ومنها: ذهابه في العيد في طريق، وإيابه في آخر (١)(٢). والقاعدة مستوفاة في كتابنا "الأشباه والنظائر" كَمَّله الله.
قال: (احتج القائل بالإباحة: بأن فِعْله لا يُكره ولا يَحرم، والأصل عدم الوجوب والندب؛ فبقي الإباحة. ورُدَّ: بأنَّ الغالب مِنْ فعله الوجوب أو الندب).
احتج القائل بالإباحة: بأنَّ فعله ﷺ لا يكون حرامًا؛ لما تقرر في مسألة العصمة. ولا مكروهًا؛ لما قدمناه من أنه نادر بالنسبة إلى آحاد العدول، فكيف إلى أشرف المرسلين! وهذا عند من يُجَوِّز وقوع المكروه، وقد قدمنا ما نراه في ذلك، وذلك في المكروه الذي لا يَقْصد بفعله بيانَ جوازه، أما ما فَعَله ليبيِّن أنه جائز فقد يقال: لم لا يقع الإقدام ويكون مستحبًا أو واجبًا
стр. 2102
بالنسبة إليه؛ لما في إقدامه عليه مِنْ تبيين الجواز، كما قدمناه. والذي يظهر أنه لا يُقْدِم على فعله؛ إذ في القول مندوحة عن الفعل. وإذا انتفى المحرم والمكروه - انحصر الأمر في الواجب والمندوب والمباح، والأصل عدم الوجوب والندب (١)، فلم يبق إلا (٢) الإباحة.
وأجاب: بأن الغالب على فِعْله الوجوب أو الندب (٣)، فيكون الحمل على أحدهما أولى؛ لأن إلحاق الفرد بالأعم الأغلب أرجح وأولى من إلحاقه بخلاف ذلك.
ولقائل أن يقول: الوجوب والندب وإنْ كانا غالبًا إلا أنا لا (٤) نسلم أنه يقاوم الأصل الذي أشرنا إليه، بل الأصل أولى.
قال: (وبالندب: بأن قوله تعالى ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٥) يدل على الرجحان، والأصل عدم الوجوب).
واحتج (٦) القائل بالندب بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، والاستدلال بهذه الآية يُقَرَّر على أربعة أوجه: ثلاثة منها
стр. 2103
تدل على الندبية، والرابع يدل على الوجوب.
الأول: التمسك بقوله: ﴿لَكُمُ﴾، ووجهه: أنه قال: ﴿لَكُمُ﴾، وما قال: "عليكم"، وذلك يفيد أنه مندوب إليه؛ إذ المباح لا نفع فيه، واللام للاختصاص بجهة النفع، والظاهر من جهة الشرع اعتبار النفع الأخروي لا الدنياوي.
والثاني: وهو ما أورده الإمام: التمسك بقوله: ﴿أُسْوَةٌ﴾، وتقريره: أن التأسي لو كان واجبًا - لقال: "عليكم" كما عَرفتَ، فلما قال: ﴿لَكُمُ﴾ دل على عدم الوجوب. ولا أثبت الأسوة دلَّ على رُجحان جانب الفعل على الترك؛ فلم يكن مباحًا (١).
والثالث: وهو ما أورده في الكتاب: التمسك بقوله: ﴿حَسَنَةٌ﴾ ووجهه: أن قوله: ﴿حَسَنَةٌ﴾ يدل على الرجحان (٢)، والوجوب منتف بالأصل؛ فتعيَّن الندب.
ولم يُجِب عن هذا، بل جمع بينه وبين دليل الإيجاب. وأجاب عنهما: بأن الأسوة والمتابعة مِنْ شرطهما العلم بصفة الفعل (٣).
والرابع: الدال على الوجوب، وتقريره: أنه تعالى قال: ﴿لَقَدْ كَانَ
стр. 2104
لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ (١) وهذا جارٍ مَجْرى التهديد على ترك التأسي به؛ لأن معنى الآية أن مَنْ يرجو الله واليوم الآخر - فله فيه الأسوة الحسنة، (ومن لا يرجو الله واليوم الآخر - فليس له فيه الأسوة الحسنة) (٢)، فيكون وعيدًا على ترك التأسي به. أو نقول بعبارة أخرى: إنه جعل التأسي به لازمًا لرجاء الله واليوم الآخر، فيلزم مِنْ عدم التأسي به عدمُ رجاء الله واليوم الآخر، وهو محرم، فكذلك ما يستلزمه. والتأسي به في الفعل إنما هو بإتيان مِثْل فعله، فيكون الإتيان بمثل فعله واجبًا. هذا تقرير الأوجه.
واعلم أن الذي يظهر في الآية أنَّ الله تعالى جعل للمؤمنين في النبي ﷺ أسوة حسنة، وتلك الأسوة: هي الاقتداء به، وليست عامةً في كل شيء؛ إذ هي نكرة في سياق الإثبات فلا تقتضي العموم، فلا يلزم دخول الفعل المجرد تحتها. هذا من حيث اللفظ، وسواء قُرِّر على الوجه المقتضي للوجوب أم للندب.
والحق من الدلائل الخارجية والبراهين القاطعة أن الاقتداء به في كل شيء مشروعٌ محبوب؛ لأن الله تعالى جعله قدوة الخليقة، ولكن الاقتداء به يستدعي العلم بصفة الفعل (٣)، والفعل المجرد لم تُعلم صفته، فلا يدل وجوبُ الاقتداء ولا استحبابُه عليه.
стр. 2105
وأما تمسك الإمام بلفظ "الأسوة" ففيه نظر؛ إذ المعنى: أن لكم فيه قدوةً وأنه شُرِع (١) الاقتداء به، وذلك أعم مِنْ أن يكون على سبيل الوجوب أو الندب أو الإباحة، كما تقول: زيد قدوةٌ. وليس المعنى أنه يجب الاقتداء به، ولا يستحب، بل ما هو أعم من ذلك.
وأما تمسك المصنف بقوله: ﴿حَسَنَةٌ﴾ - فقد أُورد عليه أن الحسنة لا تدل على الرجحان؛ لما تقرر في أوائل الكتاب من أنَّ المباح حسن (٢). وهذا إيرادٌ لائح في بادئ (٣) النظر إلا أن الذهن يُسابِق في هذه الآية إلى فهم الرجحان مِنْ قوله: ﴿حَسَنَةٌ﴾، لا يكاد يتمارى فيه، ولعل سبب ذلك أنه قال: ﴿لَكُمْ أُسْوَةٌ﴾ فأفاد ذلك مشروعية الاقتداء، فلما قال: ﴿حَسَنَةٌ﴾ بعد ذلك اقتضى زيادة على المشروعية، وليست تلك الزيادة إلا الرجحان، كما تقول: زيدٌ إنسان. فإن هذا كلامٌ مفيدٌ يفهم اللبيبُ منه بقولك: "إنسان" فوق ما يفهم من مدلول "إنسانٍ" من حيث هو، وهو أنه حاوٍ لخصال الإنسانية الشريفة، ولو لم يُفهم زيادةٌ على مدلولِ الإنسان - لم يُعَد الكلام مفيدًا؛ إذ كل زيدٍ إنسان.
قال: (وبالوجوب: بقوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ (٤)، ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ
стр. 2106
تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ (١)، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (٢)، وإجماع الصحابة على وجوب الغُسْل بالتقاء الختانين؛ لقول عائشة ﵂: "فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا". وأجيب: بأن المتابعة هي الإتيان بمثل ما فَعَل على وجهه. ﴿وَمَا آتَاكُمُ﴾ معناه: وما أمركم، بدليل: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ﴾ واستدلال الصحابة بقوله: "خذوا عني مناسككم").
احتج القائل بالوجوب: بالنص، والإجماع.
أما النص: ففي مواضع:
أحدها: قوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ﴾، وظاهر الأمر الوجوب.
وثانيها: قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ دلَّت على أن محبةَ الله تعالى التي هي واجبة إجماعًا مستلزمةٌ لمتابعة الرسول ﷺ ، ولازم الواجب واجب؛ فمتابعته واجبة.
وثالثها: قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾، فإذا فعل فعلًا فقد أتانا بفعل، فوجب علينا أن نأخذه (٣).
стр. 2107
وأما الإجماع: فإن الصحابة ﵃ اختلفوا في وجوب الغسل من التقاء الختانين، فقالت عائشة ﵂: "إذا جاوز الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل، فعلتُه أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا". رواه الإمام أحمد، والترمذي، وقال: حسن صحيح (١). فرجعوا لِقَوْل عائشة، واتفقوا على وجوب الغسل بالتقاء الختانين.
والجواب عن الدليلين الأولين: بأن المتابعة هي الإتيان بمثل فِعْله على الوجه الذي أَتَى به من الندب أو غيره، حتى لو فعله على جهة الوجوب ففعلناه على جهة الندب لم تحصل المتابعة، وحينئذٍ فيلزم توقف الأمر بالمتابعة على معرفة الجهة، (وإذا لم نعلم بها لم نُؤمر بالمتابعة) (٢).
واعلم أن المتابعة والتأسي بمعنى واحد، فلذلك جعل المصنف جواب المتابعة جوابًا عن التأسي الذي احتج به الذاهب إلى الندب كما عرفت (٣).
وللمتابعة والتأسي شرطٌ آخر مع ما ذُكِر: وهو أن يقع الفعل لكونه فَعَل، ومن هنا يُغَايران الموافقة، فإنه لا يُشترط فيها أن تكون علةُ فِعْله إياه كونَه فَعَلَه (٤).
стр. 2108
وعن الآية الثالثة: أن معنى قوله: ﴿آتَاكُمُ﴾ أمركم، يدل على ذلك أنه قال في مقابِلِه: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ﴾.
وأما الإجماع على وجوب الغُسل: فليس لمجرد الفعل؛ بل لأنه فِعْلٌ في باب المناسك، وقد كانوا مأمورين بأخذ المناسك عنه بقوله: "خذوا عني مناسككم"، واللفظ وإنْ ورد في الحج - فهو عام في كل نُسُكٍ، أي: في (١) كل عبادة.
قلت: وفي الجواب نظر، فإن في الحديث بعد قوله: "خذوا عني مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه" كذا رواه مسلم، وأحمد، والنسائي (٢)، وعامة مَنْ رواه، ويتعيَّن بهذا اللفظ حَمْلُه على أعمال الحج دونَ غيرها.
ويمكن أن يقال في الجواب عن الإجماع: إنهم لم يُجمعوا بمجرد فعله ﵇، بل لفعل عائشة ﵂ معه، فإنَّ بفعلها يتبين أن الحكم فيها وفينا واحد، بخلافه؛ لاحتمال الخصوصية فيه.
ثم لقائل أن يقول: هذا القسم مما ظهر فيه قصد القربة، والمصنف إنما تكلم في المتجرد (٣)(٤). . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2109
(١).
قال: (الثالثة: جهة فعله تُعلم: إما بتنصيصه، أو تسويته لما علم جهته، أو بما علم أنه امتثالُ آية دلت على أحدها، أو بيانُها. وخصوصًا الوجوب: بأماراته (٢) كالصلاة بأذانٍ وإقامة، وكونه موافقة نذرٍ، أو
стр. 2110
ممنوعًا لو لم يَجِبْ كالركوعين في الخسوف. والندب بقصد القربة مجردًا وكونه قضاء لمندوب).
تقدم أنَّ المتابعة مأمورٌ بها، وأنَّ مِنْ شرطها العلمَ بجهة الفعل، وهذه المسألة في بيان الطرق التي تُعرف (١) بها الجهةُ ، وقد عرفتَ أن فعله ﷺ منحصر في الواجب، والمندوب، والمباح. فالطريق حينئذٍ قد يعم (٢) هذه الأمور، وقد يخص البعض منها.
فالعام أربعة:
أحدها: أن يُنَصَّ على كونه من القسم الفلاني (٣).
وثانيها: أن يُسَوِّيَه بفعلٍ عُلِمت جهتُه، كما إذا قال: هذا الفعل مساوٍ للفعل الفلاني. وكان ذلك الفعل المشار إليه معلومَ الجهة.
والثالث: أن يقع امتثالًا لآية دلت على أحد هذه الثلاثة.
والرابع: أن يقع بيانًا لآية مجملة دلت على أحدها (٤). وإلى هذا القسم أشار بقوله: "أو بيانها"، وهو مرفوع عطفًا على قوله: "امتثال"، أي:
стр. 2111
وتُعلم (١) جهةُ فِعْله بسبب عِلْم أن ذلك الفعلَ امتثالُ آية، أو بيان.
قوله: "وخصوصًا"، أي: ويُعلم خصوصًا الوجوبُ بالعلامات الدالة عليه، وذلك في أشياء:
أحدها: أن يقع على صفةٍ تقرَّر في الشريعة أنها أمارة الوجوب، كالصلاة بأذان وإقامة (٢).
والثاني: أن يكون جزاءَ شرطٍ، كفعلِ ما وَجَبَ بالنذر، بأن يقول مثلًا: لله عليَّ إنْ جَرَى الأمرُ الفلاني صومُ غد. ثم نرى جَرَيَانَ ذلك الأمرِ وصومَه في غدٍ.
واعلم أن وقوع النذر من النبي ﷺ غيرُ متصوَّرٍ إنْ قلنا بكراهته، وهو الذي حكاه الشيخ أبو علي السنجي عن نص الشافعي، كما نقل ابن أبي الدم (٣).
стр. 2112
والثالث: أن يكون ممنوعًا لو لم يَجِبْ (١)، كالإتيان بالركوعين في صلاتي الخسوف والكسوف (٢)، وكالختان (٣).
ولقائل أن يقول: هذا ينتقض بسجود السهو، وسجود التلاوة، فإنهما سنتان (٤) وممنوع منهما لولا المقتضِي لهما (٥).
стр. 2113
ويعرف الوجوب أيضًا بكونه قضاء لواجب، وهذا قد ذكره المصنِّف في المندوب، ومن العجب إخلاله به هنا (١).
ويُعرف أيضًا بالمداومة على الفعل، مع عدم ما يدل على عدم الوجوب. وهذا (٢) دليل ظاهر على الوجوب؛ لأنه لو كان غير واجب لنصب (٣) عليه دليلًا أو داخل بتركه لئلا يوهم إيجاب ما ليس بواجب (٤).
وقوله "والندب"، أي: ويختص معرفة الندب بشيئين:
أحدهما: قصد القربة مجردًا عن أمارةٍ دالةٍ على الوجوب، فإنه يدل على أنه مندوب؛ لأن الرجحان ثبت بقصد القربة، والأصل عدم الوجوب. وفي هذا ما تقدم من الخلاف.
والثاني: كون الفعل قضاءً لمندوب.
ويُعْرف الوجوب والندب كلاهما بالدلالة على أنه كان مخيرًا بينه وبين فعلٍ آخر ثَبَت وجوبُه؛ لأن التخيير لا يقع بين الواجب وما ليس بواجب (٥). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2114
و (١) هذا أهمله المصنف (٢).
قال: (الرابعة: الفعلان لا يتعارضان ، فإنْ عارَضَ فِعْلُه الواجبُ اتباعُهُ قولًا متقدمًا نَسَخَهُ. وإنْ عارض متأخِّرًا عامًّا فبالعكس. وإن اختص به نسخه في حقه، وإن اختص بنا خصَّنا (٣) قبل الفعل ونُسِخ عنا بعده. وإن جُهل التاريخ فالأخذ بالقول في حقنا؛ لاستبداده).
التعارض بين الشيئين: هو تقابلهما على وجه يمنع كل واحد منهما مقتضى صاحبِه (٤).
والتعارض بين الفعلين غير مُتَصَوَّر؛ لأنهما وإنْ تناقض حكمهما فيجوز أن يكون الفعل في ذلك الوقت (٥) واجبًا، وفي مثل ذلك الوقت
стр. 2115
بخلافه؛ لأن الأفعال لا عموم لها (١). ولو فُرِض مع الفعل الأول قولٌ مقتضٍ لوجوب تَكراره - فالفعل الثاني قد يكون ناسخًا أو مخصِّصًا، لكن لذلك القول لا للفعل؛ فالتعارض بين الفعلين ممتنع، بل إما أن يقع بين قولين، أو قول وفعل. ومحل الكلام في الأول كتاب التعادل والتراجيح. وأما الثاني فَذَكره هنا، وله أحوال؛ لأنه إما أن يكون القول متقدمًا، أو متأخرًا، أو يُجهل الحال.
قوله: "قولًا متقدمًا"، هذا هو الحال الأول: وجملة القول فيه أنه
стр. 2116
عليه السلام إذا فعل فعلًا، وقام الدليل على وجوب اتباعه فيه - فإنه يكون ناسخًا للقول المتقدم عليه، سواء كان ذلك القول: عامًا، كقوله مَثَلًا: صوم يوم عاشوراءِ واجبٌ علينا. ثم إنا نراه أفطر فيه، وقام الدليل على اتباعه فيه. أم كان خاصًا به، أم خاصًا بنا (١).
قوله: "وإن عارض متأخِّرًا"، هذا هو الحال الثاني: فإذا كان القول متأخرًا عن الفعل الذي دلَّ الدليل على وجوب اتباعه فيه - فإن لم يدل دليل على وجوب تكرر الفعل: فلا تعارض، وتركه المصنِّف لوضوحه.
وإن دلَّ على وجوب تكرره عليه وعلى أمته: فالقول المتأخر إما أن يكون عامًا يشمله ويشمل أمته - فيكون ناسخًا للفعل المتقدم، كما إذا صام عاشوراء، وقام الدليل على وجوب اتباعه فيه، ووجوب تكرره، ثم قال: لا يجب علينا صومه. هذا شرح قوله: "فإن عارض متأخرًا عامًا فبالعكس"، أي: يكون الفعل منسوخًا، عكس حالته الأولى التي كان فيها ناسخًا للقول.
стр. 2117
وإما أن يكون خاصًا به ﵇، كقوله في المثال المذكور: لا (١) يجب عليَّ صيامه - فلا تعارض بالنسبة إلى الأمة؛ لعدم تَعَلُّق القول بهم، فيستمر حكم الفعل الأول عليهم، ويُنسخ في حقه صلوات الله وسلامه عليه.
وإما أن يكون خاصًا بنا، كقوله: لا يجب عليكم صومه (٢) - فلا تعارض أيضًا وحكمه ﷺ مستمر، وأما نحن فيرتفع عنا التكليف به.
ثم إنْ ورد ذلك قبل صدور الفعل منا - كان مخصِّصًا مبيِّنًا لعدم الوجوب. وهذا يتجه أن يكون بناءً على أنه يجوز التخصيص في اللفظ العام إلى أن يبقى واحد. وإن ورد بعد صدور الفعل كان ناسخًا لفعلنا المتقدم، ولا يكون تخصيصًا لاستلزامه تأخير البيان عن وقت الحاجة.
واعلم أن هذا التفصيل إنما يأتي إذا كانت دلالةُ الدليل الدال على وجوب اتباع الفعل ظاهرةً، كالإتيان بلفظ عام مثل: هذا الفعل واجبٌ على المكلفين، إذا قلنا المخاطِب داخلٌ في عموم خطابه. أو: علينا معاشر الناس.
وأما إذا كانت قطعية فلا يمكن حمل القول المتأخر على التخصيص أصلًا، بل يتعيَّن حملُه على النسخ مطلقًا (٣).
стр. 2118
ثم هذا كله فيما إذا كان الفعل المتقدم مما يجب علينا اتباعه، كما عرفت وأما إن لم يكن كذلك - فلا تعارض بالنسبة إلينا؛ لعدم تعلق الحكم بنا. وأما بالنسبة إليه ﷺ : فإن دلَّ الدليل على وجوب تكرر الفعل، وكان القول المتأخر خاصًا به، أو مُتَناوِلًا له بطريق (النص (١) - فيكون القول ناسخًا للفعل (٢). وإن كان بطريق) (٣) الظهور (٤) فيكون الفعل السابق مُخَصِّصًا لهذا العموم (٥)؛ لأن المُخَصِّص عندنا لا يُشترط تأخره عن العام، ولم يذكر المصنف ذلك لظهوره.
قوله: "فإن جُهِل" هذا هو الحال الثالث: وهو أن يكون المتأخر منهما، أعني: من القول والفعل - مجهولًا. فإن أمكن الجمع بينهما
стр. 2119
بالتخصيص أو غيره - جُمع؛ لأن الجمع بين الدليلين ولو مِنْ وجه أولى مِنْ خلافه. وإن لم يمكن الجمع بوجه ما، وفيه تكلم المصنف - ففيه مذاهب:
أحدها: أن الأخذ بالقول؛ لأنه مستقلٌ بالدلالة موضوع لها، بخلاف الفعل فإنه لم يُوضع لها، وإنْ دَلَّ فإنما يدل بواسطة القول، فيقدم القول لاستبداده (١)، وهذا ما جزم به الإمام وأتباعه، واختاره الآمدي (٢).
والثاني: أنه يقدم الفعل (٣)؛ لأنه أوضح بالدلالة (٤)، (ألا ترى أنه) (٥) يُبَيَّن به القول، كالصلاة والحج.
والثالث: الوقف إلى ظهور التاريخ؛ لتساويهما في الدلالة (٦).
стр. 2120
واختار ابن الحاجب قولًا رابعًا من هذه الثلاثة: وهو الوقف بالنسبة إليه ﷺ ، والقول بالنسبة إلينا؛ لظهور ترجُّحِ القولِ، فيُعْمل به في حقنا، لا في حقه؛ إذ لسنا مكلَّفين في حقه بشيء (١)(٢). وهذا هو الذي أشعر به اختيار صاحب الكتاب؛ لأنه قال: "فالأخذ بالقول في حقنا"، وسكت عن حقه ﷺ (٣)(٤).
стр. 2121
قال: (الخامسة: أنه ﵇ قبل النبوة تُعُبِّد (١)(٢) بشرع، وقيل: لا) .
المسألة مشتملة على بحثين:
الأول: فيما كان ﷺ عليه قبل أن يبعثه الله تعالى برسالته (٣):
قال إمام الحرمين: "وهذا ترجع (٤) فائدته إلى ما يجري مَجْرى التواريخ" (٥). وقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:
الأول: أنه كان قبل النبوة مُتعَبَّدًا (٦) بشرع. واختاره ابن الحاجب، والمصنِّف (٧). وعلى هذا فقيل: كان على شريعة آدم. وقيل: إبراهيم (٨).
стр. 2122
وقيل: نوح. وقيل: موسى. وقيل: عيسى. عليهم وعليه صلوات الله وسلامه. وقال بعضهم: ما ثبت أنه شرع من غير تخصيص (١).
والمذهب الثاني: أنه ﵇ (لم يكن) (٢) قبل المبعث مُتَعَبَّدًا بشيءٍ قطعًا (٣). قال القاضي في، "مختصر التقريب": "وهذا هو الذي صار إليه جماهير المتكلمين، ثم اختلف القائلون بهذا المذهب: فقالت المعتزلة بإحالة ذلك عقلًا، وذهب عُصْبةُ أهل الحق إلى أنه لم يقع، ولكنه غير ممتنعٍ عقلًا" قال القاضي: "وهذا ما نرتضيه وننصره" (٤).
стр. 2123
والمذهب الثالث: التوقف وبه قال إمام الحرمين، والغزالي، والآمدي (١)، وهو المختار.
وقد اعتمد القاضي على ما ذهب إليه: بأنه لو كان على ملةٍ لاقتضى العُرْفُ ذِكْرَه لها لَمَّا بعثه نبيًا، ولتحدَّث بذلك أحدٌ في زمانه وبَعْدُ (٢).
وعارض إمام الحرمين ذلك: "بأنه لو لم يكن على دينٍ أصلًا لَنُقِل؛ فإن ذلك أبدع وأبعد عن المعتاد مما ذكره القاضي"، قال: "فقد تعارض الأمران (والوجه أن) (٣) يقال: كانت العادة انخرقت للرسول ﷺ في أمورٍ، منها انصراف هِمَم (٤) الناس عن أمر دينه والبحث عنه" (٥).
قال: (وبعدها: الأكثر على المنع. وقيل: أمرٌ بالاقتباس. ويكذِّبه انتظارُ الوحي، وعدمُ مراجعتِه ومراجعتِنا. قيل: رَاجَع في الرجم. قلنا: للإلزام. واسْتُدِلَّ بآياتٍ أُمِر فيها باقتفاء الأنبياء السالفة ﵈. قلنا: في أصول الشريعة وكلياتها).
البحث الثاني: في أنه ﷺ هل تُعُبِّد بعد النبوة بشرعِ مَنْ قبله:
والكلام في ذلك مع مَن (لم يَنْفِ) (٦) التعبد قبل النبوة، وأما مَن نفاه
стр. 2124
قبل النبوة فقد نفاه بعدها (١) بطريقٍ أولى (٢).
وقد ذهب الأكثرون من المعتزلة وأصحابنا (٣) إلى أنه لم يكن متعبَّدًا
стр. 2125
بشرعٍ أصلًا. ثم افترقوا:
فقالت معتزلتهم: إن التعبد بشرع مَنْ قبلنا غير جائز عقلًا، زاعمين أن ذلك لو قُدِّر لأشْعر بحطيطةٍ ونقيصةٍ في شرعنا، ولتضمن ذلك أيضًا (١) إثباتَ الحاجة إلى مراجعة مَن قبلنا، وهذا حطٌّ من رتبة الشريعة (٢).
وقال الآخرون: إن العقل لا يحيل ذلك ولكنه ممنوع شرعًا. واختاره الإمام الآمدي.
وقال قومٌ من الفقهاء: إنه كان مُتَعبَّدًا، أي: مأمورًا بالاقتباس مِن كتبهم، كما أشار إليه المصنف (٣). وهذا هو اختيار ابن
стр. 2126
الحاجب (١) وهو معنى قولهم: إذا وجدنا حكمًا في شرع مَنْ قبلنا، ولم يرد في شرعنا ناسخٌ له - لزمنا التعلقُ به. قال إمام الحرمين: "وللشافعي ميلٌ إلى هذا، وبنى عليه أصلًا من أصوله في كتاب الأطعمة، وتابعه معظم أصحابه" (٢).
قال في الكتاب: ويُكَذِّب هذا المذهب - أي: يبطل ما ذهب إليه بعض الفقهاء - أنه ﷺ كان ينتظر الوحي، ولا يقتبس من كتبهم، ولا
стр. 2127
يراجعها؛ إذ لو فَعَل ذلك لاشْتَهر.
ويُكَذِّبه أيضًا عدمُ مراجعتنا؛ إذ لو كان متعبَّدًا لوجب على علمائنا الرجوعُ إلى كتبهم (تأسيًا به) (١).
وهذا الوجه هو الذي اعتمد عليه القاضي ﵁ (٢)، وكذلك إمام الحرمين، وقال: "هو المسلك القاطع، فإن الصحابة كانوا يترددون في الوقائع بين الكتاب والسنة، والاجتهاد إذا (٣) لم يجدوا مُتَعلَّقًا فيهما، وكانوا لا يبحثون عن أحكام الكتب المنزَّلة على مَنْ قبل نبينا ﷺ (٤)، وكذلك مَنْ بعدهم من التابعين وتابعي التابعين لم يفزعوا قط في جزئية ولا كلية إلى النصارى واليهود، ولا التفتوا نحو التوراة والإنجيل بشَفَةٍ ولا إيماء، مع تقابل الأمارات، وتزاحم المشكلات، ولقد كانوا يَجْتَزون (٥) بقياس الشبه (٦)، وطرق الترجيح والتلويح (٧)، فكان ذلك إجماعًا قاطعًا،
стр. 2128
وبرهانًا واضحًا، على عدم الرجوع إلى ذلك؛ (إذ لو كنا) (١) مخاطَبين بشرائع مَنْ قبلنا لبحث علماؤنا عنها، كما بحثوا عن مصادر الشريعة ومواردها".
قال القاضي: "فإن قال الخصوم: بأن (٢) ذلك امتنع عليهم من جهة أنَّ أهل الأديان السالفة (٣) حَرَّفوا وَبدَّلوا، ولم يبق مِن نَقَلَة كتبهم مَنْ يُوثق به، (حتى قال أهل التواريخ: لم يبق مَنْ يقوم بالتوراة بعد عُزَير، ولا بالإنجيل بعد بَرْخيا) (٤).
قيل: لهم: الجمع بين هذا السؤال والمصير إلى الأخذ بشرع مَنْ قبلنا - تصريحٌ بالتناقض (٥)(٦)؛ لأن سياقه يجر إلى أنه لا يجب تتبُّع الشرائع المتقدمة؛ لمكان التباسها، واندراسها، وصيرورةِ التكليف بها تكليفًا بالمستحيل؛ لعدم التمكن من الوصول إليه فكأنكم وافقتم المذهب وخالفتم العلة (٧).
وأيضًا: فلو كان لنا تَعَلُّقٌ في شرع مَنْ قبلنا لنبهنا الشرعُ على مواقع
стр. 2129
اللبس، حتى لا يتعطل علينا مراجعة الأحكام (١).
وأيضًا: فإنا نقول: مِنْ أحكام الأوائل ما نُقِل إلينا نَقْلًا يقع (به العلم) (٢)، فهَلَّا أخذ أهلُ الأعصار به.
وأيضًا: فإنَّ مِنْ أهل الكتاب مَنْ أسلم وحسن إسلامه وبلغ مِنَ الأمانة والثقة أعلى الرتبة، كعبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، فهلا رجع الصحابة إلى قولهما في الإخبار عما لم يُبَدَّل من التوراة" (٣).
واعتذر القرافي عن هذا الجواب الأخير: "بأن الذين أسلموا من الأحبار وإنْ كانوا عدولًا عظماء في الدين، غير أنهم ليس لهم روايةٌ بالتوراة، ولا سند متصل، وليس إلا أنهم وجدوا آباءهم يقرؤون هذا الكتاب، والجميع في ذلك الوقت كفار فلا رواية، ولو وقعت كانت عن الكفار، والرواية عن الكفار لا تصح. ومَنِ اطلع على أهل الكتاب في شرائعهم، ومطالعة أحوالهم - حَصَل على جَزْمٍ بذلك" (٤)(٥).
стр. 2130
واعترض الخصم: بأنه ﷺ رجع إلى التوراة في قضية (١) الرجم، ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: "إن اليهود جاؤوا إلى رسول الله ﷺ ، فذكروا له أن امرأةً منهم ورجلًا زَنَيا، فقال لهم رسول الله ﷺ : ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ قالوا: نفضحهم (٢) ويُجْلدُون فقال عبد الله بن سلام (٣): كذبتم، فيها آية الرجم. فَأَتَوْا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدُهم (٤) يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام ارفع يَدَك، فرفع يده فإذا فيها آيةُ الرجم، فقال: صدق يا محمد. فأمر بهما النبي ﷺ فَرُجِما". الحديث (٥).
وهذا اعتراض ضعيفٌ؛ لأن الرجوع إليها إنما كان لإلزام اليهود، حيث أنكروا وُجْدان وجوبِ الرجم في التوراة، فأُقيمت الحجة عليهم بوجود ذلك فيما بين أيديهم وأن الحكم فيه موافق لشريعتنا، ووضح
стр. 2131
بُهْتهم وعنادهم، ولم يكن ذلك رجوعًا من النبي ﷺ إلى التوراة، بل يتعيَّن اعتقاد أنَّ ذلك كان بوحي إليه (١)؛ لتعذر الوصول (٢) إلى ما في التوراة؛ لعدم اتصال السند عن (٣) الثقاة (٤)، كما ذكره (٥) القرافي (٦).
واحتج الخصم بآيات من الكتاب العزيز تدل على أنه ﷺ كان مأمورًا باقتفاء الأنبياء السالفة ﵈، كقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ (٧)، وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (٨)، وقوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ (٩)، وقوله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ﴾ (١٠)، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا
стр. 2132
التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾ (١)، وهو ﵇ سيد النبيين.
والجواب: أن المراد بذلك إنما هو وجوبُ المتابعة في الأشياء التي لم تختلف باختلاف الشرائع، وتلك أصول الديانات وكلياتها، كقواعد العقائد المتعلِّقة بذات الله تعالى وصفاته، والقواعد العملية المشتركة بين جميع الشرائع: كحفظ العقول، والنفوس، والأموال، والأنساب، والأعراض.
فإن قلت: ألستم تقولون إن هذه الكليات لا تجب عقلًا وإنما تجب سمعًا، وإذا ثبت وجوبُ الاتباع فيها - فهو المقصَد (٢).
قلت: أجاب القاضي في "مختصر التقريب": "بأنا نقول: إنه تعالى ما أوجب على نبيه التوحيد إلا ابتداء، ثم نَبَّه على أنه كلَّفه، بمثل ما كَلَّف مَنْ قبله"، قال القاضي ﵁: "وأقوى ما يُتمسك به في إبطال استدلالهم: أنه ﷺ ما بحث عن دين واحدٍ من الأنبياء المُعَيَّنِين (٣) قط: لا نوح، ولا إبراهيم، ولا غيرهما. ولو كان مأمورًا باتباع شريعةٍ لبحث عنها، فوضح أنه ليس المعنى بأنه: شَرَع لنا من الدين ما وصَّى به نوحًا، وأمثال ذلك - إلا النهيَ عن الإشراك، وما تابعه من الكليات. وأما قوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ فالمراد به: افعل مِثْلَ فعلهم، واعتَقِدْ في التوحيد مثل ما اعتقدوه".
стр. 2133
قال القاضي: "ويدل عليه: أنه جَمَع الأنبياء ﵈ في هذه الجملة، ونحن نعلم أنهم لا يجتمعون في قضية الشريعة، والذي اجتمعوا عليه هو التوحيد ومعرفة الله تعالى، وأمثال ذلك.
فإن قلت: لئن استقام لكم ذلك في هذه الآية التي صيغتها تعميمٌ في أحوال الأنبياء - فلا يستقيم في الآية المنطوية على تخصيص إبراهيم ﵇ بالاتباع، ونحن نعلم أن التوحيد لا يختص به فيتعين حمل هذه الآية على الشريعة التي اختُصت بإبراهيم ﵇.
قلت: أجاب القاضي: بأنه كما خصص إبراهيم خصص نوحًا، ونحن نعلم اختلاف مِلَّتَيْهما، واستحالة الجمع بينهما (جملة، فدل ذلك على أنه لم يُرِد اتباع الشريعة، وإنما خَصَّص مَنْ خصص) (١) بالذكر تكريمًا له وتعظيمًا. قال: "وهذا كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ (٢) مع اندراجهما في اسم النبيين، ونظائر ذلك يكثر في الكتاب العزيز" (٣).
فروع:
الأول: إنْ قلنا: إنَّ شرع مَنْ قبلنا شَرْعٌ لنا: فالاختلافُ السابق في البحث الأول: أنه هل هو شرع آدم، أو نوح، أو
стр. 2134
إبراهيم، أو موسى، أو عيسى ﵈ جارٍ ههنا بعينه (١).
الثاني: إذا وجدنا حيوانًا لا يمكن معرفة حكمه من كتابٍ (٢)، ولا سنة، ولا استطابة (٣) (ولا استخباث) (٤)، ولا غير ذلك مما قرره علماء شريعتنا من المآخذ، وثبت تحريمه في شرع مَن قبلنا - فهل يستصحب تحريمه؟ فيه قولان: الأظهر أنَّا لا نستصحب، وهو قضية كلام عامة الأصحاب. فإن استصحبناه فشرطه أن يثبت تحريمه في شرعهم بالكتاب، أو السنة، أو يشهد به عدلان أسلما منهم، يعرفان المُبَدَّل مِنْ غيره. كذا ذكره أصحابنا (٥). ويَخْدِشه ما سلف عن القرافي.
الثالث: اختلف الفقهاء في أن الإسلام هل هو شرطٌ في الإحصان أم
стр. 2135
لا؟ ومذهبنا (١) أنه ليس بشرط، فإذا حكم الحاكم على الذمي المحصَن رَجَمه. ومذهب أبي حنيفة (٢) أن الإسلام شرط في الإحصان.
واستدل أصحابنا بحديث رجم اليهوديين المتقدم، واعتذر الحنفية عنه بأنه رجمهما بحكم التوراة. وهذا ضعيف، يظهر بما تقدم.
فائدة:
الشرائع المتقدمة ثلاثة أقسام.
الأول: ما لم نعلمه إلا من كتبهم ونقل أحبارهم الكفار. ولا خلاف أن التكليف لا يقع به علينا.
والثاني: ما انعقد الإجماع على التكليف به: وهو ما علمنا بشرعنا أنه كان شرعًا لهم، وأُمِرنا في شرعنا بمثله، كقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (٣)، وقد قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ (٤) وقام دليل الشرع على القصاص.
والثالث: ما ثبت أنه مِنْ شرعهم بطريقٍ صحيح نقبله، ولم نؤمر به في
стр. 2136
شريعَتنا (١). فهذا هو موضع الخلاف، فاضبط ذلك (٢)(٣). وبالله التوفيق.
стр. 2137
الباب الثاني: في الأخبار
الفصل الأول: فيما عُلِم صدقه من الأخبار
стр. 2138
قال: (الباب الثاني: في الأخبار . وفيه فصول:
الأول: فيما علم صدقه. وهو سبعةٌ:
الأول: ما عُلم وجود مُخْبَرِه بالضرورة، أو الاستدلال.
الثاني: خبر الله تعالى، وإلا لكنا في بعض الأوقات (أكمل منه تعالى وتنزه) (١).
الثالث: خبر الرسول ﷺ ، والمعتمد دعواه الصدق، وظهور المعجزة على وَفْقه (٢).
الرابع: خبر كلِّ الأمة؛ لأن الإجماع حجة.
الخامس: خبر جمع عظيم عن أحوالهم.
السادس: الخبر المحفوف بالقرائن).
الخبر قسم من أقسام الكلام، والقول في أنه حقيقة في اللساني، أو النفساني، أو مشترك - على الخلاف السابق. وقد يستعمل الخبر في غير القول، كقوله: تخبرني العينانِ ما القلبُ كاتمُ. لكنه مجاز؛ لعدم تبادره إلى الذهن، وقد سبق الكلام على حد الخبر في باب تقسيم الألفاظ.
стр. 2139
واعلم أن الخبر وإن كان من حيث هو يحتمل الصدق والكذب، لكنه قد يُقطع بصدقه أو بكذبه لأمورٍ خارجة، أو لا يقطع بواحدٍ منهما، لفقدان ما يوجب القطع، وحينئذٍ فقد يُظَنُّ الصدق، وقد يظن الكذب، وقد يستوي الأمران. والمصنف تكلم في فصولٍ:
الأول: فيما يُقطع بصدقه.
والثاني: فيما يُقطع بكذبه.
والثالث: فيما يُظن بصدقه (١).
واقتصر على هذه الفصول، وقد علمتَ مما ذكرناه أن الخبر منحصرٌ في الصدق والكذب؛ لأنه إما مطابق للواقع - وهو الصدق، أوْ لا - وهو الكذب.
وجعل الجاحظ بينهما واسطة فقال الصادق: هو المطابِق للواقع، مع اعتقاد كونه مطابقًا والكاذب: غير المطابق، مع اعتقاد كونه غير مطابق.
قال: وأما الذي لا اعتقاد يصحبه - فليس بصدقٍ ولا كذب، سواء طابَق الواقع أم لم (٢) يطابقه. وهذا قولٌ مُزَيَّف عند الجماهير (٣).
стр. 2140
الفصل الأول: فيما يُقطع بصدقه.
وهو سبعة أقسام:
الأول: الخبر الذي عُلم وجود مُخْبَرِه، أي: المُخْبَر به، وهو بفتح الباء. وحصول العلم به قد يكون بالضرورة، كقولنا: الواحد نصف الاثنين. وقد يكون بالاستدلال، كقولنا: العالم حادث (١).
الثاني: خبر الله تعالى؛ لأنه لو جاز الكذب عليه لكنا في بعض الأوقات وهو وقت صدقنا وكذبه - أكمل منه مِنْ جهة الصدق والكذب؛ إذ الصدق صفة كمال، والكذب صفة نقص، وتنزه الله تعالى، وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا (٢).
الثالث: خبر الرسول، والدليل على إفادته العلم: أنه ادعى الصدق، وظهرت المعجزات على وَفْقه، وذلك دليل على صدقه، لامتناع ظهور المعجزة على يد الكافر. وإذا ثبتت نبوته فكل ما يخبر به صحيح قطعًا؛ لامتناع الكذب على الأنبياء: أما إنْ كان فيما يتعلق بالتبليغ والتشريع - فبإجماع الأمة، وأما إذا لم يكن متعلِّقًا بالتبليغ - (فلأنه معصيةٌ، وكل معصيةٍ عندنا) (٣) من صغيرة أو