (٦). وعليه جمهور المحققين منا كالصيرفي (٧)، والواقفية (٨). واختاره الغزالي، والإمام وأتباعه منهم

стр. 2096

المصنف (١). وصححه القاضي أبو الطيب في شرح (٢) الكفاية، (ونقله) (٣) عن أكثر الأصحاب (٤)، وأبي بكر الدقاق، وأبي القاسم بن كج (٥). وقالوا: لا ندري أنه للوجوب، أو للندب، أو للإباحة؛ لاحتمال هذه الأمور كلها، واحتمال أن يكون أيضًا من خصائصه ﵇. والخامس: أنه على الحظر في حقنا. حكاه الغزالي (٦). قال الآمدي: "وهو قول بعض مَنْ جَوَّز على الأنبياء المعاصي" (٧). قلت: وليس مُسْتَندُ القائل بهذه المقالة تجويزَ المعاصي، بل ما ذكره القاضي في "مختصر التقريب" فقال: ذهب قومٌ إلى أنه يحرم اتباعه. (وهذا

стр. 2097

بناءً مِنْ هؤلاء) (١) على أصلهم في الأحكام قبل ورود الشرائع، فإنهم زعموا أنها على الحظر، ولم يجعلوا فِعْل رسول الله ﷺ -عَلَمًا في تثبيت حكم، فبقي الحكم على ما كان عليه في قضية العقل قبل ورود الشرائع (٢). انتهى. وكذلك ذكر الغزالي، وقال: "لقد صدق هذا القائل في قوله: بقي على ما كان. وأخطأ في قوله: إنَّ الأحكام قبل الشرع على الحظر؛ لما قررناه في موضعه". (٣) فإن قلت: فهل قَصْدُ القربة في الفعل قرينة الوجوب أو الندب (٤) (حتى لا يتأتى) (٥) فيه الخلاف المذكور؟ قلت: لا؛ لتصريح بعضهم بجريان الخلاف في القسمين جميعًا، أعني: ما ظهر فيه قصد القربة، وما لم يظهر. غير أن القول بالوجوب والندب يَقْوَى في القسم الأول، والقول بالإباحة والتوقف يضعف فيه. وأما القسم الثاني فبالعكس منه (٦).

стр. 2098

فإن قلت: فكيف يتجه جريان قولٍ بالإباحة فيما يظهر فيه قصد القربة، فإنَّ قصد القربة لا يُجامع استواء الطرفين؟ قلت: النبي ﷺ قد يُقدم على ما هو مستوي الطرفين؛ ليبين للأمة جواز الإقدام عليه، ويُثاب ﷺ بهذا القصدِ وهذا الفعلِ وإن كان مستوي الطرفين، فيظهر في المباح قَصْدُ القربة بهذا الاعتبار (١)، ولا يتجه جريان القول بالإباحة إلا بهذا التقرير. على أنا لم نَرَ مِن المتقدمين مَنْ صرَّح بحكايته في هذا القسم، أعني: السادس، وهو ما ظهر فيه قصد القربة. نعم حكاه الآمدي ومَنْ تلقاه منه، ولا مساعِدَ للآمدي على (٢) حكايته، وأنا قد وقفت على كلام القاضي فمَنْ بعده. الثامن: ما دار الأمر فيه بين أن يكون جبليًا وأن يكون شرعيًا وهذا القسم لم يذكره الأصوليون، فهل يُحمل على الجبلي؛ لأن الأصل عدم التشريع، أو على الشرعي؛ لأنه ﷺ بُعِث لبيان الشرعيات؟ وهذا القسم قاعدة جليلة، وهي مُفْتَتَح كتابنا "الأشباه والنظائر"، وقد ذكرت في كتابي "الأشباه النظائر" أنه قد يخرج فيها قولان من القولين في تعارض الأصل والظاهر (٣)؛ إذ الأصل عدم التشريع،

стр. 2099

والظاهر أنه شرعي؛ لكونه مبعوثًا لبيان الشرعيات. ومن صور هذا القسم أنه ﷺ دخل من ثنية كَداء، وخرج من ثنية كُدى (١). فهل كان ذلك لأنه صادف طريقه، أو لأنه سنة؟ فيه وجهان (٢). ومنها: جلسة الاستراحة عندما حَمَل اللحم (٣). فقيل: ذلك جبلي فلا

стр. 2100

يستحب، وقيل شرعي (١). ومنها: أنه ﷺ طاف راكبًا (٢)، (فهل يُحمل على الجبلي فلا يستحب، أو على الشرعي (٣)؟ ومنها: حَجُّه راكبًا (٤)) (٥).

стр. 2101

ومنها: ذهابه في العيد في طريق، وإيابه في آخر (١) (٢). والقاعدة مستوفاة في كتابنا "الأشباه والنظائر" كَمَّله الله. قال: (احتج القائل بالإباحة: بأن فِعْله لا يُكره ولا يَحرم، والأصل عدم الوجوب والندب؛ فبقي الإباحة. ورُدَّ: بأنَّ الغالب مِنْ فعله الوجوب أو الندب). احتج القائل بالإباحة: بأنَّ فعله ﷺ لا يكون حرامًا؛ لما تقرر في مسألة العصمة. ولا مكروهًا؛ لما قدمناه من أنه نادر بالنسبة إلى آحاد العدول، فكيف إلى أشرف المرسلين! وهذا عند من يُجَوِّز وقوع المكروه، وقد قدمنا ما نراه في ذلك، وذلك في المكروه الذي لا يَقْصد بفعله بيانَ جوازه، أما ما فَعَله ليبيِّن أنه جائز فقد يقال: لم لا يقع الإقدام ويكون مستحبًا أو واجبًا

стр. 2102

بالنسبة إليه؛ لما في إقدامه عليه مِنْ تبيين الجواز، كما قدمناه. والذي يظهر أنه لا يُقْدِم على فعله؛ إذ في القول مندوحة عن الفعل. وإذا انتفى المحرم والمكروه - انحصر الأمر في الواجب والمندوب والمباح، والأصل عدم الوجوب والندب (١)، فلم يبق إلا (٢) الإباحة. وأجاب: بأن الغالب على فِعْله الوجوب أو الندب (٣)، فيكون الحمل على أحدهما أولى؛ لأن إلحاق الفرد بالأعم الأغلب أرجح وأولى من إلحاقه بخلاف ذلك. ولقائل أن يقول: الوجوب والندب وإنْ كانا غالبًا إلا أنا لا (٤) نسلم أنه يقاوم الأصل الذي أشرنا إليه، بل الأصل أولى. قال: (وبالندب: بأن قوله تعالى ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٥) يدل على الرجحان، والأصل عدم الوجوب). واحتج (٦) القائل بالندب بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، والاستدلال بهذه الآية يُقَرَّر على أربعة أوجه: ثلاثة منها

стр. 2103

تدل على الندبية، والرابع يدل على الوجوب. الأول: التمسك بقوله: ﴿لَكُمُ﴾، ووجهه: أنه قال: ﴿لَكُمُ﴾، وما قال: "عليكم"، وذلك يفيد أنه مندوب إليه؛ إذ المباح لا نفع فيه، واللام للاختصاص بجهة النفع، والظاهر من جهة الشرع اعتبار النفع الأخروي لا الدنياوي. والثاني: وهو ما أورده الإمام: التمسك بقوله: ﴿أُسْوَةٌ﴾، وتقريره: أن التأسي لو كان واجبًا - لقال: "عليكم" كما عَرفتَ، فلما قال: ﴿لَكُمُ﴾ دل على عدم الوجوب. ولا أثبت الأسوة دلَّ على رُجحان جانب الفعل على الترك؛ فلم يكن مباحًا (١). والثالث: وهو ما أورده في الكتاب: التمسك بقوله: ﴿حَسَنَةٌ﴾ ووجهه: أن قوله: ﴿حَسَنَةٌ﴾ يدل على الرجحان (٢)، والوجوب منتف بالأصل؛ فتعيَّن الندب. ولم يُجِب عن هذا، بل جمع بينه وبين دليل الإيجاب. وأجاب عنهما: بأن الأسوة والمتابعة مِنْ شرطهما العلم بصفة الفعل (٣). والرابع: الدال على الوجوب، وتقريره: أنه تعالى قال: ﴿لَقَدْ كَانَ

стр. 2104

لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ (١) وهذا جارٍ مَجْرى التهديد على ترك التأسي به؛ لأن معنى الآية أن مَنْ يرجو الله واليوم الآخر - فله فيه الأسوة الحسنة، (ومن لا يرجو الله واليوم الآخر - فليس له فيه الأسوة الحسنة) (٢)، فيكون وعيدًا على ترك التأسي به. أو نقول بعبارة أخرى: إنه جعل التأسي به لازمًا لرجاء الله واليوم الآخر، فيلزم مِنْ عدم التأسي به عدمُ رجاء الله واليوم الآخر، وهو محرم، فكذلك ما يستلزمه. والتأسي به في الفعل إنما هو بإتيان مِثْل فعله، فيكون الإتيان بمثل فعله واجبًا. هذا تقرير الأوجه. واعلم أن الذي يظهر في الآية أنَّ الله تعالى جعل للمؤمنين في النبي ﷺ أسوة حسنة، وتلك الأسوة: هي الاقتداء به، وليست عامةً في كل شيء؛ إذ هي نكرة في سياق الإثبات فلا تقتضي العموم، فلا يلزم دخول الفعل المجرد تحتها. هذا من حيث اللفظ، وسواء قُرِّر على الوجه المقتضي للوجوب أم للندب. والحق من الدلائل الخارجية والبراهين القاطعة أن الاقتداء به في كل شيء مشروعٌ محبوب؛ لأن الله تعالى جعله قدوة الخليقة، ولكن الاقتداء به يستدعي العلم بصفة الفعل (٣)، والفعل المجرد لم تُعلم صفته، فلا يدل وجوبُ الاقتداء ولا استحبابُه عليه.

стр. 2105

وأما تمسك الإمام بلفظ "الأسوة" ففيه نظر؛ إذ المعنى: أن لكم فيه قدوةً وأنه شُرِع (١) الاقتداء به، وذلك أعم مِنْ أن يكون على سبيل الوجوب أو الندب أو الإباحة، كما تقول: زيد قدوةٌ. وليس المعنى أنه يجب الاقتداء به، ولا يستحب، بل ما هو أعم من ذلك. وأما تمسك المصنف بقوله: ﴿حَسَنَةٌ﴾ - فقد أُورد عليه أن الحسنة لا تدل على الرجحان؛ لما تقرر في أوائل الكتاب من أنَّ المباح حسن (٢). وهذا إيرادٌ لائح في بادئ (٣) النظر إلا أن الذهن يُسابِق في هذه الآية إلى فهم الرجحان مِنْ قوله: ﴿حَسَنَةٌ﴾، لا يكاد يتمارى فيه، ولعل سبب ذلك أنه قال: ﴿لَكُمْ أُسْوَةٌ﴾ فأفاد ذلك مشروعية الاقتداء، فلما قال: ﴿حَسَنَةٌ﴾ بعد ذلك اقتضى زيادة على المشروعية، وليست تلك الزيادة إلا الرجحان، كما تقول: زيدٌ إنسان. فإن هذا كلامٌ مفيدٌ يفهم اللبيبُ منه بقولك: "إنسان" فوق ما يفهم من مدلول "إنسانٍ" من حيث هو، وهو أنه حاوٍ لخصال الإنسانية الشريفة، ولو لم يُفهم زيادةٌ على مدلولِ الإنسان - لم يُعَد الكلام مفيدًا؛ إذ كل زيدٍ إنسان. قال: (وبالوجوب: بقوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ (٤)، ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ
следующие страницы →