← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147104

الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (3 260 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

شريعَتنا (١). فهذا هو موضع الخلاف، فاضبط ذلك (٢) (٣). وبالله التوفيق.

стр. 2137

الباب الثاني: في الأخبار الفصل الأول: فيما عُلِم صدقه من الأخبار

стр. 2138

قال: (الباب الثاني: في الأخبار . وفيه فصول: الأول: فيما علم صدقه. وهو سبعةٌ: الأول: ما عُلم وجود مُخْبَرِه بالضرورة، أو الاستدلال. الثاني: خبر الله تعالى، وإلا لكنا في بعض الأوقات (أكمل منه تعالى وتنزه) (١). الثالث: خبر الرسول ﷺ ، والمعتمد دعواه الصدق، وظهور المعجزة على وَفْقه (٢). الرابع: خبر كلِّ الأمة؛ لأن الإجماع حجة. الخامس: خبر جمع عظيم عن أحوالهم. السادس: الخبر المحفوف بالقرائن). الخبر قسم من أقسام الكلام، والقول في أنه حقيقة في اللساني، أو النفساني، أو مشترك - على الخلاف السابق. وقد يستعمل الخبر في غير القول، كقوله: تخبرني العينانِ ما القلبُ كاتمُ. لكنه مجاز؛ لعدم تبادره إلى الذهن، وقد سبق الكلام على حد الخبر في باب تقسيم الألفاظ.

стр. 2139

واعلم أن الخبر وإن كان من حيث هو يحتمل الصدق والكذب، لكنه قد يُقطع بصدقه أو بكذبه لأمورٍ خارجة، أو لا يقطع بواحدٍ منهما، لفقدان ما يوجب القطع، وحينئذٍ فقد يُظَنُّ الصدق، وقد يظن الكذب، وقد يستوي الأمران. والمصنف تكلم في فصولٍ: الأول: فيما يُقطع بصدقه. والثاني: فيما يُقطع بكذبه. والثالث: فيما يُظن بصدقه (١). واقتصر على هذه الفصول، وقد علمتَ مما ذكرناه أن الخبر منحصرٌ في الصدق والكذب؛ لأنه إما مطابق للواقع - وهو الصدق، أوْ لا - وهو الكذب. وجعل الجاحظ بينهما واسطة فقال الصادق: هو المطابِق للواقع، مع اعتقاد كونه مطابقًا والكاذب: غير المطابق، مع اعتقاد كونه غير مطابق. قال: وأما الذي لا اعتقاد يصحبه - فليس بصدقٍ ولا كذب، سواء طابَق الواقع أم لم (٢) يطابقه. وهذا قولٌ مُزَيَّف عند الجماهير (٣).

стр. 2140

الفصل الأول: فيما يُقطع بصدقه. وهو سبعة أقسام: الأول: الخبر الذي عُلم وجود مُخْبَرِه، أي: المُخْبَر به، وهو بفتح الباء. وحصول العلم به قد يكون بالضرورة، كقولنا: الواحد نصف الاثنين. وقد يكون بالاستدلال، كقولنا: العالم حادث (١). الثاني: خبر الله تعالى؛ لأنه لو جاز الكذب عليه لكنا في بعض الأوقات وهو وقت صدقنا وكذبه - أكمل منه مِنْ جهة الصدق والكذب؛ إذ الصدق صفة كمال، والكذب صفة نقص، وتنزه الله تعالى، وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا (٢). الثالث: خبر الرسول، والدليل على إفادته العلم: أنه ادعى الصدق، وظهرت المعجزات على وَفْقه، وذلك دليل على صدقه، لامتناع ظهور المعجزة على يد الكافر. وإذا ثبتت نبوته فكل ما يخبر به صحيح قطعًا؛ لامتناع الكذب على الأنبياء: أما إنْ كان فيما يتعلق بالتبليغ والتشريع - فبإجماع الأمة، وأما إذا لم يكن متعلِّقًا بالتبليغ - (فلأنه معصيةٌ، وكل معصيةٍ عندنا) (٣) من صغيرة أو

стр. 2141

كبيرة (١) فهي ممتنعة على الأنبياء ﵈. الرابع: خبر كلِّ الأمة؛ لأن الإجماع حجة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وهذا إنما يتم عند مَنْ يقول: إن الإجماع قطعيٌّ. وأما مَنْ يقول: إنه ظني - فهو ينازع في إفادته العلم. الخامس: خبر العدد العظيم والجم الغفير عن الصفات القائمة بقلوبهم من الشهوة والنفرة، والجوع، والعطش. كقول زيد: أنا جائع. وعمرٌو: أنا ظام. وخالد: أنا شاكر. وبكر: أنا داع. وهلم جَرَّا؛ فإنا نقطع بأنه لا بد فيه من الصدق، وأنه ليس كله كذبًا (٢)، ولكنا نجهل الصحيح منه، كما أنا لا نشك في أنَّ بعض المرويِّ (عن الرسول) (٣) ﷺ صِدْقٌ وإنْ جَهِلنا (٤) عينه. ولا يتوهمن المتوهمُ أن هذا هو التواتر المعنوي الآتي إن شاء الله تعالى في آخر الفصل؛ وذلك لأن الجمع الذي يستحيل تواطؤهم على الكذب إذا أخبروا: فتارةً يتفقون في اللفظ والمعنى وهو المتواتر. وتارة يختلفون في اللفظ والمعنى مع وجود معنى كلي فيما أخبروا به وقع عليه الاتفاق، كما إذا أخبر واحدٌ عن حاتمٍ: أنه أعطى دينارًا، وآخرُ:

стр. 2142

أنه أعطي جملًا، وآخرُ: فرسًا، وهلم جَرَّا - فإن المخبرِين وإن اختلفوا في اللفظ والمعنى فقد اتفقوا على معنى كلي: وهو الإعطاء، وهذا هو التواتر (١) المعنوي. وتارة تتغاير الألفاظ والمعاني، ولا يقع الاتفاق على معنى كلي ولا جزئي، بل كل واحد (٢) يُخبِر عن شأن نفسِه بخبرٍ يغاير ما أخبر به الآخر، وهم جمع عظيم تقتضي (٣) العادة بأنه لا بد فيهم مِنْ صادق في مقاله وهذا هو القسم الذي نتكلم (٤) فيه. فالثابت في المتواتر ذلك الشيء الواحد (٥) الذي أخبر به أهل التواتر، وفي المعنوي القَدْرُ المشترك: (وهو أمرٌ كلي) (٦) وقع الاتفاق عليه ضمنًا. وفي هذا القسم أمر جزئي لم يتفقوا عليه. السادس: الخبر المحفوف بالقرائن. ذهب النَّظَّام (٧)، وإمام الحرمين،

стр. 2143

والغزالي، والإمام وأتباعه منهم المصنف، والآمدي، وابن الحاجب (١): إلى أنه يفيد العلم، وهو المختار (٢). وذهب الباقون إلى أنه لا يفيد (٣). واحتج الأولون: بأن الإنسان إذا سمع أن السلطان غضب على وزيره وأهانه، ثم إنه (٤) رأى الوزيرَ خارجًا من باب داره على وجه الذِّلة والانكسار، والخوفُ بادٍ على أعطافه (٥)، والوَجَل يلوح مِنْ حركاته

стр. 2144

وسكناته، وحَوَالَيْه الأعوان كالمرسَّمين عليه، وكلامهم له كلام النظير للنظير، بعد أن كانوا خدمًا بين يديه، وهم ذاهبون به نحو حبس السلطان، وعدوُّه يتصرف فيما كان يتصرف فيه - فإنه يَقْطَع بصدق ما سمعه، لا يداخله في ذلك شكٌّ ولا ريب، بل لو أظهر مع قيام هذه القرائن شَكًّا - لَعُدَّ أحمق، وَرَشَقَتْه سهام الملام. وكذلك إذا وجدنا رجلًا مرموقًا، عظيم الشأن، معروفًا بالمحافظة على رعاية المروءات حاسرًا رأسَه، شاقًا جيبَه، حافيًا، وهو يصيح بالويل والثبور، ويذكر أنه أصيب بولده أو والده، وشُهدت الجنازة، ورؤي الغسَّال (١) مُشَمِّرًا يَدْخل ويخرج - فهذه القرائن وأمثالها تفيد العلم بصدق المُخْبِر وإن كان واحدًا. واعلم أن هذه العلوم الحاصلة على حكم العادات وجدناها مترتبةً على قرائن الأحوال، وهي لا تنضبط انضباط المحدودات بحدودها (٢)، وقد قلنا: إنه لا سبيل إلى جَحْدِها إذا وقعت، وهذا كالعلم بخَجَل الخَجِل، ووجَلِ الوِجل، وبَسْطِ الثَّمِل (٣)، وغضب الغضبان، ونحوها مما لا يُعَدُّ ولا يحصى.

стр. 2145

فإذا ثبتت هذه القرائن ترتبت عليها علومٌ بديهيةٌ (١) لا يأباها إلا جاحد، ولَوْ رَامَ امرؤٌ العلمَ بضبط القرائن ووضعِها (٢) بما يميِّزها عن غيرها لم يجد إلى ذلك سبيلًا، وكأنها تَدِقُّ عن العبارات، وتأبى على مَنْ يحاول ضبطَها بها. وقد قال الشافعي ﵁: "مَنْ شاهد رضيعًا قد التقم ثديًا من مُرضع ورأى فيه آثار الامتصاص، وحركاتِ الغَلْصمة (٣)، وجَرْجَرةَ المتجرِّع - لم يسترب في وصول اللبن إلى جوف الصبي، وحَلَّ له أن يشهد له شهادةً باتةً بالرضاع. ولو أنه لم يبت شهادتَه في ثبوت (٤) الرضاع، ولكنه شهد على ما رأى من القرائن في وصفها، واستعان بالواصفين مُعَرِّفين، فبلغ ذِكْرُ القرائن مجلسَ القضاء لم يثبت (٥) الرضاع بذلك، وذلك أن ما يسمعه (٦) القاضي وصفٌ لا يبلغ مبلغ العيان، والذي يقضي بالمعايِن إلى دَرَكِ (٧) (٨). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2146

اليقين يَدِق مُدْرَكُه (١) عن عبارة الواصفين" (٢). قال إمام الحرمين: "ولو قيل لأذكى خلق الله قريحةً وأحدِّهم ذهنًا: افصل بين حُمْرةِ وجه الغضبان، وبين حمرة المرعوب - لم تساعده عبارة في محاولة الفصل، فإن القرائن لا تبلغها غايات العبارات. وبهذا يتمهد ما قلناه مِنْ أن حصول العلم بصدق المخبِر لن يتوقف على حدٍّ محدود، ولا عددٍ معدود" (٣) (٤) والله أعلم (٥). قال: (السابع: المتواتر: وهو خبر بلغت رواته في الكثرة مبلغًا

стр. 2147

أحالت العادةُ تواطُؤَهم على الكذب. وفيه مسائل: الأولى: أنه يفيد العلم مطلقًا خلافًا للسُّمَنية. وقيل: يفيد عن الموجود لا عن الماضي. لنا: أنا نعلم بالضرورة وجود البلاد النائية، والأشخاص الماضية. قيل: نجد التفاوت بينه وبين قولنا: الواحد نصف الاثنين. قلنا: للاستئناس). التواتر لغةً: هو التتابع. وتَوَاتَر مجيءُ القوم، أي: جاؤوا واحدًا بعد واحدٍ بفترة بينهما (١). ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ (٢) أي: واحدًا بعد واحد بفترة بينهما (٣). وفي الاصطلاح: ما ذكره المصنف (٤). وفي الفصل مسائل: إحداها: أكثر العقلاء على أنه إذا تواتر الخبر أفاد العلم اليقيني، سواء كان خبرًا عن أمور موجودة في زماننا، كالإخبار عن البلدان البعيدة. أو عن أمورٍ ماضية، كالإخبار عن وجود الأنبياء ﵈ وغيرِهم في القرون الماضية.

стр. 2148

وقالت السُّمَّنِيَّة بضم السين المهملة، وفتح الميم المشددة (١)، بعدها نون، ثم ياء (٢) آخر الحروف، وهم قومٌ مِنْ عبدة الأوثان (٣): إنه لا يفيد العلم (٤). قال القاضي في "مختصر التقريب": "وهؤلاء قومٌ من الأوائل (٥)، ولا فَرْق عندهم بين المتواتر والمستفيض والآحاد" (٦). وفَصَّل قوم (٧) فقالوا: إنْ كان خبرًا عن موجود (٨) أفاد العلم، وإن

стр. 2149

كان عن ماضٍ فلا يفيده (١). لنا: أنا بالضرورة نعلم وجودَ البلاد النائية، كنيسابور وخوارزم. والأشخاصَ الماضية، كالشافعي، وأبي حنيفة. ونجزم بذلك جزمًا يجري مَجْرى جزمِنا بالمشاهدات، فيكون المنكِر لها كالمنكر للمشاهدات، ومن أنكر ذلك فقد سقطت مكالمته، ووضحت مجاحدته. قال القاضي: "فإن قالوا المحسوسات لما كانت معلومة ضروريةً لم نجحدها، وإنما جحدنا ما تواترت عنه الأخبار. قلنا: وقد جحد المحسوسات السفسطائية (٢)، وزعموا أن كل ما يسمى محسوسًا فلا حقيقة له، وإنما رؤيتنا له تخيل (٣) كحكم (٤) النائم.

стр. 2150

فإن قيل: هذا المذهب يؤثر عنهم، (ولم نر منهم طائفة) (١) تقوم بهم حجة. قال القاضي: فنقول كذلك (لا نزال) (٢) ننقل (٣) مذهب السُّمَنية ولم نر حِزْبًا وفئة يكترث بهم" (٤). واعترض الخصم: بأنا نجد التفاوت بين خبر التواتر وغيره من المحسوسات والبديهيات، كقولنا: الواحد نصف الاثنين. وقيام التفاوت دليلُ احتمالٍ بطريق النقيض، ومع الاحتمال يخرج عن كونه يقينيا. والجواب: أن سببَ التفاوت الحاصل كثرةُ استعمال بعض القضايا، وتصورُ طرفيها، بخلاف غيرها؛ فلهذا يستأنس (٥) العقل ببعضها دون بعض (٦). وهذا الجواب مبني على أن العلوم لا تتفاوت، والذي اختاره كثيرون

стр. 2151

خلافه (١) (٢). قال: (الثانية: إذا تواتر الخبر أفاد العلم ولا حاجة إلى نظر، خلافًا لإمام الحرمين، والحجة، والكعبي، والبصري. وتوقف المرتضى. لنا (٣): لو كان نظريًا لم يحصل لمن لا (٤) يتأتى له، كالبُلْه والصبيان. قيل: يتوقف على العلم بامتناع تواطئهم على الكذب، وأن لا داعي لهم إلى الكذب. قلنا: حاصلٌ بقوةٍ قريبة من الفِعل فلا حاجة إلى نظر). الجمهور على أنه إذا تواتر الخبر أفاد العلم، ولا حاجة معه إلى كسب، وهو رأي الإمام وأتباعه منهم المصنف، واختاره ابن الحاجب (٥). وذهب أبو القاسم الكعبي من المعتزلة، وقال الشيخ (٦) أبو إسحاق

стр. 2152

الشيرازي هنا: إنه البلخي وكَنَاه (١) أبا مسلم (٢) - إلى أنه كسبي، ووافقه أبو بكر الدقاق وأبو الحسين (٣)، ونقله المصنف تبعًا للإمام (٤) عن حجة الإسلام الغزالي. وفيه نظر، فالذي نَصَّ عليه في "المستصفى": أن تحقيق القول فيه أنه ضروري، بمعنى: أنه لا يُحتاج في حصوله إلى الشعور بتوسط واسطةٍ مفضية إليه، مع أن الواسطة حاضرة في الذهن وليس ضروريًا، بمعنى: أنه حاصل من غير واسطة، كقولنا: القديم لا يكون مُحْدَثًا، والوجود لا يكون معدومًا؛ فإنه لا بد فيه من حصول مقدمتين في النفس: عدم اجتماع هذا الجمع على الكذب، واتفاقهم على الإخبار عن هذه الواقعة (٥).

стр. 2153

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2154

وهذا الذي ذكره الغزالي هو الحق، وهو الذي اختاره الإمام وأتباعه. وأما إمام الحرمين فقد نقل المصنف عنه أيضًا أنه نظري، وهو قد صرح في "البرهان" بموافقة الكعبي، كما نقل المصنف، لكنه نَزَّل مذهب الكعبي على محمل يقارب ما ذكره الغزالي، وهذه عبارته: ذهب الكعبي إلى أن العلمَ بصدق المخبِرين تواترًا نظري، وقد كثرت المطاعن عليه من أصحابه ومن عُصْبَة الحق، والذي أراه تنزيلَ مذهبِه عند كثرة المخبِرين على النظر في ثبوت إيالة (١) جامعة وانتفائها، فلم يَعْنِ الرجلُ نظرًا عقليًا، وفكرًا سَبْرِيًّا على مقدمات ونتائج، فليس ما ذكره إلا الحق (٢). انتهى. وإذا اتحد رأي إمام الحرمين والغزالي، وكان هو رأي الإمام والجمهور، ونُزِّل مذهب الكعبي عليه كما صنع إمام الحرمين - لم يكن بينهم اختلاف. وهذا التنزيل هو الذي ينبغي أن يكون، ولا يُجْعل في المسألة نزاع (٣). وتوقف الشريف المرتضى (٤). . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2155

والآمدي (١). واحتج الجمهور: بأنه لو كان نظريًا - لما حصل لمَنْ ليس هو من أهل النظر، كالبُلْه والصبيان. (قال الإمام) (٢): "ولما حَصَل عَلِمْنا أنه ليس بنظري" (٣). وفي الدليلين نَظَرٌ، أما الأول فقال النقشواني: نمنع حصول العلم بالمتواتر (٤) للصبيان حال طفوليتهم، وعدم حصول النظر والتمييز لهم حال كونهم مراهقين. قال: وكذلك نقول في البله باعتبار الحالتين (٥).

стр. 2156

وأما الثاني: فلا يلزم مِنْ كونه ضروريًا العلمُ بأنه ضروري ضرورةً؛ إذ العلم بالشيء لا يستلزم العلم بصفته (١). واحتج القائل بأنه نظري: بأن العلم بمقتضاه متوقف على العلم بامتناع تواطؤ المخبِرين على الكذب عادةً، وأنه لا داعي لهم (٢) إليه (٣) مِنْ غرض ديني أو دنيوي. وإذا كان متوقفًا على حصول الغير - كان نظريًا لا سيما وهذه المقدمات نظرية، والمتوقف على النظري أولى أن يكون نظريًا. والجواب: أن هذه المقدمات حاصلةٌ بقوة قريبة من الفعل (٤)، أعني: أنه إذا حصل طرفا المطلوب (٥) في الذهن - فمِنْ غير نظرٍ تحصل الضرورة

стр. 2157

عَقِيبه (١) (٢). قال: (الثالثة: ضابطه إفادةُ العلم. وشَرْطه أن لا يعلمه السامع ضرورةً، وأن لا يعتقد خلافَه لشبهةِ دليلٍ أو تقليدٍ، وأن يكون سند المخبرين إحساسًا به). ضابط الخبر المتواتر: إفادة العلم. فمتى أخبر هذا الجمع، وأفاد خبرُهم العلمَ - عَلِمْنا أنه متواتر، ومتى لم يُفده (٣) تبيَّن لنا أنه غير متواتر، إما لفقدان شرطٍ من شروط المتواتر، أو لوجود مانع. وعند هذا يظهر أنه يتعذر الاستدلال (بالتواتر على مَنْ لم يعترف بحصول العلم له (٤)، ضرورةَ أنه لا مرجع في حصول شرائطه إلا حصولُ

стр. 2158

العلم به، فمن لم يحصل له العلمُ لا يمكن الاستدلال) (١) به عليه. ومن قال: لم يحصل لي العلم - لا يقال له: بلى حصل لك العلم. وشروط المتواتر أربعة: أحدها: أن يكون السامع له غير عالمٍ بمدلوله ضرورةً؛ لأن تحصيل الحاصل مُنَزَّل في الاستحالة منزلة تحصيل الممتنع. ونحن نضرب لذلك مثلًا قائلين: ذو العلم بأن النفي والإثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان، لو أُخبر بذلك - لم يزدد علمًا، ولم يستفد يقينًا. الثاني: أن لا يكون السامع معتقِدًا خلافَه إما لشبهةِ دليلٍ (٢)، أو تقليد إمامٍ إنْ كان عاميًا (٣). وهذا الشرط اعتبره الشريف المرتضى واختاره المصنف. واحتج الشريف على اشتراطه: بأن حصول العلم عقيب التواتر إنما هو بالعادة (٤). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2159

لا بطريق التوليد (١) (٢)، فإنه ربما يتوهم حينئذ أنه لا مدخل لما ذكر من الشرط حتى يختلف فِعْلُه بحسب اختلافه، فجاز أن يختلف ذلك باختلاف أحوال السامعين، فيحصل للسامع إذا لم يكن قد اعتقد (نقيض ذلك الحكم قبل ذلك، ولا يحصل له إذا اعتقد) (٣) نقيضَه. ثم أورد على نفسه: بأنه يلزمكم على هذا أن تجوِّزوا صِدْق مَنْ أخبركم بأنه لَمْ يَعْلم وجودَ البلدان الكبيرة، والحوادثَ العظام - بالأخبار المتواترة، لأجل تقليدٍ أو شبهةٍ اعتقدها في نفي تلك الأشياء.

стр. 2160

وأجاب عنه: بأنه لا داعي يدعو العقلاء إلى سَبْق اعتقادِ نفي هذه الأمور، ولا شبهة في نفي تلك الأشياء، والتقليد لا بد وأن ينتهي إلى ما ليس بتقليد دفعًا للتسلسل والدور (١)، فلا يُتصور فيه اعتقاد نفي موجِب الخبر (٢)، فلا جرم أنه لا يجوز صِدْقه. وهذا باطل: بأنا قد نجد أنفسنا جازمةً بما أخبر به أهل (٣) التواتر وإن سبق لنا اعتقادُ نَفْي موجِبِه. واعلم أن الشريف رَامَ بهذا الاشتراط مرامًا بعيدًا، فإنه اتخذ ذلك ذريعة إلى معتقده فقال: وهذا كما أنَّ النص الدال على إمامة علي ﵁ متواتر، ثم لم يحصل العلم به لبعض السامعين؛ لاعتقادهم نَفْيَ النص لشبهةٍ أو تقليد. ولقد رَمَى الغرض مِنْ أمدٍ بعيد، وأوقع اللبيبَ في أمر عُجاب، ما أدري أيتعجب المرء مِنْ ذي علمٍ يميل إلى معتقده (٤) فَيُدْخِلُ في الدين أمورًا شامخةً، وقواعد كليةً، يَتَوَصَّلُ إلى إثبات ذلك (٥) المعتقد الجزئي بها، ولا داعي له إلى ذلك سوى غرضه الجزئي! أو يدعي التواتر في أمر إذا عرضه على أهل الخبرة بالحديث والأثر، وذوي المعرفة بفنون السير - لم

стр. 2161

يَلْفَ منهم قائلًا: (إن ذلك) (١) خبرٌ يُعَدُّ في الآحاد فضلًا عن إلحاقه (٢) بالمتواترات. وهذا من بَهْت الروافض؛ فإنه لو كان لما خفي على أهل بيعة السقيفة (٣)، ولتحدثت به امرأة على مِغْزلها، ولأبداه مخالِف أو مُوَالِف، ولخَرَّجه مِنْ رواةِ الحديث ولو حافظٌ واحد. الثالث: أن يكون مستند المخبِرين في الإخبار هو الإحساس بالمخبَرِ عنه بإحدى الحواس الخمس؛ لأن ما لا يكون كذلك يجوز دخول الغلط والالتباس فيه، فلا جرم أنه لا يحصل العلم به. وقال إمام الحرمين: "لا معنى لاشتراط الحس، فإنَّ المطلوب صدورُ الخبر عن العلمِ الضروري، ثم قد يترتب على الحواس ودَرْكها، وقد يحصل عن (٤) قرائن الأحوال، ولا أثر للحس فيها على الاختصاص فإن الحس لا يُميِّز احمرار الخجل والغضبان عن اصفرار المَخُوف والمرعوب، وإنما العقل يُدرك تميز هذه الأحوال"، قال: "فالوجه اشتراط صدور الأخبار عن البديهة والاضطرار" (٥). هذا كلام إمام الحرمين وتبعه الإمام (٦)

стр. 2162

وفيه نظر؛ لأن ما ذكره راجع إلى الحس أيضًا؛ لأن القرائن التي تفيد العلم الضروري مستندةٌ إلى الحس؛ ضرورةَ أنها لا تخلو عن أن تكون حالية أو مقاليةً، وهما محسوسان. وأما القرائن العقلية فهي نظرية لا محالة، فلا يتصور التواتر فيها ولا تفيد إلا عِلْمًا نظريًا، فلو أخبر الزائدون على عدد أهل التواتر بما لا يُحصى عددًا عما علموه نظرًا لم يُفِد خبرُهم عِلْمًا، وكانت طَلَبات العقل قائمةً إلى قيام البرهان (١). قال إمام الحرمين: "والسبب في ذلك أن النظر مُضْطَرَبُ العقول، ولهذا يُتصور الاختلاف فيه نفيًا وإثباتًا، فلا يستقل بجميع وجوه النظر عاقلٌ. والعقلاء ينقسمون إلى راكن في الدَّعة والهُوَيْنا مِنْ بُرَحاء (٢) كَدِّ النظر، وإلى ناظر. ثم النظار ينقسمون ويتحزبون أحزابًا لا تنضبط على أقدار (٣) القرائح في (٤) ذكائها واتقادها، وبلادتها واقتصادها. ومن أعظم أسباب اختلافهم اعتراضُ القواطع والموانع قبل استكمال النظر، فلا يتضمن إخبارُ المخبرِين في

стр. 2163

مجاري (١) النظر صِدقًا ولا كذبًا" (٢). قال: (وعددهم مبلغًا يمتنع تواطؤهم على الكذب. وقال القاضي: لا يكفي الأربعة، وإلا لأفاد قولُ كلِّ أربعةٍ، فلا يجب تزكية شهود الزنا؛ لحصول العلم بالصدق أو الكذب. وتوقف في الخمسة. ورُدَّ: بأن حصول العلم بفعل الله تعالى، فلا يجب الاطراد، وبالفرق بين الرواية والشهادة. وشُرِط (٣) اثنا عشر، كنقباء موسى. وعشرون؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ (٤). وأربعون؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥) وكانوا أربعين. وسبعون؛ لقوله: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾ (٦). وثلاثمائةٍ وبضعةَ عشرَ عَدَدُ أهل بَدْر. والكل ضعيف). الشرط الرابع: أن يبلغ عدد المخبِرين إلى مبلغٍ يمتنع عادة تواطؤهم على الكذب، وذلك يختلف باختلاف الوقائع، والقرائن، والمخبِرين. ولا يتقيد ذلك بعددٍ معيَّن، بل هذا القدر كافٍ عند الجماهير (٧)؛ لأنه لا عدد

стр. 2164

يُفرض مِنْ ألفٍ أو ألفين إلا والكذب منهم غيرُ مستبعد لذي العقل، بل المرجع في حصول هذا الشرط وغيرِه إلى الوُجْدان، فإن وَجَدَ السامع نفسه عالمًا بما أُخبر به على التواتر - عَلِمَ وجود هذا الشرط وغيرَه، وإلا عَلِم اختلالَه، أو اختلال غيره من الشرائط. وهذا قد تقدم ذِكْرُه، لكن من هؤلاء الجماهير مَنْ قطع في جانب النفي ولم يقطع في جانب الإثبات، فقال بعدم إفادة عددٍ مُعَيَّن له، وتوقف في بعضه (١). وهو القاضي ﵁، حيث قال: "أقطع بأن قول الأربعة لا يفيد العلم، وأتوقف في الخمسة" (٢). واحتج على ذلك: بأنه لو حصل العلم بخبر أربعة صادقين - لحصل بخبر كلِّ أربعةٍ صادقين؛ لأنه لو لم يكن كذلك، مع تساوي الأحوال والقائلين والسامعين في جميع الشروط - لزم الترجيح من غير مرجِّح؛ ولأنه لو جاز ذلك لجاز أن يحصل العلم بأحد الخبرين الصادِرَيْن عن جمعٍ لا يمكن تواطؤهم على الكذب دون الآخر. ولو حصَل العلم بخبر كل أربعة صادقين لوجب أن يستغني الحاكم فيما إذا شهد عنده أربعة: أن فلانًا زنا بفلانة - عن تزكيتهم؛ لأنهم إن

стр. 2165

كانوا صادقين وجب حصولُ العلم بقولهم؛ فاستغنى عن التزكية. وإن لم يحصل القطع بصدقهم وجب أن يحصل العلم بكونهم كاذبين؛ لأن الفَرْضَ أنَّ حصول العلم بالصدق من لوازم قول كلِّ أربعة صادقين، فمتى لم يحصل العلم بالصدق - فقد انتفى اللازم، وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم، ولا يمكن انتفاء حصول العلم؛ لانتفاء كونهم شهدوا، (ولا لكونهم) (١) أربعة؛ إذ هو خلاف الفَرْض، فتعين أن يكون لانتفاء الصدق، ومتى انتفى الصدق تعيَّن الكذب؛ إذ لا واسطة بينهما، وحينئذ لا يجب تزكيتهم أيضًا للعلم بكذبهم، فتخلوا عن الفائدة. فوضح أنه لو أفادت الأربعة العلم - لم تجب تزكية شهود الزنا، وطَلَبُ تزكيتهم واجبٌ بإجماع الأمة، فبطل الأول. قال: وأما الخمسة فأتوقف فيها، إذ لا يخفى عدم تأتي هذه الدلالة فيها؛ لأنه إن لم يضطر إلى العلم بصدقهم قَطعَ بعدم صدقهم، ولا يلزم من القطع بعدم صدقهم عدمُ صدق الأربعة منهم؛ لجواز أن يكون الأربعة منهم شاهدوا الزنا دون الخامس، فجاز أن تطلب تزكيتهم؛ لبقاء النصاب. وهذا بخلاف الأربعة؛ لأن كذب أحدهم مُسْقِطٌ للحجة. هذا تقرير حجة القاضي. ونحن نقول له: إن عَنَيْتَ بقولك: "أتوقف في الخمسة" التوقُّفَ في حصول العلم بقولهم وعدم حصوله - فهو صحيح، لكن لا اختصاص لهذه (٢) الوقفة بالخمسة، بل يتأتى ذلك في الألف والألفين؛ إذ لا

стр. 2166

نقطع (١) بحصول العلم بصدقهم، ولا بعدمه، فكان يجب أن تتوقف (٢) في الكل بهذا المعنى (٣). وإنْ عنيتَ به التوقفَ في جواز حصول العلم بقولهم، كما في سائر الأعداد، وعدم جوازه كما في الأربعة - فهو غير صحيح؛ لأنه إذا لم يتأت فيهم الدليل الدال على عدم جواز حصول العلم بقولهم - يجب إلحاقهم بسائر الأعداد التي يجوز أن يحصل العلم بقولهم. قوله (٤): "وردَّ" (٥) أي: رُدَّ قَوْلُ القاضي بوجهين: أحدهما: مَنْع الملازمة. وأما قوله: يلزم الترجيح من غير مرجِّح - فممنوعٌ؛ لأنه منسوب إلى الفاعل المختار على مذهبنا ومذهبه، فالعلم الحاصل بخبر التواتر إنما هو بخَلْق الله تعالى، لا بطريق التوليد، حتى يكون الترجيح من غير مرجِّح ممتنعًا.

стр. 2167

وأما قوله: لجاز مِثْلُه في أحد الخبرين عن الجمع الكثير دون الآخر - فممنوع؛ لأنه يجوز أن تختلف في ذلك عادة الله تعالى، فاطرد عادته بخلق العلم الضروري عقيب إخبار الجمع الكثير، ولم يطرد ذلك (١) عقيب إخبار الجمع القليل، بل تختلف فيه عادته، فتارةً يخلق وتارةً لا يخلق، كما أن عادته مطردةٌ بخلق الحفظ عقيب التكرار على البيت الواحد من الشعر ألف مرة، ولم تطرد عادته بخلقه عقيب التكرار عليه مرةً أو مرتين. وثانيهما: الفَرْق بين الرواية والشهادة، وذلك أن الشهادة تقتضي شرعًا خاصًا، فتواطؤ الشهود على الكذب في المشهود عليه غير مستبعد، بخلاف الرواية ولذلك يُشترط في الشهادة ما لا يشترط في الرواية (٢). قوله: "وشُرِط"، علمتَ مذهب الجماهير، وقد ذهب مَنْ سواهم من الخائضين في هذا الفن إلى اشتراط العدد، ثم تضايقت مذاهبهم فيه، فلم يغادروا على اختلاف الآراء عددًا في (٣) الشرع هو مُرْتَبَط حكمٍ أو جارٍ وفاقًا في حكاية حالٍ، إلا مال إليه منهم مائل. فذهب ذاهبون إلى اشتراط اثني عشر، كعدد نقباء موسى ﵇؛ لأن موسى ﵇ نصبهم ليعرِّفوه أحوال بني إسرائيل، قال الله تعالى: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ (٤)، وإنما خَصَّهم بذلك العدد

стр. 2168

لحصول العلم بقولهم. وبعضهم شرط عشرين؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (١)، وعلى هذا المذهب العَلَّاف (٢)، وهشام بن عمرو الفُوَطي (٣)، لكنهما كما ذكر القاضي في "مختصر التقريب" شرطا مع ذلك أن يكونوا من المؤمنين الذين هم أولياء الله (٤). ونقل الإمام اشتراط العشرين عن أبي الهذيل (٥).

стр. 2169

وبعضهم شرط أربعين مصيرًا إلى عدد الجمعة، و (١) ذهابًا إلى أن هذا (٢) العدد هو الذي نزل فيه قوله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣)، فنزلت هذه الآية لما آمن أربعون من الرجال. وشرط آخرون سبعين تمسكًا بقوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾ (٤). وقال قومٌ: ثلثمائةٍ وبضعةَ عشرَ، عددَ أهلِ بدر (٥). والبِضْعُ بكسر الباء: هو ما بين الثلاث إلى التسع. والذي في "مختصر التقريب" للقاضي، و"البرهان" لإمام الحرمين، و"الوجيز" لابن بَرْهان، و"الإحكام" للآمدي - تقييدُ هذا العدد بثلاثمائة وثلاثةَ عشرَ (٦)، وهو لا يباين ما نقل المصنف. ولعل الناظر في كتب المحدثين يجد أنهم كانوا ثلاثمائةِ رجلٍ وخمسة رجال، وهو أيضًا غير مباين؛ وذلك لأن الذين خرجوا مع

стр. 2170

النبي ﷺ في غزوة بدر للمقاتلة ثلثمائةِ رجلٍ وخمسةُ رجال، ولم يحضر الغزوة ثمانيةٌ من المؤمنين، أدخلهم النبي ﷺ في حكم عِدَاد (١) الحاضرين، وأجرى عليهم حكمهم، فكانت الجملة ثلثمائةٍ وثلاثةَ عشرَ، فاستفِدْ هذا، فإن جماعةً من المحدثين ذهلوا عنه، حتى حكاه بعضهم خلافًا، فقال: قيل: ثلاثمائةٍ وثلاثة عشر، وقيل: ثَلاثُمائةٍ وخمسُ رجال، كالحافظ شرف الدين الدمياطي وغيره، والجمع بين القولين ما أشرنا إليه (٢). قال المصنف تبعًا للجماهير: "والكل ضعيف". وهو كذلك؛ لأنا نعارض بعض هذه المذاهب ببعض، ولا يتجه عند تعارضها ترجيح بعض على بعض. قال إمام الحرمين: "وإنْ عَنَّ ترجيحٌ فليس ذلك من مدلول الحق المقطوع به، فإن الترجيحات ثمراتُها غَلَباتُ الظنون في مُطَّرِد العادة. وأيضًا فإنه لا تعلق لشيء من هذه الأعداد بالأخبار، وإنما هي في قضايا غايات جرت في حكايةِ أحوالٍ، وليس في العقل ما يَقْضِي (٣) بمناسبة شيءٍ منها لاقتضاء العلم، فلا وجه لاعتبار شيءٍ منها. وأيضًا فما مِنْ عددٍ مما ذكروه إلا ويمكن فرض تواطؤهم على الكذب. وبالجملة

стр. 2171

فالأعداد التي تمسكوا بها منقسمة إلى واقعٍ في أقاصيصَ وحكاياتِ أحوالٍ جَرَت وِفاقًا وكان (١) لا يمتنع أن يقع أقل من تلك المبالغ أو أكثر، وهي واردة في أحكام لا تعلق لها بالصدق والكذب، فلا معنى للتمسك بها" (٢). ويلتحق بهذه المذاهب قول بعضهم باشتراط عدد أهل (٣) بيعةِ الرضوان (٤). قال إمام الحرمين: وهم ألف وسبعمائة (٥). وقال ضرار بن عمرو (٦): لا بد مِنْ خبر كُلِّ الأمة وهو الإجماع، حكاه القاضي في "مختصر

стр. 2172

التقريب" (١) وحكى عن صاحب أبي الهذيل المعروف بأبي عبد الرحمن أنه اشترط خمسةً من المؤمنين الذين هم أولياء الله، بشرط عصمتهم عن الكذب. قال (٢): ولا بد معهم من سادسٍ ليس من الأولياء؛ لتلتبس (٣) أعيانهم فلا نشير (٤) إلى واحدٍ منهم إلا ويجوز أن يكون هو السادس. قال القاضي: "وهو مذهبٌ خالف فيه سائر المذاهب" (٥). ومنهم مَنْ شرط خمسةً وأطلق، حكاه الآمدي وابن برهان في "وجيزه" (٦). وقال طوائف من الفقهاء: ينبغي أن يبلغوا مبلغًا لا يحويهم (٧) بلد، ولا يحصرهم عدد (٨). قال إمام الحرمين: "وهو سَرَفٌ، ومجاوزةُ حدٍ، وذهولٌ عن مَدْرك الحق" (٩).

стр. 2173

قال: (ثم إنْ أخبروا عن عَيانٍ فذاك، وإلا فيُشترط ذلك في كل الطبقات). عدد التواتر إنْ أخبروا عن معاينة - (فذاك، وإن لم يخبروا عن معاينة) (١) - اشتُرِط وجود هذا العدد، أعني: الجمع الذي يستحيل تواطؤهم على الكذب في (٢) كل الطبقات، وهو مَعْنى قول الأصوليين لا بد فيه من استواء الطرفين والواسطة. وبهذا يتبين أن المتواتر قد ينقلب آحادًا، وربما اندرس دهرًا. فالمتواتر من أخبار رسول الله ﷺ ما اطردت الشرائط (٣) فيه عصرًا بعد عصر حتى انتهى إلينا، وهذا لا خفاء به. قال إمام الحرمين: "ولكنه ليس مِنْ شرط التواتر"، قال: "بل حاصل ذلك أن المتواتر قد ينقلب آحادًا، وليس من شرائط وقوع التواتر، فلا يصح تعبيرهم باشتراط استواء الطرفين والواسطة" (٤). . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2174

(١) (٢). قال: (الرابعة: مثلا لو أخبر واحدٌ بأن حاتمًا أعطى دينارًا، وآخر أنه أعطى فرسًا، وآخر أنه أعطى جملًا، وهلم جَرَّا - تواتر القدر المشترك؛ لوجوده في الكل). التواتر قد يكون لفظيًا وهو ما سبق، وقد يكون معنويًا: وهو أن يجتمع مَنْ يمتنع تواطؤهم على الكذب على الإخبار عن شيء، وتتباين أقوالُهم فيما يُخبرون به، ولكن يكون بينها قدر مشترك، فيحصل له التواتر؛ لوجوده في خبر كلِّ واحدٍ، ووقوع الاتفاق عليه ضمنًا؛ إذ الكل مخبرون عن ذلك المعنى المشترك، ضرورة إخباراتهم عن جزئياته. ومثال ذلك: ما إذا قال زيد: أعطى حاتمٌ دينارًا. وقال عمرو: أعطى فرسًا. وقال خالد: أعطى جملًا. وهلم جَرَّا، حتى بلغ (٣) عدد التواتر، فإنه يثبت بهذه

стр. 2175

الإخبارات القدر المشترك: وهو صدور الإعطاء منه. ولو أن زيدًا ذَكَرَ أنه أعطى وتصدق ووهب مرارًا (١)، وعمرو قال: أضاف وَوَقَف وأنْعم بالمال مرارًا (٢) وهلم جرَّا - لتواتر في نحو هذه الصورة شيئان: مجرد الإعطاء، والكرم (٣).
следующие страницы →